← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14456–14495 · переход к 14461.

стр. 14456

لا يتغير، فبالتالي سيبقى سبحانه غفوراً رحيماً. وتلحظ في أسلوب القرآن أنه يقرن دائماً بين هذين الوصفين غفور ورحيم؛ لأن الغفر سَلْب عقوبة الذنب، والرحمة مجيء إحسان جديد بعد الذنب الذي غُفِر، كأن تُمسِك في بيتك لصاً يسرق، فلك أنْ تذهب به للشرطة، ولك أن تعفو عنه وتتركه ينصرف إلى حال سبيله، وتستر عليه، وبيدك أنْ تساعده بما تقدر عليه ليستعين به على الحياة، وهذه رحمة به وإحسان إليه بعد المغفرة. وقد عُولجَتْ هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ... ﴾ [النحل: ١٢٦] وهذا التوجيه يضع لنا أول أساس من أسس المغفرة؛ لأنك لا تستطيع أبداً تقرير هذه المثلية، ولا تضمن أبداً إذا عاقبتَ أنْ تعاقب بالمثل، ولا تعتدي؛ لذلك تلجأ إلى جانب المغفرة، لكي لا تُدخِل نفسك في متاهة اعتداء جديد، يُوجب القصاص منك. وسبق أنْ حكْينا قصة المرابي الذي اشترط على مدينه إذا لم يسدِّد ما عليه في الوقت المحدد أن يأخذ رطلاً من لحمه، فلما تأخر اشتكاه المرابي عند القاضي، وذكر ما كان بينهما من شروط، فأقرَّه القاضي على شرطه، لكن ألهمه الله أنْ يقول للمرابي: نعم خُذْ رطلاً من لحمه، لكن بضربة واحدة، فإنْ زِدْتَ عنها أو نقصْتَ وفَّيناها من لحمك أنت، عندها تراجع المرابي، وتنازل عن شَرْطه. إذن: أجاز لك الشرع القصاصَ بالمثل ليجعل هذه المرحلة صعبة التنفيذ، ثم يفتح لك الحق سبحانه باب العفو والصفح في المرحلة الثانية: ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]

стр. 14457

ثم يُفسرها بحيثية أخرى، فيقول سبحانه: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين﴾ [آل عمران: ١٣٤] ومعنى كظم الغيظ أنني لم أنفعل انفعالاً غضبياً ينتج عنه ردّ فعل انتقامي، وجعلتُ غضبي في قلبي، وكظمتُه في نفسي، وهذه المرحلة الأولى، أما الثانية فتُخرِج ما في نفسك من غَيْظ وغضب وتتسامح وتعفو. ثم المرحلة الثالثة أنْ ترتقي إلى مرتبة الإحسان، فتُحسِن إلى مَنْ أساء إليك، وهذه رحمة، والرحمة؛ أنْ يميل الإنسان بالإحسان لعاجز عنه، فإنْ كان الأمر بعكس ذلك فلا تُسمَّى رحمة، كأن يميلَ العبدُ بإحسان إلى سيده. هذه صور أتتْ فيها الرحمة بعد المغفرة، وهذا هو الأصل في المسألة، وقد تأتي الرحمة قبل المغفرة، كأنْ تُمسك باللص الذي يسرق فتشعر أنه مُكْره على ذلك، وليس عليه أمارات الإجرام، فيرقّ له قلبك، وتمتد يدك إليه بالمساعدة، ثم تطلق سراحه، وتعفو عنه، فالرحمة هنا أولاً وتبعتها المغفرة. بعد ذلك لقائل أنْ يقول: ما موقف زيد بعد أنْ أبطل الله تعالى التبني، فصار زيدَ بن حارثة بعد أنْ كان زيد بن محمد؟ وكيف به بعد أنْ سُلِب هذه النعمة وحُرِم هذا الشرف؟ أضِفْ إلى ذلك ما يلاقيه من عنتَ المرجفين، وألسنة الذين يُوغرون صدره، ويُوقِعون بينه وبين رسول الله، وهو الذي اختاره على أبيه. لا شكَّ أن الجرعة الإيمانية التي تسلَّح بها زيد جعلتْه فوق هذا كله، فقد تشرَّب قلبه حبّ رسول الله، ووقر في نفسه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة

стр. 14458

مِنْ أَمْرِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ثم تأتي الآيات لتوضح للناس: لستم أحنَّ على زيد من محمد، لأن محمداً ﷺ َ أوْلى بالمؤمنين جميعاً من أنفسهم، لا بزيد وحده. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ ... ﴾ .

стр. 14459

فالمعنى: إذا كان النبي ﷺ َ أَوْلَى بالمؤمنين جميعاً من أنفسهم فما بالكم بزيد؟ إذن: لستُم أحنَّ على زيد من الله، ولا من رسول الله، وإذا كنتم تنظرون إلى الوسام الذي نُزِع من زيد حين صار زبد ابن حارثة بعد أنْ كان زيدَ بن محمد. فلماذا تُغمضون أعينكم عن فضل أعظم، ناله زيد من الله تعالى حين ذُكِر اسمه صراحة في قرآنه وكتابه العزيز الذي يُتْلَى ويُتعبَّد بتلاوته إلى يوم القيامة، فأيُّ وسام أعظم من هذا؟ فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣٧] قَوْل خالد يَخلُد معه ذِكْر زيد، وهكذا عوَّض الله زيداً عما فاته من تغيير اسمه. وقوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] ما المراد بهذه الأولوية من النبي ﷺ َ؟

стр. 14460

قالوا: هي ارتقاءات في مجال الإحسان إلى النفس، ثم إلى الغير، فالإنسان أولاً يُحسن إلى نفسه، ثم إلى القرابة القريبة، ثم القرابة البعيدة، ثم على الأباعد؛ لذلك يقول ﷺ َ: «ابدأ بنفسك، ثم بمَنْ تعول» . ويقولون: أوطان الناس تختلف باختلاف هِمَمها، فرجل وطنه نفسه، فيرى كل شيء لنفسه، ولا يرى نفسه لأحد، ورجل وطنه أبناؤه وأهله، ورجل يتعدَّى الأصول إلى الفروع، ورجل وطنه بلده أو قريته، ورجل وطنه العالم كله والإنسانية كلها. فرسول الله ﷺ َ تعدَّى خيره إلى الإنسانية كلها على وجه العموم، والمؤمنين على وجه الخصوص؛ لذلك «كان ﷺ َ إذا مات الرجل من أمته وعليه دَيْن، وليس عنده وفاء لا يُصلِّي عليه ويقول:» صَلُّوا على أخيكم «» . والنظرة السطحية هنا تقول: وما ذنبه إنْ مات وعليه دَيْن؟ ولماذا لم يُصَلِّ عليه الرسول؟

стр. 14461

قالوا: لم يمنع الرسولُ الصلاة عليه وقال: صَلُّوا على أخيكم؛ لأنه قال في حديث آخر: «مَنْ أخذ أموال الناس يريد أداءها - لم يَقُل أدّاها - أدى الله عنه» . أما وقد مات دون أنْ يؤدي ما عليه، فغالب الظن أنه لم يكُنْ ينوي الأداء؛ لذلك لا أصلي عليه، فلما نزل قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] صار رسول الله يتحمل الدَّيْن عمَّنْ يموت من المسلمين وهو مدين، ويؤدي عنه رسول الله، وهذا معنى ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] فالنبي أَوْلى بالمسلم من نفسه. ثم ألم يَقُلْ سيدنا رسول الله ﷺ َ أمام عمر: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من: نفسه، وماله، والناس أجمعين» ولصدْق عمر ﵁ مع نفسه قال: نعم يا رسول الله، أنت احبُّ إليَّ من أهلي ومالي، لكن نفسي. . فقال النبي صلى الله ﵇: «والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من نفسه» فلما رأى عمر أن المسألة عزيمة فَطِن إلى الجواب الصحيح، فلا بُدَّ أن الله أنطق رسوله بحُبٍّ غير الحبَ الذي أعرفه، إنه الحب العقلي، فمحمد ﷺ َ أحبُّ إليه من نفسه، والإنسان حين يحب الدواء

стр. 14462

المرَّ إنما يحبه بعقله لا بعاطفته، وكما تحب الولد الذكي حتى ولو كان ابناً لعدوك، أما ابنك فتحبه بعواطفك، وتحب مَنْ يثني عليه حتى ولو كان غيباً مُتخلِّفاً. ومشهورة عند العرب قصة الرجل الغني الذي روقه الله بولد متخلف، وكَبر الولد على هذه الحالة حتى صار رجلاً، فكان الطالبون للعطاء يأتونه، فيُثْنون عَلى هذا الولد، ويمدحونه إرضاء لأبيه، وطمعاً في عطائه، مع أنهم يعلمون بلاهته وتخلُّفه، إلى أن احتاج واحد منهم، فنصحوه بالذهاب إلى هذا الغنى، وأخبروه بنقطة ضَعْفه في ولده. وفعلاً ذهب الرجل ليطلب المساعدة، وجلس مع هذا الغني في البهو، وفجأة نزل هذا الولد على السُّلم كأنه طفل يلعب لا تخفى عليه علامات البَلَه والتخلف، فنظر الرجل إلى صاحب البيت، وقال: أهذا ولدك الذي يدعو الناس له؟ قال: نعم، قال: أراحك الله منه، والأرزاق على الله. وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] أي: أن أزواجه ﷺ َ أمهات للمؤمنين، وعليه فخديجة ﵂ أم لرسول الله بهذا المعنى؛ لأنه أول المؤمنين؛ لذلك كانت لا تعامله معاملة الزوجة، إنما معاملة الأم الحانية. ألاَ تراها كيف كانت تحنُو عليه وتحتضنه أول ما تعرَّض لشدة الوحي ونزول الملَك عليه؟ وكيف كانت تُطمئنه؟ ولو كانت بنتاً صغيرة لاختلفَ الأمر، ولاتهمتْه في عقله. إذن: رسول الله في هذه المرحلة كان في حاجة إلى أم رحيمة، لا إلى زوجة شابة قليلة الخبرة.

стр. 14463

وزوجاته ﷺ َ يُعْتبرن أمهات للمؤمنين به؛ لأن الله تعالى قال مخاطباً المؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تؤْذُواْ رَسُولَ الله وَلاَ أَن تنكحوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَداً ... ﴾ [الأحزاب: ٥٣] لماذا؟ لأن الرجال الذين يختلفون على امرأة توجد بينهم دائماً ضغائن وأحقاد. فالرجل يُطلِّق زوجته ويكون كارهاً لها، لكن حين يتزوجها آخر تحلو في عينه مرة أخرى، فيكره مَنْ يتزوجها، وهذه كلها أمور لا تنبغي مع شخص رسول الله، ولا يصح لمن كانت زوجة لرسول الله أن تكون فراشاً لغيره أبداً؛ لذلك جعلهن الله أمهات للمؤمنين جميعاً، وهذه الحرمة لا تتعدى أمهات المؤمنين إلى بناتهن، فمَنْ كانت لها بنت فلتتزوج بمَنْ تشاء. إذن: لا يجوز لإنسان مؤمن برسول الله ويُقدِّره قدره أنْ يخلفه على امرأته. لذلك كان تعدد الزوجات في الجاهلية ليس له حَدٌّ معين، فكان للرجل أن يتزوج ما يشاء من النساء، فلما جاء الإسلام أراد أنْ يحدد العدد في هذه المسألة، فأمر أنْ يُمسك الرجل أربعاً منهن، ثم يفارق الباقين، بمعنى أنه لا يجمع من الزوجات أكثر من أربع. أما رسول الله ﷺ َ فقد أمسك تسعاً من الزوجات، وهذه المسألة أخذها المستشرقون مَأخذاً على رسول الله وعلى شرع الله، كذلك مَنْ لَفّ لَفَّهم من المسلمين.

стр. 14464

ونقول لهؤلاء: أنتم أغبياء، ومَنْ لفَّ لفكم غبي مثلكم؛ لأن هذا الاستثناء لرسول الله جاء من قول الله تعالى له: ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٥٢] يعني: إنْ ماتت إحداهن لا تتزوج غيرها، حتى لو مُتْنَ جميعاً لا يحل لك الزواج بغيرهن، في حين أن غيره من أمته له أنْ يتزوج بدل إحدى زوجاته، إنْ ماتت، أو إنْ طلقها، وله أنْ يُطلِّق منهن مَنْ يشاء ويتزوج مَنْ يشاء، شريطة ألاَّ يجمع منهن أكثر من أربع، فعلى مَنْ ضيَّق هذا الحكم؟ على رسول الله؟ أم على أمته؟ إذن: لا تظلموا رسول الله. ثم ينبغي على هؤلاء أنْ يُفرِّقوا بين الاستثناء في العدد والاستثناء في المعدود، فكَوْن رسول الله يكتفي بهؤلاء التسع لا يتعدَّّاهن إلى غيرهن، فالاستثناء هنا في المعدود، فلو انتهى هذا المعدود لا يحلّ له غيره، ولو كان الاستثناء في العدد لجاز لكم ما تقولون. ومن ناحية أخرى: حين يمسك الرجل أربعاً، ويفارق الباقين من زوجاته لهن أنْ يتزوجن بغيره، لكن كيف بزوجاته ﷺ َ إنْ طلق خمساً منهن، وهُنَّ أمهات المؤمنين، ولا يحل لأحد من أمته الزواج منهن؟ إذن: الخير والصلاح في أنْ تبقى زوجات الرسول في عصمته. وما دام ﴿النبي أولى بالمؤمنين مِنْ أَنْفُسِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٦] كذلك يجب أن يكون المؤمنون أوْلى برسول الله من نفسه، ليردُّوا له هذه التحية، بحيث إذا أمرهم أطاعوه. ثم يقول تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين﴾ [الأحزاب: ٦]

стр. 14465

كلمة ﴿وَأُوْلُو الأرحام﴾ مأخوذة من الرحم، وهو مكان الجنين في بطن أمه، والمراد الأقارب، وجعلهم الله أوْلى ببعض؛ لأن المسلمين الأوائل حينما هاجروا إلى المدينة تركوا في مكة أهلهم وأموالهم وديارهم، ولم يشأ أنصار رسول الله أن يتركوهم بقلوب متجهة إلى الأزواج. فكانوا من شدة إيثارهم لإخوانهم المهاجرين يعرض الواحد منهم على أخيه المهاجر أنْ يُطلِّق له إحدى زوجاته ليتزوجها، وهذا لوْن من الإيثار لم يشهده تاريخ البشرية كلها؛ لأن الإنسان يجود على صديقه بأغلى ما في حوزته وملكه، إلا مسألة المرأة، فما فعله هؤلاء الصحابة لون فريد من الإيثار. وحين آخى النبي ﷺ َ بين المهاجرين والأنصار هذه المؤاخاة اقتضت أنْ يرث المهاجر أخاه الأنصارى، فلما أعزَّ الله الإسلام، ووجد المهاجرون سبيلاً للعيش أراد الحق سبحانه أنْ تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، فلم تَعُدْ هناك ضرورة لأنْ يرث المهاجر أخاه الأنصاري. فقررت الآيات أن أُولى الأرحام بعضهم أولى ببعض في مسألة الميراث، فقال سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المؤمنين والمهاجرين. .﴾ [الأحزاب: ٦] فقد استقرت أمور المهاجرين، وعرف كل منهم طريقه ورتبَّ أموره، والأرحام في هذه

стр. 14466

الحالة أوْلَى بهذا الميراث. وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأرحام. .﴾ [الأحزاب: ٦] تنبيه إلى أن الإنسان يجب عليه أنْ يحفظ بُضْعة اللقاء حتى من آدم ﵇؛ لأنك حين تتأمل مسألة خَلْق الإنسان تجد أننا جميعاً من آدم، لا من آدم وحواء. يُرْوى أن الحاجب دخل على معاوية، فقال له: رجل بالباب يقول: إنه أخوك، فقال معاوية: كيف لا تعرف إخوتي، وأنت حاجبي؟ قال: هكذا قال، قال: أدخله، فلما دخل الرجل سأله معاوية: أي إخوتي أنت؟ قال: أخوك من آدم، فقال معاوية: نعم، رحم مقطوعة، والله لأَكونَنَّ أول مَنْ يصلها. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا إلى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً. .﴾ [الأحزاب: ٦] الحق سبحانه يترك باب الإحسان إلى المهاجرين مفتوحاً، فمَنْ حضر منهم قسمة فَليكُنْ له منها نصيب على سبيل التطوع، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [النساء: ٨] وقوله سبحانه: ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الكتاب مَسْطُوراً﴾ [الأحزاب: ٦] أي: في أم الكتاب اللوح المحفوظ، أو الكتاب أي: القرآن. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية عامة لموكب الرسل جميعاً: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ... ﴾ .

стр. 14467

كلمة (إذ، إذا) ظرف لحدث، تقول: إذا جاءك فلان فأكرمه، فالإكرام مُعلّق بالمجئ، والمعنى هنا: واذكر إذْ أخذ الله من النبيين ميثاقهم، وهذه قضية عامة في الرسل جميعاً، ثم فصلَّها الحق سبحانه بقوله: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ. .﴾ [الأحزاب: ٧] الميثاق: هو العهد يُؤخذ بين اثنين، كالعهد الذي أخذه الله تعالى أولاً على الخَلْق جميعاً، وهم في مرحلة الذَّرِّ، والذي قال الله عنه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ... ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فما العهد الذي أخذه الله على النبيين؟ العهد هنا هو: الاصطفاء والاختيار من الله لبشر أنْ يكون رسولاً وسفيراً بين الله تعالى والخلق، وحين يصطفي الله رسولاً ليبلِّغ الناس شرع الله، هذا الاصطفاء لا يرد، إذن، فهو عرض مقبول، وحين يقبله الرسول كأنه أخذ عهداً وميثاقاً من الله تعالى بأنْ يحمل رسالة الله إلى الخَلْق، فهي - إذن - مسألة إيجاب وقبول. فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ. .] [الأحزاب: ٧] الآخذ هو الحق سبحانه، والمأخوذ منه هم النبيون، والميثاق: العهد الموثَّق، والعهد تعاهد وتعاقد بين طرفين على أمر يُحقِّق الصالح عندهما معاً، ولو اختلف واحد منهما ما تَمَّ العقد، فإنْ كان الطرفان متساويين اشترط كل منهما ما يراه لنفسه في العقد. فإنَّ كان الميثاق من الأعلى إلى الأدنى فهو الذي يأخذ العهد للأدنى، لماذا؟ لأنك جعلتَه في مرتبة أنْ يعطي عهداً، ويُوثق بينك وبينه أشياء؛ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَمِيثَاقَهُ الذي وَاثَقَكُم بِهِ ... ﴾ [المائدة: ٧] والمواثقة مفاعلة بين الطرفين: أنتم واثقتُموه به وهو واثقكم به؛ لأن

стр. 14468

الرسل حين يختارهم الله، لا شكَّ أنه سبحانه يعلم حيث يجعل رسالته، فإذا اختار الله رسولاً، فقبول الرسول للرسالة ارتضاء منه بما يريده الله من العهد. وهل رأينا رسولاً في موكب الرسالات عُرِضَتْ عليه الرسالة فرفضها؟ إذن: قبول الرسالة كأنه العهد، جاء من طرف واحد في إملاء شروطه؛ لأنه الطرف الأعلى، وحيثية التوثيق في أن الله اختاره، وجعله أهْلاً للاصطفاء للرسالة. لذلك رأينا في قصة سيدنا موسى ﵇ لما اصطفاه الله للرسالة آنس من نفسه أنها مسألة كبيرة بالنسبة له، لكن لم يردَّها، إنما طلب من الله أنْ يسانده في هذه المسئولية أخوه هارون، فقال للحق : ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي ... ﴾ [القصص: ٣٤] فلم يقل: أنا لا أصلح لهذه المسألة، إنما أذعن لأمر الله، فالله أعلم حيث يجعل رسالته، ومسألة العقدة التي في لسانه يستعين عليها بأخيه. إذن: كلمة (الميثاق) تدور حول الشيء المؤكَّد الموثَّق، ومنه قوله تعالى عن الأعداء: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الذين كَفَرُواْ فَضَرْبَ الرقاب حتى إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الوثاق ... ﴾ [محمد: ٤] ثم يأتي تفصيل هذه القضية العامة: ﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ

стр. 14469

وموسى وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ. .﴾ [الأحزاب: ٧] قوله (مِنْكَ) أي من سيدنا رسول الله، خاتم الأنبياء والمرسلين، لكن لماذا قدَّم محمداً ﷺ َ على نوح ﵇، وهو الأب الثاني للبشرية كلها بعد آدم ﵇؟ نعلم أن البشرية كلها من سلالة آدم ﵇، إلى أنْ جاء عهد نوح ﵇، فانقسموا إلى مؤمن وكافر، ثم جاء الطوفان ولم يَبْقَ على وجه الأرض إلا نوح ومَنْ آمن به، فكان هو الأب الثاني للبشر بعد سيدنا آدم. لذلك يقول البعض: إن نوحاً ﵇ رسالته عامة، كما أن رسالة محمد ﵊ ُ عامة. ونقول: عمومية نوح كانت لمن آمن به ولأهل السفينة في زمن معلوم ومكان محدد، أما رسالة محمد فهي عامة في كل الزمان، وفي كل المكان. أما تقديم ذكر محمد ﷺ َ أولاً؛ لأن الواو هنا عادة لا تقتضي ترتيباً ولا تعقيباً، إنما هي لمطلق الجمع، ثم قدم رسول الله لأنه المخاطب بهذا الكلام، ومن إكرامه الله لرسوله أنْ يبدأ به في مثل هذا المقام، ثم لهذا التقديم ملحظ آخر نفهمه من قوله ﷺ َ عن نفسه «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين» . ثم يخصُّ بالذكر هنا نوحاً؛ لأنه الأب الثاني للبشر، ثم إبراهيم وموسى وعيسى، فإبراهيم، لأن العرب كانت تؤمن به، وتعلم أنه

стр. 14470

أبو الأنبياء، وتُقدِّر علاقته بالكعبة ورَفْع قواعدها، وأنه قدوة في مسألة الذَّبْح والسَّعي وغيرها. وموسى وعيسى؛ لأن اليهودية والمسيحية ديانتان معاصرتان لدعوة رسول الله، حيث كان اليهود في المدينة، والنصارى في نجران، وهما أهل الكتاب الذين كان بينهم وبين رسول الله مواقف شتى، وكانت لهم في الجزيرة العربية السيادة العلمية والسيادة الاقتصادية والسيادة العمرانية والسيادة الحربية، وكأنهم هم أصحاب هذه البلاد. ومن العجيب أن هؤلاء كان الله سبحانه - في ميثاقهم مع أنبيائهم - يدخرهم ليشهدوا لمحمد بصِدْق دعوته؛ لذلك كانوا يستفحتون بمحمد على الذين كفروا ويقولون لعبدة الأصنام: لقد أطلّ زمان نبي سنتبعه، وتقتلكم به قتْل عاد وإرم، فكانوا يعرفون زمان رسول الله وموطنه، وأنه سيُبعث في أرض ذات نخل، ومن صفاتها كذا وكذا، لذلك لما قطَّعهم الله في الأرض أمماً وشتتهم، جاء المشتغلون منهم بالعلم إلى يثرب ينتظرون بعثته ﷺ َ. لذلك يقول تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] إذن: فأهل الكتاب كان من المفترض فيهم أنْ يشهدوا لرسول الله بِصدْق الرسالة، لكن يحكي القرآن عنهم بعد هذا كله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ [البقرة: ٨٩] فكيف إذن تم هذا التحول؟ وكيف تنقلب عقيدة القلب إلى تمرُّد القالب؟ قالوا: إنها السلطة الزمنية التي أحبوا أنْ تبقى، وأنْ تدوم لهم. فقد بُعِث الرسول وهم أهل مال وتجارة وأهل حِرَف وعمارة،

стр. 14471

وخافوا من رسول الله ومن الدين الجديد أن يسلبهم هذه المكانة، وأنْ يقضي على هذه السيادة، لذلك قال القرآن عنهم: ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله بَغْياً أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [البقرة: ٩٠] لهذا خصَّ بالذكْر هنا موكب الأنبياء موسى وعيسى ﵉. ونلحظ أن السياق ذكر موسى ﵇، ولم يذكر له أباً، أما في عيسى ﵇ فقال: ﴿وَعِيسَى ابن مَرْيَمَ. .﴾ [الأحزاب: ٧] وهذا دليل على أنه يؤكد الأصالة في الإنجاب، فالأب هو الأصل إنْ وَجِد مع الزوجة، فإنْ لم يوجد الأب فالأبوة للزوجة؛ لذلك نسب ﵇ إلى إمه. وجاءت هذه المسألة لتبرهن على طلاقة القدرة الإلهية، فمسألة الخَلْق ليست عملية ميكانيكية تخضع لقانون، إنما هي قدرة الله التي خلقتْ آدم بدون أب ولا أم، وخلقت حواء من أب دون أم، وخلقتْ عيسى ﵇ من أم بدون أب، وخلقتْ سائر الخَلْق من أب وأم، وهكذا استوفى الخَلْق القسمة العقلية في كل صورها. وقوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [الأحزاب: ٧] أي: من الأنبياء، والميثاق الغليظ أي المؤكد، فقد وسّعه الله وأكده حينما أخبر أنبياءه ورسله أنهم سيُضطهدون وسيُحاربون من أممهم. لذلك لم يُوصَف الميثاق بأنه غليظ إلا في هذا الموضوع، وفي علاقة الرجل بالمرأة حين يطلقها، وقد فرض لها مهراً، فينبغي أنْ يُؤديه إليها، ولو كان قنطاراً، يقول سبحانه: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢١]

стр. 14472

فسمّى الميثاق بين الزوجين ميثاقاً غليظاً أي: قوياً ومتيناً؛ لأنه في العِرْض، ولم يُوصَف الميثاق فيما دون ذلك بأنه غليظ. وهذا الميثاق الذي أخذه الله تعالى على الرسل المذكِّرين المبشِّرين المنذرين جاء تفصيله في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين﴾ [آل عمران: ٨١] والشيء الذي شهد الله عليه لا يحتاج إلى قضاء، لكن لماذا أخذ الله هذا العهد؟ قالوا: لأن الذي لا يؤمن بإله ليس لديه دين يتعصَّب له حين يأتي رسول جديد، لكن من الصَّعب على الإنسان أن يكون له دين، ثم يأتي رسول جديد ليزحزحه عن دينه، وهنا تكمن المشقة التي يعانيها الرسل. لذلك قال الله تعالى للرسل: من تمام ميثاقكم أن تقولوا لأقوامكم إذا جاءكم رسول مُصدِّق لما معكم لتُؤمنن به ولتنصرنه، ثم أقررهم على ذلك، وأشهدهم عليه فشهدوا، والمعنى: إياكم أن تتركوا أممكم التي تؤمن بكم بدون أنْ تضعوا لهم هذه القاعدة، ففيها الوقاية لهم.

стр. 14473

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِّيَسْئَلَ الصادقين عَن ... ﴾ .

стр. 14474

اللام هنا في ﴿لِّيَسْأَلَ. .﴾ [الأحزاب: ٨] لام التعليل، فالمعنى أننا أخذنا من النبيين الميثاق، لكن لن نتركهم دون سؤال ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النبيين مِيثَاقَهُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٧] لماذا؟ ﴿لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٨] لكن إذا كان المبلِّغ صادقاً، فكيف يسأل عن صدقه؟ سؤال الصادق عن صِدْقه ليس تبكيتاً للصادق، إنما تبكيتاً لمن كذَّب به، سنسأل الرسل: أبلغتم هؤلاء؟ ويقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ... ﴾ [المائدة: ١٠٩] ويسأل الله القوم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا ... ﴾ [الأنعام: ١٣٠] فالاستفهام هنا للتقريع والتبكيت لمن كذَّب. أو: يكون المعنى ﴿لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٨] أي: أنتم بشَّرتم بأن الإله واحد، فأنتم صادقون؛ لأنكم أخذتُمْ هذه مني، ولما قامت الساعة ولم تجدوا إلهاً آخر يحمي الكافرين، إذن: فقد صدقت فيما أخبرت به، وصدقتم فيما بلغتم عني، حيث لم تجدوا في الآخرة إلا الإله الواحد. لذلك يقول سبحانه: ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ [النور: ٣٩] ولو كان معه سبحانه إله آخر لَدافع عن هؤلاء الكافرين، ومنعهم من العذاب. كذلك يسأل الرسل عن البعث الذي وعد الله به، وبلَّغوه لأممهم،

стр. 14475

وعن الحساب وما فيه من ثواب وعقاب، وكأن الحق سبحانه يسألهم: هل تخلَّف شيء مما أخبرتكم به؟ هل قصرت في إثابة المحسن أو معاقبة المسيء؟ إذن: صدق كلامي كله. كما تجلس مع ولدك مثلاً تراجع معه المواد الدراسية، وتحثُّه على المذاكرة فيُوفَّق في الامتحان، ثم تسأله: ماذا فعلت في إجابة السؤال الفلاني؟ فأنت لا تقصد الاستفهام، إنما تستعيد معه أمجاد ما أنجزه بالفعل تسأله عن توفيق الله له، كذلك الحق سبحانه يستعيد مع الرسل وَقَفْتهم لدين الله وإعلاءَهم كلمة الحق في هذه الساعة ولا مردَّ لها. إذن: فسؤال الصادقين عن صدقهم تكريم لهم، وشهادة بأنهم أدَّوْا ما عليهم، وهو كذلك تبكيت لمن كذَّب بهم. ثم يقول سبحانه: ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الأحزاب: ٨] والفعل الماضي هنا دليل على أن كل شيء معدٌّ وموجود سَلَفاً، ولن ينشيء الحق سبحانه شيئاً جديداً، كذلك قال عن الجنة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] وسبق أنْ أوضحنا أن الله تعالى خلق الجنة لتسع الناس جميعاً إنْ آمنوا، وخلق النار كذلك تسع الناس جميعاً إن كفروا، يعني: لن تكون هناك أزمة أماكن، فإذا ما أخذ أهل الإيمان أماكنهم من الجنة

стр. 14476

تتبقى أماكن الذين كفروا شاغرة، فيقول تعالى للمؤمنين: خذوها أنتم: ﴿وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] وقد وصف العذاب مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، ومرة بأنه شديد، ولكل منها ملحظ، فالأليم يُلحظ فيه القسوة والإيلام، والعذاب المهين يُلحظ فيه إهانة المعذَّب والنيل من كرامته، فمن الناس مَنْ يحاول التجلُّد، ويُظهر تحمل الألم وعدم الاكتراث به، في حين يؤلمه أنْ تنال من كرامته، فيناسبه العذاب المهين.

стр. 14477

أراد الحق سبحانه أنْ يُدلِّل على قوله لرسوله في الآيات السابقة: ﴿وَتَوَكَّلْ على الله وكفى بالله وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: ٣] فجاء بحادثة جمعتْ كل فلول خصومه، فقد سبق أن انتصر عليهم متفرقين، فانتصر أولاً على كفار مكة في بدر، وانتصر على اليهود في بني النضير وبني قينقاع، وهذه المرة اجتمعوا جميعاً لحربه ﷺ َ، ومع ذلك لن يؤثر جمعهم في الصدِّ عن دعوتك، وسوف تُنصَر عليهم بجنود من عند الله. إذن: فحيثية (وتوكل على الله) هي قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٩] النعمة: الشيء الذي يخالط الإنسان بسعادة وبِشْر وطلب استدامته، وهذه الصفات لا تتوافر إلا في الإيمان؛ لأن استدامة النعمة فيه تعدَّتْ زمن الدنيا إلى زمن آخر دائم وباقٍ في الآخرة، وإنْ كانت نعمة الدنيا على قَدْر أسبابك وإمكاناتك، فنعمة الآخرة على قَدْر المنعمِ سبحانه، فهي إذن: نعمة النعم.

стр. 14478

والله تعالى يخاطب هنا المؤمنين، ومعنى الإيمان هو اليقين بوجود إله واحد له كل صفات الجلال والكمال، والله سبحانه يكفي العقل أنْ يهتدي إلى القوة الخالقة الواحدة التي لا تعاند، لكن ليس من عمل العقل أنْ يعرف مثلاً اسم هذا الإله، ولا أن يعرف مراده، فكان ولا بُدَّ من البلاغ عن الله. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بمَنْ يطرق علينا الباب، فنتفق جميعاً بالعقل على أن طارقاً بالباب، هذا هو عمل العقل، لكن أمن عمل العقل أن نعرف مَنْ هو؟ أو نعرف مقصده من المجيء؟ وهذا ما نسميه التصور. فآفة العقل البشري أنه لم يقنع بالتعقل للقوة القاهرة الفاعلة، فكان يكفيه أن يتعقل أن وراء هذا الكون قوةً، هذه القوة لها صفات الكمال التي بها أوجدتْ هذا الكون، فإنْ أردنا معرفة ما هي هذه القوة فلابُدَّ أنْ نترك هذا الطارق ليخبرنا عن نفسه، ويفصح عن هدفه وسبب مجيئه، ولا يتم ذلك إلا من خلال رسول يأتي من عند الله يخبرنا عن هذه القوة، عن الله، عن أسمائه وصفاته ومنهجه الذي ارتضاه لخَلْقه، وما أعدَّه الله لمَنْ أطاعه من النعيم، وما أعدَّه لمَنْ عصاه من العذاب. فإنْ كذَّبنا هذا الرسول، وطلبنا دليلاً على صِدْقه في البلاغ أخرج لنا من المعجزات ما يؤيده وما يحملنا على تصديقه؛ لأنه أتى بلونٍ مما ننبغ فيه نحن، وفن من فنوننا، ومع ذلك عجزنا عن الإتيان بمثله. إذن: فالتعقُّل أول مراحل الإيمان: لذلك فإن أبسط ردٍّ على مَنْ يعبدون غير الله أن نقول لهم: بماذا أمرتكم آلهتكم؟ وعمَّ نهتْكم؟ وماذا أعدَّتْ لمن أطاعها؟ وماذا أعدَّت لمنْ عصاها؟ ما المنهج الذي تستعبدكم به؟

стр. 14479

فكان من منطق العقل ساعةَ يأتينا رسول من عند الله أنْ نستشرف له، ونُقبل عليه، ونسأله عن اللغز الذي لا نعرفه من أمور الحياة والكون، كان علينا أن نستمع له، وأن ننصاع لأوامره؛ لأنه ما جاء إلا ليُخرجنا من مأزق فكري، ومن مأزق عقلي لا يستطيع أحد مِنَّا أنْ يُحلِّله، كان على القوم أن يتلهفوا على هذا الرسول، لا أن يعادوه ويعاندوه، لما لهم من سلطة زمنية ظنوها باقية. وقوله تعالى: ﴿اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٩] ما هو الذكر؟ العقل حين يتلقَّى المعلومات من الحواسِّ يقارن بينها ويُغربلها، ثم يحتفظ بها في منطقة منه تمثل خزينة للمعلومات، وما أشبه العقل في تلقي المعلومات بلقطة (الفوتوغرافيا) التي تلتقط الصورة من مرة واحدة، والناس جميعاً سواء في تلقي المعلومات، المهم أن تصادف المعلومة خُلوّ الذِّهْن مما يشغله. وهذه المنطقة في العقل يسمونها بؤرة الشعور، وهي لا تلتقط إلا جزئية عقلية واحدة، فإذا أردتَ استدعاء معلومة من الحافظة، أو من حاشية الشعور، فالذاكرة هي التي تستدعي لك هذه المعلومة، وتُخرِجها من جديد من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور. ثم هناك ما يُسمَّى بتداعي المعاني، حين يُذكِّرك شيء بشيء آخر، وهناك المخيِّلة، وهي التي تُلفِّق أو تُؤلِّف من المعلومات المختزنة شيئاً جديداً، ونسميه التخيُّل، فالشاعر العربي حين أعجبه الوشم باللون الأخضر على بشرة شابة بيضاء تخيَّلها هكذا.

стр. 14480

خَوْدٌ كأنَّ بَنَانَهَا فِي ... نَقْشِهِ الوَشْمِ المُزَرَّدْ سَمَكٌ مِنَ البللَّوْرِ فِي ... شَبَكِ تكوَّنَ مِنْ زَبَرْجَدْ فهذه صورة تخيُّلية خاصة بالشاعر، وإلا فَمْن مِنَّا رأى سمكاً من البللور في شبك من زبرجد؟ فللشاعر نظرته الخاصة للصور التي يراها، وسبق أنْ ذكرنا الصورة التي رسمها الشاعر للأحدب، فقال: قَصُرَتْ أَخَادِعُه وغَاصَ قَذَالُه ... فَكأنَّهُ مُترِّبصٌ أنْ يُصْفَعَا وكأنَّمَا صُفِعَتْ قفَاهُ مرةً ... فَأحسَّ ثانيةً لَهَا فَتَجمَّعا ومنذ القِدَم يعتبر الشعراء محلاً للحب وللمشاعر، لكن يخرج علينا هذا الشاعر بصورة أخرى جديدة من نَسْج خياله، فيقول: خَطَرَاتُ ذِكْرِكَ تَسْتَثِيرُ مَودَّتيِ ... فَأُحِسُّ مِنْها فِي الفُؤادِ دَبيبا لاَ عُضْوَ لِي إلاَّ وَفيهِ صَبَابَةٌ ... فَكأنَّ أَعْضَائي خُلِقْنَ قُلُوبَا

стр. 14481

فمعنى: ﴿اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٩] لا تمروا على النعم بغفلة لرتابتها عندكم، بل تذكروها دائماً، واجعلوها في بؤرة شعوركم؛ لذلك جعل الله الذكر عبادة، وهو عبادة بلا مشقة، فأنت حين تصلي مثلاً تستغرق وقتاً ومجهوداً للوضوء وللذهاب للمسجد، كذلك حين تزكي تُخرِج من مالك، أما الذكْر فلا يُكلِّفك شيئاً. لذلك في سورة الجمعة حينما يستدعي الحق سبحانه عباده للصلاة، يقول: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ... ﴾ [الجمعة: ٩] فهنا حركتان: حركة إيجاب بالسعي إلى الصلاة، وحركة سَلْب بترْكِ البيع والشراء، وكلّ ما يشغلك عن الصلاة. ثم يقول تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً ... ﴾ [الجمعة: ١٠] وفي موضع آخر قال: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فإياك أن تظن أن الله يريد أنْ تذكره ساعة الصلاة فحسب، إنما اذكره دائماً وأبداً، وإنْ كانت الصلاة لها ظرف تُؤدِّي فيه، فذِكْر الله لا وقتَ له؛ لذلك جعله الله يسيراً سهلاً، لا مشقة فيه، لا بالوقت ولا بالجهد، فيكفي في ذِكْر الله أنْ تتأمل المرائي التي تمر بها ويقع عليها نظرك لترى فيها قَدرة الله. والحق سبحانه يُذكِّرنا بنعمه؛ لأن النعمة بتواليها على النفس البشرية تتعوَّد عليها النفس، ويحدث لها رتابة، فلا تلتفت إليها، فأنت مثلاً ترى الشمس كل صباح، لكن قلَّما تتذكر أنها آية من آيات الخالق ونعمة من نعمه؛ لأنك تعوَّدت على رؤيتها، وأصبحت رتيبة بالنسبة لك.

стр. 14482

كذلك يلفتنا الحق سبحانه إلى نعمه حين يسلبها من الآخرين، فحين ترى السقيم تذكَّر نعمة العافية، وحين ترى الأعمى تذكَّر نعمة البصر. . الخ وساعتها ينبغي عليك أنْ تشكر المنعم الذي عافاك مما ابتلى به غيرك، إذن: فهذه الشواذ جعلها الله وسائل للإيضاح وتذكيراً للخلق بنِعَم الخالق. والنعمة وردتْ هنا مفردة، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وقد وقف أعداء الإسلام من المستشرقين أمام هذه الآية يعترضون على أن النعمة فيها مفردة، يقولون: فكيف تُعَدُّ؟ وهذا الاعتراض منهم ناشئ عن عدم فَهْم لمعاني وأساليب القرآن. ونقول: الذي تروْنه نعمة واحدة، لو تأملتُم فيها لوجدتم بداخلها نِعَماً متعددة تفوق العَدَّ؛ لذلك استخدم القرآن هنا (إنْ) الدالة على الشك؛ لأن نِعَم الله ليست مظنَّة العَدِّ والإحصاء كرمال الصحراء، هل تعرَّض أحد لعدِّها؟ لأنك لا تقبل على عَدِّ شيء إلا إذا كان مظنَّةَ العَدِّ، وإحصاء المعدود. لذلك، فالحق سبحانه يوضح لنا: إنْ حاولتم إحصاء نِعَم الله - وهذا لن يحدث - فلن تستطيعوا عدَّها، مع أن الإحصاء أصبح عِلْماً مستقلاً، له جامعات وكليات تبحث فيه وتدرسه. ولك أنْ تأخذ نعمة واحدة من نِعَم الله عليك، ثم تتأمل فيها وفي عناصرها ومُكوِّناتها وفوائدها وصفاتها، وسوف تجد في طيَّات النعمة الواحدة نِعَماً شتَّى، فالتفاحة مثلاً في ظاهرها نعمة واحدة، لكن في ألوانها ومذاقها وعناصر مكوناتها ورائحتها واختلاف وتنوُّع هذا كله نِعَم كثيرة.

стр. 14483

والحق سبحانه جعل نِعَمه عامة للمؤمن وللكافر؛ لأنه سبحانه جعل لها أسباباً، مَنْ أحسَنَ هذه الأسباب أعطتْه، حتى لو كان كافراً. ثم نلاحظ في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] أنها وردتْ في القرآن مرتين، ولكل منهما تذييل مختلف، فمرَّة يقول تعالى: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، ومرة يقول: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] وفيه إشارة إلى أن الله تعالى لو عامل المنعَم عليهم من الخَلْق بما يقتضيه إيمانهم، وما يقتضيه كفرهم، لأعطى المؤمن وسلَبَ الكافر، لكنه سبحانه غفور رحيم بخَلْقه، فبهاتين الصفتين يُنعِم سبحانه على الجميع، وما ترفلون فيه من نِعَم الله عليكم أثر من آثار الغفران والرحمة، فغفر لكم معايبكم أولاً، والغفر: أنْ تستر الشيء القبيح عَمَّن هو دونك. ثم الرحمة، وهي أنْ تمتدَّ يدك بالإحسان إلى مَنْ دونك، وسبق أنْ أوضحنا أن المغفرةَ تسبق الرحمةَ، وهذه هي القاعدة العامة، لكن قد تسبق الرحمةُ المغفرةَ؛ ذلك لأن السَّلب للشيء المذموم ينبغي أن يسبق النعمة، أو: أنْ دَفْع الضرر مُقدَّم على جَلْب المنفعة. وقد مثَّلْنا لذلك باللصِّ تجده في دارك، فتستر عليه أولاً حين لا تسلمه للبوليس، ثم يرقّ له قلبك، فتمتد يدُك إليه بالإحسان، وهنا تسبق المغفرة الرحمةَ، وقد تتصرف معه بطريقة أخرى، بحيث تقدَّم فيها الرحمةَ على المغفرة، والمغفرة لا تكون إلا من الأعلى للأدنى، فتستر على القبيح قُبْحه، وأنت أعلى منه، فلا يقال مثلاً للخادم: إنه ستر على سيده.

стр. 14484

ثم يرسل لنا الحق هذه البرقية الدالَّة على تأييده سبحانه لعبادة المؤمنين: ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ [الأحزاب: ٩] فالجنود تُؤذِن بالحرب، وجاءت نكرة مُبْهمة، ثم جاءت نهاية هذه المعركة في هاتين الجملتين القصيرتين ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا. .﴾ [الأحزاب: ٩] ولم يذكر ما هية هؤلاء الجنود، إلا أنهم من عند الله، جاءوا لردِّ هؤلاء الكفار وإبطال كيدهم. ثم يأتي بمذكرة تفسيرية توضح مَنْ هم هؤلاء الجنود: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ ... ﴾ .

стр. 14485

هذا وَصف لما جرى في غزوة الأحزاب التي جمعتْ فُلول أعداء رسول الله، فقد سبق أنْ حاربهم مُتفرِّقين، والآن يجتمعون لحربه ﷺ َ، فجاءت قريش ومَنْ تبعها من غطفان وأسد وبني فزارة وغيرهم، وجاء اليهود من بني النضير وبني قريظة، وعجيب أنْ يجتمع كل هؤلاء لحرب الإسلام على ما كان بينهم من العداوة والخلاف. وقلنا: إن أهل الكتاب كانوا يستفتحون برسول الله على كفار مكة، ثم جاءت الآيات لتجعل من أهل الكتاب شهداء على صِدْق رسول الله، فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣] ولو قدَّر أهل الكتاب هذه الشهادة التي قرنها الحق سبحانه بشهادته، لَكَان عليهم أنْ يؤمنوا بصِدْق رسول الله ﷺ َ. والمعنى ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: اذكر يا محمد وتخيَّل وتصوَّر إذ جاءكم الأحزاب، وتجمَّعوا لحربك ﴿مِّن فَوْقِكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: من ناحية الشرق، وهُمْ: غطفان، وبنو قريظة، وبنو النضير ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: من ناحية الغرب وهم قريش، ومَنْ تبعهم من الفزاريين والأسديين وغيرهم ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الأبصار. .﴾ [الأحزاب: ١٠] أي: اذكر إذ زاغت الأبصار، ومعنى زاغ البصر أي: مال، ومنه قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى﴾ [النجم: ١٧] ف (زاغت الأبصار) يعني: مالتْ عن سَمْتها وسنمها، وقد خلق الله العين على هيئة خاصة، بحيث تتحرك إلى أعلى، وإلى أسفل، وإلى اليمين، وإلى الشمال، ولكل اتجاه منها اسم في اللغة، فيقولون: رأى أي: بجُمْع عَيْنه، ولمح بمؤخَّر مُوقِه، ورمق أي: من ناحية أنفه. . الخ

стр. 14486

فسَمْت العين وسَنمها أنْ تتحرك في هذه الاتجاهات، فإذا فزعتْ من شيء أخذ البصر، مال عن سَمْته من التحول، لذلك يقول تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ ... ﴾ [الأنبياء: ٩٧] وقال: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ [إبراهيم: ٤٢] وشخوص البصر أنْ يرتفع الجَفْن الأعلى، وتثبت العين على شيء، لا تتحرَّك إلى غيره. وفي موضع آخر قال تعالى عن المنافقين والمعوِّقين: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ... ﴾ [الأحزاب: ١٩] لأن الهول ساعة يستولي الأعين، فمرة تشخص العين على ما ترى لا تتعداه إلى غيره من شدة الهول، ومرة تدور هنا وهناك تبحث عن مفرٍّ أو مخرجٍ مما هي فيه، فهذه حالات يتعرَّض لها الخائف المفزَّع. وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ القلوب الحناجر. .﴾ [الأحزاب: ١٠] معلوم ان الحنجرة أعلى القصبة الهوائية في هذا التجويف المعروف، فكيف تبلغ القلوبُ الحناجرَ؟ هذا أثر آخر من آثار الهول والفزع، فحين يفزع الإنسان يضطرب في ذاته، وتزداد دقَّات قلبه، وتنشط حركة التنفس، حتى ليُخيَّل للإنسان من شدة ضربات قلبه أن قلبه سينخلع من مكانه، ويقولون فعلاً في العامية (قلبي هينط مني) وقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بالله الظنونا﴾ [الأحزاب: ١٠]

стр. 14487

أي: ظنوناً مختلفة تأخذهم وتستولي عليهم، فكلٌّ له ظنٌّ يخدم غرضه، فالمؤمنون يظنون أن الله لن يُسلمهم، ولن يتخلى عنهم، والكافرون يظنون أنهم سينتصرون وسيستأصلون المؤمنين، بحيث لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك. ونلحظ في هذه الآية أن الحق سبحانه لا يكتفي بأنْ يحكي له ما حدث، إنما يجعله ﷺ َ يستحضر الصورة نفسه، فيقول له: اذكُرْ إذ حدث كذا وكذا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون ... ﴾ .

стр. 14488

﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون. .﴾ [الأحزاب: ١١] أي: اختُبِروا وامْتُحِنوا، فقَوِيُّ الإيمان قال: لن يُسلمنا الله. والمنافق قال: هي نهاية الإسلام والمسلمين ﴿وَزُلْزِلُواْ. .﴾ [الأحزاب: ١١] الزلزلة هي الهزة العنيفة التي ينشأ عن قوتها تَخْلخل الأشياء، لكن لا تقتلعها، والمراد أنهم تعرَّضوا لكرب شديد زلزل كيانهم، وميَّز مؤمنهم من منافقهم؛ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿وَإِذْ يَقُولُ المنافقون والذين ... ﴾ .

стр. 14489

المنافقون هم أنفسهم الذين في قلوبهم مرض، فهما شيء واحد، وهذا العطف يُسمُّونه «عطف البيان» . والغرور أنْ تخدع إنساناً بشيء مُفْرح في ظاهره، محزن في باطنه، تقول: ما غرَّك بالشيء الفلاني كأن في ظاهره شيئاً يخدعك ويغرّك، فإذا ما جئتَ لتختبره لم تجده كذلك.

стр. 14490

﴿وَإِذْ. .﴾ [الأحزاب: ١٣] هنا أيضاً بمعنى: واذكر ﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأهل يَثْرِبَ. .﴾ [الأحزاب: ١٣] يثرب: اسم للبقعة التي تقع

стр. 14491

فيها المدينة، وقد غيَّر رسول الله ﷺ َ اسمها إلى (طَيْبة) . ومعنى: ﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: في الحرب ﴿فارجعوا. .﴾ [الأحزاب: ١٣] يعني: اتركوا محمداً وأتباعه في أرض المعركة واذهبوا، أو ﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: على هذا الدين الذي تنكرونه بقلوبكم، وتساندونه بقوالبكم. ثم يكشف القرآن حيلة فريق آخر يريد الفرار ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي. .﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: في عدم الخروج للقتال ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. .﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: ليست مُحصّنة، ولا تمنع مَنْ أرادها بسوء. يقال: بيت عورة إذا كان غير مُحْرز، أو غير محكم ضد مَنْ يطرقه يريد به الشر، كأن يكون منخفضاً أو مُتهدِّم الجدران يسهل تسلُّقه، أو أبوابه غير محكمة. . إلخ. كما نقول في العامية (مَنَطٌّ) ، لكن الحق سبحانه يثبت كذبهم، ويبطل حجتهم، فيقول ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: ١٣] إنما العلة في ذلك ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: من المعركة إشفاقاً من نتائجها ومخافةَ القتل. ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ... ﴾ .

стр. 14492

﴿دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٤] أي: البيوت: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] من نواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة﴾ [الأحزاب: ١٤] أي: طُلب منهم الكفر ﴿لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني: لكفروا. ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ

стр. 14493

يَسِيراً﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني: ما يجعل الله لهم لُبْثاً وإقامة إلا يسيراً، ثم ينتقم الله منهم.

стр. 14494

﴿عَاهَدُواْ الله. .﴾ [الأحزاب: ١٥] أخذ الله عليهم العهد وقَبلوه، وهو ما حدث في بيعة العقبة حين عاهدوا رسول الله على النُّصْرة والمؤازرة. أو: يكون الكلام لقوم فاتتهم بدر وفاتتْهم أُحُد، فقالواك والله لئن وقفنا في حرب أخرى لنبلونّ فيها بلاءً حسناً. وعَهْد الله هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عهد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلَّفك به، وإياك أنْ تُخِلَّ بأمر من أموره، لأن الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يُعَد نقصاً في إيمانك بالله، فلا يليق بك أنْ تنقض ما أكَّدته من الأيْمان، بل يلزمك أن توفي به؛ لأنك إنْ وفَّيْتَ بها وُفِّي لك بها أيضاً، فلا تأخذ الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل.

стр. 14495

واعلم أن الله مُطلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما تُكِنّه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أنْ تعطيه وأنت تنوي أنْ تخالفه، إياك أنْ تعطي العهد خداعاً، فربك يعلم ما تفعل.
следующие страницы →