Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14491–14530 · переход к 14496.
стр. 14491
فيها المدينة، وقد غيَّر رسول الله ﷺ َ اسمها إلى (طَيْبة) .
ومعنى: ﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: في الحرب ﴿فارجعوا. .﴾ [الأحزاب: ١٣] يعني: اتركوا محمداً وأتباعه في أرض المعركة واذهبوا، أو ﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: على هذا الدين الذي تنكرونه بقلوبكم، وتساندونه بقوالبكم.
ثم يكشف القرآن حيلة فريق آخر يريد الفرار ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النبي. .﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: في عدم الخروج للقتال ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ. .﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: ليست مُحصّنة، ولا تمنع مَنْ أرادها بسوء. يقال: بيت عورة إذا كان غير مُحْرز، أو غير محكم ضد مَنْ يطرقه يريد به الشر، كأن يكون منخفضاً أو مُتهدِّم الجدران يسهل تسلُّقه، أو أبوابه غير محكمة. . إلخ.
كما نقول في العامية (مَنَطٌّ) ، لكن الحق سبحانه يثبت كذبهم، ويبطل حجتهم، فيقول ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب: ١٣] إنما العلة في ذلك ﴿إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ [الأحزاب: ١٣] أي: من المعركة إشفاقاً من نتائجها ومخافةَ القتل.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ ... ﴾ .
стр. 14492
﴿دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ١٤] أي: البيوت: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] من نواحيها ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الفتنة﴾ [الأحزاب: ١٤] أي: طُلب منهم الكفر ﴿لآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني: لكفروا. ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ
стр. 14493
يَسِيراً﴾ [الأحزاب: ١٤] يعني: ما يجعل الله لهم لُبْثاً وإقامة إلا يسيراً، ثم ينتقم الله منهم.
стр. 14494
﴿عَاهَدُواْ الله. .﴾ [الأحزاب: ١٥] أخذ الله عليهم العهد وقَبلوه، وهو ما حدث في بيعة العقبة حين عاهدوا رسول الله على النُّصْرة والمؤازرة. أو: يكون الكلام لقوم فاتتهم بدر وفاتتْهم أُحُد، فقالواك والله لئن وقفنا في حرب أخرى لنبلونّ فيها بلاءً حسناً.
وعَهْد الله هو الشيء الذي تعاهد الله عليه، وأول عهد لك مع الله تعالى هو الإيمان به، وما دُمْتَ قد آمنتَ بالله فانظر إلى ما طلبه منك وما كلَّفك به، وإياك أنْ تُخِلَّ بأمر من أموره، لأن الاختلال في أي أمر تكليفي من الله يُعَد نقصاً في إيمانك بالله، فلا يليق بك أنْ تنقض ما أكَّدته من الأيْمان، بل يلزمك أن توفي به؛ لأنك إنْ وفَّيْتَ بها وُفِّي لك بها أيضاً، فلا تأخذ الأمر من جانبك وحدك، ولكن انظر إلى المقابل.
стр. 14495
واعلم أن الله مُطلع عليك، يعلم خفايا الضمائر وما تُكِنّه الصدور، فاحذر حينما تعطي العهد أنْ تعطيه وأنت تنوي أنْ تخالفه، إياك أنْ تعطي العهد خداعاً، فربك يعلم ما تفعل.
стр. 14496
قوله تعالى لنبيه ﷺ َ ﴿قُل﴾ [الأحزاب: ١٦] أي: لهؤلاء الذين يريدون الفرار من المعركة ﴿لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل﴾ [الأحزاب: ١٦] والقرآن هنا يحتاط لمسألة إزهاق الروح، وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين الموت والقتل؛ لذلك يقول تعالى عن نبيه محمد: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٤٤]
فالموت لا يقدر عليه إلا واهب الحياة سبحانه، ويكون بنقض الروح أولاً بأمر خالقها، ثم يتبعه نَقْض البنية، أما القتل فيقدر عليه الخَلْق، ويتم أولاً بنقض البنية الذي يترتب عليه إزهاق الروح؛ لأن البنية لم تَعُدْ صالحة لاستمرار الروح فيها، بعد أنْ فقدتْ المواصفات المطلوبة لبقاء الروح.
والفرار لن يُجدِي في هذه المسألة؛ لأن لها أجلاً محدداً، سواء أكان بالله واهب الحياة، أو كان بفعل واحد من الخَلْق عصى أمر الله، فهدم البنية التي بناها الله، وما جدوى الفرار من المعركة، وقد رأينا مَنْ شهد المعارك كلها، ثم يموت على فراشه، كخالد بن الوليد الذي
стр. 14497
يقول: لقد شهدتُ مائة زَحْف أو زهاءها، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برُمْح، وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامتْ أعين الجبناء.
ثم يناقشهم القرآن: هَبُوا أنكم فررتُم من الموت أو القتل، أتدوم لكم هذه السلامة؟ أتخلدون في هذه الحياة؟ ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ١٦] وسرعان ما تنتهي الحياة، وتواجهون الموت الذي لا مَفَرَّ منه، وكلنا ذاهب إلى هذا المصير.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ مَن ذَا الذي يَعْصِمُكُمْ ... ﴾ .
стр. 14498
المعنى: قل لهم يا محمد مَن الذي ﴿يَعْصِمُكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٧] أي: يمنعكم ﴿مِّنَ الله إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سواءا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً. .﴾ [الأحزاب: ١٧] كما قال في موضع آخر: ﴿لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ ... ﴾ [هود: ٤٣]
فإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا عاصمَ لهم؛ لأنه لا يمتنع أحد مع الله؛ لأنه لا يوجد معه سبحانه إله آخر يدفع السوء عن هؤلاء.
стр. 14499
والإشكال الذي يحتاج إلى توضيح هنا قوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً. .] [الأحزاب: ١٧] فكيف تكون العصمة من الرحمة؟ قالوا: يعصم هنا بمعنى يمنع، والمعنى: لا يمنع أحد من أعدائكم رحمة الله إنْ أراد الله بكم رحمة.
ونلحظ على سياق الآية أنها جاءت بأسلوب الاستفهام، ولم تأْتِ على صورة الخبر، فلم يَقُلْ القرآن لمحمد ﷺ َ: قل يا محمد، لا يُعصَم أحد من الله إنْ أرادكم بسوء، لأن الجملة الخبرية محتملة للصدق وللكذب، إنما شاء الله أن يجعلها جملة إنشائية استفهامية؛ ليقرروا هم بأنفسهم هذه الحقيقة، كأنه تعالى يقول لهم: لقد ارتضيتُ حكمكم أنتم، ولو لم يكُنْ الحق سبحانه واثقاً من أن الجواب لن يأتي إلا: لا أحدَ لَمَا جاء بالأسلوب في صورة استفهام، إذن: فالاستفهام هنا آكد في تقرير صِدْق هذه الجملة.
كذلك أنت تلجأ إلى هذا الأسلوب في الردِّ على مَنْ ينكر جميلك، فتقول: ألم أُحْسِن إليك يوم كذا وكذا؟ فلا يملك عندها إلا الإقرار.
ثم يقول سبحانه: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ الله وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ [الأحزاب: ١٧] الولي: هو القريب منك، وأنت لا تُقرِّب منك إلا مَنْ ترجو نفعه، هو الذي يليك أو يُواليك، فحبُّه يسبق الحدث، فإذا ما جاء الحدث حمله حبُّه لك على أنْ يدافع عنك.
والنصير: قريب من معنى الولي، ويدافع أيضاً عنك، لكن يأتي دفاعه بعد الحدث، وقد يكون ممَّنْ لا قرابةَ بينك وبينهم.
والمعنى: حين يريد الله أحداً بسوء فلن يجد أحداً يمنعه من الله، لا الولّي ولا النصير.
стр. 14500
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين ... ﴾ .
стр. 14501
قد: حرف يفيد التحقيق، خاصة إذا جاءتْ من الحق سبحانه، ويأتي معها الفعل في صيغة الماضي، لكن هنا ﴿قَدْ يَعْلَمُ ... ﴾ [الأحزاب: ١٨] فجاء الفعل بصيغة المضارع، وهذا يعني أن الحدث الذي يقع الآن سيثبت أن الله يعلم المُعوِّقين، وقد علم أزلاً.
فإنْ قُلْتَ: فالحق سبحانه يعلم قبل أنْ يكون هناك تعويق، نقول: فَرْق بين أنْ يعلم الأمر قبل أنْ يقع، وأنْ يعلمه إذ يقع، فقد يقول قائل: علمتُ وسوف تجازيني على ما تعلم سابقاً، لكن لو تركتني في المستقبل لن تحدث مني مخالفة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يؤكد هذا الأمر. والمعوِّق: هو الذي يضع العوائق أمام مرادك، ويُثبِّط هِمَّتك ويُخذِّلك.
وقوله: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا. .﴾ [الأحزاب: ١٨] يعني: أقبل وتعال. وكلمة (هلم) تأتي هكذا بصيغة المفرد دائماً مع المفرد والمثنى والجمع،
стр. 14502
ومع المذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ الذين يَشْهَدُونَ أَنَّ الله حَرَّمَ هذا ... ﴾ [الأنعام: ١٥٠] أي: هاتوا، وهذه هي اللغة الفصيحة.
وفي لغة من لغات تهامة يُلحقون بها علامة التثنية والجمع، والتذكير والتأنيث، فيقولون: هلم وهلمي وهلما وهلموا، ولجمع الإناث هَلُمْنَ.
وقوله تعالى: قوله ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ١٨] البأس أي: الحرب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٨٠]
وقال سبحانه: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس ... ﴾ [البقرة: ١٧٧] ففَرْق بين البأس والبأساء: البأس أي: الحرب. أما البأساء، فكل ما يصيب الإنسان من مكروه في غير ذاته كفَقْد ولد، أو خسارة مال. . إلخ، أما الضراء فما يصيب الإنسان في ذاته، كمرض أو نحوه.
ومن ذلك قول الله تعالى عن سيدنا داود: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ ... ﴾ [الأنبياء: ٨٠]
والمراد: صناعة الدروع التي يلبسها الإنسان على مظانِّ المقَاتِل فيه، وعلى أجهزته الحيوية كالصدر والقلب والرأس، ولها غطاء خاص (الخوذة) ، وتُصنع الدروع مُسنَّنة. أي: بها تموُّج وتجاويف، بحيث تتلقى ضربات السيف بإحكام، فلا تنفلت الضربة إلى مكان آخر فتؤذيه.
لذلك يقول تعالى لنبيه داود عن هذه الصنعة ﴿وَقَدِّرْ فِي السرد ... ﴾ [سبأ: ١١] أي: في إحكام هذه الحلقات المتداخلة.
стр. 14503
وفَرْق أيضاً هنا بين لَبُوس ولباس: اللباس هو ما يقي الإنسان تقلبات الجو، ويستر عورته أثناء الأمن وسلام الحياة، وهذه هي الملابس العادية التي يرتديها الناس.
وفيها يقول الحق سبحانه: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الجبال أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ [النحل: ٨١]
أما كلمة (لَبُوس) فهي المُعدَّة لحالة الحرب كالدروع ونحوها؛ لذلك جاءت بصيغة دالة على التضخيم (لَبُوس) .
وهذه الآية تلفتنا إلى مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني المعجز، فالآية هنا ذكرت (الحَرَّ) ، ولم تذكر شيئاً عن المقابل له، وهو البرد، والعلماء عادةً ما يلجئون إلى تقدير هذا المحذوف عند تفسير الآية، فيقولون: أي تقيكم الحر والبرد، يريدون أنْ يكملوا أسلوب القرآن، وهذا لا يجوز.
стр. 14504
وحين نمعن النظر في هذه الآية، نجد أن الله تعالى خلق الظلال لتقينا حرارة الشمس، وجعل اللباس، وكذلك جعل لنا الأكنان في الجبال، والله خلق الحرَّ على هذه الصورة التي لا يتحملها الإنسان؛ لأن للحر مهمة في حياتنا، فحرارة الشمس تخدمك في أمور كثيرة، وإنْ كانت تضايقك بعض الوقت، فالحق سبحانه أبقاها لتؤدي مهمةَ خير لك، ثم حَمَاك بالظل واللباس والأكنان من شِّرها.
فإنْ قُلْتَ: فهذه الأشياء تقيني أيضاً البرد، نقول: إياك أنْ تظن أن الدفء يأتيك من غطاء ثقيل أو ملابس شتوية، إنما الدفء من ذاتك أنت، فأنت تدفئ (البطانية) والفراش الذي تنام عليه، بدليل أنك ساعة تأتي فراشك لتنام تجده بارداً، ثم بعد مرور ساعات الليل تجده في الصباح دافئاً.
إذن: فحرارتك الذاتية انتقلَتْ إلى الغطاء فأدفأَته، وكل ما يؤديه الغطاء أنه يحفظ حرارة جسمك بداخله، فلا تتبدد في الهواء المحيط بك.
لذلك، لما درس العلماء مسألة حرارة جسم الإنسان وجدوا فيها مظهراً من مظاهر قدرة الله، فالإنسان تُشع منه حرارة تكفي في أربع وعشرين ساعة لِغَلْي سبعة عشر لتراً من الماء، ومعدل هذه الحرارة في الجسم ٣٧ْ ثابتة في قيظ الحر وبرد الشتاء، مما يدل على أن لجسمك ذاتية منفصلة تماماً عن الجو المحيط بك.
ومن عجائب خَلْق الإنسان أن هذه الحرارة تتفاوت من عضو إلى عضو آخر، والجسم واحد، فأعضاء حرارتها ما بين ٧درجه - ٩درجه كالأنف والأذن والعين، ولو زادتْ حرارة العين عن هذا المعدل
стр. 14505
تنفجر، أما الكبد فحرارته ٤٠ درجه. . إلخ، ومعلوم أن الحرارة تُحدِث استطراقاً في الجسم الواحد، وفي المكان الواحد.
ومن عجائب خَلْق الإنسان في هذه المسألة العَرَق الذي يتصبب منك في حالة تعرضك للحرارة الشديدة، فيخرج العرق من مسامِّ الجسم، ليُلطف من درجة حرارته، ويُحدِث عملية تبريد، كالتي نراها مثلاً في موتور السيارة، حتى عندنا في الفلاحين تجد الفلاح من كثرة عمله في الأرض وكثرة عرقه تتكون على جسمه طبقة مثل الجير، وهذه أملاح تخرج مع العرق؛ لذلك يكثر في هؤلاء الفلاحين أكل (المش) و (المخللات) لتعويض نسبة الأملاح المفقودة مع العرق، إذن: فالحق سبحانه لم يقل (والبرد) ، لأن الدفء كما رأينا ذاتي.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ١٨] وهذه القلة مستثناه: إما من الإتيان، أو أنهم يأتون البأس، لكن قلة منهم يُقاتلون بهمة ونشاط، والباقون أتوْا ذَرَّاً للرماد في العيون - كما يقولون ولئلا يُتهموا بالتخلف عن رسول الله.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا ... ﴾ .
стр. 14506
قوله تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] الشح في معناه العام هو البخل، لكن الشحيح الذي يبخل على الغير، وقد يكون كريماً على نفسه وعلى أهله، أما البخيل فهو الذي يبخل حتى على نفسه؛ لذلك قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] ليس على أنفسهم.
وأنت حين تتأمل الصفات المذمومة في الكون تجدها ضرورية لحقائق تكوين الكون، وتجد لها مهمة؛ لذلك فَطِن الشاعر إلى هذه المسألة، فقال:
إنَّ الأشحَّاءَ أسْخَى الناسِ قَاطِبةً ... لأنَّهم مَلكُوا الدُّنيا وَمَا انتفَعُوا
لم يَحْرِمُوا الناسَ من بَعْضِ الذي مَلكُوا ... إلاَّ لِيُعْطَوْا هُموا كُل الذِي جمَعُوا
وآخر يرى للبخيل فضلاً عليه، فيقول:
جُزِى البخيلُ عليَّ صالحةً ... مِنَّّى لخِفَّتِهِ علَى نَفْسِي
نعم، البخيل خفيف على النفس؛ لأنه لم يَجُدْ عليك بشيء يأسرك به، ولم يستعبدك في يوم من الأيام بالإحسان إليك، فهو خفيف على نفسك؛ لأنك لستَ مديناً له بشيء.
وهذا على حَدِّ قول الشاعر:
стр. 14507
أَحْسِنْ إلىَ النَّاسِ تَسْتعبدِ قُلُوبَهُم ... وطَالَما اسْتعبَد الإنْسانَ إحْسَانُ
فالبخل وإنْ كان مذموماً، فقد ركزه الله في بعض الطباع ليعين التضاد، ومعنى «يعين التضاد» أن البخل مقابله الكرم، والبخيل يعاون الكريم على أداء مهمته، فالكريم عادة (إيده سايبه) ، ينفق هنا وهناك حتى ينفد ما معه، ومن أهل الكرم مَنْ يلجأ إلى أنْ يبيع أرضه أو بيته في سبيل كرمه، فمَنْ يشتري منه إذن إذا لم يكُنْ هناك مَنْ يكنز المال ويبخل به؟
إذن: لو نظرتَ إلى كل شيء في الوجود تجد له مهمة، حتى إنْ كان مذموماً، ثم إن البخيل كثيراً ما يكون ظريفاً لا يخلو مجلسه من ظُرْفه، فقد كنا في بواكير شبابنا نشرب السجائر، فكان الواحد منا يُخرج علبة السجائر يوزعها على الحاضرين، وربما لا تكفي واحدة فأخرج الأخرى، وكان في مجلسنا واحد من هؤلاء، فنظر إليَّ في غَيْظ وقال (يا قلبك يا أخي) .
وقد كانت هذه السجائر سبباً في أننا جُرْنا على شبابنا، فكان لها أثر بالغ علينا في الكِبَر، فليحْمِ الشباب شبابهم ولا يدمروه بمثل هذه الخبائث المحرمة.
ثم يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: في ساعة الفزع، يأخذ الفزع أبصارهم، فينظرون هنا وهناك، لا تستقر أبصارهم، ولا تسكن إلى شيء، زاغتْ أبصارهم ﴿كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت. .﴾ [الأحزاب: ١٩]
ومن ذلك الخبر: «إنكم لتكثرون عند الفزع، وتَقلُّون عند الطمع» .
كان هذا حالهم عند الخوف والفزع ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الخوف سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] معنى ﴿سَلَقُوكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٩]
стр. 14508
آلموكم وآذوكم بألسنتهم، وقالوا لكم: أعطونا حقنا، فقد حاربنا معكم، ولولا نحن ما انتصرتُمْ على عدوكم، إلى غير ذلك من التطاول بالقول والإيذاء والتأنيب.
وهذا كله من معاني (السلق) ومنه: سلق اللحم ونحوه، وهو أنْ يغلي في الماء دون أنْ تضيف إليه شيئاً، ومثله السلخ، فكلها معانٍ تلتقي في الإيلام.
وعادةً ما تجد في اللغة إذا اشترك اللفظان في حرفين، واختلفا في الثالث تجد أن لهما معنى عاماً يجمعهما كما في سلق وسلخ، وفي: قطف، وقطر، وقطم. وكلها تلتقي في الانفصال.
وقوله تعالى: ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] حداد يعني: حادة فصيحة بملء الفم، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليوم حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]
ومعنى ﴿أَشِحَّةً عَلَى الخير. .﴾ [الأحزاب: ١٩] بعد أنْ قال ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] أكدَّ هذا المعنى بقوله ﴿أَشِحَّةً عَلَى الخير. .﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: في عمومه.
﴿أولئك لَمْ يُؤْمِنُواْ. .﴾ [الأحزاب: ١٩] لأنهم لو آمنوا لَعلموا أن الشحَّ، شُحَّ عليهم هم، وليس في صالحهم؛ لأن الكريم يستزيد من الله العطاء، أما الشحيح فليس له زيادة؛ لذلك يقول تعالى: ﴿هاأنتم هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ... ﴾ [محمد: ٣٨]
وربك حين يراك تنفق مما أعطاك يزيدك؛ لأنك مؤتمن على الرزق؛ لذلك يقول أحد الصالحين: اللهم إنك عوّدتني خيراً، وعوَّدْتُ
стр. 14509
خلقك خيراً، فلا تقطع ما عوَّدتني حتى لا أقطع عن الناس ما عوَّدتهم. إذن: فالعطاء استدرار لنعمة الله، وسبب للمزيد منها.
وهَبْ أن لك عدة أولاد، أعطيتَ لواحد منهم جنيهاً مثلاً، فذهب واشترى به حلوى، ثم وزَّعها على إخوته، ولم يُؤثِر نفسه عليهم، لا بُدَّ أنك ستأتمنه، وتعطيه المزيد؛ لأن الخير في يده يفيض على الآخرين.
ونتيجة عدم الإيمان ﴿فَأَحْبَطَ الله أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: أنهم عملوا، لكن أعمالهم لا رصيدَ لها من إيمان؛ لذلك أحبطها الله أي: جعلها غير ذات جدوى ولا فائدةَ تعود عليهم. وهذه القضية أوضحها القرآن في قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾ [إبراهيم: ١٨]
وهذا الإحباط أمر يسير على الله تعالى، لكن أفي حَقَّ الله تعالى نقول: هذا صعب، وهذا يسير؟ قالوا: كلُّ أمر الله يسير؛ لأنه تعالى لا يفعل بمعالجة الشيء إنما يفعل سبحانه بكن، وسبق أن مثلنا لمعالجة الأفعال بمَنْ يريد أنْ ينقل مثلاً عشرة أرادبّ من القمح، فإنه لا يستطيع إلا أنْ يحملها مُجزَّأة، فينقل (الجُوال) من هنا إلى هناك، ثم الآخر، إلى أنْ ينتهي من الكمية كلها، ويأخذ في هذا العمل وقتاً يتناسب مع قوته.
فلما تقدَّم العلم، وتطوَّر الفكر الإنساني رأينا الآلة التي تحمل كل هذه الكمية وتنقلها في حركة واحدة، وبمجرد الضغط على مجموعة من الأزرار والمفاتيح، فإذا كان العبد المخلوق لله قد استطاع أنْ يصل إلى هذا التيسير، فما بالك بالخالق ؟
стр. 14510
لذلك يقول تعالى:
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] ولا تتعجب من هذه المسألة؛ لأن ربك أعطاك في ذاتك شيئاً منها، لماذا تستبعد فِعْل الله تعالى بكُنْ، وأنت ترى جوارحك تنفعل لمجرد إرادتك للفعل، مجرد رغبتك في القيام ترى نفسك قد قُمْتَ، دون حتى أن تأمر جوارحك وعضلاتك بالقيام.
فإنْ قلتَ: فلماذا لا يأمر الإنسان جوارحه وأعضاءه بما يريد؟ نقول: لأنك لا تملك أنْ تأمرها، فهي تنقاد لك ولمرادك بأمر الله، فالأشياء كلها إنما تأتمر بأمر الخالق سبحانه، ولا تتخلف عن أمره أبداً، ألم تقرأ عن السماء ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق: ٢]
فالسماء مع عِظَم خَلْقها تسمع وتطيع أمر خالقها؛ أما أنت أيها العبد، فأيَّ شيء تأمر، وأنت لا تعرف أصلاً ما تأمره؟ وهل تعرف أنت العضلات والأعضاء والأعصاب التي تشترك بداخلك لأداء عملية القيام؟ لذلك ولعدم علمك بما تأمره جعل الله أعضاءك وجوارحك تنفعل لمجرد إرادتك.
أما هو سبحانه فيقول (كُنْ) لأنه خالق كل شيء، وكل شيء مؤتمر بأمره، وقال سبحانه (كُنْ) حتى لا تقولها أنت، فكأنها سبقتْ منه سبحانه لصالحك أنت، وأنت تفعل من باطن كُنْ الأولى التي توزَّعَتْ علينا جميعاً.
стр. 14511
القرآن الكريم يحكي هذا الموقف عن المنافقين، ويكشف نواياهم السيئة، فبعد أنْ تجمَّع الأحزاب وخرجوا لمحاربة النبي ﷺ َ ما يزال هؤلاء المنافقون ﴿يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ ... .﴾ [الأحزاب: ٢٠] فهذا التجمُّع يخيفهم ويروعهم؛ لذلك لم يُصدِّقوه، فقد رأوا النبي ﷺ َ ينتصر على أعدائه متفرقين، وهذه هي المرة الأولى التي يجتمع فيها أعداء الإسلام على اختلافهم.
إذن: استبعد المنافقون تجمُّع الأحزاب هذا التجمع، وبعد ذلك ينفضون دون أنْ يصنعوا حَدَثاً يُذكر في التاريخ.
والحُسْبان: ظن، أي: ليس حقيقة.
﴿وَإِن يَأْتِ الأحزاب يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأعراب ... ﴾ [الأحزاب: ٢٠] أي: إنْ يتجمع الأحزاب يودُّ المنافقون لو أنهم بادون أي: مقيمون في البادية بعيداً عن المدينة؛ لأنهم يخافون من مطلق التجمع، ولأنهم إنْ بَقَوْا في المدينة إما أنْ يحاربوا الأحزاب وهم غير واثقين من النصر، وإما ألاَّ يحاربوا فيصيرون أعداءً للمسلمين.
فهم يريدون - إذن - أنْ يعيشوا في النفاق، وألاَّ يخرجوا منه؛ لذلك يودون عيشة البادية مع الأعراب، ومن بعيد ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٠] أي: ما حدث لكم في هذه المواجهة.
ثم يقرر القرآن هذه الحقيقة: ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قاتلوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٠] أي: درْءاً للشبهات، وذَرّاً للرماد في العيون، إذن: لا تأْسَ عليهم، ولا تحزن لتخلُّفهم.
стр. 14512
أسوة: قدوة ونموذج سلوكي، والرسول ﷺ َ مُبلِّغ عن الله منهجه لصيانة حركة الإنسان في الحياة، وهو أيضاً ﷺ َ أُسْوة سلوك، فما أيسر أنْ يعظ الإنسانُ، وأنْ يتكلَّم، المهم أنْ يعمل على وَفْق منطوق كلامه ومراده، وكذلك كان سيدنا رسول الله مُبلِّغاً وأسوة سلوكية؛ لذلك قالت عنه السيدة عائشة ﵂: «كان خلقه القرآن» .
لكن، ما الأسوة الحسنة التي قدَّمها رسول الله في مسألة الأحزاب؟ لمَّا تجمَّع الأحزاب كان من دعائه ﷺ َ: «اللهم مُنزلَ الكتاب، سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم» .
وجعل شعاره الإيماني فيما بعد «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده، وهزم الأحزاب وحده» وما دام
стр. 14513
هذه شعار المصطفى ﷺ َ، فهو لكم أُسْوة.
وقال تعالى عن المؤمنين في هذه الغزوة: ﴿وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ مَعَهُ متى نَصْرُ الله ... ﴾ [البقرة: ٢١٤]
وفي بدر يقول أبو بكر: يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
ولقائل أنْ يقول: إذا كان الله تعالى قد وعد نبيه بالنصر، فَلِم الإلحاح في الدعاء؟ نقول: ما كان سيدنا رسول الله يُلح في الدعاء من أجل النصر؛ لأنه وَعْد مُحقَّق من الله تعالى.
واقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين﴾ [الأنفال: ٧]
فالرسول لا يريد الانتصار على العِير، وعلى تجارة قريش، إنما يريد النفير الذي خرج للحرب.
وقوله تعالى: ﴿فِي رَسُولِ الله. .﴾ [الأحزاب: ٢١] كأن الأُسْوة الحسنة مكانها كل رسول الله، فهو ﷺ َ ظرف للأُسْوة الحسنة في كل عضو فيه ﷺ َ، ففي لسانه أُسْوة حسنة، وفي عينه أُسْوة حسنة، وفي يده أُسْوة حسنة. . إلخ، كله ﷺ َ أُسْوة حسنة.
стр. 14514
هذه الأُسْوة لمَنْ؟ ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١]
وصف ذكر الله بالكثرة؛ لأن التكاليف الإيمانية تتطلب من النفس استعداداً وتهيؤاً لها، وتؤدي إلى مشقة، أما ذِكْر الله فكما قُلْنا لا يكلفك شيئاً، ولا يشق عليك؛ لذلك قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ ... ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
يعني: أكبر من أيِّ طاعة أخرى؛ لأنه يسير على لسانك، تستطيعه في كل عمل من أعمالك، وفي كل وقت، وفي أيِّ مكان، ولذلك قُلْنا في آية الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً ... ﴾ [الجمعة: ١٠]
стр. 14515
أي: لما رأى المؤمنون الأحزاب منصرفين مهزومين ﴿قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ. .﴾ [الأحزاب: ٢٢] أي: هذا النصر، وهذا الوعد الذي تحقق ما زادهم ﴿إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٢]
وهذه المسألة دليل من أدلة أن الإيمان يزيد وينقص، فالإيمان يزيد بزيادة الجزئيات التي تُعليه، فبعد الإيمان بالحق هناك إيمان بالجزئيات التي تثبت صِدْق الحق في كلِّ تصرف.
وتسليماً: أي لله في كلِّ ما يُجريه على العباد.
стр. 14516
نزلت هذه الآية في جماعة من المؤمنين صادقي الإيمان، إلا أنهم لم يشهدوا بدراً ولا أُحُداً، ولكنهم عاهدوا الله إنْ جاءت معركة أخرى لَيُبَادِرُونَّ إليها، ويبلُون فيها بلاءً حسناً.
وورد أنها نزلت في أنس بن النضر، فقد عاهد الله لما فاتته بدر لو جاءت مع المشركين حرب أخرى لَيبلونَّ فيها بلاء حسناً، وفعلاً لما جاءت أُحُد أبلى فيها بلاءً حسناً حتى استشهد فيها، فوجدوا جسده في نيِّفاً وثمانين طعنةً برمح، وضربة بسيف، وهذا معنى
стр. 14517
﴿صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ الله عَلَيْهِ. .﴾ [الأحزاب: ٢٣]
وساعة تسمع كلمة ﴿رِجَالٌ. .﴾ [الأحزاب: ٢٣] في القرآن، فاعلم أن المقام مقام جدٍّ وثبات على الحق، وفخر بعزائم صُلْبة لا تلين، وقلوب رسخ فيها الإيمان رسوخ الجبال، وهؤلاء الرجال وَفَّوا العهد الذي قطعوه أمام الله على أنفسهم، بأنْ يبلُوا في سبيل نصرة الإسلام، ولو يصل الأمر إلى الشهادة.
وقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ. .﴾ [الأحزاب: ٢٣] قضى نحبه: أي أدَّى العهد ومات، والنحب في الأصل هو النذر، فالمراد: أدى ما نذره، أو ما عاهد الله عليه من القتال، ثم اسْتُعمِلَت (النحب) بمعنى الموت.
لكن، ما العلاقة بين النذر والموت؟ قالوا: المعنى إذا نذرتَ فاجعل الحياةَ ثمناً للوفاء بهذا النذر، وجاء هذا التعبير ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قضى نَحْبَهُ. .﴾ [الأحزاب: ٢٣] لتعلم أن الموت يجب أن يكون منك نذراً. أي: انذر لله أنْ تموت، لكن في نُصْرة الحق وفي سبيل الله، فكأن المؤمن هو الذي ينذر نفسه وروحه لله، وكأن الموت عنده مطلوب ليكون في سبيل الله.
فالمؤمن حين يستصحب مسألة الموت ويستقرئها يرى أن جميع الخَلْق يموتون من لُدن آدم ﵇ حتى الآن؛ لذلك تهون عليه حياته ما دامت في سبيل الله، فينذرها ويقدمها لله عن رضا، ولِمَ لا وقد ضحيتَ بحياة، مصيرها إلى زوال، واشتريتَ بها حياة باقية خالدة مُنعَّمة.
وقد ورد في الأثر: «ما رأيتُ يقيناً أشبه بالشك من يقين الناس بالموت» ومع أننا نرى الموت لا يُبقى على أحد فينا إلا أن كل
стр. 14518
إنسان في نفسه يتصور أنه لن يموت.
وحَقٌّ للمؤمن أنْ ينذر نفسه، وأنْ يضحي بها في سبيل الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧١]
وهذه الحياة التي عند الله حياة على الحقيقة، لأن الرزق سِمة الحيِّ الذي يعيش ويأكل ويشرب.
. إلخ، وإياك أنْ تظن أنها حياة معنوية فحسب.
وقد تسمع مَنْ يقول لك: هذا يعني أنني لو فتحتُ القبر على أحد الشهداء أجده حياً في قبره؟ ونقول لمن يحب أنْ يجادل في هذه المسألة: الله تعالى قال: ﴿أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٦٩] ولم يقل: أحياء عندك، فلا تحكم على هذه الحياة بقانونك أنت، لا تنقل قانون الدنيا إلى قانون الآخرة.
والمؤمن ينبغي أن يكون اعتقادة في الموت، كما قال بعض العارفين: الموت سهم أُرسِل إليك بالفعل، وعمرك بقدر سفره إليك.
والقرآن حين يعالج هذه المسألة يقول تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الذي خَلَقَ الموت والحياة ... ﴾ [الملك: ١ - ٢] فقدَّم الموت على الحياة، حتى لا نستقبل الحياة بغرور الحياة، إنما نستقبلها مع نقيضها حتى لا نغترَّ بها.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ. .﴾ [الأحزاب: ٢٣] أي: ينتظر الوفاء بعهده مع الله، وكأن الله تعالى يقول: الخير فيكم يا أمة محمد
стр. 14519
باقٍ إلى يوم القيامة ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٣] معنى التبديل هنا: أي ما تخاذلوا في شيء عاهدوا الله عليه ونذروه، فما جاءت بعد ذلك حرب، وتخاذل أحد منهم عنها، ولا أُدخِل أحد منهم الحرب مواربة ورياء، فقاتل من بعيد، أو تراجع خوفاً من الموت، بل كانوا في المعمعة حتى الشهادة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِّيَجْزِيَ الله الصادقين ... ﴾ .
стр. 14520
تأمل هنا رحمة الخالق بالخَلْقِ، هذه الرحمة التي ما حُرم منها حتى المنافق، فقال سبحانه: ﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين إِن شَآءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. .﴾ [الأحزاب: ٢٤]
وسبق أنْ تحدثنا عن صفتي المغفرة والرحمة وقلنا: غفور رحيم من صيغ المبالغة، الدالة على كثرة المغفرة وكثرة الرحمة، وأن القرآن كثيراً ما يقرن بينهما، فالمغفرة أولاً لستر العيب والنقائص، ثم يتلوها الرحمة من الله، بأن تمتد يده سبحانه بالإحسان.
وقد أوضحنا ذلك باللص تجده في بيتك، فتشفق عليه، ثم تمتد إليك يدك بالمساعدة التي تعينه على عدم تكرار ذلك. وقلنا: إن الغالب أن تسبق المغفرةُ الرحمةَ، وقليلاً ما تسبق الرحمةُ المغفرةَ.
وقلنا: أنه يشترط في المغفرة أن تكون من الأعلى للأدنى، فإذا
стр. 14521
ستر العبد على سيده قبحاً لا يقال: غفر له، وكذلك في الرحمة فإن مال الأقل بالإحسان إلى الأعلى لا يقال رحمة؛ لأنه قد يعطيه عِوَضاً عما قدَّم له أو يعطيه انتظار أنْ يرد إليه ما أعطاه مرة أخرى.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَرَدَّ الله الذين ... ﴾ .
стр. 14522
الغيظ: احتدام حقد القلب على مقابل منافس، والمعنى: أن الله تعالى ردَّ الكافرين والغيظ يملأ قلوبهم؛ لأنهم جاءوا وانصرفوا دون أنْ ينالوا من المسلمين شيئاً ﴿لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً. .﴾ [الأحزاب: ٢٥] ليس الخير المطلق، إنما لم ينالوا الخير في نظرهم، وما يبتغونه من النصر على المسلمين، فهو خير لهم وإنْ كان شراً يُرادَ بالإسلام.
وقد رد الله الكافرين إلى غير رَجْعة، ولن يفكروا بعدها في الهجوم على الإسلام؛ لذلك قال سيدنا رسول الله بعد انصرافهم خائبين: «لا يغزونا أبداً، بل نغزوهم نحن» وفعلاً كان بعدها فتح مكة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى الله المؤمنين القتال. .﴾ [الأحزاب: ٢٥] أي:
стр. 14523
أن ردَّ الكافرين لم يكُنْ بسبب قوتكم وقتالكم، إنما تولَّى الله ردَّهم وكفاكم القتال، صحيح كانت هناك مناوشات لم تصل إلى حجم المعركة، ولو حدثت معركة بالفعل لكانت في غير صالح المؤمنين؛ لأنهم كانوا ثلاثة آلاف، في حين كان المشركون عشرة آلاف.
إذن: كانت رحمة الله بالمؤمنين هي السبب الأساسي في النصر؛ لذلك ذُيلت الآية بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب: ٢٥] قوياً ينصركم دون قتال منكم، وعزيزاً: أي يغلب ولا يُغلب.
هذا ما كان من أمر قريش وحلفائها، أما بنو قريظة فيقول الله فيهم: ﴿وَأَنزَلَ الذين ظَاهَرُوهُم ... ﴾ .
стр. 14524
معنى ﴿ظَاهَرُوهُم ... ﴾ [الأحزاب: ٢٦] أي: عاونوهم ﴿مِن صَيَاصِيهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٦] أي: من حصونهم وقلاعهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب ... ﴾ [الأحزاب: ٢٦] أي: الخوف وهو جندي من جنود الله، وهذا الرعب الذي ألقاه الله في قلوب الكافرين هو الذي فرَّقهم، ولم يجعل لكثرة العدد لديهم قيمة، وما فائدة أعداد كثيرة خائفة مذعورة ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ... ﴾ [المنافقون: ٤] .
ألم يُحدِّثنا صحابة رسول الله أنهم كانوا يستعملون السواك، فظن الكفار أنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلوهم، هذا هو الرعب الذي نصر الله به عباده المؤمنين.
стр. 14525
ومعنى ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٦] أي: المقاتلين الذين يحملون السلاح ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ [الأحزاب: ٢٦] وهم النساء والذراري وغيرهم مِمَّنْ لا يحملون السلاح.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... ﴾ .
стр. 14526
معنى ﴿وَأَوْرَثَكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أي: أعطاكم أرضَ وديار وأموال أعدائكم من بعد زوالهم وانهزامهم ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أي: أماكن جديدة لم تذهبوا إليها بعد، والمراد بها خيبر، وكأن الله يقول لهم: انتظروا فسوف تأخذون منهم الكثير ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧] .
وهكذا انتهى التعبير القرآني من قصة الأحزاب.
стр. 14527
وينبغي علينا الآن أنْ نستعرض القصة بفلسفة أحداثها، وأن نتحدث عَمَّا في هذه القصة من بطولات، ففيها بطولات متعددة، لكل بطل فيها دور.
وتبدأ القصة حين ذهب كل من حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكانا من قريظة، ذهبا إلى قريش في أماكنها، وقالوا: جئناكم لنتعاون معكم على إبطال دعوة محمد، فأتُوا أنتم من أسفل، وننزل نحن من أعلى، ونحيط محمداً ومن معه ونقضي عليهم.
وكان في قريش بعض التعقُّل فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه: أنتم أهل كتاب، وأعلم بأمر الأديان فقولوا لنا: أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال: بل أنتم أصحاب الحق.
سمعتْ قريش هذا الكلام بما لديها من أهواء، وكما يقال: آفة الرأي الهوى؛ لذلك لم يناقشوه في هذه القضية، بل نسجوا على منواله، ولم يذكروا ما كان من أهل الكتاب قبل بعثته ﷺ َ، وأنهم كانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله ويقولون لهم: لقد أطلَّ زمان نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْلَ عاد
стр. 14528
وإرم، لقد فات قريشاً أنْ تراجع حيي بن أخطب، وأن تسأله لماذا غيَّرتم رأيكم في محمد؟
ثم جاء القرآن بعد ذلك، وفضح هؤلاء وهؤلاء، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٥١] .
فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول، ويفسد فيها الرأي، فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد مَنْ يناصرها ضد محمد ودعوته، ومن هنا اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلافها من بني فزارة، ومن بني مرة، ومن غطفان وبني أسد والأشجعيين وغيرهم، اجتمعوا جميعاً للقضاء على الدين الوليد.
ثم كانت أولى بطولات هذه المعركة، لرجل ليس من العرب، بل من فارس عبدة النار والعياذ بالله، وكأن الحق سبحانه يُعد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل، إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي،
стр. 14529
الذي قضي حياته جَوَّالاً يبحث عن الحقيقة، إلى أنْ ساقتْه الأقدار إلى المدينة، وصادف بعثة رسول الله وآمن به.
وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة، حين أشار على رسول الله بحفر الخندق، وقال: يا رسول الله كنا - يعني في فارس - إذا حَزَبنا أمرُ القتال خندقنا يعني: جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقاً، ولاقت هذه الفكرة استحساناً من المهاجرين ومن الأنصار، فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في صَفِّه، فلما تنازعا عليه، قال سيدنا رسول الله لهم «بل سلمان منا آل البيت» وهذا أعظم وسام يوضع على صدر سلمان ﵁.
وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يُجنِّد حتى الباطل لخدمة الحق، فنحن لم يسبق لنا أنْ رأينا خندقاً ولا أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه الفكرة، لكن ساقها الله لنا، وجعلها جُنْداً من جنوده على يد هذا الصحابي الجليل، لنعلم كما قال تعالى ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ... ﴾ [الأنفال: ٢٤] .
وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح الأطفال
стр. 14530
بعد النبوءة التي سمعها، ثم يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه الماء، وهو في صندوقه، ولا يخفي على أحد أنَّ أهله قصدوا بذلك إبعاده عن خطر فرعون، ومع ذلك حال الله يبين فرعون وبين ما في قلبه، فأخذ الولدَ وربَّاه في بيته.
وقد أحسن الشاعر الذي عبَّر عن هذا المعنى، فقال:
إذاَ لَمْ تُصَادِفْ في بنَيكَ كَافِرٌ ... فَقَد كَذَب الراجي وَخَاب المُؤمِّلُ
فَمُوسىَ الذِي ربَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ... ومُوسىَ الذي ربَّاهُ فرعَوْنُ مُرْسَلُ
البطل الثاني في هذه المعركة رجل يُدْعَى نعيم بن مسعود الأشجعي، جاء لرسول الله يقول: يا رسول الله لقد مال قلبي للإسلام، ولا أحد يعلم ذلك من قومي، فقال له رسول الله: «وما تغني أنت؟ ولكن خذِّل عنا» أي: ادفع عنا القوم بأيِّ طريقة، أبعدهم عنّا، أو ضلِّلهم عن طريقنا، أو قُلْ لهم أننا كثير ليرهبونا. . إلخ.
следующие страницы →