← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 14526–14565 · переход к 14531.

стр. 14526

معنى ﴿وَأَوْرَثَكُمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أي: أعطاكم أرضَ وديار وأموال أعدائكم من بعد زوالهم وانهزامهم ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٢٧] أي: أماكن جديدة لم تذهبوا إليها بعد، والمراد بها خيبر، وكأن الله يقول لهم: انتظروا فسوف تأخذون منهم الكثير ﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ [الأحزاب: ٢٧] . وهكذا انتهى التعبير القرآني من قصة الأحزاب.

стр. 14527

وينبغي علينا الآن أنْ نستعرض القصة بفلسفة أحداثها، وأن نتحدث عَمَّا في هذه القصة من بطولات، ففيها بطولات متعددة، لكل بطل فيها دور. وتبدأ القصة حين ذهب كل من حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق، وكانا من قريظة، ذهبا إلى قريش في أماكنها، وقالوا: جئناكم لنتعاون معكم على إبطال دعوة محمد، فأتُوا أنتم من أسفل، وننزل نحن من أعلى، ونحيط محمداً ومن معه ونقضي عليهم. وكان في قريش بعض التعقُّل فقالوا لحيي بن أخطب وصاحبه: أنتم أهل كتاب، وأعلم بأمر الأديان فقولوا لنا: أديننا الذي نحن عليه خير أم دين محمد؟ فقال: بل أنتم أصحاب الحق. سمعتْ قريش هذا الكلام بما لديها من أهواء، وكما يقال: آفة الرأي الهوى؛ لذلك لم يناقشوه في هذه القضية، بل نسجوا على منواله، ولم يذكروا ما كان من أهل الكتاب قبل بعثته ﷺ َ، وأنهم كانوا يستفتحون على الكافرين برسول الله ويقولون لهم: لقد أطلَّ زمان نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْلَ عاد

стр. 14528

وإرم، لقد فات قريشاً أنْ تراجع حيي بن أخطب، وأن تسأله لماذا غيَّرتم رأيكم في محمد؟ ثم جاء القرآن بعد ذلك، وفضح هؤلاء وهؤلاء، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هؤلاء أهدى مِنَ الذين آمَنُواْ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٥١] . فكانت هذه أول مسألة تغيب فيها العقول، ويفسد فيها الرأي، فتنتهز قريش أول فرصة حين تجد مَنْ يناصرها ضد محمد ودعوته، ومن هنا اجتمع أهل الباطل من قريش وأحلافها من بني فزارة، ومن بني مرة، ومن غطفان وبني أسد والأشجعيين وغيرهم، اجتمعوا جميعاً للقضاء على الدين الوليد. ثم كانت أولى بطولات هذه المعركة، لرجل ليس من العرب، بل من فارس عبدة النار والعياذ بالله، وكأن الحق سبحانه يُعد لنصرة الحق حتى من جهة الباطل، إنه الصحابي الجليل سلمان الفارسي،

стр. 14529

الذي قضي حياته جَوَّالاً يبحث عن الحقيقة، إلى أنْ ساقتْه الأقدار إلى المدينة، وصادف بعثة رسول الله وآمن به. وكان سلمان أول بطل في هذه المعركة، حين أشار على رسول الله بحفر الخندق، وقال: يا رسول الله كنا - يعني في فارس - إذا حَزَبنا أمرُ القتال خندقنا يعني: جعلنا بيننا وبين أعدائنا خندقاً، ولاقت هذه الفكرة استحساناً من المهاجرين ومن الأنصار، فأراد كل منهم أن يأخذ سلمان في صَفِّه، فلما تنازعا عليه، قال سيدنا رسول الله لهم «بل سلمان منا آل البيت» وهذا أعظم وسام يوضع على صدر سلمان ﵁. وهذه الفكرة دليل على أن الحق سبحانه يُجنِّد حتى الباطل لخدمة الحق، فنحن لم يسبق لنا أنْ رأينا خندقاً ولا أهل الفارسي الذين جاءوا بهذه الفكرة، لكن ساقها الله لنا، وجعلها جُنْداً من جنوده على يد هذا الصحابي الجليل، لنعلم كما قال تعالى ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ ... ﴾ [الأنفال: ٢٤] . وقد أوضحنا هذا المعنى في قصة فرعون الذي كان يذبح الأطفال

стр. 14530

بعد النبوءة التي سمعها، ثم يأتيه طفل على غير العادة يحمله إليه الماء، وهو في صندوقه، ولا يخفي على أحد أنَّ أهله قصدوا بذلك إبعاده عن خطر فرعون، ومع ذلك حال الله يبين فرعون وبين ما في قلبه، فأخذ الولدَ وربَّاه في بيته. وقد أحسن الشاعر الذي عبَّر عن هذا المعنى، فقال: إذاَ لَمْ تُصَادِفْ في بنَيكَ كَافِرٌ ... فَقَد كَذَب الراجي وَخَاب المُؤمِّلُ فَمُوسىَ الذِي ربَّاه جِبْريلُ كَافِرٌ ... ومُوسىَ الذي ربَّاهُ فرعَوْنُ مُرْسَلُ البطل الثاني في هذه المعركة رجل يُدْعَى نعيم بن مسعود الأشجعي، جاء لرسول الله يقول: يا رسول الله لقد مال قلبي للإسلام، ولا أحد يعلم ذلك من قومي، فقال له رسول الله: «وما تغني أنت؟ ولكن خذِّل عنا» أي: ادفع عنا القوم بأيِّ طريقة، أبعدهم عنّا، أو ضلِّلهم عن طريقنا، أو قُلْ لهم أننا كثير ليرهبونا. . إلخ.

стр. 14531

هذا رجل كان بالأمس كافراً، فماذا فعل الإيمان في قلبه، وهو حديث عهد به؟ نظر نُعَيْم، فرأى قريشاً وأتباعها يأتون من أسفل، وبني قريظة وأتباعهم يأتون من أعلى، فأراد أنْ يدخل بالدسيسة بينهما، فذهب لأبي سفيان، وقال: يا أبا سفيان، أنا صديقكم، وأنتم تعلمون مفارقتي لدين محمد، ولكني سمعت هَمْساً أن بني قريظة تداركوا أمرهم مع محمد، وقالوا: إن قريشاً وأحلافهم ليسوا مقيمين في المدينة مثلنا، فإنْ صادفوا نصراً ينتصرون، وإنْ صادفوا هزيمة فروا إلى بلادهم، ثم يتركون بني قريظة لمحمد؛ لذلك قرروا ألاَّ يقاتلوا معكم إلاَّ أنْ تعطوهم عشرة من كبرائكم ليكونوا رهائن عندهم. سمع أبو سفيان هذا الكلام، فذهب إلى قومه فقال لهم: أنتم المقيمون هنا، وليس هذا موطن بني قريظة، وسوف يتركونكم لمواجهة محمد وحدكم، فإنْ أردتم البقاء على عهدهم في محاربة محمد، فاطلبوا منهم رهائن تضمنوا بها مناصرتهم لكم. بعدها ذهب أبو سفيان ليكلِّم بني قريظة في هذه المسألة، فقال: هلك الخفُّ والحافر - يعني: الإبل والخيل - ولسنا بدار مقام لنا، فهيا بنا نناجز محمداً - هذا بعد أنْ مكثوا نيِّفاً وعشرين يوماً يعدون ويتشاورون - فقالوا له: هذا يوم السبت، ولن نفسد ديننا من أجل قتال محمد وعلى كل حال نحن لن نشترك معكم في قتال، إلا أنْ تعطونا عشرة من كبرائكم يكونون رهائن عندنا، ساعتها علم أبو سفيان أن كلام نعيم الأشجعي صِدْق، فجمع قومه وقال لهم:

стр. 14532

الأرض ليست أرض مقام لنا، وقد هلك الخف والحافر، فهيا بنا ننجو. قالوا: إن رسول الله ﷺ َ لما جاء نعيم بن مسعود، وأخبر رسول الله بما حدث، ووجد رسول الله الجو هادئاً، فقال: «ألا رجل منكم يذهب فيُحدِّثنا الآن عنهم، وهو رفيقي في الجنة؟» والمراد: أن يندسَّ بين صفوف الأعداء ليعلم أخبارهم. ومع هذه البشارة التي بشر بها سيدنا رسول الله مَنْ يؤدي هذه المهمة، لم يَقُمْ من الحاضرين أحد، ودَلَّ هذا على أن الهول ساعتها كان شديداً، والخطر كان عظيماً، وكان القوم في حال من الجهد والجوع والخوف، جعلهم يتخاذلون عن القيام، فلم يأنس أحد منهم قوة من نفسه يؤدي بها هذه المهمة. لذلك كلَّف رسول الله يُدْهي حذيفة بن اليمان بهذه المهمة قال حذيفة: ولكن رسول الله قال لي: لا تُحدِث أمراً حتى ترجع إليَّ، فلما ذهبتُ وتسللتُ ليلاً جلستُ بين القوم، فجاء أبو سفيان بالنبأ من بني قريظة، يريد أنْ يرحل بمَنْ معه، فقال: ليتعرَّف كل واحد منكم على جليسة، مخافة أن يكون بين القوم غريب. وهنا تظهر لباقة حذيفة وحُسْن تصرفه - قال: فأسرعتُ وقلت لمَنْ على يميني: مَنْ أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، وقلت لمَنْ على يساري: مَنْ أنت؟ قال: عمرو بن العاص، وسمعت أبا سفيان

стр. 14533

يقول للقوم: هلك الخفُّ والحافر، وليستْ الأرض دارَ مقام فهيا بنا، وأنا أولكم، وركب راحلته وهي معقولة من شدة تسرُّعه، قال حذيفة: فهممتُ أن أقتله، فأخرجت قوسي ووترتُها وجعلت السهم في كبدها، لكني تذكرت قول رسول الله «لا تحدثن شيئاً حتى تأتيني» فلم أشأْ أن أقتله، فلما ذهبت إلى رسول الله وجدته يصلي، فلما أحسنَّ بي فَرج بين رجليه - وكان الجو شديد البرودة - فدخلتُ بين رجليه فنثر عليَّ مُرْطه ليدفئني، فلما سلم قال لي: ما خطبك فقصصت عليه قصتي. وبعد أنْ جند الحق سبحانه كلاً من نعيم الأشجعي وحذيفة لنصرة الحق، جاءت جنود أخرى لم يروْهَا، وكانت هذه الليلة باردة، شديدة الرياح، وهبَّتْ عاصفة اقتلعتْ خيامهم، وكفأتْ قدورهم وشرَّدتهم، ففرَّ مَنْ بقي منهم. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الله قَوِيّاً عَزِيزاً﴾ [الأحزاب: ٢٥] ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ ... ﴾ [المدثر: ٣١] . بعد أنْ ردَّ الحق سبحانه كفار مكة بغيظهم، وكفى المؤمنين القتال أراد أنْ يتحوَّل إلى الجبهة الأخرى، جبهة بني قريظة، فلما رجع رسول الله من الأحزاب لقيه جبريل ﵇ فقال: أوضعتَ لأْمتَك يا محمد، ولم تضع الملائكة لأمتها للحرب؟ اذهب فانتصر لنفسك من بني قريظة، فقال رسول الله للقوم: «مَنْ كان سامعاً

стр. 14534

مطيعاً فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة» . فاختلف الصحابة حول هذا الأمر: منهم مَنْ انصاع له حرفياً، وأسرع إلى بني قريظة ينوي صلاة العصر بها، ومنهم مَنْ خاف أنْ يفوته وقت العصر فصلى ثم ذهب، فلما اجتمعوا عند رسول الله أقرَّ الفريقين، وصوَّب الرأيين. وكانت هذه المسألة مرجعاً من مراجع الاجتهاد في الفكر الإسلامي، والعصر حَدَثٌ، والحدث له الزمان، وله مكان، فبعض الصحابة نظر إلى الزمان الرأي الشمس توشك أنْ تغيب فصلَّي، وبعضهم نظر إلى المكان فلم يُصَلِّ إلا في بني قريظة؛ لذلك أقر رسول الله هذا وهذا. وينبغي على المسلم أنْ يحذر تأخير الصلاة عن وقتها؛ لأن العصر مثلاً وقته حين يصير ظِلُّ كل شيء مِثْلَيْه وينتهي بالمغرب، وهذا لا يعني أن تُؤخِّر العصر لآخر وقته، صحيح إنْ صليْتَ آخر الوقت لا شيء عليك، لكن مَنْ يضمن لك أن تعيش لآخر الوقت. إذن أنت لا تأثم إنْ صلّيْت آخر الوقت، تأثم في آخر لحظة من حياتك حين يحضرك الموت وأنت لم تُصَلِّ؛ لذلك يقول سيدنا

стр. 14535

رسول الله ﷺ َ: «خير الأعمال الصلاة لوقتها» فليس معنى امتداد الوقت إباحة أنْ تُؤخَّر. وفي مسألة الأحزاب بطولة أخرى لسيدنا علي بن أبي طالب ﵁، وقد ظهرت هذه البطولة عندما وجد الكفار في الخندقة نقطة ضعيفة، استطاعوا أنْ يجترئوا على المسلمين منها، وأن يقذفوا منها خيولهم، فلما قذفوا بخيولهم إلى الناحية الأخرى، فجالت الخيل في السبخة بين الخندق وجبل سلع، ووقف واحد من الكفار وهو عمرو بن ود العامري وهو يؤمئذ أشجع العرب وأقواها حتى عدَّوْه في المعارك بألف فارس. «وقف عمرو بن ود أمام معسكر المسلمين يقول وهو مُشْهِر سيفه: مَنْ يبارز؟ فقال علي لرسول الله: أبارزه يا رسول الله؟ قال ﷺ َ:» اجلس يا علي، إنه عمرو «فأعاد عمرو: أين جَنّتكم التي وعدتم به مَنْ قُتِل في هذا السبيل؟ أجيبوني. فقال علي: أبارزه يا رسول الله؟ قال: اجلس يا علي، إنه عمرو» وفي الثالثة قال عمرو: وَلَقَدْ بُحِحْتُ من النِّداءِ بجمعِكُمُ هَلْ مِنْ مُبَارِزْ

стр. 14536

وَوقفْتُ إذ جَبُنَ المشجَّعُ مٌُوْقِفَ القرْن المنَاجزْ إنَّ الشَّجاعَة في الفَتَى والجودَ مِنْ خير الغرائِز عندها انتفض علي ﵁ وقال: أنا له يا رسول الله، فأَذِن له رسول الله، فأشار علي لعمرو، وقال: لاَ تَعجَلَنَّ فَقَدْ أتَاكَ مجيب صوتِكَ غير عَاجِز ذُو نية وبَصيرة والصِّدْقُ مُنجِي كُلَّ فَائزْ إنِّي لأَرْجُو أنْ أُقيم عَلْيك نَائِحةَ الجنَائزْ_ مِنْ ضَرْبةٍ نَجْلاَء يَبْقَى ذِكْرُهَا عِنْدَ الهَزَاهِزْ أي: الحروب. وكانت لسيدنا رسول الله درع سابغة اسمها ذات الفضول، فألبسها رسول الله علياً وأعطاه سيفه ذا الفقار وعمامته السحاب، وكانت تسعة أكوار، وخرج علي ﵁ لمبارزة عمرو بن ود، فضرب عمرو الدرقة فشقَّها، فعاجله على بضربة سيف علي عاتقه أردتْهُ قتيلاً، فقال عليٌّ ساعة وقع: الله أكبر سمعه رسول الله فقال: «قُتِل عدو الله» . ثم حدثت زوبعة العِثْيَر - وهو غبار الحرب - فحَجبت المعركة،

стр. 14537

فذهب سيدنا عمر ﵁ ليرى ما حدث، فوجد علياً يمسح سيفه في درع عمرو بن ود، فقال: الله أكبر، فقال رسول الله: «قُتِل وأَيْم الله» . ومن الأخلاق الكريمة التي سجَّلها سيدنا علي في هذه الحادثة أنه بعد أنْ قتل عَمْراً سأله رسول الله ﷺ َ: «أَلاَ سلبْتَ دِرْعه، فإنه أفخر درع في العرب» ؟ فقال علي: والله لقد بانت سوأته، فاستحييت أنْ أصنع ذلك. ثم أنشد ﵁ وكرم الله وجهه، وهو يشير إلى عمرو: نَصَر الحجَارةَ من سَفَاهَة رَأْيه ونَصَرْتُ ربَّ مُحمدٍ بصَوابي فصَددْتُ حِينَ تركْتُه مُتجدِّلاً كالجِذْعِ بين دَكَادِكَ ورَوَابي وعَفَفْتُ عن أثْوَابهِ وَلَو أنّني كنتُ المُقَنْطَر بَزَّنِي أثْوابِي

стр. 14538

وفي هذه الواقعة قال سيدنا رسول الله ﷺ َ: «لو لم يكن لك يا علي غيرها في الإسلام لَكَفَتْكَ» «. لذلك قال العارفون بالله كأن علياً ﵁ حُسِد حين قتل عمرو بن ود، فأصابته العين في ذاته، فقُتِل بسيف ابن ملجم، ومن هنا قالوا: أعزّ ضربة في الإسلام ضربة عليٍّ لعمرو بن ود، وأشأم ضربة في الإسلام ضربة ابن ملجم لعلي. وفي المعركة بطولة أخرى لسيدنا سعد بن معاذ ﵁ حيث يقول: ضربني يوم الأحزاب حِبَّان بن قيس بن العَرِقة، وقال: خُذْها وأنا ابن العَرِقة - فقلت: عرَّقَ الله وجهك في النار، فلما أصابني في أكحلي - والأكحل هو: العِرْق الذي نضع فيه الحقنة، ومنه يخرج دم الفَصْد والحجامة. فقلت: اللهم إنْ كانت هذه آخر موقعة بيننا وبين قريش فاجعلني شهيداً، وإنْ كنت تعلم أنهم يعودون فأبقني لأشقي نفسي مِمَّنْ أخرج رسول الله وآذاه، ولا تُمِتْني حتى أشفى غليلي من بني قريظة.

стр. 14539

وقد كان، فبعد أنْ مكث الأحزاب وبنو قريظة قرابة خمسة وعشرين يوماً دون قتال، وانتهى الأمر بالمفاوضات اختار سيدنا رسول الله سعد بن معاذ ليكون حكَماً في هذه المسألة، فحكم سعد بقتل المقاتلين منهم، وأسر الذراري والنساء والأموال، فلما بلغ هذا الحكم رسول الله ﷺ َ قال: «لقد حكمتَ فيهم حكم ربك من فوق سبع سماوات» . ثم ثار الجرح على سيدنا سعد حتى مات به، فحملوه إلى خيمة رسول الله بالمسجد، فجاءت الملائكة تقول لرسول الله: مَنْ هذا الذي مات، وقد اهتزَّ له عرش الرحمن؟ قال: «إنه سعد بن معاذ» . وقد قال تعالى: ﴿فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ [الأحزاب: ٢٦] . وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٢٧] بشارة للمسلمين بأن البلاد ستُفتح لهم دون قتال، وهذا حال جمهرة البلاد

стр. 14540

التي دخلها الإسلام، فغالبية هذه البلاد فُتِحَتْ بالأُسوْة السلوكية للمسلمين آنذاك، وبذلك نستطيع أن نردَّ على مَنْ يقول: إن الإسلام انتشر بحدِّ السيف. وإذا كان الإسلام انتشر بحَدِّ السيف، فأيُّ سيف حمل المسلمين الأوائل على الإسلام وكانوا من ضعاف القوم لا يستطيعون حتى حماية أنفسهم؟ إذن: لا شيء إلا قدوة السلوك التي حملت كل هؤلاء على الإيمان. وسبق أن ذكرنا أن عمر ﵁ وما أدراك ما عمر قوة وصلابةً يقول حين سمع قول الله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] . قال: أيُّ جمع هذا، ونحن لا نستطيع حماية أنفسنا؟ مما يراه من ضعف المسلمين وبطش الكافرين. ثم لو انتشر الإسلام بالسيف لأصبح سكان البلاد التي دخلها الإسلام كلهم مسلمين، ولَمَا كانت للجزية وجود في الفقه الإسلامي، إذن: بقاء الجزية على مَنْ لم يؤمن دليل على بطلان هذه المقولة، ودليل على عدم الإكراه في الدين، فالفتح الإسلامي كفل حرية العقيدة ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ... .﴾ [الكهف: ٢٩] وعليه الجزية لبيت مال المسلمين مقابل ما تقدمه الدولية إليه من خدمات. فالجزية التي تتخذونها سُبة في الإسلام دليل على أن الإسلام

стр. 14541

أقرَّكم على دينكم، إنما حَمْل السيف كان فقط لحماية الاختيار في الدعوة، فأنا سأعرض الإسلام على الناس، ومن حقي أنْ أقاتل مَنْ يعارضني بالسلاح، من حقي أن أعرض الإسلام كمبدأ، فمَنْ آمن به فعلى العين والرأس، ومَنْ لم يؤمن فليَبْقَ في ذمتنا. ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى بيوت أزواج النبي ﷺ َ، فيقول سبحانه: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ ... ﴾ .

стр. 14542

لسائل أنْ يسأل: ما سِرُّ هذه النقلة الكبيرة من الكلام عن حرب الأحزاب وحرب بني قريظة إلى هذا التوجيه لزوجاته ﷺ َ؟ قالوا: لأن مسألة الأحزاب انتهتْ بقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَئُوهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٢٧] فربما طلبت زوجات الرسول أنْ يُمتِّعهن وينفق عليهن، مما يفتح الله عليه من خيرات هذه البلاد، فجاءتْ هذه الآية: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] لتقرر أن الإسلام ما جاء ليحقق مزيَّة لرسول الله، ولا لآل رسول الله، حتى الزكاة لا تصح لأحد من فقراءبني هاشم. لكن مجيء الآية هكذا بصيغة الأمر: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] دليل على حدوث شيء منهن يدلّ على تطلعهن إلى زينة الحياة ومُتَعها. وقد رُوِي عن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه

стр. 14543

أنهن اجتمعْنَ يسألْنَ رسول الله النفقة، وأنْ يُوسِّع عليهن بعد أنْ قال ﷺ َ عن الكفار: لن يغزونا، بل نغزوهم وبعد أنْ بشَّرتهم الآيات بما سيُفتح من أرض جديدة. وقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] يعني: ليس عندي ما تتطلَّعْن إليه من زينة الدنيا وزخرفها، ومعنى ﴿فَتَعَالَيْنَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] نقول: تعاليْن يعني: أقبلْنَ، لكنها هنا بمعنى ارتفعْنَ من العلو، ارتفعْنَ عن مناهج البشر والأرض، وارتقينَ إلى مناهج خالق البشر، وخالق الأرض؛ لأن السيادة في منهج الله، لا في مُتَع الحياة وزخرفها. وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ١٥١] فتعالوْا أي: ارتفعوا عن قوانين البشر وقوانين الأرض إلى قوانين السماء؛ لأنه يُشترط فيمَنْ يضع القانون ألاَّ يفيد من هذا القانون، وأن يكون مُلِماً بكل الجزئيات التي يتعرض لها القانون والبشر مهما بلغتْ قدرتهم، فإنهم يعلمون شيئاً ويجهلون آخر؛ لذلك لا ينبغي أَنْ يُقنِّن لهم إلا خالقهم . ومعنى ﴿أُمَتِّعْكُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] أي: أعطيكُنَّ المتعة الشرعية التي تُفْرض للزوجة عند مفارقة زوجها، والتي قال الله فيها:

стр. 14544

﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ٢٤١] . وقوله ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] التسريح هنا يعني الطلاق ﴿سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب: ٢٨] ذلك يدلُّ على أن المفارقة بين الزوجين إنْ تمتْ إنما تتم بالجمال أي: اللطف والرقة والرحمة بدون بشاعة وبدون عنف؛ لأن التسريح في ذاته مفارقة مؤلمة، فلا يجمع الله عليها شدتين: شدة الطلاق، وشدة العنف والقسوة. ولك أنْ تلحظ أن لفظ الجمال يأتي في القرآن مع الأمور الصعبة التي تحتاج شدة، واقرأ قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ... ﴾ [يوسف: ٨٣] والصبر يكون جميلاً حين لا يصاحبه ضَجَر، أو شكوى، أو خروج عن حَدِّ الاعتدال. ورسول الله ﷺ َ يعرض على زوجاته التسريح الجميل الذي لا مشاحنةَ فيه ولا خصومةَ إنْ اخترْنَهُ بأنفسهن، وما كان رسول الله ليمسك زوجة اختارتْ عليه أمراً آخر مهما كان. وللعلماء كلام طويل في هذه المسألة: هل يقع الطلاق بهذا التخيير؟ قالوأ: التخيير لَوْنٌ من حب المفارقة الذي يعطي للمرأة - كما نقول مثلاً: العِصْمَة في يدها - فهي إذن تختار لنفسها، فإنْ قَبِلت الخيار الأول وقع الطلاق، وإن اختارت الآخر فَبِها ونعمتْ، وانتهتْ المسألة.

стр. 14545

وأمرُ الله لرسوله أن يقول لزوجاته هذا الكلام لا بُدَّ أنْ يكون له رصيد من خواطر خطرتْ على زوجاته ﷺ َ لَمَّا رأيْنَ الإسلام تُفْتح له البلاد، وتُجبى إليه الخيرات، فتطلَّعْن إلى شيء من النفقة. وكلمة الأزواج: جمع زوج، وتُقال للرجل وللمرأة، والزوج لا يعني اثنين معاً كما يظن البعض، إنما الزوج يعني الفرد الذي معه مثله من جنس، ومثله تماماً كلمة التوأم، فهي تعني (واحد) لكن معه مثله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ... ﴾ [الذاريات: ٤٩] يعني: ذكر وأنثى، فالذكر وحده زوج، والأنثى وحدها زوج، وهذه القسمة موجودة في كل المخلوقات. وتُجمع زوج أيضاً على زوجات. ونلحظ في الأسلوب هنا أن الحق سبحانه حين يعرض على رسوله أنْ يُخيِّر زوجاته بين زينة الدنيا ونعيم الآخرة يستخدم (إنْ) الدالة على الشكِّ، ولا يستخدم مثلاً (إذَا) الدالة على التحقيق، وفي هذا إشارة إلى عدم المبالغة في اتهامهن، فالأمر لا يعدو أنْ يكون خواطر جالتْ في أذهان بعض زوجاته. وتعلمون أن سيدنا رسول الله جمع من النساء تسعاً معاً، منهن خمسٌ من قريش، وهُنَّ: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة ابنة أبي أمية، ومن غير قريش: صفية بنت حيي بن أخطب الذي ذكرنا قصته في الأحزاب، ثم جويرية بنت الحارث من بني المصطلق، ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية - ومَنْ ذهب عند التنعيم وجد هناك بئر ميمونة، ثم زينب بنت جحش من بني أسد، هؤلاء هُنَّ أمهات المؤمنين التسعة اللائي جمعهنَّ رسولُ الله معاً.

стр. 14546

فلما سألْنَ رسول الله النفقة كانت أجرأهُنَّ في ذلك السيدة حفصة بنت عمر، وقد حدث بينها وبين رسول الله مُشَادّة في الكلام، فقال لها: «ألا تحبين أنْ أستدعي رجلاً بيننا؟» فوافقتْ، فأرسل إلى عمر، فلما جاء قال لها رسول الله: تكلَّمي أنت - يعني: اعرضي حاجتك - فقالت: بل تكلم أنت، ولا تقل إلا حقاً. أثارت هذه الكلمة حفيظة سيدنا عمر، فهاج وقام إلى ابنته فوجأها، فحجزه رسول الله فتناولها ثانية فوجأها، ثم قال لها: إن رسول الله لا يقول إلا حقاً، ووالله لولا أنَّا في مجلسه ما تركتُك حتى تموتي، فقام رسول الله من المجلس ليفضَّ هذا النزاع، وذهب إلى حجرته، واعتكف بها، وقاطع الأمر كله مدة شهر. وتأمل قول الله تعالى: ﴿إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] فأيُّ وَصْف أحقر، وأقلّ لهذه الحياة من أنها دُنْيا؟ وما فيها من مُتَع إنما هي زينة، يعني: ترف في المظهر، لا في الجوهر، كما قال سبحانه في موضع آخر: ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأموال والأولاد ... ﴾ [الحديد: ٢٠] ثم يعرض رسول الله على زوجاته الخيار الثاني المقابل للحياة الدنيا: ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ ... .﴾ .

стр. 14547

المتأمل جانبيّ التخيير هنا يجد أن المقارنة بينهما أمر صَعْب يوحي

стр. 14548

برفض التخيير بين طرفي هذه المسألة، فمَنْ يقبل أنْ تكون له حياة دنيا مقابل الله، وأن تكون له زينتها مقابل رسول الله، ثم زِدْ على ذلك الدار الآخرة التي لم يُذكَر قبالتها شيء في الجانب الآخر، ثم إن الحياة الدنيا التي لم يُذكَر قبالتها شيء في الجانب الآخر، ثم إن الحياة الدنيا التي نعيشها حتى لو لم تُوصَفْ بأنها دنيا كان يجب أنْ يُزهد فيها. والحق أنهن فَهِمْنَ هذا النص واخترْنَ الله ورسوله والدار الآخرة، ومَنْ يرضى بها بديلاً: والحمد لله. ﴿وَكَفَى الله المؤمنين القتال ... ﴾ [الأحزاب: ٢٥] . ثم يأتي جزاء مَن اختار الله ورسوله والدار الآخرة ﴿فَإِنَّ الله أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٩] المحسنة هي الزوجة التي تعطي من الرحمة والمودة الزوجية فوق ما طُلب منها.

стр. 14549

الحق بعد أنْ خيَّر زوجات النبي ﷺ َ فاخترْنَ الله ورسوله والدارالآخرة أراد سبحانه أنْ يُعطيهن المنهج والمباديء التي سيسِرْنَ عليها في حياتهن، ونلحظ أن آية التخيير كانت من كلام النبي عن ربه، أما هنا فالكلام من الله مباشرة لنساء النبي. ﴿يانسآء النبي ... ﴾ [الأحزاب: ٣٠] فبداية المسألة ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] فلما اخترْن الله ورسوله والدار الآخرة كأنهن ارتفعْنَ إلى مستوى الخطاب المباشر من الله تعالى، كأنهن حقَّقْنَ المراد من الأمر السابق ﴿فَتَعَالَيْنَ ... ﴾ [الأحزاب: ٢٨] . كلمة ﴿نِسَآءَ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٠] نعلم أنها جمع، لكن لا نجد لها

стр. 14550

مفرداً من لفظها، إنما مفردها من لفظ آأخر هو امرأة، وفي اللغة جموع تُنُوسِي مفردها بشهرة مفرد آخر أرقّ أو أسهل في الاستعمال، وامرأة أو (مَرة) يصح أيضاً من (امرؤ) ، وهذه اللفظة تختلف عن ألفاظ اللغة كلها، بأن حركة الإعراب فيها لا تقتصر على الحرف الأخير إنما تمتد أيضاً إلى الحرف قبل الأخير، فنقول: قال امْرُؤُ القيس، وسمعت امْرَأَ القيس، وقرأت لامْرِيء القيس. وبعض الباحثين في اللغة قال: إن (نساء) من النَّسْأ والتأخير، على اعتبار أن خَلْقها جاء متأخراً عن خَلْق الرجل، ومفردها إذن (نَسْءٌ) وإنْ كان هذا تكلفاً لا داعيَ له. وبعد هذا النداء ﴿يانسآء النبي﴾ [الأحزاب: ٣٠] يأتي الحكم الأول من المنهج الموجَّه إليهن: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العذاب ضِعْفَيْنِ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٠] نلحظ أن الحق سبحانه لم يبدأ الكلام مع نساء النبي بقوله مثلاً: مَنْ يتق الله منكن، إنما بدأ بالتحذير من إتيان الفاحشة؛ لأن القاعدة الشرعية في التقنين والإصلاح تقوم على أن «درء المفسدة مُقدَّم على جَلْب المصلحة» كما أننا قبل أنْ نتوضأ للصلاة نبريء أنفسنا من النجاسة. ومثَّلْنَا لذلك وقُلْنا: هَبْ أن واحداً رماك بتفاحة، وآخر رماك بحجر، فأيهما أَوْلَى باهتمامك؟ لا شكَّ أنك تحرص أولاً على ردِّ الحجر والنجاة من أذاه، وكذلك لو أردتَ أنْ تكون ثوبك مثلاً وهو مُتسخ، لا بُدَّ أن تغسله أولاً.

стр. 14551

لذلك بدأ الحق سبحانه التوجيه لنساء النبي بقوله ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٠] لكن الفاحشة أمر مستبعد، فكيف يتوقع منتهي الذنوب من نساء رسول الله؟ قالوا: ولم لا، وقد خاطب الله تعالى نبيه ﷺ َ بقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ... ﴾ [الزمر: ٦٥] . ومعلوم أن رسول الله ليس مظنة الوقوع في الشرك، إذن: فالمعنى، يا محمد ليس اصطفاؤك يعني أنك فوق المحاسبة، كذلك الحال بالنسبة لنسائه: إنْ فعلَتْ إحداكن فاحشة، فسوف نضاعف لها العذاب، ولن نستر عليها لمكانتها من رسول الله، فإياكُنَّ أنْ تظننَّ أن هذه المكانة ستشفع لكُنَّ، وإلا دخلتْ المسألة في نطاق إذا سرق الوضيع أقاموا عليه الحد، وإذا سرق الشريف تركوه. إذن: منزلة الواحدة منكُنَّ ليست في كونها مجرد زوجة لرسول الله، إنما منزلتها بمدى التزامها بأوامر الله، وإلا فهناك زوجات للرسل خُنَّ أزواجهن واقرأ: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ وامرأت لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ الله شَيْئاً وَقِيلَ ادخلا النار مَعَ الداخلين﴾ [التحريم: ١٠] .

стр. 14552

ولك أن تسأل: هذا حكم الفاحشة المبيِّنة، أنْ يُضاعَف لها العذاب، فما بال الفاحشة منهن إنْ كانت غير مُبيِّنة؟ قالوا: هذا الحكم خاصٌّ بنساء النبي ﷺ َ، فإن حدث من إحداهن ذنب بينها وبين نفسها فهو ذنب واحد مقصور عليها، فإنْ كان علانيةً فهو مُضَاعف؛ لأنهن أسوة وقدوة تتطلع العيون إلى سلوكهن، فإنْ ظهرت منهن فاحشة كان تشجيعاً للأخريات، ولم لا وقد جاءت الفاحشة من زوجة النبي. فمضاعفة العذاب - إذن - لأن الفساد تعدَّى الذات إلى الآخرين، وأحدث قدوة سوء في بيت النبي، فاتسحقتْ مضاعفة العذاب، لأنها آتْ شعور رسول الله، ولم تُقدِّر منزلته وفضَّلَت عليه غيره لتأتي معه الفاحشة، وهذا يستوجب أضعاف العذاب، فإنْ ضاعف لها الله العذاب ضعفين فحسب، فهو رِفْق بها، ومراعاة لماضيها في زوجية رسول الله. كذلك إنْ فعلتْ إحداهن حسنة، فلها أجرها أيضاً مُضَاعفاً؛ لأنها فعلتْ صالحاً في ذاتها كأيِّ إنسانه أخرى، ثم أعطتْ قدوة حسنة، وأُسْوة طيبة لغيرها. فإنْ أخذْنا في الاعتبار حديث النبي ﷺ َ: «مَنْ سَنَّ سنة حسنة، فَلَهُ أجرها وأجر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة، ومَنْ سَنَّ سنة سيئة فعليه وِزْرها، ووِزْر مَنْ عمل بها إلى يوم القيامة» .

стр. 14553

علمنا أن أجر الحسنة لا يُضاعف فقط مرتين، إنما بعدد ما أثَّرت فيه الأسوة، وفَرْق بين الضِّعْف والضُّعْف. الضِّعْف: ضِعْف الشيء أي مثله، أما الضُّعف فهو فَقْد هذا المثل، فهو أقلُّ. ثم يقول سبحانه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٠] يعني: مسألة مضاعفة العذاب أمر يسير، ولن تغني عنكُنَّ منزلتكُنَّ من رسول الله شيئاً، فهذا أمر لا يسألني فيه أحد، ولا أحابي فيه أحداً، ولا بُدَّ أن أُسَيِّر الأمور كما يجب أن تكون، ولا يعارضني فيها أحد، لذلك كثيراً ما تُذيَّل أحكام الحق سبحانه بقوله: ﴿إِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] فالعزة تقتضي أن يكون الحكم ماضياً لا يُعدِّله أحد، ولا يعترض عليه أحد. وهذا المعنى واضح في قوله تعالى لسيدنا عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ قَالَ الله ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتخذوني وَأُمِّيَ إلهين مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٦ - ١١٨] .

стр. 14554

فقوله: ﴿وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ ... ﴾ [المائدة: ١١٨] يقتضي أن يقول: فإنك غفور رحيم، لكن الحق سبحانه عدل إلى ﴿فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] لأن الذنب الذي وقع فيه القوم ذنب في القمة، في الألوهية التي أخذوها من الله وجعلوها لعيسى ﵇، وهذا بمقتضى العقل يستوجب العذاب الشديد، لكن الحق سبحانه لا يُسأل عما يفعل، يُعذِّب مَنْ يشاء، ويغفر لمَنْ يشاء، فإنْ غفر لهم فبصفة العزة التي لا يعارضها أحد، فكأن المنطق أن يُسأل الله: لماذا لم تُعذِّب هؤلاء على ما ارتكبوه؟ لذلك دخل هنا من ناحية العزة، التي لا تُعارَض، والحكمة التي لا تخطيء. وبعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة الفاحشة، وما يترتب عليها من عقاب ذكر سبحانه المقابل، فقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ ... .﴾ .

стр. 14555

معنى ﴿يَقْنُتْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] أي: يخضع لله تعالى الخضوع التام، ويخشع ويتذلَّل لله في دعائه، واختار الحق سبحانه القنوت؛ لأنه سبحانه لا يحب من الطائع أنْ يُدِلَّ على الناس بطاعته؛ لذلك يقول العارفون: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثتْ عِزَّاً واستكباراً.

стр. 14556

أو ﴿وَمَن يَقْنُتْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] أي: بالغ في الصلاح، وبالغ في الورع حتى ذهب إلى القنوت، وهو الخضوع والخشوع. والنتيجة ﴿نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] فالآية السابقة تقرر مضاعفة العذاب لمن تأتي بالفاحشة، وهذه تقرر مضاعفة الأجر لمن تخضع لله وتخشع وتعمل صالحاً. ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: ٣١] أي: أعددناه وجهّزناه لها من الآن، فهو ينتظرها. وحين تتأمل الأسلوب القرآني في هاتين الآيتين تطالعك عظمة الأداء، فحين ذكر الفاحشة ومضاعفة العذاب جاء الفعل ﴿يُضَاعَفْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٠] مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله، أما في الكلام عن القنوت لله، فقال ﴿نُؤْتِهَآ أَجْرَهَا ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] فجاء الفعل مُسْنداً إلى الحق سبحانه مباشرة، وكأن الحق سبحانه لم يُرِدْ أنْ يواجه بذاته في مقام العذاب، إنما واجه العذاب فقط. ومجرد بناء الفعل ﴿يُضَاعَفْ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٠] للمجهول يدل على رحمة الله ولُطْفه في العبارة، فالحق سبحانه يحب خَلْقه جميعاً، ويتحبب ويتودد إليهم، ويرجو من العاصي أنْ يرجع ويفرح سبحانه بتوبة عبده المؤمن أكثر من فرح أحدكم حين يجد راحلته وقد ضلَّتْ منه في فلاة. وجاء في الأثر: «يا ابن آدم، لا تخافنَّ من ذي سلطان ما دام سلطاني باقياً وسلطاني لا ينفد أبداً، يا ابن آدم، لا تخْشَ من ضيق الرزق وخزائني ملآنة وخزائني لا تنفد أبداً، يا ابن آدم، خلقتُكَ

стр. 14557

للعبادة فلا تلعب - والمراد باللعب العمل الذي لا جدوى منه - وقسمتُ لك رزقك فلا تتعب» . والمراد هنا لا تتعب، ولا تشغل قلبك، فالتعب يكون للجوارح، كلما جاء في الحديث الشريف: «مَنْ بات كالاً من عمل يده بات مغفوراً له» ولما رأى رسول الله ﷺ َ يداً خشنة من العمل قال: «هذه يد يحبها الله ورسوله» . فالتعب تعب القلب، فالشيء الذي يطيقه صدرك، وتقدر على تحمُّله لا يُتعبك؛ لذلك نجد خالي الصدر من الهموم يعمل في الصخر وهو هاديء البال، يغني بحداء جميل ونشيد رائع يُقوِّي عزيمته، ويعينه على المواصلة، فتراه مع هذا المجهود فَرِحاً منشرحَ الصدر. وقد فطن الشاعر العربي لهذه المسألة فقال: لَيْسَ بحمْلٍ مَا أطَاقَ الظَّهر ... مَا الحمْلُ إلاَّ مَا وَعَأهُ الصَّدْرُ فالمعنى: أتعب جوارحك، لكن لا تُتعِب قلبك، والكَلَل والتعب لا يأتي على الجوارح إنما على القلب، فأتعب جوارحك في العمل الجاد النافع الذي تأخذ من ثمرته على قدر حاجتك، وتفيض بالباقي على غير القادرين.

стр. 14558

ثم يقول: «فإنْ أنتَ رضيتَ بما قَسمتْهُ لك أرحْتَ قلبك وبدنك وكنتَ عندي محموداً، وإنْ أنت لم تَرْضَ بما قََسَمْتُه لكَ فوعزتي وجلالي لأسلطنَّ عليك الدنيا تركضُ فيها ركْضَ الوحوش في البرية، ثم لا يكون لك منها إلا ما قَسَمْتُه لك، وكنت عندي مذموماً، يا ابن آدم، خلقتُ السماوات والأرض ولم أَعْيَ بخلقهن، أَيُعْييني رغيفٌ أسوقه لك. . يا ابن آدم، لا تطالبني برزق غد كما لم أطالبك بعمل غدٍ، يا ابن آدم أنا لم أَنْسَ مَنْ عصاني، فكيف بمَنْ أطاعني؟» وشاهدنا هنا قوله تعالى في آخر الحديث القدسي: «يا ابن آدم، أنا لك محب فبحقي عليك كُنْ لي مُحِباً» فربُّك يظهر لنا بذاته في مقام الخير وجلب النفع لك، أما في الشر فيشير إليك من بعيد، ويلفت نظرك برِفْق. كما نلحظ في أسلوب الآية قوله تعالى - والخطاب لنساء النَّبِي ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] ولم يقل تقنت. . ثم أنَّثَ الفعل في ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحاً ... ﴾ [الأحزاب: ٣١] فمرة يراعي اللفظ، ومرة يراعي المعنى، وسبق أنْ قُلْنا إن (مَنْ) اسم موصول يأتي للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر وللمؤنث. ونقف أيضاً هنا عند وصف الرزق بأنه كريم ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ [الأحزاب: ٣١] قلنا: إن الرزق كل ما يُنتفع به من مأكل، أو مشرب، أو ملبس، أو مسكن، أو مرافق، وقد يأتي في صورة معنوية كالعلم والحلم. . إلخ، وهذا الرزق في الدنيا لا يُوصف بأنه

стр. 14559

كريم، إنما الكريم هو الرازق سبحانه، فلماذا وصف الرزق بأنه كريم؟ قالوا: فَرْق بين الرزق في الدنيا والرزق في الآخرة، الرزق في الدنيا له أسباب، فالسبب هو الرازق من ولد أو والٍ أو أجير أو تاجر. . إلخ فالذي يجري لك الرزق على يديه هو الذي يُوصف بالكرم، أما في الآخرة فالرزق يأتيك بلا أسباب، فناسب أنْ يُوصف هو نفسه بأنه كريم، ثم فيها ملحظ آخر: إذا كان الرزق يوصف بالكرم، فما بال الرازق الحقيقي سبحانه؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿يانسآء النبي لَسْتُنَّ ... ﴾ .

стр. 14560

كلمة (أحد) تُستخدم في اللغة عدة استخدامات، فنقول مثلاً في العدد: أحد عشر إنْ كان المعدودُ مذكراً، وإحدى عشرة إن كان المعدود مؤنثاً، أما في حالة النفي فلا تُستعمل إلا بصيغة واحدة (أحد) ، وتدل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فتقول: ما عندي أحد، لا رجلٌ ولا امرأة ولا رجلان ولا امرأتان، ولا رجال ولا نساء، لذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] . وقوله سبحانه: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] هذه خصوصية لهن؛ لأن الأشياء تمثل أجناساً وتحت الجنس النوع،

стр. 14561

فالإنسان مثلاً جنس، منه ذكر ومنه أنثى، وكل نوع منهما تحته أفراد، والذكر والأنثى لم يفترقا إلى نوعين بعد أنْ كانا جنساً واحداً، إلا لاختلاف نشأ عنهما بعد اتفاق في الجنس فالجنس حَدٌّ مُشترك: حيٌّ ناطق مفكر، فلما افترقا إلى نوعين صار لكل منهما خصوصيته التي تُميِّزه عن الآخر. كما قلنا في الزمن مثلاً، فهو ظرف للأحداث، فإنْ كانت أحداثَ حركة فهي النهار، وإنْ كانت أحداثَ سُكُون فهي الليل، فالليل والنهار نوعان تحت جنس واحد هو الزمن، ولكل منهما خصوصيته، وعلينا أن نراعي هذه الخصوصية، فلا نخلط بينهما. وتأمل قول الله تعالى: ﴿والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى إِنَّ سَعْيَكُمْ لشتى﴾ [الليل: ١ - ٤] . فالليل والنهار متقابلان متكاملان لامتضادان، كذلك الذكر والأنثى، ولكلٍّ دوره ومهمته الخاصة، فإنْ حاولتَ أنْ تجعلَ الليل نهاراً، أو الذكر أنثى أو العكس، فقد خالفتَ هذه الطبيعة التي اختارها الخالق سبحانه. وحكينا قصة الرجل الذي مرَّ على عمدة القرية، فوجده يضرب غفيراً عنده، فدافع عن الغفير وقال للعمدة: لماذا تضربه يا عم إبراهيم؟ قال: مررتُ عليه ووجدتُه نائماً، فقال الرجل: نام؛ لأنه قضي النهار يروي لك أرضك، ومَنْ يحرث لا يحرس. إذن: تحت الجنس النوع، وهذا النوع غير متكافيء؛ لأنه لو تساوى لكان مكرراً لا فائدة منه، إنما يختلف الأفراد ويتميزون؛ لذلك لا تظن أنك تمتاز عن الآخرين؛ لأن الله تعالى وزَّع المواهب بين خَلْقه، فأنت تمتاز في شيء، وغيرك يمتاز في شيء آخر، ذلك ليرتبط

стр. 14562

الناس في حركة الحياة ارتباطَ حاجةٍ، لا ارتباطَ تفضُّل كما قُلْنا. لذلك، فالرجل الذي يكنس لك الشارع مُميِّزٌ عنك؛ لأنه يؤدي عملاً تستنكف أنت عن أدائه، وإذا أدَّى لك هذا العامل عملاً لا بُدَّ أنْ تعطيه أجره، في حين إذا سألك مثلاً سؤالاً وأنت العالم أو صاحب المنصب ... إلخ فإنك تجيبه، لكن دون أنْ تأخذ منه أجراً على هذا الجواب، وقد مكثتَ أنت السنوات الطوالَ تجمع العلم وتقرأ وتسمع، إلى أنْ وصلتَ إلى هذه الدرجة، وصارت لك خصوصية، إذن: لكل منا، ذكر أو أنثى، فردية شخصية تُميِّزه. هنا يقول الحق سبحانه لنساء النبي ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] هذه هي الخصوصية التي تُميِّزهن عن غيرهن من مطلق النساء، فمطلق النساء لَسْنَ قدوة، إنما نساء النبي خاصة قدوة لغيرهن من النساء وأُسْوة تُقتدى. والشرط بعد هذا النفي ﴿إِنِ اتقيتن ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] يعني: أن زوجيتهن لرسول الله ليست هذه ميزة، إنما الميزة والخصوصية في تقواهن لله، وإلا فهناك من زوجات الأنبياء مَنْ كانت غير تقية. وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بالقول فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] أي: اقْطَعْنَ طريق الفاحشة من بدايته، ولا تقربن أسبابها، واتركْنَ الأمور المشتبهة فيها. ومعنى الخضوع بالقول أنْ يكون في قول المرأة حين تخاطب الرجال ليونة، أو تكسُّر، أو ميوعة، أو أن يكون مع القول نظرات أو اقتراب. فإذا اضطرِرِتُنَّ لمحادثة الرجال فاحذرْنَ هذه الصفات ﴿فَيَطْمَعَ الذي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٢] والمعنى: أنا لا أتهمكُنَّ، إنما الواحدة منكُنَّ لا تضمن الرجل الذي تُحدِّثه، فربما كان في قلبه

стр. 14563

مرض، فلا تعطيه الفرصة. وليس معنى عدم الخضوع بالقول أنْ تُكلِّمْنَ الناسَ بغلظة وخشونة، إنما المراد أن تكون الأمور عند حدودها؛ لذلك يقول سبحانه بعدها ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: ٣٢] فلما نهى القرآن عن التصرف غير المناسب عرض البديل المناسب، وهو القول المعروف، وهو من المرأة القول المعتدل والسماع بالأذن دون أنْ تمتد عينها إلى مُحدِّثها؛ لأن ذلك ربما أطمعه فيها، وجرَّاه عليها، وهذا ما يريد الحق سبحانه أنْ يمنعه. لذلك حُكِي أن رجلاً رأى خادمته على الباب تُحدِّث شاباً وسيماً، وكان يسألهَا عن شيء، إلا أنها أطالتْ معه الحديث، فضربها ربُّ البيت ونهرها على هذا التصرف، وفي اليوم التالي جاء شاب آخر يسألها عن نفس الشيء الذي سأل عنه صاحبه بالأمس، فبادرته بالشتائم والسُّباب بعد أنْ ظهر لها ما في قلب هذا، وأمثاله من مرض. وفي موضع آخر من هذه السورة سيأتي: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ المؤمنين يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذلك أدنى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الأحزاب: ٥٩] ؛ لأن الرجل حين يجد المرأة محتشمة تستر مفاتن جسمها لا يتجزأ عليها، ويعلم

стр. 14564

أنها ليستْ من هذا الصنف الرخيص، فيقف عند حدوده. وقد قال الحكماء: أما إذا رأيتَ امرأةً تُظهر محاسنها لغير محارمها وتُلِحُّ في عرض نفسها على الرجال، فكأنها تقول للرجل (فتح يا بجم) تقول للغافل تنبه. فتستثير فيه شهوته، فَيَتَجَرَأْ عليها. فالحق سبحانه يريد لزوجات النبي ﷺ َ أولاً أنْ يُكلِّمْنَ الناس من وراء حجاب، وأنْ يُكلِّمْنَ الناس بالمعروف كلاماً لا لينَ فيه، ولا ميوعة حتى لا يَتعرَّضْنَ لسوء، ولا يتجزأ عليهن بذيء أو مستهتر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية ... ﴾ .

стр. 14565

معنى ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ... ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الزمنها ولا تُكثِرْن الخروج منها، وهذا أدب للنساء عامة؛ لأن المرأة إذا شغلتْ نفسها بعمل المطلوب منها في بيتها وفي خدمة زوجها وأولادها ومصالحهم لما اتسع الوقت للخروج؛ لذلك كثيراً ما يعود الزوج، فيجد زوجته مُنهمِكة في أعمال البيت، وربما ضاق هو نفسه بذلك؛ لأنه لا يجدها متفرغة له. إذن: المرأة المفلسة في بيتها هي التي تُكثِر الخروج، وتقضي
следующие страницы →