Полный текст (14 757 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
لماذا ذكر الحق القلب ووصفه بأنه يقسو ولم يقل نفوسكم لأن القلب هو موضع الرقة والرحمة والعطف. . وإذا ما جعلنا القلب كثير الذكر لله فإنه يمتلئ رحمة وعطفا. . والقلب هو العضو الذي يحسم مشاكل الحياة. . فإذا كان القلب يعمر باليقين والإيمان. . فكل جارحة تكون فيها خميرة الإيمان.
وحتى نعرف قوة وقدرة وسعة القلب على الإيمان واحتوائه أوضح الله تعالى هذا المعنى في كتابه العزيز حيث يقول: ﴿الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]
وهكذا نرى أن الجلود تقشعر من هول الوعيد بالنار. . ومجرد قراءة ما ذكره القرآن عنها. . وبعد ذلك تأتي الرحمة، وفي هذه الحالة لا تلين الجلود فقط ولكن لابد أن تلين القلوب لأنها هي التي تعطي اللمحة الإيمانية لكل جوارح الجسد. .
ورسول الله ﷺ َ يقول:
«ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد
стр. 352
الجسد كله ألا وهي القلب»
إذن فالقلب هو منبع اليقين ومصب الإيمان، وكما أن الإيمان في القلب فإن القسوة والكفر في القلب. . فالقلب حينما ينسى ذكر الله يقسو. . لماذا؟ . . لأنه يعتقد أنه ليس هناك إلا الحياة الدنيا وإلا المادة فيحاول أن يحصل منها على أقصى ما يستطيع وبأي طريقة فلا تأتي إلا بالظلم والطغيان وأخذ حقوق الضعفاء، ثم لا يفرط فيها أبدا لأنها هي منتهى حياته فلا شيء بعدها.
إنه يجد إنساناً يموت أمامه من الجوع ولا يعطيه رغيفا. . وإذا خرج الإيمان من القلب خرجت منه الرحمة وخرج منه كل إيمان الجوارح. . فلمحة الإيمان التي في اليد تخرج فتمتد اليد إلى السرقة والحرام. . ولمحة الإيمان التي في العين تخرج فتنظر العين إلى كل ما حرم الله. ولمحة الإيمان التي في القدم تخرج فلا تمشي القدم إلى المسجد أبدا ولكنها تمشي إلى الخمارة وإلى السرقة. . لأنه كما قلنا القلب مخزن الإيمان في الجسم.
ويشبه الحق ﵎ قسوة قلوبهم فيقول: ﴿فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ . . الحجارة هي الشيء القاسي الذي تدركه حواسنا ومألوف لنا ومألوف لبني إسرائيل أيضا. . لأن لهم مع الحجارة شوطا كبيرا عندما تاهوا في الصحراء. . وعندما عطشوا وكان موسى يضرب لهم الحجر بعصاه.
الله ﵎ لفتهم إلى أن المفروض أن تكون قلوبهم لينة ورفيقة حتى ولو كانت في قسوة الحجارة.
. ولكن قلوبهم تجاوزت هذه القسوة فلم تصبح في شدة الحجارة وقسوتها بل هي أشد.
ولكن كيف تكون القلوب أشد قسوة من الحجارة. . لا تنظر إلى لينونة مادة القلوب ولكن انظر إلى أدائها لمهمتها.
الجبل قسوته مطلوبة لأن هذه مهمته أن يكون وتداً للأرض صلبا قويا، ولكن هذه القسوة ليست مطلوبة من القلب وليست مهمته. . أما قلوب بني إسرائيل فهي أشد قسوة من الجبل. . والمطلوب في القلوب اللين، وفي الحجارة
стр. 353
القسوة. . فكل صفة مخلوقة لمخلوق ومطلوبة لمهمة. . فالخطاف مثلا أعوج. . هذا العوج يجعله يؤدي مهمته على الوجه الأكمل. . فعوج الخطاف استقامة لمهمته. . وحين تفسد القلوب وتخرج عن مهمتها تكون أقسى من الحجارة. . وتكون على العكس تماما من مهمتها. .
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء﴾ [البقرة: ٧٤]
هنا يذكرهم الله لما رأوه من الرحمة الموجودة في الحجارة. . عندما ضرب موسى الحجر بالعصا فانفجرت منه العيون. وذلك مثل حسي شهدوه. يقول لهم الحق ﷻ : أن الرحمة تصيب الحجارة فيتفجر منها الأنهار ويخرج منها الماء ويقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ . .
إذن فالحجارة يصيبها اللين والرحمة فيخرج منها الماء. ولكن قلوبكم إذا قست لا يصيبها لين ولا رحمة فلا تلين أبدا ولا تخشع أبدا. والله نزل عليكم التوراة وأعطاكم من فضله ورحمته وستره ومغفرته الكثير. . كان المفروض أن تلين قلوبكم لذكر الله.
ولكن ما الفرق بين تفجر الأنهار من الحجارة وبين تشققها ليخرج منها الماء؟ عندما تتفجر الحجارة يخرج منها الماء. نحن نذهب إلى مكان الماء لنأخذ حاجتنا. . ولكن عندما تتفجر منها الأنهار فالماء هو الذي يأتي إلينا ونحن في أماكننا. . وفرق بين عطاء تذهب إليه وعطاء يأتي إليك. . أما هبوط الحجر من خشية الله فذلك حدث عندما تجلى الله للجبل فجعله دكا. واقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسى صَعِقاً﴾ [الأعراف: ١٤٣]
стр. 354
يذكرهم الحق سبحانه كيف أن الجبل حين تجلى الله له هبط وانهار من خشية الله. وهكذا لا يعطيهم الأمثلة مما وقع لغيرهم، ولكن يعطيهم الأمثلة مما وقع لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي تذكروا أن الله لا يغيب عنه شيء وأن كل ما تعملونه يعرفه وأنكم ملاقونه يوم القيامة ومحتاجون إلى رحمته ومغفرته، فلا تجعلوا قلوبكم تقسو حتى لا يطردكم الله من رحمته كما خلت قلوبكم من ذكره.
стр. 355
يعطينا الحق ﵎ هنا الحكمة. . فيما رواه لنا عن بني إسرائيل وعن قصصهم. لأنهم سيكون لهم دور مع المسلمين في المدينة، ثم في بيت المقدس، ثم في المسجد الأقصى. . فهو يروي لنا كيف أتعبوا نبيهم وكيف عصوا ربهم. وكيف قابلوا النعمة بالمعصية والرحمة بالجحود. وإذا كان هذا موقفهم يا محمد مع الله ومع نبيهم. . فلا تطمع أن يؤمنوا لك ولا أن يدخلوا في الإسلام، مع أنهم عندهم التوراة تدعوهم إلى الإيمان بمحمد ﵊ ُ. .
هذه الآيات تحمل أعظم تعزية للرسول الكريم. وتطالبه ألا يحزن على عدم إيمان اليهود به لأنه عليه البلاغ فقط؛ ولكن حرص رسول الله ﷺ َ على أن يؤمن كل أهل الأرض يهود ونصارى وكفاراً، ليس معناه أنه لم يفهم مهمته، ولكن معناه أنه أدرك حلاوة التكليف من ربه، بحيث يريد أن يهدي كل خلق الله في الأرض. . فيطمئنه الله ويقول له لا تعتقد أنهم سيؤمنون لك. وليس معنى عدم إيمانهم أنك لست صادقا. . فتكذيبهم لك لا ينبغي أن يؤثر فيك. . فلا تطمع يا محمد أن يؤمنوا لك. .
ما هو الطمع؟ . . الطمع هو رغبة النفس في شيء غير حقها وإن كان محبوبا لها. . والأصل في الإنسان العاقل ألا يطمع إلا في حقه. . والإنسان أحيانا يريد أن يرفه حياته ويعيش مترفا ولكن بحركة حياته كما هي. نقول له إذا أردت أن تتوسع في ترفك فلابد أن تتوسع في حركة حياتك؛ لأنك لو أترفت معتمدا على حركة حياة غيرك فسيفسد ميزان حركة الحياة في الأرض، أي إن كنت تريد أن تعيش حياة متزنة فعش على قدر حركة حياتك؛ لأنك إن فعلت غير ذلك تسرق وترتش وتفسد. فإن كان عندك طمع فليكن فيما تقدر عليه.
стр. 356
إذن فكلمة «افتطمعون» هنا تحدد أنه يجب ألا نطمع إلا فيما نقدر عليه. هؤلاء اليهود هل نقدر على أن نجعلهم يؤمنون؟ يقول الله ﵎ لرسوله ﷺ َ. . هذا أمر زائد على ما كلفت به. . لأن عليك البلاغ، وحتى لو كان محببا إلى نفسك. . فإن مقدماتهم مع الله لا تعطيك الأمل في أنك ستصل إلى النتيجة التي ترجوها. .
وهذه الآية فيها تسرية لرسول الله ﷺ َ عما سيلاقيه مع اليهود. وتعطيه الشحنة الإيمانية التي تجعله يقابل عدم إيمان هؤلاء بقوة وعزيمة. . لأنه كان يتوقعه فلا يحزن ولا تذهب نفسه حسرات، لأن الله ﵎ قد وضع في نفسه التوقع لما سيحدث منهم. . فإذا جاء تصرفهم وفق ما سيحدث.
. يكون ذلك أمرا محتملا من النفس. .
والحق يقول: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ الله﴾ انظر إلى الأمانة والدقة. . فريق منهم ليس كلهم. . هذا هو ما استنبط منه العالم نظرية صيانة الاحتمال. . وهي عدم التعميم بحيث تقول أنهم جميعا كذا. لابد أن تضع احتمالا في أن شخصا ما سيؤمن أو سيشذ أو سيخالف. . هنا فريق من أهل الكتاب عرفوا صفات رسول الله ﷺ َ من التوراة والإنجيل. . وعندما بعث آمنوا به، وهؤلاء لم يحرفوا كلام الله. لو أن القرآن جاء بالحكم عاما لتغيرت نظرة الكافرين للإسلام. . ولقالوا لقد قال عنا هذا الدين أننا حرفنا كتاب الله ولكننا لم نحرفه ونحن ننتظر رسوله. . فكأن هذا الحكم غير دقيق. . ولابد أن شيئا ما خطأ. . لأن الله الذي نزل هذا القرآن لا يخفي عليه شيء ويعرف ما في قلوبنا جميعا. . ولكن لأن الآية الكريمة تقول أن فريقا منهم كانوا يسمعون كلام الله ثم يحرفونه. . الكلام بلا تعميم ومنطبق بدقة على كل حال. .
والحق ﷻ يقول: ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ . هذه معصية مركبة سمعوا كلام الله وعقلوه وعرفوا العقوبة على المعصية ثم بعد ذلك حرفوه. . لقد قرأوه في التوراة وقرأوا وصف رسول الله ﷺ َ حتى أنهم يعرفونه كأبنائهم. . ثم حرفوا كلام الله وهم يعلمون. . ومعنى التحريف تغيير معنى الكلمة. . كانوا يقولون السَّأم عليكم بدلا من السلام عليكم. . ولم يتوقف الأمر عند التحريف بل تعداه إلى أن جاءوا بكلام من عندهم وقالوا أنه من التوراة.
стр. 357
هذه صور من صور نفاق اليهود. والناس مقسمون إلى ثلاث: مؤمنون وكافرون ومنافقون. . المؤمن انسجم مع نفسه ومع الكون الذي يعيش فيه. . والكافر انسجم مع نفسه ولم ينسجم مع الكون، والكون يلعنه. . والمنافق لا انسجم مع نفسه ولا انسجم مع الكون، والآية تعطينا صورة من صور النفاق وكيف لا ينسجم المنافق مع نفسه ولا مع الكون. . فهو يقول ما لا يؤمن به. . وفي داخل نفسه يؤمن بما لا يقول. والكون كله يلعنه، وفي الآخرة هو في الدرك الأسفل من النار. وهذه الآية تتشابه مع آية تحدثنا عنها في أول هذه السورة. . وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤]
في الآية الأولى كان الدور لليهود، وكان هناك منافقون من غير اليهود وشياطينهم من اليهود. . وهنا الدور من اليهود والمنافقين من اليهود. الحق يقول: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا﴾ وهل الإيمان كلام؟ . . الإيمان يقين في القلب وليس كلاما باللسان. . والاستدلال على الإيمان بالسلوك فلا يوجد إنسان يسلك سبيل المؤمنين نفاقا أو رياء. . يقول آمنت نفاقا ولكن سلوكه لا يكون سلوك المؤمن. . ولذلك كان سلوكهم هو الذي يفضحهم. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ . .
стр. 358
وفي سورة أخرى يقول الحق: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩]
وفي سورة المائدة يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمْ قالوا آمَنَّا وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ٦١]
هنا أربع صور من صور المنافقين. . كلها فيها التظاهر بإيمان كاذب. . في الآية الأولى ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ وفي الآية الثانية: ﴿وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ قالوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ . وفي الآية الثالثة: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ . وفي الآية الرابعة: ﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر وَهُمْ قَدْ خَرَجُواْ بِهِ﴾ .
إن رسول الله ﷺ َ حينما بعث كان اليهود يقولون للمؤمنين هذا هو نبيكم موجود عندنا في التوراة أوصافه كذا. . حينئذ كان أحبار اليهود ينهونهم عن ذلك ويقولون لهم: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فكأنهم علموا صفات رسول الله ﷺ َ ولكنهم أرادوا أن يخفوها. . إن الغريب أنهم يقولون: ﴿بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ . وإذا كان هذا فتحا من الله فلا فضل لهم فيه. . ولو أراد الله لهم الفتح لآمنت القلوب. .
قوله تعالى: ﴿لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يدل على أن اليهود المنافقين والكفار وكل خلق الأرض يعلمون أنهم من خلق الله، وأن الله هو الذي خلقهم.
. وماداموا يعلمون ذلك فلماذا يكفرون بخالقهم؟ ﴿لِيُحَآجُّوكُم بِهِ﴾ أي لتكون حجتهم عليكم قوية عند الله. . ولكنهم لم يقولوا عند الله بل قالوا ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ والمحاجة معناها أن يلتقي فريقان لكل منهما وجهة نظر مختلفة. وتقام بينهما مناظرة
стр. 359
يدلي فيها كل فريق بحجته. واقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾ [البقرة: ٢٥٨]
هذه هي المناظرة التي حدثت بين إبراهيم ﵇ والنمرود الذي آتاه الله الملك. . ماذا قال إبراهيم؟ ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
هذه كانت حجة إبراهيم في الدعوة إلى الله، فرد عليه النمرود بحجة مزيفة. قال أنا أحيي وأميت. . ثم جاء بواحد من جنوده وقال لحراسه اقتلوه. . فلما اتجهوا إليه قال اتركوه. . ثم التفت إلى إبراهيم: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨]
جدل عقيم لأن هذا الذي أمر النمرود بقتله. كان حيا وحياته من الله. . والنمرود حين قال اقتلوه لم يمته ولكن أمر بقتله. . وفرق بين الموت والقتل. . القتل أن تهدم بنية الجسد فتخرج الروح منه لأنه لا يصلح لإقامتها. . والموت أن تخرج الروح من الجسد والبنية سليمة لم تهدم. . الذي يميت هو الله وحده، ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]
والنمرود لو قتل هذا الرجل ما كان يستطيع أن يعيده إلى الحياة. . ولكن إبراهيم ﵇. . لم يكن يريد أن يدخل في مثل هذا الجدل العقيم. .
стр. 360
الذي فيه مقارعة الحجة. بالحجة يمكن فيه الجدال ولو زيفا. . ولذلك جاء بالحجة البالغة التي لا يستطيع النمرود أن يجادل فيها: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذي كَفَرَ والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [البقرة: ٢٥٨]
هذا هو معنى الحاجّة. . كل طرف يأتي بحجته، وما داموا يحاجونكم عند ربكم وهم يعتقدون أن القضية لن تمر أمام الله بسلام لأنه رب الجميع وسينصف المظلوم من الظالم. . إذا كانت هذه هي الحقيقة فهل أنتم تعملون لمصلحة أنفسكم؟ الجواب لا. . لو كنتم تعلمون الصواب ما كنتم وقعتم في هذا الخطأ فهذا ليس فتحا. .
وقوله تعالى: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ ختام منطقي للآية. . لأن من يتصرف تصرفهم ويقول كلامهم لا يكون عنده عقل. . الذي يقول ﴿لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يكون مؤمنا بأن له ربا، ثم لا يؤمن بهذا الإله ولا يخافه لا يمكن أن يتصف بالعقل.
стр. 361
يبين الله لنا بأنه يعلم أمرهم وما يفعلون. لقد ظنوا أن الله غافل عندما خلا بعضهم إلى بعض وقالوا: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ . . الله علم وسمع. . وعندما يلاقي المنافقون المؤمنين ويقولون آمنا. . ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ هذا انفعال حركي ليس فيه كلام يقال ولكن فيه واقع يرى. . ومع ذلك فهو ليس سرا.
ما هو السر وما هو العلن؟ . . الأمر المعلن هو الذي يخرج منك إلى من عنده آلة السماع ليسمعك. . والأمر المعلن يخرج منك إلى من عنده آلة الرؤية ليراك. . فإن كان حركة بلا صوت فهذا عدته العين. . وإن كان بصوت فعدته الأذن. . هذه وسائل الإدراك الأصلية.
وقوله تعالى ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ألم يكن أولى أن يقول سبحانه يعلم ما يعلنون وما يسرون. . وإذا كان يعلم ما نسر أفلا يعلم ما نعلن؟ . . لاشك أنه يعلم. . ولكنها دقة في البلاغة القرآنية؛ ذلك أن المتكلم هو الله سبحانه.
ونحن نعلم أن الله غيب. . وغيب يعني مستور عن حواسنا. . ومادام الله غيبا فهو يعلم الغيب المستور. . ربما كان العلن الظاهر له قوانين أخرى. . فمثلا إذا كان هناك شخص في المنزل، ثم يقول «أنا اعلم ما في المنزل وما هو خارج المنزل. . لو قال أنا اعلم ما في المنزل لقلنا له أنت داخله فلا غرابة في ذلك. . ولكنك مستور عما في الخارج فكيف تعلمه؟
стр. 362
ومادام الله غيباً فقوله ما يسرون أقرب لغيبه. وما يعلنون هي التي تحتاج وقفة. لا تظنوا أن الله ﵎ لأنه غيب لا يعلم إلا ما هو مستور وخفي فقط. . لا. . إنه يعلم المشهود والغائب. . إذن فالمناسب لأن الله غيب عن أبصارنا وكوننا لا ندركه أن يقول ما يسرون أولا. .
ما معنى ما يسرون؟ . . السر هو ما لم تهمس به إلى غيرك. . لأن همسك للغير بالشيء لم يعد سرا. . ولكن السر هو ما تسره في نفسك ولا تهمس به لأحد من الناس. . وإذا كان السر هو ما تسره في نفسك، فالعلن هو ما تجاهر به. ويكون علنا مادام قد علمه اثنان. . والعلن عند الناس واضح والسر عندهم خفي. . والله حين يخبرنا أنه غيب. . فليس معنى ذلك أنه لا يعلم إلا غيباً. إنه يعلم السر والعلن. . والله ﷻ يقول في القرآن الكريم: ﴿يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]
فإذا كان السر هو ما تخفيه في نفسك وله واقع داخلك. .» ما هو أخفى «هو أن الله يعلم أنك ستفعله قبل أن تفعله. ويعلم أنه سيحدث منك قبل أن يحدث منك.
стр. 363
الله لازال يتحدث عن أهل الكتاب. . فبعد أن بين لنا الذين يقول: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ . . انتقل إلى طائفة أخرى وهم من أسماهم بالأميين. . وأصح قول في الأمي هو أنه كما ولدته أمه. أي لم يعلم شيئاً من ثقافة وعلم في الوجود منذ لحظة نزوله من بطن أمه. ولذلك فإن الأمي على إطلاقه هو الذي لا يكتسب شيئاً من ثقافة الوجود حوله، بصرف النظر عن أن يقال كما ولدته أمه. . لأن الشائع في المجتمعات أن الذي يعلم هم الخاصة لا العامة. . وعلى أية حال فالمعاني كلها ملتقية في تعريف الأمي.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ . . تلاحظ أن هناك معسكرات من الأميين واجهت الدعوة الإسلامية. . فالمعسكر الأول كان المشركين في مكة، والمعسكر الثاني كان أهل الكتاب في المدينة. وأهل الكتاب تطلق على أتباع موسى وأتباع المسيح. . ولكن في الجزيرة العربية كان هناك عدد لا يذكر من النصارى. . وكان هناك مجتمع. والمقصود من قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ هم اليهود الذين كان لهم مجتمع في المدينة. . ومادام الحق قال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ . . معنى هذا أنه لابد أن يكون هناك منهم غير أميين. . وهؤلاء هم الذين سيأتي قول الله تعالى عنهم في الآية التالية: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]
هنا قسّم الله ﵎ اليهود إلى أقسام. . منهم قسم أُمِّي لا يعرفون
стр. 364
الكتاب وما يقوله لهم أحبارهم هو الذي يعرفونه فقط. . وهؤلاء ربما لو كانوا يعلمون ما في التوراة. . من صفات رسول الله ﷺ َ لآمنوا به. . والكتاب هنا يقصد به التوراة. . والله لم ينف عنهم مطلق العلم. . ولكنه نفى خصوصية العلم، لأنه قال لا يعلمون إلا أماني. . فكأن الأماني يعلمونها من الكتاب.
ولكن ما الأماني؟ . . إنها تطلق مرة بدون تشديد الياء ومرة بتشديد الياء. . فإن كانت التخفيف تكون جمع أمنية. . وإن كانت بالتشديد تكون جمع أمنية بالتشديد على الياء. . الأمنية تجدها في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]
هذه بالنسبة للجمع. أما بالنسبة للمفرد. . في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]
ما هي الأمنية؟ . . الأمنية هي الشيء الذي يحب الإنسان أن يحدث ولكن حدوثه مستحيل. . إذن لن يحدث ولن يكون له وجود.
. ولذلك قالوا إن من معاني التمني اختلاق الأشياء. . الشاعر الذي قال:
أَلا لَيْتَ الشَّبابَ يعودُ يوماً ... فَأُخْبِرُهُ بما فَعَلَ المَشِيبُ
هل الشباب يمكن أن يعود؟ . . طبعاً مستحيل. . هذا شيء لن يحدث. . والشاعر الذي قال:
لَيْتَ الكواكبَ تَدْنُو لِي فَأَنْظمَهَا ... عُقُودَ مَدْحٍ فَما أَرْضَى لَكُمْ كَلِمِ
стр. 365
هل النجوم ستنزل من السماء وتأتي إلى هذا الشاعر. . ينظمها أبيات شعر إلى حبيبته. . إذن من معاني التمني الكذب والاختلاق. ولقد فسر بعض المستشرقين قول الله ﵎: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى﴾ (أي قرأ) : ﴿أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ (أي في قراءته) . . وطبعا الشيطان لن يلقي في قراءة الرسول إلا كذبا وإفتراء وكفرا. . إقرأ قوله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢]
قال أعداء الإسلام مادام قد ذكر في القرآن أسماء الغرانيق. . وهي الأصنام التي كان يعبدها الكفار. . ومنها اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. . إذن فشفاعة هذه الأصنام ترتجى في الآخرة. . وهذا كلام لا ينسجم مع منطق الدين كله يدعو لعبادة الله وحده. . وخرج المستشرقون من ذلك بأن الدين فعلا يدعو لعبادة الله وحده. . إذن فيكون الشيطان قد ألقى في أمنيته فيما يقوله رسول الله. . ثم أحكم الله سبحانه آياته فقال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣]
هم يريدون بذلك أن يشككوا. . في أنه من الممكن أن يلقي الشيطان بعض أفكاره في قول رسول الله ﷺ َ. . ولكن الله سبحانه ينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم آياته.
إن الله ﷻ لم يترك وحيه لعبث الشيطان. . ولذلك سنبحث الآية بعيداً عن كل ما قيل. . نقول لو أنك تنبهت إلى قول الله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى﴾ لو قلنا تمنى بمعنى قرأ، ثم أن الله ينسخ ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته. . إذن هو سبحانه لن يترك رسوله
стр. 366
يخطئ. . وبذلك ضمنا أن كل ما ينتهي إليه الرسول صواب. . وأن كل ما وصلنا عن الرسول محكم. . فنطمئن إلى أنه ليس هناك شيء يمكن أن يلقيه الشيطان في تمني الرسول ويصلنا دون أن ينسخ.
فإذا قلنا: إن الله ينسخ ما يلقي الشيطان فما الذي جعلكم تعرفون ما ألقاه الشيطان مادام رسول الله ﷺ َ لم يقل لكم إلا المحكم. . ثم من هو الرسول؟ بَشَرٌ أُوحِيَ إليه بمنهج من السماء وأمر بتبليغه. . ومن هو النبي؟ . . بشر أوحي إليه بمنهج.
ولم يؤمر بتبليغه. . ومادام لم يؤمر بتبليغه يكون خاصا بهذا النبي. . ويكون النبي قدوة سلوكية. . لأنه يطبق منهج الرسول الذي قبله فهو لم يأت بجديد.
الآية الكريمة جاءت بكلمتي رسول أو نبي. . إذا كان معنى أمنية الشيطان مستقيما بالنسبة للرسول فهو غير مستقيم بالنسبة للنبي. . لأن النبي لا يقرأ شيئاً، ومادام النبي ذكر في الآية الكريمة فلابد أن يكون للتمني معنى آخر غير القراءة. . لأن النبي لم يأت بكلام يقرؤه على الناس. . فكأنه سيقرأ كلاما محكما ليس فيه أمنية الشيطان أي قراءته.
إن التمني لا يأتي بمعنى قراءة الشيطان. . وأمنية الرسول والنبي أن ينجحا في مهمتهما. . فالرسول كمبلغ لمنهج الله، النبي كأسوة سلوكية. . المعنى هنا يختلف. . الرسول أمنيته أن يبلغ منهج الله. . والشيطان يحاول أن ينزع المنهج من قلوب الناس. . هذا هو المعنى. . والله حين يحكم آياته ينصر الإيمان ليسود منهج الله في الأرض وتنتظم حركة الناس. . هذا هو المعنى.
وكلمة تمني في هذه الآية الكريمة بمعنى أن الرسول أو النبي يحب أن يسود منهجه الأرض. . والشيطان يلقي العراقيل والله يحكم آياته وينصر الحق. ويجب أن نفهم الآية على هذا المعنى. . وبهذا ينتفي تماما ما يدعيه المستشرقون من أن رسول الله ﷺ َ حينما كان يقرأ ما يوحى إليه يستطيع الشيطان أن يتدخل ويضع كلاما في الوحي. . مستحيل.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ . . معناها أنه يأتي
стр. 367
قوم لا يعرفون شيئاً عن الكتاب إلا ظنا. . فيصدقهم هؤلاء الأميون دون علم. . وكان الله سبحانه يريد أن يلفتنا إلى أن كثيرا من المذاهب الدينية في الأرض ينشأ عن المبلغين لها. . فهناك أناس يأتمنون آخرين ليقولوا لهم ما إنتهت إليه الأحكام الدينية. . فيأتي الأمي أو غير المثقف يسأل عالما عن حكم من الأحكام الشرعية. . ثم يأخذ منه الحكم ويطبقه دون أن يناقشه. . لأن علمه قد إنتهى عند السؤال عن الفتوى. . والحق كما يقول: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]
أي لا يحمل أحد ذنب أحد يوم القيامة. . فيقول تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]
بعض الناس يظن أن الآيتين بينهما تعارض. . نقول لا. . ومن يرتكب إثما يحاسب عليه. . ومن يضل غيره بفتوى غير صحيحة يحل له بها ما حرم الله. . فإنه يحمل معاصيه ومعاصي من أضل. . فيكون له وزر لأنه ضل، ووزر لأنه أضل غيره. . بل وأكثر من ذلك. . فإن رسول الله ﷺ َ يقول:
«من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»
ولابد أن نتنبه إلى خطورة الفتوى في الدين بغير علم. . الفتوى في الدنيا أقصى ما يمكن أن تؤدي إليه هو أن تجعلك تخسر صفقة. . لكن الفتوى في الدين ستدوم عمرا طويلا. .
стр. 368
الحق ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ . . والظن كما قلنا هو نسبة راجحة ولكن غير مؤكدة. . وإذا كان التمني كما ورد في اللغة هو القراءة. . فهؤلاء الأمِّيون لا يعلمون الكتاب إلا قراءة لسان بلا فهم. . ولذلك قال الله عن اليهود: ﴿مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة: ٥]
وهكذا نرى أن هناك صنفا يحمل التوراة وهو لا يعرف عنها شيئا. . والله ﷻ قال إن مثله كالحمار. . ولكن أقل من الحمار، لأن الحمار مهمته أن يحمل الأثقال. . ولكن الإنسان ليست مهمته أن يحمل ما يجهل. . ولكن لابد أن يقرأ الكتاب ويعلم المطلوب منه.
стр. 369
هذه الآية الكريمة جاءت في القسم الثاني من اليهود وهو المقابل للأميين. . وهم إما أميون لا يعلمون الكتاب. . وإما يعلمون ولكنهم يغيرون فيه ويكتبونه بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. ولذلك توعدهم الله ﵎ فقال: ويل لهم، وبدأ الآية بالوعيد بالجزاء مباشرة. نلاحظ أن كلمة ويل في اللغة تستعمل معها كلمتي ويح وويس. . وكلها تعني الهلاك والعذاب. . وتستعمل للتحسر على غفلة الإنسان عن العذاب. . واقرأ قوله تعالى: ﴿ياويلتنا مَالِ هذا الكتاب لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]
وقوله ﷻ : ﴿ياويلنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا﴾ [الأنبياء: ٩٧]
هذه الويلات تعني الحسرة وقت رؤية العذاب. . وقيل إن الويل وَادٍ في جهنم يهوي الإنسان فيه أربعين خريفا والعياذ بالله. . والحق ﵎ ينذر الذين يكتبون الكتاب بأيديهم أن عذابهم يوم القيامة سيكون مضاعفا. . لأن كل من ارتكب إثما نتيجة لتزييفهم للكتاب سيكونون شركاء وسيحملون عذابهم معهم يوم القيامة، وسيكون عذابهم مضاعفا أضعافا كثيرة.
стр. 370
يقول الحق : ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ . . ألم يكن يكفي أن يقول الحق فويل للذين يكتبون الكتاب ويكون المعنى مفهوما. . يكتبون الكتاب بماذا؟ بأيديهم. . نقول لا. . لأن الفعل قد يتم بالأمر وقد يتم بالفعل. . رئيس الدولة مثلا يتصل بأحد وزرائه ويقول له ألم أكتب إليك كتابا بكذا فلماذا لم تنفذه؟ هو لم يكتب هذا الكتاب بيده ولكنهم كتبوه بأمره، ورؤساء الدول نادرا ما يكتبون كتبا بأيديهم.
إن الله يريد هنا أن يبين لنا مدى تعمد هؤلاء للإثم. . فهم لا يكتفون مثلا بأن يقولوا لغيرهم إكتبوا. . ولكن لاهتمامهم بتزييف كلام الله سبحانه وتزويره يقومون بذلك بأيديهم ليتأكدوا بأن الأمر قد تم كما يريدون تماما. . فليس المسألة نزوة عابرة. . ولكنها مع سبق الإصرار والترصد. . وهم يريدون بذلك أن يشتروا ثمنا قليلا، هو المال أو ما يسمى بالسلطة الزمنية. . يحكمون ويكون لهم نفوذ وسلطان.
ولقد كان أهل الكتاب في الماضي إذا اختلفوا في شيء. . ذهبوا إلى الكهان والرهبان وغيرهم ليقضوا بينهم. . لماذا؟ لأن الناس حين يختلفون يريدون أن يستتروا وراء ما يحفظ كبرياءهم إن كانوا مخطئين. . يعني لا أنهزم أمامه ولا ينهزم أمامي. . وإنما يقولون ارتضينا حكم فلان. . فإذا كنا سنلجأ إلى تشريع السماء ليحكم بيننا. . لا يكون هناك غالب ومغلوب أو منهزم ومنتصر. . ذلك حين أخضع أنا وأنت لحكم الله يكون كل منا راضيا بنتيجة هذا الحكم.
ولكن رجال الدين اليهودي والمسيحي أخذوا يصدرون فتاوى متناقضة.
. كل منهم حسب مصلحته وهواه. . ولذلك تضاربت الأحكام في القضايا المتشابهة. . لأنه لم يعد الحكم بالعدل. . بل أصبح الحكم خاضعا لأهواء ومصالح وقضايا البشر. . وحين يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله. . إنما يريدون أن يخلعوا على المكتوب قداسة تجعل الإنسان يأخذه بلا مناقشة. . وبذلك يكونون هم المشرعين باسم الله، ويكتبون ما يريدون ويسجلونه كتابه، وحين أحس أهل الكتاب بتضارب حكم الدين بما أضافه الرهبان والأحبار، بدأوا يطلبون تحرير الحكم من سلطة الكنيسة.
стр. 371
ولكن لماذا يكتب هؤلاء الناس الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله؟! . . الحق يقول: ﴿لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ . . وقد قلنا إن الإنسان لا يشتري الثمن. . ولكن يدفع الثمن ويشتري السلعة. . ولكنك هنا تدفع لتأخذ ثمنا. . تدفع من منهج الله وحكم الله فتغيره وتبدله لتأخذ ثمنا موقوتا. . والله يعطيك في الآخرة الكثير ولكنك تبيعه بالقليل. . وكل ثمن مهما بلغ تأخذه مقابل منهج الله يعتبر ثمنا قليلا.
والحق : يقول ﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ . . الآية الكريمة بدأت بقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ﴾ . . ثم جاء قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . . فساعة الكتابة لها ويل وعذاب. . وساعة بيع الصفقة لها ويل وعذاب. . والذي يكسبونه هو ويل وعذاب.
لقد انتشرت هذه المسألة في كتابة صكوك الغفران التي كانت تباع في الكنائس لمن يدفع أكثر. والحق يقول: ﴿وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . . وكلمة كسب تدل على عمل من أعمال جوارحك يجلب لك خيرا أو نفعا وهناك كسب وهناك اكتسب. . كسب تأتي بالشيء النافع، واكتسب تأتي بالشيء الضار. . ولكن في هذه الآية الكريمة الحق قال: ﴿وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ . . وفي آية ثانية قال: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ .
فلماذا تم هذا الإستخدام؟ نقول إن هذا ليس كسبا طبيعيا، إنما هو افتعال في الكسب. . أي اكتساب. . ولابد أن نفهم إنه بالنسبة لجوارح الإنسان. . فإن هناك القول والفعل والعمل. . بعض الناس يعتقد إن هناك القول والعمل. . نقول لا. . هناك قول هو عمل اللسان. . وفعل هو عمل الجوارح الأخرى غير اللسان. . وعمل وهو أن يوافق القول الفعل. . لذلك فإن الله يقول: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣]
стр. 372
إذن هناك قول وفعل وعمل. . والإنسان إذا استخدم جوارحه استخداما سليما بفعل ما هو صالح له. . فإذا انتقل إلى ما هو غير صالح إلى ما يغضب الله فإن جوارحه لا تفعل ولكنها تفتعل.
. تتصادم ملكاتها بعضها مع بعض والإنسان وهو يفتح الخزانة ليأخذ من ماله يكون مطمئنا لا يخاف شيئا. . والإنسان حين يفتح خزانة غيره يكون مضطربا وتصرفاته كلها افتعال. . والإنسان مع زوجته منسجم في هيئة طبيعية، بعكس ما يكون في وضع مخالف. . إنها حالة افتعال. . وكل من يكسب شيئا حراما افتعله. . ولذلك يقال عنه اكتسب. . إلا إذا تمرس وأصبح الحرام لا يهزه، أو ممن نقول عنهم معتادو الإجرام. . في هذه الحالة يفعل الشيء بلا افتعال لأنه اعتاد عليه. . هؤلاء الذين وصلوا إلى الحد الذي يكتبون فيه بأيديهم ويقولون من عند الله. . أصبح الإثم لا يهزهم، ولذلك توعدهم الله بالعذاب مرتين في آية واحدة.
стр. 373
هنا يكشف الله فكر هؤلاء الناس. . لقد زين لهم الشيطان الباطل فجعلهم يعتقدون أنهم كسبوا فعلا وأنهم أخذوا المال والجاه الدنيوي وفازوا به. . لأنهم لن يعذبوا في الآخرة إلا عذابا خفيفا قصيرا. . ولذلك يفضح الله ﵎ ما يقولونه بعضهم مع بعض. . ماذا قالوا؟ : ﴿وقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ .
المس يعني اللمس الخفيف أو اقتراب شيء من شيء. . ولكن لا يحس أحدهما بالآخر إلا إحساسا خفيفا لا يكاد يذكر. . فإذا أتيت إلى إنسان ووضعت أَنَا مِلَكَ على يده يقال مسست. . ولكنك لم تستطع بهذا المس أن تحس بحرارة يده أو نعومة جلده. . ولكن اللمس يعطيك إحساسا بما تلمس: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ وهكذا أخذوا أقل الأقل في العذاب. . ثم أقل الأقل في الزمن فقالوا أياما معدودة. . الشيء إذا قيل عن معدود فهو قليل. . أما الشيء الذي لا يحصى فهو الكثير. . ولذلك حين يتحدث الله عن نعمه يقول سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ [النحل: ١٨]
فمجرد الإقبال على العد معناه أن الشيء يمكن إحصاؤه. . فإن لم يكن ممكنا لا يُقبل أحد على عده، ولا نرى من حاول عدَّ حبات الرمل أو ذرات الماء في البحار. . نِعَمُ الله ظاهرة وخفية لا يمكن أن تحصى، ولذلك
стр. 374
لا يقبل لا يُقبل أحد على إحصائها. . وإذا سمعت كلمة «أياما معدودة» فأعلم أنها أيام قليلة. . ولذلك نرى في سورة يوسف قول الحق ﷻ : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠]
قولهم لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. . دليل على غبائهم لأن مدة المس لا تكون إلا لحظة. . ولكنها أماني وضعها الشيطان في عقولهم ليأتي الرد من الله في قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ﴾ أي إذا كان ذلك وعداً من الله، فالله لا يخلف وعده. والله يأمر رسوله ﷺ َ أن يقول لهم لستم أنتم الذين تحكمون وتقررون ماذا سيفعل الله بكم. . بل هو ﷻ الذي يحكم. . فإن كان قد أعطاكم عهدا فالله لا يخلف وعده.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ . . هنا أدب النبوة والخلق العظيم لرسول الله ﷺ َ. . فبدلا من أن يقول لهم أتفترون على الله أو أتكذبون على الله. . أو أتختلقون على الله ما لم يقله. . قال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ إن الذي يختلق الكلام يعلم أنه مختلق.
. إنه أول من يعلم كذب ما يقول، وقد يكون له حجة ويقنع من أمامه فيصدقه، ولكنه يظل يعلم إن ما قاله مختلق رغم أنهم صدقوه. . ولذلك فإن رسول الله ﷺ َ يقول: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها»
إذن مختلق الشيء يعرف إن هذا الشيء مختلق. وهؤلاء اليهود هم أول من يعلم إن قولهم. . ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ قول مختلق. . ولكن لمن يقولون على الله ما هو افتراء وكذب؟ يقولون للأميين الذين لا يعرفون الكتاب.
стр. 375
أراد الله أن يوضح كذبهم. . فجاء القرآن قائلا: «بلى» وهي حرف جواب مثل نعم تماما. . ولكن «بلى» حرف جواب في النفي. . يعني ينفي الذي قبله. . هم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ورسول الله سألهم هل اتخذوا عند الله عهدا أو يقولون على الله ما لا يعلمون، فجاء القرآن ليقول: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . . بداية الجواب ببلى تنفي ما قالوا. . لأن بلى تأتي بعد النفي. . ونعم تأتي بعد الإجابة. . فإذا قال إنسان ليس لك عندي شيء وقلت نعم، فمعناها أنه صحيح أنك ليس لك عندي شيء. . أما إذا قلت بلى، فمعنى ذلك أن لك عندي شيئا أو أشياء. . ولذلك بعد قولهم ﴿لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ . . لو جاء بعدها نعم، لكان قولهم صحيحا، ولكن بلى نفت. . وجاء الكلام بعدها مؤكدا النفي:
﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هم قالوا لن تمسنا النار. . قال لن تمسكم فقط بل أنتم فيها خالدون. . وقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ النار﴾ . . الصحبة تقتضي نوعا من الملازمة فيها تجاذب المتصاحبين. . ومعنى ذلك أنه سيكون هناك تجاذب بينهم وبين النار. .
هنا نلاحظ أن الحق قال: ﴿بلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ . . وكان السياق يقتضي أن يقال اكتسب. . ولكن لأنهم ظنوا أنهم كسبوا. . كما بينا في الآية السابقة. . وقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ . . إحاطة بحيث
стр. 376
لا يوجد منفذ للإفلات من الخطيئة لأنها محيطة به. وأنسب تفسير لقوله تعالى: ﴿كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خطيائته﴾ . . أن المراد الشرك. . لأن الشرك هو الذي يحيط بالإنسان ولا مغفرة فيه. . والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: ٤٨]
ولذلك فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط. . ولكنهم كانوا كافرين مشركين. والدليل قوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ . . وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار. . ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار. . وكل من لم يؤمن بسيدنا محمد ﷺ َ كافر. . لأن الله قال: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]
ولذلك قلت هناك فرق بين. . الإنسان الذي يرتكب معصية لأنه لا يقدر على نفسه فيندم ويتوب. . وبين إنسان يفرح بالمعصية. . ولذلك يقول الحق : ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]
وهناك من يندم على المعصية وهذا له توبة. . وهناك من يفرح بالمعصية وهذا يزداد معصية.
стр. 377
عندما يذكر الله في القرآن الكريم. . العذاب والنار، يأتي بالمقابل وهو النعيم والجنة. . وذلك أن المقابلة ترينا الفرق. . وتعطي للمؤمن إحساسا بالسعادة. . لأنه زحزح عن عذاب الآخرة، وليس هذا فقط. . بل دخل الجنة ليقيم خالدا في النعيم. . ولذلك يقول سبحانه: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]
إذن الفوز في الآخرة ليس على درجة واحدة ولكن على درجتين. . أولى درجات الفوز أن يزحزح الإنسان على النار ولو إلى الأعراف وهذا فوز عظيم. . يكفي إنك تمر على الصراط المضروب فوق النار وترى ما فيها من ألوان العذاب، ثم بعد ذلك تنجو من هذا الهول كله. . يكفي ذلك ليكون فوزا عظيما. . لأن الكافر في هذه اللحظة يتمنى لو كان ترابا حتى لا يدخل النار. . فمرور المؤمن فوق الصراط ورؤيته للنار نعمة لأنه يحس بما نجا منه. . فإذا تجاوز النار ودخل إلى الجنة لينعم فيها نعيما خالدا كان هذا فوزاً آخر. . ولذلك حرص الله ﵎ أن يعطينا المرحلتين. فلم يقل: من زحزح عن النار فاز. . ولم يقل من أدخل الجنة فاز. . بل قال ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ . . وجاءت هذه الآية الكريمة بعد آيات العذاب لتعطينا المقارنة.
стр. 378
أخذ الله على بني إسرائيل ثمانية أشياء: الميثاق. . وهو العهد الموثق المربوط ربطا دقيقا وهو عهد الفطرة أو عهد الذر. . مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]
وهناك عهد آخر أخذه على رسله جميعا. . أن يبشروا برسالة رسول الله ﷺ َ. . ويطلبوا من أتباعهم أن يؤمنوا به عند بعثه. . أو ألا يكتموا ما في كتبهم وإلا يغيروه. . والميثاق هو كل شيء فيه تكليف من الله. . ذلك أنك تدخل في عقد إيماني مع الله بأن تفعل ما يأمر به وتترك ما نهى عنه. . هذا هو الميثاق. . كلمة الميثاق وردت في القرآن الكريم بوصف غليظ. . في علاقة الرجل بالمرأة. . قال : ﴿وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١]
стр. 379
نقول نعم لأن هذا الميثاق سيحل للمرأة أشياء لا تكون إلا به. . أشياء لا تحل لأبيها أو لأخيها أو أي إنسان عدا زوجها. . والرجل إذا دخل على ابنته وكانت ساقها مكشوفة تسارع بتغطيته. . فإذا دخل عليها زوجها فلا شيء عليها. . إذن هو ميثاق غليظ لأنه دخل مناطق العورة وأباح العورة للزوج والزوجة. . ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧]
إن كلا منهما يغطي ويخفي ويستر عورة الآخر. . والأب لا يفرح من انتقال ولاية ابنته إلى غيره. . إلا انتقال هذه الولاية لزوجها. . ويشعر بالقلق عندما تكبر الفتاة ولا تتزوج.
الحق يقول: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ هذا الميثاق شمل ثلاثة شروط: ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ أي تعبدون الله وحده. . وتؤمنون بالتوراة وبموسى نبيا. . لماذا؟ لأن عبادة الله وحده هي قمة الإيمان. . ولكن لا تحدد أنت منهج عبادته سبحانه. . بل الذي يحدد منهج العبادة هو المعبود وليس العابد. . لابد أن تتخذ المنهج المنزل من الله وهو التوراة وتؤمن به. . ثم بعد ذلك تؤمن بموسى نبيا. . لأنه هو الذي نزلت عليه التوراة. . وهو الذي سيبين لك طريق العبادة الصحيحة. وبدون هذه الشروط الثلاثة لا تستقيم عبادة بني إسرائيل. .
وقوله تعالى: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾ لأنهما السبب المباشر في وجودك. . ربياك وأنت صغير، ورعياك، وقوله تعالى: «إحسانا» معناه زيادة على المفروض.
لأنك قد تؤدي الشيء بالقدر المفروض منك. . فالذي يؤدي الصلاة مثلا بقدر الغرض يكون قد أدى. . أما الذي يصلي النوافل ويقوم الليل يكون قد دخل في مجال الإحسان. . أي عطاؤه أكثر من المفروض. . والله ﵎ يقول: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ
стр. 380
ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لَّلسَّآئِلِ والمحروم﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٩]
وهكذا نرى أن الإحسان زيادة على المفروض في الصلاة والتسبيح والصدقة والله ﵎ يريد منك أن تعطي لوالديك أكثر من المفروض أو من الواجب عليك. .
وقوله تعالى: ﴿وَذِي القربى﴾ . . يحدد الله لنا فيها المرتبة الثانية بالنسبة للإحسان. . فالله ﷻ أوصانا أن نحسن لوالدينا ونرعى أقاربنا. . ولو أن كل واحد منا قام بهذه العملية ما وجد محتاج أو فقير أو مسكين في المجتمع. . والله يريد مجتمعا لا فقر فيه ولا حقد. . وهذا لا يتأتى إلا بالتراحم والإحسان للوالدين والأقارب. . فيكون لكل محتاج في المجتمع من يكفله. .
ويقول الله سبحانه: «واليتامى» . . واليتيم هو من فقد أباه وهو طفل لم يبلغ مبلغ الرجال. . هذا في الإنسان. . أما في الحيوان فإن اليتيم من فقد أمه. . لأن الأمومة في الحيوان هي الملازمة للطفل، ولأن الأب غير معروف في الحيوان ولكن الأم معروفة. . اليتيم الذي فقد أباه فقد من يعوله ومن يسعى من أجله ومن يدافع عنه. . والله جعل الأم هي التي تربي وترعى. . والأب يكافح من أجل توفير احتياجات الأسرة. . ولكن الحال إنقلب الآن ولذلك يقول شوقي ﵀:
لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ ... هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفََاهُ ذَلِيلاَ
إِنّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ ... أُمَّاَ تَخَلَّتْ أَوْ أَباًً مَشْغُولاَ
إن اليتيم يكون منكسرا لأنه فقد والده فأصبح لا نصير له. . فإذا رأينا في المجتمع الإسلامي أن كل يتيم يرعاه رعاية الأب كل رجال المجتمع. . فذلك
стр. 381
يجعل الأب لا يخشى أن يترك إبنه بعد وفاته. . إذن فرعاية المجتمع لليتيم تضمن أولا حماية حقه، لأنه إذا كان يتيما وله مال فإن الناس كلهم يطمعون في ماله، لأنه لا يقدر أن يحميه. . هذه واحدة. . والثانية أن هذا التكافل يُذْهِب الحقد من المجتمع ويجعل كل إنسان مطمئنا على أولاده. .
وقوله : «والمساكين» . . في الماضي كنا نقول إن المساكين هم الذين لا يملكون شيئا على الإطلاق ليقيموا به حياتهم. . إلى أن نزلت الآية الكريمة في سورة الكهف: ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ [الكهف: ٧٩]
فعرفنا أن المسكين قد يملك.
. ولكنه لا يملك ما يكفيه. . وهذا نوع من التكافل الإجتماعي لابد أن يكون موجودا في المجتمع. . حتى يتكافل المجتمع كله. . فأنت إن كنت فقيرا أو مسكينا ويأتيك من رجل غني ما يعينك على حياتك. . فإنك ستتمنى له الخير لأن هذا الخير يصيبك. . ولكن إذا كان هذا الغني لا يعطيك شيئا. . هو يزداد غنى وأنت تزداد فقرا. . تكون النتيجة أن حقده يزداد عليك. .
ويقول الحق : ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ . . كلمة حسنا بضم الحاء ترد بمعنى حسن بفتح الحاء. . والحسن هو ما حسنه الشرع. . ذلك أن العلماء اختلفوا: هل الحسن هو ما حسَّنه الشرع أو ما حسنه العقل؟ نقول: ما حسنه العقل مما لم يرد فيه نص من تحسين الشرع. . لأن العقل قد يختلف في الشيء الواحد. . هذا يعتبره حسنا وهذا يعتبره قبيحا. . والله ﵎ يقول: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة وَجَادِلْهُم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]
هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ . . ثم جاء قوله جل
стр. 382
جلاله: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ وقد تكلمنا عن معنى إقامة الصلاة وما يجعلها مقبولة عند الله. وهناك فرق بين أن تقول صلوا. . وبين أن تقول أقيموا الصلاة. . أقيموا الصلاة معناها صلّ ولكن صلاة على مستواها الذي يطلب منك. . وإقامة الصلاة كما قلنا هي الركن الذي لا يسقط أبدا عن الإنسان. .
ويقول الحق: ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾ . . بالنسبة للزكاة عندما يقول الله سبحانه: ﴿وَذِي القربى واليتامى والمساكين﴾ . . نقول أن الأقارب واليتامى والمساكين لهم حق في الزكاة ماداموا فقراء. . لنحس جميعا أننا نعيش في بيئة إيمانية متكاملة متكافلة. . يحاول كل منا أن يعاون الآخر. . فالزكاة في الأساس تعطي للفقير ولو لم يكن يتيما أو قريبا. . فإن لكل فقير حقوقا ورعاية. . فإذا كان هناك فقراء أقارب أو يتامى يصبح لهم حقان. . حق القريب وحق الفقير. .
وإن كان يتيما فله حق اليتيم وحق الفقير. . بعد أن ذكر الحق عناصر الميثاق الثمانية. . قال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ . . تولى يعني أعرض أو لم يُطعْ أو لم يستمع. . يقول الحق سبحانه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ . . هذا هو واقع تاريخ بني إسرائيل. . لأن بعضهم تولى ولم يطع الميثاق وبعضهم أطاع. .
إن القرآن لم يشن حملة على اليهود، وإنما شن حملة على المخالفين منهم. ولذلك احترم الواقع وقال: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ . . وهذا يقال عنه بالنسبة للبشر قانون صيانة الاحتمال. .
إن الحق ﷻ يتكلم بإنصاف الخالق للمخلوق. . لذلك لم يقل ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ بل قال إلا قليلا.
«توليتم» يعني أعرضتم، ولكن الله ﵎ يقول: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ﴾ نريد أن نأخذ الدقة الأدائية. . إذا أردنا أن نفسر توليّ. . فمعناها أعرض أو رفض الأمر. . ولكن الدقة لو نظرنا للقرآن لوجدنا أنه حين يلتقي المؤمن بالكافر في معركة. . فالله يقول: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ [الأنفال: ١٦]
стр. 383
إذن فالتولي هو الإعراض. . والحق في هذه الآية الكريمة بين لنا أن الإعراض يتم بنوايا مختلفة. . المقاتل يوم الزحف يعرض أو يتولى ليس بنية الهرب من المعركة. . ولكن بنية أن يذهب ليقاتل في مكان آخر أو يعاون إخوانه الذين تكاثر عليهم الأعداء. . هذا إعراض ولكن ليس بنية الهرب من المعركة. . ولكن بنية القتال بشكل أنسب للنصر. .
نفرض أن إنسانا مدين لك رأيته وهو قادم في الطريق فتوليت عنه. . أنت لم تعرض عنه كرها. . ولكن رحمة لأنك لا تريد المساس بكرامته. . إذن هناك تولٍّ أو إعراض ليس بنية الإعراض. والله يريد أن يلفتنا إلى أن هؤلاء اليهود تولوا بنية الإعراض، ولم يتولوا بأي نية أخرى. . أي أنهم أعرضوا وهم متعمدون أن يعرضوا. . وليس لهدف آخر.
стр. 384
قلنا ساعة تسمع «إذ» فأعلم أن معناها أذكر. . وقلنا إن الميثاق هو العهد الموثق. . وقوله تعالى: ﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ . . والله ﵎ ذكر قبل ذلك في الميثاق عبادة الله وحده. . وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين. . وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة. . وكلها أوامر أي وكلها افعل. . إستكمالا للميثاق. . يقول الله في هذه الآية الكريمة ما لا تفعل. . فالعبادة كما قلنا هي إطاعة الأوامر والامتناع عن النواهي. . أو ما نهى عنه الميثاق:
﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ ومعناها لا يسفك كل واحد منكم دم أخيه. . لا يسفك بعضكم دم بعض. ولكن لماذا قال الله: «دماءكم» ؟ لأنه بعد ذلك يقول: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ . . الحكم الإيماني يخاطب الجماعة الإيمانية على أنها وحدة واحدة. . لذلك يقول رسول الله ﷺ َ:
«مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى»
فكأن المجتمع الإيماني وحدة واحدة. . والله يقول: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور: ٦١]
стр. 385
ولكن إذا كنت أنا الداخل فكيف أسلم على نفسي؟ كأن الله يخاطب المؤمنين على أساس أنهم وحدة واحدة. . وعلى هذا الأساس يقول سبحانه: ﴿لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ﴾ . . أي لا تقتلوا أنفسكم. . السفك معناه حب الدم. . «ودماءكم» هو السائل الموجود في الجسم اللازم للحياة. . وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ يعني لا يخرج بعضكم بعضا من ديارهم. . ثم ربط المؤمنين من بني إسرائيل بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . . أقررتم أي اعترفتم: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ الشهادة هي الإخبار بمشاهد. . والقاضي يسأل الشهود لأنهم رأوا الحادث فيروون ما شاهدوا. . وأنت حين تروي ما شاهدت. . فكأن الذين سمعوا أصبح ما وقع مشهودا وواقعا لديهم. . وشاهد الزور يغير المواقع.
الحق يخاطب اليهود المعاصرين لرسول الله ﷺ َ. . ويذكرهم بما كان من آبائهم الأولين. . وموقفهم من أخذ الميثاق حين رفع فوقهم جبل الطور وهي مسألة معروفة. . والقرآن يريد أن يقول لهم إنكم غيرتم وبدلتم فيما تعرفون. . فالذي جاء على هواكم طبقتموه. . والذي لم يأت على هواكم لم تطبقوه.
стр. 386
يخاطب الحق ﷻ اليهود ليفضحهم لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على هواهم. . ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ . إنه يذكرهم بأنهم وافقوا على الميثاق وأقروه.
ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة يهودية وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم. . فقالوا نذهب إلى محمد ظانين أنه سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم. . أو أنه لا يعلم ما في كتابهم. . فلما ذهبوا إلى رسول الله ﷺ َ قال لهم هذا الحكم موجود عندكم في التوراة. . قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية بالقذارة ونطوف به على الناس. . قال لهم رسول الله لا. . عندكم آية الرجم موجودة في التوراة فانصرفوا. . فكأنهم حين يحسبون أن رسول الله ﷺ َ سيخفف حدا من حدود الله. . يذهبون إليه ليستفتوه.
والحق يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . . أي بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا. . تقتلون أنفسكم. . يقتل بعضكم بعضا، أو أن من قتل سيقتل. فكأنه هو الذي قتل نفسه. . والحق سبحانه قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . . لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة للتنبيه لكي نلتف إلى الحكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ﴾ وحذرهم بقوله: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ . . وجاء هذا في الميثاق. ما هو الحكم الذي
стр. 387
يريد الحق ﵎ أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله ﷺ َ حينما هاجر إلى المدينة إنتقل من دار شرك إلى دار إيمان. . ومعنى دار إيمان أن هناك مؤمنين سبقوا. . فهناك من آمن من أهل المدينة. . لقد هاجر المسلمون قبل ذلك إلى الحبشة ولكنها كانت هجرة إلى دار أمن وليست دار إيمان. . ولكن حين حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من المدينة وعاهدوا رسول الله ﷺ َ وآمنوا به. . أرسل معهم الرسول مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم. . وجاءت هجرة الرسول ﵊ ُ على خميرة إيمانية موجودة. . لما جاء الرسول ﷺ َ إلى المدينة أفسد على اليهود خطة حياتهم. . فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. . وكان هناك في المدينة الأوس والخزرج. . وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام. . فاليهود قسموا أنفسهم إلى قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا استمرار العداوة. . فكلما هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ليعود القتال من جديد.
. وهم كذلك حتى الآن وهذه طبيعتهم.
إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي صنع الرأسمالية يهودي. . والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي. . وكان بنو النضير وبنو قينقاع مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس. . فإذا إشتبك الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه من اليهود. عندما تنتهي المعركة ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني قينقاع يقوم بنو قريظة بالمساعدة في فك أسرهم. . مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر. . فإذا إنتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود. . يأتي اليهود ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود. . لأن عندهم نصاً أنه إذا وجد أسير من بني إسرائيل فلابد من فك أسره.
والحق يقول لهم إن أعمالكم في أن يحارب بعضكم بعضا وأن تسفكوا دماءكم. . لا تتفق مع الميثاق الذي أخذه الله عليكم بل هي مصالح دنيوية. . تقتلون أنفسكم والله نهاكم عن هذا: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ﴾ والله نهاكم عن هذا: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ . . وهذا ما كان يحدث في المدينة في الحروب بين الأوس والخزرج كما بينا. . والأسارى جمع أسير وهي على غير قياسها، لأن القياس فيها أسرى. . ولذلك نرى في آية أخرى أنه يأتي قول الله
стр. 388
سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧]
ولكن القرآن أتى بها أسارى. . واللغة أحيانا تأتي على غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني. . فكسلان تجمع كسالى. والكسلان هو هابط الحركة. . الأسير أيضا أنت قيدت حركته. . فكأن جمع أسير على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة. . القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى. . ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى. . ومعنى وجود الأسرى أن حربا وقعت. . لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام. . ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه.
كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء. . فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم إستأسروهم. . لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل. . ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية. . وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة. . لأنه لو لم يكن الأسر مباحا. . لكان لابد إذا إلتقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر. . لذلك يقال خذه أسيرا إلا إذا كان وجوده خطراً على حياتك.
وقول الحق ﵎: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ . . كانت كل طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج.
. وكانت تخرج المغلوب من دياره وتأخذ الديار. . وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم. . أي يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم.
لماذا يقسم اليهود أنفسهم هذه القسمة. . إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية. . لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب. . ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج. . ويكون بينكم إثم وعدوان.
وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ . . تظاهرون عليهم. أي
стр. 389
تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: «بالإثم» . . والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: «والعدوان» . . أي التعدي بشراسة. . وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ . . أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية. . وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج. . تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب. . مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا.
ثم يقول الحق : ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه. . سيصيبكم الله بخزي في الدنيا. . أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا. . وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول الله ﷺ َ والمؤمنين. . وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة. . كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله ﷺ َ والمسلمين. . وهكذا لا يؤخر الله جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة. . وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون. . ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد. . اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعا: ﴿يَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ .
قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا. . لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا. . ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم. . فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود من حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة. . فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم. . هؤلاء نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة. . أما الظالمون فالأمر يختلف. . لذلك فإننا نجد إناسا من الذين ارتكبوا إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة. . مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد. .
стр. 390
حتى لا يأتي واحد ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذي أصابهم خزي في الدنيا من عذاب الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم.
. أصابهم ضر وعذاب. . ولكن أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة. . وما أهون عذاب الدنيا هو بقدرة البشر بالنسبة لعذاب الآخرة الذي هو بقدرة الله ، كما أن هذه الدنيا تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل خلود في العذاب.
ثم يقول الحق ﷻ : ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . . أي لا تحسب أن الله يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سنة نوم. . وهو بكل شيء محيط.
следующие страницы →