Полный текст (14 757 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
يخاطب الحق ﷻ اليهود ليفضحهم لأنهم طبقوا من التوراة ما كان على هواهم. . ولم يطبقوا ما لم يعجبهم ويقول لهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ . إنه يذكرهم بأنهم وافقوا على الميثاق وأقروه.
ولقد نزلت هذه الآية عندما زنت امرأة يهودية وأرادوا ألا يقيموا عليها الحد بالرجم. . فقالوا نذهب إلى محمد ظانين أنه سيعفيهم من الحد الموجود في كتابهم. . أو أنه لا يعلم ما في كتابهم. . فلما ذهبوا إلى رسول الله ﷺ َ قال لهم هذا الحكم موجود عندكم في التوراة. . قالوا عندنا في التوراة أن نلطخ وجه الزاني والزانية بالقذارة ونطوف به على الناس. . قال لهم رسول الله لا. . عندكم آية الرجم موجودة في التوراة فانصرفوا. . فكأنهم حين يحسبون أن رسول الله ﷺ َ سيخفف حدا من حدود الله. . يذهبون إليه ليستفتوه.
والحق يقول: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . . أي بعد أن أخذ عليكم الميثاق ألا تفعلوا. . تقتلون أنفسكم. . يقتل بعضكم بعضا، أو أن من قتل سيقتل. فكأنه هو الذي قتل نفسه. . والحق سبحانه قال: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ . . لماذا جاء بكلمة هؤلاء هذه؟ لإنها إشارة للتنبيه لكي نلتف إلى الحكم.
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ﴾ وحذرهم بقوله: ﴿وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ . . وجاء هذا في الميثاق. ما هو الحكم الذي
стр. 387
يريد الحق ﵎ أن يلفتنا إليه؟ نقول إن رسول الله ﷺ َ حينما هاجر إلى المدينة إنتقل من دار شرك إلى دار إيمان. . ومعنى دار إيمان أن هناك مؤمنين سبقوا. . فهناك من آمن من أهل المدينة. . لقد هاجر المسلمون قبل ذلك إلى الحبشة ولكنها كانت هجرة إلى دار أمن وليست دار إيمان. . ولكن حين حدثت بيعة العقبة وجاء جماعة من المدينة وعاهدوا رسول الله ﷺ َ وآمنوا به. . أرسل معهم الرسول مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم. . وجاءت هجرة الرسول ﵊ ُ على خميرة إيمانية موجودة. . لما جاء الرسول ﷺ َ إلى المدينة أفسد على اليهود خطة حياتهم. . فاليهود كانوا ممثلين في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة. . وكان هناك في المدينة الأوس والخزرج. . وبينهما حروب دائمة قبل أن يأتي الإسلام. . فاليهود قسموا أنفسهم إلى قوم مع الأوس وقوم مع الخزرج حتى يضمنوا استمرار العداوة. . فكلما هدأ القتال أهاجوا أحد المعسكرين على الآخر ليعود القتال من جديد.
. وهم كذلك حتى الآن وهذه طبيعتهم.
إن الذي صنع الشيوعية يهودي، والذي صنع الرأسمالية يهودي. . والذي يحرك العداوة بين المعسكرين يهودي. . وكان بنو النضير وبنو قينقاع مع الخزرج وبنو قريظة مع الأوس. . فإذا إشتبك الأوس والخزرج كان مع كل منهم حلفاؤه من اليهود. عندما تنتهي المعركة ماذا كان يحدث؟ إن المأسورين من بني النضير وبني قينقاع يقوم بنو قريظة بالمساعدة في فك أسرهم. . مع أنهم هم المتسببون في هذا الأسر. . فإذا إنتصرت الأوس وأخذوا أسرى من الخرج ومن حلفائهم اليهود. . يأتي اليهود ويعملون على إطلاق سراح الأسرى اليهود. . لأن عندهم نصاً أنه إذا وجد أسير من بني إسرائيل فلابد من فك أسره.
والحق يقول لهم إن أعمالكم في أن يحارب بعضكم بعضا وأن تسفكوا دماءكم. . لا تتفق مع الميثاق الذي أخذه الله عليكم بل هي مصالح دنيوية. . تقتلون أنفسكم والله نهاكم عن هذا: ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ﴾ والله نهاكم عن هذا: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ . . وهذا ما كان يحدث في المدينة في الحروب بين الأوس والخزرج كما بينا. . والأسارى جمع أسير وهي على غير قياسها، لأن القياس فيها أسرى. . ولذلك نرى في آية أخرى أنه يأتي قول الله
стр. 388
سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أسرى حتى يُثْخِنَ فِي الأرض﴾ [الأنفال: ٦٧]
ولكن القرآن أتى بها أسارى. . واللغة أحيانا تأتي على غير ما يقتضيه قياسها لتلفتك إلى معنى من المعاني. . فكسلان تجمع كسالى. والكسلان هو هابط الحركة. . الأسير أيضا أنت قيدت حركته. . فكأن جمع أسير على أسارى إشارة إلى تقييد الحركة. . القرآن الكريم جاء بأسارى وأسرى. . ولكنه حين استخدم أسارى أراد أن يلفتنا إلى تقييد الحركة مثل كسالى. . ومعنى وجود الأسرى أن حربا وقعت. . لحرب تقتضي الالتقاء والالتحام. . ويكون كل واحد منهم يريد أن يقتل عدوه.
كلمة الأسر هذه أخذت من أجل تهدئة سعار اللقاء. . فكأن الله أراد أن يحمي القوم من شراسة نفوسهم وقت الحرب فقال لهم إستأسروهم. . لا تقتلوهم إلا إذا كنتم مضطرين للقتل. . ولكن خذوهم أسرى وفي هذا مصلحة لكم لأنكم ستأخذون منهم الفدية. . وهذا تشريع من ضمن تشريعات الرحمة. . لأنه لو لم يكن الأسر مباحا. . لكان لابد إذا إلتقى مقاتلان أن يقتل أحدهما الآخر. . لذلك يقال خذه أسيرا إلا إذا كان وجوده خطراً على حياتك.
وقول الحق ﵎: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ . . كانت كل طائفة من اليهود مع حليفتها من الأوس أو الخزرج.
. وكانت تخرج المغلوب من دياره وتأخذ الديار. . وبعد أن تنتهي الحرب يفادوهم. . أي يأخذون منهم الفدية ليعيدوا إليهم ديارهم وأولادهم.
لماذا يقسم اليهود أنفسهم هذه القسمة. . إنها ليست تقسيمة إيمانية ولكنها تقسيمة مصلحة دنيوية. . لماذا؟ لأنه ليس من المعقول وأنتم أهل كتاب. . ثم تقسمون أنفسكم قسما مع الأوس وقسما مع الخزرج. . ويكون بينكم إثم وعدوان.
وقوله تعالى: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بالإثم وَالْعُدْوَانِ﴾ . . تظاهرون عليهم. أي
стр. 389
تعاونون عليهم وأنتم أهل دين واحد: «بالإثم» . . والإثم هو الشيء الخبيث الذي يستحي منه الناس: «والعدوان» . . أي التعدي بشراسة. . وقوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ . . أي تأخذون القضية على أساس المصلحة الدنيوية. . وتقسمون أنفسكم مع الأوس أو الخزرج. . تفعلون ذلك وأنتم مؤمنون بإله ورسول وكتاب. . مستحيل أن يكون دينكم أو نبيكم قد أمركم بهذا.
ثم يقول الحق : ﴿فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذلك مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أي إنكم فعلتم ذلك وخالفتم لتصلوا إلى مجد دنيوي ولكنكم لم تصلوا إليه. . سيصيبكم الله بخزي في الدنيا. . أي أن الجزاء لن يتأخر إلى الآخرة بل سيأتيكم خزي وهو الهوان والذل في الدنيا. . وماذا في الآخرة؟ يقول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ الخزي في الدنيا أصابهم على يد رسول الله ﷺ َ والمؤمنين. . وأخرج بنو قينقاع من ديارهم في المدينة. . كذلك ذبح بنو قريظة بعد أن خانوا العهد وخانوا رسول الله ﷺ َ والمسلمين. . وهكذا لا يؤخر الله جزاء بعض الذنوب إلى الآخرة. . وجزاء الظلم في الدنيا لا يؤجل إلى الآخرة، لأن المظلوم لابد أن يرى مصرع ظالميه حتى يعتدل نظام الكون. . ويعرف الناس أن الله موجود وأنه سبحانه لكل ظالم بالمرصاد. . اليهود أتاهم خزي الدنيا سريعا: ﴿يَوْمَ القيامة يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ العذاب﴾ .
قد يتساءل الناس ألا يكفيهم الخزي في الدنيا عن عذاب الآخرة؟ نقول لا. . لأن الخزي لم ينلهم في الدنيا حدا. . ولم يكن نتيجة إقامة حدود الله عليهم. . فالخزي حين ينال الإنسان كحد من حدود من حدود الله يعفيه من عذاب الآخرة. . فالذي سرق وقطعت يده والذي زنا ورجم. . هؤلاء نالهم عذاب من حدود الله فلا يحاسبون في الآخرة. . أما الظالمون فالأمر يختلف. . لذلك فإننا نجد إناسا من الذين ارتكبوا إثما في الدنيا يلحون على إقامة الحد عليهم لينجوا من عذاب الآخرة. . مع أنه لم يرهم أحد أو يعلم بهم أحد أو يشهد عليهم أحد. .
стр. 390
حتى لا يأتي واحد ليقول: لماذا لا يعفي الظالمون الذي أصابهم خزي في الدنيا من عذاب الآخرة؟ نقول إنهم في خزي الدنيا لم يحاسبوا عن جرائمهم.
. أصابهم ضر وعذاب. . ولكن أشد العذاب ينتظرهم في الآخرة. . وما أهون عذاب الدنيا هو بقدرة البشر بالنسبة لعذاب الآخرة الذي هو بقدرة الله ، كما أن هذه الدنيا تنتهي فيها حياة الإنسان بالموت، أما الآخرة فلا موت فيها بل خلود في العذاب.
ثم يقول الحق ﷻ : ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ . . أي لا تحسب أن الله يغفل عن شيء في كونه فهو لا تأخذه سنة نوم. . وهو بكل شيء محيط.
стр. 391
ويذكر لنا الله سبب خيبة هؤلاء وضلالهم لأنهم اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة. . جعلوا الآخرة ثمنا لنزواتهم ونفوذهم في الدنيا. . هم نظروا إلى الدنيا فقط. . ونظرة الإنسان إلى الدنيا ومقارنتها بالآخرة تجعلك تطلب في كل ما تفعله ثواب الآخرة. . فالدنيا عمرك فيها محدود. . ولا تقل عمر الدنيا مليون أو مليونان أو ثلاثة ملايين سنة. . عمر الدنيا بالنسبة لك هو مدة بقائك فيها. . فإذا خرجت من الدنيا انتهت بالنسبة لك. . والخروج من الدنيا بالموت. . والموت لا أسباب له ولذلك فإن الإسلام لا يجعل الدنيا هدفا لأن عمرنا فيها مظنون. . هناك من يموت في بطن أمه. . ومن يعيش ساعة أو ساعات، ومن يعيش إلى أرذل العمر. . إذن فاتجه إلى الآخرة، ففيها النعيم الدائم والحياة بلا موت المتعة على قدرات الله. . ولكن خيبة هؤلاء أنهم إشتروا الدنيا بالآخرة. . ولذلك يقول الحق عنهم: ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ . . لا يخفف عنهم العذاب أي يجب ألا يأمنوا أن العذاب في الآخرة سيخفف عنهم. . أو ستقل درجته أو تنقص مدته. . أو سيأتي يوما ولا يأتي يوما وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ . . النصرة تأتي على معنيين. . تأتي بمعنى أنه لا يغلب. . وتأتي بمعنى أن هناك قوة تنتصر له أي تنصره. . كونه يغلب. . الله غالب على أمره فلا أحد يملك لنفسه نفعا ولا ضرا. . ولكن الله يملك النفع والضر لكل خلقه. . ويملك ﵎ أن يقهر خلقه على ما يشاء. . ورسول الله ﷺ َ يقول: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَآءَ الله﴾ [الأعراف: ١٨٨]
стр. 392
أما مسألة أن ينصره أحد. . فمن الذي يستطيع أن ينصر أحدا من الله. . واقرأ قوله عن نوح ﵇: ﴿وياقوم مَن يَنصُرُنِي مِنَ الله﴾ [هود: ٣٠]
يقول الحق : ﴿فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ . . أمر لم يقع بعد بل سيقع مستقبلا. . يتحدث الله عنه بلهجة المضارع. . نقول إن كل أحداث الكون وما سيقع منها هو عند الله تم وانتهى وقضى فيه. . لذلك نجد في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]
أتى فعل ماضي. . ولا تستعجلوه مستقبل. . كيف يقول الله أتى ثم يقول لا تستعجلوه؟ إنه مستقبل بالنسبة لنا. . أما بالنسبة لله ﵎ فمادام قد قال أتى. . فمعنى ذلك أنه حدث. . فلا أحد يملك أن يمنع أمرا من أمور الله من الحدوث. . فالعذاب آت لهم آت. . ولا يخفف عنهم لأن أحدا لا يملك تخفيفه.
стр. 393
وبعد أن بيّن الحق لنا ما فعله اليهود مع نبيهم موسى ﵇. . أراد أن يبين لنا ما فعله بنو إسرائيل بعد نبيهم موسى. . وأراد أن يبين لنا موقفهم من رسول جاءهم منهم. . ولقد جاء لبني إسرائيل رسل كثيرون لأن مخالفاتهم للمنهج كانت كثيرة. . ولكن الآيةَ الكريمة ذكرت عيسى ﵇. . لأن الديانتين الكبيرتين اللتين سبقتا الإسلام هما اليهودية والنصرانية. . ولكن لابد أن نعرف أنه قبل مجيء عيسى. . وبين رسالة موسى ورسالة عيسى ﵉ رسل كثيرون. . منهم داود وسليمان وزكريا ويحيى وغيرهم. . فكأنه في كل فترة كان بنو إسرائيل يبتعدون عن الدين. . ويرتكبون المخالفات وتنتشر بينهم المعصية. . فيرسل اللهُ رسولا يعدل ميزانَ حركة حياتهم. . ومع ذلك يعودون مرة أخرى إلى معصيتهم وفسقهم. . فيبعث اللهُ رسولا جديداً. . ليزيل الباطل وهوى النفس من المجتمع ويطبق شرع الله. . ولكنهم بعده يعودون مرة أخرى إلى المعصية والكفر.
وقال اللهُ : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب﴾ والقائلُ هو اللهُ ﷻ . . والكتابُ هو التوراةُ: ﴿وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل﴾ . . واللهُ ﵎ بين لنا موقفَ بني إسرائيل من موسى. . وموقِفَهُم من رسولِ الله ﷺ خاتمِ الأنبياءِ والمرسلين. . ولكنه لم يبين لنا موقفَهُم من الرسلِ الذين جاءوا بعد موسى حتى عيسى ابن مريم.
الحقُ يريد أن يلفتنا. . إلى أنه لم يترك الأمر لبني إسرائيل بعد موسى. . أن يعملوا بالكتاب الذي أرسل معه فقط. . ولكنه أتبع ذلك بالرسل. . حين تسمع «قفينا» . . أي اتبعنا بعضهم بعضا. . كل يخلف الذي سبقه. «وقفينا»
стр. 394
مشتقة من قفا. . وقفا الشيء خلفه. . وتقول قفوت فلاناً أي سرت خلفه قريباً منه.
إن الحق يريد أن يلفتنا إلى أن رسالةَ موسى لم تقف عند موسى وكتابه. . ولكنه سبحانه أرسل رسلاً وأنبياءَ ليذكروا وينبهوا. . ولقد قلنا إن كثرةَ الأنبياءِ لبني إسرائيلَ ليست شهادة لهم ولكنها شهادة عليهم. . إنهم يتفاخرون أنهم أكثرُ الأممِ أنبياءً. . ويعتبرون ذلك ميزة لهم ولكنهم لم يفهموا. . فكثرة الأنبياء والرسل دلالةَ على كثرة فساد الأمة، لأن الرسل إنما يجيئون لتخليص البشريةِ من فساد وأمراض وإنقاذها من الشقاء. . وكلما كثُرَ الرسلُ والأنبياءُ دل ذلك على أن القومَ قد انحرفوا بمجرد ذهابِ الرسولِ عنهم، ولذلك كان لابد من رسول جديد. . تماما كما يكون المريض في حالةٍ خطرةٍ فيكثر أطباؤه بلا فائدةٍ. . وليقطع اللهُ عليهم الحجةَ يومَ القيامةِ.
. لم يترك لهم فترةً من غفلةٍ. . بل كانت الرسلُ تأتيهم واحدا بعد الآخر على فتراتٍ قريبةٍ.
وإذا نظرنا إلى يوشع وأشمويه وشمعون. وداود وسليمان وشعيب وأرميا. وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى. . نرى موكبا طويلاً جاء بعد موسى. . حتى إنه لم تمر فترةٌ ليس فيها نبي أو رسول. . وحتى نفرقَ بين النبيِ والرسولِ. . نقول النبيُ مرسلٌ والرسولُ مرسلٌ. . كلاهما مرسلٌ من اللهِ ولكن النبيَ لا يأتي بتشريعٍ جديدٍ. . وإنما هو مرسلٌ على منهجِ الرسولِ الذي سَبَقَهُ. . واقرأ قولَهُ سبحانه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج: ٥٢]
إذن فالنبي مرسل أيضاً. . ولكنه أسوةٌ سلوكيةٌ لتطبيقِ منهجِ الرسولِ الذي سبقه.
وهل اللهُ قص علينا قصص كل الرسل والأنبياء الذين أرسلهم؟ اقرأ قوله ﵎:
стр. 395
﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً﴾ [النساء: ١٦٤]
إذن هناك رسلٌ وأنبياء أرسلوا إلى بني إسرائيل لم نعرفهم. . لأن الله لم يقصص علينا نبأهم. . ولكن الآية الكريمة التي نحن بصددها لم تذكر إلا عيسى ﵇. . باعتباره من أكثر الرسل أتباعا. . والله ﵎ حينما أرسل عيسى أيده بالآيات والبينات التي تثبت صدقَ بلاغه عن اللهِ. . ولذلك قال ﷻ : ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ . . وعيسى ابنُ مريمَ ﵇ جاء ليرد على المادية التي سيطرت على بني إسرائيل. . وجعلتهم لا يعترفون إلا بالشيء المادي المحسوس. . فعقولهم وقلوبهم أغلقت من ناحية الغيب. . حتى إنهم قالوا لموسى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ . . وحين جاءهم المن والسلوى رزقاً من الله. . خافوا أن ينقطع عنهم لأنه رزقٌ غيبيّ فطلبوا نبات الأرض. . لذلك كان لابد أن يأتي رسول كل حياته ومنهجه أمور غيبية. . مولده أمر غيبي، وموته أمر غيبي ورفعه أمر غيبي ومعجزاته أمور غيبية حتى ينقلهم من طغيان المادية إلى صفاء الروحانية.
لقد كان أول أمره أن يأتي عن غير طريق التكاثر الماديّ. . أي الذي يتم بين الناس عن طريق رجل وأنثى وحيوان منويّ. . واللهُ أراد أن يخلع من أذهان بني إسرائيل أن الأسباب المادية تحكمه. . وإنما هو الذي يحكم السبب. هو الذي يخلق الأسباب ومتى قال: «كن» كان. . بصرف النظر عن المادية المألوفة في الكون. . وفي قضية الخلق أراد الله ﷻ للعقول أن تفهم أن مشيته هي السبب وهي الفاعلة. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾
[الشورى: ٤٩ - ٥٠]
стр. 396
فكأن الله جعل الذكورة والأنوثة هما السبب في الإنجاب. . ولكنه جعل طلاقة القدرة مهيمنةً على الأسباب. . فيأتي رجل وامرأة ويتزوجان ولكنهما لا ينجبان. . فكأن الأسباب نفسها عاجزة عن أن تفعل شيئا إلا بإرادة المسبب.
والله يقول: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ . . لماذا قال الحق ﵎: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ . . ألم يكن باقي الرسل والأنبياء مؤيدين بروح القدس؟
نقول: لقد ذكر هنا تأييد عيسى بروح القدس لأن الروح ستشيع في كل أمر له. . ميلاداً ومعجزةً وموتاً. . والروحُ القدس هو جبريل ﵇ لم يكن يفارقه أبدا. . لقد جاء عيسى ﵇ على غير مألوف الناس وطبيعة البشر مما جعله معرضاً دائماً للهجوم. . ولذلك لابد أن يكون الوحي في صحبته لا يفارقه. . ليجعل من مهابته على القوم ما يرد الناس عنه. . وعندما يتحدث القرآن أنه رفع إلى السماء. . اختلف العلماء هل رفع إلى السماء حيا؟ أو مات ثم رفع إلى السماء؟ نقول: لو أننا عرفنا أنه رُفع حيا أو مات فما الذي يتغير في منهجنا؟ لا شيء. . وعندما يقال إنه شيء عجيب أن يرفع إنسان إلى السماء، ويظل هذه الفترة ثم يموت. . نقول إن عيسى ابنَ مريمَ لم يتبرأ من الوفاة. . إنه سيُتَوَفّى كما يُتَوَفَّى سائر البشر. . ولكن هل كان ميلاده طبيعياً؟ الإجابة لا. . إذن فلماذا تتعجب إذا كانت وفاته غير طبيعية؟ لقد خلق من أم بدون أب. . فإذا حدث أنه رفع إلى السماء حياً وسينزل إلى الأرض فما العجب في ذلك؟ ألم يصعد رسولنا ﷺ َ إلى السماء حياً؟ ثم نزل لنا بعد ذلك إلى الأرض حياً؟ لقد حدث هذا لمحمدٍ ﵊ ُ. . إذن فالمبدأ موجود. . فلماذا تستبعد صعود عيسى ثم نزوله في آخر الزمان؟ والفرق بين محمدٍ ﷺ َ وعيسى هو أن محمداً لم يمكث طويلاً في السماء، بينما عيسى بقى. . والخلاف على الفترة لا ينقض المبدأ.
عن ابن المسيب أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول قال رسول الله ﷺ َ «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ﷺ َ حكما مقسطا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد»
стр. 397
وهذا الحديث موجود في صحيح البخاري. . فقد جعله الله مثلا لبني إسرائيل. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [الزخرف: ٥٩]
قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات﴾ .
. البينات هي المعجزات مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله وغير ذلك من المعجزات. . وهي الأمور البينة الواضحة على صدق رسالته.
لكننا إذا تأملنا في هذه المعجزات. . نجد أن بعضها نسبت لقدرة الله كإحياء الموتى جاء بعدها بإذن الله. . وبعضها نسبها إلى معجزته كرسول. . ومعروف أنه كرسول يؤيده اللهُ بمعجزات تخرق قوانين الكون. . ولكن هناك فرقاً بين معجزة تعطي كشفاً للرسول. . وبين معجزة لابد أن تتم كل مرة من الله مباشرة. . واقرأ الآية الكريمة: ﴿وَرَسُولاً إلى بني إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أني أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ الطين كَهَيْئَةِ الطير فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله وَأُبْرِىءُ الأكمه والأبرص وَأُحْيِ الموتى بِإِذْنِ الله وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٤٩]
وهكذا نرى في الآية الكريمة أنه بينما كان إخبار عيسى لما يأكل الناس وما يدخرون في بيوتهم كشفاً من الله. . كان إحياء الموتى في كل مرة بإذن الله. . وليس كشفا ولا معجزة ذاتية لعيسى ﵇. . إن كل رسول كان مؤيداً بروح القدس وهو جبريل ﵇. . ولكن الله أيد عيسى بروح القدس دائما معه. . وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ . . وأيدناه مشتقة من القوة ومعناها قويناه
стр. 398
بروح القدس في كل أمر من الأمور. . وكلمة روح تأتي على معنيين. . المعنى الأول ما يدخل الجسم فيعطيه الحركة والحياة. . وهناك روح أخرى هي روح القيم تجعل الحركة نافعة ومفيدة. . ولذلك سمى الحق القرآن بالروح. . واقرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]
والقرآن روح. . من لا يعمل به تكون حركة حياته بلا قيم. . إذن كل ما يتصل بالمنهج فهو روح. . والقدس هذه الكلمة تأتي مرة بضم القاف وتسكين الدال. . ومرة بضم القاف وضم الدال. . وكلا اللفظين صحيح وهي تفيد الطهر والتنزه عن كل ما يعيب ويشين. . والقدس يعني المطهر عن كل شائبة.
قوله ﵎: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ استكبرتم﴾ قوله تعالى: «أفكلما» . . هناك عطف وهناك استفهام، وهي تعني أكفرتم، وكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم. . أي إن اليهود جعلوا أنفسهم مشرعين من دون الله. . وهم يريدون أن يشرعوا لرسلهم. . فإذا جاء الرسول بما يخالف هواهم كذَّبوه أو قتلوه.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ﴾ . . هناك هَوَى بالفتحة على الواو وهَوِيَ بالكسرة على الواو. . هَوَى بالفتحة على الواو بمعنى سقط إلى أسفل. . وهَوِيَ بالكسرة على الواو معناه أحب وأشتهى.
. اللفظان ملتقيان. . الأول معناه الهبوط، والثاني حب الشهوة والهوى يؤدي إلى الهبوط. . ولذلك فإن الله حينما يشرع يقول (تَعَالَوْا) ومعناها؟ إرتفعوا من موقعكم الهابط. . إذن فالمنهج جاء ليعصمنا من السقوط. . ورسول الله ﷺ َ. . يعطينا هذا المعنى، وكيف أن الدين يعصمنا من أن نهوى ونسقط في جهنم يقول:
«إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعْن فيه فأنا آخذ بحجزكم وأنتم موحمون فيه» .
стр. 399
ومعنى آخذ بحجزكم أي آخذ بكم. . وكأننا نقبل على النار ونحن نشتهيها باتباعنا شهوتنا. . ورسول الله بمنهج الله يحاول أن ينقذنا منها. . ولكن رب نفسٍ عشقت مصرعها. . والحق ﵎ يقول: ﴿استكبرتم فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]
معنى استكبرتم أي أعطيتم لأنفسكم كبرا لستم أهلا له. . ادعيتم أنكم كبارٌ ولستم كباراً. . ولكن هل المشروع مساو لك حتى تتكبر على منهجه؟ طبعا لا. . قوله تعالى: ﴿ففريقاً كذبتم﴾ . . والكذب كلام يخالف الواقع. . أي أنكم اتهمتم الرسل بأنهم يقولون كلاما يخالف الواقع. لأنه يخالف ما تشتهيه أنفسكم. . وقوله تعالى: ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ . . التكذيب مسألة منكرة. . ولكن القتل أمر بشع. . وحين ترى إنسانا يتخلص من خصمه بالقتل فاعلم أنها شهادة بضعفه أمام خصمه. . وإن طاقته وحياته لا تطيق وجود الخصم. . ولو أنه رجلٌ مكتمل الرجولة لما تأثر بوجود خصمه. . ولكن لأنه ضعيف أمامه قتله. .
قوله تعالى: ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ . . مثل نبي الله يحيى ونبي الله زكريا. . وهناك قصص وروايات تناولت قصة سالومي. . وهي قصة راقصة جميلة أرادت إغراء يحيى ﵇ فرفض أن يخضع لإغرائها. . فجعلت مهرها أن يأتوها برأسه. . وفعلا قتلوه وجاءوها برأسه على صينية من الفضة.
стр. 400
الله يذكر لنا كيف برر بنو إسرائيل عدم إيمانهم وقتلهم الأنبياء وكل ما حدث منهم. . فماذا قالوا؟ لقد قالوا ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ والغلف مأخوذ من الغلاف والتغليف. . وهناك غلْف بسكون اللام، وغلُف بضم اللام. . مثل كتاب وكتب ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي مغلفة وفيها من العلم ما يكفيها ويزيد، فكأنهم يقولون إننا لسنا في حاجة إلى كلام الرسل. . أو ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أي مغلفة ومطبوع عليها. . أي أن الله طبع على قلوبهم وختم عليها حتى لا ينفذ إليها شعاع من الهداية. . ولا يخرج منها شعاع من الكفر.
إذا كان الله قد فعل هذا. . ألم تسألوا أنفسكم لماذا؟ ما هو السبب؟ والحق ﵎ يرد عليهم فيقول: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ : لفظ «بل» يؤكد لنا أن كلامهم غير صحيح. . فهم ليس عندهم كفاية من العلم بحيث لا يحتاجون إلى منهج الرسل. . ولكنهم ملعونون ومطرودون من رحمة الله. . فلا تنفذ إشعاعات النور ولا الهداية إلى قلوبهم. . ولكن ذلك ليس لأن ختم عليها بلا سبب. . ولكنه جزاء على أنهم جاءهم النور والهدى. . فصدوه بالكفر أولا. . ولذلك فإنهم أصبحوا مطرودين من رحمة الله. . لأن من يصد الإيمان بالكفر يطرد من رحمة الله، ولا ينفذ إلى قلبه شعاع من أشعة الإيمان.
وهنا يجب أن نتنبه إلى أن الله لم يبدأهم باللعنة. وبعض الناس الذين يريدون أن يهربوا من مسئولية الكفر - علها تنجيهم من العذاب يوم القيامة - يقولون إن الله قال: ﴿فَإِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ [فاطر: ٨]
стр. 401
تلك هي حجة الكافرين الذين يظنون إنها ستنجيهم من العذاب يوم القيامة. . إنهم يريدون أن يقولوا إن الله يضل من يشاء. . ومادام اللهُ قد شاء أن يضلني فما ذنبي أنا؟ وهل أستطيع أن أمنع مشيئة الله. . نقول له: إن الله إذا قيد أمرا من الأمور المطلقة فيجب أن نلجأ إلى التقييد. . والله ﵎ يقول: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ [التوبة: ٣٧]
ويقول سبحانه: ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [التوبة: ١٩]
ويقول ﷻ : ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الفاسقين﴾ [التوبة: ٢٤]
والحق أخبرنا أنه منع إعانته للهداية عن ثلاثة أنواع من الناس. . الكافرين والظالمين والفاسقين. . ولكن هل هو منع معونة الهداية أولا؟ أم أنهم هم الذين ارتكبوا من الضلال ما جعلهم لا يستحقون هداية الله؟! إنسان واجه الله بالكفر. . كفر بالله. . رفض أن يستمع لآيات الله ورسله.
. ورفض أن يتأمل في كون الله. . ورفض أن يتأمل في خلقه هو نفسه ومن الذي خلقه. . ورفض أن يتأمل في خلق السموات والأرض. . كل هذا رفضه تماما. . ومضى يصنع لنفسه طريق الضلال ويشرع لنفسه الكفر. . لأنه فعل ذلك أولا. . ولأنه بدأ بالكفر برغم أن الله وضع له في الكون وفي نفسه آيات تجعله يؤمن بالله، وبرغم ذلك رفض. هو الذي بدأ والله ختم على قلبه.
стр. 402
الإنسان الظالم يظلم الناس ولا يخشى الله. . يذكرونه بقدره الله وقوة الله فلا يلتفت. . يختم الله على قلبه. . كذلك الإنسان الفاسق الذي لا يترك منكرا إلا فعله. . ولا إثما إلا ارتكبه. . ولا معصية إلا أسرع إليها. . لا يهديه الله. . أكنت تريد أن يبدأ هؤلاء الناس بالكفر والظلم والفسوق ويصرون عليه ثم يهديهم الله؟ يهديهم قهرا أو قَسْراً، والله خلقنا مختارين؟ طبعا لا. . ذلك يضع الاختيار البشري في أن يطيع الإنسان أو يعصى.
والحق ﵎ أثبت طلاقة قدرته فيما نحن مقهورون فيه. . في أجسادنا التي تعمل أعضاؤها الداخلية بقهر من الله وليس بإرادة منا كالقلب والتنفس والدورة الدموية. . والمعدة والأمعاء والكبد. . كل هذا وغيره مقهور لله ﷻ . . لا نستطيع أن نأمره ليفعل فيفعل. . وأن نأمره ألا يفعل فلا يفعل. . وأثبت الله طلاقة قدرته فيما يقع علينا من أحداث في الكون. . فهذا يمرض، وهذا تدهمه سيارة، وهذا يقع عليه حجر. . وهذا يسقط، وهذا يعتدي عليه إنسان. . كل الأشياء التي تقع عليك لا دخل لك فيها ولا تستطيع أن تمنعها. . بقى ذلك الذي يقع منك وأهمه تطبيق منهج الله في افعل ولا تفعل. . هذا لك اختيار فيه.
إن الله أوجد لك هذا الاختيار حتى يكون الحساب في الآخرة عدلا. . فإذا اخترت الكفر لا يجبرك الله على الإيمان. . وإذا اخترت الظلم لا يجبرك الله على العدل. . وإذا اخترت الفسوق لا يجبرك الله على الطاعة. . إنه يحترم اختيارك لأنه أعطاك هذا الاختيار ليحاسبك عليه يوم القيامة.
لقد أثبت الله لنفسه طلاقة القدرة بأنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ولكنه سبحانه قال إنه لا يهدي القوم الكافرين ولا القوم الظالمين ولا القوم الفاسقين. . فمن يرد أن يخرج من هداية الله فليكفر أو يظلم أو يفسق. . ويكون في هذه الحالة هو الذي اختار فحق عليه عقاب الله. . لذلك فقد قال الكافرون من بني إسرائيل إن الله ختم على قلوبهم فهم لا يهتدون، ولكنهم هم الذين اختاروا هذا الطريق ومشوا فيه.
. فاختاروا عدم الهداية. .
لقد أثارت هذه القضية جدلا كبيراً بين العلماء ولكنها في الحقيقة لا تستحق هذا
стр. 403
الجدل. . فالله قال: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ . . واللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. . ويتم ذلك بقدرة الله . . لأن الطرد يتناسب مع قوة الطارد.
فمثلا. . إبنك الصغير يطرد حجرا أمامه تكون قوة الطرد متناسبة مع سنه وقوته. . والأكبر أشد فأشد. . فإذا كان الطارد هو الله فلا يكون هناك مقدارٌ لقوة اللعن والطرد يعرفه العقل البشري.
قوله تعالى: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله بِكُفْرِهِمْ﴾ . . أي طردهم الله بسبب كفرهم. . والله ﵎ لا يتودد للناس لكي يؤمنوا. . ولا يريد للرسل أن يتعبوا أنفسهم في حمل الناس على الإيمان. . إنما وظيفة الرسول هي البلاغ حتى يكون الحساب حقا وعدلا. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣ - ٤]
أي إنهم لا يستطيعون ألا يؤمنون إذا أردناهم مؤمنين قهرا. . ولكننا نريدهم مؤمنين اختيارا. . وإيمان العبد هو الذي ينتفع به. . فالله لا ينتفع بإيمان البشر. . وقولنا لا إله إلا الله لا يسند عرش الله. . قلناها أو لم نقلها فلا إله إلا الله. . ولكننا نقولها لتشهد علينا يوم القيامة. . نقولها لتنجينا من أهوال يوم القيامة ومن غضب الله. .
وقوله تعالى: «بكفرهم» يعطينا قضية مهمة هي: أنه ﵎ أغنى الشركاء عن الشرك. فمن يشرك معه أحدا فهو لمن أشرك. . لذلك يقول الحق ﷻ في الحديث القدسي:
«أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ من عَمِلَ عملا أَشْرَكَ فيه معي غيري تركْتُهُ وشِركُه»
стр. 404
وشهادة الله لنفسه بالألوهية. . هي شهادة الذات للذات. . وذلك في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]
فالله قبل أن يخلق خلقا يشهدون أنه لا إله إلا الله. . شهد لنفسه بالألوهية. . ولنقرأ الآية الكريمة: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط﴾ [آل عمران: ١٨]
والله شهد لنفسه شهادة الذات للذات. والملائكة شهدوا بالمشاهدة. . وأولو العلم بالدليل. . والحق ﵎ يقول: ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ . . عندما تقول قليلا ما يحدث كذا، فإنك تقصد به هنا صيانة الإحتمال، لأنه من الممكن أن يثوب واحد منهم إلى رشده ويؤمن. . فيبقي اللهُ البابَ مفتوحا لهؤلاء. ولذلك نجد الذين أسرفوا على أنفسهم في شبابهم قد يأتون في آخر عمرهم ويتوبون. . في ظاهر الأمر أنهم أسرفوا على أنفسهم. . ولكنهم عندما تابوا واعترفوا بخطاياهم وعادوا إلى طريق الحق تقبل الله إيمانهم. . لذلك يقول الله ﷻ : ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ أي أن الأغلبية تظل على كفرها. . والقلة هي التي تعود إلى الإيمان.
стр. 405
بعد أن بين لنا الله . . أن بني إسرائيل قالوا إن قلوبهم غلف لا يدخلها شعاع من الهدى أو الإيمان. . أراد ﵎ أن يعطينا صورة أخرى لكفرهم بأنه أنزل كتابا مصدقا لما معهم ومع ذلك كفروا به. . ولو كان هذا الكتاب مختلفا عن الذي معهم لقلنا إن المسألة فيها خلاف. . ولكنهم كانوا قبل أن يأتي رسول الله ﷺ َ وينزل عليه القرآن كانوا يؤمنون بالرسول والكتاب الذي ذكر عندهم في التوراة. . وكانوا يقولون لأهل المدينة. . أَهَلّ زمن رسول سنؤمن به ونتبعه ونقتلكم قبل عاد وإرم.
لقد كان اليهود يعيشون في المدينة. . وكان معهم الأوس والخزرج وعندما تحدث بينهم خصومات كانوا يهددونهم بالرسول القادم. . فلما جاء رسول الله ﷺ َ كفروا به وبما أنزل عليه من القرآن.
واليهود في كفرهم كانوا أحد أسباب نصرة رسول الله ﷺ َ. . لأن الأوس والخرزج عندما بعث الرسول ﵊ ُ قالوا هذا النبي الذي يهددنا به اليهود وأسرعوا يبايعونه. . فكأن اليهود سخرهم الله لنصرة الإسلام وهم لا يشعرون.
والرسول ﵊ ُ كان يذهب إلى الناس في الطائف. . وينتظر القبائل عند قدومها إلى مكة في موسم الحج ليعرض عليهم الدعوة فيصدونه ويضطهدونه. . وعندما شاء الله أن ينتشر دعوة الإسلام جاء الناس إلى مكة ومعهم الأوس والخزرج إلى رسول الله ﷺ َ ولم يذهب هو إليهم،
стр. 406
وأعلنوا مبايعته والإيمان برسالته ونشر دعوته. . دون أن يطلب ﵊ ُ منهم ذلك. . ثم دعوه ليعيش بينهم في دار الإيمان. . كل هذا تم عندما شاء الله أن ينصر الإسلام بالهجرة إلى المدينة وينصره بمن اتبعوه.
ويقول الحق ﵎: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ . . أي أنهم قبل أن يأتي رسول الله ﷺ َ كانوا يستفتحون بأنه قد أطل زمن رسول سنؤمن به ونتبعه. . فلما جاء الرسول كذبوه وكفروا برسالته.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ . . أي كفار المدينة من الأوس والخزرج الذين لم يكونوا أسلموا بعد. . لأن الرسول لم يأت. . الحق يعطينا تمام الصورة في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ .
وهكذا نرى أن بني إسرائيل فيهم جحود مركب جاءهم الرسول الذي انتظروه وبشروا به. . ولكن أخذهم الكبر رغم أنهم موقنون بمجيء الرسول الجديد وأوصافه موجودة عندهم في التوراة إلا أنهم رفضوا أن يؤمنوا فاستحقوا بذلك لعنة الله. . واللعنة كما قلنا هي الطرد من رحمة الله.
стр. 407
عندما رفض اليهود الإيمان برسول الله ﷺ َ وطردهم الله من رحمته. . بيّن لنا أنهم: ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ . . وكلمة إشترى سبق الحديث عنها وقلنا إننا عادة ندفع الثمن ونأخذ السلعة التي نريدها. . ولكن الكافرين قلبوا هذا رأسا على عقب وجعلوا الثمن سلعة. . على أننا لابد أن نتحدث أولا عن الفرق بين شرى واشترى. . شَرَى بمعنى باع. . واقرأ قوله : ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠]
ومعنى الآية الكريمة أنهم باعوه بثمن قليل. . واشترى يعني ابتاع. . ولكن اشترى قد تأتي بمعنى شرى. . لأنك في بعض الأحيان تكون محتاجا إلى سلعة ومعك مال. . وتذهب وتشتري السلعة بمالك وهذا هو الوضع السليم. . ولكن لنفرض أنك احتجت لسلعة ضرورية كالدواء مثلا. . وليس عندك المال ولكن عندك سلعة أخرى كأن يكون عندك ساعة أو قلم فاخر. . فتذهب إلى الصيدلية وتعطي الرجل سلعة مقابل سلعة. . أصبح الثمن في هذه الحالة مشترى. . إذن فمرة يكون البيع مشتري ومرة يكون مبيعاً. .
والحق ﵎ يقول: ﴿بِئْسَمَا اشتروا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ . . وكأنما يعيرهم بأنهم يدعون الذكاء والفطنة. . ويؤمنون بالمادية وأساسها البيع والشراء. . لو كانوا حقيقة يتقنون هذا لعرفوا أنهم قد أتموا صفقة خاسرة. . الصفقة الرابحة
стр. 408
كانت أن يشتروا أنفسهم مقابل التصديق بما أنزل الله على محمد ﷺ َ. . ولكنهم باعوا أنفسهم واشتروا الكفر فخسروا الصفقة لأنهم أخذوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. . والله يجعل بعض العذاب في الدنيا ليستقيم ميزان الأمور حتى عند من لم يؤمن بالآخرة. . فعندما يرى ذلك من لا يؤمن بالآخرة عذابا دنيويا يقع على ظالم. . يخاف من الظلم ويبتعد عنه حتى لا يصيبه عذاب الدنيا ويعرف أن في الدنيا مقاييس في الثواب والعقاب. . وحتى لا ينتشر في الأرض فساد من لا يؤمن بالله ولا بالآخرة. . وضع الحق ﵎ قصاصا في الدنيا. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]
والله في قصاصه يلفت المؤمن وغير المؤمن إلى عقوبة الحياة الدنيا. . فيأتي للمرابي الذي يمتص دماء الناس ويصيبه بكارثة لا يجد بعدها ما ينفقه. . ولذلك نحن نقول يا رب إن القوم غرهم حلمك واستبطأوا آخرتك فخذهم ببعض ذنوبهم أخذ عزيز مقتدر حتى يعتدل الميزان.
والله ﵎ جعل مصارع الظالمين والباغين والمتجبرين في الدنيا. . جعلها الله عبرة لمن لا يعتبر بمنهج الله.
فتجد إنسانا ابتعد عن دينه وأقبلت عليه الدنيا بنعيمها ومجدها وشهرتها ثم تجده في آخر أيامه يعيش على صدقات المحسنين. . وتجد امرأة غرها المال فانطلقت تجمعه من كل مكان حلالا أو حراما وأعطتها الدنيا بسخاء. . وفي آخر أيامها تزول عنها الدنيا فلا تجد ثمن الدواء. . وتموت فيجمع لها الناس مصاريف جنازتها. . كل هذه الأحداث وغيرها عبرة للناس. . ولذلك فهي تحدث على رؤوس الأشهاد. . يعرفها عدد كبير من الناس. . إما لأنها تنشر في الصحف وإما أنها تذاع بين أهل الحي فيتناقلونها. . المهم أنها تكون مشهورة.
وتجد مثلا أن اليهود الذين كانوا زعماء المدينة تجار الحرب والسلاح. . ينتهي بهم الحال أن يطردوا من ديارهم وتؤخذ أموالهم وتسبى نساؤهم. . أليس هذا خزيا؟
стр. 409
قوله تعالى: ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ الله بَغْياً﴾ . . البغي تجاوز الحد، والله جعل لكل شيء حدا مَنْ تجاوزه بَغَى. . والحدود التي وضعها الله سبحانه هي أحكام. . ومرة تكون أوامر ومرة تكون نواهي. ولذلك يقول الحق بالنسبة للأوامر: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]
ويقول تعالى بالنسبة للنواهي: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]
ولكن ما سبب بغيهم؟ . . بغيهم حسد على رسول الله ﷺ َ أن تأتي إليه الرسالة. . وعلى العرب أن يكون الرسول منهم. . واليهود اعتقدوا لكثرة أنبيائهم أنهم الذين ورثوا رسالات الله إلى الأرض. . وعندما جاءت التوراة والإنجيل يبشران برسول خاتم قالوا إنه منا. . الرسالة والنبوة لن تخرج عنا فنحن شعب الله المختار. . ولذلك كانوا يعلنون أنهم سيتبعون النبي القادم وينصرونه. . ولكنهم فوجئوا بأنه ليس منهم. . حينئذ ملأهم الكبر والحسد وقالوا مادام ليس منا فلن نتبعه بل سنحاربه. . لقد خلعت منهم الرسالات لأنهم ليسوا أهلا لها. . وكان لابد أن يعاقبهم الله على كفرهم ومعصيتهم ويجعل الرسالة في أمة غيرهم. . والله ﵎ يقول: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦ - ١٧]
لقد اختبرهم الله في رسالات متعددة ولكنهم كما قرأنا في الآيات السابقة. . كذبوا فريقا من الأنبياء. ومن لم يكذبوه قتلوه. . لذلك كان لابد أن ينزع الله منهم هذه الرسالات ويجعلها في أمة غيرهم. . لتكون أمة العرب فيها ختام رسالات السماء إلى الأرض. . ولذلك بغوا.
стр. 410
وقوله تعالى: ﴿بَغْياً أَن يُنَزِّلُ الله مِن فَضْلِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ . . ومن هنا نعرف أن الرسالات واختيار الرسل. . فضل من الله يختص به من يشاء. . والله سبحانه حين يطلق أيدينا ويملكنا الأسباب. . فإننا لا نخرج عن مشيئته بل نخضع لها. . ونعرف أنه لا ذاتية في هذا الكون.
. وذلك حتى لا يغتر الإنسان بنفسه. . فإن بطل العالم في لعبة معينة هو قمة الكمالات البشرية في هذه اللعبة. . ولكن هذه الكمالات ليست ذاتية فيه لأن غيره يمكن أن يتغلب عليه. . ولأنه قد يصيبه أي عائق يجعله لا يصلح للبطولة. . وعلى كل حال فإن بطولته لا تدوم. . لأنها ليست ذاتية فيه ومَنْ وهبها له وهو الله سيهبها لغيره متى شاءَ. . ولذلك لابد أن يعلم الإنسان أن الكمال البشري متغير لا يدوم لأحد. . وأن كل من يبلغ القمة ينحدر بعد ذلك لأننا في عالم أغيار. . ولابد لكل من علا أن ينزل. . فالكمال لله وحده. . والله سبحانه يحرس كماله بذاته.
إذن اليهود حسدوا رسول الله. . حسدوا نزول القرآن على العرب. . والحق سبحانه يقول: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ على غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . . والله ﷻ يخبرنا أنه غضب عليهم مرتين.
الغضب الأول أنهم لم ينفذوا ما جاء في التوراة فغضب الله عليهم. . والغضب الثاني حين جاءهم رسول مذكور عندهم في التوراة ومطلوب منهم أن يؤمنوا به فكفروا به. . وكان المفروض أن يؤمنوا حتى يرضى الله عنهم. . ولذلك غضب الله عليهم مرة أخرى عندما كفروا برسول الله ﷺ َ. .
وقوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ . . العذاب في القرآن الكريم وُصِفَ بأنه أليم. . وَوُصِفَ بأنه عظيم وَوُصِفَ بأنه مهين. . أليم أي شديد الألم يصيب من يعذب بألم شديد. . ولكن لنفرض أن الذي يعذب يتجلد. . ويحاول ألا يظهر الألم حتى لا يشمت فيه الناس. . يأتيه الله بعذاب عظيم لا يقدر على احتماله. . ذلك أن عظمة العذاب تجعله لا يستطيع أن يحتمل. . فإذا كان الإنسان من الذين تزعموا الكفر في الدنيا. . ووقفوا أمام دين الله يحاربونه وتزعموا قومهم. . يأتيهم الله ﵎ بعذاب مهين. . ويكون هذا أكثر إيلاما للنفس من الألم. . تماما كما تأتي لرجل هو أقوى مَنْ في المنطقة يخافه الناس جميعا ثم تضربه بيدك وتسقطه على الأرض. . تكون في هذه الحالة قد أهنته أمام
стр. 411
الناس. . فلا يستطيع بعد ذلك أن يتجبر أو يتكبر على واحد منهم. . ويكون هذا أشد إيلاما للنفس من ألم العذاب نفسه ولذلك يقول الحق : ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ [مريم: ٦٩ - ٧٠]
وقوله ﷻ : ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]
ذلك هو العذاب المهين.
стр. 412
يبين لنا الحق موقف اليهود. . من عدم الإيمان برسالة رسول الله ﷺ َ. . مع أنهم أُومروا بذلك في التوراة. . فيقول ﷻ : ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي إذا دعاهم رسول الله ﷺ َ أن يؤمنوا بالإسلام وأن يؤمنوا بالقرآن رفضوا ذلك ﴿قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾ أي نؤمن بالتوراة ونكفر بما وراءه، أي بما نزل بعده.
ونحن نعرف أن الكفر هو الستر. . ولو أن محمدا ﷺ َ جاء يناقض ما عندهم ربما قالوا: جاء ليهدم ديننا ولذلك نكفر به. . ولكنه جاء بالحق مصدقا لما معهم.
إذن حين يكفرون بالقرآن يكفرون أيضا بالتوراة. . لأن القرآن يصدق ما جاء في التوراة.
وهنا يقيم الله ﵎ عليهم الحجة البالغة. . إن كفركم هذا وسلوكك ضد كل نبي جاءكم. . ولو أنكم تستقبلون الإيمان حقيقة بصدر رحب. . فقولوا لنا لِمَ قتلتم أنبياء الله؟ . . ولذلك يقول الحق: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ﴾ . . هل هناك في كتابكم التوراة أن تقتلوا أولياء الله. . كأن الحق قد أخذ الحجة من قولهم: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ . . إذا كان هذا صحيحا وأنكم تؤمنون بما أنزل عليكم فهاتوا لنا مما أنزل إليكم وهي التوراة ما يبيح لكم قتل الأنبياء إن كنتم مؤمنين بالتوراة. . وطبعا لم يستطيعوا ردا لأنهم كفروا بما أنزل عليهم. . فهم كاذبون في قولهم نؤمن بما أنزل
стр. 413
علينا. . لأن ما ينزل عليهم لم يأمرهم بقتل الأنبياء. . فكأنهم كفروا بما أنزل عليهم. . وكفروا بما أنزل على محمد ﵊ ُ.
والقرآن يأتينا بالحجة البالغة التي تخرس أفواه الكافرين وتؤكد أنهم عاجزون غير قادرين على الحجة في المناقشة. . وهنا لابد أن نتنبه إلى قوله تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله مِن قَبْلُ﴾ . . قوله تعالى: «من قبلُ» طمأنة لرسول الله ﷺ َ إلى أن قتلهم الأنبياء انتهى، وفي الوقت نفسه قضاء على آمال اليهود في أن يقتلوا محمدا ﵊ ُ. . والله يريد نزع الخوف من قلوب المؤمنين على رسول الله ﷺ َ بأن ما جرى للرسل السابقين من بني إسرائيل لن يجري على رسول الله ﷺ َ. . وبذلك قطع القرآن خط الرجعة على كل من يريد أذى لرسول الله ﷺ َ. . لأن ذلك كان عهدا وانتهى. . وأنهم لو تآمروا على قتله ﵊ ُ فلن يفلحوا ولن يصلوا إلى هدفهم.
واليهود بعد نزول هذه الآية الكريمة لم يتراجعوا عن تآمرهم ولن يكفوا عن بغيهم في قتل الرسل والأنبياء. . فحاولوا قتل رسول الله ﷺ َ أكثر من مرة. . مرة وهو في حيهم ألقوا فوقه حجرا ولكن جبريل ﵇ أنذره فتحرك رسول الله ﷺ َ من مكانه قبل إلقاء الحجر. . ومرة دسوا له السم، ومحاولات أخرى فشلت كلها.
إذن فقوله تعالى: «من قبل» معناها. . إن كنتم تفكرون في التخلص من محمد ﷺ َ بقتله كما فعلتم في أنبيائكم نقل لكم: إنكم لن تستطيعوا أن تقتلوه.
ولقد كانت هذه الآية كافية لإلقاء اليأس في نفوسهم حتى يكفوا عن أسلوبهم في قتل الأنبياء ولكنهم ظلوا في محاولاتهم، وفي الوقت نفسه كانت الآية تثبيتا لرسول الله ﷺ َ وللمؤمنين. بأن اليهود مهما تآمروا فلن يمكنهم الله من شيء. . وقوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ . . أي بما أنزل إليكم.
стр. 414
بعد أن بين لنا الله رفضهم للإيمان بما أنزل على رسول الله ﷺ َ. . بحجة أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم فقط. . أوضح لنا أن هذه الحجة كاذبة وأنهم في طبيعتهم الكفر والإلحاد. . فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ موسى بالبينات﴾ . . أي أن موسى ﵇ أيده الله ببينات ومعجزات كثيرة كانت تكفي لتملأ قلوبكم بالإيمان وتجعلكم لا تعبدون إلا الله. . فلقد شق لكم البحر ومررتم فيه وأنتم تنظرون وترون. . أي أن المعجزة لم تكن غيبا عنكم بل حدثت أمامكم ورأيتموها. . ولكنكم بمجرد أن تجاوزتم البحر وذهب موسى للقاء الله. . بمجرد أن حدث ذلك اتخذتم العجل إلها من دون الله وعبدتموه. . فكيف تدعون أنكم آمنتم بما أنزل إليكم. . لو كنتم قد آمنتم به ما كنتم اتخذتم العجل إلهاً.
والحق ﵎ يريد أن ينقض حجتهم في أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم. . ويرينا أنهم ما آمنوا حتى بما أنزل إليهم. . فجاء بحكاية قتل الأنبياء. . ولو أنهم كانوا مؤمنين حقا بما أنزل إليهم فليأتوا بما يبيح لهم قتل أنبيائهم ولكنهم كاذبون. . أما الحجة الثانية فهي إن كنتم تؤمنون بما أنزل إليكم. . فقولوا لنا كيف وقد جاءكم موسى بالآيات الواضحة من العصا التي تحولت إلى حية واليد البيضاء من غير سوء والبحر الذي شققناه لكم لتنجوا من قوم فرعون. . والقتيل الذي أحياه لله أمامكم بعد أن ضربتموه ببعض البقرة التي ذبحتموها. . آيات كثيرة ولكن بمجرد أن ترككم موسى وذهب للقاء ربه عبدتم العجل.
إذن فقولكم نؤمن بما أنزل إلينا غير صحيح. . فلا أنتم مؤمنون بما أنزل إليكم ولا أنتم مؤمنون بما أنزل من بعدكم. . وكل هذه حجج الهدف منها عدم الإيمان أصلا.
стр. 415
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتخذتم العجل مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ . . واتخاذ العجل في ذاته ليس معصية إذا اتخذته للحرث أو للذبح لتأكل لحمه. . ولكن المعصية هي اتخاذ العجل معبودا. . وقوله تعالى: ﴿اتخذتم العجل﴾ . . أي أن ذلك أمر مشهود لم تعبدوا العجل سرا بل عبدتموه جهرا، ولذلك فهو أمر ليس محتاجا إلى شهود ولا إلى شهادة لأنه حدث علنا وأمام الناس كلهم. . وذكر حكاية العجل هذه ليشعروا بذنبهم في حق الله. . كأن يرتكب الإنسان خطأ ثم يمر عليه وقت. . وكلما أردنا أن نؤنبه ذكرناه بما فعل. . وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ . . أي ظالمون في إيمانكم. . ظالمون في حق الله بكفركم به.
стр. 416
بعد أن ذَكَّرهم الله بكفرهم بعبادتهم للعجل. . وكان هذا نوعا من التأنيب الشديد والتذكير بالكفر. . أراد أن يؤنبهم مرة أخرى وأن يُذَكِّرَهُم أنهم آمنوا خوفا من وقوع جبل الطور عليهم. . ولم يكن الجبل سيقع عليهم. . لأن الله لا يقهر أحدا على الإيمان. . ولكنهم بمجرد أن رأوا جبل الطور فوقهم آمنوا. . مثلهم كالطفل الذي وصف له الطبيب دواء مرا ليشفى. ولذلك فإن رَفْعَ الله لجبل الطور فوقهم ليأخذوا الميثاق والمنهج. . لا يقال إنه فعل ذلك إرغاما لكي يؤمنوا. . إنه إرغام المحب. . يريد الله من خلقه ألا يعيشوا بلا منهج سماوي فرفع فوقهم جبل الطور إظهارا لقوته وقدرته ﵎ حتى إذا استشعروا هذه القوة الهائلة وما يمكن أن تفعله لهم وبهم آمنوا. . فكأنهم حين أحسوا بقدرة الله آمنوا. . تماما كالطفل الصغير يفتح فمه لتناول الدواء المر وهو كاره. . ولكن هل أعطيته الدواء كرها فيه أو أعطيته له قمة في الحب والإشفاق عليه؟
الله يريد أن يلفتهم إلى أنه لم يترك حيلة من الحيل حتى يتلقى بنو إسرائيل منهج الله الصحيح. . نقول إنه لم يترك حيلة إلا فعلها. . لكن غريزة الاستكبار والعناد منعتهم أن يستمروا على الإيمان. . تماما كما يقال للأب إن الدواء مر لم يحقق الشفاء وطفلك مريض. . فيقول وماذا افعل أكثر من ذلك أرغمته على شرب الدواء المر ولكنه لم يشف.
وقول الله تعالى: «ميثاقكم» . هل الميثاق منهم أو هو ميثاق الله؟ . طبعا هو ميثاق الله. . ولكن الله ﷻ خاطبهم بقوله: «ميثاقكم» لأنهم أصبحوا طرفا في العقد. . وماداموا قد أصبحوا طرفا أصبح ميثاقهم. . ولابد أن نؤمن أن رفع
стр. 417
جبل الطور فوق اليهود لم يكن لإجبارهم لأخذ الميثاق منهم حتى لا يقال أنهم أجبروا على ذلك. . هم اتبعوا موسى قبل أن يرفع فوقهم جبل الطور. . فلابد أنهم أخذوا منهجه باختيارهم وطبقوه باختيارهم لأن الله لم يبق الطور مرفوعا فوق رءوسهم أينما كانوا طوال حياتهم حتى يقال أنهم أجبروا. . فلو أنهم أجبروا لحظة وجود جبل الطور فوقهم. . فإنهم بعد أن انتهت هذه المعجزة لم يكن هناك ما يجبرهم على تطبيق المنهج. . ولكن المسألة أن الله ﵎. . حينما يرى من عباده مخالفة فإنه قد يخيفهم. . وقد يأخذهم بالعذاب الأصغر علهم يعودون إلى إيمانهم. . وهذا يأتي من حب الله لعباده لأنه يريدهم مؤمنين. .
ولكن اليهود قوم ماديون لا يؤمنون إلا بالمادة والله ﵎ أراد أن يريهم آية مادية على قلوبهم تخشع وتعود إلى ذكر الله.
. وليس في هذا إجبار لأنه كما قلنا إنه عندما انتهت المعجزة كان يمكنهم أن يعودوا إلى المعصية. . ولكنها آية تدفع إلى الإيمان. . وقوله تعالى: ﴿خُذُواْ مَآ ءاتيناكم بِقُوَّةٍ﴾ لأن ما يؤخذ بقوة يعطى بقوة. . والأخذ بقوة يدل على عشق الآخذ للمأخوذ. . وما دام المؤمن يعشق المنهج فإنه سيؤدي مطلوباته بقوة. . فالإنسان دائما عندما يأخذ شيئا لا يحبه فإنه يأخذه بفتور وتهاون.
قوله تعالى: ﴿واسمعوا قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ . . القول هو عمل اللسان والفعل للجوارح كلها ما عدا اللسان. . هناك قول وفعل وعمل. . القول أن تنطق بلسانك والفعل أن تقوم جوارحك بالتنفيذ. . والعمل أن يطابق القول الفعل. . هم: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ هم سمعوا ما قاله لهم الله وعصوه. . ولكن (عصينا) على أي شيء معطوفة؟ . . إنها ليست معطوفة على «سمعنا» . . ولكنها معطوفة على (قالوا) . . قالوا سمعنا في القول وفي الفعل عصينا. . وليس معنى ذلك أنهم قالوا بلسانهم عصينا في الفعل. . فالمشكلة جاءت من عطف عصينا على سمعنا. . فتحسب أنهم قالوا الكلمتين. . لا. . هم قالوا سمعنا ولكنهم لم ينفذوا فلم يفعلوا. والله يريدهم أن يسمعوا سماع طاعة لا سماع تجرد أي مجرد سماع. . ولكنهم سمعوا ولم يفعلوا شيئا فكأن عدم فعلهم معصية.
قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل﴾ . الحق ﵎ يريد أن يصور لنا ماديتهم. . فالحب أمر معنوي وليس أمراً ماديّاً لأنه غير محسوس. . وكان التعبير
стр. 418
يقتضي أن يقال وأشربوا حب العجل. . ولكن الذي يتكلم هو الله. . يريد أن يعطينا الصورة الواضحة الكاملة في أنهم أشربوا العجل ذاته أي دخل العجل إلى قلوبهم.
لكن كيف يمكن أن يدخل العجل في هذا الحيز الضيق وهو القلب. . الله يريد أن يلفتنا إلى الشيوع في كل شيء بكلمة أُشْرِبُوا. . لأنها وصف لشرب الماء والماء يتغلغل في كل الجسم. . والصورة تعرب عن تغلغل المادية في قلوب بني إسرائيل حتى كأن العجل دخل في قلوبهم وتغلغل كما يدخل الماء في الجسم مع أن القلب لا تدخله الماديات.
ويقول الحق ﷻ : ﴿وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ العجل بِكُفْرِهِمْ﴾ . . كأن الكفر هو الذي أسقاهم العجل. . هم كفروا أولا. . وبكفرهم دخل العجل إلى قلوبهم وختم عليها. . وقوله تعالى: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ . . هم قالوا نؤمن بما أنزل علينا ولا نؤمن بما جاء بعده. . قل هل إيمانكم يأمركم بهذا؟ .
. وهذا أسلوب تهكم من القرآن الكريم عليهم. . مثل قوله تعالى: ﴿أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦]
هل الطهر والطهارة مبرر لإخراج آل لوط من القرية؟ . . طبعا لا. . ولكنه أسلوب تهكم واستنكار. . والحق أن إيمانهم بهذا بل يأمرهم بالإيمان برسالة محمد ﷺ َ. . واقرأ قوله ﵎: ﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ
стр. 419
عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]
هذا هو ما يأمرهم به إيمانهم. . أن يؤمنوا بالنبي الأمي محمد ﵊ ُ. . والله ﵎ يعلم ما يأمرهم به الإيمان لأنه منه ﷻ . . ولذلك عندما يحاولون خداع الله. . يتهكم الله عليهم ويقول لهم: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ دليل على أنهم ليسوا مؤمنين. . ولكن لازال في قلوبهم الشرك والكفر أو العجل الذي عبدوه.
стр. 420
والله يريد أن يفضح اليهود. . ويبين إن إيمانهم غير صحيح وأنهم عدلوا وبدلوا واشتروا بآيات الله ثمنا قليلا. . وهو سبحانه يريدنا أن نعرف أن هؤلاء اليهود. . لم يفعلوا ذلك عن جهل ولا هم خُدعوا بل هم يعملون أنهم غيروا وبدلوا. . ويعرفون أنهم جاءوا بكلام ونسبوه إلى الله زورا وبهتانا. . ولذلك يطلب من رسول الله ﷺ َ أن يفضحهم أمام الناس ويبين كذبهم بالدليل القاطع. . فيقول: ﴿قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة﴾ : «قل» موجهة إلى رسول الله ﷺ َ أي قل لهم يا محمد. . ولا يقال هذا الكلام إلا إذا كان اليهود قالوا إن لهم: «الدار الآخرة عند الله خالصة» .
الشيء الخالص هو الصافي بلا معكر أو شريك. أي الشيء الذي لك بمفردك لا يشاركك فيه أحد ولا ينازعك فيه أحد. . فالله يقول لرسوله ﷺ َ: إن كانت الآخرة لهم وحدهم عند الله لا يشاركهم فيها أحد. . فكان الواجب عليهم أن يتمنوا الموت ليذهبوا إلى نعيم خالد. . فمادامت لهم الدار الآخرة وماداموا موقنين من دخول الجنة وحدهم. . فما الذي يجعلهم يبقون في الدنيا. . أَلاَ يتمنون الموت كما تمنى المسلمون الشهادة ليدخلوا الجنة. . وليست هذه هي الافتراءات الوحيدة من اليهود على الله . . واقرأ قوله ﷻ : ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ [البقرة: ١١١]
من الذي قال؟ اليهود قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان هودا،
стр. 421
والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. . كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا لنا لغزا في العقائد. . من الذي سيدخل الجنة وحده. . اليهود أم النصارى؟ نقول: إن الله أجاب عن هذا السؤال بقوله ﷻ : ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]
وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. فاليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . وكلاهما صادق في مقولته عن الآخر. . في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . اليهود قالوا إن الدار الآخرة خالصة لهم. . سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت. . فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة مادامت خالصة لهم. . ولذلك قال الله ﵎: ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . . ولكنها أمانٍ كاذبة عند اليهود وعند النصارى. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير﴾
[المائدة: ١٨]
إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب فإن الله لن يعذبهم يوم القيامة. . ولكن عدل الله يأبى ذلك. . كيف يعذب بشرا بذنوبهم ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب. . بل يدخلهم الجنة في الآخرة. . وكيف يجعل الله الجنة في الآخرة لليهود وحدهم. . وهو قد كتب رحمته لأتباع محمد ﷺ َ والمؤمنين برسالة الإسلام. . وأبلغ اليهود والنصارى بذلك في كتبهم. . واقرأ قوله :
стр. 422
﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]
إذا كانت هذه هي الحقيقة الموجودة في كتبهم. . والحق ﵎ يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]
فكيف يَدَّعِي اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم يوم القيامة؟ ولكن الحق ﷻ يفضح كذبهم ويؤكد لنا أن ما يقولونه هم أول من يعرف إنه كذب.
стр. 423
إنهم لن يتمنوا الموت أبدا بل يخافوه. . والله ﵎ حين أنزل هذه الآية. . وضع قضية الإيمان كله في يد اليهود. . بحيث يستطيعون إن أرادوا أن يشككوا في هذا الدين. . كيف؟ ألم يكن من الممكن عندما نزلت هذه الآية أن يأتي عدد من اليهود ويقولوا ليتنا نموت. . نحن نتمنى الموت يا محمد. فادع لنا ربك يميتنا. . ألم يكن من الممكن أن يقولوا هذا؟ ولو نفاقا. . وَلو رياءً ليهدموا هذا الدين. . ولكن حتى هذه لم يقولوها ولم تخطر على بالهم. . أنظر إلى الإعجاز القرآني في قوله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ .
لقد حكم الله سبحانه حكما نهائيا في أمر إختياري لعدو يعادي الإسلام. . وقال إن هذا العدو وهم اليهود لن يتمنوا الموت. . وكان من الممكن أن يفطنوا لهذا التحدي. . ويقولوا بل نحن نتمنى الموت ونطلبه من الله. . ولكن حتى هذه لم تخطر على بالهم؛ لأن الله ﵎ إذا حكم في أمر اختياري فهو يسلب من أعداء الدين تلك الخواطر التي يمكن أن يستخدموها في هدم الدين. . فلا تخطر على بالهم أبدا مثلما تحداهم الله سبحانه من قبل في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]
ولقد نزلت هذه الآية الكريمة قبل أن يقولوا. . بدليل إستخدام حرف السين في قوله: «سيقولُ» . . ووصفهم الله ﷻ بالسفهاء. . ومع ذلك فقد قالوا. . ولو أن عقولهم تنبهت لسكتوا ولم يقولوا شيئا. . وكان في ذلك تحدٍ للقرآن
стр. 424
الكريم. . كانوا سيقولون لقد قال الله : ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس﴾ . . ولكن أحدا لم يقل شيئا فأين هم هؤلاء السفهاء ولماذا لم يقولوا؟ وكان هذا يعتبر تحديا للقرآن الكريم في أمر يملكون فيه حرية الاختيار. . ولكن لأن الله هو القائل والله هو الفاعل. . لم يخطر ذلك على بالهم أبدا، وقالوا بالفعل.
في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . تحداهم القرآن أن يتمنوا الموت ولم يتمنوه. . وكان الكلام المنطقي مادامت الدار الآخرة خالصة لهم. . والله تحداهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين لتمنوه. . ليذهبوا إلى نعيم أبدي. . ولكن الحق حكم مسبقا أن ذلك لن يحدث منهم. . لماذا؟ لأنهم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون. . لذلك فهم يهربون من الموت ولا يتمنونه.
انظروا مثلا إلى العشرة المبشرين بالجنة. . عمار بن ياسر في الحرب في حنين. . كان ينشد وهو يستشهد الآن ألقى الأحبة محمدا وصحبه. . كان سعيداً لأنه أصيب وكان يعرف وهو يستشهد أنه ذاهب إلى الجنة عند محمد ﷺ َ وصحابته.
. هكذا تكون الثقة في الجزاء والبشرى بالجنة. . وعبد الله بن رواحة كان يحارب وهو ينشد ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد وشرابها
والإمام علي ﵁ يدخل معركة حنين ويرتدي غلالة ليس لها دروع. . لا ترد سهما ولا طعنة رمح. . حتى إن إبنه الحسن يقول له: يا أبي ليست هذه لباس حرب. . فيرد علي كرم الله وجهه: يا بني إن أباك لا يبالي أسقط على الموت أم سقط الموت عليه. . وسيدنا حذيفة بن اليمان ينشد وهو يحتضر. . حبيب جاء على ناقة لا ربح من ندم. . إذن الذين يثقون بآخرتهم يحبون الموت.
وفي غزوة بدر سأل أحد الصحابة رسول الله ﷺ َ. . يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني. . فيجيب رسول الله ﷺ َ نعم. . وكان في يد الصحابي تمرات يمضغها. . فيستبطئ أن يبقى بعيدا عن الجنة حتى يأكل التمرات فيلقيها من يده ويدخل المعركة ويستشهد.
هؤلاء هم الذين يثقون بما عند الله في الآخرة. . ولكن اليهود عندما تحداهم
стр. 425
القرآن الكريم بقوله لهم: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . . سكنوا ولم يجيبوا. . ولو تمنوا الموت لانقطع نفس الواحد منهم وهو يبلع ريقه فماتوا جميعا. . قد يقول قائل وهل التمني باللسان؟ ربما تمنوا بالقلب. . نقول ما هو التمني؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشيء محبوب عندك ليته يحدث. فهو قول. . وهب أنه عمل قلبي فلو أنهم تمنوا بقلوبهم لأطلع الله عليها وأماتهم في الحال. . ولكن مادام الحق ﵎ قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ . . فهم لن يتمنوه سواء كان باللسان أو بالقلب. . لأن الإدعاء منهم بأن لهم الجنة عند الله خالصة أشبه بقولهم الذي يرويه لنا القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]
وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ . . أي أن أعمالهم السيئة تجعلهم يخافون الموت. . أما صاحب الأعمال الصالحة فهو يسعد بالموت. . ولذلك نسمع أن فلانا حين مات كان وجهه أشبه بالبدر لأن عمله صالح. . فساعة الموت يعرف فيها الإنسان يقينا أنه ميت. . فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت. . ولكن ساعة الغرغرة يتأكد الإنسان أنه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل. . فإن كان عمله صالحا تنبسط أساريره ويفرح لأنه سينعم في الآخرة نعيما خالدا. . لأنه في هذه الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار.
. وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب. . فالذي أطاع الله يستبشر بملائكة الرحمة. . والذي عصى وفعل ما يغضب الله يستعرض شريط أعماله. . فيجده شريط سوء وهو مقبل على الله. . وليست هناك فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله. . عندما يرى مصيره إلى النار تنقبض أساريره وتقبض روحه على هذه الهيئة. . فيقال فلان مات وهو أسود الوجه منقبض الأسارير.
إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبدا. . أما صاحب العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء الله.
следующие страницы →