Полный текст (14 757 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
والنصارى قالوا عن أنفسهم لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا. . كل منهم قال عن نفسه إن الجنة خاصة به. ولقد شكل قولهم هذا لنا لغزا في العقائد. . من الذي سيدخل الجنة وحده. . اليهود أم النصارى؟ نقول: إن الله أجاب عن هذا السؤال بقوله ﷻ : ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]
وهذا أصدق قول قالته اليهود وقالته النصارى بعضهم لبعض. فاليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . وكلاهما صادق في مقولته عن الآخر. . في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . اليهود قالوا إن الدار الآخرة خالصة لهم. . سنصدقهم ونقول لهم لماذا لا يتعجلون ويتمنون الموت. . فالمفروض أنهم يشتاقون للآخرة مادامت خالصة لهم. . ولذلك قال الله ﵎: ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . . ولكنها أمانٍ كاذبة عند اليهود وعند النصارى. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ المصير﴾
[المائدة: ١٨]
إذن هم يتوهمون أنهم مهما فعلوا من ذنوب فإن الله لن يعذبهم يوم القيامة. . ولكن عدل الله يأبى ذلك. . كيف يعذب بشرا بذنوبهم ثم لا يعذب اليهود بما اقترفوا من ذنوب. . بل يدخلهم الجنة في الآخرة. . وكيف يجعل الله الجنة في الآخرة لليهود وحدهم. . وهو قد كتب رحمته لأتباع محمد ﷺ َ والمؤمنين برسالة الإسلام. . وأبلغ اليهود والنصارى بذلك في كتبهم. . واقرأ قوله :
стр. 422
﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]
إذا كانت هذه هي الحقيقة الموجودة في كتبهم. . والحق ﵎ يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]
فكيف يَدَّعِي اليهود أن الدار الآخرة خالصة لهم يوم القيامة؟ ولكن الحق ﷻ يفضح كذبهم ويؤكد لنا أن ما يقولونه هم أول من يعرف إنه كذب.
стр. 423
إنهم لن يتمنوا الموت أبدا بل يخافوه. . والله ﵎ حين أنزل هذه الآية. . وضع قضية الإيمان كله في يد اليهود. . بحيث يستطيعون إن أرادوا أن يشككوا في هذا الدين. . كيف؟ ألم يكن من الممكن عندما نزلت هذه الآية أن يأتي عدد من اليهود ويقولوا ليتنا نموت. . نحن نتمنى الموت يا محمد. فادع لنا ربك يميتنا. . ألم يكن من الممكن أن يقولوا هذا؟ ولو نفاقا. . وَلو رياءً ليهدموا هذا الدين. . ولكن حتى هذه لم يقولوها ولم تخطر على بالهم. . أنظر إلى الإعجاز القرآني في قوله سبحانه: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ .
لقد حكم الله سبحانه حكما نهائيا في أمر إختياري لعدو يعادي الإسلام. . وقال إن هذا العدو وهم اليهود لن يتمنوا الموت. . وكان من الممكن أن يفطنوا لهذا التحدي. . ويقولوا بل نحن نتمنى الموت ونطلبه من الله. . ولكن حتى هذه لم تخطر على بالهم؛ لأن الله ﵎ إذا حكم في أمر اختياري فهو يسلب من أعداء الدين تلك الخواطر التي يمكن أن يستخدموها في هدم الدين. . فلا تخطر على بالهم أبدا مثلما تحداهم الله سبحانه من قبل في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]
ولقد نزلت هذه الآية الكريمة قبل أن يقولوا. . بدليل إستخدام حرف السين في قوله: «سيقولُ» . . ووصفهم الله ﷻ بالسفهاء. . ومع ذلك فقد قالوا. . ولو أن عقولهم تنبهت لسكتوا ولم يقولوا شيئا. . وكان في ذلك تحدٍ للقرآن
стр. 424
الكريم. . كانوا سيقولون لقد قال الله : ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس﴾ . . ولكن أحدا لم يقل شيئا فأين هم هؤلاء السفهاء ولماذا لم يقولوا؟ وكان هذا يعتبر تحديا للقرآن الكريم في أمر يملكون فيه حرية الاختيار. . ولكن لأن الله هو القائل والله هو الفاعل. . لم يخطر ذلك على بالهم أبدا، وقالوا بالفعل.
في الآية الكريمة التي نحن بصددها. . تحداهم القرآن أن يتمنوا الموت ولم يتمنوه. . وكان الكلام المنطقي مادامت الدار الآخرة خالصة لهم. . والله تحداهم أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين لتمنوه. . ليذهبوا إلى نعيم أبدي. . ولكن الحق حكم مسبقا أن ذلك لن يحدث منهم. . لماذا؟ لأنهم كاذبون ويعلمون أنهم كاذبون. . لذلك فهم يهربون من الموت ولا يتمنونه.
انظروا مثلا إلى العشرة المبشرين بالجنة. . عمار بن ياسر في الحرب في حنين. . كان ينشد وهو يستشهد الآن ألقى الأحبة محمدا وصحبه. . كان سعيداً لأنه أصيب وكان يعرف وهو يستشهد أنه ذاهب إلى الجنة عند محمد ﷺ َ وصحابته.
. هكذا تكون الثقة في الجزاء والبشرى بالجنة. . وعبد الله بن رواحة كان يحارب وهو ينشد ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد وشرابها
والإمام علي ﵁ يدخل معركة حنين ويرتدي غلالة ليس لها دروع. . لا ترد سهما ولا طعنة رمح. . حتى إن إبنه الحسن يقول له: يا أبي ليست هذه لباس حرب. . فيرد علي كرم الله وجهه: يا بني إن أباك لا يبالي أسقط على الموت أم سقط الموت عليه. . وسيدنا حذيفة بن اليمان ينشد وهو يحتضر. . حبيب جاء على ناقة لا ربح من ندم. . إذن الذين يثقون بآخرتهم يحبون الموت.
وفي غزوة بدر سأل أحد الصحابة رسول الله ﷺ َ. . يا رسول الله أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلوني. . فيجيب رسول الله ﷺ َ نعم. . وكان في يد الصحابي تمرات يمضغها. . فيستبطئ أن يبقى بعيدا عن الجنة حتى يأكل التمرات فيلقيها من يده ويدخل المعركة ويستشهد.
هؤلاء هم الذين يثقون بما عند الله في الآخرة. . ولكن اليهود عندما تحداهم
стр. 425
القرآن الكريم بقوله لهم: ﴿فَتَمَنَّوُاْ الموت إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . . سكنوا ولم يجيبوا. . ولو تمنوا الموت لانقطع نفس الواحد منهم وهو يبلع ريقه فماتوا جميعا. . قد يقول قائل وهل التمني باللسان؟ ربما تمنوا بالقلب. . نقول ما هو التمني؟ نقول إن التمني هو أن تقول لشيء محبوب عندك ليته يحدث. فهو قول. . وهب أنه عمل قلبي فلو أنهم تمنوا بقلوبهم لأطلع الله عليها وأماتهم في الحال. . ولكن مادام الحق ﵎ قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ . . فهم لن يتمنوه سواء كان باللسان أو بالقلب. . لأن الإدعاء منهم بأن لهم الجنة عند الله خالصة أشبه بقولهم الذي يرويه لنا القرآن في قوله سبحانه: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ الله عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ الله عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠]
وقوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ . . أي أن أعمالهم السيئة تجعلهم يخافون الموت. . أما صاحب الأعمال الصالحة فهو يسعد بالموت. . ولذلك نسمع أن فلانا حين مات كان وجهه أشبه بالبدر لأن عمله صالح. . فساعة الموت يعرف فيها الإنسان يقينا أنه ميت. . فالإنسان إذا مرض يأمل في الشفاء ويستبعد الموت. . ولكن ساعة الغرغرة يتأكد الإنسان أنه ميت ويستعرض حياته في شريط عاجل. . فإن كان عمله صالحا تنبسط أساريره ويفرح لأنه سينعم في الآخرة نعيما خالدا. . لأنه في هذه الساعة والروح تغادر الجسد يعرف الإنسان مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار.
. وتتسلمه إما ملائكة الرحمة وإما ملائكة العذاب. . فالذي أطاع الله يستبشر بملائكة الرحمة. . والذي عصى وفعل ما يغضب الله يستعرض شريط أعماله. . فيجده شريط سوء وهو مقبل على الله. . وليست هناك فرصة للتوبة أو لتغيير أعماله. . عندما يرى مصيره إلى النار تنقبض أساريره وتقبض روحه على هذه الهيئة. . فيقال فلان مات وهو أسود الوجه منقبض الأسارير.
إذن فالذي أساء في دنياه لا يتمنى الموت أبدا. . أما صاحب العمل الصالح فإنه يستبشر بلقاء الله.
стр. 426
ولكن رسول الله ﷺ َ نهى عن تمني الموت فقال:
«لاَ يَتَمَنَّينَّ أحدُكم الموتَ ولا يدعو به من قَبلِ أن يَأْتِيَه إلا أن يكون قد وَثِقَ بعملِه»
نقول إن تمني الموت المنهي عنه هو تمني اليأس وتمني الاحتجاج على المصائب. . يعني يتمنى الموت لأنه لا يستطيع أن يتحمل قدر الله في مصيبة حدثت له. . أو يتمناه احتجاجا على أقدار الله في حياته. . هذا هو تمني الموت المنهي عنه. . أما صاحب العمل الصالح فمستحب له أن يتمنى لقاء الله. . وإقرأ قوله تعالى في آخر سورة يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السماوات والأرض أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾ [يوسف: ١٠١]
وقول رسول الله ﷺ َ: أي لا تتمنوا الموت جزعا مما يصيبكم من قدر الله. . ولكن إصبروا على قدر الله. . وقوله تعالى: ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ . . لأن الله عليم بظلمهم ومعصيتهم. . هذا الظلم والمعصية هو الذي يجعلهم يخافون الموت ولا يتمنونه.
стр. 427
الحق بعد أن فضح كذبهم. . في أنهم لا يمكن أن يتمنوا الموت لأنهم ظالمون. . وماداموا ظالمين فالموت أمر مخيف بالنسبة لهم. . وهم أحرص الناس على الحياة. . حتى إن حرصهم يفوق حرص الذين أشركوا. . فالمشرك حريص على الحياة لأنه يعتقد أن الدنيا هي الغاية. . واليهود أشد حرصا على الحياة من المشركين لأنهم يخافون الموت لسوء أعمالهم السابقة. . لذلك كلما طالت حياتهم ظنوا أنهم بعيدون عن عذاب الآخرةِ. . الحياة لا تجعلهم يواجهون العذاب ولذلك فهم يفرحون بها.
إن اليهود لا يبالون أن يعيشوا في ذلة أو في مسكنة. . أو أي نوع من أنواع الحياة. . المهم أنهم يعيشون في أي حياة. . ولكن لماذا هم حريصون على الحياة أكثر من المشركين؟ لأن المشرك لا آخرة له فالدنيا هي كل همه وكل حياته. . لذلك يتمنى أن تطول حياته بأي ثمن وبأي شكل. . لأنه يعتقد أن بعد ذلك لا شيء. . ولا يعرف أن بعد ذلك العذاب. . واليهود أحرص من المشركين على حياتهم.
وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ . . الود هو الحب. . أي أنهم يحبون أن يعيشوا ألف سنة أو أكثر. . ولكن هب أنه عاش ألف سنة أو حتى أكثر من ذلك. . أيزحزحه هذا عن العذاب؟ لا. . طول العمر لا يغير النهاية.
فمادامت النهاية هي الموت يتساوى من عاش سنوات قليلة ومن عاش ألوف
стр. 428
السنين. . قوله تعالى: «يعمر» بفتح العين وتشديد الميم يقال عنها إنها مبنية للمجهول دائما. . ولا ينفع أن يقال يعمر بكسر الميم. . فالعمر ليس بيد أحد ولكنه بيد الله. . فالله هو الذي يعطي العمر وهو الذي ينهيه. . وبما أن العمر ليس ملكا لإنسان فهو مبني للمجهول. .
والعمر هو السن الذي يقطعه الإنسان بين ميلاده ووفاته. . ومادة الكلمة مأخوذة من العمار لأن الجسد تعمره الحياة. وعندما تنتهي يصبح الجسد أشلاء وخرابا. . قوله تعالى: «ألف سنة» . . لماذا ذكرت الألف؟ لأنها هي نهاية ما كان العرب يعرفونه من الحساب. ولذلك فإن الرجل الذي أسر في الحرب أخت كسرى فقالت كم تأخذ وتتركني؟ قال ألف درهم. . قالوا له بكم فديتها؟ قال بألف. . قالوا لو طلبت أكثر من ألف لكانوا أعطوك. . قال والله لو عرفت شيئا فوق الألف لقلته. . فالألف كانت نهاية العدد عند العرب. . ولذلك كانوا يقولون ألف ألف ولم يقولوا مليونا. .
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب أَن يُعَمَّرَ﴾ . . معناها أنه لو عاش ألف سنة أو أكثر فلن يهرب من العذاب. وقوله تعالى: ﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ . . أي يعرف ما يعملونه وسيعذبهم به سواء عاشوا ألف سنة أو أكثر أو أقل.
стр. 429
الله ﵎ أراد أن يلفتنا إلى أن اليهود لم يقتلوا الأنبياء ويحرفوا التوراة ويشتروا بآيات الله جاه الدنيا فقط. . ولكنهم عادوا الملائكة أيضا. . بل إنهم أضمروا العداوة لأقرب الملائكة إلى الله الذي نزل بوحي القرآن وهو جبريل ﵇. . وأنهم قالوا جبريل عدو لنا.
الخطاب هنا لرسول الله ﷺ َ. . ولقد جلس ابن جوريا أحد أحبار اليهود مع رسول الله ﷺ َ وقال له من الذي ينزل عليك بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ َ جبريل. . فقال اليهودي لو كان غيره لآمنا بك. . جبريل عدونا لأنه ينزل دائما بالخسف والعذاب. . ولكن ميكائيل ينزل بالرحمة والغيث والخصب. . وأيضا هو عدوهم لأنهم اعتقدوا أن بيت المقدس سيخربه رجل اسمه بختنصر، فأرسل اليهود إليه من يقتله. . فلقى اليهودي غلاما صغيرا وسأله الغلام ماذا تريد؟ قال إني أريد أن أقتل بختنصر لأنه عندنا في التوراة هو الذي سيخرب بيت المقدس. . فقال الغلام إن يكن مقدرا أن يخرب هذا الرجل بيت المقدس فلن تقدر عليه. . لأن المقدر نافذ سواء رضينا أم لم نرضى. . وإن لم يكن مقدرا فلماذا تقتله؟ أي أن الطفل قال له إذا كان الله قد قضى في الكتاب أن بختنصر سيخرب بيت المقدس. . فلا أحد يستطيع أن يمنع قضاء الله. . ولن تقدر عليه لتقتله وتمنع تخريب بيت المقدس على يديه. . وإن كان هذا غير صحيح فلماذا تقتل نفسا بغير ذنب. . فعاد اليهودي دون أن يقتل بختنصر. . وعندما رجع إلى قومه قالوا له إن جبريل هو الذي تمثل لك في صورة طفل وأقنعك ألا تقتل هذا الرجل.
стр. 430
ويروى أن سيدنا عمر بن الخطاب كان له أرض في أعلى المدينة. . وكان حين يذهب إليها يمر على مدارس اليهود ويجلس إليهم. . وظن اليهود أن مجلس عمر معهم إنما يعبر عن حبه لهم. . فقالوا له إننا نحبك ونحترمك ونطمع فيك. . ففهم عمر مرادهم فقال والله ما جالستكم حبا فيكم. . ولكني أحببت أن أزداد تصورا لرسول الله ﷺ َ وأعلم عنه ما في كتابكم. . فقالوا له ومن يخبر محمدا بأخبارنا وأسرارنا؟ فقال عمر إنه جبريل ينزل عليه من السماء بأخباركم. . قالوا هو عدونا. . فقال عمر كيف منزلته من الله؟ قالوا إنه يجلس عن يمين الله وميكائيل يجلس على يسار الله. . فقال عمر مادام الأمر كما قلتم فليس أحدهما عدواً للآخر لأنهما عند الله في منزلة واحدة.
. فمن كان عدواً لأحدهما فهو عدو لله. . فلن تشفع لكم عداوتكم لجبريل ومحبتكم لميكائيل لأن منزلتهما عند الله عالية.
إن عداوتهم لجبريل ﵇ تؤكد ماديتهم. . فهم يقيسون الأمر على البشر. . إن الذي يجلس على يمين السيد ومن يجلس على يساره يتنافسان على المنزلة عنده. . ولكن هذا في دنيا البشر. . ولكن عند الملائكة لا شيء من هذا. . الله عنده ما يجعله يعطي لمن يريد المنزلة العالية دون أن ينقص من الآخر. . ثم إن الله اسمه الحق. . وما ينزل به جبريل حق وما ينزل به ميكائيل حق. . والحق لا يخاصم الحق. . وقال لهم عمر أنتم أشدّ كفرا من الحمير. . ثم ذهب إلى رسول الله ﷺ َ فلم يكد الرسول يراه حتى قال له وافقك ربك يا عمر. . وتنزل قول الله ﵎: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فقال عمر يا رسول الله. . إني بعد ذلك في إيماني لأصلب من الجبل.
إذن فقولهم ميكائيل حبيبنا وجبريل عدونا من الماديات، والله ﵎ يقول لرسوله ﷺ َ. . إنهم يُعَادُون جبريل لأنه نزل على قلبك بإذن الله. . ومادام نزل من عند الله على قلبك. . فلا شأن لهم بهذا. . وهو مصدق لما بين يديهم من التوراة. . وهو هدى وبشرى للمؤمنين. . فأي عنصر من هذه العناصر تنكرونه على جبريل. . إن عداوتكم لجبريل عداوة لله .
стр. 431
وهكذا أعطى الله الحُكْم. . فقال إن العداوة للرسل. . مثل العداوة للملائكة. . مثل العداوة لجبريل وميكائيل. . مثل العداوة لله. ولقد جاء الحق بالملائكة ككل. . ثم ذكر جبريل وميكائيل بالاسم.
إن المسألة ليست مجزأة ولكنها قضية واحدة. . فمن كان عدوا للملائكة وجبريل وميكائيل ورسل الله. . فهو أولا وأخيرا عدو لله. . لأنه لا انقسام بينهم فكلهم دائرون حول الحق. . والحق الواحد لا عدوان فيه. . وإنما العدوان ينشأ من تصادم الأهواء والشهوات. وهذا يحدث في أمور الدنيا.
والآية الكريمة أثبتت وحدة الحق بين الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل. . ومن يعادي واحدا من هؤلاء يعاديهم جميعا وهو عدو الله سبحانه. . واليهود أعداء الله لأنهم كفروا به. . وأعداء الرسل لأنهم كذبوهم وقتلوا بعضهم.
وهكذا فالحق يريد أن يلفتنا إلى وحدة الحق في الدين. . مصدره هو الله ﷻ . . ورسوله من الملائكة هو جبريل. . ورسله من البشر هم الرسل والأنبياء الذين بعثهم الله. . وميكائيل ينزل بالخير والخصب لأن الإيمان أصل وجود الحياة. . فمن كان عدوا للملائكة والرسل وجبريل وميكائيل فهو كافر. . لأن الآية لم تقل إن العداوة لهؤلاء هي مجرد عداوة. . وإنما حَكَمَ الله عليهم بأنهم كافرون. . الله لم يخبر محمدا ﷺ َ بهذا الحكم فقط، وإنما أمره بأن يعلنه حتى يعرفه الناس جميعا ويعرفوا أن اليهود كافرون.
стр. 432
إنتقل الله بعد ذلك إلى تأكيد صدق رسالة محمد ﵊ ُ. . وأن الآيات فيها واضحة بحيث إِن كل إنسان يعقل ويريد الإيمان يؤمن بها. . ولكن الذين يريدون الفسق والفجور. . هم هؤلاء الذين لا يؤمنون. . ما معنى الآيات البينات؟ إن الآية هي الأمر العجيب. . وهو عجيب لأنه معجز. . والآيات معجزات للرسول تدل على صدق بلاغه عن الله. . وهي كذلك الآيات في القرآن الكريم. . وبينات معناها أنها أمور واضحة لا يختلف عليها ولا تحتاج إلى بيان: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلاَّ الفاسقون﴾ . . والفسق هو الخروج عن الطاعة وهي مأخوذة من الرطبة. . البلح قبل أن يصبح رطبا لا تستطيع أن تنزع قشرته ولكن عندما يصبح رطبة تجد أن القشرة تبتعد عن الثمرة فيقال فسقت الرطبة. . ولذلك من يخرج عن منهج الله يقال له فاسق.
والمعنى أن الآيات التي أيد بها اللهُ محمداً ﵊ ُ ظاهرة أمام الكفار ليست محتاجة إلى دليل. . فرسول الله ﷺ َ الذي لم يقرأ كلمة في حياته. . يأتي بهذا القرآن المعجز لفظا ومعنى. . هذه معجزة ظاهرة لا تحتاج إلى دليل. . ورسول الله ﷺ َ الذي لا تغريه الدنيا كلها. . ليترك هذا الدين مهما أعطوه. . دليل على أنه صاحب مبدأ ورسالة من السماء. . ورسول الله ﷺ َ الذي يخبر بقرآن موحى من السماء عن نتيجة حرب ستقع بعد تسع سنوات. . ويخبر الكفار والمنافقين بما في قلوبهم ويفضحهم. . ويتنبأ بأحداث قادمة وبقوانين الكون. . وغير ذلك مما احتواه القرآن المعجز من كل أنواع الإعجاز علميا وفلكيا وكونيا. . كل هذه آيات بينات يتحدى القرآن بها الكفار. . كلها آيات واضحة لا يمكن أن
стр. 433
يكفر بها إلا الذي يريد أن يخرج عن منهج الله، ويفعل ما تهواه نفسه. .
إن الإعجاز في الكون وفي القرآن وفي رسول الله ﷺ َ. . كل هذا لا يحتاج إلا لمجرد فكر محايد. . لنعرف أن هذا القرآن هو من عند الله مليء بالمعجزات لغة وعلما. . وإنه سيظل معجزة لكل جيل له عطاء جديد.
стр. 434
بعد أن بين الحق أن الدين الإسلامي، وكتابه القرآن فيه من الآيات الواضحة ما يجعل الإيمان به لا يحتاج إلا إلى وقفة مع العقل مما يجعل موقف العداء الذي يقفه اليهود من الإسلام منافيا لكل العهود التي أخذت عليهم، منافيا للإيمان الفطري، ومنافيا لأنهم عاهدوا الله ألا يكتموا ما جاء في التوراة عن رسول الله ﷺ َ، ومنافيا لعهدهم أن يؤمنوا برسول الله ﷺ َ، ومنافيا لما طلب منهم موسى أن يؤمنوا بالإسلام عندما يأتي الرسول، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي قالوا أَقْرَرْنَا قَالَ فاشهدوا وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ الشاهدين﴾ [آل عمران: ٨١]
وهكذا نعرف أن موسى ﵇ الذي أُخذ عليه الميثاق قد أبلغه إلى بني إسرائيل، وأن بني إسرائيل كانوا يعرفون هذا الميثاق جيداً عند بعث رسول الله ﷺ َ، وكانت عندهم أوصاف دقيقة للرسول ﵊ ُ. . ولكنهم نقضوه كما نقضوا كثيرا من المواثيق. . منها عهدهم بعدم العمل في السبت، وكيف تحايلوا على أمر الله بأن صنعوا مصايد للأسماك تدخل فيها ولا تستطيع الخروج وهذا تحايل على أمر الله، ثم كان ميثاقهم في الإيمان بالله إلها واحداً أحدا، ثم عبدوا
стр. 435
العجل. . وكان قولهم لموسى ﵇ بعد أن أمرهم الله بدخول واد فيه زرع. . لأنهم أرادوا أن يأكلوا من نبات الأرض بدلا من المن والسلوى التي كانت تأتيهم من السماء. . قالوا لموسى: ﴿فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ . . وغير ذلك الكثير من المواثيق بالنسبة للحرب والأسرى والعبادة، حتى عندما رفع الله ﵎ جبل الطور فوقهم ودخل في قلوبهم الرعب وظنوا أنه واقع عليهم، ولم يكن هذا إلا ظنا وليس حقيقة. . لأن الله ﵎ يقول: ﴿وظنوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ . . وبمجرد ابتعادهم عن جبل الطور نقضوا الميثاق.
ثم نقضوا عهدهم وميثاقهم مع رسول الله ﷺ َ عندما هاجر إلى المدينة وذلك في غزوة الخندق. . وعندما أرادوا أن يفتحوا طريقا للكفار ليضربوا جيوش المؤمنين من الخلف.
قوله تعالى ﴿نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم﴾ قلنا إن هذا يسمى قانون صيانة الاحتمال. . لأن منهم من صان المواثيق. . ومنهم من صدق ما عهد الله عليه. . ومنهم مثلا من كان يريد أن يعتنق الدين الجديد ويؤمن بمحمد ﵊ ُ.
إذن فليسوا كلهم حتى لا يقال هذا على مطلق اليهود. . لأن فيهم أناسا لم ينقضوا العهد. . ويريد الله ﵎ أن يفتح الباب أمام أولئك الذين يريدون الإيمان، حتى لا يقولوا لقد حكم الله علينا حكما مطلقا ونحن نريد أن نؤمن ونحافظ على العهد، ولكن هؤلاء الذين حافظوا على العهد كانوا قلة. . ولذلك قال الحق : ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ . . أي أن الفريق الناقض للعهد. . الناقض للإيمان هم الأكثرية من بني إسرائيل.
стр. 436
بعد أن تحدث الله عن اليهود الذين نقضوا المواثيق الخاصة بالإيمان برسول الله ﷺ َ ونقضوها وهم يعلمون. . قال الله سبحانه: ﴿وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ﴾ . . أي أن ما جاء في القرآن مصدق لما جاء في التوراة. . لأن القرآن من عند الله والتوراة من عند الله. . ولكن التوراة حرفوها وكتموا بعضها وغيروا وبدلوا فيها فأخفوا ما يريدون إخفاءه. . لذلك جاء القرآن الكريم ليظهر ما أخفوه ويؤكد ما لم يخفوه ولم يتلاعبوا فيه.
وقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كِتَابَ الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ . . قلنا إن هناك كتابا نبذوه أولا وهو التوراة. . ولما جاءهم الكتاب الخاتم وهو القرآن الكريم نبذوه هو الآخر وراء ظهورهم. . ما معنى نبذه؟ . . المعنى طرحه بعيدا عنه. . إذن ما في كتابهم من صفات رسول الله ﷺ َ نبذوه بعيدا. . ومن التبشير بمجيء رسول الله ﵊ ُ نبذوه هو الآخر. . لأنهم كانوا يستفتحون على الذين كفروا ويقولون أتى زمن نبي سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم.
وقوله تعالى: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ . . يعني نبذ جماعة وبقيت جماعة أخرى لم تنبذ الكتاب. . بدليل أن ابن سلام وهو أحد أحبار اليهود صدق رسول الله ﷺ َ وآمن به. . وكعب الأحبار مخيريق أسلم. . فلو أن القرآن عمم ولم يقل فريق لقيل إنه غير منصف لهؤلاء الذين آمنوا.
وقوله تعالى: ﴿وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ . . النبذ قد يكون أمامك. . وكونه أمامك
стр. 437
فأنت تراه دائما، وربما يغريك بالإقبال عليه، ولكنهم نبذوه وراء ظهورهم أي جعلوه وراءهم حتى ينسوه تماما ولا يلتفتوا إليه.
وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . . أي يتظاهرون بأنهم لا يعلمون ببشارة رسول الله ﷺ َ وأوصافه. . وقوله تعالى: «كأنهم» . . دليل على أنهم يعلمون ذلك علم يقين. . لأنهم لو كانوا لا يعلمون. . لقال الحق سبحانه: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب كِتَابَ الله وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وهم لا يعلمون. . إذن هم يعلمون يقينا ولكنهم تظاهروا بعدم العلم. . ولابد أن نتنبه إلى أن نبذ يمكن أن يأتي مقابلها فنقول نبذ كذا واتبع كذا. . وهم نبذوا كتاب الله ولكن ماذا اتبعوا؟
стр. 438
يخبرنا الحق ﵎ أن فريقا من اليهود نبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلو الشياطين. . لأن النبذ يقابله الإتباع. . واتبعوا يعني اقتدوا وجعلوا طريقهم في الاهتداء هو ما تتلوه الشياطين على ملك سليمان. . وكان السياق يقتضي أن يقال ما تلته الشياطين على ملك سليمان. . ولكن الله يريدنا أن نفهم أن هذا الاتباع مستمر حتى الآن كأنهم لم يحددوا المسألة بزمن معين.
إنه حتى هذه اللحظة هناك من اليهود من يتبع ما تلته الشياطين على ملك سليمان، ونظرا لأن المعاصرين من اليهود قد رضوا وأخذوا من فعل أسلافهم الذين اتبعوا الشياطين فكأنهم فعلوا.
الحق سبحانه يقول: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين﴾ ولكن الشياطين تلت وانتهت. . واستحضار اليهود لما كانت تتلوه الشياطين حتى الآن دليل على أنهم يؤمنون به ويصدقونه. . الشياطين هم العصاة من الجن. . والجن فيهم العاصون والطائعون والمؤمنون. . وإقرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصالحون وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ [الجن: ١١]
стр. 439
وقوله سبحانه عن الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا المسلمون وَمِنَّا القاسطون﴾ [الجن: ١٤]
إذن الجن فيهم المؤمن والكافر. . والمؤمنون من الجن فيهم الطائع والعاصي. . والشياطين هم مردةُ الجنِ المتمردون على منهج الله. . وكل متمرد على منهج الله نسميه شيطانا. . سواء كان من الجن أو من الإنس. . ولذلك يقول الحق : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإنس والجن يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ [الأنعام: ١١٢]
إذن فالشياطين هم المتمردون على منهج الله. . قوله تعالى: ﴿واتبعوا مَا تَتْلُواْ الشياطين على مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ . . يعني ما كانت تتلو الشياطين أيام ملك سليمان. .
ولكن ما هي قصة ملك سليمان والشياطين؟ . . الشياطين كانوا قبل مجيء رسول الله ﷺ َ كان الله قد مكنهم من قدرة الاستماع إلى أوامر السماء وهي نازلة إلى الأرض. . وكانوا يستمعون للأوامر تلقى من الملائكةِ وينقلونها إلى أئمة الكفر ويزيدون عليها بعض الأكاذيب والخرافات. . فبعضها يكون على حق والأكثر على باطل. . ولذلك قال الله ﵎: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]
وكان الشياطين قبل نزول القرآن يستقرون السمع، ولكن عند بعث رسول الله ﷺ َ إمتنع ذلك كله، حتى لا يضع الشياطين خرافاتهم في منهج
стр. 440
رسول الله ﷺ َ أو في القرآن. . ولذلك قال الحق : ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً﴾ [الجن: ٩]
أي أن الشياطين كانت لها مقاعد في السماء تقعد فيها لتستمع إلى ما ينزل من السماء إلى الأرض ليتم تنفيذه.
. ولكن عند نزول القرآن أرسل الله الشهب وهي النجوم المحترقة فعندما تحاول الشياطين الاستماع إلى ما ينزل من السماء ينزل عليهم شهاب يحرقهم. . ولذلك فإن عامة الناس حين يرون شهابا يحترق في السماء بسرعة يقولون: سهم الله في عدو الدين. . كأن المسألة في أذهان الناس وجعلتهم يقولون: سهم الله في عدو الدين. . الذي هو الشيطان.
واقرأ قوله ﵎: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ [الجن: ٨]
﴿وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ١٠]
أي أن الأمر اختلط على الشياطين لأنهم لم يعودوا يستطيعون استراق السمع. . ولذلك لم يعرفوا هل الذي ينزل من السماء خير أو شر؟ . . أنظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء﴾ . . كأنهم صعدوا حتى بلغوا السماء لدرجة أنها أصبحت قريبة لهم حتى كادوا يلمسونها. . فالله ﵎ في هذه الحالة وهي اتباع اليهود لما تتلو الشياطين على ملك سليمان من السحر والتعاويذ والأشياء التي تضر ولا تفيد أراد أن يبرئ سليمان من هذا كله. . فقال ﷻ : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ . .
وكان المنطق يقتضي أن يخص الله حكاية الشياطين قبل أن يبرئ سليمان من الكفر الذي أرادوا أن ينشروه. . ولكن الله أراد أن ينفي تهمة الكفر عن
стр. 441
سليمان ويثبتها لكل من اتبع الشياطين فقال ﷻ : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ﴾ .
إذن الشياطين هم الذين نشروا الكفر. . وكيف كفر الشياطينُ وبماذا أغروا أتباعهم بالكفر؟ . . يقول الله : ﴿ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ .
ما قصة كل هذا؟ . . اليهود نبذوا عهد الله واتبعوا ما تتلو الشياطين أيام سليمان، وأرادوا أن ينسبوا كل شيء في عهد سليمان على أنه سحر وعمل شياطين، وهكذا أراد اليهود أن يوهموا الناس أن منهج سليمان هو من السحر ومن الشياطين. والحق أراد أن يبرئ سليمان من هذه الكذبة. . سليمان ﵇ حين جاءته النبوة طلب من الله أن يعطيه ملكا لا يعطيه لأحد من بعده. . واقرأ قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بعدي إِنَّكَ أَنتَ الوهاب فَسَخَّرْنَا لَهُ الريح تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ والشياطين كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾
[ص: ٣٥ - ٣٨]
وهكذا أعطى سليمان الملك على الإنس والجن ومخلوقات الله كالريح والطير وغير ذلك. . حين أخذ سليمان الملك كان الشياطين يملأون الأرض كفراً بالسحر وكتبه. فأخذ سليمان كل كتب السحر وقيل أنه دفنها تحت عرشه. . وحين مات سليمان وعثرت الشياطين على مخبأ كتب السحر أخرجتها وأذاعتها بين الناس. . وقال أولياؤهم من أحبار اليهود إن هذه الكتب من السحر هي التي كان سليمان يسيطر بها على الإنس والجن، وأنها كانت منهجه، وأشاعوها بين الناس. . فأراد الله سبحانه
стр. 442
وتعالى أنْ يبرئ سليمان من هذه التهمة ومن أنه حكم بالسحر ونشر الكفر. . قال ﷻ : ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر﴾ .
ما هو السحر؟ . . الكلمة مشتقة من سحر وهو آخر ساعات الليل وأول طلوع النهار. . حيث يختلط الظلام بالضوء ويصبح كل شيء غير واضح. . هكذا السحر شيء يخيل إليك أنه واقع وهو ليس بواقع. . إنه قائم على شيئين. . سحر العين لترى ما ليس واقعا على أنه حقيقة. . ولكنه لا يغير طبيعة الأشياء. . ولذلك قال الله ﵎ في سحرة فرعون: ﴿سحروا أَعْيُنَ الناس واسترهبوهم وَجَآءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]
إذن فالساحر يسيطر على عين المسحور ليرى ما ليس واقعا وما ليس حقيقة. . وتصبح عين المسحور خاضعة لإرادة الساحر. . ولذلك فالسحر تخيل وليس حقيقة. . واقرأ قول الحق : ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٦]
إذن مادام الله قال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ﴾ . . فهي لا تسعى. . إذن فالسحر تخيل. . وما الدليل على أن السحر تخيل؟ . . الدليل هو المواجهة التي حدثت بين موسى وسحرة فرعون. . ذلك أن الساحر يسحر أعين الناس ولكن عينيه لا يسحرهما أحد. . حينما جاء السحرة وموسى. . اقرأ قوله سبحانه: ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى قَالَ بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ [طه: ٦٥ - ٦٦]
стр. 443
عندما ألقى السحرة حبالهم وعصيهم خُيِّل للموجودين إنها حيات تسعى. . ولكن هل خيل للسحرة إنها حيات؟ طبعا لا. . لأن أحدا لم يسحر أعين السحرة. . ولذلك ظل ما ألقوه في أعينهم حبالا وعِصِيّاً. . حين ألقى موسى عصاه واقرأ قوله ﵎: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صنعوا إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً قالوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ [طه: ٦٩ - ٧٠]
هنا تظهر حقيقة السحر. . لماذا سجد السحرة؟ لأن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي حبالا وعصيا. . ذلك أن أحدا لم يسحر أعينهم.
. ولكن عندما ألقى موسى عصاه تحولت إلى حية حقيقية. . فعرفوا أن هذا ليس سحرا ولكنها معجزة من الله . . لماذا؟ لأن السحر لا يغير طبيعة الأشياء، وهم تأكدوا أن عصا موسى قد تحولت إلى حية. . ولكن حبالهم وعصيهم ظلت كما هي وإن كان قد خيل إلى الناس أنها تحولت إلى حية.
إذن فالسحر تخيل والساحر يرى الشيء على حقيقته لذلك فإنه لا يخاف. . بينما المسحورون الذين هم الناس يتخيلون أن الشيء قد تغيرت طبيعته. . ولذلك سجد السحرة لأنهم عرفوا أن معجزة موسى ليست سحرا. . ولكنها شيء فوق طاقة البشر.
السحر إِذن تخيل والشياطين لهم قدرة التشكل بأي صورة من الصور، ونحن لا نستطيع أن ندرك الشيطان على صورته الحقيقية، ولكنه إذا تشكل نستطيع أن نراه في صورة مادية. . فإذا تشكل في صورة إنسان رأيناه إنسانا، وإذا تشكل في صورة حيوان رأيناه حيوانا، وفي هذه الحالة تحكمه الصورة. . فإذا تشكل كإنسان وأطلقت عليه الرصاص مات، وإذا تشكل في صورة حيوان ودهمته بسيارتك مات، ذلك لأن الصورة تحكمه بقانونها. . وهذا هو السر في إنه لا يبقى في تشكله إلا لمحة ثم يختفي في ثوان. . لماذا؟ لأنه يخشى ممن يراه في هذه الصورة أن يقتله خصوصا أن قانون التشكل يحكمه. . ولذلك فإن رسول الله ﷺ َ حين تشكل له الشيطان في صورة إنسان قال:
стр. 444
«ولقد هممت أن أربطه في سارية المسجد ليتفرج عليه صبيان المدينة ولكني تذكرت قَول أخي سليمان:» رب هب لي مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعدي «. فتركته» الحديث لم يُخَرَّجْ.
ومن رحمة الله بنا أنه إذا تشكل الشيطان فإن الصورة تحكمه. . وإلا لكانوا فزعونا وجعلوا حياتنا جحيما. . فالله جعل الكون يقوم على التوازن حتى لا يطغى أحد على أحد. . بمعنى أننا لو كنا في قرية وكلنا لا نملك سلاحا وجد التوازن. . فإذا ملك أحدنا سلاحا وادعى أنه يفعل ذلك ليدافع عن أهل القرية، ثم بعد ذلك استغل السلاح ليسيطر على أهل القرية ويفرض عليهم إتاوات وغير ذلك، يكون التوازن قد اختل وهذا مالا يقبله الله.
السحر يؤدي لاختلال التوازن في الكون. . لأن الساحر يستعين بقوة أعلى في عنصرها من الإنسان وهو الشيطان وهو مخلوق من نار خفيف الحركة قادر على التشكل وغير ذلك. . الإنسان عندما يطلب ويتعلم كيف يسخر الجن. . يدعي أنه يفعل ذلك لينشر الخير في الكون، ولكنها ليست حقيقة. . لأن هذا يغريه على الطغيان. . والذي يخل بأمن العالم هو عدم التكافؤ بين الناس.
. إنسان يستطيع أن يطغى فإذا لم يقف أمامه المجتمع كله إختل التوازن في المجتمع. والله يريد تكافؤ الفرص ليحفظ أمن وسلامة الكون. . ولذلك يقول لنا لا تطغوا وتستعينوا بالشياطين في الطغيان حتى لا تفسدوا أمن الكون.
ولكن الله ﷻ شاءت حكمته أن يضع في الكون ما يجعل كل مخلوق لا يغتر بذاتيته. . ولا يحسب أنه هو الذي حقق لنفسه العلو في الأرض. . ولقد كانت معصية إبليس في أنه رفض أن يسجد لآدم. إنه قال: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]
إذن فقد أخذ عنصر الخلق ليدخل الكبر إلى نفسه فيعصي، ولذلك أراد الله أن يعلم البشر من القوانين، ما يجعل هذا الأعلى في العنصر وهو الشيطان يخضع للأدنى وهو الإنسان، حتى يعرف كل خلق الله أنه إن ميزهم الله في عنصر من العناصر، فإن هذا ليس بإرادتهم ولا ميزة لهم. . ولكنه بمشيئة الله
стр. 445
سبحانه وتعالى. . فأرسل الملكين ببابل هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. الذي يخضع الأعلى عنصراً للأدنى.
واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ولكن الشياطين كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ الناس السحر وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ . . فالله ﵎ أرسل الملكين هاروت وماروت ليعلما الناس السحر. . ولقد رويت عن هذه الملكين قصص كثيرة. . ولكن مادام الله قد أرسل ملكين ليعلما الناس السحر. . فمعنى ذلك أن السحر علم يستعين فيه الإنسان بالشياطين. . وقيل إن الملائكة قالوا عن خلق آدم كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٢٠]
حينئذ طلب الحق ﷻ من الملائكة. . أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض لينظروا ماذا يفعلان؟ فاختاروا هاروت وماروت. . وعندما نزلا إلى الأرض فتنتهما امرأة فارتكبا الكبائر. هذه القصة برغم وجودها في بعض كتب التفسير ليست صحيحة. . لأن الملائكة بحكم خلقهم لا يعصون الله. . ولأنه من تمام الإيمان أن يؤدي المخلوق كل ما كُلِّف به من الله ﷻ . . وهذان الملكان كلفا بأن يعلما الناس السحر. . وأن يحذرا بأن السحر فتنة تؤدي إلى الكفر وقد فعلا ذلك. . والفتنة هي الامتحان. . ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المرء وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ . . إذن فهذان الملكان حذرا الناس من أن ما يعلمانه من السحر فتنة تؤدي إلى الكفر. . وإنها لا تنفع إلا في الشر وفي التفريق بين الزوج وزوجه.
. وإن ضررها لا يقع إلا بإذن الله. . فليس هناك أي قوى في هذا الكون خارجة عن مشيئة الله . .
ثم يأتي قول الحق ﵎: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ
стр. 446
يَعْلَمُونَ﴾ . . إن الله يخبرنا أن تعلم السحر يضر ولا ينفع. . فهو لا يجلب نفعا أبدا حتى لمن يشتغل به. . فتجد من يشتغل بالسحر يعتمد في رزقه على غيره من البشر فهم افضل منه. . وهو يظل طوال اليوم يبحث عن إنسان يغريه بأنه يستطيع أن يفعل له أشياء ليأخذ منه مالا، وتجد شكله غير طبيعي وحياته غير مستقرة وأولاده منحرفين. وكل من يعمل بالسحر يموت فقيرا لا يملك شيئا وتصيبه الأمراض المستعصية، ويصبح عبرة في آخر حياته.
إذن فالسحر لا يأتي إلا بالضرر ثم بالفقر ثم بلعنة الله في آخر حياة الساحر. . والذي يشتغل بالسحر يموت كافرا ولا يكون له في الآخرة إلا النار. . ولذلك قد اشتروا أنفسهم بأسوأ الأشياء لو كانوا يعلمون ذلك. . لأنهم لم يأخذوا شيئا إلا الضر. . ولم يفعلوا شيئا إلا التفريق بين الناس. . وهم لا يستطيعون أن يضروا أحدا إلا بإذن الله.
والله إذا كانت حكمته قد اقتضت أن يكون السحر من فتن الدنيا وابتلاءاتها. . فإنه سبحانه قد حكم على كل من يعمل بالسحر بأنه كافر. . ولذلك لا يجب أن يتعلم الإنسان السحر أو يقرأ عنه. . لأنه وقت تعلمه قد يقول سأفعل الخير ثم يستخدمه في الشر. . كما أن الشياطين التي يستعين بها الساحر غالبا ما تنقلب عليه لتذيقه وبال أمره وتكون شرا عليه وعلى أولاده. . واقرأ قوله : ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإنس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجن فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن: ٦]
أي أن الذي يستعين بالجن ينقلب عليه ويذيقه ألوانا من العذاب. .
стр. 447
يفتح الله ﷻ أمام عباده أبواب التوبة والرحمة. . لقد بين لهم أن السحر كفر، وأن من يقوم به يبعث كافرا يوم القيامة ويخلد في النار. . وقال لهم لو أنهم امتنعوا عن تعلم السحر ليمتازوا به على من سواهم إمتيازا في الضرر والإيذاء. . لكان ذلك خيرا لهم عند الله ﵎. . لأن الملكين اللذين نزلا لتعليم السحر قال الله سبحانه عنهما: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حتى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ .
إذن فممارسة السحر كفر. فلو أنهم آمنوا بهذه القضية وبأنهم يدخلون في الكفر واتقوا الله لكان ذلك ثوابا لهم عند الله وخيراً في الدنيا والآخرة. . ولكن ما هي المثوبة؟ هي الثواب على العمل الصالح. . يقابلها العقوبة وهي العقاب على العمل السيئ. . وهي مشتقة من ثاب أي رجع. . ولذلك يسمى المبلغ عن الإمام في الصلاة المثوب. . لأن الإمام يقول الله أكبر فيرددها المبلغ عن الإمام بصوت عال حتى يسمعها المصلون الذين لا يصلهم صوت الإمام. . وهذا إسمه التثويب. . أي إعادة ما يقوله الإمام لتزداد فرصة الذين لم يسمعوا ما قاله الإمام. . وكما قلنا فهي مأخوذة من ثاب أي رجع. . لأن الإنسان عندما يعمل صالحا يرجع عليه عمله الصالح بالخير. . فلا تعتقد أن العمل الصالح يخرج منك ولا يعود. . ولكنه لابد أن يعود عليك بالخير.
وإذا نظرنا إلى دقة التعبير القرآني: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ﴾ . نجد أن كلمة مثوبة مأخوذة من نفس معنى كلمة ثوب وجمعه ثياب. . وكان الناس قديما يأخذون أصواف الأغنام ليصنعوا منها ملابسهم. . فيأتي الرجل بما عنده من غنم ويجز صوفها
стр. 448
ثم يعطيه لآخر ليغزله وينسجه ثوبا ويعيده إلى صاحبه. . فكأن ما أرسله من الصوف رد إليه كثوب. . ولذلك سميت مثوبة لأن الخير يعود إليك لتنتفع به نفعا عاليا. . وكذلك الثواب عن العمل الصالح يرتد إليك بالنفع العالي.
إذن فكلمة ثوب جاء منها الثواب، والله علمنا أن الثواب لستر العورة. . والعمل الصالح يستر الأمراض المعنوية والنفسية في الإنسان. . وفي ذلك يقول الحق ﵎: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]
فكأن هناك لباسين أحدهما لستر العورة. . والثاني لستر الإنسان من العذاب. . ولباس التقوى خير من لباس ستر العورة. . قوله تعالى: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ﴾ . . انظر إلى المثوبة التي تأتي من عند الله. . إذا كان الثواب يأتيك من عند من صنعه جميلا مزركشا وله ألوان مبهجة.
. إذا كان هذا ما يصنعه لك بشر فما بالك بالثواب الذي يأتيك من عند الله. إنه قمة الجمال. فالله هو القادر على أن يرد الثواب بقدراته سبحانه فيكون الرد عاليا وعاليا جدا، بحيث يضاعف الثواب مرات ومرات. على أننا لابد أن نتنبه إلى قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتقوا﴾ قلنا معنى اتقوا أنهم جعلوا بينهم وبين صفات الجلال في الله وقاية. . ولذلك قلنا إن بعض الناس يتساءل. . كيف يقول الله ﵎: «اتقوا الله» . . ويقول ﷻ : «اتقوا النار» . . نقول إن معنى اتقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية: «واتقوا النار» . . أي اجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقاية. . لأن النار من متعلقات صفات الجلال. . لذلك فإن قوله: «اتقوا الله» . . تساوي: «اتقوا النار» . . والحق ﵎ حينما قال: «اتقوا» أطلقها عامة. . والحذف هنا المراد به التعميم. . والله يريد أن يلفتنا إلى أن السحرة لو آمنوا بأن تعلم السحر فتنة تؤدي إلى الكفر. . واتقوا الله وخافوا عذابه في الآخرة لكان ذلك خيراً لهم. . لذلك قال ﷻ : ﴿لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ الله خَيْرٌ﴾ . .
وساعة تسمع كلمة خير تأتي إلى الذهن كلمة شر. . لأن الخير يقابله الشر. . ولكن في بعض الأحيان كلمة خير لا يقابلها شر. ولكن يقابلها خير أقل. وكلمة
стр. 449
خير هي الوحيدة في اللغة العربية التي يساوي الإسم فيها أفعل التفضيل. . فأنت تقول هذا فاضل وهذا مفضول عليه. . كلمة خير إسم تفضيل فيقال ذلك خير من كذا. . أي واحد منهما يعطي أكثر من الآخر. . وكلمة خير إذا لم يأت مقابلها أي خير من كذا يكون مقابلها شر. . فإذا قلت فلان خير من فلان. . فكلاهما إشترك في الخير ولكن بدرجة مختلفة. . والخير هو ما يأتي لك بالنفع. . ولكن مقياس النفع يختلف باختلاف الناس. . واحد ينظر إلى النفع العاجل وآخر ينظر إلى النفع الآجل. . وفي ظاهر الأمر كل منهما أراد خيرا.
وإذا أردنا أن نقرب ذلك إلى الأذهان فلنقل إن هناك أخوين أحدهما يستيقظ مبكراً ليذهب إلى مدرسته والثاني ينام حتى الضحى، ويخرج من البيت ليجلس على المقهى. . الأول يحب الخير لنفسه والثاني يحب الخير لنفسه والخلاف في تقييم الخير. . الكسول يحب الخير العاجل فيعطي نفسه حظها من النوم والترفيه وعدم العمل. . والمجتهد يحب الخير الآجل لنفسه لذلك يتعب ويشقى سنوات الدراسة حتى يرتاح بعد ذلك ويحقق مستقبلا مرموقا.
الفلاح الذي يزرع ويذهب إلى حقله في الصباح الباكر ويروي ويبذر الحب ويشقى، يأتيه في آخر العام محصول وافر وخير كثير.
. والفلاح الذي يجلس على المقهى طول النهار أعطى نفسه خير الراحة، ولكن ساعة الحصاد يحصد الندم.
إذن كل الناس يحبون الخير ولكن نظرتهم ومقاييسهم تختلف. . فمنهم من يريد متعة اليوم، ومنهم من يعمل لأجل متعة الغد. . والله ﵎ حين يأمرنا بالخير. . قد يكون الخير متعبا للجسد والنفس. . ولكن النهاية متاع أبدي في جنة الخلد. إذن فالخير الحقيقي هو ما جاء به الشرع. . لماذا؟ لأن الخير هو ما ليس بعده بعد. . فأنت تولد ثم تكبر ثم تتخرج في الجامعة. . ثم تصبح في أعلى المناصب ثم تموت ثم تبعث ثم تدخل الجنة. . وبعدها لا شيء إلا الخلود في النعيم.
قوله تعالى: ﴿لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ . . الله ينفي عنهم العلم بينما في الآية السابقة أثبت لهم العلم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشتراه مَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ﴾ . . نقول إن العلم الذي لا يخضع حركة الإنسان له فكأنه لم يعلم شيئا. .
стр. 450
لأن هذا العلم سيكون حجة على صاحبه يوم القيامة وليته لم يعلمه. . واقرأ قول الشاعر:
رُزِقُوا وما رُزِقٌوا سَمَاحَ يد ... فكأنهم رُزِقُوا وما رُزِقُوا
خُلِقُوا وما خُلِقُوا لمكرُمَةٍ ... فكأنهم خُلِقُوا وما خُلِقُوا
فكأن العلم لم يثبت لك لأنك لم تنفع به. . والله يقول: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦]
(يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا. .) وهكذا نفى الله عن الناس العلم الحقيقي. . وأثبت لهم العلم الدنيوي الظاهر. . وقوله ﷻ : ﴿مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِ الله والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [الجمعة: ٥]
أي أنهم حملوا التوراة علما ولكنهم لم يحملوها منهجا وعملا. . وهؤلاء السحرة علموا أَنَّ مَنْ يمارس السحر يكفر. . ومع ذلك لم يعملوا بما علموا.
стр. 451
هذا نداء للمؤمنين. . لأن الآية الكريمة تبدأ: ﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ . . نعرف أن الإيمان هنا هو سبب التكليف. . فالله لا يكلف كافرا أو غير مؤمن. . ولا يأمر بتكليف إلا لمن آمنوا. . فمادام العبد قد آمن فقد أصبحت مسئولية حركته في الحياة عند ربه. . ولذلك يوحي إليه بمنهج الحياة. . أما الكافر فلا يكلفه الله بشيء.
إذن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ . . أمر لمن آمن بالله ورضى به إلها ومشرعا. . قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ . . نداء للمؤمنين وقوله: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا﴾ . . نهى. . وكأن راعنا كانت مقولة عندهم يريد الله أن ينهاهم عنها. . والإيمان يلزمهم أن يستمعوا إلى نهي الله.
ما معنى راعنا؟ نحن نقول في لغتنا الدارجة (راعينا) . . يعني احفظنا وراقبنا وخذ بيدنا وكلها مأخوذة من مادة الرعاية والراعي. ورسول الله ﷺ َ يقول:
«كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته»
وأصل المادة مأخوذة من راعي الغنم. . لأن راعي الغنم لابد أن يتجه بها إلى الأماكن التي فيها العشب والماء. . أي إلى أماكن الرعي. . وأن يكون حارسا عليها حتى لا تشرد واحد أو تضل فتفتك بها ذئاب الصحاري. . وأن يوفر لها الراحة حتى
стр. 452
لا تتعب وتنفق في الطريق. . ورسول الله ﷺ َ يقول: «كنتُ أرعى الغنم على قراريط لأهل مكة»
ولكن لماذا استبدل الحق كلمة راعنا بكلمة انظرنا؟ إن عند اليهود في العبرانية والسريانية كلمة راعنا ومعناها الرعونة. . ولذلك كانوا إذا سمعوا من صحابة رسول الله ﷺ َ كلمة راعنا. . اتخذوها وسيلة للسباب بالنسبة لرسول الله ﷺ َ. . والمسلمون لا يدرون شيئا. . لذلك أمر الله المؤمنين أن يتركوا هذه الكلمة. . حتى لا يجد اليهود وسيلة لستر سبابهم، وأمرهم بأن يقولوا: انظرنا.
ثم قال الحق : «واسمعوا» . . والله هنا يشير إلى الفرق بين اليهود والمؤمنين. . فاليهود قالوا سمعنا وعصينا، ولكن الله يقول للمؤمنين إسمعوا سماع طاعة وسماع تنفيذ.
سعد بن معاذ سمع واحدا من اليهود يقول لرسول الله ﷺ َ راعنا وسعد كان من أحبار اليهود ويعرف لغتهم فلما سمع ما قاله فهم مراده. فذهب إلى اليهودي وقال له لو سمعتها منك مرة أخرى لضربت عنقك. . وقال اليهودي أو لستم تقولونها لنبيكم؟ أهي حرام علينا وحلال لكم؟ فنزلت الآية الكريمة تقول: ﴿لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظرنا﴾ . . ولو تأملنا كلمة (راعنا) وكلمة (انظرنا) لوجدنا المعنى واحدا. . ولكن (انظرنا) تؤدي المعنى وليس لها نظير في لغة اليهود التي تعني الإساءة لرسول الله ﷺ َ. . وقوله تعالى: ﴿وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . . أي من يقولون راعنا إساءةً لرسول الله ﷺ َ لهم عذاب أليم.
стр. 453
ثم كشف الحق للمؤمنين العداوة التي يكنها لهم أهل الكتاب من اليهود والمشركين. . الذين كفروا لأنهم رفضوا الإيمان بمحمد ﵊ ُ. . فيلفتهم إلى أن اليهود والمشتركين يكرهون الخير للمؤمنين. . فتشككوا في كل أمر يأتي منهم، واعلموا أنهم لا يريدون لكم خيرا. . قوله تعالى: «ما يود» . . أي ما يحب، والود معناه ميل القلب إلى من يحبه. . والود يختلف عن المعروف. . أنت تصنع معروفا فيمن تحب ومن لا تحب. . ولكنك لا تود إلا من تحب. . لذلك قال الله ﵎: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانوا آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]
ثم بعد ذلك يأتي الحق ليقول عن الوالدين: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان: ١٥]
يقول بعض المستشرقين إن هناك تناقضا بين الآيتين. . كيف أن الله يقول: لا توادوا من يحارب الله ورسوله. . ثم يأتي ويقول إذا حاول أبواك أن
стр. 454
يجعلاك تشرك بالله فصاحبهما في الدنيا معروفا. . وطبعا الوالدان اللذان يحاولان دفع ابنهما إلى الكفر إنما يحاربان الله ورسوله. . كيف يتم هذا التناقض؟ .
نقول إنكم لم تفهموا المعنى. . إن الإنسان يصنع المعروف فيمن يحب ومن لا يحب كما قلنا. . فقد تجد إنسانا في ضيق وتعطيه مبلغا من المال كمعروف. . دون أن يكون بينك وبينه أي صلة. . أما الود فلا يكون إلا مع من تحب.
إذن: ﴿مَّا يَوَدُّ﴾ معناها حب القلب. . أي أن قلوب اليهود والنصارى والمشركين لا تحب لكم الخير. . إنهم يكرهون أن ينزل عليكم خير من ربكم. . بل هم في الحقيقة لا يريدون أن ينزل عليكم من ربكم أي شيء مما يسمى خيرا. . والخير هو وحي الله ومنهجه ونبوة رسول ﷺ َ.
وقوله تعالى: ﴿مِّنْ خَيْرٍ﴾ . . أي من أي شيء مما يسمى خير. . فأنت حين تذهب إلى إنسان وتطلب منه مالا يقول لك ما عندي من مال. . أي لا أملك مالا، ولكنه قد يملك جنيها أو جنيهين. . ولا يعتبر هذا مالا يمكن أن يوفي بما تريده. . وتذهب إلى رجل آخر بنفس الغرض تقول أريد مالا. . يقول لك ما عندي من مال. . أي ليس عندي ولا قرش واحد، ما عندي أي مبلغ مما يقال له مال حتى ولو كان عدة قروش. والله يريدنا أن نفهم أن أهل الكتاب والكفار والمشركين.
. مشتركون في كراهيتهم للمؤمنين. . حتى إنهم لا يريدون أن ينزل عليكم أي شيء من ربكم مما يطلق عليه خير.
وقوله تعالى: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ . . تدل على المصدر الذي يأتي منه الخير من الله. . فكأنهم لا يحبون أن ينزل على المؤمنين خير من الله. . وهو المنهج والرسالة. ثم يقول الحق ﵎: ﴿والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ . . أي أن الخير لا يخضع لرغبة الكافرين وأمانيهم. . والله ينزل الخير لمن يشاء. . والله قد قسم بين الناس أمور حياتهم الدنيوية. . فكيف يطلب الكافرون أن يخضع الله منهجه لإرادتهم؟ واقرأ قوله ﵎: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ
стр. 455
بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٢]
اعترض الكفار على نزول القرآن على محمد ﷺ َ وقالوا لو نزل على رجل من القريتين عظيم. . فيرد عليهم . . أنتم لا تقسمون رحمة الله ولكن الله يقسم بينكم حياتكم في الدنيا.
الحق ﵎ في الآية التي نحن بصددها يقول: ﴿والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ . . ساعة تقرأ كلمة يختص تفهم أن شيئا خصص لشيء دون غيره. . يعني أنني خصصت فلانا بهذا الشيء: ﴿والله يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ . . أي يعطي الرحمة لمن يشاء لكي يؤدي مهمته أو ينزل رحمته على من يشاء، فليس لهؤلاء الكفار أن يتحكموا في مشيئة الله، وحسدهم وكراهيتهم للمؤمنين لا يعطيهم حق التحكم في رحمة الله. . ولذلك أراد الله أن يرد عليهم بأن هذا الدين سينتشر ويزداد المؤمنون به. . وسيفتح الله به أقطارا ودولا. . وسيدخل الناس فيه أفواجا وسيظهره على الدين كله.
ولو تأملنا أسباب انتصار أي عدو على من يعاديه لوجدنا إنها إما أسباب ظاهرة واضحة وإما مكر وخداع. . بحيث يظهر العدو لعدوه أنه يحبه ويكيد له في الخفاء حتى يتمكن منه فيقتله. . ولقد هاجر رسول الله ﷺ َ إلى المدينة سرا. . لماذا؟ لأن الله أراد أن يقول لقريش لن تقدروا على رسول الله ﷺ َ ولو بالمكر والخداع والتبييت. . هم بيتوا الفتية ليقتلوه. . وجاءوا من كل قبيلة بفتى ليضيع دمه بين القبائل. . وخرج ﷺ َ ووضع التراب على رءوس الفتية. . الله أرادهم أن يعرفوا أنهم لن يقدروا على رسول الله ﷺ َ بالمكر والتبييت والخداع ولا بالعداء الظاهر.
قوله تعالى: ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ . . الفضل هو الأمر الزائد عن حاجتك الضرورية.
. ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ: «من كان معه فضل ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظهر له ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له»
стр. 456
وفضل مال أي مال زائد على حاجته. هذا عن الفضل بالنسبة للبشر. أما بالنسبة لله فإن كل ما في كون الله الآن وفي الآخرة هو فضل الله لأنه زائد على حاجته؛ فالله غير محتاج لخلقه ولا لكل نعمه التي سبقت والتي ستأتي. ولذلك قال: ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ . . أي ذو الفضل الهائل الزائد على حاجته؛ لأنه ربما يكون عندي فضل، ولكني أبقيه لأنني سأحتاج إليه مستقبلا. والفضل الحقيقي هو الذي من عند الله. لذلك فإن الله هو ذو الفضل العظيم؛ لأنه غير محتاج إلى كل خلقه أو كونه؛ لأن الله سبحانه كان قبل أن يوجد شيء، وسيكون بعد ألا يوجد شيء. وهذا ما يسمى بالفضل العظيم.
стр. 457
ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيرا للمؤمنين في دينهم؛ لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد ﷺ َ في زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد ﷺ َ. . وخير مما جاء به عيسى في زمن محمد ﷺ َ. وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون. . لكننا نؤكد أن الرسل السابقين جاءوا في أزمانهم بخير ما وُجد في هذه الأزمان. . فكل رسالة من الرسالات التي سبقت رسالة رسول الله ﷺ َ. . وجاءت لقوم محدّدين ولزمن محدّد ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين. . وزمن محدد. . واقرأ قول عيسى ﵇ حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]
فكأن عيسى ﵇ جاء لينسخ بعض أحكام التوراة. . ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم. . ورسول الله ﷺ َ وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله؛ لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم القيامة.
وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون من خير إلى خير. . وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا الخير. . وذلك فيما
стр. 458
يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج الحياة. . هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق. . سبحانه في ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله. . كل ذلك قدر الرسالات فيه مشترك. . ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة في العصر الذي سبق. . فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى. . فإنها لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما عدا الإسلام. . لأنه جاء دينا خاتما لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. . على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]
نقول إن هذا يأتي في شيء واحد. . يتعلق بالأمر الثابت في رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد.
. أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاما في هذه الحركة حسب ما طرأ عليها من توسعات. . ولذلك عندما جاء محمد ﷺ َ أعطى أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين.
يقول الله ﵎: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ . . كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلا منها. . كما يقال نسخت الشمس الظل. . أي أن الظل كان موجودا وجاءت الشمس فمحته وحلت هي مكانه. . ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب الشباب أي أصبح الشاب شيخا. .
وقوله تعالى «ننسها» لها معان متعددة. . قد يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها. . فتضيع من ذاكرته أو يتركها إلى غيرها. . والعلماء إختلفوا في
стр. 459
هذه المسألة. . وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظا وغيره يلحظ ملحظا آخر وكلاهما يريد الحق. .
نأتي للنسخ في القرآن الكريم. . قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبدا. . لماذا؟ لأن النسخ بداء على الله. . ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم. . وهذا محال بالنسبة لله . . نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله ﵎. . ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر. . ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولا فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد. . ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج. . وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم. . إن هذا غير صحيح.
لماذا؟ . . لأنه ساعة حكم الله أولا كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة. . ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد. .
وليس هذا كواقع البشر. . فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع. . لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء. . فجاء الواقع ليظهر ما خفى وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل. . ولكن الأمر مع الله ليس كذلك. . أمر الله جعل الحكم موقوتا ساعة جاء الحكم الأول.
مثلا حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس.
. أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا. . لم تكن هذه هي الصورة. . ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. .
стр. 460
وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة بعد فترة إلى الكعبة. . ولعل لذلك هدفا إيمانيا في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهدا إيمانيا إضافيا. . ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فالجهد نفسه الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله. . فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس إتجهنا. . فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا. . ولا قدسية لشيء في ذاته. . ولكن القدسية لأمر الله فيه.
والله ﵎ حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم. والله اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجدا له في الأرض. . واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها. . وكل مساجد الأرض هي بيوت الله باختيار خلق الله. . ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله باختيار الله هو الكعبة. . ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق الله. . أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله. . ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية.
فإذا قال الله الصلاة خمس مرات في اليوم. . فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ فلننقص منها. . دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج. . كلها تتم طاعة لله. . وهكذا تغيير القبلة تم اختباراً للطاعة الإيمانية لله. . فالله موجود في كل مكان. . فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟ وهل الله ليس موجوداً إلا في الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان. . ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة. . ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله ﵎ موجود في هذا المكان فقط.
. ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة.
ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات. . لماذا؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو تجد وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعبا أو محوطا بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن الله شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
следующие страницы →