Полный текст (14 757 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وفضل مال أي مال زائد على حاجته. هذا عن الفضل بالنسبة للبشر. أما بالنسبة لله فإن كل ما في كون الله الآن وفي الآخرة هو فضل الله لأنه زائد على حاجته؛ فالله غير محتاج لخلقه ولا لكل نعمه التي سبقت والتي ستأتي. ولذلك قال: ﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾ . . أي ذو الفضل الهائل الزائد على حاجته؛ لأنه ربما يكون عندي فضل، ولكني أبقيه لأنني سأحتاج إليه مستقبلا. والفضل الحقيقي هو الذي من عند الله. لذلك فإن الله هو ذو الفضل العظيم؛ لأنه غير محتاج إلى كل خلقه أو كونه؛ لأن الله سبحانه كان قبل أن يوجد شيء، وسيكون بعد ألا يوجد شيء. وهذا ما يسمى بالفضل العظيم.
стр. 457
ولكن ما هو السبب؟ السبب أن أهل الكتاب والمشركين لا يريدون خيرا للمؤمنين في دينهم؛ لأنهم أحسوا أن ما جاء به محمد ﷺ َ في زمنه خير مما جاء به موسى وبقى إلى زمن محمد ﷺ َ. . وخير مما جاء به عيسى في زمن محمد ﷺ َ. وليس معنى ذلك أننا نحاول أن ننقص ما جاء به الرسل السابقون. . لكننا نؤكد أن الرسل السابقين جاءوا في أزمانهم بخير ما وُجد في هذه الأزمان. . فكل رسالة من الرسالات التي سبقت رسالة رسول الله ﷺ َ. . وجاءت لقوم محدّدين ولزمن محدّد ثم جاء نبي جديد لينسخ ما في الرسالة السابقة لقوم محددين. . وزمن محدد. . واقرأ قول عيسى ﵇ حينما بعث إلى بني إسرائيل كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التوراة وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: ٥٠]
فكأن عيسى ﵇ جاء لينسخ بعض أحكام التوراة. . ويحل لبني إسرائيل بعض ما حرمه الله عليهم. . ورسول الله ﷺ َ وهو الرسول الخاتم أعطى الخير كله؛ لأنه دينه للعالمين وباق إلى يوم القيامة.
وهكذا نرى أن المؤمنين بالرسل كلما جاء رسول جديد كانوا ينتقلون من خير إلى خير. . وفيما تتفق فيه الرسالات كانوا ينتقلون إلى مثل هذا الخير. . وذلك فيما
стр. 458
يتعلق بالعقائد، وإلى زيادة في الخير فيما يتعلق بمنهج الحياة. . هناك في رسالات السماء كلها أمور مشتركة لا فرق فيها بين رسول ورسول وهي قضية الإيمان بإله واحد أحد له الكمال المطلق. . سبحانه في ذاته، وسبحانه في صفاته، وسبحانه في أفعاله. . كل ذلك قدر الرسالات فيه مشترك. . ولكن الحياة في تطورها توجد فيها قضايا لم تكن موجودة ولا مواجهة في العصر الذي سبق. . فإذا قلنا إن رسالة بقيمتها العقائدية تبقى. . فإنها لا تستطيع أن تواجه قضايا الحياة التي ستأتي بها العصور التي بعدها فيما عدا الإسلام. . لأنه جاء دينا خاتما لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة. . على أننا نجد من يقول وماذا عن قول الله : ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]
نقول إن هذا يأتي في شيء واحد. . يتعلق بالأمر الثابت في رسالات السماء وهو قضية قمة العقيدة والإيمان بالله الواحد.
. أما فيما يتعلق بقضايا الحياة فإننا نجد أحكاما في هذه الحركة حسب ما طرأ عليها من توسعات. . ولذلك عندما جاء محمد ﷺ َ أعطى أشياء يعالج بها قضايا لم تكن موجودة في عهد الرسل السابقين.
يقول الله ﵎: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ . . كلمة ننسخ معناها نزيل آية كانت موجودة ونأتي بآية أخرى بدلا منها. . كما يقال نسخت الشمس الظل. . أي أن الظل كان موجودا وجاءت الشمس فمحته وحلت هي مكانه. . ويقال نسخت الكتاب أي نقلته إلى صور متعددة، ونسخ الشيب الشباب أي أصبح الشاب شيخا. .
وقوله تعالى «ننسها» لها معان متعددة. . قد يعني ذلك أن الله يجعل الإنسان يسهو ويغفل عنها. . فتضيع من ذاكرته أو يتركها إلى غيرها. . والعلماء إختلفوا في
стр. 459
هذه المسألة. . وكان هذا الاختلاف لأن أحدهم يلحظ ملحظا وغيره يلحظ ملحظا آخر وكلاهما يريد الحق. .
نأتي للنسخ في القرآن الكريم. . قوم قالوا لا نسخ في القرآن أبدا. . لماذا؟ لأن النسخ بداء على الله. . ما معنى البداء؟ هو أن تأتي بحكم ثم يأتي التطبيق فيثبت قصور الحكم عن مواجهة القضية فيعدل الحكم. . وهذا محال بالنسبة لله . . نقول لهم طبعا هذا المعنى مرفوض ومحال أن يطلق على الله ﵎. . ولكننا نقول إن النسخ ليس بداء، وإنما هو إزالة الحكم والمجيء بحكم آخر. . ونقول لهم ساعة حكم الله الحكم أولا فهو سبحانه يعلم أن هذا الحكم له وقت محدود ينتهي فيه ثم يحل مكانه حكم جديد. . ولكن الظرف والمعاجلة يقتضيان أن يحدث ذلك بالتدريج. . وليس معنى ذلك أن الله سبحانه قد حكم بشيء ثم جاء واقع آخر أثبت أن الحكم قاصر فعدل الله عن الحكم. . إن هذا غير صحيح.
لماذا؟ . . لأنه ساعة حكم الله أولا كان يعلم أن الحكم له زمن أو يطبق لفترة. . ثم بعد ذلك ينسخ أو يبدل بحكم آخر. إذن فالمشرع الذي وضع هذا الحكم وضعه على أساس أنه سينتهي وسيحل محله حكم جديد. .
وليس هذا كواقع البشر. . فأحكام البشر وقوانينهم تعدل لأن واقع التطبيق يثبت قصور الحكم عن مواجهة قضايا الواقع. . لأنه ساعة وضع الناس الحكم علموا أشياء وخفيت عنهم أشياء. . فجاء الواقع ليظهر ما خفى وأصبح الحكم لابد أن ينسخ أو يعدل. . ولكن الأمر مع الله ليس كذلك. . أمر الله جعل الحكم موقوتا ساعة جاء الحكم الأول.
مثلا حين وجه الله المسلمين إلى بيت المقدس.
. أكانت القضية عند الله أن القبلة ستبقى إلى بيت المقدس طالما وجد الإسلام وإلى يوم القيامة؟ ثم بدا له أن يوجه المسلمين إلى الكعبة؟ لا. . لم تكن هذه هي الصورة. . ولكن كان في شرع الله أن يتوجه المسلمون أولا إلى بيت المقدس فترة ثم بعد ذلك يتوجهون إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
إذن فالواقع لم يضطر المشرع إلى أن يعدل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. .
стр. 460
وإنما كان في علمه وفي شرعه أنه سيغير القبلة بعد فترة إلى الكعبة. . ولعل لذلك هدفا إيمانيا في أن العلة في الأمور هي أنها من الله؛ فالاتجاه إلى بيت المقدس أو الاتجاه إلى الكعبة لا يكلف المؤمنين جهدا إيمانيا إضافيا. . ولا يضع عليهم تكاليف جديدة. فالجهد نفسه الذي أبذله للاتجاه إلى الشرق أبذله للاتجاه إلى الغرب. ولكن الاختبار الإيماني أن تكون علة الأمر أنه صادر من الله. . فإذا قال الله اتجه إلى بيت المقدس إتجهنا. . فإذا قال اتجه إلى الكعبة اتجهنا. . ولا قدسية لشيء في ذاته. . ولكن القدسية لأمر الله فيه.
والله ﵎ حين أمر الملائكة أن يسجدوا لآدم لم يسجدوا لذات آدم ولكنهم سجدوا لأمر الله بالسجود لآدم. والله اختار الكعبة المشرفة بيتا ومسجدا له في الأرض. . واتخذت الكعبة مقامها العالي عند المسلمين ليس لأنها بقعة في مكان ما جاءها إبراهيم والأنبياء وحج إليها الناس، ولكن مقامها جاء من أنها هي بيت الله باختيار الله لها. . وكل مساجد الأرض هي بيوت الله باختيار خلق الله. . ولكن المسجد الوحيد الذي هو بيت الله باختيار الله هو الكعبة. . ولذلك كان لا بد لكل المساجد التي هي باختيار خلق الله. . أن تتجه إلى المسجد الذي هو باختيار الله. . ولكن العلة الإيمانية الكبرى هي أن نؤمن أن صدور الأمر من الله هو الحيثية لاتباع هذا الأمر دون أن نبحث عن أسبابه الدنيوية.
فإذا قال الله الصلاة خمس مرات في اليوم. . فدون أن نبحث عن السبب أو نقول لماذا خمسة؟ فلننقص منها. . دون أن نفعل ذلك نصلي خمس مرات في اليوم والسبب أن الله قال، وهكذا الزكاة، وهكذا الصوم وهكذا الحج. . كلها تتم طاعة لله. . وهكذا تغيير القبلة تم اختباراً للطاعة الإيمانية لله. . فالله موجود في كل مكان. . فلا يأتي أحد ليقول لماذا الكعبة؟ وهل الله ليس موجوداً إلا في الكعبة؟ نقول لا إنه موجود في كل مكان. . ولكنه أمرنا أن نتجه إلى الكعبة. . ونحن لا نتجه إليها لأننا نعتقد أن الله ﵎ موجود في هذا المكان فقط.
. ولكن طاعة لأمر الله الذي أمرنا أن تكون قبلتنا إلى الكعبة.
ولعل تغيير القبلة يعطينا فلسفة نسخ الآيات. . لماذا؟ لأنه لم توجد أية ظروف أو تجد وقائع، أو تظهر أشياء كانت خفية تجعل الاتجاه إلى بيت المقدس صعبا أو محوطا بالمشاكل أو غير ذلك، ولكن تغيير القبلة جاء هنا لأن الله شاء أن يتوجه المسلمون إلى بيت المقدس فترة ثم يتوجهوا إلى الكعبة إلى يوم القيامة.
стр. 461
إذن فكل آية نسخت كان في علم الله أنها ستطبق لفترة معينة ثم بعد ذلك ستعدل. . وكان كل من الحكم الذي سينسخ، والوقت الذي سيستغرقه، والحكم الذي سيأتي بعده معلوما عند الله ﵎ ومقررا منذ الأزل وقبل بداية الكون. . وأيضا فإن الله أراد أن يلفتنا بالتوجه إلى بيت المقدس أولا. . لأن الإسلام دين يشمل كل الأديان، وأن بيت المقدس سيصبح من مقدسات الإسلام. . وأنه لا يمكن لأحد أن يدعي أن المسلمين لن يكون لهم شأن في بيت المقدس، لذلك أسرى الله برسوله ﷺ َ من مكة إلى بيت المقدس. . ليثبت أن لبيت المقدس قداسة في الإسلام وإنه من المقدسات عند الله. . ومن هنا كان التوجه إلى بيت المقدس كقبلة أولى، ثم نسخ الله القبلة إلى الكعبة. . فالحق ﷻ يقول: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ . . أي أن النسخ يكون إما أن يأتي الله بخير من هذه الآية أو يأتي بمثلها. . وهل الآية المنسوخة كان هناك خير منها ولم ينزله الله؟ نقول لا. . المعنى أن الآية المنسوخة كانت خيراً في زمانها. . والحكم الثاني كان زيادة في الخير بعد فترة من الزمن. . كلاهما خير في زمنه وفي أحكامه. . والله ﵎ أنزل الآية الكريمة: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]
ولكن من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته. . ذلك صعب على المسلمين. . ولذلك عندما نزلت الآية قالوا ليس منا من يستطيع أن يتقي الله حق تقاته. . فنزلت الآية الكريمة: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم واسمعوا وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْراً لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون﴾ [التغابن: ١٦]
الذي يتقي الله حق تقاته خير، أم الذي يتقي الله ما استطاع؟ طبعا حق تقاته خير من قدر الاستطاعة. . ولكن الله يقول: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ . .
стр. 462
نقول إنك لم تفهم عن الله. . ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ في الآية الأولى أو ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ في الآية الثانية. . أي الحالتين أحسن؟ نقول إن العبرة بالنتيجة.
. عندما تريد أن تقيم شيئا لابد أن تبحث عن نتيجته أولا.
ولنقرب المعنى للأذهان سنضرب مثلا ولله المثل الأعلى. . نفرض أن هناك تاجرا يبيع السلع بربح خمسين في المائة. . ثم جاء تاجر آخر يبيع نفس السلع بربح خمسة عشر في المائة. . ماذا يحدث؟ سيقبل الناس طبعا على ذلك الذي يبيع السلع بربح خمسة عشر في المائة ويشترون منه كل ما يريدون، والتاجر الذي يبيع السلع بربح خمسين في المائة يحقق ربحا أكبر. . ولكن الذي يبيع بربح خمسة عشر في المائة يحقق ربحا أقل ولكن بزيادة الكمية المبيعة. . يكون الربح في النهاية أكبر.
والذي يطبق الآية الكريمة: ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ يحقق خيرا أكبر في عمله. . ولكنه لا يستطيع أن يتقي الله حق تقاته إلا في أعماله محدودة جدا.
إذن الخير هنا أكبر ولكن العمل الذي تنطبق عليه الآية محدود.
أما قوله تعالى: ﴿فاتقوا الله مَا استطعتم﴾ فإنه قد حدد التقوى بقدر الاستطاعة. . ولذلك تكون الأعمال المقبولة كثيرة وإن كان الأجر عليها أقل.
عندما نأتي إلى النتيجة العامة. . أعمال أجرها أعلى ولكنها قليلة ومحدودة جدا. . وأعمال أجرها أقل ولكنها كثيرة. . أيهما فيه الخير؟ طبعا الأعمال الكثيرة ذات الأجر الأقل في مجموعها تفوق الأعمال القليلة ذات الأجر المرتفع.
إذن فقد نسخت هذه الآية بما هو خير منها. . رغم أن الظاهر لا يبدو كذلك، لأن اتقاء الله حق تقاته خير من اتقاء الله قدر الاستطاعة. . ولكن في المحصلة العامة الخير في الآية التي نصت على الاستطاعة. .
نأتي بعد ذلك إلى قوله تعالى: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ . . هنا توقف بعض العلماء: قد يكون مفهوما أن ينسخ الله آية بخير منها، ولكن ما هي الحكمة في أن ينسخها بمثلها؟ إذا كانت الآية التي نسخت مثل الآية التي جاءت. . فلماذا تم النسخ؟
стр. 463
نقول إننا إذا ضربنا مثلا لذلك فهو مثل تغيير القبلة. . أن الله ﵎ حين أمر المسلمين بالتوجه إلى الكعبة بدلا من بيت المقدس نسخ آية بمثلها. . لأن التوجه إلى الكعبة لا يكلف المؤمن أية مشقة أو زيادة في التكليف. . فالإنسان يتوجه ناحية اليمين أو إلى اليسار أو إلى الأمام أو إلى الخلف وهو نفس الجهد. . والله كما قلنا موجود. . وهنا تبرز الطاعة الإيمانية التي تحدثنا عنها وأن هناك أفعالا نقوم بها لأن الله قال. . وهذه تأتي في العبادات لأن العبادة هي طاعة عابد لأمر معبود. . والله ﵎ يريد أن نثبت العبودية له عن حب واختيار. . فإن قال افعلوا كذا فعلنا. . وإن قال لا تفعلوا لا نفعل.
. والعلة في هذا أننا نريد اختياراً أن نجعل مراداتنا في الكون خاضعة لمرادات الله . . إذن مثلها لم تأت بلا حكمة بل جاءت لحكمة عالية.
والحق يقول: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ ما معنى ننسها؟ قال بعض العلماء إن النسخ والنسيان شيء واحد. . ولكن ساعة قال الله الحكم الأول كان في إرادته ومشيئته وعلمه أن يأتي حكم آخر بعد مدة. . ساعة جاء الحكم الأول ترك الحكم الثاني في مشيئته قدرا من الزمن حتى يأتي موعد نزوله.
إذن فساعة يأتي الحكم الأول. . يكون الحكم مرجأ ولكنه في علم الله. ينتظر انقضاء وقت الحكم الأول: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ هي الآية المنسوخة أو التي سيتم عدم العمل بها: ﴿أَوْ نُنسِهَا﴾ . . أي لا يبلغها الله للرسول والمؤمنين عن طريق الوحي مع أنها موجودة في علمه سبحانه. . ويجب أن نتنبه إلى أن النسخ لا يحدث في شيئين:
الأول: أمور العقائد فلا تنسخ آية آية أخرى في أمر العقيدة. . فالعقائد ثابتة لا تتغير منذ عهد آدم حتى يوم القيامة. . فالله سبحانه واحد أحد لا تغيير ولا تبديل، والغيب قائم، والآخرة قادمة والملائكة يقومون بمهامهم. . وكل ما يتعلق بأمور العقيدة لا ينسخ أبدا. .
والثاني: الإخبار من الله عندما يعطينا الله ﵎ آية فيها خبر لا ينسخها بآية جديدة. . لأن الإخبار هو الإبلاغ بشيء واقع. . والحق إخباره لنا بما حدث لا ينسخ لأنه بلاغ صدق من الله. . فلا تروى لنا حادثة الفيل ثم تنسخ
стр. 464
بعد ذلك وتروى بتفاصيل أخرى لأنها أبلغت كما وقعت. . إذن لا نسخ في العقائد والإخبار عن الله. . ولكن النسخ يكون في التكليف. . مثل قول الحق ﵎: ﴿ياأيها النبي حَرِّضِ المؤمنين عَلَى القتال إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ يغلبوا أَلْفاً مِّنَ الذين كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥]
كأن المقياس ساعة نزول هذه الآية أن الواحد من المؤمنين يقابل عشرة من الكفار ويغلبهم. . ولكن كانت هذه عملية شاقة على المؤمنين. . ولذلك نسخها الله ليعطينا على قدر طاقتنا. . فنزلت الآية الكريمة: ﴿الآن خَفَّفَ الله عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُنْ مِّنكُمْ مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يغلبوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين﴾ [الأنفال: ٦٦]
والحق علم أن المؤمنين فيهم ضعف. . لذلك لن يستطيع الواحد منهم أن يقاتل عشرة ويغلبهم. . فنقلها إلى خير يسير يقدر عليه المؤمنون بحيث يغلب المؤمن الواحد اثنين من الكفار. . وهذا حكم لا يدخل في العقيدة ولا في الإخبار. . وفي أول نزول القرآن كانت المرأة إذا زنت وشهد عليها أربعة يمسكونها في البيت لا تخرج منه حتى تموت.
. واقرأ قوله تعالى: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٥]
стр. 465
وبعد أن شاع الإسلام وامتلأت النفوس بالإيمان. . نزل تشريع جديد هو الرجم أو الجلد. . ساعة نزل الحكم الأول بحبسهن كان الحكم الثاني في علم الله. . وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ . . وقوله سبحانه: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩]
وقوله تعالى حتى يأتي الله بأمره. . كأن هناك حكما أو أمرا في علم الله سيأتي ليعدل الحكم الموجود. . إذن الله حين أبلغنا بالحكم الأول أعطانا فكرة. . إن هذا الحكم ليس نهائيا وأن حكما جديدا سينزل. . بعد أن تتدرب النفوس على مراد الله من الحكم الأول. . ومن عظمة الله أن مشيئته اقتضت في الميراث أن يعطي الوالدين اللذين بلغا أرذل العمر فقال ﷻ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ١٨٠]
وهكذا جعلها في أول الأمر وصية ولم تكن ميراثا. . لماذا؟ لأن الإنسان إن مات فهو الحلقة الموصولة بأبيه. . أما أبناؤه فحلقة أخرى. . ولما استقرت الأحكام في النفوس وأقبلت على تنفيذ ما أمر به الله. . جعل سبحانه المسألة فرضا. . فيستوفى الحكم. ويقول ﷻ : ﴿يُوصِيكُمُ الله في أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصف وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السدس مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثلث فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ
стр. 466
آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ الله إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [النساء: ١١]
وهكذا بعد أن كان نصيب الوالدين في تركة الإبن وصية. . إن شاء أوصى بها وإن شاء لم يوصي أصبحت فرضا. . وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . . أي كل شيء يدخل في إرادة الله وقدرته سبحانه. . إذا قلنا إذا جاء الله بحكم لعصر فهذا هو قمة الخير. . لأنه إذا عُدل الحكم بعد أن أدى مهمته في عصره، فإن الحكم الجديد الذي يأتي هو قمة الخير أيضا. . لأن الله على كل شيء قدير، يواجه كل عصر بقمة الخير للموجودين فيه. . ولذلك فمن عظمة الله أنه لم يأت بالحكم خبرا من عنده ولكنه أشرك فيه المخاطب. . فلم يقل سبحانه «إن الله على كل شيء قدير» . . ولكنه قال: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . . لأنه واثق أن كل من يسمع سيقول نعم. . وهذا ما يعرف بالاستفهام الإنكاري أو التقريري.
стр. 467
وبعد أن بين الله لنا أن هناك آيات نسخت في القرآن. . أراد أن يوضح لنا أنه سبحانه له طلاقة القدرة في كونه يفعل ما يشاء. . ولذلك بدأ الآية الكريمة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ . . وهذا التعبير يسمى الاستفهام الاستنكاري أو التقريري. . لأن السامع لا يجد إلا جوابا واحدا بأنه يقر ما قاله الله ﵎. . ويقول نعم يا رب أنت الحق وقولك الحق.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ . . الملك يقتضي مالكا ويقتضي مملوكا. . ويقتضي قدرة على استمرار هذا الملك وعدم زواله. . فكأن الحق يريد أن يبين لنا أنه يقدر ويملك المقدرة. . والإنسان ليست له قدرة التملك ولا المقدرة على استبقاء ما يملكه. . والإنسان لا يملك الفعل في الكون. . إن أراد مثلا أن يبني عمارة قد لا يجد الأرض. . فإن وجد الأرض قد لا يجد العامل الذي يبني. . فإن وجده قد لا يجد مواد البناء. . فإن وجد هذا كله قد تأتي الحكومة أو الدولة وتمنع البناء على هذه الأرض. . أو أن تكون الأرض ملكا لإنسان آخر فتقام القضايا ولا يتم البناء.
والحق يقول: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ . . أي أن كل شيء في الوجود هو ملك لله وهو يتصرف بقدرته فيما يملك. . ولذلك عندما هاجر رسول الله ﷺ َ إلى المدينة. . كان اليهود يملكون المال ولهم معرفة ببعض العلم الدنيوي لذلك سادوا المدينة. . وبدأوا يمكرون برسول الله ﷺ َ والمسلمين. . والله ﵎ طمأن رسوله بأن طلاقة القدرة في الكون هي لله وحده. . وأنه إذا كان لهم ملك فإنه لا يدوم لأن الله ينزع الملك ممن
стр. 468
يشاء ويعطيه لمن يشاء. . ولذلك حينما يأتي يوم القيامة ويُهلك الله الأرض ومن عليها. . يقول سبحانه: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم﴾ [غافر: ١٦]
ويرد ﷻ بشهادة الذات للذات فيقول: ﴿لِلَّهِ الواحد القهار﴾ [غافر: ١٦]
ومادام الله هو المالك وحده. . فإنه يستطيع أن ينزع من اليهود وغيرهم ومن الدنيا كلها ما يملكونه. . ويحدثنا العلماء أن العسَسَ وهم الجنود الذين يسيرون ليلا لتفقد أحوال الناس وجدوا شخصا يسير ليلا. . فلما تقدموا منه جرى فجروا وراءه إلى أن وصل إلى مكان خرب ليستتر فيه. . تقدم العسس وأمسكوا به وإذا بهم يجدون جثة قتيل في المكان. . فقالوا له أنت القاتل لأنك جريت حين رأيتنا ولأنك موجود الآن في المكان الذي فيه جثة القتيل.
. فأخذوه ليحاكموه فقال لهم أمهلوني لأصلي ركعتين لله. . فأمهلوه فصلى ثم رفع يديه إلى السماء وقال اللهم إنك تعلم أنه لا شاهد على براءتي إلا أنت. . وأنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة فأسألك ذلك في نفسك. . فبينما هم كذلك إذا أقبل رجل فقال. . أنا قاتل هذا القتيل وأنا أقر بجريمتي. . فتعجب الناس وقالوا لماذا تقر بجريمتك ولم يرك أحد ولم يتهمك أحد. . فقال لهم والله ما أقررت إنما جاء هاتف فأجرى لساني بما قلت. . فلما أقر القاتل بما فعل وقام ولي المقتول وهو أبوه فقال. . اللهم إني أشهدك إني قد أعفيت قاتل ابني من دينه وقصاصه.
انظر إلى طلاقة قدرة الحق . . القاتل أراد أن يختفي ولكن أنظر إلى دقة السؤال من السائل أو المتهم البريء. . وقد صلى ركعتين لله. . لأن رسول الله ﷺ َ علمنا أنه إذا حزبنا أمر قمنا إلى الصلاة فليس أمامنا إلا هذا الباب. . وبعد أن صلى سأل الله أنت أمرتنا ألا نكتم الشهادة ولا يشهد ببراءتي أحد إلا أنت فأسألك ذلك في نفسك وبعد ذلك كان ما كان.
стр. 469
وهذه القصة تدلنا على أننا في قبضة الله. . أردنا أو لم نرد. . بأسباب أو بغير أسباب. . لماذا؟ . . لأن الله له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. . وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ . . الولي هو من يواليك ويحبك. . والنصير هو الذي عنده القدرة على أن ينصرك وقد يكون النصير غير الولي. . الحق ﵎ يقول أنا لكم وليٌّ ونصير أي محب وأنصركم على من يعاديكم.
стр. 470
ثم ينقل الحق ﷻ المسلمين بعد أن بين لهم أنه وليهم ونصيرهم. . ينقلهم إلى سلوك أهل الكتاب من اليهود مع رسلهم حتى يتفادوا مثل هذا السلوك فيقول ﷻ : ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . . الحق يقول للمؤمنين أم تريدون أن تسألوا رسول الله كما سأل اليهود موسى. . ولم يشأ الحق أن يشبه المسلمين باليهود فقال: ﴿كَمَا سُئِلَ موسى مِن قَبْلُ﴾ . . وكان من الممكن أن يقول أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سأل اليهود موسى. . ولكن الله لم يرد أن يشبه اليهود بالمؤمنين برسول الله ﷺ َ. . وهذا تكريم من الله للمؤمنين بأن ينزههم أن يتشبهوا باليهود. . وقد سأل اليهود موسى ﵇ وقالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الكتاب أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السمآء فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فقالوا أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات فَعَفَوْنَا عَن ذلك وَآتَيْنَا موسى سُلْطَاناً مُّبِيناً﴾ [النساء: ١٥٣]
وقد سأل أهل الكتاب والكفار رسول الله ﷺ َ كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠]
стр. 471
﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ ترقى فِي السمآء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٢ - ٩٣]
الله ﵎ يهيب بالمؤمنين أن يسألوا رسول الله ﷺ َ. . كما سأله أهل الكتاب والكفار ويقول لهم أن اليهود قد سألوا موسى أكبر من ذلك. . فبعد أن رأوا المعجزات وشق الله البحر لهم. . وعبروا البحر وهم يشاهدون المعجزة فلم تكن خافية عنهم. . بل كانت ظاهرة لهم واضحة. . دالة دلالة دامغة على وجود الله وعلى عظيم قدراته. . ورغم هذا فإن اليهود قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. . أي لم تكفهم هذه المعجزات. . وكأنما كانوا بماديتهم يريدون أن يروا في حياتهم الدنيوية من لا تدركه الأبصار. . وبمجرد أن عبروا البحر أرادوا أن يجعل لهم موسى صنما يعبدونه وعبدوا العجل رغم كل الآيات التي شاهدوها.
وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ . . قلنا إن الباء في قوله تعالى: «بالإيمان» تدخل دائما على المتروك. . كأن تقول اشتريت هذا بكذا درهم. . يعني تركت الدراهم وأخذت البضاعة. . ومعناها أن الكفر مأخوذ والإيمان متروك.
. فقد أخذ اليهود الكفر وتركوا الإيمان حين قالوا لموسى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ . . وقوله سبحانه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السبيل﴾ .
ما هو الضلال؟ . . هو أن تسلك سبيلا لا يؤدي بك إلى غايتك. . و «سواء السبيل» . . السواء هو الوسط. . و «سواء السبيل» . . هو وسط الطريق. . والله ﵎ يقول: ﴿فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥]
стр. 472
أي في وسط الجحيم. . أي أنه يكون بعيدا عن الحافتين بعداً متساوياً. . وسواء الطريق هو وسطه. . والسبيل أو الطريق كان قبل استخدام التكنولوجيا الحديثة تكون أطرافه وعرة من جنس الأرض قبل أن تمهد. . أي لا تصلح للسير. . ولذلك فإن السير في وسط الطريق يبعدك عن المتاعب والصعوبات. ويريد الله من المؤمنين به أن يسيروا في الطريق الممهد أو في وسط الطريق لأنه أكثر أمانا لهم. . فهم فيه لن يضلوا يمينا ولا يسارا بل يسيروا على منهج الله والإيمان. . وطريق الإيمان دائما ممهد لا يقودهم إل الكفر.
стр. 473
هذه الآية الكريمة تتناول أحداثا وقعت بعد غزوة أحد. . وفي غزوة أحد طلب رسول الله ﷺ َ. . من الرماة ألا يغادروا مواقعهم عند سفح الجبل سواء انتصر المسلمون أو انهزموا. . فلما بدأت بوادر النصر طمع الرماة في الغنائم. . فخالفوا أمر رسول الله ﷺ َ فهزمهم الله. . ولكن الكفار لم يحققوا نصرا لأن النصر هو أن تحتل أرضا وتبقى.
هؤلاء الكفار بعد المعركة انطلقوا عائدين إلى مكة. . حتى أن المسلمين عندما خرجوا للقائهم في اليوم التالي لم يجدوا أحداً. . يهود المدينة استغلوا هذا الحدث. . وعندما التقوا بحذيفة بن اليمان وطارق وغيرهما. . قالوا لهم إن كنتم مؤمنين حقا لماذا إنهزمتم فارجعوا إلى ديننا واتركوا دين محمد. . فقال لهم حذيفة ماذا يقول دينكم في نقض العهد؟ . . يقصد ما تقوله التوراة في نقض اليهود ولعهودهم مع الله ومع موسى. . ثم قال أنا لن انقض عهدي مع محمد ما حييت. . أما عمار فقال. . لقد آمنت بالله ربا وآمنت بمحمد رسولا وآمنت بالكتاب إماما وآمنت بالكعبة قبلة وآمنت بالمؤمنين إخوة وسأظل على هذا ما حييت.
وبلغ رسول الله ﷺ َ ما قاله حذيفة وطارق بن ياسر فسر بذلك ولكن اليهود كانوا يستغلون ما حدث في أحد ليهزموا العقيدة الإيمانية في قلوب المسلمين كما استغلوا تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليهزوا الإيمان في القلوب وقالوا إذا كانت القبلة تجاه بيت المقدس باطلة فلماذا اتجهتم إليها، وإذا كانت صحيحة فلماذا تركتموها، فنزل قول الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ﴾ .
стр. 474
انظر إلى دقة التعبير القرآني في قوله تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ . . فكأن بعضهم فقط هم الذين كانوا يحاولون رد المؤمنين عن دينهم. . ولكن كانت هناك قلة تفكر في الإيمان بمحمد ﵊ ُ. . ولو أن الله ﷻ حكم على كل أهل الكتاب لسد الطريق أمام هذه القلة أن يؤمنوا. . أي أن أهل الكتاب من اليهود يحبون أن يردوكم عن دينكم وهؤلاء هم الكثرة. . لأن الله تعالى قال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب﴾ .
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً﴾ . . كفارا بماذا؟ . . بما آمنتم به أو بما يطلبه منكم دينكم. . وهم لا يفعلون ذلك عن مبدأ أو عقيدة أو لصالحكم ولكن: ﴿حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ . . فدينهم يأمرهم بعكس ذلك. . يأمرهم أن يؤمنوا برسالة محمد ﷺ َ. . ولذلك فهم لا ينفذون ما تأمرهم به التوراة حينما يرفضون الإيمان بالإسلام.
. والذي يدعوهم إلى أن يحاولوا ردكم عن دينكم هو الحسد. . والحسد هو تمني زوال النعمة عمن تكره. . وقوله تعالى: ﴿حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ . . أي هذه المسألة من ذواتهم لأنهم يحسدون المسلمين على نعمة الإيمان. . ويتمنون زوال هذه النعمة. . التي جعلت من المسلمين إخوانا متحابين متكاتفين مترابطين. . بينما هم شيع وأحزاب. . وهناك حسد يكون من منطق الدين وهذا مباح. . ولذلك يقول رسول الله ﷺ َ:
«لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فَسُلِّط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس»
فكأن الحسد حرام في غير هاتين الحالتين. . فكأن هؤلاء اليهود يحسدون المسلمين على دينهم. . وهذا الحسد من عند أنفسهم لا تقره التوراة ولا كتبهم. . وقوله سبحانه: ﴿مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحق﴾ . . أي بعد ما تأكدوا من التوراة من شخصية رسول الله ﷺ َ وأنه النبي الخاتم.
وقوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ . . ما هو العفو وما هو الصفح؟ . . يقال عفت الريح الأثر أي مسحته وأزالته. . فالإنسان حين
стр. 475
يمشي على الرمال تترك قدمه أثرا فتأتي الريح وتعفو الأثر أي تزيله. . ولذلك فإن العفو أن تمحو من نفسك أثر أي إساءة وكأنه لم يحدث شيء. . والصفح يعني طي صفحات هذا الموضوع لا تجعله في بالك ولا تجعله يشغلك. . وقوله تعالى: ﴿حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ . . أن هذا الوضع بالنسبة لليهود وما يفعلونه في المؤمنين لن يستمر لأن الله سبحانه قد أعد لهم أمرا ولكن هذا الأمر لم يأت وقته ولا أوانه. . وعندما يأتي سيتغير كل شيء. . لذلك يقول الله للمؤمنين لن تظلوا هكذا. . بل يوم تأخذونهم فيه بجرائمهم ولن يكون هذا اليوم بعيدا. . عندما يقول الله سبحانه: ﴿حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ﴾ . . فلابد أن أمر الله آت. . لأن هذه قضية تتعلق بجوهر الإيمان كله. . فلا يقال أبدا حتى يأتي الله بأمره ثم لا يجيء هذا الأمر. . بل أمر الله بلا شك نافذ وسينصركم عليهم. . وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . . أن الله له طلاقة القدرة في ملكه. . ولذلك إذا قال أنه سيأتي بأمر فسيتحقق هذا الأمر حتما وسيتم. . ولا توجد قدرة في هذا الكون إلا قدرة الله سبحانه. . ولا قوة إلا قوته ﷻ . . ولا فعل إلا ما أراد.
стр. 476
بعد أن بين الله أن أقصى أماني أهل الكتاب أن يردونا كفارا، وأن هذا حسدا منهم. أراد الله ﵎ أن يبين لنا ما الذي يكرهه أهل الكتاب. . وقال إن الذي يتعبهم ميزان العدل والحق الذي نتبعه. . منهج الله . . ولذلك يأمر الله المؤمنين أن يثبتوا ويتمسكوا بالإيمان، وأن يقبلوا على التكليف فهذا أحسن رد عليهم. . والتكاليف التي جاء بها الإسلام منها تكليفات لا تتطلب إلا وقتاً من الزمن وقليلا من الفعل كشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا.
إن شهادة لا إله إلا الله تقال مرة في العمر. . والزكاة والصوم مرة كل عام. . والحج للمستطيع مرة في العمر. . ولكن هناك من العبادات ما يتكرر كل يوم ليعطي المؤمن شحنة اليقين والإيمان ويأخذه من دنياه بالله أكبر خمس مرات في اليوم. . وهذه هي العبادة التي لا تسقط أبدا. . والإنسان سليم والإنسان مريض. . فالمؤمن يستطيع أن يصلي واقفا وأن يصلي جالسا وأن يصلي راقدا. . وأن يجري مراسم الصلاة على قلبه. . لذلك كانت هذه أول عبادة تذكر في قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ أي والتفتوا إلى نداءات ربكم للصلاة. . وعندما يرتفع صوت المؤذن بقوله الله أكبر فهذه دعوة للإقبال على الله. . إقبال في ساعة معلومة لتقفوا أمامه وتكونوا في حضرته يعطيكم الله المدد. . ولذلك كان رسول الله ﷺ َ «إذا حزبه أمر صلى»
ومعنى حزبه أمر. . أي ضاقت به أسبابه فلم يجد مخرجا ولا طريقا إلا أن يلجأ
стр. 477
إلى الله. . إذا حدث هذا يتوضأ الإنسان ويصلي ركعتين غير الفريضة. . ثم يدعو ما يشاء فيفرج الله كربه. . إذن: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ هي الرد المناسب على كل محاولاتهم ليسلبوكم دينكم. . ذلك أن هذا التكليف المقرر لإعلان الولاء الإيماني لله كل يوم خمس مرات. . نترك كل ما في الدنيا ونتجه إلى الله بالصلاة. . إنها عماد الدين وأساسه.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ الزكاة﴾ . . إيتاء الزكاة لا يحدث إلا إذا كان لديهم ما هو زائد عن حاجتك. . فكأن الله يريدنا أن نضرب في الأرض لنكسب حاجتنا وحاجة من نعول ونزيد. . وبذلك يخرج المسلمون من سيطرة اليهود الإقتصادية التي يستذلون بها المسلمين.
فالمؤمن حين يأتي الزكاة معناه أن حركته اتسعت لتشمل حاجته وحاجة غيره. . ولذلك حتى الفقير يجد في الزائد في أموال المسلمين ما يكفي حاجته.
. فلا يذهب إلى اليهودي ليقترض بالربا. . ولذلك فالله يريد أن يتكامل المسلمون. . بحيث تكفي أموالهم غنيهم وفقيرهم والقادر على العمل منهم وغير القادر. والله ﵎ يزيد أموال المسلمين بأكثر مما يخرج منها من زكاة. . ولذلك قال رسول الله ﷺ َ:
«ما نقصت صدقة من مال وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما تواضع أحد لله إلا رفعه»
وقد سميت «الزكاة» لأنها في ظاهرها نقص وفي حقيقتها زيادة. . والربا ظاهره زيادة وحقيقته نقص. . وفي ذلك يقول الله ﷻ : ﴿يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات﴾ [البقرة: ٢٧٦]
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله﴾ . . إذن لابد أن يطمئن المؤمن لأن حركة حياته هي ثواب وأجر عند الله ﵎. . فإذا
стр. 478
صلى فله أجر وإذا زكى فله أجر، وإذا تصدق فله أجر، وإذا صام فله أجر، وإذا حج فله أجر، كل ما يفعله من منهج الله له أجر، وليس أجرا بقدر العمل، بل أضعاف العمل. . وإقرأ قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]
وهكذا نعرف أن كل حركة في منهج الله ليس فقط لها أجر عند الله . . ولكنه أجر مضاعف أضعافا مضاعفة. . وهو أجر ليس بقدرات البشر ولكنه بقدرة الله سبحانه. . ولذلك فهو ليس مضاعفا فقط في عدد المرات ولكنه مضاعف في القدرة أيضا. . فكأن كل إنسان مؤمن لا أجر له في الآخرة. . وإذا أُعطى في الدنيا يُعطي عطاء المثل. . ولكن المؤمن وحده له عطاء الآخرة أضعافا مضاعفة. . وهو عطاء ليس زائلا كعطاء الدنيا ولكنه باق وخالد.
والخير الذي تفعله لن تدخره عندك أو عند من قد ينكره. . ويقول لا شيء لك عندي ولكن الله سيدخره لك. . فانظر إلى الإطمئنان والعمل في يد الله الأمينة، وفي مشيئته التي لا يغفل عنها شيء، وفي قدرته التي تضاعف أضعافا مضاعفة. . وتجده في الوقت الذي تكون في أحوج اللحظات إليه وهو وقت الحساب.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . . أي لا تعتقد أن هناك شيئا يخفى على الله، أو أن أحدا يستطيع أن يخدع الله؛ فالله بصير بكل شيء. . ليس بالظاهر منك فقط. . ولكن بما تخفيه في نفسك ولا تطلع عليه أحدا من خلق الله، إنه يعلم كل شيء واقرأ قوله : ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ [إبراهيم: ٣٨]
وهكذا نطمئن إلى أن الله بصير بكل شيء، وانظر إلى قوله ﷻ : «تعملون» لتفهم أهمية العمل.
стр. 479
بعد أن بين الحق ﵎ كيف أن كل عمل في منهج الله له أجر، وأجر باق وثابت ومضاعف عند الله ومحفوظ بقدرة الله سبحانه. . أراد أن يرد على ادعاءات اليهود والنصارى الذين يحاولون أن يثيروا اليأس في قلوب المؤمنين بالكذب والإحباط علهم ينصرفون عن الإسلام. . لذلك فقد أبلغنا الله سبحانه بما افتروه.
واقرأ قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ . . وفي هذه الآية الكريمة يظهر التناقض بين أقوال اليهود والنصارى. . ولقد أوردنا كيف أن اليهود قد قالوا ﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً﴾ . . وقالت النصارى: «لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا» . . والله يفضح التناقض في آية ستأتي في قوله ﵎: ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]
ومعنى ذلك أنهم تناقضوا في أقوالهم، فقالت النصارى: إنهم سيدخلون الجنة وحدهم، وقالت اليهود القول نفسه. ثم قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا أو نصرانيا. . ثم قالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء.
ويقول الناس إذا كنت كذوبا فكن ذكورا؛ ذلك أن الذي يكذب تتناقض أقواله لأنه ينسى مادام قد قال غير الحقيقة، ولذلك تجد أن المحقق أو القاضي يظل يسأل
стр. 480
المتهم أسئلة مختلفة. . حتى تتناقض أقواله فيعرف أنه يكذب. . فأنت إذا رويت الواقعة كما حدثت فإنك ترويها مائة مرة دون أي خلاف في التفاصيل. ولكنك إذا كذبت تتناقض مع نفسك. . والله يقول: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ . . ما هي الأماني؟ . . هي أن تعلق نفسك بأمنية وليس لهذه الأمنية سند من الواقع يوصلك إلى تحقيق هذه الأمنية. . ولكن إذا كان التمني قائما على عمل يوصلك إلى تحقيق الأمنية فهذا شيء آخر.
بعض الناس يقول التمني وإن لم يتحقق فإنه يروح عن النفس. . فقد ترتاح النفس عندما تتعلق بأمل كاذب وتعيش أياما في نوع من السعادة وإن كانت سعادة وهمية. . نقول إن الصدمة التي ستلحق بالإنسان بعد ذلك ستدمره. . ولذلك لا يكون في الكذب أبدا راحة. . فأحلام اليقظة لا تتحقق لأنها لا تقوم على أرضية من الواقع وهي لا تعطي الإنسان إلا نوعا من بعد عن الحقيقة. . ولذلك يقول الشاعر:
مُنَى إِنْ تَكُنْ حقاً تَكُنْ أَحْسَنَ الْمنَى ... وَإِلاّ فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَناً رَغْدَا
يعني الأماني لو كانت حقيقة أو تستند إلى الحقيقة فإنها أحسن الأماني لأنها تعيش معك. . فإن لم تكن حقيقة يقول الشاعر:
فقد عشنا بها زمنا رغدا ... أماني من ليلى حسان كأنما
سقتنا بها ليلى على ظمأ بردا ...
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ تبين لنا أن الأماني هي مطامع الحمقى لأنها لا تتحقق. . والحق سبحانه يقول: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ . . وما هو البرهان؟ . . البرهان هو الدليل. . ولا تطلب البرهان إلا من إنسان وقعت معه في جدال واختلفت وجهات النظر بينك وبينه. . ولا تطلب البرهان إلا إذا كنت متأكداً أن محدثك كاذب. . وأنه لن يجد الدليل على ما يدعيه.
هب أن شخصا ادعى أن عليك مالا له. . وطلب منك أن تعيده إليه وأنت لم تأخذ منه مالا. . في هذه الحالة تطلب منه تقديم الدليل. . (فالكمبيالة) التي
стр. 481
كتبتها له أو الشيك أو إيصال الأمانة. . وأضعف الإيمان أن تطلب منه شهودا على أنك أخذت منه المال. . ولكن قبل أن تطالبه بالدليل. . يجب أن تكون واثقا من نفسك وأنه فعلا يكذب وأنك لم تأخذ منه شيئا.
إذن فقوله الحق سبحانه: ﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ . . كلام من الله يؤكد أنهم كاذبون. . وأنهم لو أرادوا أن يأتوا بالدليل. . فلن يجدوا في كتب الله ولا في كلام رسله ما يؤكد ما يدعونه، وإن أضافوه يكن هذا افتراء على الله ويكن هناك الدليل الدامغ على أن هذا ليس من كلام الله ولكنه من افتراءاتهم.
إذن فليس هناك برهان على ما يقولونه. . ولو كان هناك برهان ولو كان في هذا الكلام ولو جزءا من الحقيقة. . ما كان الله يطالبهم بالدليل.
إذن لا تقول هاتوا برهانكم إلا إذا كنت واثقا أنه لا برهان على ما يقولون؛ لأنك رددت الأمر إليه فيما يدعيه. . وهو يحب أن يثبته ويفعل كل شيء في سبيل الحصول على برهان. . ولا يمكن أن يقول الله: ﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ . . إلا وهو سبحانه يعلم أنهم يكذبون. . ولذلك قال: ﴿إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ . . أي إن كنتم واثقين من أن ما تقولونه صحيح؛ لأن الله يعرف يقينا أنكم تكذبون.
стр. 482
بعد أن بين لنا الله ﵎ كذب اليهود وطالبهم بالدليل على ما قالوه من أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود والنصارى جاء بحقيقة القضية ليخبرنا ﷻ من الذي سيدخل الجنة. . فقال: «بلى» . . وعندما تقرأ: «بلى» اعلم أنها حرف جواب ولابد أن يسبقها كلام ونفي. . فساعة يقول لك إنسان ليس لي عليك دين. . إذا قلت له نعم فقد صدقت أنه ليس عليه دين. . ولكن إذا قلت بلى فذلك يعني أن عليه دينا وأنه كاذب فيما قاله. . إذن بلى تأتي جوابا لتثبيت نفي ما تقدم.
هم قالوا ﴿لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ . . عندما يقول الله لهم بلى فمعنى ذلك أن هذا الكلام غير صحيح. . وأنه سيدخلها غير هؤلاء. . وليس معنى أنه سيدخلها غير اليهود والنصارى. . أن كل يهودي وكل نصراني سيدخل الجنة. . لأن الله قد حكم حينما جاء الإسلام بأن الذي لا يسلم لا يدخل الجنة. . واقرأ قوله ﷻ : ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين﴾ [آل عمران: ٨٥]
لماذا لم يقل الله . . أنه لن يدخلها اليهود ولا النصارى. . لأن القرآن أزلي. . ما معنى أزلي؟ . . أي أنه يعالج القضايا منذ بداية الخلق وحتى يوم القيامة. . فالقرآن كلام الله ﵎. . فلو أنه قال لن يدخل الجنة إلا من آمن بمحمد ﷺ َ لكان في هذا تجاوزٌ. . لأن هناك من آمن بموسى وقت رسالته وعاصره واتبعه وحسن دينه ومات قبل أن يدرك محمدا ﵊ ُ. .
стр. 483
فهل هذا لا يدخل الجنة ويجازى بحسن عمله. . وهناك من النصارى من آمن بعيسى وقت حياته. . وعاصره ونفذ تعاليمه ومنهجه ثم مات قبل أن يُبْعَثَ محمدٌ ﵊ ُ. . أهذا لن يدخل الجنة؟ . . لا. . يدخل وتكون منزلته حسب عمله ويجازى بأحسن الجزاء. . ولكن بعد أن بعث محمد ﷺ َ وجاء الإسلام ونزل القرآن، فكل من لم يؤمن برسول الله ﷺ َ لن يدخل الجنة. . بل ولن يراها. . ولذلك جاء كلام الله دقيقا لم يظلم أحدا من خلقه.
إذن فقوله تعالى: ﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ . . أي لا يدخل الجنة إلا من أسلم وجهه لله وهو محسن. . فقد يسلم واحد وجهه لله ويكون منافقا يظهر غير ما يبطن. . نقول إن المنافقين لم يكونوا محسنين ولكنهم كانوا مسيئين.
. لأن لهم شخصيتين شخصية مؤمنة أمام الناس وشخصية كافرة في الحقيقة أو في قلوبهم.
قوله تعالى: ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾ تدلنا على أن كل شيء أسلم لله لأن الوجه هو أشرف شيء في الإنسان. . فيه التمييز وفيه السمة وفيه التشخص وهو أعلى ما في الجسم. . وحينما عرفوا الإنسان قالوا حيوان ناطق أي حيوان مفكر. . وقال بعضهم حيوان مستوي القامة يعني قامته مرفوعة. . والقامة المرفوعة على بقية الجسم هي الوجه. . والإنسان مرفوع على بقية أجناس الأرض. . إذن هو مرفوع على بقية الأجناس ووجهه مرفوع عليه. . فإذا أسلم وجهه لله يكون قد أسلم أشرف شيء فيه لله. . ولذلك قيل. . أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد. . لماذا؟ . . لأنه جاء بالوجه الذي رفعه الله به وكرمه. . وجعله مساويا لقدميه ليستوي أكمل شيء فيه بأدنى شيء. . فلم يبقى عنده شيء يختال به على الله.
الحق يقول: ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ . . كلمة ﴿أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ . . دلت على أن الله لم يجعلنا مقهورين. . ولكنه كلفنا وجعلنا مختارين أن نفعل أو لا نفعل. . فإن فعلنا فلنا أجر. . ولأن التكليف من الله فالمنطقي أن يكون الأجر عند الله. . وألا يوجد خوف أو حزن. . لأن الخوف يكون من شيء سيقع. . والحزن يأتي على شيء قد وقع. . ولا هذه ولا تلك تحدث عندما يكون أجرنا عند الله.
стр. 484
إن الإنسان حين يكون له حق عند مساويه. . فربما يخاف أن ينكر المساوي هذا الحق أو يطمع فيه، أو يحتاج إليه فيدعي عدم أحقيته فيه، ولكن الله غني عن العالمين. . ولذلك فهو لا يطمع فيما في أيدينا من خير لأنه من عنده. . ولا يطمع فيما معنا من مال لأن عنده خزائن السموات والأرض.
الله سبحانه لا ينكر حقا من حقوقنا لأنه يعطينا من فضله ويزيدنا. . ولذلك فإن ما عند الله لا خوف عليه بل هو يضاعَف ويزداد. . وما عند الله لا حزن عليه. . لأن الإنسان يحزن إذا فاته خير. . ولكن ما عند الله باق لا يفوتك ولا تفوته. . فلا يوجد شيء عند الله تحزن عليه لأنه فات. . ولذلك كان قول الحق : ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . . أدق ما يمكن أن يقال عن حالة المؤمنين في الآخرة. . أنهم يكونون فرحين بما عند الله لا خوف عندهم ولا حزن.
стр. 485
نقول إن أصدق ما قاله اليهود والنصارى. . هو أن كل طائفة منهم اتهمت الأخرى بأنها ليست على شيء. . فقال اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء. . والعجيب إن الطائفتين أهل كتاب. . اليهود أهل كتاب والنصارى أهل كتاب. . ومع ذلك كل منهما يتهم الآخر بأنه لا إيمان له وبذلك تساوى مع المشركين.
الذين يقولون إن أهل الكتاب ليسوا على شيء. . أي أن المشركين يقولون اليهود ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . واليهود يقولون المشركون ليسوا على شيء والنصارى ليسوا على شيء. . ثم يقول الحق : ﴿كَذَلِكَ قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ . . وبذلك أصبح لدينا ثلاث طوائف يواجهون الدعوة الإسلامية. . طائفة لا تؤمن بمنهج سماوي ولا برسالة إلهية وهؤلاء هم المشركون. . وطائفتان لهم إيمان ورسل وكتب هم اليهود والنصارى. . ولذلك قال الحق : ﴿كَذَلِكَ قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ . . أي الذين لا يعلمون دينا ولا يعلمون إلها ولا يعلمون أي شيء عن منهج السماء. . اتحدوا في القول مع اليهود والنصارى وأصبح قولهم واحدا.
وكان المفروض أن يتميز أهل الكتاب الذين لهم صلة بالسماء وكتب نزلت من الله ورسل جاءتهم للهداية. . كان من المفروض أن يتميزوا على المشركين. . ولكن تساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. . وهذا معنى قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ . . ومادامت الطوائف الثلاث قالوا على بعضهم نفس القول. . يكون حجم الخلاف بينهم كبيرا وليس صغيرا. . لأن كل واحد منهم يتهم الآخر أنه لا دين له.
стр. 486
هذا الخلاف الكبير من الذي يحكم فيه؟ لا يحكم فيه إلا الله. . فهو الذي يعلم كل شيء. . وهو سبحانه القادر على أن يفصل بينهم بالحق. . ومتى يكون موعد هذا الفصل أو الحكم؟ أهو في الدنيا؟ لا. . فالدنيا دار اختبار وليست دار حساب ولا محاسبة ولا فصل في قضايا الإيمان. . ولذلك فإن الحكم بينهم يتم يوم القيامة وعلى مشهد من خلق الله جميعا.
والحق يقول: ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ . . ومعنى الحكم هنا ليس هو بيان المخطئ من المصيب فالطوائف الثلاث مخطئة. . والطوائف الثلاث في إنكارها للإسلام قد خرجت عن إطار الإيمان. . ويأتي الحكم يوم القيامة ليبين ذلك ويواجه المخالفين بالعذاب.
стр. 487
فالحق ﷻ بعد أن بين لنا موقف اليهود والنصارى والمشركين من بعضهم البعض ومن الإسلام، وكيف أن هذه الطوائف الثلاث تواجه الإسلام بعداء ويواجه بعضها البعض باتهامات. . فكل طائفة منها تتهم الأخرى أنها على باطل. . أراد أن يحذرهم ﵎ من الحرب ضد الإسلام ومحاربة هذا الدين فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ . . مساجد الله هي الأماكن التي يتم فيها السجود لله. . والسجود علامة الخضوع وعلامة العبودية كما بينا. . لأنك تضع أشرف شيء فيك وهو وجهك على الأرض خضوعا لله وخشوعا له.
قبل الإسلام كان لا يمكن أن يصلي أتباع أي دين إلا في مكان خاص بدينهم. . مكان مخصص لا تجوز الصلاة إلا فيه. . ثم جاء الله بالإسلام فجعل الأرض كلها مسجدا وجعلها طهورا. . ومعنى أن تكون الأرض كلها مسجداً هو توسيع على عباد الله في مكان التقائهم بربهم وفي أماكن عبادتهم له حتى يمكن أن تلتقي بالله في أي مكان وفي أي زمان. . لأنه لا يحدد لك مكانا معينا لا تصح الصلاة إلا فيه. . وأنت إذا أردت أن تصلي ركعتين لله بخلاف الفرض. . مثل صلاة الشكر أو صلاة الاستخارة أو صلاة الخوف. . أو أي صلاة من السنن التي علمها لنا رسول الله ﷺ َ. . فإنك تستطيع أن تؤديها في أي وقت. . فكأنك تلتقي بالله سبحانه أين ومتى تحب.
ومادام الله ﵎ أنعم على رسوله ﷺ َ وعلى أمته بأن جعل لهم الأرض مسجدا طهورا فإنما يريد أن يوسع دائرة التقاء العباد بربهم. .
стр. 488
ورسول الله ﷺ َ يقول:
«أُعطيتُ خمسا لم يُعْطَهُن أحد من الأنبياء قبلي. نُصرْتُ بالرعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأُحِلَّتْ لِيَ الغنائمُ ولم تحل لأحد قبلي وأُعْطِيتُ الشفاعةَ وكان النبي يُبْعَثُ إلى قومه خاصة وَبُعِثْتُ إلى الناسِ عامة»
ولكن لماذا خص الله أمة محمد بهذه النعمة؟ لأن الإسلام جاء على موعد مع ارتقاءات العقل وطموحات الدنيا. . كلما ارتقى العقل في علوم الدنيا كشف قوانين وتغلب على عقبات. . وجاء بمبتكرات ومخترعات تفتن عقول الناس. . وتجذبهم بعيدا عن الدين فيعبدون الأسباب بدلا من خالق الأسباب.
يريد الحق ﵎ أن يجعل عبادتهم له ميسرة دائما حتى يعصمهم من هذه الفتنة. . وهو ﷻ يريدنا حين نرى التليفزيون مثلا ينقل الأحداث من أقصى الأرض إلى أقصاها ومن القمر إلى الأرض في نفس لحظة حدوثها.
. أن نسجد لله على نعمه التي كشف لنا عنها في أي مكان نكون فيه. . فخصائص الغلاف الجوي موجودة في الكون منذ خلق الله السموات والأرض. . لم يضعها أحد من خلق الله في كون الله هذه الأيام. . ولكنها خلقت مع خلق الكون. . وشاء الله ألا ندرك وجودها ونستخدمها إلا هذه الأيام. . فلابد أن نسجد لله شكرا على نعمه التي كشفت لنا أسرارا في الكون لم نكن نعرفها. . وهذه الأسرار تبين لنا دقة الخلق وتقربنا إلى قضايا الغيب.
فإذا قيل لنا أن يوم القيامة سيقف خلق الله جميعا وهم يشاهدون الحساب. . وإن كل واحد منهم سيرى الحساب لحظة حدوثه. . لا نتعجب ونقول هذا مستحيل. . لأن أحداث العالم الهامة نراها الآن كلها لحظة حدوثها ونحن في منتهى الراحة. . ونحن جالسون في منازلنا أمام التليفزيون. . أي أننا نراها جميعا في وقت واحد دون جهد. . فإذا كانت هذه هي قدرات البشر للبشر. . فكيف بقدرات خالق البشر للبشر؟ .
стр. 489
عندما نرى أسرار قوانين الله في كونه. . لابد أن نسجد لعظمة الخالق ، الذي وضع كل هذا العلم والإعجاز في الكون. . وهذا السجود يقتضي أن تكون الأرض كلها مساجد حتى يمكنك وأنت في مكانك أن تسجد لله شكرا. . ولا تضطر للذهاب إلى مكان آخر قد يكون بعيدا أو الطريق إليه شاقا فينسيك هذا شكر الله والسجود له. . فالله شاء أن يوسع على المؤمنين برسول الله ﷺ َ دائرة الالتقاء بربهم؛ لأن هناك أشياء ستأتي الرسالة المحمدية في موعد كشفها لخلق الله. . وكلما انكشف سر من أسرار الوجود إغتر الإنسان بنفسه. . ومادام الغرور قد دخل إلى النفس البشرية. . فلابد أن يجعل الله في الكون ما يعدل هذا الغرور.
لقد كانت الأمور عكس ذلك قبل بعثة محمد ﷺ َ. . كانت الأمور فطرية فإذا امتنعت الأمطار ونضبت العيون والآبار. . لم يكن أمامهم إلا أن يتوجهوا إلى السماء بصلاة الاستسقاء. . وكذلك في كل أمر يصعب عليهم مواجهته. . ولكن الآن بعد أن كشف الله لخلقه عن بعض أسراره في كونه. . أصبحت هناك أكثر من وسيلة يواجه بها الإنسان عددا من أزمات الكون. . هذه الوسائل قد جعلت البشر يعتقدون أنهم قادرون على حل مشكلاتهم. . بعيدا عن الله وبجهودهم الخاصة. . فبدأ الاعتماد على الخلق بدلا من الإعتماد على الحق. . ولذلك نزل قول الحق : ﴿الله نُورُ السماوات والأرض مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِي زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾
[النور: ٣٥ - ٣٦]
стр. 490
ما هي هذه البيوت التي يرى فيها الناس نور الله ﵎؟ هي المساجد. . فَعُمَّارُ المساجد وزوارها الدائمون على الصلاة فيها هم الذين يرون نور الله. . فإذا أتى قوم يجترئون عليها ويمنعون أن يذكر اسم الله فيها. . فمعنى ذلك أن المؤمنين القائمين على هذه المساجد ضعفاء الإيمان ضعفاء الدين تجرأ عليهم أعداؤهم. . لأنهم لو كانوا أقوياء ما كان يجرؤ عدوهم على أن يمنع ذكر اسم الله في مساجد الله. . أو أن يسعى إلى خرابها فتهدم ولا تقام فيها صلاة الجمعة. . ولكن ساعة يوجد من يخرب بيتا من بيوت الله. . يهب الناس لمنعه والضرب على يده يكون الإيمان قويا. . فإن تركوه فقد هان المؤمنون على عدوهم. . لماذا؟ لأن الكافر الذي يريد أن يطفئ مكان إشعاع نور الله لخلقه. . يعيش في حركة الشر في الوجود التي تقوى وتشتد كلما استطاع غير المؤمنين أن يمنعوا ذكر اسم الله في بيته وأن يخربوه.
وقول الحق : ﴿أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ . . أي أن هؤلاء الكفار ما كان يصح لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين أن يفتك بهم المؤمنون من أصحاب المسجد والمصلين فيه. . فإذا كانوا قد دخلوا غير خائفين. . فمعنى ذلك أن وازع الإيمان في نفوس المؤمنين قد ضعف.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ . . معناه أنه لا يوجد أحد أظلم من ذلك الذي يمنع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. . أي أن هذا هو الظلم العظيم. . ظلم القمة. . وقوله تعالى: ﴿وسعى فِي خَرَابِهَآ﴾ . . أي في إزالتها أو بقائها غير صالحة لأداء العبادة. . والسعي في خراب المسجد هو هدمه.
ويختم الحق سبحانه الآية الكريمة بقولة: ﴿لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ . . أي لن يتركهم الله في الدنيا ولا في الآخرة. . بل يصيبهم في الدنيا خزي. . والخزي هو الشيء القبيح الذي تكره أن يراك عليه الناس. . قوله تعالى: ﴿لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ . . هذا مظهر غيرة الله على بيوته. . وانظر إلى ما أذاقهم الله في الدنيا بالنسبة ليهود المدينة الذين كانوا يسعون في خراب مساجد الله. . لقد أخذت أموالهم وطردوا من ديارهم. . هذا حدث. . وهذا معنى قوله تعالى الخزي في الدنيا. . أما في الآخرة فإن أعداء الله سيحاسبون
стр. 491
حسابا عسيرا لتطاولهم على مساجد الله سبحانه، ولكن في الوقت نفسه فإن المؤمنين الذين سكتوا على هذا وتخاذلوا عن نصرة دين الله والدفاع عن بيوت الله. . سيكون لهم أيضا عذاب أليم.
إنني أحذر كل مؤمن أن يتخاذل أو يضعف أمام أولئك الذين يحاولون أن يمنعوا ذكر الله في مساجده. . لأنه في هذه الحالة يكون مرتكبا لذنبهم نفسه وربما أكثر. . ولا يتركه الله يوم القيامة بل يسوقه إلى النار.
стр. 492
بعد أن بين الله جزاء الذين يخربون مساجد الله ويهدمونها. . ويمنعون أن يذكر فيها اسمه والعذاب الذي ينتظرهم في الآخرة أراد أن يذكرنا بأن تنفيذ هذا على مستوى تام وكامل عملية مستحيلة لأن الأرض كلها مساجد. . وتخريبها معناه أن تخرب الأرض كلها. . لأن الله ﵎ موجود في كل مكان فأينما كنتم فستجدون الله مقبلا عليكم بالتجليات.
وقوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ . . أي هناك وجه الله. . وقوله تعالى: ﴿الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . . أي لا تضيقوا بمكان التقاءاتكم بربكم؛ لأن الله واسع موجود في كل مكان في هذا الكون وفي كل مكان خارج هذا الكون. . ولكن إذا قال الله : ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ لا يعني تحديد جهة الشرق أو جهة الغرب فقط. . ولكنه يتعداها إلى كل الجهات شرقها وغربها. . شمالها وجنوبها والشمال الشرقي والجنوب الغربي وكل جهة تفكر فيها.
ولكن لماذا ذكرت الآية الشرق والغرب فقط؟ لأن بعد ذلك كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها. . فهناك شمال شرقي وجنوب شرقي وشمال غربي وجنوب غربي. . كما إن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند الناس. . فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس ولا إلى أين تغرب. فأنت كل يوم ترى شروقا وترى غروبا.
الله حين يقول: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ فليس معناها حصر الملكية لهاتين الجهتين ولكنه ما يعرف بالاختصاص بالتقديم. . كما تقول بالقلم
стр. 493
كتبت وبالسيارة أتيت. . أي أن الكتابة هي خصوص القلم والإتيان خصوص السيارة. . وهذا ما يعرف بالاختصاص. . فهذا مختص بكذا وليس لغيره شيء فيه. . ولذلك فإن معنى: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ . . أن الملكية لله لا يشاركه فيها أحد. . وتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليس معناه أن الله ﵎ في بيت المقدس والاتجاه بعد ذلك إلى الكعبة ليس معناه أن الله ﷻ في الكعبة.
إن توحيد القبلة ليس معناه أكثر من أن يكون للمسلمين اتجاه واحد في الصلاة. . وذلك دليل على وحدة الهدف. . فيجب أن تفرق بين اتجاه في الصلاة واتجاه في غير الصلاة. . اتجاه في الصلاة نكون جميعا متجهين إلى مكان محدد إختاره الله لنا لنتجه إليه في الصلاة. . والناس تصلي في جميع أنحاء العالم متجهة إلى الكعبة. . الكعبة مكانها واحد لا يتغير. . ولكن اتجاهنا إليها من بقاع الأرض هو الذي يتغير. . فواحد يتجه شمالا وواحد يتجه جنوبا وواحد يتجه شرقا وواحد يتجه غربا. . كل منا يتجه اتجاها مختلفا حسب البقعة التي يوجد عليها من الأرض.
. ولكننا جميعا نتجه إلى الكعبة رغم اختلاف وجهاتنا إلا أننا نلتقي في اتجاهنا إلى مكان واحد.
الله ﷻ يريدنا أن نعرف أننا إذا قلنا: «وللهِ المشرقُ» فلا نظن أن المشرق إتجاه واحد بل إن المشرق يختلف باختلاف المكان. . فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب. . فإذا أشرقت الشمس في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر. . تشرق عندي وتغرب عند غيري. . وبعد دقيقة تشرق عند قوم وتغرب عند آخرين. . فإذا نظرت إلى الشرق وإلى الغرب بالنسبة لشروق الشمس الظاهري وغروبها. . تجد أن المشرق والمغرب لا ينتهيان من على سطح الأرض. . في كل دقيقة شروق وغروب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . . أي يتسع لكل ملكه لا يشغله شيء عن شيء. . ولذلك عندما سئل الإمام علي كرم الله وجهه. . كيف يحاسب الله الناس جميعا في وقت واحد؟ قال كما يرزقهم جميعا في وقت واحد. .
إذن فالله لا يشغله شيء عن شيء. . ولا يحتاج في عمله إلى شيء. . إنما عمله «كن فيكون» .
стр. 494
بعد أن بين الله أن له كل شيء في الكون لا يشغله شيء عن شيء. . أراد أن يرد على الذين حاولوا أن يجعلوا لله معينا في ملكه. . الذين قالوا اتخذ الله ولداً. . الله ﵎ رد عليهم أنه لماذا يتخذ ولدا وله ما في السموات والأرض كل له قانتون. . وجاء الرد مركزا في ثلاث نقاط. . قوله تعالى: «سبحانه» أي تنزه وتعالى أن يكون له ولد. . وقوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ . . فإذا كان هذا ملكه وإذا كان الكون كله من خلقه وخاضعا له فما حاجته للولد؟
وقوله سبحانه: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ . . أي كل من في السموات والأرض عابدون لله ﷻ مقرون بألوهيته.
قضية إن لله ولداً جاءت في القرآن الكريم تسع عشرة مرة ومعها الرد عليها. . ولأنها قضية في قمة العقيدة فقد تكررت وتكرر الرد عليها مرة بعد أخرى. . وإذا نظرت للذين قالوا ذلك تجد أن هناك أقوالا متعددة. . هناك قول قاله المشركون. . واقرأ القرآن الكريم: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى البنات على البنين﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٣]
стр. 495
وقول اليهود كما يروي لنا القرآن: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]
وقول النصارى: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]
ثم في قصة خلق عيسى ﵇ من مريم بدون رجل. . الله يقول: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]
والله يريدنا أن نعرف أن هذا إدعاء خطير مستقبح مستنكر وممقوت. . لقد عالجت سورة مريم المسألة علاجا واسعا. . علاجا اشترك فيه انفعال كل أجناس الكون غير الإنسان. . انفعال السموات والأرض والجبال وغيرها من خلق الله التي تلعن كل من قال ذلك. . بل وتكاد شعورا منها بفداحة الجريمة أن تنفطر السماء أي تسقط قطعا صغيرة. . وتنشق الأرض أي تتمزق. . وتخر الجبال أي تسقط كتراب. . كل هذا من هول ما قيل ومن كذب ما قيل. . لأن هذا الادعاء افتراء على الله. ولقد جاءت كل هذه الآيات في سورة مريم التي أعطتنا معجزة خلق عيسى. . كما وردت القضية في عدة سور أخرى.
следующие страницы →