Полный текст (14 757 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
حسابا عسيرا لتطاولهم على مساجد الله سبحانه، ولكن في الوقت نفسه فإن المؤمنين الذين سكتوا على هذا وتخاذلوا عن نصرة دين الله والدفاع عن بيوت الله. . سيكون لهم أيضا عذاب أليم.
إنني أحذر كل مؤمن أن يتخاذل أو يضعف أمام أولئك الذين يحاولون أن يمنعوا ذكر الله في مساجده. . لأنه في هذه الحالة يكون مرتكبا لذنبهم نفسه وربما أكثر. . ولا يتركه الله يوم القيامة بل يسوقه إلى النار.
стр. 492
بعد أن بين الله جزاء الذين يخربون مساجد الله ويهدمونها. . ويمنعون أن يذكر فيها اسمه والعذاب الذي ينتظرهم في الآخرة أراد أن يذكرنا بأن تنفيذ هذا على مستوى تام وكامل عملية مستحيلة لأن الأرض كلها مساجد. . وتخريبها معناه أن تخرب الأرض كلها. . لأن الله ﵎ موجود في كل مكان فأينما كنتم فستجدون الله مقبلا عليكم بالتجليات.
وقوله تعالى: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ . . أي هناك وجه الله. . وقوله تعالى: ﴿الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . . أي لا تضيقوا بمكان التقاءاتكم بربكم؛ لأن الله واسع موجود في كل مكان في هذا الكون وفي كل مكان خارج هذا الكون. . ولكن إذا قال الله : ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ لا يعني تحديد جهة الشرق أو جهة الغرب فقط. . ولكنه يتعداها إلى كل الجهات شرقها وغربها. . شمالها وجنوبها والشمال الشرقي والجنوب الغربي وكل جهة تفكر فيها.
ولكن لماذا ذكرت الآية الشرق والغرب فقط؟ لأن بعد ذلك كل الجهات تحدد بشروق الشمس وغروبها. . فهناك شمال شرقي وجنوب شرقي وشمال غربي وجنوب غربي. . كما إن الشرق والغرب معروف بالفطرة عند الناس. . فلا أحد يجهل من أين تشرق الشمس ولا إلى أين تغرب. فأنت كل يوم ترى شروقا وترى غروبا.
الله حين يقول: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ فليس معناها حصر الملكية لهاتين الجهتين ولكنه ما يعرف بالاختصاص بالتقديم. . كما تقول بالقلم
стр. 493
كتبت وبالسيارة أتيت. . أي أن الكتابة هي خصوص القلم والإتيان خصوص السيارة. . وهذا ما يعرف بالاختصاص. . فهذا مختص بكذا وليس لغيره شيء فيه. . ولذلك فإن معنى: ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ . . أن الملكية لله لا يشاركه فيها أحد. . وتغيير القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ليس معناه أن الله ﵎ في بيت المقدس والاتجاه بعد ذلك إلى الكعبة ليس معناه أن الله ﷻ في الكعبة.
إن توحيد القبلة ليس معناه أكثر من أن يكون للمسلمين اتجاه واحد في الصلاة. . وذلك دليل على وحدة الهدف. . فيجب أن تفرق بين اتجاه في الصلاة واتجاه في غير الصلاة. . اتجاه في الصلاة نكون جميعا متجهين إلى مكان محدد إختاره الله لنا لنتجه إليه في الصلاة. . والناس تصلي في جميع أنحاء العالم متجهة إلى الكعبة. . الكعبة مكانها واحد لا يتغير. . ولكن اتجاهنا إليها من بقاع الأرض هو الذي يتغير. . فواحد يتجه شمالا وواحد يتجه جنوبا وواحد يتجه شرقا وواحد يتجه غربا. . كل منا يتجه اتجاها مختلفا حسب البقعة التي يوجد عليها من الأرض.
. ولكننا جميعا نتجه إلى الكعبة رغم اختلاف وجهاتنا إلا أننا نلتقي في اتجاهنا إلى مكان واحد.
الله ﷻ يريدنا أن نعرف أننا إذا قلنا: «وللهِ المشرقُ» فلا نظن أن المشرق إتجاه واحد بل إن المشرق يختلف باختلاف المكان. . فكل مكان في الأرض له مشرق وله مغرب. . فإذا أشرقت الشمس في مكان فإنها في نفس الوقت تغرب في مكان آخر. . تشرق عندي وتغرب عند غيري. . وبعد دقيقة تشرق عند قوم وتغرب عند آخرين. . فإذا نظرت إلى الشرق وإلى الغرب بالنسبة لشروق الشمس الظاهري وغروبها. . تجد أن المشرق والمغرب لا ينتهيان من على سطح الأرض. . في كل دقيقة شروق وغروب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ . . أي يتسع لكل ملكه لا يشغله شيء عن شيء. . ولذلك عندما سئل الإمام علي كرم الله وجهه. . كيف يحاسب الله الناس جميعا في وقت واحد؟ قال كما يرزقهم جميعا في وقت واحد. .
إذن فالله لا يشغله شيء عن شيء. . ولا يحتاج في عمله إلى شيء. . إنما عمله «كن فيكون» .
стр. 494
بعد أن بين الله أن له كل شيء في الكون لا يشغله شيء عن شيء. . أراد أن يرد على الذين حاولوا أن يجعلوا لله معينا في ملكه. . الذين قالوا اتخذ الله ولداً. . الله ﵎ رد عليهم أنه لماذا يتخذ ولدا وله ما في السموات والأرض كل له قانتون. . وجاء الرد مركزا في ثلاث نقاط. . قوله تعالى: «سبحانه» أي تنزه وتعالى أن يكون له ولد. . وقوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ . . فإذا كان هذا ملكه وإذا كان الكون كله من خلقه وخاضعا له فما حاجته للولد؟
وقوله سبحانه: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ . . أي كل من في السموات والأرض عابدون لله ﷻ مقرون بألوهيته.
قضية إن لله ولداً جاءت في القرآن الكريم تسع عشرة مرة ومعها الرد عليها. . ولأنها قضية في قمة العقيدة فقد تكررت وتكرر الرد عليها مرة بعد أخرى. . وإذا نظرت للذين قالوا ذلك تجد أن هناك أقوالا متعددة. . هناك قول قاله المشركون. . واقرأ القرآن الكريم: ﴿أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ أَصْطَفَى البنات على البنين﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٣]
стр. 495
وقول اليهود كما يروي لنا القرآن: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]
وقول النصارى: ﴿وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله﴾ [التوبة: ٣٠]
ثم في قصة خلق عيسى ﵇ من مريم بدون رجل. . الله يقول: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣]
والله يريدنا أن نعرف أن هذا إدعاء خطير مستقبح مستنكر وممقوت. . لقد عالجت سورة مريم المسألة علاجا واسعا. . علاجا اشترك فيه انفعال كل أجناس الكون غير الإنسان. . انفعال السموات والأرض والجبال وغيرها من خلق الله التي تلعن كل من قال ذلك. . بل وتكاد شعورا منها بفداحة الجريمة أن تنفطر السماء أي تسقط قطعا صغيرة. . وتنشق الأرض أي تتمزق. . وتخر الجبال أي تسقط كتراب. . كل هذا من هول ما قيل ومن كذب ما قيل. . لأن هذا الادعاء افتراء على الله. ولقد جاءت كل هذه الآيات في سورة مريم التي أعطتنا معجزة خلق عيسى. . كما وردت القضية في عدة سور أخرى.
стр. 496
والسؤال هنا ما هي الشبهة التي جعلتهم يقولون ولد الله؟ ما الذي جعلهم يلجأون إلى هذا الافتراء؟ القرآن يقول عن عيسى بن مريم.
. كلمة الله ألقاها إلى مريم. . نقول لهم كلنا كلمة «كن» .
لماذا فتنتم في عيسى ابن مريم هذه الفتنة؟ والله يشرح المسألة فيقول: ﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]
قوله كمثل آدم لمجرد مجاراة الخصم. . ولكن المعجزة في آدم أقوى منها في عيسى ﵇. . أنتم فتنتم في عيسى لأن عنصر الأبوة ممتنع. . وآدم امتنع فيه عنصر الأبوة والأمومة. . إذن فالمعجزة أقوى. . وكان الأولى أن تفتنوا بآدم بدل أن تفتنوا بعيسى. . ومن العجيب أنكم لم تذكروا الفتنة في آدم وذكرتم الفتنة فيما فيه عنصر غائب من عنصرين غائبين في آدم. . وكان من الواجب أن تنسبوا هذه القضية إلى آدم ولكنكم لم تفعلوا.
ورسول الله ﷺ َ. . قال له الله إن القضية ليست قضية إنكار ولكنها قضية كاذبة. . واقرأ قوله ﵎: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ [الزخرف: ٨١]
أي لن يضير الله أن يكون له ولد. . ولكنه ﷻ لم يتخذ ولدا. . فلا يمكن أن يعبد الناس شيئا لم يكن لله. . وإنما ابتدعوه واختلقوه. .
الله ﷻ يقول: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ . . قوله تعالى: ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ تعطي الله الملكية لكل ما في الكون. . والملكية تنافي الولدية. . لماذا؟ لأن الملكية معناها أن كل ما في الكون من خلق الله. . كل شيء هو خالقه بدون معارض. .
стр. 497
ومادام هو خالقه وموجده. . فلا يمكن أن يكون هذا الشيء جزءا منه. . لأن الذي يخلق شيئا يكون فاعلا. . والفاعل له مفعول. . والمفعول لا يكون منه أبدا. . هل رأيت واحدا صنع صنعة منه؟ الذي يصنع سيارة مثلا. . هل صنعها من لحمه أو من لحم البشر؟ وكذلك الطائرة والكرسي والساعة والتليفزيون. . هل هذه المصنوعات من جنس الذي صنعها؟ طبعا لا.
إذن مادام ملكية. . فلا يقال إنها من نفس جنس صانعها. . ولا يقال إن الفاعل أوجد من جنسه. . لأن الفاعل لا يوجد من جنسه أبدا. . كل فاعل يوجد شيئا أقل منه. . فقول الله: «سبحانه» . . أي تنزيه له ﵎. . لماذا؟ لأن الولد يتخذ لاستبقاء حياة والده التي لا يضمنها له واقع الكون. . فهو يحمل اسمه بعد أن يموت ويرث أملاكه. . إذن هو من أجل بقاء نوعه. . والذي يريد بقاء النوع لا يكفيه أن يكون له ولد واحد.
لو فرضنا جدلا إن له ولداً واحداً فالمفروض أن هذا الولد يكون له. . ولكننا لم نر أولادا لمن زعموا أنه ابن الله. . وعندما وقبلما يوجد الولد ماذا كان الله يفعل وهو بدون ولد؟ وماذا استجد على الله وعلى كونه بعد أن اتخذ ولدا كما يزعمون. . لم يتغير شيء في الوجود. . إذن إن وجود ولد بالنسبة للإله لم يعطه مظهرا من مظاهر القوة. . لأن الكون قبل أن يوجد الولد المزعوم وبعده لم يتغير فيه شيء.
إذن فما سبب اتخاذ الولد؟ معونة؟ الله لا تضعف قوته. . ضمان للحياة؟ الله حياته أزليه. . هو الذي خلق الحياة وهو الذي يهبها وهو حي لا يموت. . فما هي حاجته لأي ضمان للحياة؟ الحق تنفعل له الأشياء. . أي أنه قادر على إبراز الشيء بمقتضى حكمه. . وهو ﷻ له كمال الصفات أزلا. . وبكمال صفاته خلق هذا الكون وأوجده. . لذلك فهو ليس في حاجة إلى أحد من خلقه. . لأنه ساعة خلق كانت له كل صفات القدرة على الخلق. . بل قبل أن يخلق كانت له كل صفات الخالق وبهذه الصفات خلق. . والله كان خالقا قبل أن يخلق أحدا من خلقه. . وكان رزاقا قبل أن يوجد من يرزقه. . وكان قهارا قبل أن يوجد من يقهره. . وكان توابا قبل أن يوجد من يتوب عليه. . وبهذه الصفات أوجد وخلق ورزق وقهر وتاب على خلقه.
стр. 498
إذن كل هذا الكون لم يضف صفة من صفات الكمال إلى الله. . بل إن الله بكمال صفاته هو الذي أوجد. ولذلك يقول الله في حديث قدسي: «يا عبادي لَوْ أَنَّ أولَكُم وَآخِرَكُم وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا في صعيدٍ واحدٍ، فسألوني، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إنسان مَسْألته ما نقص ذلك مِنْ ملكي شيئا إلا كما يَنْقُصُ المخِيطُ إذا غُمس في البحر. .»
ثم إذا كان لله زوجة وولد. . فمن الذي وجد أولا؟ . . إذا كان الله قد وجد أولا. . ثم بعد ذلك أوجد الزوجة والولد فهو خالق وهما مخلوقان. . وإن كان كل منهم قد أوجد نفسه فهم ثلاثة آلهة وليسوا إلها واحدا. . إذن فالولد إما أن يكون مخلوقا أو يكون إلها. . والكمال الأول لله لم يزده الولد شيئا. . ومن هنا يصبح وجوده لا قيمة له. . وحين يعرض الحق ﵎ هذه القضية يعرضها عرضا واسعا في كثير من سور القرآن الكريم وأولها سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ [مريم: ٨٨]
إنه سبحانه منزه عن التماثل مع خلقه. . لا بالذات ولا بالصفات ولا بالأفعال. . كل شيء تراه في الوجود. . الله منزه عنه. . وكل شيء يخطر على بالك فالله غير ذلك. . قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ . . فتلك قضية تناقض اتخاذ الولد لأن كل ما في السموات والأرض خاضع لله. .
قوله تعالى؛ ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ . . أي خاضعون، وهذا يؤكد لنا أن كون الله في قبضة الله خاضع مستجيب اختيارا أو قهرا لأمر الله.
стр. 499
بعد أن بين الله ﵎. . أن قولهم اتخذ الله ولدا هو افتراء على الله. . أراد الحق أن يلفتنا إلى بعض من قدراته. . فقال ﷻ : ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ . . أي خلق السموات والأرض وكل ما فيها من خلق على غير مثال سابق. . أي لم يكن هناك سماء أو أرض أو ملائكة أو جن أو إنسان. . ثم جاء الله وأوجد متشابها لهم في شكل أو حجم أو قدرة. . أي أنه سبحانه لم يلجأ إلى ما نسميه نحن بالقالب.
إن الذي يصنع كوب الماء يصنع أولا قالبا يصب فيه خام الزجاج المنصهر. . فتخرج في النهاية أكواب متشابهة. . وكل صناعة لغير الله تتم على أساس صنع القالب أولا ثم بعد ذلك يبدأ الإنتاج. . ولذلك فإن التكلفة الحقيقية هي في إعداد القالب الجيد الذي يعطينا صورة لما نريد. . والذي يخبز رغيفا مثلا قد لا يستخدم قالبا ولكنه يقلد شيئا سبق. . فشكل الرغيف وخامته سبق أن تم وهو يقوم بتقليدهما في كل مرة. . ولكنه لا يستطيع أن يعطي التماثل في الميزان أو الشكل أو الاستدارة. . بل هناك اختلاف في التقليد ولا يوجد كمال في الصناعة.
وحين خلق الله ﷻ الخلق من آدم إلى أن تقوم الساعة. . جعل الخلق متشابهين في كل شيء. . في تكوين الجسم وفي شكله في الرأس والقدمين واليدين والعينين. . وغير ذلك من أعضاء الجسم. . تماثلا دقيقا في الشكل وفي الوظائف. . بحيث يؤدي كل عضو مهمته في الحياة. . ولكن هذا التماثل لم يتم على قالب وإنما تم بكلمة كن. . ورغم التشابه في الخلق فكل منا مختلف عن الآخر اختلافا يجعلك قادرا على تمييزه بالعلم والعين. . فبالعلم كل منا له بصمة أصبع وبصمة صوت يمكن
стр. 500
أن يميزها خبراء التسجيل. . وبصمة رائحة قد لا نميزها نحن ولكن تميزها الكلاب المدربة. . فتشم الشيء ثم تسرع فتدلنا على صاحبه ولو كان بين ألف من البشر. . وبصمة شفرة تجعل الجسد يعرف بعضه بعضا. . فإن جئت بخلية من جسد آخر لفظها. وإن جئت بخلية من الجسد نفسه اتحد معها وعالج جراحها.
وإذا كان هذا بعض ما وصل إليه العلم. . فإن هناك الكثير مما قد نصل إليه ليؤكد لنا أنه رغم تشابه بلايين الأشخاص. . فإن لكل واحد ما يميزه وحده ولا يتكرر مع خلق الله كلهم. . وهذا هو الإعجاز في الخلق ودليل على طلاقة قدرة الله في كونه.
والله يعطينا المعنى العام في القرآن الكريم بأن هذا من آياته وأنه لم يحدث مصادفة ولم يأت بطريق غير مخطط بل هو معد بقدرة الله سبحانه.
. فيقول ﷻ : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الروم: ٢٢]
هذا الاختلاف يمثل لنا طلاقة قدرة الله سبحانه في الخلق على غير مثال. . فكل مخلوق يختلف عمن قبله وعمن بعده وعمن حوله. . مع أنهم في الشكل العام متماثلون. . ولو أنك جمعت الناس كلهم منذ عهد آدم إلى يوم القيامة تجدهم في صورة واحدة. . وكل واحد منهم مختلف عن الآخر. . فلا يوجد بشران من خلق الله كل منهما طبق الأصل من الآخر. . هذه دقة الصنع وهذا ما نفهمه من قوله تعالى: «بديع» . . والدقة تعطي الحكمة. . والإبراز في صور متعددة يعطي القدرة. . ولذلك بعد أن نموت وتتبعثر عناصرنا في التراب يجمعنا الله يوم القيامة. . والإعجاز في هذا الجمع هو أن كل إنسان سيبعث من عناصره نفسها وصورته نفسها وهيئته نفسها التي كان عليها في الدنيا. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤]
стр. 501
إذن الله بطلاقة قدرته في الإيجاد قد خلقنا. . وبطلاقة قدرته في إعادة الخلق يحيينا بعد الموت. . بشكلنا ولحمنا وصفاتنا وكل ذرة فينا. . هل هناك دقة بعد ذلك؟ .
لو أننا أتينا بأدق الصناع وأمهرهم وقلنا له: اصنع لنا شيئا تجيده. فلما صنعه قلنا له: اصنع مثله. إنه لا يمكن أن يصنع نموذجا مثله بالمواصفات نفسها؛ لأنه يفتقد المقاييس الدقيقة التي تمده بالمواصفات نفسها التي صنعها. إنه يستطيع أن يعطينا نموذجا متشابها ولكن ليس مثل ما صنع تماما. لكن الله يتوفى خلقه وساعة القيامة أو ساعة بعثهم يعيدهم بمكوناتهم نفسها التي كانوا عليها دون زيادة أو نقص. وذلك لأنه الله ﷻ لا يخلق وفق قوالب معينة، وإنما يقول للشيء: كن فيكون.
تقول الآية الكريمة: ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض وَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
«وكن» وردت كثيرا في القرآن الكريم. . وفي اللغة شيء يسمى المشترك. . اللفظ يكون واحدا ومعانيه تختلف حسب السياق. . فمثلا كلمة قضى لها معاني متعددة ولها معنى يجمع كل معانيها. . مرة يأتي بها الحق بمعنى فرغ أو انتهى. . في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [البقرة: ٢٠٠]
ومعناها إذا انتهيتم من مناسك الحج. . ومرة يقول سبحانه: ﴿فاقض مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ﴾ [طه: ٧٢]
والمعنى إفعل ما تريد. . وفي آية أخرى يقول الله تعالى:
стр. 502
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[الأحزاب: ٣٦]
والمعنى هنا أنه إذا قال الله شيئا لا يترك للمؤمنين حق الاختيار. . ومرة يصور الله ﷻ الكفار في الآخرة وهم في النار يريدون أن يستريحوا من العذاب بالموت.
واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧]
لِيَقْضِ علينا هنا معناها يميتنا. . ومعنى آخر في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾ [إبراهيم: ٢٢]
أي لما انتهى الأمر ووقع الجزاء. . وفي موقع آخر قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا قضى مُوسَى الأجل وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ [القصص: ٢٩]
قضى الأجل هنا بمعنى أتم الأجل وفي قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤]
стр. 503
أي حكم وفصل بينهم. . وقوله ﷻ : ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]
بمعنى أعلمنا بني إسرائيل في كتابهم. . إذن «قضى» لها معان متعددة يحددها السياق. . ولكن هناك معنى تلتقي فيه كل المعاني. . وهو قضى أي حكم وهذا هو المعنى الأم.
إذن معنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قضى أَمْراً﴾ . . أي إذا حكم بحكم فإنه يكون. . على أننا يجب أن نلاحظ قول الحق: ﴿وَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ . . معنى يقول له أن الأمر موجود عنده. . موجود في علمه. . ولكنه لم يصل إلى علمنا. . أي أنه ليس أمرا جديدا. . لأنه مادام الله قال: «يقول له» . . كأنه ﷻ يخاطب موجودا. . ولكن هذا الموجود ليس في علمنا ولا نعلم عنه شيئا. . وإنما هو موجود في علم الله . . ولذلك قيل أن لله أموراً يبديها ولا يبتديها. . إنها موجودة عنده لأن الأقلام رُفِعَتْ، والصحف جفت. . ولكنه يبديها لنا نحن الذين لا نعلمها فنعلمها.
стр. 504
الحق حين قال: ﴿الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ . . أي لا يعلمون عن كتاب الله شيئا لأنهم كفار. . وهؤلاء سألوا رسول الله ﷺ َ أن يكلمهم الله. . ومعنى أن يكلمهم الله أن يسمعوا كلاما من الله سبحانه. . كما سمع موسى كلام الله.
وماذا كانوا يريدون من كلام الله ﵎. . أكانوا يريدون أن يقول لهم الله إنه أرسل محمداً رسولا ليبلغهم بمنهج السماء. . وكأن كل المعجزات التي أيد الله بها رسوله ﷺ َ وعلى رأسها القرآن الكريم لم تكن كافية لإقناعهم. . مع أن القرآن كلام معجز وقد أتى به رسول أمي. . سألوه عن أشياء حدثت فأوحى الله بها إليه بالتفصيل. . جاء القرآن ليتحدى في أحداث المستقبل وفي أسرار النفس البشرية. . وكان ذلك يكفيهم لو أنهم استخدموا عقولهم ولكنهم أرادوا العناد كلما جاءتهم آية كذبوا بها وطلبوا آية أخرى. . والله قد أبلغنا أنه لا يمكن لطبيعة البشر أن تتلقى عن الله مباشرة. . واقرأ قوله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: ٥١]
стр. 505
إذن فالبشر حتى المصطفى من الله والمؤهل للتلقي عن الله. . لا يكلمه الله إلا وحيا أو إلهامَ خاطرٍ أو من وراء حجاب كما كلم موسى. . أو يرسل رسولا مبلغا للناس لمنهج الله. . أما الاتصال المباشر فهو أمر تمنعه بشرية الخلق.
ثم يقول الحق ﵎: ﴿أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ﴾ . . والآيات التي يطلبها الكفار ويأتي بها الله ويحققها لهم. . لا يؤمنون بها بل يزدادون كفرا وعنادا. . والله ﷻ يقول: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]
إذن فالآيات التي يطلبها الكفار ليؤمنوا لا تجعلهم يؤمنون. . ولكن يزدادون كفرا حتى ولو علموا يقينا أن هذه الآيات من عند الله كما حدث لآل فرعون. . واقرأ قول الحق : ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين﴾ [النمل: ١٣ - ١٤]
وهكذا فإن طلبهم أن يكلمهم الله أو تأتيهم آية كان من باب العناد والكفر. . والحق سبحانه يقول: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ . . فبنو إسرائيل قالوا لموسى أرنا الله جهرة. . الذين لا يعلمون قالوا لولا يكلمنا الله. . ولكن الذين قالوا أرنا الله جهرة كانوا يعلمون لأنهم كانوا يؤمنون بالتوراة.
. فتساوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون. . لذلك قال الله ﵎: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ . . أي قلوب أولئك الذين كانوا خاضعين للمنهج والذين لا يخضعون لمنهج قد تشابهت بمنطق واحد.
стр. 506
ولو أن الذين لا يعلمون قالوا ولم يقل الذين يعلمون لهان الأمر. . وقلنا جهلهم هو الذي أوحى إليهم بما قالوا. . ولكن ما عذر الذين علموا وعندهم كتاب أن يقولوا أرنا الله جهرة. . إذن فهناك شيء مشترك بينهم تشابهت قلوبهم في الهوى. . إن مصدر كل حركة سلوكية أو حركة جارحة إنما هو القلب الذي تصدر عنه دوافع الحركة. . ومادام القلب غير خالص لله فيستوى الذي يعلم والذي لا يعلم.
ثم يقول الحق : ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . . ما هو اليقين؟ هو استقرار القضية في القلب استقراراً لا يحتمل شكا ولا زلزلة. . ولا يمكن أن تخرج القضية مرة أخرى إلى العقل. . لتناقش من جديد لأنه أصبح يقينا. . واليقين يأتي من إخبار من تثق به وتصبح أخباره يقينا. . فإذا قال الله قال اليقين. . وإذا قال الرسول ﷺ َ فكلامه حق. . ولذلك من مصداقية الإيمان أن سيدنا أبا بكر ﵁. . عندما قيل له إن صاحبك يقول إنه صُعد به إلى السماء السابعة وذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة. . قال إن كان قد قال فقد صدق.
إن اليقين عنده نشأ من إخبار من يثق فيه وهذا نسميه علم يقين. . وقد يرتقي الأمر ليصير عين يقين. . عندما ترى الشيء بعينك بعد أن حُدثت عن رؤية غيرك له. . ثم تدخل في حقيقة الشيء فيصبح حق يقين. . إذن اليقين علم إذا جاء عن إخبار من تثق به. . وعين يقين إذا كان الأمر قد شوهد مشاهدة العين. . وحق يقين هو أن تدخل في حقيقة الشيء. . والله يشرح هذا في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التكاثر حتى زُرْتُمُ المقابر كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين لَتَرَوُنَّ الجحيم﴾ [التكاثر: ١ - ٦]
هذه هي المرحلة الأولى أن يأتينا علم اليقين من الله . . ثم تأتي المرحلة الثانية في قوله ﵎: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليقين﴾ [التكاثر: ٧]
стр. 507
أي أنتم ستشاهدون جهنم بأعينكم يوم القيامة. . هذا علم يقين وعين يقين. . يأتي بعد ذلك حق اليقين في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: ٩٢ - ٩٥]
والمؤمن عافاه الله من أن يعاين النار كحق يقين. . إنه سيراها وهو يمر على الصراط. . ولكن الكافر هو الذي سيصلاها حقيقة يقين. . ولقد قال أهل الكتاب لأنبيائهم ما يوافق قول غير المؤمنين. . فاليهود قالوا لموسى: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى نَرَى الله جَهْرَةً﴾ . . والمسيحيون قالوا لعيسى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السمآء﴾ قال: ﴿اتقوا الله إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ . . وهكذا شجع المؤمنون بالكتاب غير المؤمنين بأن يطلبوا رؤية الله ويطلبوا المعجزات المادية.
стр. 508
هنا لابد أن نلتفت إلى أن الله حينما يخبرنا عن قضية من فعله. يأتي دائما بنون العظمة التي نسميها نون المتكلم. . ونلاحظ أن نون العظمة يستخدمها رؤساء الدول والملوك ويقولون نحن فلان أمرنا بما هو آت. . فكأن العظمة في الإنسان سخرت المواهب المختلفة لتنفيذ القرار الذي يصدره رئيس الدولة. . فيشترك في تنفيذه الشرطة والقضاء والدولة والقوات المسلحة إذا كان قرار حرب. . تشترك مواهب متعددة من جماعات مختلفة تتكاتف لتنفيذ القرار. . والله ﵎ عنده الكمال المطلق. . كل ما هو لازم للتنفيذ من صفات الله . . فإذا تحدث الله ﷻ عن فعل يحتاج إلى كمال المواهب من الله ﵎ يقول «إنا» : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
ولكن حين يتكلم الله عن ألوهيته وحده وعن عبادته وحده يستخدم ضمير المفرد. . مثل قوله سبحانه: ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]
стр. 509
ولا يقول فاعبدنا. . إذن ففي كل فعل يأتي الله سبحانه بنون العظمة. . وفي كل أمر يتعلق بالعبادة والتوحيد يأتي بالمفرد. . وذلك حتى نفهم أن الفعل من الله ليس وليد قدرته وحدها. . ولا علمه وحده ولا حكمته وحدها ولا رحمته وحدها. . وإنما كل فعل من أفعال الله تكاملت فيه صفات الكمال المطلق لله.
إن نون العظمة تأتي لتلفتنا إلى هذه الحقيقة لتبرز للعقل تكامل الصفات في الله. . لأنك قد تقدر ولا تعلم. . وقد تعلم ولا تقدر، وقد تعلم وتغيب عنك الحكمة. إذن فتكامل الصفات مطلوب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق﴾ يعني بعثناك بالحق رسولا. . والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يتناقض. . فإذا رأيت حدثا أمامك ثم طلب منك أن تحكي ما رأيت رويت ما حدث. . فإذا طلب منك بعد فترة أن ترويه مرة أخرى فإنك ترويه بنفس التفاصيل. . أما إذا كنت تكذب فستتناقض في أقوالك. . ولذلك قيل إن كنت كذوبا فكن ذكورا.
إن الحق لا يتناقض ولا يتغير. . ومادام رسول الله ﷺ َ قد أرسل بالحق. . فإنَّ عليه لأن يبلغه للناس وسيبقى الحق حقا إلى يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ . . البشارة هي إخبار بشيء يسرك زمنه قادم. . والإنذار هو الإخبار بشيء يسوؤك زمنه قادم ربما استطعت أن تتلافاه. . بشير بماذا؟ ونذير بماذا؟ يبشر من آمن بنعيم الجنة وينذر الكافر بعذاب النار. . والبشرى والإنذار يقتضيان منهجا يبلغ. . من آمن به كان بشارة له.
ومن لا يؤمن كان إنذارا له.
ثم يقول الحق ﷻ : ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ . . أي أن رسول الله ﷺ َ ليس مسئولا عن الذين سيلقون بأنفسهم في النار والعذاب. إنه ليس مسئولا عن هداهم وإنما عليه البلاغ. . واقرأ قوله ﵎: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦]
стр. 510
ويقول ﷻ : ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣ - ٤]
فالله لو أرادنا أن نؤمن قسرا وقهرا. . ما استطاع واحد من الخلق أن يكفر. . ولكنه ﵎ يريد أن نأتيه بقلوب تحبه وليس بقلوب مقهورة على الإيمان. . إن الله خلق الناس مختارين أن يؤمنوا أو لا يؤمنوا. . وليس لرسول أن يرغم الناس على الإيمان بالقهر. . لأن الله لو أراد لقهر كل خلقه.
أما أصحاب الجحيم فهم أهل النار. والجحيم مأخوذة من الجموح. . وجمحت النار يعني اضطربت، وعندما ترى النار متأججة يقال جمحت النار. . أي أصبح لهيبها مضاعفا بحيث يلتهم كل ما يصل إليها فلا تخمد أبدا.
والحق يريد أن يطمئن رسوله ﷺ َ. . أنه لا يجب أن ينشغل قلبه بالذين كفروا لأنه قد أنذرهم. . وهذا ما عليه، وهذه مهمته التي كلفه الله بها.
стр. 511
كان اليهود يدخلون على رسول الله ﷺ َ مدخل لؤم وكيد فيقولون هادنا، أي قل لنا ما في كتابنا حتى ننظر إذا كنا نتبعك أم لا. . يريد الله ﵎ أن يقطع على اليهود سبيل الكيد والمكر برسول الله ﷺ َ. . بأنه لا اليهود ولا النصارى سيتبعون ملتك. . وإنما هم يريدون أن تتبع أنت ملتهم. . أنت تريد أن يكونوا معك وهم يطمعون أن تكون معهم. . فقال الله سبحانه: ﴿وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ . .
نلاحظ هنا تكرار النفي وذلك حتى نفهم أن رضا اليهود غير رضا النصارى. . ولو قال الحق ﵎، ولن ترضى عنك اليهود والنصارى بدون لا. . لكان معنى ذلك أنهم مجتمعون على رضا واحد أو متفقون. . ولكنهم مختلفون بدليل أن الله تعالى قال: ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣]
إذن فلا يصح أن يقال فلن ترضى عنك اليهود والنصارى. . والله يريد أن يقول لن ترضى عنك اليهود ولن ترضى عنك النصارى. . وإنك لو صادفت رضا اليهود فلن ترضى عنك النصارى. . وإن صادفت رضا النصارى فلن ترضى عنك اليهود. .
стр. 512
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ . . والملة هي الدين وسميت بالملة لأنك تميل إليها حتى ولو كانت باطلا. . والله يقول: ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: ٣ - ٦]
فجعل لهم دينا وهم كافرون ومشركون. . ولكن ما الذي يعصمنا من أن نتبع ملة اليهود أو ملة النصارى. . الحق ﷻ يقول: ﴿قُلْ إِنَّ الهدى هُدَى الله﴾ [آل عمران: ٧٣]
فاليهود حرفوا في ملتهم والنصارى حرفوا فيها. . ورسول الله ﷺ َ معه هدى الله. . والهدى هو ما يوصلك إلى الغاية من أقصر طريق. . أو هو الطريق المستقيم باعتباره أقصر الطرق إلى الغاية. . وهدى الله طريق واحد، أما هدى البشر فكل واحد له هدى ينبع من هواه.
ومن هنا فإنها طرق متشعبة ومتعددة توصلك إلى الضلال. . ولكن الهدى الذي يوصل للحق هو هدى واحد. . هدى الله .
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ﴾ إشارة من الله إلى أن ملة اليهود وملة النصارى أهواء بشرية. . والأهواء جمع هوى. . والهوى هو ما تريده النفس باطلا بعيدا عن الحق. . لذلك يقول الله ﷻ : ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ..
والله ﵎ يقول لرسوله لو اتبعت الطريق المعوج المليء بالشهوات بغير حق. . سواء كان طريق اليهود أو طريق النصارى بعدما جاءك من الله من الهدى فليس لك من الله من ولي يتولى أمرك ويحفظك ولا نصير ينصرك.
стр. 513
وهذا الخطاب لرسول الله ﷺ َ يجب أن نقف معه وقفة لنتأمل كيف يخاطب الله رسوله ﷺ َ الذي اصطفاه. . فالله حين يوجه هذا الخطاب لمحمد ﵊ ُ. . فالمراد به أمة رسول الله ﷺ َ أتباع رسول الله الذين سيأتون من بعده. . وهم الذين يمكن أن تميل قلوبهم إلى اليهود والنصارى. . أما الرسول فقد عصمه الله من أن يتبعهم.
والله يريدنا أن نعلم يقينا أن ما لم يقبله من رسوله ﵊ ُ. . لا يمكن أن يقبله من أحد من أمته مهما علا شأنه. . وذلك حتى لا يأتي بعد رسول الله من يدعي العلم. . ويقول نتبع ملة اليهود أو النصارى لنجذبهم إلينا. . نقول له لا ما لم يقبله الله من حبيبه ورسوله لا يقبله من أحد.
إن ضرب المثل هنا برسول الله ﷺ َ مقصود به أن أتباع ملة اليهود أو النصارى مرفوض تماما تحت أي ظرف من الظروف، لقد ضرب الله سبحانه المثل برسوله حتى يقطع على المغرضين أي طريق للعبث بهذا الدين بحجة التقارب مع اليهود والنصارى.
стр. 514
بعد أن بين الله أن اليهود والنصارى قد حرفوا كتبهم، أراد أن يبين أن هناك من اليهود والنصارى من لم يحرفوا في كتبهم. . وأن هؤلاء يؤمنون بمحمد ﵊ ُ وبرسالته. . لأنهم يعرفونه من التوراة والإنجيل.
ولو أن الله سبحانه لم يذكر هذه الآية لقال الذين يقرأون التوراة والإنجيل على حقيقتيهما. . ويفكرون في الإيمان برسالة رسول الله ﷺ َ. . لقالوا كيف تكون هذه الحملة على كل اليهود وكل النصارى ونحن نعتزم الإيمان بالإسلام. . وهذا ما يقال عنه قانون الاحتمال. . أي أن هناك عددا مهما قل من اليهود أو النصارى يفكرون في اعتناق الإسلام باعتباره دين الحق. . وقد كان هناك جماعة من اليهود عددهم أربعون قادمون من سيناء مع جعفر بن أبي طالب ليشهدوا أمام رسول الله ﷺ َ أنهم قرأوا التوراة غير المحرفة وآمنوا برسالته. . وأراد الله أن يكرمهم ويكرم كل من سيؤمن من أهل الكتاب. . فقال ﷻ : ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١]
أي يتلونه كما أنزل بغير تحريف ولا تبديل. . فيعرفون الحقائق صافية غير مخلوطة بهوى البشر. . ولا بالتحريف الذي هو نقل شيء من حق إلى باطل.
стр. 515
يقول الله ﵎: ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فأولئك هُمُ الخاسرون﴾ . . ونلاحظ أن القرآن الكريم يأتي دائما بالمقارنة. . ليكرم المؤمنين ويلقي الحسرة في نفوس المكذبين. . لأن المقارنة دائما تظهر الفارق بين الشيئين.
إن الله سبحانه يريد أن يعلم الذين آتاهم الله الكتاب فلم يحرفوه وآمنوا به. . ليصلوا إلى النعمة التي ستقودهم إلى النعيم الأبدي. . وهي نعمة الإسلام والإيمان. . مقابل الذين يحرفون التوراة والإنجيل فمصيرهم الخسران المبين والخلود في النار.
стр. 516
لو رجعنا إلى ما قلناه عندما تعرضنا للآية (٤٠) من سورة البقرة. . وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فارهبون﴾ . . فالحق لم ينه الجولة مع بني إسرائيل قبل أن يذكرهم بما بدأهم به. . إنه سبحانه لا ينهي الكلام معهم في هذه الجولة. . إلا بعد أن يذكرهم تذكيرا نهائيا بنعمه عليهم وتفضيله لهم على كثير من خلقه. . ومن أكبر مظاهر هذا التفضيل. . الآية الموجودة في التوراة تبشر بمحمد ﵊ ُ وذلك تفضيل كبير.
التذكير بالنعمة هنا وبالفضل هو تقريع لبني إسرائيل أنهم لم يؤمنوا برسول الله ﷺ َ مع أنه مذكور عندهم في التوراة. . وكان يجب أن يأخذوا هذا الذكر بقوة ويسارعوا للإيمان بمحمد ﷺ َ لأنه تفضيل كبير من الله لهم. . والله ﷻ قال حين أخذت اليهود الرجفة. . وطلب موسى ﵇ من ربه الرحمة. . قال كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿واكتب لَنَا فِي هذه الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عذابي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزكاة والذين هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول النبي الأمي الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ
стр. 517
فِي التوراة والإنجيل يَأْمُرُهُم بالمعروف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكر وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والأغلال التي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فالذين آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ واتبعوا النور الذي أُنزِلَ مَعَهُ أولئك هُمُ المفلحون﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]
стр. 518
هذه الآية الكريمة تشابهت مع الآية ٤٨ من سورة البقرة. . التي يقول فيها الله ﵎:
﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ .
نقول إن هذا التشابه ظاهري. . ولكن كل آية تؤدي معنى مستقلا. . ففي الآية ٤٨ قال الحق سبحانه: ﴿لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ . . وفي الآية التي نحن بصددها قال: ﴿لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ . . لماذا؟ لأن قوله تعالى ﴿لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ . . لو أردنا النفس الأولى فالسياق يناسبها في الآية الأولى. . ولو أردنا النفس الثانية فالسياق يناسبها في الآية الثانية التي نحن بصددها. . فكأن معنا نفسين إحداهما جازية والثانية مجزي عنها. . والجازية هي التي تشفع. . فأول شيء يقبل منها هو الشفاعة. . فإن لم تقبل شفاعتها تقول أنا أتحمل العدل. . أي أخذ الفدية أو ما يقابل الذنب. . ولكن النفس المجزي عنها أول ما تقدم هو العدل أو الفداء. . فإذا لم يقبل منها تبحث عن شفيع. . ولقد تحدثنا عن ذلك بالتفصيل عند تعرضنا للآية ٤٨ من سورة البقرة.
стр. 519
يأتي الحق إلى قصة إبراهيم ﵇. . ليصفي الجدل والتشكيك الذي أحدثه اليهود عند تغيير القبلة. . واتجاه المسلمين إلى الكعبة المشرفة بدلا من بيت المقدس. . كذلك الجدل الذي أثاره اليهود بأنهم شعب الله المختار وأنه لا يأتي نبي إلا منهم.
يريد الله ﵎ أن يبين صلة العرب بإبراهيم وصلتهم بالبيت. . فيقول الحق ﷻ : ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ . . ومعناها اذكر إذا ابتلى الله إبراهيم. . وإذ هنا ظرف وهناك فرق بينها وبين إذا الشرطية في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾ [النصر: ١ - ٢]
إذا هنا ظرف ولكنه يدل على الشرط. . أما إذ فهي ظرف فقط. . وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ . . معناها اذكر وقت أن ابتلى إبراهيم بكلمات.
ما معنى الابتلاء؟ الناس يظنون أنه شر ولكنه في الحقيقة ليس كذلك. . لأن الابتلاء هو إمتحان إن نجحنا فيه فهو خير وإن رسبنا فيه فهو شر. . فالابتلاء ليس شرا ولكنه مقياس لاختبار الخير والشر. الذي ابتلى هو الله سبحانه. . هو
стр. 520
الرب. . والرب معناه المربي الذي يأخذ من يربيه بأساليب تؤهله إلى الكمال المطلوب منه. . ومن أساس التربية أن يمتحن المربي من يربيه ليعلم هل نجح في التربية أم لا؟ والابتلاء هنا بكلمات والكلمات جمع كلمة. . والكلمة قد تطلق على الجملة مثل قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف: ٤ - ٥]
إذن فالكلمة قد تطلق على الجملة وقد تطلق على المفرد. . كأن تقول مثلا محمد وتسكت. . وفي هذه الحالة لا تكون جملة مفيدة. . والكلمة المرادة في هذه الآية هي التكليف من الله.
قوله سبحانه إفعل ولا تفعل. . فكأن التكليف من الله مجرد كلمة وأنت تؤدي مطلوبها أو لا تؤديه. . وقد اختلف العلماء حول الكلمات التي تلقاها إبراهيم من ربه. . نقول لهم أن هذه الكلمات لابد أن تناسب مقام إبراهيم أبي الأنبياء. . إنها ابتلاء يجعله أهلا لحمل الرسالة. . أي لابد أن يكون الابتلاء كبيراً. . ولقد قال العلماء إن الابتلاءات كانت عشرة وقالوا أربعين منها عشرة في سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر والحافظون لِحُدُودِ الله﴾ [التوبة: ١١٢]
وهذه رواية عبد الله بن عباس. . وعشرة ثانية في سورة المؤمنون. وفي قوله سبحانه:
стр. 521
﴿قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون الذين هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ والذين هُمْ عَنِ اللغو مُّعْرِضُونَ والذين هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ والذين هُمْ على صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أولئك هُمُ الوارثون﴾
[المؤمنون: ١ - ١٠]
وبعد ذلك قال: ﴿أولئك هُمُ الوارثون﴾ .
وفي سورة الأحزاب يذكر منهم قوله ﷻ : ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فُرُوجَهُمْ والحافظات والذاكرين الله كَثِيراً والذاكرات أَعَدَّ الله لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥]
وفي سورة المعارج يقول: ﴿إِلاَّ المصلين الذين هُمْ على صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ والذين في أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّآئِلِ والمحروم والذين يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدين والذين هُم مِّنْ عَذَابِ
стр. 522
رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذَلِكَ فأولئك هُمُ العادون والذين هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المعارج: ٢٢ - ٣٤]
نخرج من هذا الجدل، بأن نقول إن الله ابتلى إبراهيم بكلمات تكليفية افعل كذا ولا تفعل كذا. . وابتلاه بأن أُلقِي في النار وهو حي فلم يجزع ولم يتراجع ولم يتجه إلا لله وكانت قمة الابتلاء أن يذبح ابنه.
وكون إبراهيم أدى جميع التكليفات بعشق وحب وزاد عليه من جنسها. . وكونه يلقى في النار ولا يبالي يأتيه جبريل فيقول ألك حاجة فيرد إبراهيم أما إليك فلا. . وأما إلى الله فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي. . وكونه وهو شيخ كبير يبتلى بذبح ابنه الوحيد فيطيع بنفس مطمئنة ورضا بقدر الله. . يقول الحق: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ موسى وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٧]
أي وَفَّي كل ما طلب منه وأداه بعشق للمنهج ولابتلاءات الله. . لقد نجح إبراهيم ﵇ في كل ما ابتلي به أو اختبر به. . والله كان أعز عليه من أهله ومن نفسه ومن ولده. . ماذا كافأه الله به؟ قال: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة: ١٢٤]
стр. 523
أي أن الحق ﵎ أئتمنه أن يكون إماماً للبشر. . والله سبحانه كان يعلم وفاء إبراهيم ولكنه اختبره لنعرف نحن البشر كيف يصطفي الله تعالى عباده المقربين وكيف يكونوا أئمة يتولون قيادة الأمور. . استقبل إبراهيم هذه البشرى من الله وقال كما يروي لنا القرآن الكريم: ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]
ما هي الذرية؟ هي النسل الذي يأتي والولد الذي يجئ. . لأنه يحب استطراق الخير على أولاده وأحفاده وهذه طبيعة البشر، فهم يعطون ثمرة حركتهم وعملهم في الحياة لأولادهم وأحفادهم وهم مسرورون.
. ولذلك أراد إبراهيم أن ينقل الإمامية إلى أولاده وأحفاده. . حتى لا يحرموا من القيم الإيمانية تحرس حياتهم وتؤدي بهم إلى نعيم لا يزول. . ولكن الله يرد على إبراهيم بقضية إيمانية أيضا هي تقريع لليهود. . الذي تركوا القيم وعبدوا المادة فيقول ﷻ : ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤]
فكأن إبراهيم بأعماله قد وصل إلى الإمامية. . ولكن هذا لا ينتقل إلا للصالحين من عباده العابدين المسبحين.
وقول الحق سبحانه: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ مقصود به اليهود الذين باعوا قيمهم الإيمانية بالمادة، وهو استقراء للغيب أنه سيأتي من ذرية إبراهيم من سيفسق ويظلم.
ومن العجائب أن موسى وهارون ﵉ كانا رسولين. . الرسول الأصيل موسى وهارون جاء ليشد أزره لأنه فصيح اللسان. . وشاءت إرادة الله سبحانه أن تستمر الرسالة في ذرية هارون وليس في ذرية موسى. . والرسالة ليست ميراثا. .
стр. 524
وقوله تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ . . فكأن عهد الله هو الذي يجذب صاحبه أي هو الفاعل. . نأتي بعد ذلك إلى مسألة الجنس والدم واللون. . بنوة الأنبياء غير بنوة الناس كلهم فالأنبياء اصطفاؤهم اصطفاء قيم وأبناؤهم هم الذين يأخذون منهم هذه القيم وليسوا الذين يأخذون الجنس والدم واللون. . ولو رجعنا إلى قصة نوح ﵇ حين غرق ابنه. . رفع يديه إلى السماء وقال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]
فرد عليه الحق فقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]
إن أهل النبوة هم الذين يأخذون القيم عن الأنبياء. . ولولا أن الحق سبحانه قال لنا ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ . . لاعتقدنا أنه ربما جاء من رجل آخر أو غير ذلك. . ولكن الله يريدنا أن نعرف أن عدم نسبة ابن نوح إلى أبيه بسبب ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ .
стр. 525
وضّحت لنا الآية التي سبقت أن اليهود قد انتفت صلتهم بإبراهيم ﵇. . بعد أن تركوا القيم والدين واتجهوا إلى ماديات الحياة. . أنتم تدعون أنكم أفضل شعوب الأرض لأنكم من ذرية إسحق بن إبراهيم والعرب لهم هذه الأفضلية والشرف لأنهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم. . إذن فأنتم غير مفضلين عليهم. . فإذا انتقلنا إلى قصة بيت المقدس وتحول القبلة إلى الكعبة. . نقول إن ذلك مكتوب منذ بداية الخلق أن تكون الكعبة قبلة كل من يعبد الله.
الحق يقول: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ . . تأمل كلمة البيت وكلمة مثابة. . بيت مأخوذ من البيتوته وهو المأوى الذي تأوى إليه وتسكن فيه وتستريح وتكون فيه زوجتك وأولادك. . ولذلك سميت الكعبة بيتا لأنها هي المكان الذي يستريح إليه كل خلق الله. . ومثابة يعني مرجعا تذهب إليه وتعود. . ولذلك فإن الذي يذهب إلى بيت الله الحرام مرة يحب أن يرجع مرات ومرات. . إذن فهو مثابة له لأنه ذاق حلاوة وجوده في بيت ربه. . وأتحدى أن يوجد شخص في بيت الله الحرام يشغل ذهنه غير ذكر الله وكلامه وقرآنه وصلاته. . تنظر إلى الكعبة فيذهب كل ما في صدرك من ضيق وهم وحزن ولا تتذكر أولادك ولا شئون دنياك ولو ظلت جاذبية بيت الله في قلوب الناس مستمرة لتركوا كل شئون دنياهم ليبقوا بجوار البيت. . ولذلك كان عمر بن الخطاب حريصا على أن يعود الناس إلى أوطانهم وأولادهم بعد انتهاء مناسك الحج مباشرة. .
ومن رحمة الحق سبحانه أن الدنيا تختفي من عقل الحاج وقلبه. . لأن الحجيج في
стр. 526
بيت ربهم. . وكلما كربهم شيء أو همهم شيء توجهوا إلى ربهم وهم في بيته فيذهب عنهم الهم والكرب. . ولذلك فإن الحق يقول: ﴿فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
أفئدة وليست أجساما وتهوى أي يلقون أنفسهم إلى البيت. . والحج هو الركن الوحيد الذي يحتال الناس ليؤدوه. . حتى غير المستطيع يشق على نفسه ليؤدي الفريضة. . والذي يؤديه مرة ويسقط عنه التكليف يريد أن يؤديه مرة أخرى ومرات.
إن من الخير أن تترك الناس يثوبون إلى بيت الله. . ليمحو الله سبحانه ما في صدورهم من ضيق وهموم مشكلات الحياة.
وقوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ . . أمنا يعني يؤمّن الناس فيه. . العرب حتى بعد أن تحللوا من دين إسماعيل وعبدوا الأصنام كانوا يؤمنون حجاج بيت الله الحرام. . يلقي أحدهم قاتل أبيه في بيت الله فلا يتعرض له إلا عندما يخرج.
والله يضع من التشريعات ما يريح الناس من تقاتلهم ويحفظ لهم كبرياءهم فيأتي إلى مكان ويجعله آمنا. . ويأتي إلى شهر ويجعله آمنا لا قتال فيه لعلهم حين يذوقون السلام والصفاء يمتنعون عن القتال.
والكلام عن هذه الآية يسوقنا إلى توضيح الفرق بين أن يخبرنا الله أن البيت آمن وأن يطلب منا جعله آمنا. . إنه سبحانه لا يخبرنا بأن البيت آمن ولكن يطلب منا أن نؤمّن من فيه. . الذي يطيع ربه يؤمن من في البيت والذي لا يطيعه لا يؤمنه. . عندما يحدث هياج من جماعة في الحرم اتخذته ستاراً لتحقيق أهدافها. . هل يتعارض هذا مع قوله تعالى: ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ . . نقول لا. .
إن الله لم يعط لنا هذا كخبر ولكن كتشريع. . إن أطعنا الله نفذنا هذا التشريع وإن لم نطعه لا ننفذه.
стр. 527
وقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ . . وهنا نقف قليلا فهناك مَقام بفتح الميم ومُقام بضم الميم. . قوله تعالى: ﴿ياأهل يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣]
مَقام بفتح الميم إسم لمكان من قام. . ومُقام بضم الميم اسم لمكان من أقام. . فإذا نظرت إلى الإقامة فقل مُقام بضم الميم. . وإذا نظرت إلى مكان القيام فقل مقام بفتح الميم. . إذن فقوله تعالى: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ بفتح الميم اسم المكان الذي قام إبراهيم فيه ليرفع القواعد من البيت ويوجد فيه الحجر الذي وقف إبراهيم عليه وهو يرفع القواعد.
ولكن لماذا أمرنا الله بأن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ لأنهم كانوا يتحرجون عن الصلاة فيه. . فالذي يصلي خلف المقام يكون الحجر بينه وبين الكعبة. . وكان المسلمون يتحرجون أن يكون بينهم وبين الكعبة شيء فيخلون من الصلاة ذلك المكان الذي فيه مقام إبراهيم. . ولذلك قال سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ لرسول الله ﷺ َ: ألا نتخذ من مقام إبراهيم مصلى؟ وسؤال عمر ينبع من الحرص على عدم الصلاة وبينه وبين الكعبة عائق وهم لا يريدون ذلك. . ولما رأى عمر مكانا في البيت ليس فيه صلاة يصنع فجوة بين المصلين أراد أن تعم الصلاة كل البيت. . فنزلت الآية الكريمة: ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ .
وإذا كان الله قد أمرنا أن نتخذ من مقام إبراهيم مصلى. . فكأنه ﷻ أقر وجود مكان إبراهيم في مكانه فاصلا بين المصلين خلفه وبين الكعبة. . وذلك لأن مقام إبراهيم له قصة تتصل بالعبادة وإتمامها على الوجه الأكمل، والمقام سيعطينا حيثية الإتمام لأن الله يقول: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧]
стр. 528
إذن هناك آيات واضحة يريدنا الله سبحانه أن نراها ونتفهمها.
. فمقام إبراهيم هو مكان قيامه عندما أمره الله برفع القواعد من البيت. . والترتيب الزمني للأحداث هو أن البيت وُجد أولا. . ثم بعد ذلك رفعت القواعد ووضع الحجر الأسود في موقعه وقد وضعه إبراهيم ﵇.
إن الله لا يريد أن يعطينا التاريخ بقدر ما يريد أن يعطينا العبرة؛ فقصة بناء البيت وقع فيها خلاف بين العلماء. . متى بني البيت؟ بعض العلماء جعلوا بداية البناء أيام إبراهيم وبعضهم يرى أنه من عهد آدم وفريق ثالث يقول إنه من قبل آدم. . وإذا حكمنا المنطق والعقل وقرأنا قول الحق ﵎: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ [البقرة: ١٢٧]
نسأل ما الرفع أولا؟ هو الصعود والإعلاء، فكل بناء له طول وله عرض وله ارتفاع. . ومادامت مهمة إبراهيم هي رفع القواعد فكأن هناك طولا وعرضا للبيت وإن إبراهيم سيحدد البعد الثالث وهو الارتفاع. . إن البيت كان موجودا قبل إبراهيم. . ثم جاء الطوفان الذي غمر الأرض في عهد نوح فأخفى معالمه. . فأراد الله أن يظهره ويبين مكانه للناس.
والكعبة ليست هي البيت ولكنها هي المكين الذي يدلنا على مكان البيت. . إذن فالذين فهموا من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت﴾ . . بمعنى أن إبراهيم هو الذي بنى البيت. . نقول لهم إن البيت كان موجودا قبل إبراهيم وأن مهمة إبراهيم اقتصرت على رفع القواعد لإظهار مكان البيت للناس. . ودليلنا على ذلك أنه الآن وقد ارتفع البناء حول الكعبة. . من يصلي على السطح لا يسجد للكعبة ولكنه يسجد لجوّ الكعبة. . ومن يصلي في الدور الأسفل يصلي أيضا للكعبة لأن المكان غير المكين.
ولعل أكبر دليل على ذلك من القرآن الكريم. . أن إبراهيم حين أخذ هاجر وابنها
стр. 529
إسماعيل وتركهما في بيت الله الحرام ولم يكن قد بنى الكعبة في ذلك الوقت. . ذكر البيت واقرأ قول الحق ﵎ في دعاء إبراهيم وهو يترك هاجر وطفلها الرضيع: ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة﴾ [إبراهيم: ٣٧]
يعني أن البيت كان موجودا وإسماعيل طفل رضيع. . ولكن القواعد من البيت قد أقيمت بعد أن أصبح إسماعيل شابا يافعا يستطيع أن يعاون أباه في بناء الكعبة. . إذن فمكان بيت الله الحرام كان موجودا قبل أن يبني إبراهيم ﵇ الكعبة. . ولكن مكان البيت لم يكن ظاهرا للناس، ولذلك بين الله لإبراهيم مكان البيت حتى يضع له العلامة التي تدل الناس عليه. . واقرأ قوله ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾
[الحج: ٢٦]
إن كثيرا من المفسرين يخفى عليهم حقيقة ما جاء في القرآن. والمفروض أننا حين نتعرض لقضية بناء البيت لابد أن نستعرض جميع الآيات التي وردت في القرآن الكريم حول هذه القصة. . ومنها قوله ﵎: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦]
والكلام هنا عن البيت. والقول إنه وضع للناس. والناس هم آدم وذريته حتى تقوم الساعة. . وعلى ذلك لابد أن نفهم أن البيت مادام وضع للناس فالناس لم يضعوه. . ولكن الله هو الذي وضعه وحدده، وعدل الله يأبى إلا أن يوجد البيت قبل أن يخلق آدم. ولذلك فإن الملائكة هم الذين وضعوه بأمر الله وحيث أراد الله لبيته أن يوضع. . والله مع نزول آدم إلى الأرض شرع التوبة وأعد هذا البيت ليتوب الناس فيه إلى ربهم وليقيموا الصلاة ويتعبدوا فيه.
стр. 530
وعندما أراد إبراهيم أن يقيم القواعد من البيت كان يكفي أن يقيمها على قدر طول قامته ولكنه أتى بالحجر ليزيد القواعد بمقدار ارتفاع الحجر. . ويريد الله بمقام إبراهيم واتخاذه مصلى أن يلفتنا إلى أن الإنسان المؤمن لابد أن يعشق التكليف. . فلا يؤديه شكلا ولكن يؤديه بحب ويتحايل ليزيد تطوعا من جنس ما فرض الله عليه.
إن الحجر الموجود في مقام إبراهيم إنما هو دليل على عشقه ﵇ لتكاليف ربه ومحاولته أن يزيد عليها. وإن الحجر الذي كان يقف عليه إبراهيم به حفر على شكر قدميه. . وهما بين قائل أن الحجر لان تحت قدمي إبراهيم من خشية الله. . وبين قائل إن إبراهيم هو الذي قام بحفر مكان في الحجر على هيئة قدميه. . حتى إذا وقف عليه ورفع يده إلى أعلى ما يمكن ليعلي القواعد من البيت كان توازنه محفوظا.
وقوله تعالى: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ دليل على البيت زالت معالمه تماما وأصبح مثل سائر الأرض فذبحت فيه الذبائح وألقيت المخلفات، فأمر الله أن يطهر هو وإسماعيل البيت من كل هذا الدنس ويجعله مكانا لثلاث طوائف: «الطائفين» وهذه مأخوذة من الطواف وهو الدوران حول الشيء. . ولذلك يسمون شرطة الحراسة بالليل طوافة لأنهم يطوفون في الشوارع في أثناء الليل. والله ﷻ يقول: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ [القلم: ١٩ - ٢٠]
وهذه هي قصة الحديقة التي منع أولاد الرجل الصالح بعد وفاته حق الفقراء والمساكين فيها فأرسل الله سبحانه من طاف بها. . أي مشى في كل جزء منها فأحرق أشجارها. . فالطائف هو الذي يطوف. . ﴿والعاكفين﴾ هم المقيمون ﴿والركع السجود﴾ هم المصلون فتطهير البيت للطواف به والإقامة والصلاة فيه. . وهو مطهر أيضا لأنه سيكون قبلة للمسلمين لكل راكع أو ساجد في الأرض حتى قيام الساعة.
следующие страницы →