Полный текст (14 757 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.
стр. 5461
الكون كله، وقوته موجودة دائماً. ولذلك نجد قوم موسى حين وصلوا إلى شاطيء البحر ووجدوا أمامهم الماء، ونظروا خلفهم ورأوا جنود فرعون مقبلين من بعيد، قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾
وكانوا منطقيين فيما قالوه، فالبحر أمامهم والعدو وراءهم. وليس لهم من طريق للنجاة باستخدام الأسباب العادية في هذا الكون، ولكن موسى ﵇ بقوة إيمانه بالله تعالى يقول ما جاء على لسانه في القرآن الكريم: ﴿قَالَ كَلاَّ﴾ [الشعراء: ٦٢] .
أي إن فرعون وجنوده لن يدركونا، ولم يفهم قوم موسى؛ لأن البحر أمامهم وجنود فرعون وراءهم، وأضاف سيدنا موسى ﵇ بملء فيه قوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] .
أي أنه رفع الأمر من الأسباب إلى المسبب، وإذا بالله يأمره أن يضرب بعصاه البحر؛ فينفلق؛ وتظهر الأرض اليابسة. ويعبر بنو إسرائيل البحر، وعندما وصل موسى وقومه إلى شاطيء البحر بعد أن عبروا، أراد موسى أن يضرب البحر مرة أخرى حتى يعود الماء إلى الاستطراق. فلا يتمكن جنود فرعون من اللحاق بهم، ولكن الله قال لموسى: ﴿واترك البحر رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ﴾ [الدخان: ٢٤] .
أي لا تتعجل وتضرب البحر ليعود مرة أخرى لاستطراق الماء بل اتركه على حاله ساكناً فما أنجى الله به بني إسرائيل سيغرق به آل فرعون، وبذلك أنجي وأهلك بالشيء الواحد، وهذا لا يقدر عليه إلا هو .
стр. 5462
وهنا يقول الحق ﵎:
﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] .
وسبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية وهو العليم بها حين تكون أمام قوة لم تحسب حسابها وكيف تعاني النفس من كرب عظيم، خصوصاً إذا كان ذلك في ميدان القتال، ولذلك طلب من المؤمنين لأن يتذكروا دائماً أنهم ليسوا وحدهم في المعركة وأنه معهم، فليذكروا هذا كثيراً ليوالي نصرهم على عدوهم؛ لأنهم إذا ما داوموا على ذكر الله تعالى فسيقوي هذا الذكر إيمانهم، ويجعل في قلوبهم الشجاعة اللازمة لتحقيق النصر.
وذِكْرُ الحق كلمة ﴿كَثِيراً﴾ هنا يعني أن الإنسان قد يذكر الله عند اليأس فقط، فإن جاءت الحياة بعد ذلك بالرخاء فقد ينسى ذكر الله؛ لذلك يؤكد هنا أن يكون ذكر الله كثيراً، ليوالي الله نصر المؤمن على عدوه. ومثال ذلك: أننا نجده حينما يستحضر الخلق المؤمنين للصلاة في يوم الجمعة يقول: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ٩ - ١٠] .
يطلب الحق ذلك من المؤمنين وهو العليم بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات.
стр. 5463
ثم بعد صلاة الجمعة يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن نداوم على ذكره فكأنه يقول؛ إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة. فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله كثيراً فستكونون من المفلحين.
وذكر الله كثيراً معناه أنك تشعر في كل لحظة أن الله معك فتخشاه وتحمده وتستعين به. وهكذا تكون الصلة دائمة بينك وبين الله في كل وقت.
مثال ذلك ما حدث في عام ١٩٧٣ في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند من قولهم: ﴿الله أكبر﴾ طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا خط «بارليف» . وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم طاقة هائلة تحقق بها النصر؛ وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى.
ثم يقول الحق بعد ذلك: ﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصبروا ... ﴾
стр. 5464
وعرفنا من قبل أن طاعة الله تعالى تتمثل في تنفيذ ما أمر به في المنهج، وطاعة الرسول هي طاعة تطبيقية في السلوك، وهي طاعة لله أيضاً؛ لأن الرسول مبلغ عن ربه، ولا بد للطائع أن يتعبد عن التنازع مع إخوته المؤمنين؛ لأن التنازع هو تعاند القوي، أي توجد قوة تعاند قوة أخرى، والقوى المتعاندة تهدر طاقة بعضها البعض، فالتعاند بين قوتين يهدر طاقة كل منهما فتصبح كل قوة ضعيفة وغير مؤثرة. فكونوا يداً واحدة؛ لأنكم إن تنازعتم فستضيع قوتكم
стр. 5465
وتقابلون الفشل، أي لن تحققوا شيئاً مما تريدون لأنكم أهدرتم قوتكم في التنازع، ولم تعد لكم قوة تحققون بها ما تريدون وستذهب ريحكم في هذه الحالة. والفشل هو إخفاق الإنسان دون المهمة التي كان يرجوها من نفسه.
وانظروا إلى عبارة الحق ﵎:
﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
نحن نعرف أن الريح يُطلق على الهواء الذي حيزه الفضاء على سطح الأرض، إذن فمكان الهواء هو أي مكان خال على سطح الأرض، ولذلك نجد العمود المكون من الأسمنت والحديد مثلاً، لا يوجد فيه هواء لأنه لا يوجد فيه فراغ، أما الفواصل التي بين الأعمدة فيوجد فيها هواء لأن فيها فراغاً. ونعلم أن مقومات الحياة طعام وشراب وهواء، ولكن الهواء هو المقوم الأول للحياة؛ لأنك لا تستطيع أن تصبر على الهواء مقدار شهيق وزفير.
إذن فالهواء هو المقوم الأول لحياتك وحياة كل من في هذا الكون، وما دام الهواء محيطاً بالشيء بحيث يتساوى الضغط من جميع نواحيه يكون الشيء ثابتاً، فإذا فرّغت الهواء من ناحية قام ضغط الهواء بتحطيم هذا الشيء. وفي التجارب المدرسية شاهدنا تأثير ضغط الهواء، وكانوا يأتوننا بصفيحة وضع فيها ماء ويتركونها تغلي على النار، فيطرد بخار الماء الهواء الموجود في الجزء الفارغ من الصفيحة ليملأ البخار هذا الفراغ، ثم يغلقون الصفيحة بإحكام ويسكبون عليها من الخارج ماءً بارداً؛ فيتكثف البخار، ويقل حجمه، ويصبح جزء من الصفيحة خالياً من الهواء، فتنهار جدران الصفيحة إلى الداخل بسبب ضغط الهواء خارج الجدران، وتفريغ الهواء داخل الصفيحة. ولذلك نجد الحق حينما يعذب قوماً أو ينزل بهم عقاباً، فهو يرسل عليهم ريحاً. ويقول جل وعلا:
стр. 5466
﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٧]
وكذلك نجده يقول: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا استعجلتم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥]
وأيضاً يقول الحق سبحانه عن الريح التي تغرق بأمواجها العالية: ﴿إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ الموج مِن كُلِّ مَكَانٍ وظنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾
[يونس: ٢٢]
إذن فكلمة ريح تعبر عن القوة المدمرة للهواء؛ لأن الريح إذا اتحدت قوتها واتجاهها أصبحت مدمرة. ولكن إن قابلتها ريح ثانية فالتوازن يحدث بين القوتين. ولذلك حين يستخدم الحق كلمة الريح لا يتكلم عنها إلا للتخريب والتدمير. أما إن تكلم عنها للخير فسبحانه يأتي بكلمة «رياح» ؛ لأن تعدد اتجاهات الرياح هو الذي يوجد التوازن في الحياة. فإذا أراد الله أن يهلك بالريح جاء بها من جهة واحدة فتصير قوة الريح من ناحية لا تعادلها قوة أخرى للريح من الجهة المقابلة لتتعادل القوتان. ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨] .
стр. 5467
ويقول : ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] .
أي أن الرياح تنقل اللقاح بين النبات، فيتم التلقيح وتنبت الثمار ويأتي الخير. ولكن هناك آية واحدة جاءت فيها كلمة «ريح» وكانت تحمل الخير في قوله تعالى: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا﴾ [يونس: ٢٢] .
وسبحانه وتعالى عندما استخدم كلمة ﴿ريح﴾ في هذه الآية وصفها بأنها ﴿طَيِّبَةٍ﴾ . وهنا في الآية :
﴿وَأَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦] .
و «ريحكم» أي قوتكم؛ لأن الريح هنا معناها القوة التي تدمر عدوكم. ونعلم أن السفن في الماضي كانت تُبحر بقوة الريح. وعندما تقَّدم العلم وجاء البخار والكهرباء أُلِغي شراع المراكب واستخدم بدلاً منه ماكينات تدفع حركة السفينة.
وتطلق كلمة ﴿الريح﴾ على الرائحة، فيقال: (ريح عطرة) ، وهذه الرائحة تبقى في المكان حتى بعد أن يغادره من استخدم هذه الرائحة، ولكل إنسان من رائحة خاصة، تماماً كما أنّ لكل إنسان بصمة خاصة، ولكننا لا نستطيع أن نميزها، ولكن الكلاب المدربة تميز الرائحة الخاصة بالإنسان، فيأتي الكلب ويشم رائحة الإنسان ويتتبعه إلى المكان الذي ذهب إليه. أو يستطيع أن
стр. 5468
يخرجه من بين عشرات الأشخاص. ولا تختلط رائحة أحد بأحد رغم وجودهم في مكان واحد، وإلا لما استطاع الكلب المدرب لأن يميز رائحة شخص معين ضمن عشرات الأشخاص الموجودين.
وقول الحق : ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ يعني بأن تنتهوا ولا يكون لكم أثر؛ لأنه ما دام لكم أثر في الأرض فلكم ريح تميزكم. وتلك التي - كما قلنا - أن الكلاب المدربة تميزها، ولكن الإنسان إذا مات ودفن فلا رائحة له. ويدلنا القرآن الكريم على ذلك حين يتكلم عن قصة يوسف ﵇ حين ألقاه إخوته في الجب. وعثرت عليه قافلة، ثم اشتراه ملك مصر، ثم دخل السجن وخرج وأصبح هو عزيز مصر. وجاءه إخوته وأعطاهم يوسف ﵇ قميصه ليلقوه على وجه أبيه يعقوب؛ ليرتد بصيراً، بعد أن أذهب الحزن بصره، يقول الحق عن خروج العير من مصر إلى الشام حيث كان يعيش سيدنا يعقوب:
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ العير قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤] .
أي أن القافلة حين خرجت من بين المباني التي يمكن أن تكتم الريح بقوة كتلتها؛ لأن المباني لها إشعاعات قد تكتم الريح وتحجبه، وبعد أن صارت القافلة في الخلاء عرف يعقوب ﵇ ريح ابنه يوسف من القميص الذي يحملونه: ﴿قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾
ثم يذيل الحق الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
﴿واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ [الأنفال: ٤٦] .
стр. 5469
وهذه تتمة الصورة التي يريدنا الله أن نلتفت إليها، فقد أمرهم الله أن يثبتوا في القتال، والقتال يحتاج إلى قوة وإلى عدم تنازع وإلى صبر على الشدائد؛ خصوصاً إذا كان عدوك صابراً شديد البأس.
إذن ففي المعركة يريد الله من المؤمنين الثبات في القتال وعدم الفرار، وذكر الله كثيراً، وعدم التنازع حتى لا تضيع قوة المؤمنين، ويوصيهم سبحانه بالصبر؛ لأن عدوهم قد يكون عنده صبر وجلد، فلا بد أن يمتلك المؤمن رصيداً من الجلد والصبر؛ يُمَكّنه من هزيمة عدوه، وصفة الصبر تدل على المنافسة. وهي مأخوذة عندما كانوا يغطسون في الماء، فالذي يبقى تحت الماء أكثر من الآخر يكون نفسه أطول. ولذلك فسيدنا عباس وسيدنا عمر ﵄ دخلا في منافسة في الغطس. وقال له: نافسني، أي لنرى من الذي سيمكث تحت الماء أكثر - ويكون ﴿صابراً﴾ أي يتحمل أكثر في المواقف الصعبة ويصبر صبراً فوق صبر الخصوم. وقوله الحق هنا:
﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ [الأنفال: ٤٦] .
يثبت به أن كل مؤمن عليه أن يشعر أن الله ﵎ هو الذي انتدبه ليقوم بهذه المهمة القتالية وهو معه، فلا تخور نفسه؛ لأن الضعيف إذا ما تحصن بالقوي؛ أعطاه الجرأة والقدرة على الاحتمال، تماماً كالولد الصغير، إذا مشى في الشارع وحده قد يعتدي عليه الأولاد الآخرون، ولكن إذا كان يسير مع أبيه لا يقترب منه أحد، فما بالك بالإنسان الذي هو مع ربه؛ لذلك يوصي الحق كل مقاتل أن يتذكر أنه في معية ربه وأن أي حدث ضار في الكون لا يستطيع أن يناله مهما كان ضعيفاً لأن قوة الله معه.
ولذلك يروى أن رسول الله ﷺ َ قال: إن الله يقول يوم القيامة: «
стр. 5470
يابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده. . أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده. يابن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه. . أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يابن آدم استسقيتك فلم تسقني؟ قال يا رب وكيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي»
فإذا مرض إنسان فقد سُلبت منه العافية فلا يستطيع أن يسير ولا أن يتحرك، بل يرقد في فراشه ليتألم، ويوضح لنا الحق : أنا إن سلبت منه العافية، وهي نعمة فأنا عنده. ولذلك إياك أن تفزع إذا تركتك النعمة ما دام المنعم معك. والمريض المؤمن يستشعر أن الله معه.
وحين يكون المسلم في معيّة الله فإن مقاييس المادة والبشريات لا تجيء أبداً، والمثال هو رسول الله ﷺ َ وأبو بكر في الغار، وقد جاء الكفار عند باب الغار فرآهم أبو بكر ﵁ فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا. هذا كلام منطقي مع النظرة المادية، فلو انحنى أحد هؤلاء الكفار ونظر من باب الغار لرأى رسول الله ﷺ َ وأبا بكر، وأراد رسول الله ﷺ َ أن يطمئن أبا بكر وينفي عنه ما جاء في باله من خوف أن يراهما الكفار. كان المفروض أن يقول رسول الله ﷺ َ: يا أبا اطمئن، إنهم لن ينظروا داخل الغار، ولكن رسول الله ﷺ َ قال: ما ظنك باثنين الله ثالثهما وفي ذلك قال الإمام أحمد عن أنس أن أبا بكر حدثه قال: «قلت للنبي ﷺ َ ونحن
стр. 5471
في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» .
وما دام الله ثالثهما تكون المعيّة موجودة، وإذا كنت في معيّة من لا تدركه الأبصار، أتدركك الأبصار؟ . طبعاً لا تدركك أبصار الأعداء والخصوم. اللهم اجعلنا في معيّتك دائماً.
ثم يكمل الحق ما يريد ألا يكون عليه المؤمنون في ساعات الشدة فيقول ﵎: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَآءَ الناس ... ﴾
стр. 5472
والذين خرجوا من ديارهم بطراً هم الكفار عندما علموا أن أبا سفيان قد نجا بالقافلة ولم يتمكن المسلمون من الاستيلاء عليها، وهم قد خرجوا من مكة ليخلصوا القافلة من أيدي المسلمين، فلما قيل لهم إنَّ القافلة نجت يقيادة أبي سفيان فارجعوا. قالوا: لا يكفينان هذا، بل لا بد أن نخرج ونقاتل محمدا ومن معه، وننتصر عليهم وندق الطبول ونذبح الذبائح ليعلم أهل الجزيرة بخبر هزيمة محمد ومن معه فلا يجرؤ احد أن يتعرض لقافلة من قوافلنا.
إذن فهم لم يكتفوا بأن أموالهم قد رجعت إليهم، بل أرادوا أكثر مما يقتضي الموقف، أرادوا أن يخرجوا في مظاهرة ضلالية للمفاخرة والتكبر تُثبت أن لهم قوة.
стр. 5473
وكان يكفيهم نجاة القافلة وينتهي الأمر. وكان عليهم أن يرجعوا، ولكنهم أرادوا أن يقوموا بمظاهرة لا لزوم لها.
إذن فالمسألة شماتة، وهذا لون من البطر؛ أن تكون عندك نعمة فلا تقدرها حق قدرها، وتحب أن تعلو عليها. ويقال فلان بطران إذا أحضروا له الإفطار من الفول مثلاً ويقول: إنه يريد المربى والزبد وعسل النحل. وهكذا فعل كفار قريش، فلم يكتفوا بنجاة القافلة، بل استخفوا هذه النعمة فلم يكتفوا بها وطلبوا المزيد.
وقوله : ﴿وَرِئَآءَ الناس﴾
أي يريدون بالحرب مع رسول الله والذين آمنوا؛ السمعة بين الناس، وأن يعرف العرب أنهم خرجوا إلى المدينة وقاتلوا محمداً وصحبه لتكون لهم سمعة وهيبة بين الناس في الجزيرة العربية.
وقوله تعالى:
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ [الأنفال: ٤٧] .
لأن الناس حين يرون الكفار المعاندين لمنهج الله ورسوله ﷺ َ وقد صارت لهم اليد العليا، وهم يرقصون ويغنون لانتصارهم، ويرون المسلمين وهم مختفون خائفون من مواجهة الكفار، فسوف يغري ذلك الناس باتباع منهج الكفر، فكأن الكفار برغبتهم في قتال رسول الله وصحبه إنما يصدون عن سبيل الله. ثم يأتي الحق ليوضح: لا تحسبوا أنهم بعيدون عن علمي.
﴿والله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال: ٤٧] .
стр. 5474
أي أن الله محيط بكل أعمالهم، لا يغيب عنه عمل واحد مما يفعلونه، هو محيط بهم تماماً وهم لا يستطيعون أن يفلتوا منه.
ويريد الحق أن يلفتنا إلى دور الشيطان وأعوانه وما يفعله بالكافرين؛ فيقول ﵎: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ... ﴾
стр. 5475
وقد رأى رسول الله ﷺ َ في منامه الكفار وهم قليل وذلك من صنع الله تعالى لتتم المعركة، وبدأ الشيطان يزين للكافرين أعمالهم ويمتدحها، ويغويهم: أنتم كثيرون ولا أحد مثلكم في فنون القتال وستحصلون على النصر في لمح البصر. لكن الحق أراد أن يثبت المؤمنين ويقويهم، ولذلك شاء الله سبحانه أن يرى رسول الله ﷺ َ الكفار وهم قليل. والواقع أنهم قليل؛ لأن النصر ليس هنا بالعدد ولكن بتأييد الله تعالى، ومهما كثر الكفار فهم أمام تأييد الله قليل. ويحاول الشيطان أن يزين للكفار قتال المؤمنين، أي يجعله محبباً إلى نفوسهم وأنهم سيحققون النصر، ويصبحون حديث الجزيرة العربية كلها، وتخافهم الناس وتهابهم ويصبحون هم الكبراء وأصحاب الكلمة. وهكذا صور الشيطان لهم عملية قتال المسلمين في صورة محببة إلى قلوبهم. وهنا نرى بوضوح غباء الشيطان وعجزه
стр. 5476
عن أن يعلم قضاء الله، فلو علم ما ستنتهي إليه معركة بدر ما زين للكفار دخول المعركة؛ لأن المعركة انتهت بنصر المسلمين وقتل صناديد قريش، وعلت صورة المؤمنين في الجزيرة العربية كلها. ولم يكن النصر هو ما يريده الشيطان، ولكنه لجهله زين للكافرين المعركة.
وفي ذلك يقول الحق :
﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ اليوم مِنَ الناس وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
أي أن وسوسة الشيطان للكفار كانت في صورة تضخيم قوتهم وأن أحداً لن يغلبهم في قتالهم ببدر، وأنه - أي الشيطان - سيناصرهم في المعركة ويجيرهم إن حدث لهم سوء، ولكن هل للشيطان سلطان على أن يُعين الكفار؟ نحن نعلم أن الشيطان ليس له سلطان إلا التزيين فقط، فكيف يكون له سلطان على نتيجة المواجهة بين الحق والباطل؟ . إن الشيطان يأتي في الآخرة فيطلب منه الكفار أن يجبرهم من عذاب الله تعالى؛ لأنه هو الذي أغواهم وزين لهم سوء أعمالهم وجرهم إلى طريق النار، فيتبرأ منهم ويقول لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] .
أي أنه يقول للكافرين: أنا لم أجبركم على المعاصي، فلم يكن لي عليكم سلطان القهر؛ لأقهركم على أن تفعلوا شيئاً ولا سلطان الحجة لأقنعكم بأن
стр. 5477
تفعلوا المعاصي، ولكني بمجرد أن دعوتكم استجبتم لي؛ لأنكم تريدون المعصية واتباع شهواتكم. وقوله: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾
وأصرخ فلاناً أي سمع صراخه فذهب إليه لينقذه، والإنسان عندما يواجه قوة أكبر منه يلجأ إلى الصراخ لعل أحداً يسمع صراخه ويأتي لنجدته. والذي يسمع الصراخ إما أن يكون ضعيفاً فلا يستجيب؛ لأنه لا يستطيع أن ينقذ ذلك الذي يواجه الخطر، وإما أن يكون قوّياً فيذهب لنجدته، فيقال: (أصرخه) أي أنقذه وأزال سبب صراخه، وقوله تعالى: حاكيا ما يقوله الشيطان ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾
أي أن الشيطان لا يستطيع أن ينجيهم من العذاب وينقذهم منه، فيزيل سبب صراخهم: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾
أي أنتم لا تستطيعون دفع العذاب عني.
وقد أخذ الشيطان يزين لهم أعمالهم ويعدهم كذباً بأنه سيجيرهم ويؤازرهم ويعمل على نصرهم حتى اقترب المؤمنون والكفار من بعضهم البعض وأصبحوا على مدى رؤية العين.
﴿فَلَمَّا تَرَآءَتِ الفئتان نَكَصَ على عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي برياء مِّنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] .
أي أنه بمجرد الترائي بين المؤمنين والكفار، وقبل أن يلتحموا في المعركة ويبدأ القتال هرب الشيطان وتبرأ من الكفار وجرى بعيداً، وهذا ما يشرحه الله تعالى في قوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكفر فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي برياء مِّنكَ إني أَخَافُ الله رَبَّ العالمين﴾ [الحشر: ١٦] .
стр. 5478
وهذا كلام منطقي مع موقف الشيطان حينما طرده الله ولعنه؛ لأنه رفض تنفيذ أمر السجود لآدم؛ فقال له الله : ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتي إلى يَوْمِ الدين﴾ [ص: ٧٨] .
حينئذ تضرع الشيطان إلى الله تعالى أن يبقيه إلى يوم القيامة: ﴿قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: ١٤] .
وهكذا أقر الشيطان بطلاقة القدرة لله تعالى وبأنه عاجز لا يقدر على شيء أمام قوة الله، فقال الحق ﵎: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ [الحجر: ٣٧ - ٣٨] .
إذن فالشيطان لا قدرة له ولا قوة على فعل شيء، وكل ما يمكنه هو الخداع والتزيين والكذب، ولذلك أخذ يخدع الكفار ويكذب عليهم، وما أن صار المؤمنون والكفار على مدى رؤية العين بعضهم لبعض، هرب الشيطان وفزع ونكص على عقبيه، وأعلن خوفه من الله؛ لأنه يعلم أن الله شديد العقاب.
إذن فمصدر خوف الشيطان هنا هو الخوف من العقاب ومن العذاب الذي سيصيبه حتماً، ولم يفزع الشيطان - إذن - حبّاً لله تعالى.
ثم يعطينا الحق صورة أخرى: ﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ ... ﴾
стр. 5479
«المنافق» كلمة مأخوذة من نافقاء اليربوع، وهو حيوان يشبه الفأر يعيش في الجبال في سراديب، وحين يتتبعه حيوان آخر ليفترسه، فهو يسرع إلى جحره الذي يشبه السرداب، وهو يفتح أكثر من فتحة لهذا الجحر لتكون مخارج له، ومثل هذه الفتحات كالأبواب الخلفية، فينجو من الافتراس، فكأنه فتح لنفسه نفقاً، ينافق منه غيره فلا يقوى على اللحاق به. ولذلك نجد المنافق متعارضاً مع نفسه؛ ينطق لسانه بما لا يؤمن به، وبينما المؤمن منسجم النفس؛ ينطق لسانه بما في قلبه، والكافر أيضا كذلك منسجم ينطق لسانه بما في قلبه من الكفر، ولكن المنافق متخبط مع نفسه، لسانه يقول كلمات الإيمان وقلبه يضمر الكفر، وهكذا تتعاند ملكات المنافق، وحينما يكون القلب واللسان متعاندين لا توجد راحة نفسية، وحسبك من المنافق أنه متعاند في الملكات.
ويصف الحق المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] .
إذن فالذاتية ضائعة؛ لأن الإنسان لا يفقد ذاته حينما تكون ملكاته منسجمة ولا توجد ملكة تعارض ملكة أخرى ويكون عمله متوازناً، ولكن الذي تتعاند ملكاته يعيش دائما في قلق نفسي وحيرة. ولذلك يحاول أن يهرب من واقعه، فيلجأ إلى المخدرات أو غيرها، وليس الحل بأن يخدر الإنسان نفسه أمام الأحداث، ولكن لا بد أن يواجه الإنسان الأحداث ويحاول إيجاد حل لها، والمنافق لا يقدر على ذلك فينهار، ويقول الله تعالى:
﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] .
стр. 5480
وبعد أن ينتصر المؤمنون نجدهم وهم يزدادون إيماناً وثقة في أنفسهم، وتملؤهم عزة الإيمان، فينظر إليهم المنافقون بحسد وحقد؛ لأنهم يكرهون المؤمنين؛ ولا يتمنون لهم خيراً، فهم في نفاقهم كفار، في قلوبهم غل للمؤمنين يخاطب بعضهم البعض ويقولون: أصاب هؤلاء الغرور بدينهم. ولكن ما أصاب المؤمنين ليس غروراً؛ لأن معنى الغرور أن تغار بخصلة فيك تجعلك متفوقاً على غيرك؛ والمؤمن ساعة النصر لا يغتر بنفسه ولكنه يعتز بالله القوي العزيز، ويزداد تواضعاً له ويكون مشغولاً بشكر الله على ما حققه له من نصر، أما المغرور فهو من يعزل النعمة عن المنعم وينسبها لنفسه. والمؤمنون ينسبون كل شيء لله ﵎؛ لأنهم يعلمون أن النعمة عطاء من يد الله الممدودة بالنعم التي لا تعد ولا تحصى وما دامت النعمة لم تبعد الإنسان عن الله، فإن الله يزيده منها؛ لأنه مأمون على النعمة وينسبها لصاحبها، والمغرور يستعلي بأي خصلة يتميز بها عكس المؤمن الذي لا يستعلي أبداً بها؛ لأنه يعلم أنه لا ذاتية له، وأن الفضل لله تعالى، وذلك يقول الحق ﵎ وهو يصف المؤمنين:
﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .
والشدة هنا ليست غروراً، ولكنها طبع وملكة، ولو كانت غروراً لبقيت كما هي، ولكن المؤمن شديد على الكفار ذليل على المؤمنين لا يتكبر عليهم أبداً، ولا يمكن أن يجعله إيمانه في قالب جامد؛ لأن الإيمان يعطي المؤمنين مرونة أمام الأحداث، لذلك نجد المؤمن لا هو شديد على إطلاقه، لأن هناك مواقف تتطلب الرحمة في التعامل مع المؤمنين، ولا هو رحيم على إطلاقه؛ لأن هناك مواقف تتطلب الشدة في مواجهة الكفار.
وكان سيدنا أبو بكر ﵁ معروفاً بأنه كان كثير البكاء من خوفه وخشيته لله؛ وقلبه مليء بالرحمة على المؤمنين. ولكن عندما جاءت
стр. 5481
حرب الردة لمانعي الزكاة ماذا حدث؟ . جلس هو وعمر بن الخطاب، والمعروف عن عمر أنه كان شديدا، وجلسا يتشاوران، وكان رأي عمر ألا يقاتلوا من ارتدوا بإنكارهم ومنعهم الزكاة؛ لأنهم قالوا: لا إله إلا الله، فقال له أبو بكر: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ َ لقاتلتهم على منعه» .
هذا هو أبو بكر الذي عُرف عنه أنه كان كثير البكاء من خشية الله تعالى، وكان قلبه يمتلىء بالرحمة للمؤمنين. إنه يعلن في قوة وشدة في الحق أنه سوف يقاتل الخارجين على حدود الله والمانعين المنكرين للزكاة. ولو أن هذا الأمر حدث من عمر لقال الناس: شدة ألفناها، ولكن أن يحدث هذا الأمر من هذا الرجل الطيب الرحيم المطبوع على الرقة وعلى اللين؛ فهو أمر يبين لنا شدة المؤمن في مواجهة الكفر. المؤمن - إذن - لا هو مطبوع على الشدة المطلقة ولا هو مطبوع على الرحمة المطلقة، لكنه شديد حين تكون الشدة مطلوبة للدين، ورحيم حينما تكون الرحمة مطلوبة للدين، وعزيز حين تكون العزة للدين، وذليل حين تكون الذلة للدين. إذن فقول المنافقين: ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ لا يستند إلى حكم صحيح، بل هو مما يمليه عليهم نفاقهم، لماذا؟ .
لأن المؤمنين يتوكلون على الله دائما وينسبون كل الفضل لله تعالى:
﴿فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] .
وما دام الله عزيزاً فالذي آمن به عزيز، وسبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] .
стр. 5482
وما دام الله حكيماً فهو يعطي الحكمة للمؤمنين، والتوكل على الله معناه أن تكل كل أمورك إليه ، وأول هذه الأمور أنه أمرك بالأخذ بالأسباب، فلا تترك الأسباب أبداً، بل خذ بها دائما مع التوكل عليه فإذا لم تسعفك فهناك المسبب. فقد قال الحق ﵎ لعباده المؤمنين: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] .
وأمرنا : بالسعي فقال :
﴿فامشوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] .
فهو كما أمر المؤمنين بأن يقاتلوا ويأخذوا بالأسباب؛ لأنه سبحانه يريد أن يعذب الكفار بأيدي المؤمنين، أمرهم كذلك أن يسعوا في سبيل الرزق.
وأنت حين تتواكل تنقل صفة إلى صفة؛ لأن التوكل عمل القلوب، والعمل تقوم به الجوارح، فلا تجعل التواكل عمل الجوارح؛ لأن الجوارح تعمل بالأسباب. والقلوب تتوكل على الله، وهكذا نفهم أن التوكل الحقيقي للجوارح هو أن تعمل ولذلك فلا بد من العمل والأخذ بالأسباب مع التوكل، ولا بد لنا أن ننتبه إلى المنافقين في بدر الذين قال عنهم الله :
﴿إِذْ يَقُولُ المنافقون والذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩] .
والمنافقون - كما قلنا - هم القوم الذين تتصارع ملكاتهم، وما على ألسنتهم يتناقض مع ما في صدورهم، أما الذين في قلوبهم مرض فهم ضعيفو الإيمان؛ مسلمون ساعة الرخاء؛ فارون من الدين ساعة الشدة. إذن فهناك
стр. 5483
فريقان ذكرهما الحق ؛ المنافقون وهؤلاء كانوا من الأوس والخزرج ملكاتهم متضاربة؛ لأنهم كانوا يريدون السيادة على المدينة. وواحد منهم كان ينتظر أن يلبس تاج الملك، وبمجيء رسول الله ﷺ َ إلى المدينة تنتهي منه هذه الفرصة وتضيع فرصة الملك والزعامة، وقد أوجد ذلك في نفسه حقداً وغيظاً. ولكن ظاهرة الإقبال من أهل المدينة كلهم على الإيمان والدخول في الإسلام؛ جعلت هؤلاء المنافقين لا يستطيعون المقاومة؛ لذلك نطقوا الشهادتين بألسنتهم وبقي في قلوبهم حقد وضغينة على الإسلام، فالواحد منهم تتجاذبه ناحيتان متعارضتان.
والذين في قلوبهم مرض ليسوا منافقين ولكنهم ضعيفو الإسلام، وقد دخلوا إلى الدين ليأخذوا وهم لا يعطون، فإذا أعطاهم الإسلام بعضاً من نعم الدنيا فرحوا بها، وإذا أصابتهم شدة هربوا. ومن هؤلاء بعض الذين أسلموا في مكة. ولكن إسلامهم لم يصل بهم إلى أن يهاجروا إلى المدينة؛ خوفا من أن يتركوا أموالهم وأولادهم فظلوا في مكة، ومرضى القلوب هؤلاء لا يعدمون الحياة؛ لأن المرض لا يعدم الحياة، لكنهم كانوا يعانون من عدم صحة الإيمان، ولما جاءت عملية القتال في غزوة بدر تشاوروا: أيذهبون مع الكفار أو لا يذهبون؟ ومع أي من الفريقين يقاتلون؟ . وقالوا: نخرج مع الكفار فإن وجدنا أنهم أقوى كنا معهم، وإن وجدنا المسلمين هم الأقوياء انضممنا إليهم.
ومن هؤلاء قيس بن الوليد المغيرة وعلي بن أمية بن خلف والعاصي ابن منيه بن الحجاج والحارث بن زمعة بن الأسود بن المطلب وأبو القيس بن الفاكه ابن المغيرة. وتجمع هؤلاء مع بعضهم وذهبوا إلى المعركة لينضموا إلى المنتصر، مؤمنا كان أو كافرا. وهم أخذوا هذا الموقف؛ لأن صحة الإيمان في قلوب هؤلاء غير موجودة فهم أصحاب قلوب مريضة ومتعلقة بحب الدنيا.
стр. 5484
وما قاله المنافقون والذين في قلوبهم مرض يدل على الرغبة في اتقاء الضرر، مع أن هؤلاء في المدينة وهؤلاء في مكة ولكنهم قالوا شيئاً واحداً، وهذا دليل على أن إغواء الشيطان للفريقين كان واحداً. ولذلك اتحدت العبارة. وقال هؤلاء وهؤلاء: ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾
قالها الفريقان (فريق المنافقين وفريق الذين في قلوبهم مرض) مع اختلاف المكان، فبعضهم - كما علمنا - من مكة وبعضهم من المدينة. إذن فلا بد من وجود قاسم مشترك دفعهم أن يقولوا قولاً واحداً، أي أن الشيطان وسوس إليهم بهذه العبارة. ولذلك كان الوجب أن ينتبهوا إلى أن اتفاق القول دليل إغواء الشيطان لهم.
وما معنى: ﴿غَرَّ هؤلاء دِينُهُمْ﴾ .
غررت فلاناً أي زينت له الأمر تزييناً بحيث يقبل عليه إقبالاً لا ترشحه قوته له، وقويت استعداده لكي يقوم به، فإذا جئت لإنسان محدود الدخل مثلاً وأردت أن تغريه بشراء سيارة. فأنت تقول لتزين له المسألة: اقترض من فلان وفلان وادفع الباقي بالتقسيط، كأنك تغريه أن يتخذ موقفاً غير موقفه الذي كان ينوي القيام به.
ولكن ما وجه الغرور في الدين؟ .
إن المؤمنين المغترين بدينهم قد أحسوا بكثرتهم رغم أن عددهم قليل. فأقبلوا على الحرب بالرؤيا التي أراها الله لرسوله ﷺ َ بأن عدد الكفار قليل، وبوعد الله لهم بالنصر، أو غرهم بأن أوضح لهم أنَّ الذي يموت مقتولاً في هذه الحرب يصير شهيداً وتكتب له حياة خالدة، وقد جعل ذلك القوي منهم والضعيف يقاتلان بقوة؛ لأن الشهيد سيذهب إلى الجنة. وهكذا - في رأي المنافقين - اغتر المؤمنون بدينهم.
стр. 5485
ويرد الله عليهم بقوله تعالى:
﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَإِنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] .
هذا هو الرد عليهم في أن المؤمنين لم يغرهم دينهم، بل إنهم متوكلون على الله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وكافيه، وسبحانه عزيز لا يغلب، وحكيم يضع الهزيمة في موضعها والنصر في موضعه.
إذن فالمسألة أن هؤلاء المؤمنين قد اختاروا الله فأعزهم ونصرهم.
ولكن هل قيلت هذه العبارة من المنافقين علناً؟ . لا، إنهم لم يجرءوا أن يعلنوها بل قالوها سّراً في أنفسهم، فأعلم الله رسوله بما حدث في نفوسهم، وكانت هذه لفتة من الله بأن فضح حقيقتهم لعلهم ساعة يسمعون ما يدور في نفوسهم؛ قد يتركون نفاقهم ويعودون إلى حظيرة الإيمان الصحيح، خصوصاً إذا انتبهوا إلى قول الحق : ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] .
ففي هذه الآية الكريمة يوضح الله موقف المؤمنين في كل معركة يخوضونها، فهم إما أن ينتصروا ويهزموا الكفار ويقتلوهم ويأخذوا غنائمهم، وإما أن يستشهدوا فيدخلوا الجنة، وكلّ من الأمرين خير. وكشف الحق ما يدور في صدور المنافقين، وكان ذلك تنبيهاً للمؤمنين بألا يؤثر فيهم كلام المنافقين؛ لأن المؤمنين قد توكلوا على الله والله غالب على أمره.
ويقول الحق بعد ذلك:
стр. 5486
﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة ... ﴾
стр. 5487
والذي يُوجه إليه هذا الخطاب هو رسول الله ﷺ َ. ومعناه لو كشفنا لك الغيب لترى، وتلاحظ أن الله ترك الجواب، فلم يقل ماذا يحدث لهذا الكافر الملائكة يضربونه، وإذا ما حذف الجواب فإنك تترك لخيال كل إنسان أن يتصور ما حدث في أبشع صورة، ولو أن الحق جاء بجوابه لحدد لنا ما يحدث، ولكن ترك الجواب جعل كلا منا يتخيل أمراً عجيباً لا يخطر على البال، ويكون هذا تفظيعاً لما سوف يحدث.
والصورة هنا تنتقل بنا من عذاب الدنيا للكفار إلى ساعة الموت.
و ﴿يَتَوَفَّى﴾ أي لحظة أن تقبض الملائكة أرواح الكافرين، والتوفي وهو قبض الأرواح يجيء مرة منسوباً لله مصداقاً لقوله:
﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم﴾ ومرة يأتي منسوباً لرسل من الله: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ ومرة يأتي منسوباً إلى ملك الموت وهو عزرائيل: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت﴾
وبذلك يكون التوفي في أسند مرة إلى الله ومرة إلى عزرائيل ومرة إلى رسل الموت، ونقول: لا تعارض في هذه الأقوال؛ لأن الأمر في كل الأحوال يصدر من الله ، إما أن يقوم عزرائيل بتنفيذه وإما جنوده وهم كثيرون.
الأمر الأصيل - إذن - من الله، وينسب إلى المتلقي المباشر من الله وهو عزرائيل، ويُنسب إلى من يطلب منهم ملك الموت أن يقوموا بهذه العمليات.
стр. 5488
وهذا العذاب يحدث ساعة الاحتضار وهي اللحظة التي لا يكذب الإنسان فيها على نفسه؛ لأن الإنسان قد يكذب على نفسه في الدنيا، وقد يكون مريضاً بمرض لا شفاء منه فيقول: سأشفى غداً، ويعطي لنفسه الأمل في الحياة، وقد يكون فقيراً لا يملك من وسائل الدنيا شيئاً ويقول: سوف أغتني؛ لأن الإنسان دائما يغلب عليه الأمل إلا ساعة الاحتضار، فهذه لحظة يوقن فيها كل ميت أنه ميت فعلاً ولا مفَّر له من لقاء الله، ولذلك تجد أن الذي ظلم إنساناً لحظة يموت يقول لأولاده: أحضروا فلاناً لقد ظلمته فردوا له حقوقه نحوي وما ظلمته فيه، والإنسان لحظة الاحتضار يرى كل شريط عمله. فإن كان مؤمناً رأى شريطاً منيراً؛ فيبتسم ويستقبل الموت وهو مطمئن. وإن كانت أعماله سيئة فهو يرى ظلاماً، ويتملكه الذعر والخوف لأنه عرف مصيره.
وحينما زين الشيطان للكفار أن يقاتلوا المؤمنين ووعدهم بالنصر، وقال: إنني سأجيركم إذا دارت عليكم الدائرة، فلما أصبح المؤمنون والكفار على مدى الرؤية من بعضهم البعض هرب الشيطان؛ لأنه رأى من بأس الله ما لم يره الكفار، وهذا هو موقف الشيطان دائماً، إذا رأى بأس الله أسرع بالفرار، ويعترف أن كل حديثه لابن آدم إنما هو وعد كاذب سببه الحقد الذي في قلبه؛ لأنه تلقى العقاب من الله بعد أن رفض تنفيذ أمر الله له بالسجود لآدم، وهو الذي أوجب عليه العذاب الذي سيلاقيه.
ونرى الشيطان مثلاً كما يخبرنا الحق بقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] .
أي أنه أقسم بجلال الله وعزته. ومعنى عزة الله أنه غني عن خلقه جميعاً لا يحتاج لأحد منهم، فهو الله بجلال وجمال صفاته قبل أن يوجد أحد من خلقه قد خلق هذا الكون وأوجده ولم يستعن بأحد، ولو آمن به الناس جميعاً
стр. 5489
ما زاد ذلك في ملكه شيئاً. ولو كفر به الناس جميعاً ما نقص ذلك من ملكه شيئاً. وقسم إبليس بعزة الله إقرار منه بها. وقد أقسم بعزة الله أن يطلب الغواية للإنسان؛ لأن الله ما دام لا يزيد ملكه ولا ينقص بإيمان خلقه؛ لذلك أعطاهم حرية الاختيار، ولو أراد الله الناس مؤمنين ما استطاع إبليس أن يقترب من أحد منهم، ويحاول إبليس بحقده على الإنسان وكرهه له أن يصرفه عن طريق الإيمان، ولكن هل يملك إبليس قوة إغواء على مؤمن؟ . لا، ولذلك فهناك استثناء: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [ص: ٨٣] .
أي أن إبليس لا يستطيع أن يقترب من عبد مؤمن مخلص في إيمانه. ولذلك لا بد أن نلتفت إلى قول الشيطان الذي جاء على لسانه في الآية الكريمة: ﴿إني أَخَافُ الله والله شَدِيدُ العقاب﴾ [الأنفال: ٤٨] .
إذن فما دام إبليس يخاف الله، وما دام يعلم أن الله شديد العقاب فما الذي أذهب عنه هذا الخوف حين أمره الله بالسجود لآدم فعصى؟ . خصوصاً وهو يعلم أن الله شديد العقاب، ولو كان قد عرف أن الله لا يعاقب أو يعاقب عقاباً خفيفاً لقلنا أغرته بساطة العقاب بالمعصية. ولكن علمه بشدة العقاب كان يجب أن يدفعه إلى الطاعة من باب أولى.
ونقول: إنه في ساعة الكبر نسي إبليس كل شيء!!
فأنت في حين يأخذك الكبر تتعالى ولو في مواقع الشدة، حتى وإن علمت أنه قد يصيبك عقاب شديد، ولكن يختفي كل هذا من نفسك إذا دخل فيها الكبر.
стр. 5490
ولذلك قد تجد إنساناً يُعذب بضرب شديد ولكن الكبر في نفسه يجعله لا يصيح ولا يصرخ. ونجد إنساناً قد يتخذ في لحظة كبر قراراً له عواقب وخيمة ولكنه يتحمله. وإبليس ساعة رفضه تنفيذ أمر السجود كان يمتلىء بالكبر والغرور، فتكبر على أمر الله وملكه الغرور فقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ [الإسراء: ٦١] .
إذن ففي لحظة الكبر نسي إبليس كل شيء، واندفع في معصيته يملؤه الزهو وأصر على المعصية رغم علمه أن الله شديد العقاب.
وفي قوله تعالى:
﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠] .
نجد أنه قد حذف جواب «لو» والمعنى لو كشف الحجاب لترى الملائكة وهم يتوفون الذين كفروا لرأيت أمرا عظيما فظيعا، وهل يحدث هذا ساعة القتال عندما يُقتل الكفار في المعركة وتستقبلهم الملائكة بالضرب، أم يحدث هذا الأمر لحظة الوفاة الطبيعية؟ .
كلاهما صحيح والعذاب هذا أخذ صفة الإقبال ومحاولة الهرب، ولذلك قال الحق :
﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ. .﴾ [الأنفال: ٥٠] .
فالمقبل منهم يضربونه على وجهه، فإذا أدار، وجهه ليتقي الضرب، يضربونه على ظهره، وكان الكفار يعذبون المؤمنين بهذه الطريقة؛ فالمقبل عليهم
стр. 5491
من المؤمنين يضربونه على وجهه، فإذا حاول الفرار ضربوه على ظهره وعلى رأسه.
ويذيق الله الكافرين ما كانوا يفعلونه مع المؤمنين. ولكن الفارق أن الضارب من الكفار كان يضرب بقوته البشرية المحدودة. أما الضارب من الملائكة فيضرب بقوة الملائكة. ويقال: إن الملائكة معهم مقامع من حديد. أي قطع حديد ضخمة يضربون بها وجوه الكفار وأدبارهم. ومن شدة الضربة واحتكاك الحديد بالجسم تخرج منه شرارة من نار لتحرق أجساد الكفار.
ولذلك يقول الحق :
﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ الحريق﴾ [الأنفال: ٥٠] .
إذن فهم يضربون الكفار ساعة الاحتضار ضرباً مؤلماً جدا هذا الضرب رغم قسوته، والشرر الذي يخرج منه لا ينجيهم في الآخرة من عذاب الحريق.
ولذلك «أقبل صحابي على رسول الله ﷺ َ وقال له: يا رسول الله. . لقد رأيت في ظهر أبي جهل مثل شراك النعل. أي علامة من الضرب الشديد ظاهرة على جسده، فقال رسول الله ﷺ َ: ذلك ضرب الملائكة، وجاء صحابي آخر وقال: يا رسول الله. . لقد هممت بأن أقتل فلانا فتوجهت إليه بسيفي، وقبل أن يصل سيفي إلى رقبته رأيت رأسه قد طار من فوق جسده. فقال له رسول الله ﷺ َ: سبقك إليه الملك» وذلك مصداقاً لقول الحق : ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب فاضربوا فَوْقَ الأعناق واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] .
стр. 5492
وهنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق ﵎:
﴿وَلَوْ ترى إِذْ يَتَوَفَّى الذين كَفَرُواْ الملائكة يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٠] .
أي أن الضرب فيه إهانة أكثر من العذاب، ولو أن العذاب قد يكون أكثر إيلاماً. فقد يقوم مجرم بارتكاب جريمة ما فإذا أُخِذَ وعُذب ربما تحمل العذاب بجلد، ولكنَّه إذا ضُرب أمام الناس كان ذلك أشدَ إهانة له، فإذا كان الضرب من الذي وقعت عليه الجريمة كانت الإهانة أكبر.
ولكن هذا الضرب والعذاب لا ينجيهم من عذاب النار، بل يدخلون إلى أشد العذاب يوم القيامة، وهذه نتيجة منطقية لما يفعله الكفار من عدم الإيمان بالله ومن قيامهم بإيذاء المؤمنين به والإفساد في الأرض.
ويقول الحق بعد ذلك: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ ... ﴾
стр. 5493
نحن نعلم أن معظم أعمال الإنسان يزاولها بيده، وقد يفعل أشياء بقدميه أو بلسانه؛ لكن معظم الأعمال تتم باليد؛ لأن اليد تحمل القدرة على الفعل. فسبحانه لم يفتئت عليهم.
و «ذلك» إشارة إلى الضرب والعذاب الذي ينالونه جزاء ما قدمت أيديهم. ويقول :
﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١] .
стр. 5494
أي أن العذاب الذي يصيب الكفار يكون نتيجة أمرين؛ ما قدمت أيديهم أي بما كسبت من الآثام والمعاصي، وعدل الله .
ونجد الحق يقول: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الذين قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق ذلك بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨١ - ١٨٢] .
ويقول في سورة الحج: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلعَبِيدِ﴾ [الحج: ١٠] .
وهكذا نجد أن الحق قد قال: إنه ليس بظلام للعبيد ثلاث مرات في القرآن الكريم، والذين يحبون أن يستدركوا على كتاب الله يقولون: إنَّه جاء في القرآن أكثر من مرة أنه ليس بظلام للعبيد. فهل هذا يعني أن الله - معاذ الله - ظالم؟ . ونقول: لا، فسبحانه ينفي الظلم عن نفسه على إطلاقه. والإنسان حين يظلم فهو ظالم، فإذا اشتد ظلمه وتعدد، يقال: «ظلاَّم» . إذن فهذه صيغة مبالغة في الظلم، مثلما تقول: فلان «آكل» وفلان «أكّال» أي كثير الأكل مبالغة في تناول الطعام. وتقول: فلان «ناجر» أي أمسك قطعة خشب بدون خبرة وصنع منها شيئاً. ولكنك إذا قلت: «نجَّار» كانت هذه صيغة مبالغة تبين إاتقانه في صنعته، كذلك «خائط» و «خيَّاط» ، ونقول: فلان «جازر» أي يستطيع أن يذبح، فإذا قلت: «جزَّار» أي عمله هو أن يذبح بإتقان.
стр. 5495
إذن «فعَّال» صيغة مبالغة في الفعل. وصيغ المبالغة لها حالتان، حالة إثبات وحالة نفي. فأنت حين تقول: فلان «أكّال» أثبت له صفة المبالغة في الأكل - أي كثرة الأكل، ومن باب أولى صفة الأكل مطلقاً، وما دمت قد أثبت له الصفة الأعلى تكون الصفة الأدنى ثابتة، فإذا قلت: إن فلاناً «خياط» أثبت له أنه يعرف الخياطة ويجيدها. وإن قلت: إنه «نجَّار» أثبت له أنه ناجر متقن للنجارة، أما من ناحية النفي فإذا قلت: إن فلاناً ليس أكَّالاً تنفي المبالغة ولكنها لا تنفي أنه يأكل، فإذا قلت: إن فلاناً ليس نجاراً نفيت عنه إتقانه للنجارة ولكنك لا تنفي عنه أنه قد يكون ناجراً، وإذا قلت: إن فلاناً ليس علاّمة فقد يكون عالماً.
وأنت عندما تثبت الأعلى تثبت الأدنى، وعندما تنفي الأعلى لا تنفي الأدنى. وعندما تقول: إن فلاناً ليس ظلاَّماً، تكون قد نفيت الأعلى. ولكن لا يلزم نفي الأدنى فقد يكون ظالماً فقط وليس ظلاَّما. إذن فكلمة «ليس ظّلاماً» نفت المبالغة فقط ولكنها لم تنف الظلم. وهذا ما قاله المستشرقون: إن آيات القرآن يناقض بعضها بعضاً، ففي آية مثلاً يقول: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ﴾ فنفي الأعلى ولا يلزم من نفي الأعلى نفي الأدنى. ويقول في آية أخرى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] .
فنفي الأدنى والأعلى. وهذا في رأيهم تضارب. نقول: هل إذا نفي الأعلى يلزم أن يثبت الأدنى؟ طبعاً لا، إن نفي الأعلى لا يمنع أن يوجد الأدنى ولكنه لا يلزم بوجوده.
إذن فقول الحق :
стр. 5496
نفي مبدأ الظلم، وقوله تعالى:
﴿وَأَنَّ الله لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١] .
نفي مبدأ المبالغة، والقرآن يكمل بعضه بعضاً، فإذا قيل: إن الله نفى الأعلى وهذا إثبات للأدنى نقول: إن نفي الأعلى لا يلزم منه إثبات الأدنى ولا يمنع من وجود الأدنى، فإذا جاءت آية أخرى ونفت الأدنى، إذن فلا هو بظلاَّم ولا هو بظالم. ولا بد أن نلتفت إلى الإعجاز القرآني في الأسلوب، فالمتكلم هو الله. نقول: هل قال الله : ليس بظلاَّم للعبد أم ليس بظلاَّم للعبيد؟ لقد قال الحق: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ وهي هنا صيغة مبالغة، والمبالغة مرة تكون في قوة الحدث وإن لم يتكرر، ومرة تكون في المبالغة في تكرار الحدث، والإنسان حين يظلم ظلماً بيّناً مبالغاً فيه يقال عنه: إنه ظلاَّم؛ لأنه بالغ في الظلم، فإذا لم يبالغ في الظلم وكان ظلماً بسيطاً ولكنه شمل عدداً كبيراً من الناس يكون ظلاَّما نظراً لتعدد المظلومين.
وما دام الحق قال: ﴿لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ ؛ ولم يقل: ليس بظلاَّم للعبد، وبما أن الظلم يتناسب مع القدرة. نجد مثلاً قدرة الحاكم على الظلم أكبر من قدرة محدود النفوذ؛ وهذه أكبر من قدرة الشخص العادي، فلو كان الله مع كل واحد من عباده ظالماً ولو مثقال ذرة لقيل: ظلاَّم. وقد أراد الله بهذه الآية الكريمة أن يخبرنا أنه لا يظلم أحداً ولو مثقال ذرة، إذن فهو ليس بظلاَّم للعبيد؛ لأنه لو ظلم كل عبد من عباده ذرة لكانت كمية الظلم هائلة لكثرة العباد. ولكن حتى هذه الذرة من الظلم لا تحدث من الله سبحانه؛ لأن الله ليس بظلاَّم للعبيد.
стр. 5497
ثم يعطينا الحق أمثلة قمة الكفر في الحياة الدنيا فيقول ﵎: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ ... ﴾
стр. 5498
و ﴿الدأب﴾ هو العادة التي تتكرر مع الإنسان ويقال: دؤوب على كذا؛ أي يفعله باستمرار. ويوضح الله هنا لرسوله ﷺ َ: دأب هؤلاء الكفار معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك يا محمد، أي عادتهم معك، كدأب آل فرعون مع رسولهم، أي أنهم يفعلون معك كما فعل آل فرعون مع موسى ﵇.
وقوله تعالى: ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾
أي قوم نوح وهود وصالح ولوط وغيرهم، ما الذي حدث لهؤلاء؟؛ هلاك أو اسئصال أو تعذيب أو إغراق أو خسف. إذن فالكفار الذين يعادون رسول الله ﷺ َ ويحاربونه، ويقفون موقف الأذى منه، هذا الدأب والموقف منهم معه مثل دأب وموقف آل فرعون مع موسى ﵇، وقوم لوط مع لوط ﵇، وكذلك الذين من قبلهم، ويقول الحق ﵎:
﴿كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله﴾ [الأنفال: ٥٢] .
стр. 5499
فهل تركهم الله؟ . لا. ﴿فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ﴾
فمنهم من أُغرقوا، ومنهم من أصابتهم الصاعقة، ومنهم من خسف الله بهم الأرض، وما دام الله قد فعل ذلك مع الكفار السابقين كما هو ثابت. فسبحانه سوف ينزل عقابه على الكفار الذين يكذبون رسول الله ﷺ َ، وهم لن يخرجوا عن قاعدة التعامل مع المكذبين للرسل، وقد حدثت سوابق مشابهة في الكون وقضايا واقعية. فآل فرعون مثلاً بلغوا قمة التقدم والحضارة في عصرهم وسبحانه وتعالى يقول عن حضارة الفراعنة: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ [الفجر: ١٠] .
وبالنسبة لثمود إذا ذهبنا إلى مدائن صالح في السعودية نجد آثار ثمود وقد حفروا بيوتهم في صخور الجبال، ويقول الحق عن حضارة ثمود: ﴿وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد﴾ [الفجر: ٩] .
وكل الحضارات القديمة قد زالت في غالبيتها ولا أثر لها، وإن وجد أثر، فهو أثر قليل وبسيط لا يحمل كل سمات الحضارة، إلا آثار الفراعنة؛ حيث تحوي مسلات ضخمة وأعمدة عالية وأهرامات كبيرة وهي باقية، أما حضارة قوم عاد فالحق سبحانه قد طمس آثارها فلم نعثر منها على شيء حتى الآن. لقد انطمست غالبية آثار الحضارات إلا آثار حضارة آل فرعون التي يأتي إليها الناس من أنحاء الدنيا كلها؛ ليتعجبوا من جمال البناء وروعة الفن وقمة التقدم في التصميم الهندسي، وكيف نُقِلت هذه الأحجار الضخمة إلى الأماكن العليا بدون سقالات، وكيف ارتبطت الأحجار كلها مع بعضها البعض كل هذه السنوات الطويلة دون استخدام الأسمنت أو غيره من مواد التثبيت للأحجار،
стр. 5500
بل تم ذلك بتفريغ الهواء. فكيف استطاعت هذه الهندسة العجيبة أن تفرغ الهواء بين حجرين كبيرين ضخمين؛ ليلتصقا ببعضهما التصاقاً محكماً بغير لاصق ولا يستطيع أحد أن يزحزحه، فإذا كانت حضارة الفراعنة قد وصلت إلى هذا الفن الهندسي باستخدام تفريغ الهواء بين أثقال ضخمة فهي حضارة راقية جدا.
هذا إن نظرت إلى فن البناء فقط، وكذلك إن نظرنا إلى تحنيط الجثث التي لا يعرف أحد سرها حتى الآن، وكيف أمكن المحافظة على المومياوات آلاف السنين دون أن تتحلل. وكذلك إن نظرت إلى الألوان التي طليت بها المعابد والرسومات وبقيت زاهية كما هي رغم كل ذلك الزمن الطويل، وإلى الحبوب التي حُنطت وبقيت آلاف السنين دون أن يصيبها أي تلف، بل وصالحة للطعام، هذه الحضارة التي احتفظت بأسرار هذه الأشياء فلم تصل إليها البشرية حتى الآن، لا بد أن تكون حضارة قوية وعالية، ولكنها رغم قوتها وعلوها لم تستطع أن تحفظ نفسها من الانهيار لتصبح أثراً وتظل آثارا.
أين ذهب صناع هذه الحضارة وقد بلغوا شأواً كبيرا وملكوا زمام الدنيا في عصرهم؟ لا بد - إذن - من وجود قوة أعلى منهم، قد دكتهم. ولماذا أتى الله بآل فرعون في هذه الآية بالاسم بينما أتى بالحضارات التي كانت قبلهم إجمالاً؟ ، فقال تعالى:
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٢] .
لأن آثار آل فرعون قد كشف الله عنها ورَغّبَ فيها البشرية كلها؛ ليأتوا ويروا تلك الحضارة الهائلة التي لم تستطع أن تحمي نفسها، وذلك الفرعون الذي ادعى أنه إله يستطع أن يضمن لنفسه البقاء. وشاء الله سبحانه أن تبقى آثار هذه الحضارة ليشاهدها الناس جميعاً، ثم يروا أن الله قد
следующие страницы →