Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6791–6830 · переход к 6796.
стр. 6791
والمؤتفكة: هي القرى التي كُفئت أعلاها إلى أسفلها، كذلك الكذَّاب يقلب الحقيقة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾
стр. 6792
وهذا أمر للرسول ﷺ َ بأن يسألهم سؤالاً جديداً، لا إجابة له إلا ما يفرضه الواقع، والواقع يؤكد أن الهداية لا تكون إلا للحق؛ لأن كل كائن مخلوق لغاية، فلا شيء يُخلق عبثاً.
ونحن بقُدرتنا المحدودة نصنع (الميكرفون) و ﴿التليفزيون) أو الثلاجة أو السرير وغيرها، كلّ منها له غاية، وكل له قوانين صيانته الخاصة به، والذي يحدِّد الغاية من هذا المصنوع أو ذاك هو صانعه، ويضع لها قوانين صيانتها؛ لتؤدّي غايتها، فالغاية من أي شيء توجد قبل الشيء نفسه؛ ليوجد الشيء على مقتضى الغاية منه.
وآفة العالم الآن أنهم يعلمون أن الله سبحانه خلق الإنسان، ولكنهم يصنعون من عندهم قوانين لصيانة الإنسان وحركة الإنسان، وهذا غباء وغفلة من الذين يفعلون ذلك، كان عليهم أن يتركوا أمر صيانة الإنسان للقوانين التي وضعها خالق الإنسان سبحانه.
стр. 6793
فالحق قد حدد الغاية من خَلْق الإنسان وحدّد قوانين صيانته، والشر الموجود حالياً بسبب الجهل بغاية الإنسان، والعدول عن المنهج الذي يجب أن يسير عليه الإنسان، فقال الحق سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ [يونس: ٣٥] .
أي: هل من هؤلاء الشركاء مَنْ يهدي الإنسان إلى غايته؟ هل قالت الشمس مثلاً غايتها؟ هل قالت الملائكة غايتها؟ هل قالت الأشجار أو الأحجار أو الرسل الذين عبدتموهم شيئاً غير مراد الله تعالى؟
إنهم آلهة لا يعرفون الغاية من العابد لهم، ولا يعرفون الطريق الموصل إلى تلك الغاية.
ولذلك يأتي القول الفصل: ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] .
فالله هداك أيها الإنسان إلى الحق في كل حركة تتحركها بالمنهج الذي أنزله الله سبحانه مكتملاً على رسوله ﷺ َ من بدء «لا إله إلا الله» إلى إماطة الأذى عن الطريق، وهو منهج مستوعب مستوفٍ لكل حركات الإنسان.
وجاءت الإجابة من الله تعالى على لسان رسوله ﷺ َ؛ لأنهم انبهروا بالسؤال وتلجلجوا ولم يوجد عند أي منهم قدرة على المعارضة، فالغاية من خلق الإنسان وغيره يوجزها قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
والعبادة ليست أركان الإسلام فقط، بل هي عمارة الكون كبنيان حيّ
стр. 6794
للإسلام، والذي حدد الغاية هو الخالق سبحانه، وهو سبحانه الذي يحدد طريق الوصول إليها.
ونحن حين نرغب في الوصول إلى مكان في الصحراء مثلاً، إنما نحدد أولاً المكان، ونختار طريق الوصول، فإن كان الطريق المستقيم مليئاً بالعقبات والجبال، فإنك ستضطر للانحراف عن هذا الطريق وصولاً إلى غايتك، فهذا الطريق المعوج هو الطريق المستقيم؛ لأنه الطريق الذي يجنبنا العقبات.
ومثال ذلك: السيول التي تنزل على هضباب الحبشة، فاختارت لنفسها المجرى السهل فكان نهر النيل، فلا أحد قد حفر النيل مثلما حفرنا الرياحات أو قناة السويس، بل نزل السيل واختار لنفسه الطريق السهل فسار فيه بين التعاريج والرمال والصخور.
ولذلك أنت تجد كل ما لا دخل للبشر به قد يتعرج لينفذ، أما ما صنعه البشر فلا يستطيع ذلك.
وكل خلق لا بد له من غاية؛ لذلك نجد سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا السلام يقول: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] .
فمن خلق هو الذي يحدد الغاية؛ لأن هذه الغاية توجد عنده أولاً ليخلق، وتتجلى الدقة في قول القرآن على لسان سيدنا إبراهيم ﵇، فلم يقل: الذي خلقني يهديني، بل قال: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ مما يدل على أن هذه القضية ستخالَف، وبعد أن يخلق الإنسان سيقوم بعض الناس حماية لمصالحهم بوضع طريق أخرى تخالف الغاية؛ فتوصل إلى الضلال.
أما الحق سبحانه فقد أنزل القرآن فيه الهداية الحقة، فالذي خلق هو
стр. 6795
الذي يقنن، ولذلك يذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] .
وبهذا القول وصل سيدنا إبراهيم ﵇ إلى أن الذي رزق الآباء قدرة استنباط الرزق مطعماً ومشرباً هو الله سبحانه.
وذكر القرآن على لسان سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿والذي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١] .
فالإماتة والإحياء هما من الحق سبحانه، فلا أحد يسأل عمن يملك الإماتة والإحياء، أما عن شفاء المرض فقال: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] .
فأنت قد تذهب إلى الطبيب وتظن أنه هو الذي يشفيك؛ بل هو يعالج، ولكن الله هو الذي يشفي.
وهكذا نعلم أن قول سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] .
هو كلام منطقي؛ لأن خالق الشيء هو الذي يهدي إلى الغاية من الشيء؛ فالغاية أولاً، ثم الخلق، ثم توضيح الطريق الموصل إلى تلك الغاية، فإذا خولف في شيء من ذلك فلا صلاح لكون أبداً.
وتجد في القرآن على لسان سيدنا موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
стр. 6796
فما دام الحق سبحانه قد خلق فهو يهدي إلى السبيل الموصل إلى الغاية، ويقول القرآن أيضاً: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١٣] .
وهكذا يتأكد لنا أنه ما دامت هناك غاية، فلا بد من وجود طريق يهدينا إليه من خَلَقَنَا.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: ﴿قُلِ الله يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] لأن سبحانه هو الذي خلق؛ ولذلك فمن المنطقي أن يأتي بعد ذلك التساؤل: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] ؟
وسبب وجود اللام في قوله: ﴿يهدي إِلَى الحق﴾ هو النظرة إلى الغاية، وسبب وجود: ﴿إِلَى الحق﴾ هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضي طريقاً، فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معاً.
ونحن نعلم أن هذه الآية قد نزلت في الذين اتخذوا لله شركاء، فهم يعترفون بالله تعالى ولكنهم يشركون به غيره، فالله تفرَّد بالألوهية بربويته للخلق؛ لأنه خلق من عَدَمٍ، وزرق من عُدْمٍ، وخَلَق لنا وسائل العلم ودبَّر لنا الأمر، وأخرج الحي من الميت، وأخرج الميت من الحي، وهدى للحق.
فإين إذن هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم مع الله تعالى؟ وهل صنع واحد منهم أو كُلُّهم مجتمعين شيئاً واحداً من تلك الأشياء؟
стр. 6797
لذلك قال سبحانه: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يهدي إِلَى الحق﴾ [يونس: ٣٥]
إذن: فالذي يهدي هو الذي خَلَق، وهؤلاء الذين أشركوا اعترفوا بالله خالقاً بشهاداتهم حين قال الحق سبحانه: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾ [الزخرف: ٨٧] .
إذن: فالذين أشركوا قد ارتكبوا الإثم العظيم، وهؤلاء الشركاء إما أن يكونوا من الملائكة، أو من الأنبياء والرسل الذين فُتن بهم بعض الناس، وهناك من اتخذ وسائط أخرى مثل: الشمس والقَمر والنجوم؛ وهذه أشياء عُلوية، وبعض الناس اتخذوا وسائط سفلية كالأشجار والأحجار، فهل أي شيء من كل ذلك يهدي إلى الحق؟ وما منهج أي منهم إذن؟ وكيف بلَّغوكم به؟
إن كل هؤلاء يعلمون أن أيّاً منهم لا يستطيع أن يَهدي، بل هو يُهْدَى من الله ، فمن أين قلتم إن الملائكة ستهديكم؟ أو من أين جاء الذين فُتنوا برسولهم واتخذوه إلهاً؟ ومن أين جاء هذا الرسول بمنهجه؟
إن كل كائن لا يَهدي إلا بعد أن يُهدى من الله أولاً، وإن كانت الأشياء المتخذة شركاء لا هداية لها، ولا منهج، ولا عقل، ولا تفكير، كالشمس والقمر والنجوم في العلويات، والأشجار والأحجار في السفليات، فماذا قالت هذه الأشياء؟ إنها لم تقل شيئاً.
وهكذا لا يستقيم أمر اتخاذهم شركاء مع الله، حتى الملائكة، فالله هو الذي يختار منهم المَلَكَ الذي يُبلِّغ عن الله سبحانه، وكذلك الرسل ﵈: ﴿أَفَمَن يهدي إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يهدي إِلاَّ أَن يهدى﴾ [يونس: ٣٥] .
стр. 6798
﴿لاَّ يهدي﴾ تقرأ هكذا، وللغة فيها عملية تخفيف جَرْس لسلامة نطقها واستقامة اللغة العربية، فنحن نعرف أن ﴿يهدي﴾ يعنى: يهتدي. . أصلها يهتدي. . ويهتدي فيها هاء ساكنة وتاء ودال وياء. . وفيها تقارب لمخارج الحروف، وهذا التقارب يجعل المعنى غائماً، والنطق ثقيلاً، فتقوم اللغة بعملية إبدال وإدغام، وتخلّص من التقاء الساكنين فتصل إلى مسامعنا كما أنزلها الله تعالى لسلامة النطق وجمال المعنى؛ لأن القرآن أدَّب اللغة بكلام السماء؛ لتكون خالدة اللفظ والمعنى. فإذا كنتم على طريق هداية، فالأصل في الهداية هو الله تعالى.
ويُنهي الحق سبحانه الآية الكريمة بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] .
أي: ماذا أصاب عقولكم لتحكموا هذا الحكم؛ فتشركوا بالله ما لا منهج له، أو له منهج ولكنه موصول بالله تعالى جاء ليبلغه لهم؟
وساعة تسمع ﴿كَيْفَ﴾ فهي للاستفسار عن عملية عجيبة ما كان في عُرْف العاقل أن تحدث. كأن تقول: «كيف ضربت أباك؟» أو «كيف سببت أمك؟» ، وهذا كله من الأمور التي تأباها الفطرة ويأباه الطبع والدين.
وقوله سبحانه: ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ كأنه أمر عجيب ما كان يصح أن يحدث؛ لأن الحق سبحانه وحده هو الإله، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغيَّر غاية وطريقاً. والله سبحانه وحده هو الذي حدد لنا الغاية والطريق الموصل إليها، وهو سبحانه القائل: ﴿والله يدعوا إلى دَارِ السلام﴾ [يونس: ٢٥] .
والمنهج هو الطريق الذي يوصل إلى دار السلام من آفة الأغيار؛
стр. 6799
لأن الدنيا كلها أغيار، فأنت قد تكون قوياً ثم تضعف أو صحيحاً فيصيبك المرض، أو غنياً فتفتقر، أو مبصراً فيضيع منك بصرك، أو تكون صحيح الأذن سمعياً فتصير أصم بعد ذلك.
إذن: فهي دنيا أغيار، وهَبْ أن إنساناً أخذ من دنياه كل نصيبه عافية وأمناً وسلامةً وغنًى وكل شيء؛ سنجده في قلق من جهتين: الجهة الأولى أنه يخاف أن يفارقه كل هذا النعيم، أو يخاف أن يترك هو هذا النعيم، هذا ما نراه في حياتنا.
إذن: فالدنيا بما فيها من أغيار لا أمان لها؛ لنفهم أن كل عطاءات المخلوق إنما هي هبة من الخالق ؛ لأنها لو كانت من ذاتك لاستطعت الحفاظ عليها، ولكنها هِبَاتٌ من الحق الأعلى سبحانه.
والأمر الموهوب قد يصبح مسلوباً.
ثم يقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً﴾
стр. 6800
وقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [يونس: ٣٦] يفيد أن بعضهم كان يتبع يقيناً؛ لأن مقابل الظن هو اليقين، فالنسب التي تحدث
стр. 6801
بين الأشياء تربط بين الموضوع والمحمول، أو المحكوم والمحكوم عليه، وهي نسب ذكرناها من قبل، ونذكِّر بها، فهناك شيء أنت تجزم به، وشيء لا تجزم به. وما تجزم به وتُدلِّل عليه هو علم يقين، أما ما لا تستيطع التدليل عليه فليس علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال شيء ومن يقوله جازم به، وهو غير واقع؛ فذلك هو الجهل.
والعلم هو القضية المجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم بها وليس عليها دليل.
والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا تستطيع أن تجزم بأي منهما؛ لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم. فالظن هو ترجيح النسب على بعضها. والشك هو تساوي الكفتين.
وقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً﴾ [يونس: ٣٦] يبين لنا أن الذين كانوا يعارضون رسول الله ﷺ َ فعلوا ذلك إما عناداً رغم علمهم بصدق ما يبلغ عنه، وإما أنهم يعاندون عن غير علم، مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] .
وكان الواحد منهم إذا تمعَّن في البلاغ عن الله تعالى والأدلة عليه، يعلن الإيمان، لكن منهم من تمعن في الأدلة وظل على عناده، والذين اتبعوا الظن إنما اتبعوا ما لا يغني من الحق شيئاً.
لذلك يبيّن لهم الحق سبحانه أنه عليم بخفايا نفوسهم، ويعلم إن كان
стр. 6802
إنكارهم للإيمان نابعاً من العناد أو من العجز عن استيعاب قضية الإيمان؛ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٣٦] .
إذن: فقد علم الله سبحانه أزلاً أن بعضهم في خبايا نفوسهم يوقنون بقيمة الإيمان، لكنهم يجحدونها، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
إذن: فالحق عليم، ولا يخفى عليه أنهم كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبعضهم لم يفهم قيمة الإيمان، ومن علم منهم قيمة الإيمان جحدها، عناداً واستكباراً.
يقول الحق سبحانه: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤] .
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ هذا القرآن أَن يفترى﴾
стр. 6803
وحين تستمع للقرآن وما فيه من سر الأعداد والإخبار بالمغيبات التي لا تخضع لمنطق الزمان، ولا لمنطق المكان، فالفطرة السليمة توقن أن هذا القرآن لا يمكن أن يُفتَرى، بل لا بد أن قائله ومُنزِّله عليم خبير؛ لأن القرآن جاء مصدقاً لما بين يديه من الكتب السابقة.
стр. 6804
أي: أن ما به دائماً هو أمام الناس، أو مواجه لهم، وهو كتاب مصدِّق للكتب السابقة من قبل تحريفها كالتوراة والإنجيل والزبور، وهي الكتب التي سبقت القرآن نزولاً، لا واقعاً، فجاء القرآن مصدِّقاً لها.
أي: هي تصدقه، وهي يصدقها من قبل تحريفها، وهي الكتب التي بشَّرت بمحمد ﷺ َ رسولاً، مثلما جاء في القرآن عن تصديق عيسى ﵇ بمجيء محمد ﵊ ُ: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] .
فلما جاء أحمد (محمد ﷺ َ) ونزل عليه القرآن صدَّق الإنجيل في قوله هذا، وما جاء في القرآن من عقائد أصيلة هي عقائد جاءت بها كل الكتب السماوية، فالحق سبحانه يقول:
﴿إِنَّآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ كَمَآ أَوْحَيْنَآ إلى نُوحٍ والنبيين مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط وعيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ [النساء: ١٦٣] .
ويقول الحق سبحانه:
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] .
إذن: فهناك أصول جاءت بها كل الكتب السماوية، وهناك كذلك أخبار أخبرت عن حدوثها الكتب السماوية، وأبلغنا رسول الله ﷺ َ بالقرآن وفيه تلك الأخبار، فمن أين جاء محمد ﷺ َ بتلك العقائد الصحيحة،
стр. 6805
وتلك الأخبار الموجودة في الكتب السابقة، وهو ﷺ َ لم يكن من أهل الكتاب، ولا عَلِمَ منهم شيئاً.
إذن: فعندما يقول محمد ﷺ َ ما جاء ذكره في الكتب السابقة على القرآن، فهذه الكتب مصدقة لما جاء به محمد ﷺ َ؛ لأن هذه الأخبار قد وقعت، وهذا تأكيد لصدقه؛ لأنه بشهادة أهل زمانه لم يجلس إلى معلِّم، ولم يقرأ كتاباً، وتاريخه وسيرته معروفة؛ لأنه من أنفسكم، ولم يُعْلَم عنه أنه قد زاول كلاماً بليغاً، أو خطب في قوم قبل الرسالة، أو قال شعراً.
وبعد ذلك فوجىء هو كما فوجئتم أنتم، بمجيء هذا البيان الرائع، فمن أين جاء به؟
أنتم تقولون إنه هو الذي جاء به، لكنه ﷺ َ ينسب الرفعة لصاحبها، ويعلن أنه ﷺ َ مُبلِّغ فقط، فيقول ما أمره الله به أن يقوله: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾
[يونس: ١٦] .
ويحضُّ القرآن الكريم النبيَّ ﷺ َ أن يسألهم: هل لاحظوا على كلماته من قبلُ البلاغةَ والفصاحةَ أو الشعرَ؟!
ولننظر في «ماكُنَّات» القرآن الكريم، وهي الآيات التي يقول فيها الحق سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ﴾ مثل قوله سبحانه:
стр. 6806
﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] .
وهذا أمر ثابت في الأخبار.
وقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربي إِذْ قَضَيْنَآ إلى مُوسَى الأمر وَمَا كنتَ مِنَ الشاهدين﴾ [القصص: ٤٤] .
والوحي إلى موسى ﵇ والمكان الذي نزل فيه ذلك الوحي أمر ثابت في الأخبار.
وقول الحق سبحانه: ﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ العمر وَمَا كُنتَ ثَاوِياً في أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥] .
وكثير من هذه الآيات تجعل محمداً ﷺ َ وكأنه يسأل المعاصرين له: كيف أخبرت بوقائع وأخبار لم أكن موجوداً في زمانها أو مكانها؟
لا بد إذن أن الله الحق سبحانه هو الذي أخبرني بما وافق ما عندكم من أخبار.
وبعد ذلك جاء القرآن الكريم مصدقاً لما بين يديه: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [البقرة: ٩٧] .
أي: أنه الكتاب الذي يضم صدق كل حدث قادم؛ لأن القرآن خرق حُجُب وحُجُزَ الماضي والمستقبل.
ونحن نعلم أن الأشياء الغيبية تحدث بسببين؛ الأول: ان يتكلم عن
стр. 6807
شيء سبق الزمان الذي نزل فيه، فهو يتكلم في الماضي الذي لم يكن رسول الله ﷺ َ من أهل الاطلاع والتعلم ليعرفه ويعلمه.
وكذلك خرق القرآن الكريم حجب الحاضر الذي عاصر نزوله، هذا الحاضر الذي قد يكون محجوباً بالمكان.
وأضرب هذا المثال ولله المثل الأعلى فقد يحدث حادث في الإسكندرية في نفس الوقت الذي تكون أنت فيه موجوداً بالقاهرة، وأنت تعلم هذا الحدث؛ لأنه محجوب عنك ببعد المكان، وحاجز المكان يتمثل غالباً في الأمور الحاضرة، أما أمور المستقبل فهي محجوبة عنا بالزمان والمكان معاً.
وحين يخبرنا القرآن الكريم بحدث ماضٍ لم يشهده رسول الله ﷺ َ، ولم يتعلمه، ولم يقرأ عنه؛ إذن: فالقرآن إنما يخرق أمامنا حجاب الزمن الماضي. وإذا أخبر القرآن بحدث حاضر في غير مكان نزوله على سيدنا رسول الله ﷺ َ، فهذا خرق لحجاب المكان مثل قول الحق سبحانه:
﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨] .
وحين سمع المنافقون والكفار هذا القول الكريم، لم ينكروا أنهم قالوا في أنفسهم ما جاء به القرآن، وهكذا خرق القرآن حاجز المكان في أنفسهم هم.
إذن: فأخبار الغيب في القرآن إما خَرْقٌ لزمان ماضٍ أو خرق لزمان الحال، وإما خرق الزمان ومكان الاستقبال.
ونحن نعلم أن القرآن كان ينزل والمسلمون ضعاف، لا يستطيعون حماية أنفسهم، ولا أحد يجير على أحد، ويتجه النبي ﷺ َ إلى الطائف
стр. 6808
ليعرض الإسلام على أهلها، لعلَّه يلتمس لهم مجيراً من أهل الطائف؛ ولكنه ﷺ َ لا يجد إلا الإيذاء والإعراض، ويوصي بعضاً من صحابته أن يهاجروا إلى الحبشة.
وفي ظل كل هذه الأزمات، ينزل قول القرآن: ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ [القمر: ٤٥] .
حتى إن عمر بن الخطاب ﵁ يستاءل: أيُّ جمع هذا الذي يهزم، ونحن غير قادرين على حماية أنفسنا؟ ثم تأتي غزوة بدر ويشهد عمر هزيمة وفرار مقاتلي قريش؛ فيرى رأي العين صدق ما جاء به الوحي من قبل.
وهكذا تأكد الجميع أن القرآن الكريم غير مُفتريً، فكيف يُتَّهم رسول الله ﷺ َ أنه افتراه؟
стр. 6809
وإذا كان هذا القرآن مفترىً، فلماذا لا تفترون مثله؟ وفيكم الشعراء والبلغاء والخطباء؟! ولم يقل محمد ﷺ َ أنه بليغ أو خطيب أو شاعر، ولم يطلب القرآن الكريم منهم أن يأتوا بواحد مثل محمد ﷺ َ، لا صلة له بالبلاغة أو الفصاحة، بل يطلب منهم أن يأتوا بالفصحاء كلهم، ويدعوهم أن يقولوا مثل آية واحدة من القرآن.
وإن قالوا: إن ما جاء به هو السحر، وإن محمداً ساحر قد سحر العبيد والضعاف، وأدخلهم في الإسلام، فلماذا لم يسحركم محمد؟
إن بقاءكم من غير سحر يدل على أن إطلاقكم كلمة السحر على ما جاء به دعوى كاذبة.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَتَفْصِيلَ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ [يونس: ٣٧] .
فالقرآن قد جاء فيه تفصيل كل الأحكام الصالحة إلى قيام الساعة، أما الكتب السابقة على القرآن فكان تضم الأحكام المناسبة لزمانها، ولأمكنة نزولها.
وهو كتاب ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك فيه، يكشف الكفار، ويفضح أرتيابهم وكذبهم، فَهُمْ قد اعترفوا بعظمة القرآن وقالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] .
إذن: فهم قد عرفوا أن القرآن لا عيب فيه، ولا ريب، حتى من الكافرين به.
ويأتي الرد على قولهم بالافتراء، في قول الحق سبحانه:
стр. 6810
﴿أَمْ يَقُولُونَ افتراه قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾
стр. 6811
وقد سبق هذا المجيء بالتحدي أسبابُ عجزهم عن النجاح في التحدي؛ لأن الآية السابقة تقرر أن الكتب السماوية السابقة تُصَدِّق نزول القرآن الكريم، وبينها وبين القرآن تصديق متبادل.
فهم مهزومون فيه قبل أن ينزل.
ويقول الحق : ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] .
وقد جاء التحدي مرة بالكتاب في قول الحق سبحانه:
﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] .
ولم يستطيعوا، فنزلت درجة التحدي؛ وطالبهم أن يأتوا: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] .
فلم يستطيعوا الإتيان بعشر سور، فطالبهم أن يأتوا بسورة تقترب ولو من بعيد من أسلوب القرآن، فلم يستطيعوا ﴿فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
فكيف إذن من بعد كل ذلك يدَّعون أن محمداً ﷺ َ قد افترى القرآن، وهو ﷺ َ لم تكن له صلة بالأساليب البلاغية أو الفصاحة؟!
لقد دعاكم أن تأتوا بكل الفصحاء والبلغاء ليفتروا، ولو سورة من مثله، ووضع شرطاً فقال: ﴿وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله﴾ [يونس: ٣٨] .
стр. 6812
لأن الله هو القادر الوحيد على أن يُنزل قرآناً؛ لذلك دعاهم رسول الله ﷺ َ أن يدعوا الشركاء؛ وذلك حتى لا يقول الكفار وبعضهم من أهل اللجاجة: سندعوا الله؛ ولذلك يأتي القرآن بالاستنثاء ﴿وادعوا مَنِ استطعتم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨] . وهم بطبيعة الحال غير صادقين في هذا التحدي.
والله حين يرسل رسولاً إلى قوم؛ ليعلِّمهم منهجه في حركة الحياة، إنما يريد سبحانه أن تؤدي حركة الحياة إلى الغاية المطلوبة من الإنسان الخليفة في الأرض؛ ولذلك يأتي الرسول من جنس المرسل إليهم؛ ليكون أسوة لهم؛ لأن الرسول إن جاء مَلَكاً لما صحَّت الأسوة، بل لا بد أن يكون بشراً.
والحق سبحانه لا يرسل أي رسول إلا ومعه بينة ودليل صدق على أنه رسول يبلِّغ عن الله تعالى.
والبينة لا بد أن تكون من جنس نبوغ القوم، فلا يأتي لهم بمعجزة في شيء لم يعرفوه ولم يألفوه؛ حتى لا يقولوا: لو تعلمنا هذا لجئنا بمثل ما جاء.
وقد جاء القرآن ليثبت عجزهم عما نبغوا فيه من صناعة الكلام؛ شعراً ونثراً وخطابة.
وكان القرآن هو معجزة رسول الله ﷺ َ في قوم فصحاء يعقدون للشعر
стр. 6813
أسواقاً، ويعلِّقون الفائز من هذا الشعر على جدران الكعبة شهرة له وشهادة به.
إذن: فهم أصحاب دراية بصناعة الكلام، وجاءت المعجزة مع الرسول ﷺ َ من جنس ما نبغوا فيه؛ لتتحداهم.
والتحدي يستدعي استجماع قوة الخصم؛ ليرد على هذا المتحدي، فإذا عجز مع التحدي، يصير العجز ملزماً.
وقد تحدى الحق سبحانه العرب جميعاً بالقرآن كله: ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرآن لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] .
فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فتدرَّج القرآن معهم في التحدي فطلب منهم ما هو أقل من ذلك، وهو أن يأتوا بعشر سور مثله في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣] .
ثم تحداهم بالإتيان بمثل سورة من القرآن.
وعند التأمل نجد أن الأسلوب الذي جاء بطلب سورة كان على لونين: فمرة يقول: ﴿بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] .
ومرة يقول: ﴿بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وكل من اللونين بليغ في موضعه ف ﴿بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] تبين أن المثلية هنا محققة، أي: مثل ما جاء من سورة القرآن. وقوله: ﴿بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
أي: سورة من مثل محمد ﷺ َ في أنه لم يجلس إلى معلِّم، ولم يقرأ، ولا عُرف عنه أنه تكلم بالبلاغة في أي فترة من مراحل حياته قبل الرسالة.
وقال الحق سبحانه: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] .
إذن: ﴿بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .
стр. 6814
أي: مثل محمد ﷺ َ الذي لم يتعلم وكان أمياً، ولكن لماذا يأتي هذا اللون من التحدي؟
لأنهم قالوا عن القرآن:
﴿أَسَاطِيرُ الأولين اكتتبها فَهِيَ تملى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [الفرقان: ٥] .
بل واتهموه في قمة غفلتهم أنه يتعلم من رجل كان بمكة، فيلفتهم القرآن إلى أن الرجل الذي قالوا إنه معلم للرسول ﷺ َ كان أعجمياً غير عربي، يقول الحق سبحانه: ﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] .
стр. 6815
ويريد الحق سبحانه أن يصنفهم، فيقول بعد ذلك: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾
стр. 6816
وهذا الصنف من الناس الذين ﴿كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] ، وهم من أخذتهم المفاجأة حين حُدِّثوا بشيء لا يعرفونه، والناس أعداء ما جهلوا؛ فكذبوا ما جاء به رسول الله صلىلله عليه وسلم من القرآن قبل أن يتبينوا جمال الأداء فيه، ونسق القيم العالية، وإذا ما سنحت لهم فرصة يتبينون فيها جمال الأداء، ودقة الإعجاز فهم يتجهون إلى الإيمان.
ومثال ذلك: عمر بن الخطاب ﵁ فقد كان كافراً ثم علم أن أخته وزوجها قد أسلما؛ فذهب إليها في منزلها وضربها، فأسال دمها، وسيل الدم من أخت بضربة أخيها مثير لعاطفة الحنان، وهذا ما حدث مع عمر؛ فهدأت موجة عناده، فاستقبل القرآن بروح لا عناد فيها؛ فذهب فآمن برسول الله ﷺ َ، وكان من قبل ذلك ممن: ﴿كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] أي: لم يعرفوا مراميه، وبمجرد أن سمعوا عن رسالته ﷺ َ فجأة، اتهموه بالكذب والعياذ بالله.
ولذلك اقرأ قول الحق سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً﴾ [محمد: ١٦] .
стр. 6817
وهذا يدل على أنهم لم يفهموا ما نزل على رسول الله ﷺ َ من القرآن، وتأتي الإجابة من الحق : ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ هُدًى وَشِفَآءٌ والذين لاَ يُؤْمِنُونَ في آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤] .
إذن: فالقرآن هدى لمن تتفتح قلوبهم للإيمان، أما القلوب المليئة بالبغض لقائله وللإسلام؛ فهؤلاء لا يمكن أن يصح حكمهم.
وإن أراد أي منهم حكماً صحيحاً فليُخرجْ من قلبه ما يناقض ما يسمع، ثم عليه أن يستقبل الأمرين؛ ولسوف يدخل قلبه الأقوى حجة، وهو الإسلام.
إذن: فمن امتلأ قلبه بعقيدة كاذبة؛ لا يمكن له أن يهتدي.
﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] .
والتأويل هو ما يرجع الشيء إليه، وهذا يوضح لنا أن هناك أقضية من القرآن لم يأت تفسيرها بعد، ستفسرها الأحداث، وقد يقول القرآن الكريم قضية غيبية، ثم يأتي الزمن ليؤكد هذه القضية، هنا نعرف أن تأويلها قد جاء.
وهؤلاء القوم قد كَذَّبوا من قبل أن يأتي لهم التأويل، وكان عدم مجيء التأويل هو السبب في تأخر بيان الحق في المسألة لتأخر زمنه.
وعلى سبيل المثال، ها هو ذا عمار بن ياسر صاحب رسول الله ﷺ َ حين قامت المعركة بين معاوية بن أبي سفيان والإمام علي ﵁ وَقاتَلَ عمَّار في صف عليّ، وقُتِل. هنا تنبه الصحابة إلى تأويل
стр. 6818
حديث من رسول الله ﷺ َ حيث قال:
«ويح عمار. . تقتله الفئة الباغية» .
وهكذا جاء تأويل حديث رسول الله ﷺ َ عندما تحقق في الواقع، وكان هذا سبباً في انصراف بعض الصحابة عن جيش معاوية.
وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩]
أي: أن التأويل لم يظهر لهم بعد.
ومن أدوات النفي: «لم» مثل قولنا: «لم يَجيءْ فلان» ، ونقول أيضاً: «لما يجيء فلان» ، والنفي في الأولى جزم غير متصل بالحاضر، كأنه لم يأت بالأمس.
أما النفي ب «لما» فيعني أن المجيء مُنْتف إلى ساعة الكلام، أي: الحاضر، وقد يأتي من بعد ذلك؛ لأن «لما» تفيد النفي، وتفيد توقُّع الإثبات.
والحق سبحانه يقول: ﴿قَالَتِ الأعراب آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ ولكن قولوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] .
وهؤلاء القوم من الأعراب قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ رغم أنهم راءوا المسلمين وقلدوهم زيفاً ونفاقاً، ولم يكن الإيمان قد دخل قلوبهم بعد، وحين سمعوا قول الحق سبحانه: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمان فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤] .
стр. 6819
قالوا: الحمد لله؛ لأن معنى ذلك أن الإيمان سوف يدخل قلوبهم.
وكذلك قول الحق سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصابرين﴾ [آل عمران: ١٤٢] .
فحين سمعوا ذلك قالوا: إذن: وثقنا أنه سيأتي علم الله سبحانه بنا كمجاهدين وصابرين.
وهكذا نعرف أن ﴿لَمَّا﴾ تعني أن المنفي بها متوقع الحدوث. والتأويل كما نعلم هو مرجع الشيء.
وقد جاء في القرآن الكثير من الأخبار لم تكن وقت ذكرها بالقرآن متوقعة، أو مظنة أن توجد. وحين وُجدت ولا دخل لبشر في وجودها، فهذا يعني أن قائل هذا الكلام قد أخذه عَمَّن يقدر على أن يوجد، مثلما جاء في خبر انتصار الروم على الفرس رغم هزيمة الروم.
قال الحق سبحانه:
﴿غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المؤمنون بِنَصْرِ الله﴾ [الروم: ٢٥] .
جاء هذا الخبر وانتظر المسلمون تأويله، وقد جاء تأويله طبقاً لما أخبر القرآن.
أو أن التأويل سيأتي في الآخرة، وما يؤول الأمر في التكذيب سيعلمونه من بعد ذلك.
стр. 6820
والحق سبحانه يقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٢ ٥٣] .
هم ينتظرون ما يؤول إليه القرآن وما يؤولون إليه، إن كان في الدنيا فنصر أهل القرآن، وإن كان في الآخرة، فهذا قول الحق سبحانه:
﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بالحق فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
هذا هو التأويل الذي كذَّبه البعض من قبل.
إذن: فالتأويل: إما أن يكون لمن بقي من الكفار فيرى ما أخبره به القرآن وقد جاء على وفق ما أخبر به نبيٌّ لا يملك أن يتحكم في مصائر الأشياء، وتأتي على وفق ما قال.
فكأن محمداً ﷺ َ كان يجازف بأن يقول كلاماً لا يتحقق؛ فينصرف عنه الذين آمنوا به، ولكنه ﷺ َ لم يقل إلا ما هو واثق ومطمئن من وقوعه؛ لأن الخبر به جاء من لدن عليم خبير.
وإما أن التأويل أيضاً يأتي في الآخرة.
وهنا قال الحق سبحانه: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩] .
والحق سبحانه هنا يلفت رسوله ﷺ َ إلى أن ما حدث معه قد حدث مع رسل من قبله، فقال سبحانه في نفس الآية: ﴿كذلك كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ [يونس: ٣٩] .
стр. 6821
أي: انظر لموكب الرسل كلهم من بدء إرسال الرسل، هل أرسل الله رسولا ونصر الكافرين به عليه؟ . . لا، لقد كانت الغلبة دائماً لرسل الحق مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ [المجادلة: ٢١] .
وعرفنا ما حدث للظالمين، فمنهم من أغرقه الله، ومنهم من خسف به الأرض، ومنهم من أخذه بالصيحة.
إذن: فالتأويل واضح في كل مواكب الرسل التي سبقت رسالة محمد ﷺ َ، وإذا كان كل قوم من الظالمين قد نالوا ما يناسب رسالة رسولهم، فسينال القوم الظالمين الكافرين برسالة محمد ﷺ َ ما يناسب عمومية رسالته ﷺ َ.
وحين يقول الحق سبحانه: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظالمين﴾ [يونس: ٣٩] لا بد لنا أن نعرف معنى الظلم، إنه نقل الحق لغير صاحبه، والحقوق تختلف في مكانتها، فهناك حق أعلى، وحق أوسط، وحق أدنى.
فإذا جئت للحق الأدنى في أن تنقل الألوهية لغير الله فهذا قمة الظلم، والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
لأن في هذا نقل الألوهية من الله سبحانه إلى غيره، ويا ليت غيره كان
стр. 6822
صاحب دعوة بينه وبين الله تعالى، لا، فليس ذلك المنقول له الألوهية بصاحب دعوة، بل تطوَّع الظالم من نفسه بذلك، واتخذ من دون الله شريكاً لله، وفي هذا تطوع بالظلم بغير مُدَّع.
وهَبْ أن الله تعالى قال: لا إله إلا أنا، فإما أن القضية صحيحة، وإما أنها غير ذلك، فإن افترض أحد معاذ الله عدم صحتها، فالإله الثاني كان يجب أن يعلن عن نفسه، ولا يترك غيره يسمع له ويعلن عنه، وإلا كان إلهاً أصمَّ غافلاً، ولكن أحداً لم يعلن ألوهيته غير الله سبحانه،؛ لذلك تثبت الألوهية الواحدة للإله الحق .
وقد بيَّن لنا الحق سبحانه: لا إله إلا أنا، أنا الخالق، أنا الرازق. ولم يصدر عن أحد آخر دعوى بأنه صاحب تلك الأعمال، إذن: فقد صَحَّت الدعوى في أنه لا إله إلا الله.
والدرجة التالية في الظلم هي الظلم في الأحكام، فإذا حكم أحد بحلِّ الربا فهذا ظلم في قضية كبيرة، ولكن إن حكم قاض على مدين بأن يردَّ الدَّين فقط فهذا عدل؛ وكذلك القاضي الذي يظلم في أحكامه إنما ينقل حقوق الناس إلى غيرهم.
إذن: فالظلم يأخذ درجات حسب الشيء الذي وقع فيه الظلم.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ﴾
стр. 6823
والكلام هنا في الذين كذَّبوا، فكيف يقسِّم الله المكذبين وهم
стр. 6824
بتكذيبهم لا يؤمنون إلى قسمين: قسم يؤمن، وقسم لا يؤمن؟
ونحن نعلم أن الإيمان عمل قلوب، لا عمل حواس، فنحن لا نطَّلع على القلوب، والحق سبحانه يعلم مَنْ مِنْ هؤلاء المكذبين يخفي إيمانه في قلبه.
إذن: فمن هؤلاء من يقول بالتكذيب بلسانه ويخفي الإيمان في قلبه، ومنهم من يوافق تكذيبه بلسانه فراغُ قبله من الإيمان، ومن الذين قالوا: إن هذا القرآن افتراء إنما يؤمن بقلبه أن محمداً رسول من الله، وصادق في البلاغ عن الله، ولكن العناد والمكابرة والحقد يدفعونه إلى أن يعلن عدم الإيمان.
وكذلك منهم قسم آخر لا يؤمن ويعلن ذلك.
إذن: فالمقسم ليس هو الإيمان الصادر عن القلب والمعبِّر عنه باللسان، ولكن المُقسِّم هو إيمان بالقلب غير مُعبَّر عنه، ولم يصل إلى مرتبة الإقرار باللسان.
والذي جعل إيمان بعضهم محصوراً في القلب غير مُعبَّر عنه باللسان هو الحقد والحسد والكراهية وعدم القدرة على حكم النفس على مطلوب المنهج.
وبعض العرب حين أعلن لهم رسول الله ﷺ َ أن يقولوا: لا إله إلا الله؛ فيضمن لهم السيادة على الدنيا كلها. ورفضوا أن يقولوا الكلمة؛ لأنهم يعلمون أنها ليست كلمة تقال: بل فهموا مضمون ومطلوب
стр. 6825
الكلمة، وعرفوا أن «لا إله إلا الله» تعني: المساواة بين البشر، وهم يكرهون ألاَّ تكون لهم السيادة والسيطرة في أقوامهم.
وهذا يدل أيضاً على أن الحق سبحانه قد شاء أن يبدأ الإسلام في مكة، حيث الأمة التي تعلن رأيها واضحاً؛ ولذلك نجد أن النفاق لم ينشأ إلا في «المدينة» ، أما في مكة، فهم قوم منسجمون مع أنفسهم، فهم حين أعلنوا الكفر لم يعانوا من تشتت المَلَكَات، لكن المنافقين في المدينة وغيرها هم الذين كانوا يعانون من تشتت الملكات، ومنهم من كان يلعب على الطرفين، فيقول بلسانه ما ليس في قلبه.
ولذلك يُعزِّي الحق رسوله الكريم ﷺ َ ويُسََرِّى عنه وبين له: إياك أن تحزن لأنهم يكذبونك؛ لأنك محبوب عندهم وموقَّر، فيقول الحق سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
أي: أنك يا محمد مُنزَّه عن الكذب؟
ويقول الحق سبحانه: ﴿ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .
أي: أنه سبحانه يحملها عن رسوله ﷺ َ؛ لأن الحق سبحانه يعلم أن رسوله أمين عند قومه، وهم في أثناء معركتهم معه، نجد الواحد منهم يستأمنه على أشيائه النفيسة.
والذين آمنوا برسالته ﷺ َ ولم يعلنوا إيمانهم، والذين لم يؤمنوا، هؤلاء
стр. 6826
وأولئك أمرهم موكول إلى الله تعالى؛ ليلقوا حسابهم عند الخالق سبحانه؛ لأنه سبحانه الأعلم بمن كذَّب عناداً، ومن كذَّب إنكاراً.
والحق سبحانه هو الذي يُعذِّب ويُعاقِب، وكل إنسان منهم سوف يأخذ على قَدْر منزلته من الفساد؛ لذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين﴾ [يونس: ٤٠] .
والمفسد كما نعلم هو الذي يأتي إلى الشيء الصالح فيصيبه بالعطب؛ لأن العالَم مخلوقٌ قبل تدخُّل الإنسان على هيئة صالحة، وصنعة الله لم يدخل فيها الفساد إلا بفعل الإنسان المختار، وصنعة الله تؤدي مهمتها كما ينبغي لها.
وأنت أيها الإنسان إن أردت أن يستقيم لك كل أمر في الوجود، فانظر إلى الكون الأعلى الذي لا دخل لك فيه، وستجد كل ما فيه مستقيماً مصداقاً لقول الحق سبحانه:
﴿والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ [الرحمن: ٧٩] .
أي: أتقِنوا أداء مسئولية ما في أيديكم وأحسنوه كما أحسن الله سبحانه ما خلق لكم بعيداً عن أياديكم، والمطلوب من الإنسان إذن أن يترك الصالح على صلاحه، إن لم يستطع أن يزيده صلاحاً؛ حتى لا يدخل في دائرة المفسدين.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:
стр. 6827
﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾
стр. 6828
وهذه آية تضع الاطمئنان في قلب رسول الله ﷺ َ فلم يَقُل الله سبحانه: «إذا كذَّبوك» بل قال: ﴿إِن كَذَّبُوكَ﴾ [يونس: ٤١] وشاء الحق سبحانه أن يأتي بالتكذيب في مقام الشك، وأتبع ذلك بقوله للنبي ﷺ َ: ﴿فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١] أي: أبْلِغْهم: أنا لا أريد أن أحْمِلكم على ما أعمل أنا، إنما أريد لكم الخير في أن تعملوا الخير، فإن لم تعملوا الخير؛ فهذا لن يؤثر في حصيلتي من عملي.
وبذلك يتضح لنا أن الرسول ﷺ َ لا يُجازَى على عدد المؤمنين به، بل بأداء البلاغ كما شاءه الله سبحانه.
وقد شاء الحق سبحانه أن ينقل محمد ﷺ َ الخير إلى أمته، فإن ظلوا على الشر؛ فهذا الشر لن يناله لأن خير البلاغ بالمنهج يعطيه ﷺ َ خيراً، لأنه يطبِّقه على نفسه، وشر الذين لا يتبعونه إنما يعود عليهم؛ لأن الذين يتأبون على الاستجابة لأي داعٍ إنما يظنون أن الداعي سوف يستفيد.
والبلاغ عن الله، إنما يطبقه الرسول ﷺ َ منهجاً وسلوكاً
стр. 6829
ويُجازَى عليه.
فلا يجوز الخلط في تلك المسائل ﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١] .
ثم يقول الحق سبحانه على لسان رسول ﷺ َ: ﴿أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
وكلمة ﴿برياء﴾ تفيد أن هناك ذنباً، وهذا القول الحق فيه مجاراة للخصوم، وشاء الحق سبحانه أن يُعلِّم رسوله ﷺ َ والمؤمنين أدب الحوار والمناقشة، فيقول: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] .
أي: أننا الرسول ومعه المؤمنون وأنتم أيها الكافرون إما على هدى، أو في ضلال. والرسول ﷺ َ موقن أنه على هدى وأن الكافرين على الضلال، ولكنه يجاريهم؛ عدالة منه ﷺ َ ومجاراة لهم.
كذلك يعلِّمه ربه سبحانه أن يقول: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: ٢٥] .
أي: أنه يبين لهم: هَبُوا أنِّي أجرمتُ فأنتم لن تُسألوا عن إجرامي، ومن أدب الرسول ﷺ َ شاء له الحق سبحانه أن يقول: ﴿وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] .
ولم يقل: «ولا نُسأل عما تُجرمون» . وكذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .
стр. 6830
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾
следующие страницы →