← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6826–6865 · переход к 6831.

стр. 6826

وأولئك أمرهم موكول إلى الله تعالى؛ ليلقوا حسابهم عند الخالق سبحانه؛ لأنه سبحانه الأعلم بمن كذَّب عناداً، ومن كذَّب إنكاراً. والحق سبحانه هو الذي يُعذِّب ويُعاقِب، وكل إنسان منهم سوف يأخذ على قَدْر منزلته من الفساد؛ لذلك يُنهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين﴾ [يونس: ٤٠] . والمفسد كما نعلم هو الذي يأتي إلى الشيء الصالح فيصيبه بالعطب؛ لأن العالَم مخلوقٌ قبل تدخُّل الإنسان على هيئة صالحة، وصنعة الله لم يدخل فيها الفساد إلا بفعل الإنسان المختار، وصنعة الله تؤدي مهمتها كما ينبغي لها. وأنت أيها الإنسان إن أردت أن يستقيم لك كل أمر في الوجود، فانظر إلى الكون الأعلى الذي لا دخل لك فيه، وستجد كل ما فيه مستقيماً مصداقاً لقول الحق سبحانه: ﴿والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ [الرحمن: ٧٩] . أي: أتقِنوا أداء مسئولية ما في أيديكم وأحسنوه كما أحسن الله سبحانه ما خلق لكم بعيداً عن أياديكم، والمطلوب من الإنسان إذن أن يترك الصالح على صلاحه، إن لم يستطع أن يزيده صلاحاً؛ حتى لا يدخل في دائرة المفسدين. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك:

стр. 6827

﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾

стр. 6828

وهذه آية تضع الاطمئنان في قلب رسول الله ﷺ َ فلم يَقُل الله سبحانه: «إذا كذَّبوك» بل قال: ﴿إِن كَذَّبُوكَ﴾ [يونس: ٤١] وشاء الحق سبحانه أن يأتي بالتكذيب في مقام الشك، وأتبع ذلك بقوله للنبي ﷺ َ: ﴿فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١] أي: أبْلِغْهم: أنا لا أريد أن أحْمِلكم على ما أعمل أنا، إنما أريد لكم الخير في أن تعملوا الخير، فإن لم تعملوا الخير؛ فهذا لن يؤثر في حصيلتي من عملي. وبذلك يتضح لنا أن الرسول ﷺ َ لا يُجازَى على عدد المؤمنين به، بل بأداء البلاغ كما شاءه الله سبحانه. وقد شاء الحق سبحانه أن ينقل محمد ﷺ َ الخير إلى أمته، فإن ظلوا على الشر؛ فهذا الشر لن يناله لأن خير البلاغ بالمنهج يعطيه ﷺ َ خيراً، لأنه يطبِّقه على نفسه، وشر الذين لا يتبعونه إنما يعود عليهم؛ لأن الذين يتأبون على الاستجابة لأي داعٍ إنما يظنون أن الداعي سوف يستفيد. والبلاغ عن الله، إنما يطبقه الرسول ﷺ َ منهجاً وسلوكاً

стр. 6829

ويُجازَى عليه. فلا يجوز الخلط في تلك المسائل ﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١] . ثم يقول الحق سبحانه على لسان رسول ﷺ َ: ﴿أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] . وكلمة ﴿برياء﴾ تفيد أن هناك ذنباً، وهذا القول الحق فيه مجاراة للخصوم، وشاء الحق سبحانه أن يُعلِّم رسوله ﷺ َ والمؤمنين أدب الحوار والمناقشة، فيقول: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] . أي: أننا الرسول ومعه المؤمنون وأنتم أيها الكافرون إما على هدى، أو في ضلال. والرسول ﷺ َ موقن أنه على هدى وأن الكافرين على الضلال، ولكنه يجاريهم؛ عدالة منه ﷺ َ ومجاراة لهم. كذلك يعلِّمه ربه سبحانه أن يقول: ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ: ٢٥] . أي: أنه يبين لهم: هَبُوا أنِّي أجرمتُ فأنتم لن تُسألوا عن إجرامي، ومن أدب الرسول ﷺ َ شاء له الحق سبحانه أن يقول: ﴿وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥] . ولم يقل: «ولا نُسأل عما تُجرمون» . وكذلك شاء الحق سبحانه أن تأتي هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿أَنتُمْ بريائون مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ٤١] .

стр. 6830

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾

стр. 6831

وكلمة «مَنْ» تطلق وقد يراد بها المفرد، وقد يراد بها المفردة، وقد يراد بها المثنى، وقد يراد بها الجمع، ومرة يطابق اللفظ فيقول سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] . ومرة يقصد المعنى فيقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢] . لأن ﴿مَّن﴾ صالحة للموقعين. والسماع كما نعلم هو استقبال الأذن للصوت، فإن كان صوتاً مُبْهماً كأصوات الحيوانات أو أصوات الأعواد، فهذه الأصوات لا تفيد إلا ما تفيده النغمة في الجسم من هزة أو ارتجاج. وإما أن يكون الصوت له معنى تواضُعيٌّ، كاللغات المختلفة التي يتخاطب بها الناس في البلدان المختلفة، فإن تكلمتَ بالإنجليزية في بلد يتكلم أهله بهذه اللغة فهموك وفهمت عنهم. هذا هو معنى التواضع في اللغة، أي: أن المتكلم والسامع على درجة. واحدة من الاتفاق على اللغة. والنبي ﷺ َ عربي يتحدث بلسان عربي مبين لقوم من العرب، فما العائق عن السمع إذن؟ إن العائق عن السمع نفض الأذن لما يأتي من جهة الخصم، والسماع كما نعلم هو استشراف المخاطب إلى ما يفهم من المتكلم، فإن لم يوجد عند المخاطب استشراف إلى أن يسمع، فالكلام يُقال ولا يصل.

стр. 6832

إذن: لا بد للسامع من حالة الاستشراف إلى فهم ما يقوله المتكلم. وكما يقول المثل: «إذن من طين وأخرى من عجين» . أو كما تقول المزحة أن واحداً مال على أذن صديق له وقال: «أريد أن أقول لك سِراً» فاقترب الصديق مستشرفاً سماع السر، فقال الرجل: «أريد مائة جنيه كقرض» ؛ فقال الصديق: «كأني لم أسمع هذا السر» . إذن: فالكلام ليس مجرد صوت يصل إلى الأذن، لكن لا بد من استشراف نفسي للتقلي. وهم لا يملكون هذا الاستشراف؛ لذلك قال الحق سبحانه: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم﴾ [يونس: ٤٢] أي: كان سمعهم لا يسمع. ومثال ذلك: أننا نجد المدرس الذي يشرح الدرس للتلاميذ، وبين التلاميذ من يستشرف السمع؛ ولذلك يفهم الدرس، أما الذي لا يستشرف فكأنه لم يسمع الدرس. وهم قد فاتوا الصُّمَّ؛ لأن الأصم قد يفهم بالحركة او الإشارة أو لغة العين، ولكن هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ٤٢] . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾

стр. 6833

والرؤى أيضاً تحتاج إلى استشراف، وأن يُقْبِل المرء على ما يريد أن يراه، وأحياناً لا يكون الرائي مستشرفاً؛ لأن قلبه غير متجه للرؤية.

стр. 6834

وسئُل واحد: إنك تقول: من رأى فلاناً الصالح يَهْده الله. فردَّ عليه السامع متسائلاً: كيف تقول ذلك؟! فردَّ القائل: لقد رأى أبو جهل خيراً من هذا، ومع ذلك ظل كافراً. فردَّ السامع: إن أبا جهل لم يَرَ محمداً رسول الله ﷺ َ، ولكنه رأى يتيم أبي طالب. وهكذا شرح الرجل أن أبا جهل لم ينظر إلى محمد ﷺ َ على أنه رسول؛ لأنه لو نظر إليه بهذا الإدراك لتسللت إليه سكينة الإيمان وهَيبة الخشوع وجلال الورع. ونحن قد نلقى رجلاً صالحاً في بشرته أدْمة أو سواد، وصلاحه يضيء حوله، وله أسْر من التقوى، وجاذبية الورع. ولو أن أبا جهل رأى محمداً ﷺ َ على أنه رسول لتغيَّر أمره. وها هو «» فضالة «يحكى عن لحظة أراد فيها أن يقتل رسول الله ﷺ َ وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما اقترب منه؛ قال له رسول الله ﷺ َ: ماذا كنت تحدِّث به نفسك؟ قال: لا شيء، كنت أذكر الله. قال: فضحك النبي ﷺ َ، ثم قال: استغفِر الله، ثم وضع يده على صدر فضالة» . وساعة سمع فضالة هذا، ورأى محمداً ﷺ َ وهو يقول ذلك القول، قال: ما كان أبغض إليَّ من وجهه، ولكني أقبلت عليه فما كان أحَبَّ

стр. 6835

إليَّ في الأرض كلها من وجهه. هذا هو السماع، وهذا هو البصر، وكلاهما السمع والبصر أكرم المتعلقات وأشرفها؛ لأن السمع هو وسيلة الاستماع لبلاغ الله عنه، والإنسان قبل أن يقرأ لا بد له من أن يكون قد سمع. والمقصود هنا بالعمى في قول الحق سبحانه: ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي العمي وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٣] هو عمى البصيرة. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً﴾

стр. 6836

كلمة «الله» هي اسم عَلَمٍ على واجب الوجود المتصف بكل صفات الكمال التي عرفناها في أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين، وإن كان لله تعالى كمالات لا تتناهى؛ لأن الأسماء أو الصفات التي يحملها التسعة والتسعون اسماً لا تكفي كل كمالات الله سبحانه، فكمالاته سبحانه لا تتناهى. ولذلك قال النبي ﷺ َ: «أسألك بكل اسم سمَّيت به نفسك، أو علَّمته أحداً من خَلْقك، أو استأثرت به في علّم الغيب عندك» .

стр. 6837

وإن سأل سائل: ولماذا يستأثر الله سبحانه ببعض من أسمائه في علم الغيب؟ أقول: حتى يجعل لنا الله سبحانه في الآخرة مزيداً من الكمالات التي لم نكن نعرفها؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يفتح على رسوله ﷺ َ «من محامده وحُسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبله» . وهذا بعض من فيض لا ينفد من آفاق اسم عَلَمٍ على واجب الوجود، وصفات علم واجب الوجود، والتسعة والتسعون اسماً التي نعلمها هي اللازمة لحياتنا الدنيا، ولكننا سنجد في الآخرة صفات كمال أخرى، وكلمة «الله» هي الجامعة لكل هذه الأسماء، ما عرفناها؛ وما لم نعرفها. والإنسان منا حين يُقبل على عمل، فهذا العمل يتطلب تكاتُفَ صفات متعددة، يحتاج إلى قدرة، وعلم، وحكمة، ولُطْف، ورحمة، وغير ذلك من الصفات، فإن قلت: باسم القويّ؛ فأنت تحتاج إلى القوة، وإن قلت باسم القادر؛ فأنت تحتاج إلى القدرة، وإن قلت: باسم الحليم؛ فأنت تحتاج إلى الحِلْم، وإن قلت: باسم الحكيم؛ فأنت تحتاج إلى الحكمة، وإن قلت: «باسم الله» فهي تكفيك في كل هذا وغيره أيضاً؛

стр. 6838

ولذلك يكون بدء الأعمال ب «بسم الله» ، فإذا احتجت إلى قدرة وجدتها، وإن احتجت إلى غِنَىً وجدته، وإن احتجت إلى بَسْطٍ وجدته. وكل صفات الكمال أوجزها الحق سبحانه لنا في أن نقول: «بسم الله» . وحين تبدأ عملك باسم الله؛ فأنت تُقِرُّ بأن كل حَوْلٍ لك موهوب من الله، والأشياء التي تنفعل لك، إنما تنفعل باسم الله، وكل شيء إنما يسخر لك باسم الله، وهو القائل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٧١٧٢] ٍ. ولو لم يذلِّل الله لنا الأنعام والأشياء لتنفعل لنا ما استطعنا أن نملكها، بدليل أن الله تعالى قد ترك أشياء لم يذللها لنا حتى نتعلَّم أننا لا نستطيع ذلك، لا بعلْمنا، ولا بقُدْرتنا، إنما الحق سبحانه هو الذي يُذلِّل. فأنت ترى الطفل في الريف وهو يسحب الجمل، ويأمره بالرقود؛ فيرقد، ويأمره بالقيام؛ فيقوم. أما إن رأينا ثعباناً فالكثير منا يجري ليهرب، ولا يواجهه إلا من له دُرْبة على قتله. والبرغوث الصغير الضئيل قد يأتي ليلدغك ليلاً، فلا تعرف كيف تصطاده؛ لأن الله لم يذلِّله لك. وكذلك الثمرة على الشجرة إذا قطفتها قبل نضجها تكون غير

стр. 6839

مستساغة، أما إن قطفتها بعد نضجها فأنت تستمتع بطعمها، ثم تأخذ منها البذرة لتعيد زراعتها، وتضمن بقاء النوع، بل إن الثمرة تسقط من على الشجرة حين تنضج وكأنها تنادي من يأكلها. وكذلك الإنسان حين يبلغ، أي: يصبح قادراً على أن ينجب غيره، فيكلّفه الله بعد ذلك بالتكاليف الإيمانية؛ لأنه لو كلَّفه قبل ذلك ثم طرأتْ عليه مشاكل المراهقة؛ فقد لا يستطيع أن يتحمل التكليف. ولذلك شاء الحق سبحانه أن يخلق من عدم، وأن يربِّى حتى يكتمل الإنسان، ثم حدَّد التكليف من لحظة البلوغ، ووضع شرط اكتمال العقل والرشد، وألا توجد آفة أو جنون. ولا أقوى من الله سبحانه يمكن أن يُكلِّف لتفعل غير ما يريد الله؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يكتمل للإنسان الرشد ساعة التكليف، أم المجنون فلم يكلفه الله سبحانه، وكذلك يسقط التكليف عن المُكْرَه؛ لأن التكليف في مضمونه هو اختيار بين البدائل، وهذه منتهى العدالة في التشريع. وأنت حين تستقبل التكليف عليك ألا تنظر إلى ما تأخذه منك العبادات، لأنها لا تأخذ من حريتك، بل تحترم أنت حرية الآخرين، ويحترمون هم حريتك، فإن حرَّم عليك أن تسرق، فهو سبحانه قد حماك بأن حرَّم على جميع الخلق أن يسرقوا منك.

стр. 6840

إذن: فالقيد قد جاء لصالحك. وهَبْ أنك أطلقت يدك في الناس، فماذا تصنع لو أطلقوا هم أياديهم فيما تملك؟ وحين حرَّم عليك التكليف أن تنظر إلى محارم غيرك، فهو قد حرم على الغير أن ينظروا إلى محارمك. وحين أمرك أن تزكِّي، فهو قد أخذ منك؛ ليعطي الفقير من المال الذي استخلفك الله فيه. فلا تنظر إلى ما أخذ منك، بل انظر إلى ما قد يعود عليك إن أصابك القدر بالفقر، والشيء الذي تستشعر أنه يؤخذ منك فالله سبحانه يعطيك الثواب أضعافاً كثيرة. وبعد ذلك انظر إلى حركة الحياة، وانظرْ إلى ما حَرَّم الله تعالى عليك من أشياء، وما حلَّل لك غير ذلك؛ فستجد المباح لك أكثر مما منعك عنه. إذن: فالتكليف لصالحك. ثم بعد كل ذلك: أيعود شيء مما تصنع من تكاليف عل الحق سبحانه؟ لا. أيعطيه صفة غير موجودة؟ لا؛ لأن الحق سبحانه قد خلقنا بكل صفات كماله، وليس في عملنا ما يزيده شيئاً.

стр. 6841

إذن: فمن المصلحة أن تطبّق التكاليف لأنها تعود عليك أنت بالخير. وانظر مثلاً إلى الفلاح في الحقل، إنه يحرث الأرض، وينقل السماد، ويبذر، ويروى ويتعب، وبعد ذلك يستريح في انتظار الثمار. وأنت حين تنفِّذ تكاليف الحق سبحانه فأنت تجد العائد، وأنت ترى في حياتك أن الفلاح الكسول يصاب بحسرة يوم الحصاد، فما بالنا بحساب الآخرة. والفلاح الذي يأخذ من مخزنة إردبّاً؛ ليزرعه، وهو في هذه الحالة لا ينقص مخزنه؛ لأنه سيعود بعد فترة بخسمة عشر إردبّاً. وهكذا من ينفِّذ التكاليف يعود عليه كل خير؛ ولذلك أقول: انظر في استقبالات منهج الله تعالى فيما تعطيه، لا فيما تأخذه. وهكذا ترى أنه لا ظلم؛ لأننا صنعة الله، فهل رأيتم صانعاً يفسد صنعته؟ إذن: فالصانع الأعلى لا يظلم صنعته ولا يفسدها أبداً، بل يُحسِّنها ويعطيها الجمال والرونق؛ لذلك يقول الحق سبحانه:

стр. 6842

﴿إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئاً ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: ٤٤] . أي: أن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم، ومن الظلم جَحْد الحق، وهذا هو الظلم الأعلى، ومن الظلم أن يعطى الإنسان نفسه شهوة عاجلة؛ ليذوق من بعد ذلك عذاباً آجلاً، وهو بذلك يحرم نفسه من النعيم المقيم، وهو حين يظلم نفسه يكون قد افتقد القدرة على قياس عمره في الدنيا، فالعمر مهما طال قصير، وما دام الشيء له نهاية فهو قصير. والحق حين يخاطب الناس، فهو قد نصب لهم آيات باقية إلى أن تقوم الساعة، وكلهم شركاء فيها، وهي الآيات الكونية، وبعد ذلك خَصَّ كل رسول بآية ومعجزة، وأنزل منهجاً ب «افعل» و «لا تفعل» ، وبيَّن في آيات الكتاب ما المطلوب فعله، وما المطلوب أن نمتنع عنه، وترك لك بقية الأمور مباحة. والمثال الذي أضربه دائماً: هو التلميذ الذي يرسب آخر العام، هذا التلميذ لم تظلمه المدرسة، بدليل أن غيره قد نجح؛ لذلك لا يصح أن يقال: إن المدرسة أسقطت فلاناً، ولكن الصحيح أن نقول: إن فلاناً قد أسقط نفسه، وأن زميله قد أنجح نفسه، ودور المدرسة في ذلك هو إعلان النتيجة.

стр. 6843

ومن الظلم أيضاً أن يستكثر الظالم نعمة عند المظلوم، فيريد أن يأخذها منه، ولا يمكن أن يكون الحق ظالماً يستكثر نِعَم عباده؛ لأنه مُنزَّه عن ذلك؛ فضلاً عن أن خَلْقه ليس عندهم نِعَم يريدها هو، فهو الذي أعطاها لهم؛ ولذلك لا يأتي منه سبحانه أي ظلم، وإنْ جاء الظلم فهو من الإنسان لنفسه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً﴾

стр. 6844

فهذه الدنيا التي يتلهف عليها الإنسان، ويأخذ حظه فيها، وقد ينسى الآخرة، فإذا ما قامت القيامة فأنت تشعر كأنك لم تمكث في الدنيا إلا ساعة، والساعة هي الساعة الجامعة التي تقوم فيها القيامة، ولكن الساعة في الدنيا هي جزء من الوقت، ونحن نعلم أن اليوم مقسَّم لأربع وعشرين ساعة، وأيضاً تُطلق الساعة على تلك الآلة التي تُعلَّق على الحائط أو يضعها الإنسان على يده، وهي تشير إلى التوقيت. والتوقيت ثابت بمقدار الساعة والدقيقة والثانية منذ آدم ﵇ وإلى من سوف يأتون بعدنا، ولكن التوقيت يختلف من مكان إلى آخر، فتشير الساعة في القاهرة مثلاً إلى الثانية ظهراً، وتكون في نيويورك السابعة صباحاً، وتشير في بلد آخر إلى الثالثة بعد منتصف الليل، ولا تتوحد الساعة بالنسبة لكل الخلق إلا يوم القيامة.

стр. 6845

ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥] . وهم إذن يُفاجَأون أن دنياهم الطويلة والعريضة كلها مرَّتْ وكأنها مجرد ساعة، وهكذا يكتشفون قِصَر ما عاشوا من وقت، ولا يقصتر الأمر على ذلك، بل إنهم لم ينتفعوا بها أيضاً فهي مدة من الزمن لم تكن لها قيمة. والحق سبحانه يقول: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القوم الفاسقون﴾ [الأحقاف: ٣٥] . أي: أن الدنيا تمر عليهم في لهو ولعب ومشاغل، ولم يأخذوا الحياة بالجد اللائق بها؛ فضاعت منهم وكأنها ساعة. ولذلك يقول الحق سبحانه هنا: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يلبثوا إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النهار﴾ [يونس: ٤٥] . ويوم الحشر ينقسم الناس قسمين: قسم مَنْ كانوا يتعارفون على البر، وقسم مَنْ كانوا يتعارفون على الإثم، فالذين تعارفوا في الحياة الدنيا على

стр. 6846

البر يفرحون ببعضهم البعض، وأما الذين تعارفوا في الحياة الدنيا علىلإثم فهم يتنافرون بالعداء، والحق سبحانه هو القائل: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] . وكذلك قال في الذين تعارفوا على الإثم: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾ [البقرة: ١٦٦] . هم سيتعارفون على بعضهم البعض، ولكن هذه المعرفة لا تدوم، بل تنقلب إلى نكران، فالواحد منهم لا يريد أن يرى مَنْ كان سبباً في أن يؤول إلى هذا المصير، وتعارفهم سيكون تعارف تعنيف. ويقول الحق سبحانه: ﴿قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله﴾ [يونس: ٤٥] . وساعة تسمع كلمة «خسر» فاعرف أن الأمر يتعلق بتجارة ما، والخسارة تعنى: أن يفقد الإنسان المتاجر إما جزءاً من رأس المال، أو رأس المال كله. ومراحل التجارة كما نعرف إما كسب يزيد رأس المال المتاجَر فيه، وإما الاَّ يكسب التاجر ولا يخسر؛ لكنه يشعر بأن ثمن عمله ووقته في هذه التجارة قد ضاع، وكل ذلك يحدث في الصفقات.

стр. 6847

ونجد الحق يصف العملية الإيمانية في الدنيا بقوله: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١٠١١] . ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله وَأَقَامُواْ الصلاة وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . والتجارة تعتمد على أنك لا تُقبل على عقد صفقة إلا إذا غلب على ظنك أن هذه الصفقة سوف تأتي لك بأكثر مما دفعت فيها. ولذلك يقول الحق سبحانه عن الصفقات الخاسرة: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] . ويقول أيضاً: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ [الجمعة: ١١] .

стр. 6848

وشاء الحق سبحانه أن يجعل معنى التجارة واضحاً ومعبِّراً عن كثير من المواقف؛ لأن التجارة تمثِّل جماع كل حركة الحياة؛ فهذا يتحرك في ميدان؛ لينفع نفسه، وينفع غيره، وغيره يعمل في ميدان آخر؛ فينفع نفسه، وينفع غيره. وبهذا يتحقق نفع الإنسان من حركة نفسه وحركة غيره، وهو يستفيد من حركة غيره أكثر مما يستفيد من حركته هو، ومن مصلحة أي إنسان أن يحسِّن كل إنسان حركته؛ فيرتاح هو؛ لأن ما سوف يصل إليه من حركة الناس سيكون جيد الإتقان. والتجارة تحمل أيضاً الوساطة بين المنتج والمستهلك. ولذلك حين أراد الله سبحانه أن نستجيب لأذان الجمعة قال: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] . ولم يقل الله سبحانه: اتركوا الزراعة أو اتركوا الصناعة، أو اتركوا التدريس، بل اختار من كل حركات الحياة حركة البيع؛ لأن فيه تجارة، والتجارة هي الجامعة لكل حركات الحياة. والتاجر وسيط بين منتج ومستهلك وتقتضي التجارة شراءً وبيعاً، والشراء يدفع فيه التاجر ثمناً، أما في البيع فهو يأخذ الثمن، والغاية من كل شيء أن يتموَّل الإنسان. لذلك فالبيع أفضل عند التاجر من الشراء، فأنت تشتري شيئاً وأنت كاره له، لاحتياجك إليه، ولكنك عند بيع البضاعة تشعر بالسعادة والإشراق، ولأن الشراء فيه أخذ، والبيع فيه عطاء، والعطاء يرضي النفس دائماً؛ لأن ثمرة الصفقة تأتيك في لحظتها.

стр. 6849

وإن كنت مزارعاً فأنت تُعِدّ الأرض، وتحرثها، وتبذر البذور، وترويها، وتُشَذِّب النبات، وتنتظر إلى أن ينضج الزرع، وكذلك تقضي الكثير من الوقت في إتقان الصنعة إن كنت صانعاً، لكن البيع في التجارة ياتي لك بالكسب سريعاً، فكأن ضَرْبَ المثل في التجارة، جاء من أصول التجارة بالبيع ولم يأت بالشراء. إذن: لا بد أن نعتبر أن دخولك في صفقة الإيمان تجارة، تأخذ منها أكثر من رأسمالك، وتربح، أما إن تركت بعضاً من الدِّين؛ فأنت تخسر بمقدار ما تركت، بل وأضعاف ما تركت. وأنت في أية صفقة قد تعوِّض ما خسرت فيما بعد، وإن استمرت الخسارة فإن أثرها لا يتجاوز الدنيا، ويمكن أن تربح بعدها، وإذا لم تربح، فسيضيع عليك تعبك فقط؛ ولأن الدنيا محدودة الزمن؛ فخسارتها محتملة، أما الخسارة في الزمان غير الموقوت الزمن الدائم فهي خساة كبيرة؛ لأن الآخرة ليس فيها أغيار كالدنيا، وأنت في الآخرة: إما في جنة ذات نعيم مقيم، وفي هذا ربح وكسب كبير، وإما إلى نار، وهذه هي الخسارة الحقيقة. والخسران الحقيقي أن يكذِّب الإنسان، لا بنعيم الله فقط، ولكن بلقاء الله أيضاً. يقول الحق سبحانه: ﴿قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الله﴾ [يونس: ٤٥] . أي: أن الله سبحانه لم يكن في بالهم، وهو حين تقوم الساعة يجدون الله أمامهم. ولذلك يقول الحق سبحانه:

стр. 6850

﴿والذين كفروا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظمآن مَآءً﴾ [النور: ٣٩] . والسراب كما نعلم يراه السائر في الصحراء، وهو عبارة عن انعكاس للضوء؛ فيظن أن أمامه ماء، ولكن إن سار إليه الإنسان لم يجده ماء، وهكذا شبَّه الحق سبحانه عمل الكافر بمن يسير في صحراء شاسعة، ويرى السراب؛ فيظنه ماءً، لكنه سراب، ما إن يصل إليه حتى ينطبق عليه قول الحق سبحانه: ﴿حتى إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ الله عِندَهُ﴾ [النور: ٣٩] . أي: أنه يُفاجأ بوجود الله ، فيوفيه الله حسابه. ولذلك فالذي يكفر بالله ويعمل ما يفيد البشر، فإنه يأخذ حسابه ممن عمل له، ولا يُحسب له ذلك في الآخرة، وتجد الناس يُكرّمونه، ويقيمون له التماثيل أو يمنحونه الجوائز وينطبق عليه قول الرسول ﷺ َ: «فعلتَ ليقال، وقد قيل» .

стр. 6851

وهنا يقول الحق سبحانه عن الذين كَذّبوا بلقاء الله تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: ٤٥] . أي: لم يكونوا سائرين على المنهج الذي وضعه لهم خالقهم سبحانه؛ هذا المنهج الذي يمثِّل قانون الصيانة لصنعة الله تعالى، وقد خلق الله سبحانه الإنسان لمهمة، والله سبحانه يصون الإنسان بالمنهج من أجل أن يؤدي هذه المهمة. والهداية هي الطريق الذي إن سار فيه الإنسان فهو يؤدي به إلى تحقيق المهمة المطلوبة منه؛ لأن الحق سبحانه قد جعله الخليفة في الأرض. ومن لا يؤمن برب المنهج ولا يطبق المنهج فهو إلى الخسران المبين، أي: الخسران المحيط. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ﴾

стр. 6852

وقول الحق سبحانه: ﴿وَإِمَّا﴾ مكونة من «إن» و «ما» مدغومتين، وهنا يبين لنا الحق سبحانه أنه يعد الذين كذبوا رسوله ﷺ َ بالعذاب والهوان والعقاب والفضيحة. أي: يا محمد، إما أن ترى ما قلناه فيهم من خذلان وهوان، وإما أن نتوفينَّك قبل أن ترى هذا في الدنيا، ولكنك ستراه في الآخرة حين تشاهدهم في الهوان الأبدي الذي يصيبهم في اليوم الآخر. وفي هذا تسرية لرسول الله ﷺ َ.

стр. 6853

وقول الحق سبحانه: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ [يونس: ٤٦] أي: أن نريك ما وعدناهم من الخذلان والهوان في هذه الحياة، وإن لم تره في الحياة الدنيا فلسوف ترى هوانهم في الآخرة، حيث المرجع إلى الله تعالى؛ لأنه سبحانه سيصيبهم في أنفسهم بأشياء فوق الهوان الذي يُرى في الناس؛ كحسرة في النفس، وكبْت للأسى حين يرون نصر المؤمنين. أما الذي يُرى فهو الأمر الظاهر، أي: الخذلان، والهزيمة، والأسى، والقتل، وأخْذ الأموال، وسَبْي النساء والأولاد، أو غير ذلك مما سوف تراه فيهم بعد أن تفيض روحك إلى خالقها فسوف ترى فيهم ما وعدك الله به. وأنت لن تحتاج إلى شهادة من أحد عليهم، لأنه سبحانه: ﴿شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] . وكفاك الله سبحانه شهيداً: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ [النساء: ٧٩] . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ﴾

стр. 6854

والحق سبحانه لا يظلم أحداً، ولا يعذب قوماً إلا بعد أن يكفروا بالرسول الذي أرسله إليهم، وهو سبحانه القائل: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . وهو سبحانه القائل أيضاً: ﴿لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] . فلا تجريم ولا عقوبة إلا بنص وببيان لتجريم هذا الفعل أو ذاك، بإرسال الرسل؛ حتى لا يحتج أحد بأنه لم يصل إليه شيء يحاسب بمقتضاه. والحق سبحانه هنا يبيِّن أن لكل أمة رسولاً يتعهدها بأمور المنهج. وقد خلق الحق سبحانه كل الخلق، وكانوا موحِّدين منذ ذرية آدم ﵇ ثم اقتضت الأحداث أن يتباعدوا، وانتشروا في الأرض، وصارت الالتقاءات بعيدة، وكذلك المواصلات، وتعددت الآفات بتعدد البيئات. ولكن إذا تقاربت الالتقاءات، وصارت المواصلات سهلة، فما يحدث في الشرق تراه في لحظتها وأنت في الغرب، فهذا يعني توحُّد الآفات أو تكاد تكون واحدة؛ لذلك كان لا بد من الرسول الخاتم ﷺ َ، أما في الأزمنة القديمة، فقد كانت أزمنة انعزالية، تحيا كل جماعة بعيدة عن الأخرى؛ ولذلك كان لا بد من رسول لكل جماعة؛ ليعالج داءات البيئة، أمَا وقد التقت البيئات، فالرسول الخاتم يعالج كل الداءات.

стр. 6855

ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] . وقد حكى التاريخ لنا ذلك، فكل رسول جاء آمن به البعض، وكفر به البعض الآخر، والذين آمنوا به انتصروا، ومَنْ كفروا به هُزِمُوا. أو أن الآية عامة ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ﴾ أي: تُنادي كل أمة يوم القيامة باسم رسولها، يا أمة محمد ﷺ َ، ويا أمة موسى، ويا أمة عيسى ... إلخ. والحق سبحانه يقول: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثاً﴾ [النساء: ٤١٤٢] . إذن: فالحق سبحانه هنا يبيِّن أن لكل أمة رسولاً جاءها بالبلاغ عن الله، وقد آمن به مَنْ آمن، وكفر به مَنْ كفر، وما دام الإيمان قد حدث وكذلك الكفر فلا بد من القضاء بن المؤمنين والكافرين.

стр. 6856

لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] . وما دام في الأمر قضاء، فلا بد أن المؤمن يَعتبر الكافر منازعاً له، وأن الكافر يَعتبر المؤمن منازعاً له، ويصير الأمر قضية تتطلب الحكم؛ لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] . أي: يُقضي بينهم بالعدل، فالمؤمنون يتقصَّى الحق سبحانه حسناتهم ويزيدها لهم، أما الكافرون فلا توجد لهم حسنات؛ لأنهم كفروا بالله الحق؛ فيوردهم النار، وهم قد أبلغهم رسول الله ﷺ َ أنه سيأتي يوم يُسألون فيه عن كل شيء، فاستبعدوا ذلك وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ [الصافات: ١٦١٧] . لقد تعجبوا من البعث وأنكروه، لكنهم يجدونه حتماً وصدقاً. ويشاء الحق سبحانه أن يُدخل عليهم هذه المسألة دخولاً إيمانياً، فيقول: ﴿أَفَعَيِينَا بالخلق الأول﴾ [ق: ١٥] . فأنتم إذا متُّم وتحلَّلتم في التراب، أيعجز الله سبحانه أن يخلقكم من جديد؟ لا؛ إنه سبحانه القائل: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الأرض مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: ٤] . أي: أنه سبحانه يأمر العناصر الخاصة بكل إنسان أن تتجمَّع كلها، وليس هذا بعسير على الله الذي خلقهم أولاً.

стр. 6857

وهم كَذَّبوا واستنكروا واستهزأوا بمجيء يوم القيامة والبعث، وبلغ استهزاؤهم أن استعجلوا هذا اليوم، وهذا دليل جهلهم، وكان على الواحد منهم أن يفر من هول ذلك اليوم. ولذلك يقول الحق سبحانه بعد ذلك على ألسنتهم: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾

стр. 6858

هذا الإنكار والتكذيب والاستهزاء هو منطق المشركين والملحدين في كل زمان ومكان، وفي العصر القريب قاله الشيوعيون عندما قاموا بثورتهم الكاذبة، وذبحوا الطبقة العليا في المجتمع بدعوى رفع الظلم عن الفقراء. وإذا ما كانوا قد آمنوا بضرورة الثواب والعقاب، فمن الذي يحكم ذلك؟ هل الظالم يحكم على ظالم، فتكون النتيجة أن الظالم سيهلك بالظالم، وقد حدث، فأين الشيوعيون الآن؟ لماذا لم يلتفتوا إلى أن لهذا الكون خالقاً يعاقب من ظلموا من قبل، أو من يظلمون من بعد؟ إنهم لم يلتفتوا؛ لأنهم اتخذوا المادة إلهاً، وقالوا: لا إله، والحياة مادة، فأين هم الآن؟ وإن كنتم قد تملّكتم في المعاصرين لكم، وادعيتم أنكم نشرتم العدل بينهم، فماذا عن الذين سبقوا، والذين لحقوا؟

стр. 6859

هم إذن لم يلتفتوا إلى أن الله قد شاء ألا يموت ظالم إلا بعد أن ينتقم الله منه. وهم لم يلتفتوا إلى أن وراء هذه الدار داراً أخرى يجُازَى فيها المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وكان المنطق يقتضي أن يؤمن هؤلاء بأن لهذا الكون إلهاً عادلاً، ولا بد أن يجيء اليوم الذي يجازى فيه كل إنسان بما عمل، ولكنهم سخروا مثل سخرية الذين كفروا من قبلهم، وجاء خبرهم في قول الله سبحانه على ألسنتهم: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] . ولكن وعد الله حق، ووعد الله قادم، ومحمد ﷺ َ رسول من الله، يبلغ ما جاء من عند الله تعالى، فرسول الله ﷺ َ لا يملك لنفسه شيئاً. ولذلك يقول القرآن بعد ذلك: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾

стр. 6860

والرسول ﷺ َ يبرِّىء نفسه من كل حَوْل وطَوْل، ويعلن ما أمره الحق

стр. 6861

سبحانه أن يعلنه، فهو ﷺ َ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً؛ لأن النفع أو الضر بيد خالقه سبحانه، وهو خالقكم، وكل أمر هو بمشيئته سبحانه. وهذه الآية جاءت ردّاً على سؤالهم الذي أورده الحق سبحانه في الآية السابقة: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] . لقد تساءلوا بسخرية عن هذا الوعد بالعذاب، وكأنهم استبطأوا نزول العذاب تهكُّماً، وهذا يدل على أن قول الحق سبحانه: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] . هذه الآية لم تنزل ليوم القيامة، بل نزلت لتوضح موقف مَنْ كفروا برسول الله ﷺ َ والذين قالوا بعد ذلك: ﴿متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] . وهذا يعني أنهم قالوا هذا القول قبل أن تقوم القيامة، والآية التي توضح أن لكل أمة رسولاً تؤيدها آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . وكذلك قول الحق سبحانه: ﴿لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] . وكذلك قول الحق سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤] .

стр. 6862

وكل ذلك يؤيد أن الرسول المرسل إلى الأمة هو الرسول الذي جاء بمنهج الله تعالى، فآمن به قوم، وكذَّب به آخرون، وقضى الله بين المؤمنين والكافرين بأن خذل الكافرين ونصر المؤمنين. وإن استبطأ الكافرون الخذلان فلسوف يرونه؛ ولذلك أمر الحق سبحانه رسول الله ﷺ َ: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ [يونس: ٤٩] . أي: أنكم إن كنتم تسألون محمداً ﷺ َ عن الضر والنفع، فهو ﷺ َ مبلِّغ عن الله تعالى، ولا يملك لنفسه ضَرّاً ولا نفعاً، فضلاً عن أن يملك لهم هم ضَرّاً أو نفعاً، وكل هذا الأمر بيد الله تعالى، ولكل أمة أجلٌ ينزل بالذين كفروا فيها بالعذاب، ويقع فيها القول الفصل. وقول الحق سبحانه: ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] . يفيدُ أن مشيئة الله هي الفاصلة، ويدل على أن النبي والناس لا يملكون لأنفسم الضر أو النفع؛ لأن الإنسان خُلِق على هيئة القَسْر في أمور، وعلى هيئة الاختيار في أمور أخرى، والاختيار هو في الأمور التكليفية

стр. 6863

مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] . وأنت حُرٌّ في أن تطيع أو أن تعصي، وكل ذلك داخل في نطاق اختيارك، وإن صنع الإنسان طاعة، فهو يصنع لنفسه نفعاً، وإن صنع معصية، صنع لنفسه ضَرّاً. إذن: فهناك في الأمور الاختيارية ضر ونفع. ومثال ذلك: من ينتحر بأن يشنق نفسه، فهو يأتي لنفسه بالضر، وقد ينقذه أقاربه، وذلك بمشيئة الله سبحانه. إذن: ففي الأمور الاختيارية يملك الإنسان بمشيئة الله الضر أو النفع لنفسه، والله سبحانه يبين لنا أن لكل أمة أجلاً، فلا تحددوا أنتم اجال الأمم؛ لأن آجالهم استئصالاً، أو عذاباً هي من عند الله . والعباد دائماً يعجلون، والله لا يعجل بعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه، فالله تعالى مُنزَّه أن يكون موظفاً عند الخلق، بل هو الخالق الأعلى . وهو سبحانه القائل: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] . وهو سبحانه القائل: ﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] .

стр. 6864

إذن: فالحق سبحانه يؤخِّر مراداته رحمة بالخَلْق، وإذا جاء الأجل فهو لا يتأخر عن ميعاده، ولا يتقدم عن ميعاده. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] . وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ليست من مدخلية جواب الشرط الذي جاء بعد ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩] . لأن الجواب هو: ﴿فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ﴾ . فهم لا يستقدمون قبل أن يحين الأجل. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً﴾

стр. 6865

وهذا رَدٌّ شافٍ على استعجالهم للعذاب، فإن جاءكم العذاب فَلْنَرَ ماذا سيكون موقفكم. وهُمْ باستعجالهم العذاب يبرهنون على غبائهم في السؤال عن وقوع العذاب. وقول الحق سبحانه: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . أي: أخبروني عما سوف يحدث لكم.
следующие страницы →