Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6861–6900 · переход к 6866.
стр. 6861
سبحانه أن يعلنه، فهو ﷺ َ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً؛ لأن النفع أو الضر بيد خالقه سبحانه، وهو خالقكم، وكل أمر هو بمشيئته سبحانه.
وهذه الآية جاءت ردّاً على سؤالهم الذي أورده الحق سبحانه في الآية السابقة: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] .
لقد تساءلوا بسخرية عن هذا الوعد بالعذاب، وكأنهم استبطأوا نزول العذاب تهكُّماً، وهذا يدل على أن قول الحق سبحانه:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٤٧] .
هذه الآية لم تنزل ليوم القيامة، بل نزلت لتوضح موقف مَنْ كفروا برسول الله ﷺ َ والذين قالوا بعد ذلك:
﴿متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] .
وهذا يعني أنهم قالوا هذا القول قبل أن تقوم القيامة، والآية التي توضح أن لكل أمة رسولاً تؤيدها آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] .
وكذلك قول الحق سبحانه:
﴿لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] .
وكذلك قول الحق سبحانه:
﴿وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ [طه: ١٣٤] .
стр. 6862
وكل ذلك يؤيد أن الرسول المرسل إلى الأمة هو الرسول الذي جاء بمنهج الله تعالى، فآمن به قوم، وكذَّب به آخرون، وقضى الله بين المؤمنين والكافرين بأن خذل الكافرين ونصر المؤمنين.
وإن استبطأ الكافرون الخذلان فلسوف يرونه؛ ولذلك أمر الحق سبحانه رسول الله ﷺ َ:
﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ [يونس: ٤٩] .
أي: أنكم إن كنتم تسألون محمداً ﷺ َ عن الضر والنفع، فهو ﷺ َ مبلِّغ عن الله تعالى، ولا يملك لنفسه ضَرّاً ولا نفعاً، فضلاً عن أن يملك لهم هم ضَرّاً أو نفعاً، وكل هذا الأمر بيد الله تعالى، ولكل أمة أجلٌ ينزل بالذين كفروا فيها بالعذاب، ويقع فيها القول الفصل.
وقول الحق سبحانه:
﴿إِلاَّ مَا شَآءَ الله لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ [يونس: ٤٩] .
يفيدُ أن مشيئة الله هي الفاصلة، ويدل على أن النبي والناس لا يملكون لأنفسم الضر أو النفع؛ لأن الإنسان خُلِق على هيئة القَسْر في أمور، وعلى هيئة الاختيار في أمور أخرى، والاختيار هو في الأمور التكليفية
стр. 6863
مصداقاً لقوله سبحانه: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
وأنت حُرٌّ في أن تطيع أو أن تعصي، وكل ذلك داخل في نطاق اختيارك، وإن صنع الإنسان طاعة، فهو يصنع لنفسه نفعاً، وإن صنع معصية، صنع لنفسه ضَرّاً.
إذن: فهناك في الأمور الاختيارية ضر ونفع.
ومثال ذلك: من ينتحر بأن يشنق نفسه، فهو يأتي لنفسه بالضر، وقد ينقذه أقاربه، وذلك بمشيئة الله سبحانه.
إذن: ففي الأمور الاختيارية يملك الإنسان بمشيئة الله الضر أو النفع لنفسه، والله سبحانه يبين لنا أن لكل أمة أجلاً، فلا تحددوا أنتم اجال الأمم؛ لأن آجالهم استئصالاً، أو عذاباً هي من عند الله .
والعباد دائماً يعجلون، والله لا يعجل بعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد سبحانه، فالله تعالى مُنزَّه أن يكون موظفاً عند الخلق، بل هو الخالق الأعلى .
وهو سبحانه القائل:
﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] .
وهو سبحانه القائل:
﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ [الإسراء: ١١] .
стр. 6864
إذن: فالحق سبحانه يؤخِّر مراداته رحمة بالخَلْق، وإذا جاء الأجل فهو لا يتأخر عن ميعاده، ولا يتقدم عن ميعاده.
لذلك يقول الحق سبحانه:
﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .
وقوله سبحانه: ﴿يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ليست من مدخلية جواب الشرط الذي جاء بعد ﴿إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ٤٩] .
لأن الجواب هو: ﴿فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ﴾ .
فهم لا يستقدمون قبل أن يحين الأجل.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً﴾
стр. 6865
وهذا رَدٌّ شافٍ على استعجالهم للعذاب، فإن جاءكم العذاب فَلْنَرَ ماذا سيكون موقفكم.
وهُمْ باستعجالهم العذاب يبرهنون على غبائهم في السؤال عن وقوع العذاب.
وقول الحق سبحانه: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ . أي: أخبروني عما سوف يحدث لكم.
стр. 6866
وشاء الحق سبحانه أن يأتي أمر العذاب هنا مبهماً من جهة الزمان فقال سبحانه:
﴿إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً﴾ [يونس: ٥٠] .
والبيات مقصود به الليل؛ لأن الليل محل البيتوتة، والنهار محل الظهور.
والزمن اليومي مقسوم لقسمين: ليل، ونهار.
وشاء الحق سبحانه إبهام اليوم والوقت، فإن جاء ليلاً، فالإنسان في ذلك الوقت يكون غافلاً نائماً في الغالب، وإن جاء نهاراً، فالإنسان في النهار مشغول بحركة الحياة.
والحق سبحانه يقول في موضع آخر:
﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] .
ويقول سبحانه:
﴿أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] .
ولو نظرت إلى الواقع لوجدت أن العذاب يأتي في الليل وفي النهار معاً، لأن هناك بلاداً يكون الوقت فيها ليلاً، وفي ذات الوقت يكون الزمن نهاراً في بلاد أخرى.
وإذا جاء العذاب بغتة، وحالوا إعلان الإيمان، فلن ينفعهم هذا
стр. 6867
الإيمان؛ لأن الحق سبحانه يقول فيمن يتخذ هذا الموقف:
﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين﴾ [يونس: ٩١] .
فإن جاءكم العذاب الآن لما استقلتم منه؛ لأنه لن ينفعكم إعلان الإيمان، ولن يقبل الله منكم، وبذلك يصيبكم عذاب في الدنيا، بالإضافة إلى عذاب الآخرة، وهذا الاستعجال منكم للعذاب يضاعف لكم العذاب مرتين، في الدنيا، ثم العذاب الممتد في الآخرة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾
стр. 6868
أي: إذا ما وقع العذاب فهل ستؤمنون؟
إن إعلان إيمانكم في هذا الوقت لن يفيدكم، وسيكون عذابكم بلا مقابل.
إذن: فاستعجالكم للعذاب لن يفيدكم على أي وضع؛ لأن الإيمان لحظة وقوع العذاب لا يفيد.
ومثال ذلك: فرعون حين جاءه الغرق ﴿قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي
стр. 6869
آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ﴾
стр. 6870
وهذا إخبار عن العذاب القادم لمن كفروا ويلقونه في اليوم الآخر، فهم بكفرهم قد ظلموا أنفسهم في الدنيا، وسيلقون العذاب في الآخرة، وهو ﴿عَذَابَ الخلد﴾ أي: عذاب لا ينتهي.
وينهي الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ .
أي: أن الحق سبحانه لم يظلمهم، فقد بلغهم برسالة الإيمان عن طريق رسول ذي معجزة، ومعه منهج مفصَّل مؤيَّد، وأمهلهم مدة طويلة، ولم يستفيدوا منها؛ لأنهم لم يؤمنوا.
إذن: فسيلقون عذاب الخلد، وقد جاء سبحانه هنا بخبر عذاب الخلد؛ لأن عذاب الدنيا موقوت، فيه خزي وهوان، لكن محدوديته في الحياة يجعله عذاباً قليلاً بالقياس إلى عذاب الآخرة المؤبد.
وجاء الحق سبحانه بأمر عذاب الخلد كأمر من كسبهم، والكسب زيادة عن الأصل، فمن يتاجر بعشر جنيهات، قد يكسب خمسة جنيهات.
وهنا سؤال: هل الذي يرتكب معصية يكسب زيادة عن الأصل؟
نعم؛ لأن الله سبحانه حرَّم عليه أمراً، وحلله هو لنفسه، فهو يأخذ
стр. 6871
زيادة في التحليل، وينقص من التحريم وهو يظن أنه قد كسب بمفهومه الوهمي الذي زين له مراد النفس الأمارة، وهذا يعني أنه ينظر إلى واقع اللذة في ذاتها، ولا ينظر إلى تبعات تلك اللذة، وهو يظن أنه قد كسب، رغم أنه خاسر في حقيقة الأمر.
وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾
стр. 6872
وهم قد قالوا من قبل: ﴿متى هذا الوعد﴾ [يونس: ٤٨] .
وهم هنا قد عادوا للتساؤل. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ أي: يطلبون منك النبأ. والنبأ هو الخبر المتعلق بشيء عظيم، وهم يطلبون الخبر منك يا رسول الله ويتساءلون: أهو حق؟
وكلمة «حق» هنا لها معطيات كثيرة؛ لأن ﴿هُوَ﴾ يمكن أن تعود على أصل الدين قرآناً؛ ونبوَّة، وتشريعاً، وهي كلمة تحمل التصديق بأن القرآن حق، والتشريع حق، والنبوة لمحمد ﷺ َ حق، والقيامة والبعث حق، والكلام عن العذاب في الدنيا بخذلانهم ونصرة المؤمنين عليهم حق.
стр. 6873
إذن: فقولهم: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] لها أكثر من مرجع، كأنهم سألوا: هل القرآن الذي جئت به حق؟
وهل النبوة التي تدَّعيها حق؟
وهل الشرائع التي تقول: إن الله أنزلها كمنهج بحكم حركة الإنسان حق؟
وهل القيامة والبعث حق؟
وهل العذاب في الدنيا حق؟
إنها كلمة شاملة يمكن أن تؤول إلى أكثر من معنى.
ويأتي الجواب من الله تعالى:
﴿قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] .
وأنت حين يستفهم منك أحد قائلاً: هل زيد موجود؟ فأنت تقول: نعم موجود. ولا تقول له: والله إن زيداً موجود؛ لأنك لن تؤكد الكلام لمن يسألك؛ لأنه لا ينكر وجود زيد.
إذن: فأنت لن تؤكد إجابةً ما إلا إذا كان هناك في السؤال شبهة إنكار.
إذن: فأنت تستدل من قول الحق سبحانه:
стр. 6874
﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ [يونس: ٥٣] على أن سؤالهم يحمل معاني الإنكار والاستهزاء؛ ولذلك جاء الجواب ب «أي» وهو حرف جواب يعني: «نعم» ، وتأتي «أي» دائماً مع القسم.
ولكل حرف من حروف الجواب مقام، فهناك «بلى» وهي تأتي في جواب سؤال منفي، في مثل قوله تعالى:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] .
وقول الحق سبحانه هنا: ﴿إِي وربي﴾ [يونس: ٥٣] .
تعني: نعم وأقسم بربي إنه لحق. وأنت لا تُقسم على شيء إلا إذا كان السائل عنده شبهة إنكار، وتأتي ب «إن» لمزيد من هذا التأكيد.
ومثال ذلك في قوله سبحانه:
﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثنين فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فقالوا إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣١٤] .
وماذا كان رد من بُعث اليهم الثلاثة؟
﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ [يس: ١٥] .
هكذا كان إنكار المكذبين للرسل الثلاثة شديداً. فقال لهم الرسل:
стр. 6875
﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٦] .
فكان قولهم هذا مناسباً لإنكار الكافرين الشديد.
إذن: فالتأكيد في أسلوب المسئول إنما يأتي على مقدار الإنكار، فإن لم يكن هناك إنكار؛ فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد.
أما إذا صادف الكلام إنكاراً قليلاً، فالتأكيد يأتي مرة واحدة.
وإن صادف الكلام لجاجة في الإنكار جاء التأكيد مرتين.
أما إذا ما صادف الكلام تبجُّحاً في الإنكار فالتأكيد يأتي ثلاث مرات.
وقد علَّم الحق سبحانه رسوله ﷺ َ هنا أن يرد على استنبائهم بأن يقول لهم: ﴿إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] .
وهنا يقسم الرسول ﷺ َ بالرب؛ لأن الرب هو من كلَّفه، ثم يؤكد ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لأن سؤالهم تضمَّن الإنكار والاستهزاء.
وما دام قد قال: ﴿إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ فهم إن لم يؤمنوا فسوف يلقون العذاب؛ لأنه ليس هناك مَنْجًى من الله تعالى، ولن تُعْجِزوا الله هرباً، ولن تعجزوه شفاعة من أحد، ولن تعجزوه بيعاً، ولن تعجزوه خُلَّة تتقدم لتشفع لكم.
ثم يأتي قوله سبحانه في نهاية الآية:
﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [يونس: ٥٣] .
وقد أراد الحق سبحانه أن يفسر لمحة من الإعجاز، ذلك أن الله من الممكن أن يقبل شفاعة الشافعين، ومن الممكن أن يقبل
стр. 6876
الفداء؛ ولذلك جاء الإيضاح في الآية التالية، فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض﴾
стр. 6877
وساعة ياتي العذاب فالإنسان يرغب في الفرار منه، ولو بالافتداء.
وانظر كيف يحاول الإنسان أن يتخلص من كل ما يملك افتداء لنفسه، حتى ولو كان يملك كل ما في السموات وما في الأرض.
ولكن هل يتأتى لأحد غير الله سبحانه أن يملك السموات والأرض؟
طبعاً لا.
إذن: فالشر لا يتأتَّى. وهَبْ أنه تأتَّى، فلن يصلح الافتداء بملك ما في السموات وما في الأرض؛ لأن الإنسان الظالم في الدنيا قد أخذ حق الغير، وهذا الغير قد كسب بطريق مشروع ما أخذه الظالم منه، والظالم إنما يأخذ ثمرة عمل غيره، ولو صحَّ ذلك لتحوَّل البعض إلى مغتصبِين لحقوق الغير، ولأخذوا عرق وكدح غيرهم، ولتعطلت حركة الحياة.
стр. 6878
ولذلك إن لم يردع الله الظالم في الدنيا قبل الآخرة لاستشرى الظلم، وإذا استشرى الظلم في مجتمع، فالبطالة تنتشر فيه، ويحاول كل إنسان أن يأخذ من دم وعرق غيره، وبهذا يختلّ ميزان العدل وتفسد حركة الحياة كلها.
وهَبْ أن الظالم أخذ مُلْك الدنيا كلها، وأراد أن يفتدى به نفسه ساعة يأتي العذاب، ويفاجأ بأن كسبه من حرام لا يُقْبَل فداءً، أليس هذا هو الخسران الكبير؟ وهذه ظاهرة موجودة في دنيا الناس.
وهَبْ أن واحداً ارتشى أو اختلس أو سرق، ويفاجئه القانون ليمسكه من تلابيبه فيقول: خذوا ما عندي واتركوني. ولن يقبل القائمون على القانون ذلك. وإن كان مثل هذا التنازل يحدث في (الجمارك) فنرى من يتنازل عن البضائع المهربة مقابل الإفراج عنه، هذا ما يحدث في الدنيا، لكنه لن يحدث في الآخرة.
وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه:
﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] .
وقال الحق سبحانه في آية أخرى:
стр. 6879
﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة: ١٢٣] .
وقال بعض المشككين أن الآيتين متشابهتان، ولم يلتفتوا إلى أن كل آية تختلف عن الأخرى في التقديم للعدل، والتأخير للشفاعة.
والبلاغة الحقَّة تتجلَّى في الآيتين؛ لأن القارىء لصَدْر كل آية منهما، والفاهم للمَلَكه اللغوية العربية أن عَجُز كل آية يناسب صدرها.
ومن يقرأ قول الحق سبحانه:
﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨] .
يرى أنه أمام نفسين: النفس الأولى هي التي تقدِّم الشفاعة، والنفس الثانية هي المشفوع لها. والشفاعة هنا لا تُقبل من النفس الأولى الشافعة، وكذلك لا يُقبل العدل.
وفي الآية الثانية لاتُقبل الشفاعة ولا العدل من النفس المشفوع لها، فهي تحاول أن تقدم العدل أولاً، ثم حين لا ينفعها تأتي بالشفيع.
وهكذا جاء التقديم والتأخير في الآيتين مناسباً للموقف في كل منهما.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض لاَفْتَدَتْ بِهِ﴾ [يونس: ٥٤] .
وفي هذا القول تعذُّرِ ملْك النفس الواحدة لكل ما في الأرض، ولو افترضنا أن هذه النفس ملكته فلن تستطيع الافتداء به؛ وتكون النتيجة هي ما يقوله الحق سبحانه:
стр. 6880
﴿وَأَسَرُّواْ الندامة لَمَّا رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: ٥٤] .
أي: أخفوا الحسرة التي تأتي إلى النفس، وليس لها ظاهر من انزعاج لفظي أو حركي.
إن كلاّ منهم يكتم هَمَّه في قبله؛ لأنه ساعة يرى العذاب ينبهر ويُصعَق ويُبهَت من هول العذاب، فتجمد دماؤه، ولا يستطيع حتى أن يصرخ، وهو بذلك إنما يكبت ألمه في نفسه؛ لأن هول الموقف يجمِّد كل دم في عروقهم، ويخرس ألسنتهم، ولا يستطيع أن ينطق؛ لأنه يعجز عن التعبير الحركي من الصراخ أو الألم.
ونحن نعلم أن التعبير الحركي لون من التنفيس البدني، وحين لا يستطيعه الإنسان، فهو يتألم أكثر.
هم إذن يُسرُّون الندامة حين يرون العذاب المفزع المفجع، والكلام هنا عن الظالمين، وهم على الرغم من ظلمهم، فالحق سبحانه يقول: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٤] .
وهؤلاء رغم كفرهم واستحقاقهم للعذاب يلقون العدل من الله، فَهَبْ أن كافراً بالله بمنأى عن الدين ظلم كافراً آخر، أيقف الله سبحانه من هذه المسألة موقفاً محايداً.
لا؛ لأن حق خَلْق الله سبحانه الكافر المظلوم يقتضى أن يقتص الله سبحانه له من أخيه الكافر الظالم؛ لأن الظالم الكافر، إنما ظلم مخلوقاً لله، حتى وإن كان هذا المظلوم كافراً.
ولذلك يقضي الله بينهم بالحق، أي: يخفِّف عن المظلوم بعضاً من
стр. 6881
العذاب بقدر ما يثقله على الظالم.
هذا هو معنى ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ لأنها تتطلب قضاء، أي: عدم تحيز، وتتطلب الفصل بين خصومتين.
ويترتب على هذا القضاء حكم؛ لذلك يبين لنا الحق سبحانه أنهم وإن كانوا كافرين به إلا أنه إن وقع من أحدهم ظلم على الآخر، فالحق رب الجميع وخالق الجميع، كما أعطاهم بقانون الربوبية كل خير مثلما أعطى المؤمنين، فهو سبحانه الذي أعطى الشمس، والماء، والهواء، وكل وسائل الرزق والقُوت لكل الناس مؤمنهم، وكافرهم فإذا ما حدث ظلم بين متدينين بدين واحد، أو غير متدينين، فلا بد أن يقضي فيه الحق سبحانه بالفصل والحكم بالعدل.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾
стр. 6882
و «ألا» في اللغة يقال عنها «أداة تنبيه» وهي تنبه السامع أن المتكلم سيقول بعدها كلاماً في غاية الأهمية، والمتكلم كما نعلم يملك زمام لسانه، بحكم وضعه كمتكلم، لكن السامع يكون في وضع المُفاجَأ.
وقد يتكلم متكلم بما دار في ذهنه ليبرزه على لسانه للمخاطب، ولكن المخاطب يفاجأ، وإلى أن ينتبه قد تفوته كلمة أو اثتنان مما يقوله المتكلم.
стр. 6883
والله يريد ألاَّ يفوت السامع لقوله أي كلمة، فأتى بأداة تنبيه تنبه إلى الخبر القادم بعدها، وهو قول الحق سبحانه:
﴿إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ٥٥] .
هكذا شاء الحق سبحانه أن تأتي أداة التنبيه سابقة للقضية الكلية، وهي أنه سبحانه مالك كل شيء، فهو الذي خلق الكون، وخلق الإنسان الخليفة، وسخَّر الكون للإنسان الخليفة، وأمر الأسباب أن تخضع لمسببات عمل العامل؛ فكل من يجتهد ويأتي بالأسباب؛ فهي تعطيه، سواء أكان مؤمناً أو كافراً.
وإذا خدمت الأسبابُ الإنسانَ، وكان هذا الإنسان غافلاً عن ربه أو عن الإيمان به، ويظن أن الأسباب قد دانت له بقوته، ويفتن بتلك الأسباب، ويقول مثلما قال قارون:
﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي﴾ [القصص: ٧٨] .
فالذي نسي مسبِّب الأسباب، وارتبط بالأسباب مباشرة، فهو ينال العذاب، إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة؛ فكأن الحق سبحانه ينبههم: تَنَّبهوا أيها الجاهلون، وافهموا هذه القضية الكبرى: ﴿إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: ٥٥] .
فإياك أيها الإنسان أن تغترَّ بالأسباب، أو أنك بأسبابك أخذت غير ما يريده الله لك، فهو سبحانه الذي أعطاك وقدَّر لك، وكل الأسباب
стр. 6884
تتفاعل لك بعطاء وتقدير من الله .
وفي أغيار الكون الدليل على ذلك، ففكرك الذي تخطِّط به قد تصيبه آفة الجنون، والجوارح مثل اليد أو القدم أو اللسان أو العين أو الأذن قد تُصاب أيُّ منها بمرض؛ فلا تعرف كيف تتصرف.
وكل ما تأتي فيه الأغيار؛ فهو ليس من ذاتك، وكل ما تملكه موهوب لك من مسبِّب الأسباب.
فإياك أن تنظر إلى الأسباب، وتنسى المسبِّب؛ لأن لله ملك الأشياء التي تحوزها والأدوات التي تحوز بها؛ بدليل أنه سبحانه حين يشاء يسلبها منك، فتنبه أيها الغافل، وإياك أن تظن أن الأسباب هي الفاعلة، بدليل أن الله يخلق الأسباب؛ ثم يشاء ألا تأتي بنتائجها، كمن يضع بذور القطن مثلاً ويحرث الأرض، ويرويها في مواعيدها، ثم تأتي دودة القطن لتأكل المحصول.
إذن: فمردُّ كل مملوك إلى الله تعالى.
واعلمْ أن هناك مِلْكاً، وإن هناك مُلْكاً، والمِلْك هو ما تملكه؛
стр. 6885
جلباباً؛ أو بيتاً، أو حماراً، إلى غير ذلك، أما المُلْك فهو أن تملك من له مِلْك، وتسيطر عليه، فالقمة إذن في المُلْك.
وانظر إلى قول الحق سبحانه:
﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] .
إذن: فالمُلك في الدنيا كله لله سبحانه.
وكلمة «ألا» جاءت في أول الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها لتنبِّه الغافل عن الحق؛ لأن الأسباب استجابت له وأعطته النتائج، فاغترَّ بها، فيجعل الله سبحانه الأسباب تختلف في بعض الأشياء؛ ليظل الإنسان مربوطاً بالمسبِّب.
ويقول الحق سبحانه في نفس الآية:
﴿أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ [يونس: ٥٥] .
والوعد إن كان في خير فهو بشارة بخير يقع، وإن كان بِشَرٍّ فهو إنذار بشرّ يقع؛ ويغلب عليه كلمة «الوعيد» .
إذن: ففي غالب الأمر تأتي كلمة «وعد» للأثنين: الخير والشر، أما كلمة «وعيد» فلا تأتي إلا في الشر.
والوعد: هو إخبارٌ بشي سيحدث من الذي يملك أن يُحْدِث الشيء.
وإنفاذ الوعد له عناصر: أولها الفاعل، وثانيها المفعول، وثالثها الزمان، ورابعها المكان، ثم السبب.
والحدث يحتاج إلى قدرة، فإن قلت: «آتيك غداً في المكان الفلاني لأكلمك في موضوع كذا» فماذا تملك أنت من عناصر هذا الحدث؛ إنك
стр. 6886
لا تضمن حياتك إلى الغد، ولا يملك سامعك حياته، وكذلك المكان الذي تحدد فيه اللقاء قد يصيبه ما يدمِّره، والموضوع الذي تريد أن تتحدث فيه، قد يأتي لك خاطر ألا تتحدث فيه من قبل أن يتم اللقاء.
وهَبْ أن كل العناصر اجتمعت، فماذا تملك أنت أو غيرك من عناصر الوعد؟ لا شيء أبداً.
ولذلك يعلِّم الله سبحانه خَلْقه الأدب في إعطاء الوعود، التي لا يملكونها، فيقول سبحانه:
﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: ٢٣٢٤] .
وحين تقدِّم المشيئة فإن حدث لك ما يمنع إنفاذ الوعد فلن تكون كذاباً.
وهكذا يعلّمنا ربنا صيانة أخبارنا عن الكذب، وجعلنا نتكلم في نطاق قُدراتنا، وقُدراتنا لا يوجد فيها عنصر من عناصر الحدث، لكن إذا قال الله سبحانه، ووعد، فلا رادّ لما وعد به سبحانه؛ لأنه منزَّه عن أن يُخْلف الميعاد؛ لأن عناصر كل الأحداث تخضع لمشيئته سبحانه، ولاَ تتأبَّى عليه، ووعده حق وثابت.
أما أنت فتتحكم فيك الأغيار التي يُجريها الحق سبحانه عليك.
стр. 6887
وهَبْ أنك أردت أن تبني بيتاً، وقلت للمهندس المواصفات الخاصة التي تريدها في هذا البيت، لكن المهندس لمي يستطع أن يشتري من الأسواق بعضاً من المواد التي حددتها أنت، فأنت إذن قد أردت ما لا يملك المهندس تصرُّفاً فيه.
لكن الأمر يختلف بالنسبة للخالق الأعلى سبحانه؛ فهو الذي يملك كل شيء، وهو حين يَعد يصير وَعْدُه محتَّم النفاذ، ولكن الكافرين ينكرون ذلك؛ ولذلك قال الله سبحانه:
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥٥] .
أي: أنهم لا يعلمون هذه الحقيقة، فقد سبق أن قالوا:
﴿متى هذا الوعد﴾ [يونس: ٤٨] .
أو أن ﴿أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ تعني: أن الإنسان يجب ألاَّ يضع نفسه في موعد دون أن يقدِّم المشيئة؛ لأنه لا يملك من عناصر أي وعد إلا ما يشاؤه الله تعالى.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾
стр. 6888
ونحن نعلم أن حركة الحياة، والمِلْك والمُلْك، هي فروع من الأحياء، وهو سبحانه حَيٌّ؛ لأنه مالك الأصل، وهو القادر على أن يميت، وكل ما يصدر عن الحياة يسلبه الله سبحانه بالموت فهو
стр. 6889
مالك الأشياء، والأسباب التي تُنتج الأشياء، ولا يفوته شيء من وعد ولا وعيد، ونحن نحيا بمشيئته سبحانه، ونموت بمشيئته سبحانه، فلن نفلت منه.
لذلك قال سبحانه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فمن لا يعتبر بأمر الأحياء؛ عليه أن يرتدع بخوف الرجعة.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ﴾
стр. 6890
والخطاب هنا للناس جميعاً؛ لأن الحق سبحانه حين يخاطب المؤمنين بقوله تعالى:
﴿يَاأَيُّهَا الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ١٠٤] .
فهذا خطاب لمن آمن بالمنهج.
والحق يخاطب الناس كافّةً بأصول العقائد، مثل قول الحق سبحانه:
﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] .
أما المؤمنون فسبحانه يكلّفهم بخطابه إليهم، من مثل قول الحق سبحانه:
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] .
ومثل قول الحق:
стр. 6891
﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ [البقرة: ١٧٨] .
أي: أن خطابه سبحانه للمؤمنين يكون دائماً في الأحكام التي يخطاب بها المؤمنين، أما في أصول العقائد والإيمان الأعلى بالواجد الموجِد، فهذا يكون خطاباً للناس كافة.
والحق سبحانه يقول هنا:
﴿ياأيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] .
والأية هنا تصوِّر الموعظة وكأنها قد تجسَّدت وصار لها مجيء، رغم أن الموعظة هي كلمات، وأراد الله تعالى بذلك أن يعطى للموعظة صورة الحركة التي تؤثِّر وتحضُّ على الإيمان.
والموعظة هي الوصية بالخير والبعد عن الشر بلَفْظ ٍمؤثِّر، ويقال: فلان واعظ متميز، أي: أن كلامه مستميل وأسلوبه مؤثر وجميل، والموعوظ دائماً أضعف من الواعظ، وتكون نفس الموعوظ ثقيلة، فلا تتقبل الموعظة بيسر إلا ممن يجيد التأثير بجمال الكلمة وصدق الأداء؛
стр. 6892
لأن الموعوظ قد يقول في نفسه: لقد رأيتني في محل دونك وتريد أن ترفعني، وأنت أعلى مني. فإذا قدَّر الواعظ هذ الظرف في الموعوظ فهو يستميل نفسه.
ولنتذكر الحكمة التي تقول: «النصح ثقيل، فلا تجعلوه جَدَلاً، ولا ترسلوه جَبَلاً، واستعيروا له خِفَّةالبيان» ؛ وذلك لتستميل أذن السامع إليك فتأتي له بالأسلوب الجميلَ المقنع الممتع الذي يعجبه، وتلمس في نفسه صميم ما ترغب أن يصل إليه.
والموعظة تختلف عن الوصية؛ لأن الوصية عادة لا تتأتى إلا في خلاصة حكمة الأشياء، وهَبْ أن إنساناً مريضاً وله أولاد، وحضرته الوفاة، فيقولم بكتابة وَصِيَّته، ويوصيهم بعيون المسائل.
والحق سبحانه يقول هنا:
﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ﴾ [يونس: ٥٧] .
والموعظة إما أن تسمعها أو تفرضها، ولأنها موعظة قادمة ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ فلا بد من الالتفات والانتباه، وملاحظة أن الحق سبحانه قد اختص الموعظة بأنها من الرب، لا من الإله؛ لأن الإله يريدك عابداً، لكن الرب هو المربِّي والكفيل، وإن كفرت به.
وهذه الموعظة قادمة من الرب، أي: أنها من كمالات التربية، ونحن نعلم أن متعلقات الربوبية تتوزع مابين قسمين: القسم الأول هو مقوِّمات الحياة التي يعطيها الحق سبحانه من قُوت ورزق وهذه المقومات للمؤمن، وللكافر والقسم الآخر هو مقومات القيم التي ترسم منهج حركة الحياة، وهذه للمؤمن فقط.
стр. 6893
إذن: فالموعظة هي نوع من التربية جاءت من ربكم المأمون عليكم؛ لأنه هو الذي خَلَق من عَدَم وأمَدّ من عُدْم، ولم يختص بنعمة الربوبية المؤمنين فقط، بل شملت نعمته كل الخلق.
إذن: فالموعظة تجيء ممن يُعطي ولا ينتظر منك شيئاً، فهو سبحانه مُنزَّه عن الغرض؛ لأنه لن ينال شَيئاً منك فأنت لا تقدر على شيء مع قدرته سبحانه.
والموعظة القادمة بالمنهج تخصُّ العقلاء الراشدين؛ لأن حركة العاقل الراشد تمر على عقله أولاً، ويختار بين البدائل، أما حركة المجنون فهي غير مرتَّبة ولا منسَّقة، ولا تمر على عقله؛ لأن عقله مختل الإدراك وفاقد للقدرة على الاختيار بين البدائل.
ولكن لماذا يُفسِد العاقل الاختيار بين البدائل؟
إن الذي يفسد حركة اختيار العاقل هو الهوى، والهوى إنما ينشأ مما في النفس والقلب؛ ولذلك يقول الحق في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:
﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور﴾ [يونس: ٥٧] .
стр. 6894
أي: أنه سبحانه قد أنزل عليكم ما يشفي صدوركم من غِلّ يؤثر في أحكامكم، وحقد، وحسد، ومكر، ويُنقِّي باطن الإنسان؛ لأن أي حركة من حركات الإنسان لها نبع وجداني، ولا بد أن يُشفى النبع الوجداني؛ ليصحَّ؛ حتى تخرج الحركات من الجوارج وهي نابعة من وجدان طاهر مُصفّى وسليم؛ وبذلك تكون الحركات الصادرة من الإنسان سليمة.
ولذلك قال الحق سبحانه:
﴿وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧] .
وجاءت كلمة «الشفاء» أولاً، لتبيِّن أن الهداية الحقَّة إلى الطريق المستقيم تقتضي أن تُخْرِج ما في قلبه من أهواء، ثم تدلَّه إلى المنهج المستقيم.
وإن سأل سائل عن الفارق بين الشفاء والرحمة؟ نجيب: إن الشفاء هو إخراج لما يُمْرِض الصدور، أما الرحمة فهي اتْباع الهداية بما لا يأتي بالمرض مرة أخرى، وأقرأ إن شئت قول الحق سبحانه:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] .
وهكذا يتبيَّن لنا أثر الموعظة: شفاء، وهدى، ورحمة، إنها تعالج ليس ظواهر المرض فقط، ولكن تعالج جذور المرض.
إذن: فشفاء الصدور يجب أن يتم أولاً؛ لذلك نجد الطبيب الماهر هو من لا ينظر إلى ظواهر المرض فقط ليعالجها، ولكنه يبحث عما خلف تلك الظواهر، على عكس الطبيب غير المدرَّب العَجُول الذي يعالج الظاهر دون علاج جذور المرض.
стр. 6895
ومثال ذلك: طبيب الأمراض الجلدية غير الماهر حين يرى بثوراً؛ فهو يعالجها بما يطمسها ويزيلها مؤقَّتاً، لكنها تعود بعد قليل، أما الطبيب المدرَّب الفاهم فهو يعالج الأسباب التي تُنتج البثور، ويزيلها بالعلاج الفعَّال؛ فيقضي على أسباب ظهورها.
وفي القرآن الكريم نجد قصة ابتلاء سيدنا أيوب ﵇، فقد قال له الحق سبحانه:
﴿اركض بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] .
أي: اضربْ برجلك ذلك المكان يخرجْ لك منه ماء بارد، تغتسل منه؛ فيزيل الأعراض الظاهرة، وتشرب منه ليعالج أصل الداء.
إذن: فالموعظة وكأنها تجسَّدت، فجاءت من ربكم المأمون علكيم شفاءً حتى تعالج المواجيد التي تصدر عنها الأفعال، وتصبح مواجيد سليمة مستقيمة، لا تحلُّل فيها، وهدى إلى الطريق الموصِّل إلى الغاية الحقَّة، ورحمة إن اتبعها الإنسان لا يُصَابُ بأيِّ داءٍ، وهذه الموعظة تؤدي إلى العمل المقبول عند الله سبحانه.
ولكن إنْ صحَّتْ لك الأربعة النابعة من الموعظة: الشفاء، والهدى،
стр. 6896
والرحمة والعمل الصالح، فإيّاك أن تفرح بذلك؛ ففوق كل ذلك فضل الله عليك؛ ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾
стр. 6897
وأنت وكل المؤمنين مهما عملوا في تطبيق منهج الله، فكلُّنا بعبادتنا لن نؤدي حَقَّ النعم الموجودة عندنا قبل أن نُكَلَّف، وعلينا أن نتدبَّر قول رسول الله ﷺ َ: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أنْ يتغمَّدني الله برحمته» .
إذن: فإن افتخر إنسان بطاعته لله، فهذه الطاعة تعود على العبد في دنياه، وهو لن يؤدي بطاعته حق كل النعم التي أسبغها الله عليه.
ومثال ذلك: إن العبد لا يُكلَّف إلا عند البلوغ، أي: في سنّ الخامسة عشر تقريباً، فإ نظر إلى النعم التي أسبغها الله تعالى عليه حتى وصل إلى هذه السِّنِّ، فهو لن يحصيها، فما بالنا بالنعم التي تغمرنا في كل العمر، وحين يجازينا الحق في الآخرة، فهو لا يجازينا بالعدل، بل يعاملنا بالفضل.
إذن: إياك أن تقول: أنا تصدَّقتُ بكذا، أو صلّيت كذا؛ حتى لا تورثك استجابتك لمنهج الله غروراً بعملك التعبُّديِّ، وتذكَّر القول
стр. 6898
المأثور: «رُبَّ معصية أورثتْ ذُلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعةٍ أورثتْ عِزّاً واستكبارا» .
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ﴾
стр. 6899
إن تمتع الإنسان في الحياة بالمُلْك والمِلْك، فكل ذلك يحتاج إلى استبقاء الحياة بالرزق الذي يهبُنَا الحق سبحانه إيّاه، وكذلك استبقاء النوع بالتزواج بين الذكر والأنثى.
ولكن الرزق الذي يستبقي الحياة لا بُدَّ أن يكون حلالاً؛ لذلك حدَّد لنا الحق المحرَّمات فلا تقربها، وأنت عليك بالالتزام بما حدَّده الله، فلا تدخل أنت على ما حلّل الله لتحرِّمَه؛ لأن الحق سبحانه حدَّد لك من الطعام ما يستبقي حياتك ويعطيك وقوداً لحركة الحياة، فعاملْ نفسك كما تعامل الآلة التي تصنعها، فأنت تعطي كل آلة الوقود المناسب لها لتؤدي مهمتها، كذلك جعل الله سبحانه لك المواصفات التي تنفعك وتستفيد منها وتؤدي حركات الحياة بالطاقة التي يمدّك بها ما حَلَّله الله لك.
وكذلك حرَّم الله عليك ما يَضُرُّك.
وإياك أن تقول: ما دامت هذه الأشياء تضرّني فلماذا خلقها الله؛ لأن عليك أن تعرف أن هناك فارقاً بين رزق مباشر، ورزق غير مباشر، وكل
стр. 6900
ما في الكون هو رزق، ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فوراً، وهناك رزق غير مباشر.
ومثال ذلك: النار، فأنت لا تأكل النار، لكنها تُنضِج لك الطعام.
إذن: فهناك شيء مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك.
والحق سبحانه قد حلّل لك على سبيل المثال لحم الضأن والماعز، والإبل والبقر وغيرها، وحرَّم عليك لحم الخنزير، فلا تسألْ: لماذا خلق الله الخنزيرَ؛ لأنه خَلقه لمهمةٍ أخرى، فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها، فهذا رزق غير مباشر، فاتركه للمهمة التي أراده الله لها.
وبعض الناس قد حرَّم على نفسه أشياء حلَّلها الله تعالى، وهم بذلك يُضيّقون على أنفسهم، ويظن البعض أنه حين يحلّل ما حرَّم الله أنه يوسِّع على نفسه، فيأمر الحق سبحانه رسول ﷺ َ أن يقول:
﴿أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩] .
أي: أخبِروني ما أنزل الله لكم من رزق، وهو كل ما تنتفعون به، إما مباشرةً، وإما بالوسائط، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بيَّن لكم الحلال والحرام؟!
وكلمة ﴿أَنزَلَ﴾ تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى، وكل ما ترونه
следующие страницы →