← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

والرحمة والعمل الصالح، فإيّاك أن تفرح بذلك؛ ففوق كل ذلك فضل الله عليك؛ ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾

стр. 6897

وأنت وكل المؤمنين مهما عملوا في تطبيق منهج الله، فكلُّنا بعبادتنا لن نؤدي حَقَّ النعم الموجودة عندنا قبل أن نُكَلَّف، وعلينا أن نتدبَّر قول رسول الله ﷺ َ: «لن يدخل أحدكم الجنة بعمله» . قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أنْ يتغمَّدني الله برحمته» . إذن: فإن افتخر إنسان بطاعته لله، فهذه الطاعة تعود على العبد في دنياه، وهو لن يؤدي بطاعته حق كل النعم التي أسبغها الله عليه. ومثال ذلك: إن العبد لا يُكلَّف إلا عند البلوغ، أي: في سنّ الخامسة عشر تقريباً، فإ نظر إلى النعم التي أسبغها الله تعالى عليه حتى وصل إلى هذه السِّنِّ، فهو لن يحصيها، فما بالنا بالنعم التي تغمرنا في كل العمر، وحين يجازينا الحق في الآخرة، فهو لا يجازينا بالعدل، بل يعاملنا بالفضل. إذن: إياك أن تقول: أنا تصدَّقتُ بكذا، أو صلّيت كذا؛ حتى لا تورثك استجابتك لمنهج الله غروراً بعملك التعبُّديِّ، وتذكَّر القول

стр. 6898

المأثور: «رُبَّ معصية أورثتْ ذُلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعةٍ أورثتْ عِزّاً واستكبارا» . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ﴾

стр. 6899

إن تمتع الإنسان في الحياة بالمُلْك والمِلْك، فكل ذلك يحتاج إلى استبقاء الحياة بالرزق الذي يهبُنَا الحق سبحانه إيّاه، وكذلك استبقاء النوع بالتزواج بين الذكر والأنثى. ولكن الرزق الذي يستبقي الحياة لا بُدَّ أن يكون حلالاً؛ لذلك حدَّد لنا الحق المحرَّمات فلا تقربها، وأنت عليك بالالتزام بما حدَّده الله، فلا تدخل أنت على ما حلّل الله لتحرِّمَه؛ لأن الحق سبحانه حدَّد لك من الطعام ما يستبقي حياتك ويعطيك وقوداً لحركة الحياة، فعاملْ نفسك كما تعامل الآلة التي تصنعها، فأنت تعطي كل آلة الوقود المناسب لها لتؤدي مهمتها، كذلك جعل الله سبحانه لك المواصفات التي تنفعك وتستفيد منها وتؤدي حركات الحياة بالطاقة التي يمدّك بها ما حَلَّله الله لك. وكذلك حرَّم الله عليك ما يَضُرُّك. وإياك أن تقول: ما دامت هذه الأشياء تضرّني فلماذا خلقها الله؛ لأن عليك أن تعرف أن هناك فارقاً بين رزق مباشر، ورزق غير مباشر، وكل

стр. 6900

ما في الكون هو رزق، ولكنه ينقسم إلى رزق مباشر تستفيد منه فوراً، وهناك رزق غير مباشر. ومثال ذلك: النار، فأنت لا تأكل النار، لكنها تُنضِج لك الطعام. إذن: فهناك شيء مخلوق لمهمة تساعد في إنتاج ما يفيدك. والحق سبحانه قد حلّل لك على سبيل المثال لحم الضأن والماعز، والإبل والبقر وغيرها، وحرَّم عليك لحم الخنزير، فلا تسألْ: لماذا خلق الله الخنزيرَ؛ لأنه خَلقه لمهمةٍ أخرى، فهو يلملم قاذورات الوجود ويأكلها، فهذا رزق غير مباشر، فاتركه للمهمة التي أراده الله لها. وبعض الناس قد حرَّم على نفسه أشياء حلَّلها الله تعالى، وهم بذلك يُضيّقون على أنفسهم، ويظن البعض أنه حين يحلّل ما حرَّم الله أنه يوسِّع على نفسه، فيأمر الحق سبحانه رسول ﷺ َ أن يقول: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ [يونس: ٥٩] . أي: أخبِروني ما أنزل الله لكم من رزق، وهو كل ما تنتفعون به، إما مباشرةً، وإما بالوسائط، فكيف تتدخلون بالتحليل والتحريم، رغم أن الذي أنزل الرزق قد بيَّن لكم الحلال والحرام؟! وكلمة ﴿أَنزَلَ﴾ تفيد أن الرزق كله قادم من أعلى، وكل ما ترونه

стр. 6901

حولكم هو رزق، تنتفعون به مباشرة، أو بشكل غير مباشر، فالمال الذي تُشترى به أغلب الأرزاق لا يأكله الإنسان، بل يشتري به ما يأكله. وكلمة ﴿أَنزَلَ﴾ تعني: أوْجَدَ، وخلق مِنْ أعلى، وما دام كل شيء قد وُجد بمشيئة مَنْ هو أعلى من كل الوجود، فكل شيء لصالحك مباشرة أو بوسائط. ولا تأخذ كلمة ﴿أَنزَلَ﴾ من جهة العلوّ الحسية، بل خُذها من جهة العلوِّ المعنوية، فالمطر مثلاً ينزل من أعلى حسيّاً، ويختلط بالأرض فيأخذ النبات غذاءه منها، والرزق بالمطر ومن الأرض مُقدَّر ممّن خَلَق، وهو الأعلى سبحانه. وقد قال الحق سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الكتاب والميزان لِيَقُومَ الناس بالقسط وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] . نعم، فقد أنزل الحق سبحانه منهجه على الرسل ﵈ لتصلح حياة الناس، وأنزل الحديد ايضاً، هذا الذي نستخرجه من الجبال ومن الأرض. إذن: فالمراد هنا بالإنزال، أي: الإيجاد ممن هو أعلى منك لصالحك أيها الإنسان. وما دام الحق سبحانه هو الذي أنزل الرزق، وبيَّن الحلال والحرام، فلماذا تُدخِلون أنوفكم في الحلال والحرام، وتجعلون بعض الحلال حراماً،

стр. 6902

وبعض الحرام أو كُلَّ الحرام حلالاً؟ لماذا لا تتركون الجَعْل لمن خَلَق وهو سبحانه أدْرى بمصلحتكم؟ ﴿قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس: ٥٩] . أي: هل أعطاكم الله سبحانه تفويضاً في جَعْلِ الحلال حراماً، والحرام حلالاً؟ ﴿أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] أي: على الله تتعمدون الكذب. وقد جاء الحق سبحانه بالحلال والحرام ليبيِّن لنا مدى قُبح السلوك في تحريم ما أحلّ الله، وتحليل ما حرَّم الله. ويشير الحق سبحانه في إجمال هذه الآية، إلى آيات أخرى فَصَّلت الحرام، وسبق أن تناولناها بخواطرنا، مثل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ ولكن الذين كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ على الله الكذب وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣] . والبَحيرة كما ذكرنا هي الناقة التي أنجبتْ خمس بُطونٍ آخرها ذَكَر، وكانوا يشقُّون أذنها، ويعلنون أنها قامت بواجبها ويتركونها سائمة غير مملوكة، لا يركبها أحد، ولا يحمل عليها أحد أيَّ حِمْل، ولا يحلبها أحد، ولا يجزّ صوفها أحد، ثم يذبحها خُدَّام الآلهة التي كانوا يعبدونها، وسَمَّوها «بَحيرة» ، لأنهم كانوا يشقون آذانها علامةً على أنها أدَّتْ مهمتها.

стр. 6903

أما السائبة فهي غير المربوطة؛ لأن الربط يفيد الملكية، وكان الواحد منهم إذى شفي من مرض أو أراد شيئاً وَهَبَ أن يجعل ناقةً لخدَّام الأصنام، واسمها سائبة، وهي أيضاً لا تُركب، ولا تُحلب، ولا يُحمل عليها، ولا أحد يتعرَّض لها. والوصيلة: هي الأنثى تلدها الناقة في بطن واحدة مع ذكر، فيقولون: «وَصَلَتْ أخاها» ؛ فلا يذبحونه للأصنام من أجل أخته. ﴿وَلاَ حَامٍ﴾ والحام: هو الفَحْل الذي يحمي ظهر نفسه بإنجاب عشرة أبْطُن، فلا يركبه أحد بعد ذلك، ولا يُحمَل عليه، ويترك لخدَّام الأصنام. هذه هي الأنعام المحلَّلة التي حرَّموها على أنفسهم، بينما يأكلها خُدَّام الأصنام، وفي ذكر عدم تحريم تلك الأنعام رأفة بهم. وهناك أيضاً قول الحق سبحانه: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ الضأن اثنين وَمِنَ المعز اثنين قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأنثيين أَمَّا اشتملت عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأنثيين أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [الأنعام: ١٤٣١٤٤] . إذن: فقد حَرَّموا بعضاً مما أحلَّ الله لهم، وقالوا ما أورده القرآن:

стр. 6904

﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] . وأجمل الحق سبحانه كل ذلك في قوله الحق: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً قُلْءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] . وهكذا تدخَّلوا في تحريم بعض الحلال وحلَّلوا بعضاً من الحرام، وفي هذا تعدٍّ ما كان يجب أن يقترفوه؛ لأن الحق سبحانه هو خالقهم، وهو خالق أرزاقهم، وفي هذا كذب متعمَّد على الله سبحانه. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾

стр. 6905

وهذه الآية توضح أن كل أمر بحساب، فالذين يفترون على الله الكذب سيجدون حسابهم يوم القيامة عسيراً، فالحق سبحانه منزّه عن الغفلة، ولو ظنوا أنه لا توجد آخرة ولن يوجد حساب، فهم يخطئون الظن.

стр. 6906

ولو استحضروا ما أعدَّه الله لهم من العذاب والنكال يوم القيامة لما فعلوا ذلك، ولكنهم كالظَّان بأن الله غافل عن أفعالهم، وكأنها أفعال لا حساب عليها، ولا كتابة لها، ولا رقيب يحسبها: ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٦٠] . إن الله سبحانه متفضِّل على كل خَلْقه وأنتم منهم بأشياء كثيرة؛ فلم تحرمون أنفسكم من هذا الفضل؟! ولو شكرتم الله تعالى على هذال التفضل لزاد من عطائكم، لكنكم تنسون الشكر. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ﴾

стр. 6907

والخطاب هنا لرسول الله ﷺ َ، أي: ما تكون يا محمد في شأن. والشأن: هو الحال العظيم المتيمز الذي يطرأ على الأمر. ونحن في حياتنا اليومية نقول: ما شأنك اليوم أو ما حالك؟ وهنا يجيب السامع بالشيء الهام الذي حدث له أو فعله، ويتناسى التافة من الأمور. ولذلك يصف الله تعالى نفسه فيقول: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] . أي: لا تظنوا أن ربنا خلق النواميس والقوانين، وقال لها: اعملي أنتِ، لا فهو سبحانه كل يوم في شأن. ولذلك حين سئل أحد العلماء: ما شأن ربك الآن؛ وقد صَحَّ أن القلم قد جَفَّ؟ فقال: «أمور يبديها ولا يبتديها» . أي: أنه سبحانه قد رسم كل شيء، وجعل له زماناً ليظهر، فهو سبحانه قيُّوم، أي: مُبَالغ في القيام على مصالحكم؛ ولذلك يطمئننا سبحانه وقد جعل الليل لنومنا وراحتنا بأنه سبحانه قيوم لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم، وهو يراعينا. فالحديث في الآية التي نحن بصددها موجَّه لرسول الله ﷺ َ: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١] . وشأن رسول الله ﷺ َ الذي يهتم به ليس المأكل ولا المشرب، إنما المهم بالنسبة له هو بلاغ الرسالة بالمنهج ب «افعل و» لا تفعل «. ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ﴾ [يونس: ٦١] .

стр. 6908

و» منه «هنا بمعنى اللام، أي: ما تتلو له، وتعني تأبيداً لآيات القرآن. وهناك في موضع آخر من القرآن يقول الحق سبحانه: ﴿مِّمَّا خطيائاتهم أُغْرِقُواْ﴾ [نوح: ٢٥] أي: أغرقوا لأجْل خطيئاتهم. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نفهم ما تكون في شأن وما تتلو لأجل هذا الشأن من قرآن، فالنبي ﷺ َ في شأن هام هو الرسالة، ويتلو من القرآن تأبيداً لهذا الشأن وهو البلاغ بالمنهج. ويدخل في هذا الشأن ما فوِّض رسول الله ﷺ َ فيه حسب قول الحق سبحانه: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾ [الحشر: ٧] . ومثال ذلك: تحديد كيفية الصلاة وعدد ركعات كل صلاة، وكذلك نِصَاب الزكاة، وهذه أمور لم يأت بها القرآن تفصيلاً، ولكن جاءت بها الأحاديث النبوية. إذن: فهناك تفويض من الحق للرسول ﷺ َ ليكتمل البلاغ بمنهج الله، بنصوص القرآن، وبتفويض الله تعالى له أن يشرِّع.

стр. 6909

إذن: فكل شأن رسول الله ﷺ َ إما بلاغ عن الله بالنص القرآني، وإما تطبيق فعليّ للنص القرآني بالحديث النبوي، وبالأسوة التي تركها لنا ﷺ َ في سُنَّته. والحُجَّة على الحُكم أي حُكم يأتي بها القرآن، فإن كانت الأحكام غير صادرة من الله مباشرة، فيكفي فيها أنها صدرت عن رسول الله ﷺ َ بتفويض من الله تعالى ليشرِّع. وبذلك نردُّ على المنافقين الذين إذا حُدِّثوا بشيء من حديث رسول الله ﷺ َ: قالوا: «بيننا وبينكم كتاب الله» وهدفهم أن يردُّوا حديث رسول الله ﷺ َ فِعْلاً، أو قولاً أو إقراراً. ثم ينقل الحق سبحانه الخطاب من المفرد إلى الجماعة فيقول جَلَّ شأنه: ﴿وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ [يونس: ٦١] . وفي هذا انتقال للسامعين للقرآن، والمبلَّغ إليهم هذا المنهج، فكل عمل إنما يشهده الحق سبحانه. والعمل هو مجموع الأحداث التي تصدر عن الإنسان، فكل حدث يصدر من الإنسان ولو بِنيَّة القلب يسمَّى عملاً؛ لأن عمل القلوب هو النية. ولكن إذا صدر الحدث من اللسان كان قولاً، وإذا صدر الحدث من بقية الجوارح كان فعلاً. وهكذا ينقسم العمل إلى قسيمن: قول، وفعل.

стр. 6910

وقد اختُصَّ حدث اللسان باسم القول؛ لأن أصل مستندات التكليف كلهم قولية. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تسرعون إلى العمل بنشاط وحيوية وإقبال مما يدل على حسن الاستجابة للمنهج فور أن يبلَّغه الرسول ﷺ َ. والإقبال على العمل التكليفي بهذا الشوق، وتلك اللهفة، وحسن الاستقبال، وإخلاص الأداء، كل هذه المعاني يؤول إليها قول الحق سبحانه: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ كما يفيض ماء الإناء إذا امتلأ لينزل. أي: أن تقبلوا علىأعمال التكليف بسرعة وانصباب وانسكاب. وقد قال الحق سبحانه: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ [البقرة: ١٩٨] . أي: شَرَعْتُم في الذهاب مسرعين؛ لأنكم أدَّيتم نُسُكاً أخذتم منه طاقة، وتقبلون بها على نُسُك ثانٍ. إذن: فالحق سبحانه يشهد كل عمل منكم، لكن ماذا عن النيَّات وما يُبيَّت فيها من خواطر. ها هو الحق سبحانه يخبرنا أن كل شيء مهما صغر واختفى فهو معلوم ومحسوب. يقول الحق سبحانه:

стр. 6911

﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] . أي: كل أمورك، وأمور الخلق، والمخلوقات كلها معلومة لله تعالى، ومكتوبة في كتاب مبين واضح، فلا أحد بقادر على أن يختلس حركة قلب، أو يختلس حركة ضمير، وكملة «يعزب» تعني: يغيب ويختفي. والحق سبحانه يخبرنا أنه لا يضيع عنده جزاء أي عمل أو نية مهما بلغ العمل أو النية أدنى درجة من القِلَّة. ولم يوجد عند العرب ما يضرب به المثل على الوزن القليل إلا الذَّرَّة، وهي النملة الدقيقة الصغيرة جِدّاً، ثم أطلقت الذرة على الهَبَاء الشائع في الجو، ويمكنك أن ترى هذا الهَبَاء إن جلست في حجرة مظلمة مغلقة، ثم دخلها شعاع من ضوء، هنا ترى هذا الضوء وهو يمر من الثقب وكأنه سهم، وترى مكوِّنات هذا السهم من ذرات الهباء المتحركة الموجودة في الجو، تلك الذرات التي لا تراها وأنت في الضوء فقط أو في الظلام فقط، ولكن التناقض بين الضوء والظلام يُبرزها. وأنت لا تدرك الشيء ولا تحسه لأمرين: إما لتناهيه في الصغر، وإما لتناهيه في الكبر؛ فلا تحيط به، وحين تقدم العلم التطبيقي اخترعوا المَجَاهر التي تُكبِّر الشيء المتناهي في الصغر آلاف، أو ملايين المرات. وأنت لو وضعت جلدك تحت عدسة المجهر فسترى فجوات وكأنها آبار لم تكن تراها أو تحسها من قبل؛ لأنها بلغت من الدقة والصِّغر بحيث

стр. 6912

لا تستطيع عيناك أن تدركها، فإن رأيتها بالمجهر كَبُرَت فترى فجوات وتعاريج وعُلُوّاً وانخفاظاً مهما كان الجلد الذي تراه تحت المجهر ناعماً. وكذلك أنت لا تقدر على إدراك الشيء الضخم، وقد تفصل بينك وبين الشيء الكبير مسافة؛ فتراه أصغر من حجمه، وكلما ابتعد صَغُرَ، فأنت إذا رأيت مثلاً رجلاً طويلاً على مسافة كبيرة، فأنت تراه وكأنه طفل صغير، وكلما اقترتب منه زاد طوله في عينيك. إذن: لا الضخامة ولا البُعد ولا القِلَّة تمنع من علم الحق سبحانه لأي شيء. وقد خاطب الحق سبحانه العرب بأصغر ما عرفوه، وهو الذرة، أي: النملة الصغيرة. وأنت إذا وطأتَ نملة في أرض رملية فهي لا تموت، بل تدخل في فجوات الرمل، وتجد لنفسها طريقاً إلى سطح الأرض مرة أخرى. قد بيَّن الحق سبحانه هذه المسألة حين تحدَّث عن سليمان ﵇ في وادي النمل، فقال تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] . لأنهم لا يرونهم؛ لحجمهم المتناهي في الصغر. وهكذا يعطينا الحق سبحانه بياناً عن كل أمة في الحياة، وأن من بينهم جنوداً يحرسون بيقظة، فالنملة قامت بإنذار قومها من سليمان وجنوده،

стр. 6913

لأنهم لن يروا النمل الصغير. إذن: الذَّرُّ إما أن يكون النمل الصغير، وإما أن يكون الذرَّات الهبائية. وأراد الله سبحانه أن يضرب لنا مثلاً بإحاطة علمه في أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة. ويعزب، أي: يغيب، ويقال: «هذا البئر ماؤه عازب» ، أي قادم من عمق بعيد، ويحتاج استخراجه إلى دَلْوٍ وحبال طويلة. ونسمِّي الرجل الذي يبعد عن أهله «عَزَب» . وقول الحق سبحانه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ . أي: لا يبعد ولا يغيب عنه أصغر شيء ولا أكبر شيء. يقول سبحانه ذلك؛ ليطمئننا أن كل خاطرة من خواطر الإنسان إنما يشهدها الله، ويَعْلَمُها، وهو المُجَازِي عليها. وإن استطاع إنسان أن يُعمِّي على قضاء الأرض، فلن يستطيع أن يُعمِّي على قضاء السماء. ومسألة الذرَّة والصغر يقول عنها الحق سبحانه:

стр. 6914

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧٨] . هذا للمتساوِي في الثقل والوزن، أما إن كان أصغر من الذرة، فقد ذكره الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فقال: ﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ﴾ [يونس: ٦١] . وعلى زمن نزول القرآن الكريم لم يكن أحد يعرف أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وكنا جميعاً حتى ما قبل الحرب العالمية الأولى لا نعلم أن هناك شيئاً أصغر من الذرة، وكان العلماء يعتقدون أن الذرة هي الجزء الذي لا يتجزَّا؛ لأنها أصغر ما يقع عليه البصر، فضرب الله مثلاً بالأقل في زمن نزول القرآن. ولما تقدم العلم بعد الحرب العالمية الأولى واخترعت ألمانيا آلةً لتحطيم الذرة قيل عنها: إنها آلة تحطيم الجوهر الفرد. أي: الشيء الذي لا ينقسم، وهذه الآلة مكونة من اسطوانتين مثل اسطوانتي عَصَّارة القصب، والمسافة بين الاسطوانتين لا تكاد تُرَى، وحين حَطَّمت ألمانيا ما قيل عنه «الجوهر الفرد» تحول إلى ما هو أقل منه، وتفتَّتت الذرّة. وقد جعل الحق سبحانه المقياس في الصغر هو الذرة. وحين اخترعت ألماينا تلك الآلة توجَسّ المتصلون بالدين وخالوا أن يقال: إن الحق سبحانه لم يذكر ما هو أقل من الذرة، ولكنهم التفتوا إلى الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فقرأوا قول الحق سبحانه: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .

стр. 6915

و ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ أي: لا يبعد أو يغيب ﴿عَن رَّبِّكَ﴾ أي: عن عِلْمه ﴿مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ . أي: وزن ذَرَّة. وقديماً قلنا: إن البعض يقول: إن «من» قد تكون حرفاً زائداً في اللغة، كقولنا: «ما جاءني مِنْ رجل» وتعرب كلمة «من» : حرف جر زائد، و «رجل» : فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة التي منع من ظهورها اشتعال المحلِّ وهو «اللام» بحركة حرف الجر الزائد. ولكن في كلام الله لا يوجد حرف زائد، ف «مِنْ» في قوله: ﴿مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ . أي: من بداية ما يقال له «مثقال» . ويقول الحق سبحانه في آية أخرى. ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ [سبأ: ٣] . وكلمة ﴿وَرَبِّي﴾ مُقْسَمٌ به، وحرف «الواو» هو حرف الجر، ولم يأت هنا بالشهادة، وجاء بالغيب، ولم يأت بعلم الغيب في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها. وعالم الشهادة، تعني: أنه عَالِمٌ بكل ما يشهد، ويظن البشر أنها غير مُحَاطٍ بها لعظمتها؛ أو لأن الله غيب فلا يرى إلا الغيب، لكن الحق سبحانه يرى ويعلم الغيب والشهادة.

стр. 6916

لقد قال الحق كلمة «مقال ذرة» ثلاث مرات: مرة حين قال سبحانه: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة: ٧] . ومرة حين قال هنا: ﴿مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ [يونس: ٦١] . وجاء ب «من» هنا ليبين أنه لا يغيب عن الله تعالى من بداية ما يقال له «مثقال» . وقال الحق سبحانه في موضع آخر: ﴿لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ [سبأ: ٣] . وجاء بالسموات أولاً، وجاء في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بالأرض أولاً، وهو في الآيتين يتكلم عن علمه للغيب، فيأتي بمثقال الذرة ويقدِّم السماء ويأتي بها مفردة، ثم يأتي بما هو أقل من الذرة ويقدِّم الأرض. وهذا كله من إعجاز أساليب القرآن التي أراد البعض من المستشرقين أن يعترضوا عليها، وكانت جميع اعتراضاتهم نتيجة لعجزهم عن امتلاك مَلَكة الأداء البياني. وإنْ عرضنا الرد على تساؤلاتهم نجد أن الحق سبحانه قَدَّم الأرض في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ لأنه سبحانه يتكلم عن أهل الأرض:

стр. 6917

﴿وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١] . وجاء أيضاً بالسماء، وهي السماء الدنيا التي يراها أهل الأرض. أما الآية الأخرى فهو سبحانه يقول: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الغيب لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ [سبأ: ٣] . والكلام هنا عن الساعة، وعلمها عند الله تعالى، ولم تنزل من السموات إلى السماء الدنيا حتى نقول للمكلَّفين في الأرض: قوموا ها هي الساعة. ولذلك جاء الحديث هنا عن السموات أولاً؛ لأن علم الساعة عند ربِّي، ولن ينزل إلا بمشيئته سبحانه. وهكذا جاء كل أسلوب لا بإجمال المعنى، ولكن بدقة جزئياته، فتكلم في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، وآية سبأ عن العلم والذرَّة، والسماء والأرض، وكل آية جاءت الكلمات فيها بتقديم أو تأخير يناسب مجالها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] . ولنا أن نلتفت إلى أن الاستثناء هنا لا يُخْرِج ما قبله، بل كل شيْ

стр. 6918

مكتوب في الكتاب المبين، ونحن في الدنيا نجد الإنسان إن كان له دَين عند آخر فهو يحتفظ بالوثائق المكتوبة التي تُسجِّل ما له وما عليه. ولكن، أيحتفظ الحق سبحانه بأعمالنا ونيَّاتنا مكتبوة كحجة له، أم حجة لنا؟ إنه سبحانه يعلم أزلاً كل أعمالنا، ولكنه يُسجِّل لنا بالواقع تلك الأعمال والنيات؛ لنعلم عن أنفسنا ماذا فعلنا؛ لتنقطع حجة من أساء إذا وقع به العقاب. ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله﴾

стр. 6919

وجاءت هذه الآية بعد كلامه الحق عن نفسه سبحانه بأنه عالم الغيب، ولا يخفى عليه شيء، وشاء الله سبحانه بذلك أن يعلّمنا أنه قد يفيض على بعض خلقه فيوضات الإمداد على قَدْر رياضات المرتاضين، فَهَبْ أن الله قد امتن عليك بنفحة، فإياك أن تقول إنها من عندك، بل هي من عند عالم الغيب سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وعلى ذلك فلا يقال: إن فلاناً قد عَلِم غيباً لأنه وليٌّ لله، بل لنقل: «إن فلانا مُعَلَّمُ غَيْبٍ» ؛ لأن الغيب ما غاب عن الناس، وما يغيب عنك ولا يغيب عن غيرك فهو ليس غيباً مطلقاً. ومثال ذلك: الرجل الذي سُرق منه شيء، هو لا يعرف أين يوجد الشيء الذي سُرق منه، ولكنه اللص يعرف، وكذلك من ساعد اللص وأخفاه وأخفى له المسروقات، كل هؤلاء يعلمون، وأيضاً الجن الذين كانوا في نفس مكان السرقة يعلمون، وهذا ليس غيباً مطلقاً.

стр. 6920

وأيضاً أسرار الكون التي كانت غيباً موقوتاً، مثل جاذبية الأرض، والسالب والموجب في الكهرباء، وتلقيح الرياح للسحاب لينزل الماء، كل ذلك كان غيباً في زمن ما، ثم شاء الحق سبحانه فحدَّد لكل أمرٍ منها ميعادَ كشفٍ، فصارت أموراً مشهورة. وقد شاء الحق سبحانه ذلك؛ ليعمل الإنسان ويجتهد ليكشف أسرار الكون. ومن العجيب أن الباحث قد يعمل من أجل كشف معين، فيصادف كشفاً آخر؛ لأن الله تعالى قد أذن لذلك الكشف الذي كان غيباً أن يولد، وإن لم يبحث عنه أهل الأرض. ومن اكتشف «البنسلين» رأى العفن الأخضر حول بعض المواد العضوية فبحث عن أسرار ذلك، واكتشف «البنسلين» . و «أرشميدس» الذي اكتشف قانون الطفو، واستفادت منه صناعات السفن والغواصات، وكل ما يسير في البحر، وقد اكتشاف قانون الطفو صدفة. إذن: ففي الكون غيب قد يصير مَشْهَداً، إما بمقدِّمات يتابعها خَلْقُ الله بالبحث، وإما أن تأتي صدفة في أثناء أي بحث عن شيء آخر. ومثال ذلك: عصر البخار الذي بدأ من رجل رأى إناء مُغَطّى يغلي فيه الماء، فضل غطاء الإناء يرتفع ليُخرج بعضاً من البخار، وانتبه الرجل إلى

стр. 6921

أن البخار يمكن أن يتحول إلى طاقة تجرّ العربات التي تسير على عَجَل، وهكذا جاء عصر البخار. إذن: فميلاد بعض من أسرار الكون كان تنبيهاً من الله تعالى لأحد عباده لكي يتأمل؛ ليكتشف سِرّاً من تلك الأسرار. وأغلب أسرار الكون تم اكتشافها صدفة، لنفهم أن عطاء الله بميلادها دون مقدمات من الخَلْق أكثر مما وُصِِل إليه بالعطاء من مقدمات الخلق. ولذلك تجد التعبير الأدائي في القرآن عن لونَي الغيب، تعبيراً دقيقاً لنفهم أن هناك غيباً عن الخلق جميعاً وليست له مقدمات، ولا يشاء الله سبحانه له ميلاداً، واستأثر الله بعلمه؛ فلا يعلمه إلا هو سبحانه. يقول الحق سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . هذا هو الغيب الذي يكشفه الله سبحانه لهم، إما بالمقدمات، أو بالصدفة، وقد نسب المشيئة له سبحانه، والإحاطة من البشر، وهذا هو غيب الابتكارات. أما الغيب الآخر الذي لا يعلمه أحد إلا هو سبحانه ولا يُجَليِّه إلا الرسول ﷺ َ، فيقول الحق عنه:

стр. 6922

﴿عَالِمُ الغيب فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦٢٧] . إذن: فالحق سبحانه يفيض من غيبه الذاتي على بعض خَلْقه، والقرآن الكريم فيه الكثير من الغيب، وأفاضة الله تعالى على رسوله ﷺ َ، وتحققت الأحداث كما جاءت في القرآن. والحق سبحانه يهب بعضاً من خلقه بعضاً من فيوضاته، وقد أعطى الله سبحانه رسوله ﷺ َ بعضاً من الهِبَات وحدَّد من يعطيه بعضاً من الغيب: ﴿إِلاَّ مَنِ ارتضى مِن رَّسُولٍ﴾ [الجن: ٢٧] . وهي ليست للحصر؛ لأن الرسول ﷺ َ أسوة، وقال فيه الحق سبحانه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ الله واليوم الآخر وَذَكَرَ الله كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] . ومن يعمل بعمل الرسول ﷺ َ ويقتدي به؛ يهبه الله تعالى هِبةً يراها الناس فيعرفون أن مَنْ يتّبع الرسول ﷺ َ كقدوة يعطيه الله سبحانه الهبات النوارنية، ولكن هذه الهِبَة ليست وظيفة، وليست (دُكَاناً) للغيب، بل هي مِنْ عطاءات الله تعالى.

стр. 6923

وانظر إلى دقة القرآن حين يقول: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] . أي: أنه سبحانه لم يُعْطِ مفتاح الغيب لأحد، والوليّ من أولياء الله إنما يأخذ الهبة منه سبحانه، لكن مفتاح الغيب هو عند الله وحده. وعندما نتأمل قول الحق سبحانه: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] . نجد أن كلمة «وليّ» من وَلِيَهُ، يليه، أي: قريبٌ منه، وهو أول مَفزَع يفزع إليه إن جاءه أمر يحتاج فيه إلى معاونة من غيره، وإن احتاج إلى نصرة فهو ينصره، وخيره يفيض على مَنْ والاه. ومَنْ يقْرُب عالماً يأخذ بعضاً من العلم، ومَنْ يقرب قويّاً يأخذ بعضاً من القوة، ومَنْ يقرب غنيّاً، إن احتاج، فالغني يعطيه ولو قَرْضاَ. إذن: فالوَاليّ هو القريب الناصر المُعِين المُوالِي. وتطلق «الولي» مرةً لله سبحانه، وقد قال القرآن: ﴿فالله هُوَ الولي﴾ [الشورى: ٩] .

стр. 6924

لأنه سبحانه القريب من كل خَلْقه، عكس الخَلْق الذين يقتربون من بعضهم أو يتباعدون حسب إمكاناتهم، أما الله فهو الوليّ المُطلَق، فقُربه مِنْ خَلْقٍ لا يبعده عن خَلقٍ، ولا يشغله شيء عن شيء، فهو الوليّ الحقُّ، وهو سبحانه يقول: ﴿هُنَالِكَ الولاية لِلَّهِ الحق﴾ [الكهف: ٤٤] . فمن يحتاج إلى الولاية الحقَّة فَليلجأ إلى الله، وهو سبحانه يُفيض على الأوفياء لمنهجه من الولاية. ونجد التعبير القرآني الدقيق: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] . فهو سبحانه يقرب من عباده المؤمنين، والمؤمنون يقربون من الله تعالى في قول الحق سبحانه: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله﴾ [يونس: ٦٢] . إذن: فالولاية المطلقة لله، وإنْ قُيِّدت بشيء مضافٍ ومضافٍ إليه، فهي مرة تكون من المؤمنين لله، ومرة تكون من الله للمؤمنين. والحق سبحانه لا تحكمه قوانين؛ فبطَلاقة قُدرته سبحانه إذا رأى في إنسانٍ ما خَصْلة من خير، فيكرمه أولاً، فيصير هذا العبد طائعاً من بعد ذلك. وتسمع من يقول: إن فلاناً قد خُطف من المعصية أي: أنه كان عاصياً، ثم أحب الله تعالى خَصْلة خيرٍ فيه، فهداه. ومثال ذلك: الرجل الذي سقى كلباً، بل احتال ليسقيه بأن ملأ خُفَّه

стр. 6925

بالماء من البئر ليروي ظمأ الكلب؛ فغفر الله له سيئاته. هذا الرجل لم يكن ليروي الكلب نفاقاً للكلب، ولكن لأن الرجل شعر بالعطف على كائن ذي كبد رطبة. إذن: فليست المسائل عند الله تعالى آلية أو ميكانيكية، بل طلاقة قُدرته سبحانه تقدّر كل موقف كما قدَّرتْ اختلاف الخَلْق، ولذلك قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢] . فليس عند الله تعالى قالب يضع فيه الخلق، بل سبحانه يخلق الطويل والقصير والسمين والرفيع والأشقر والزنجي، وهذا بعضٌ من طلاقة قدرته سبحانه، وبرحمته سبحانه قرب من خَلْقه الذين آمنوا أولاً، وقربه سبحانه منهم: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] . فمن يتبع المنهج يأخذ النور، فإذا علم الله سبحانه عمله بمنهجه فهو سبحانه يُقرّبه قُرْباً أكثر فيعطيه هبةً اصطفائية يراها الذين حوله وقد يقتدون به. والحق سبحانه يريد من المؤمن الأدب مع خَلْق الله، فإذا علم سيئةً عن إنسان فعليه أن يسترها، لأن الحق سبحانه يحب السَّتْر ويحب من يَستر.

стр. 6926

وأنت قد تكره إنساناً تعلم عنه سيئةً ما، وقد تكره كل حسنة من حسناته، فيريد الله ألاّ يحرمك من حسنات مَنْ له سيئة فيسترها عنك لتأخذ بعضاً من حسناته، ويأمرك الحق ألاّ تحتقر هذا المسيء؛ لأنه قد يتمتع بخَصْلة خير واحدة، فيكرمه الله سبحانه من أجلها أولاً، ثم يطيعه هذا العبد ثانياً. والحق سبحانه يقول في الحديث القدسي: «يا ابن آدم أنا لك محبٌّ فبحقّي عليك كن لي مُحِبّاً» . ويقول الله سبحانه في حديث قدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم» . وفي هذا القول يضع مسئولية القُرب من الله في يد الخَلْق، ويضيف الحق سبحانه: «وإن تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» . ومن يريد أن يأتيه الله هرولة فليذهب إلى الله ماشياً. إذن: فالإيمان بالله يسلِّم المؤمن مفتاح القرب من الله. ومن يكن من أصحاب الخُلُق الملتزمين بالمنهج يُقرِّبْه الله منه أكثر وأكثر.

стр. 6927

إذن: فمن الناس مَنْ يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، ويدق على باب الحق، فينفتح له الباب، ومن الناس مَنْ يصل بكرامة الله أولاً إلى طاعة الله ثانياً. ولله المثل الأعلى: أنت كواحد من البشر قد يدق بابك إنسانٌ يحتاج إلى لقمة أو صدقة فتعطيه، وهناك إنسان آخر تحب أنت أن تعطيه، وعندما تعطيه يطيعك من منطلق الإحسان إليه، فما بالنا بعطاء الحق لعباده؟ إذن: فمنهم مَنْ يصل بكرامة الله إلى طاعة الله، ومنهم من يصل بطاعة الله إلى كرامة الله، وحين يصل الإنسان إلى القرب من الله، ويقرب الله من العبد، هنا يكون العبد في معية الله، وتفيض عليه هذه المعية كثيراً. وقد قال أبو العلاء المعري لمحبوبته: أنت الحبيبُ ولكني أعوذ بِهِ ... من أن أكون حبيباً غير محبوبِ أي: أنه يستعيذ بالله من أن يكون محباً لمن يرفض حبّه، ولكن محبة الله تختلف عن محبة البشر، وسبحانه لا يعامل محبيه كذلك، فأنت حين تحب الله يقرّبك أكثر وأكثر، ويسمَّي ذلك «المصافاة» ، فإذا أفاض الله سبحانه على بعض خَلْقه هِباتٍ من الكرامات فعلى العباد الذين اختصهم الحق سبحانه بذلك أن يُحسنوا الأدب مع الله، وألا يتبجَّح واحد منهم متفاخراً بعطاء الله سبحانه له. فالمباهاة بالكرامات تضيعها، ويسلبها الحق سبحانه من الذي يتبجَّح بها

стр. 6928

ويتفاخر ويتباهى، فمن تظاهر بالكرامة ليس له كرامة. إذن: فالحق سبحانه يريد أن يكون العبد دائماً في معيّيته، وهو سبحانه الذي بدأ وبيَّن بالآية الواضحة أنه سبحانه وليّ المؤمنين؛ ولذلك سيخرجهم من الظلمات إلى النور. فقال: ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ [البقرة: ٢٥٧] . ونحن نعلم أنه سبحانه يأتي بالمحسَّات ليبيِّن المعنويات؛ لأن إلْفَ الإنسان أولاً بالمحسَّات، وهي أقرب إلى تقريب المراد، فحين يضرب الحق سبحانه لنا المثل بالكفر والإيمان، يصف الكفر بالظلمة، والإيمان بالنور، إنما يريد الحق أن يجعل لك المراد واضحاً موصولاً بمفهومك. وإذا كنا نتجنَّب معاطب الظلمات الحسية، أليس الأجدر بها أيضاً أن نتجنب معاطب الظلمات المعنوية، إن الظلمة الحسية تستر الأشياء فلا نرى الأشياء، وقد نرتطم بأضعف شيءٍ فنحطِّمه أو نصطدم بأقوى شيء فيحطمنا. إذن: فَحَجْب المرائي يسبِّب الكوارث، أما حين يأتي النور؛ فهو يبيِّن ملامح الأشياء فتسير على هُدىً وأنت مطمئن. وهَبْ أنك في مكان مظلم ويوجد شيء آخر في مكان منير، فأنت في الظلمة ترى مَنْ يوجد في النور، وهذه مسألة لم يفطن لتفسيرها علماء

стр. 6929

ما قبل الإسلام، حيث كانوا يظنون أن الرؤية إنما تحدث من انتقال شعاع من عين الرائي إلى المرئيِّ، حتى جاء «الحسن بن الهيثم» العالم الإسلامي واكتشف قوانين الضوء، وكشف خطأ ما سبقه من نظريات، وحدَّد أن المرئي هو الذي يصدر منه شعاع إلى الرائي، وإذا ما كان المرئي في ظُلمةٍ فلن يراه أحد، ولو كان هناك شعاع يخرج من الرائي؛ لرأى الإنسان في الظلام. إذن: أول ولاية من الله للمؤمنين أنه سبحانه يخرجهم من الظلمات إلى النور، والظلمة المعنوية أقوى من الظلمة الحسية، وكذلك النور المعنوي أقوى من النور الحسّي، فعالَمُ القيم قد يكون أقوى من عالم الحس؛ لأن الجبر في عالم الحسّ يمكن أن يحدث، أما في عالم القيم فهو أمر شاق؛ ولذلك قال الشاعر: جراحاتُ السنانِ لها التئامُ ... ولا يلتامُ ما جَرَحَ اللسانُ ويقول الحق سبحانه في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] . و «ألا» كما أوضحنا من قبل أداة تنبيه من المتكلَم للمخاطب حتى لا تفوته كلمة واحدة مما يجيء في الخطاب. وقوله سبحانه: ﴿لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يونس: ٦٢] . أي: لا خوف عليهم من غيرهم ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] أي: أن الحزن لن يأتي منهم، والخوف يكون من توقع شيء ضار لم يقع حتى الآن، ولكنه قد

стр. 6930

يحدث في المستقبل. وفي حياتنا اليومية نجد الأب يمسك بيد ابنه في الزحام خوفاً عليه، وقد ترى وليّاً من أولياء الله وقد أصيب ابنه في حادث أو مات الابن، تجد الوليّ في ثبات لأنه يعلم حكمة الله في قضائه، فلا تتطوع أنت بالخوف عليه. إذن: فالخوف يأتي من المستقبل، وهو أمر مرتقب، أما الحزن فهو إحساس يحدث على شيء فات. والحق سبحانه يقول: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] . والحزن على ما فات عبث؛ لأن ما فات لا يعود. وأولياء الله تعالى لا خوف عليهم؛ لأنهم دائماً بصدد معرفة حكمة الله، ومَنْ لا يعرف حكمة الله تعالى في الأشياء قد يقول: «إن فلاناً هذا مسكين» ؛ لأنك لا تعرف ماذا جرى له. وأما الحزن فهو مشاعر قلبية يريد الله من المؤمن أن تمر على باله. وقد قال ﷺ َ حين افتقد ابنه: «وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ولكنه حزن الوَرَع الذي يتجلَّى في قوله ﷺ َ: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا» .

стр. 6931

وبين الله سبحانه لنا شروط الولاية فيقول: ﴿الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾

стр. 6932

والإيمان هو الأمر الاعتقادي الأول الذي يُبنى عليه كل عمل، ويقتضي تنفيذ منهج الله، الأمر في الأمر، والنهي في النهي، والإباحة في الإباحة. والتقوى كما علمنا هي اتقاء صفات الجلال في اله تعالى، وأيضاً اتقاء النار، وزاد رسول الله ﷺ َ في صفات من تصدر عنه التقوى؛ لأنها مراحل، «فقال ﷺ َ يصف المتقين: » هم قوم تحابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يتعاطونها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم لَعلَى نور «. وقد سئُل عمر ﵁ عن المتقين فقال:» الواحد منهم يزيدك النظر إليه قُرباً من الله «. وكأنه ﵁ يشرح لنا قول الحق سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ [الفتح: ٢٩] . وساعة ترى المتقي لله تُسَرُّ وتفرح به، ولا تعرف مصدر هذا السرور إلا حين يقال لك: إنه ملتزم بتقوى الله، وهذا السرور يلفتك إلى أن تقلده؛ لأن رؤياه تذكِّرك بالخشوع، والخضوع، والسكينة، ورقَّة

стр. 6933

السَّمْت، وانبساط الأسارير. والواحد من هؤلاء ينظر إلى الكون ولا يجد في هذا الكون أي خَلَل، بل يرى كل شيء في موضعه تماماً، ولا يرى أي قُبح في الوجود، وحتى حين يصادف القبح، فهو يقول: إن هذا القبح يبيِّن لنا الحُسْن، ولولا وجود الباطل ومتاعبه لما عشق الناسُ الحقّ، وهكذا يصير الباطل من جنود الحق. إن وجود الشرّ يدفع الناس إلى الخير؛ ولذلك يقال: كُنْ جميلاً في دينك تَرَ الوجود جميلاً؛ لأنك حين ترى الأشياء وتقبل قدر الله فيها، هنا يفيض الله عليك بهبات من الفيض الأعلى، وكلما تقرَّبت إلى الله زاد اقتراب الله سبحانه منك، ويفيض عليك من الحكمة وأسرار الخلق. ومثال ذلك: العبد الصالح الذي آتاه الله من عنده رحمة وعلَّمه من لدنه علماً، هذا العبد يعلّم موسى ﵇، فحين قارن بين خَرْق العبد الصالح لسفينة سليمة، ولم يكن يعلم أن هناك حاكماً ظالماً يأخذ كل سفينة غَصْباً؛ ولذلك ناقش موسى العبد الصالح، وتساءل: كيف تخرق سفينة سليمة؟ وهنا بيَّن له العبد الصالح أن الملك الظالم حين يجد السفينة مخروقة فلن يأخذها، وهي سفينة يملكها مساكين. وحين قَتل العبدُ الصالح غلاماً، كان هذا الفعل في نظر موسى

стр. 6934

جريمة، ولم يعلم سيدنا موسى ما علمه العبد الصالح أن هذا الولد سوف يسيء إلى أهله، وأمر الله العبد الصالح بقتله قبل البلوغ حتى لا يفتن أهله، وسوف يدخل هذا الولد الجنة ويصير من دعاميص الجنة. ويقال: إن من يموت من قبل البلوغ ليس له مسكن محدّد في الجنة، بل يذهب حيث يشاء؛ فهو كالطفل الصغير الذي يدخل قصراً، ولا يطيق البقاء في مكان واحد، بل يذهب هنا وهناك، وقد يذهب إلى حيث سيدنا محمد ﷺ َ أو أبو بكر الصديق، أو عند أي صحابي جليل. وأيضاً حين دخل سيدنا موسى ﵇ مع العبد الصالح إلى قرية واستطعما أهلها فرفضوا أن يطعموهما وطلب الطعام. هو أصدق ألوان السؤال فأبى أهل القرية أن يطعموهما، وهذا دليل الخسَّة واللؤم؛ فأقام العبد الصالح الجدار الآيل للسقوط في تلك القرية. ولم يكن سيدنا موسى ﵇ قد علم ما علمه العبدُ الصالح من أن رجلاً صالحاً قد مات وترك لأولاده كنزاً تحت هذا الجدار، وبناه بناية موقوتة بزمن بلوغ الأبناء لسن الرشد؛ فيقع الجدار ليحد الأبناء ما ترك لهم والدهم من كنز، ولا يجرؤ أهل القرية اللئام على السطو عليه.

стр. 6935

إذن: هذه هباتٌ من فيض الحق سبحانه على عباده الصالحين، وهو يجعل مَثَل هؤلاء العباد كالصواري المنصوبة التي تهدي الناس، أو كالفنار الذي يهدي السفن في الظلمة. ويقول الحق سبحانه: ﴿لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا﴾
следующие страницы →