Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8086–8125 · переход к 8091.
стр. 8086
وساعةَ ترى إنساناً له شأن؛ فترقب أن يُعادى، لذلك توجَّس يعقوب خِيفة أن يُدبِّر لهم أحد مكيدة؛ لأنهم أغراب.
ومن هنا أمرهم أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة، وكانت المدن قديماً لها أبواب؛ تُفتح وتقفل في مواعيد محددة، وحين يدخلون فُرادى فلن ينتبه أحد أنهم جماعة.
وقد خاف يعقوب على أبنائه من الحسد، ونعلم أن الحسد موجود.
وقد علَّمنا سبحانه أن نستعيد به سبحانه من الحسد؛ لأنه سبحانه قد عَلِم أزلاً أن الحسد أمر فوق طاقة دَفْع البشر له، وهو القائل: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥] .
وفي أمر الحسد أنت لا تستطيع أن تستعيذ بواحد مُسَاوٍ لك؛ لأن الحسد يأتي من مجهول غير مُدْرَك، فالشعاع الخارج من العين قد يتأجج بالحقد على كل ذي نعمة، وإذا كان عصرنا، وهو عصر الارتقاءات المادية قد توصَّل إلى استخدام الإشعاع في تفتيت الأشياء.
إذن: فمن الممكن أن يكون الحسدُ مثل تلك الإشعاعات؛ والتي
стр. 8087
قد يجعلها الله في عيون بعض خلقه، وتكون النظرة مثل السهم النافذ، أو الرصاصة الفتاكة.
والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
وإنْ قال قائل: ولماذا يُعطي الحق سبحانه بعضاً من خلقه تلك الخواص؟
أقول: إنه سبحانه يعطي من الإمكانات لبعض من خلقه، فيستخدمونها في غير موضعها، وكلُّ إنسان بشكل ما عنده إمكانية النظرة، ولكن الحقد هو الذي يولد الشرارة المُؤْذية، ويمكنك أن تنظر دون حسد إنْ قُلْتَ: ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم بارك.
بذلك لا تتحقق الإثارة اللازمة لتأجُّج الشرارة المؤذية، ويمكنك أن تستعيذ بالله خالق البشر وخالق الأسرار، وتقرأ قول الحق سبحانه: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النفاثات فِي العقد وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: ١ - ٥] .
وأن تقول كلمات رسول الله ﷺ َ حين كان يُعوِّذ الحسن والحسين ﵄، ويقول: «
стр. 8088
أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامَّة» .
وقال ﷺ َ: «كان أبوكما إبراهيم يُعوِّذ بها إسماعيل وإسحاق ﵈» .
كما «أنه ﷺ َ:» كان إذا حَزَبَهُ أمر قام وصلى «
، لأن معنى حَزْب أمر للرسول ﷺ َ، أو لواحد من اتباع الرسول ﷺ َ أن هذا الأمر يخرج عن قدرة البشر.
وهنا على الإنسان أن يأوي إلى المُسبِّب، فهو الركن الشديد، بعد أن أخذتَ أنت بالأسباب الممدودة لك من يد الله، وبذلك يكون ذهابك إلى الحق هو ذهاب المُضطر؛ لا ذهاب الكسول عن الأخذ بالأسباب.
والحق سبحانه يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السواء﴾ [النمل: ٦٢] .
والمضطر هو من استنفد كل أسبابه، ولم يَدْعُ ربه إلا بعد أن
стр. 8089
أخذ بكل الأسباب الممدودة، فلا تطلب من ذات الله قبل أن تأخذ ما قدمه لك بيده سبحانه من أسباب.
وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها؛ نجد يعقوب ﵇ وقد أوصى أبناءه ألاَّ يدخلوا مصر من باب واحد؛ بل من أبواب متفرقة خشية الحسد، وتنبهت قضية الإيمان بما يقتضيه من تسلم لمشيئة الله، فقال:
﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ. .﴾ [يوسف: ٦٧] .
أي: لست أُغْني عنكم بحذري هذا من قدر الله، فهو مجرد حرص، أما النفع من ذلك الحرص والتدبير فهو من أمر الله، ولذلك قال:
﴿إِنِ الحكم إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ [يوسف: ٦٧] .
فكل الخَلْق أمرهم راجع إلى الله، وعليه يعتمد يعقوب، وعليه يعتمد كل مؤمن.
ونفَّذَ أبناءُ يعقوب ما أمرهم به أبوهم، يقول سبحانه: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ ... ﴾ .
стр. 8090
أي: ما كان دخولهم من حيث أمرهم أبوهم يردُّ عنهم أمراً أراده سبحانه، فلا شيء يردُّ قضاء الله، ولعل أباهم قد أراد أنْ يردَّ عنهم حسد الحاسدين، أو: أن يُدسَّ لهم أو يتشككوا فيهم، ولكن أي شيء لن يمنع قضاء الله.
ولذلك قال سبحانه:
﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ... ﴾ [يوسف: ٦٨] ويعقوب يعلم أن أيَّ شيء لن يردَّ قدر الله، وسبحانه لم يُعْطِ الاحتياطات الولائية ليمنع الناس بها قدرَ الله.
ويقول سبحانه هنا عن يعقوب:
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ ... ﴾ [يوسف: ٦٨] .
أي: أنه يعرف موقع المُسبِّب وموقع الأسباب، ويعلم أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله؛ لأنه سبحانه قد خلق الأسباب رحمةً بعباده:
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٦٨] .
أي: يعزلون الأسباب عن المُسبِّب، وهذا ما يُتعِب الدنيا.
ويقول سبحانه بعد ذلك:
стр. 8091
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ ... ﴾ .
стр. 8092
أي: أنهم حين دخلوا على يوسف أحسن استقبالهم؛ وأكرم وفادتهم؛ بعد أن وَفَّوْا بوعدهم معه، وأحضروا أخاهم وشقيقه بنيامين معهم، وكان يوسف ﵇ مُشْتاقاً لشقيقه بنيامين.
وقد عرفنا من قبل أنه الشقيق الوحيد ليوسف؛ فهما من أم واحدة؛ أما بقية الإخوة فهم من أمهات أخريات.
وقول الحق سبحانه عن يوسف:
﴿آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] .
يدلُّ على أن يوسف كان مُتشوِّقاً لرؤية شقيقه.
وقوله:
﴿قَالَ إني أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ٦٩] .
يوضح لنا أن إخوة يوسف قد استفردوا لفترة ببنيامين، ولم
стр. 8093
يُحْسِنوا معاملته، وحاول يوسف أن يُسرِّي عن أخيه، وأن يُزيل عنه الكَدَر بسبب ما كان إخوته يفعلونه.
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ ... ﴾ .
стр. 8094
أي: أن يوسف ﵇ قد قام بصرف المَيْرة لهم، كما سبق أن وعدهم، وكما سبق أن جَهَّزهم في المرَّة السابقة؛ وأراد أن يُبِقي أخاه معه في مصر؛ ولكن كيف يأخذه من إخوته لِيُبقِيه معه؛ وقد أخذ أبوهم ميثاقاً عليهم ألاَّ يضيعوه، وألا يُفرِّطوا فيه، كما فعلوا مع أخيه من قبل؟
إذن: لا بُدَّ من حيلة يستطيع بها أن يستبقي بها أخاه معه، وقد جَنَّد الله له فيها إخوته الذين كانوا يُعَادونه، وكانوا يحقدون عليه وعلى أخيه.
وجاءت هنا حكاية صُوَاع الملك، التي يشرب فيها الملك، وتُستخدم كمكيال، وجعلها في رَحْل أخيه.
стр. 8095
وكلمة «السقاية» تُطلق إطلاقات متعددة من مادة «سقى» أي: «السين» و «القاف» و «الياء» ، فتُطلق على إسقاء الناس والحجيج الماء.
والقرآن الكريم يقول: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحاج وَعِمَارَةَ المسجد الحرام كَمَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ [التوبة: ١٩] .
فكان معنى السقاية أيضاً هو المكان الذي يُوضَع فيه الماء ليشرب منه الناس.
أو: تُطلق «السقاية» على الآلة التي يُخرج بها الماء للشاربين.
وهنا تُطلق كلمة «السقاية» على الإناء الذي كان يشرب به الملك، ويُستخدم كمكيال، وهذا دليلٌ على نَفَاسة المَكِيل.
وتُطلق أيضاً كلمة «صواع» على مثل هذه الأداة التي يُشرب منها، أو يُرفع بها الماء من المكان إلى فَمِ الشارب؛ وأيضاً يُكَال بها؛ ومفردها «صاع» .
ويقول الحق سبحانه هنا عن حيلة يوسف لاستبقاء أخيه معه:
﴿جَعَلَ السقاية فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] .
أي: أمر بعضاً من أعوانه أن يَضَعوا «السقاية» في رَحْل
стр. 8096
أخيه، و «الرَّحْل» : هو ما يوضع على البعير، وفيه متاع المسافر كله. وبعد أن ركب إخوة يوسف جِمالهم استعداداً للعودة إلى الشام؛ وقعت المفاجأة لهم؛ والتي يقول عنها الحق سبحانه:
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا العير إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] .
أي: يا أصحاب تلك العير أنتم سارقون. والسرقة فعل قبيح حينما يترتَّبُ عليها جزاء يُوقَّع على السارق، والمسروق هو شيء ثمين.
وفيما يبدو أن هذه الحيلة تمَّتْ بموافقة من «بنيامين» ليمكث مع أخيه يوسف حتى يحضر أبواه إلى مصر.
ولسائل أن يقول: وكيف رَضِى بنيامين بذلك، وهو أمر يُزِيد من حُزْن يعقوب؟ وكيف يتهم يوسف إخوته بسرقة لم يرتكبوها؟
أقول: انظروا إلى دِقَّة القرآن، ولنُحْسِنَ الفهم عنه؛ لنرى أن حزن يعقوب على فَقْد يوسف قد غلبه؛ فلَن يُؤثِّر فيه كثيراً فَقْد بنيامين.
ودليل ذلك أن يعقوب ﵇ حين عاد أبناؤه وأخبروه
стр. 8097
بحكاية السرقة؛ واستبقاء بنيامين في مصر قال: ﴿ياأسفى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
ولم يذكر يعقوب بنيامين.
وأما عن اتهامهم بالسرقة؛ فالآية هنا لا تُحدِّد ماذا سرقوا بالضبط، وهم في نظر يوسف قد سَرَقوه من أبيه، وألقوْه في الجُبِّ.
وهنا يأتي الحق سبحانه بموقف إخوة يوسف ﵇: ﴿قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ مَّاذَا تَفْقِدُونَ. .﴾ .
стр. 8098
أي: أن إخوة يوسف أقبلوا على مَنْ يتهمونهم بالسرقة مُتسائِلين: ماذا فقدتم؟ ولماذا تتهموننا؟
وهنا يقول الحق سبحانه ما قاله من اتهموهم: ﴿قَالُواْ نَفْقِدُ ... ﴾ .
стр. 8099
أي: أن الذين أعلنوهم بالسرقة قالوا لهم: لقد ضاعت سقاية
стр. 8100
الملك؛ ويُقَال لها «صواع» ، ومَنْ سيُخرجها من المكان المختفية به سوف ينال مكافأة قدرها وَزْن حِمْل بعير؛ فلعل صُواع الملك قد خُبئت في حِمْل أحدكم دون قصد.
وأكد رئيس المنادين أنه الضامن لمن يُخرج صواع الملك، ويحضرها دون تفتيش أن ينال جائزته، وهي حِمْل بعير من المَيْرة والغذاء.
وهنا قال إخوة يوسف ﵇: ﴿قَالُواْ تالله ... ﴾ .
стр. 8101
وقولهم ﴿تالله﴾ هو قسم، وعادةً تدخل «التاء» على لفظ الجلالة عند القَسَم المقصود به التعجُّب، أي: أن إخوة يوسف أقسموا مُندهشين لاتهامهم بأنهم لم يسرقوا؛ وأن الكُلَّ قد علم عنهم أنهم لم يأتوا بغرض الإفساد بسرقة أو غير ذلك، لم يسبق أن اتهمهم أحد بمثل هذا الاتهام.
وهنا يأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنة مَنْ أعلنوا عن وجود سرقة، وأن المسروق هو صُوَاع الملك.
ويقول الحق سبحانه ما جاء على ألسنتهم: ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ ... .﴾ .
стр. 8102
وهذا سؤال من مُسَاعدي يوسف لإخوة يوسف عن العقوبة المقررة في شريعتهم لمن يسرق؟ وماذا نفعل بمن نجد في رَحْله صُواع الملك؛ وثبت كذبكم بأنكم لم تسرقوه؟
وكان المعروف أن مَنْ يُضبط بسرقة في شريعة آل يعقوب أن يُسترقَّ أو يظل في خدمة مَنْ سرقهم، كما فعلت عمة يوسف التي أحبته وعاش معها بعد وفاة أمه؛ وحين أراد والده أن يسترده أخفَتْ في ثياب يوسف شيئاً عزيزاً ورثته عن أبيها إسحاق، وبذلك استبقتْ يوسف معها، ولم يأخذه أبوه إلا بعد أن ماتت عمَّته.
وكان هدف يوسف ﵇ إذن أن يستبقي أخاه معه؛ وهو قد علم من قبل هذا الحكم، وهكذا تركهم يوسف ﵇ يحكمون بأنفسهم الحكم الذي يَصْبُو إليه، وهو بقاء أخيه معه.
ويُورِد الحق سبحانه قولهم: ﴿قَالُواْ جَزَآؤُهُ ... ﴾ .
стр. 8103
وهكذا نطقوا بالحُكْم هم أنفسهم، وأكَّدُوه بقولهم:
﴿كذلك نَجْزِي الظالمين﴾ [يوسف: ٧٥] .
стр. 8104
وهكذا أعانوا هم يوسف لتحقيق مَأْربه ببقاء شقيقه معه، وأمر يوسفُ بتفتيش العير.
ويقول الحق سبحانه: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ ... ﴾ .
стр. 8105
وكان الهدف من البَدْء بتفتيش أوعيتهم؛ وهم عشرة؛ قبل وعاء شقيقه، كي ينفي احتمال ظنِّهم بأنه طلب منهم أن يأتوا بأخيهم معهم ليدبر هو هذا الأمر، وفتش وعاء شقيقه من بعد ذلك؛ ليستخرج منه صُوَاع الملك؛ وليُطبِّق عليه قانون شريعة آل يعقوب؛ فيستبقي شقيقه معه. وهذا دليل على الذكاء الحكيم.
وهكذا جعل الحق سبحانه الكيد مُحْكماً لصالح يوسف، وهو الحق القائل:
﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦] .
أي: كان الكيد لصالحه.
ويتابع سبحانه:
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [يوسف: ٧٦] .
стр. 8106
أي: ما كان يوسف ليأخذ أخاه في دين الملك الذي يحكم مصر؛ لولا فتوى الإخوة بأن شريعتهم تحكم بذلك.
ويتابع سبحانه:
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] .
وهكذا رفع الله من شأن يوسف، وكَادَ له، وحقَّق له أمله، وهو يستحق كل ذلك؛ ورفعه سبحانه درجاتٍ عالية من العلم والحكمة.
ولم يكُنْ الكيد بسبب أن يُنزِل بشقيقه عذاباً أو ضياعاً، بل نريد ليوسف ولأخيه الرِّفْعة، فكأن كثيراً من المصائب تحدث للناس، وهم لا يَدْرون ما في المحنة من المِنَح.
وعلى المؤمن أن يعلم أن أيَّ أمر صعب يقع عليه من غير رأي منه؛ لا بُدَّ وأن يشعر أن فيه من الله نفعاً للإنسان.
وإخوة يوسف سبق أنْ كَادوا له، فماذا كانت نتيجة كَيْدهم؟
لقد شاء الحق سبحانه أن يجعل الكيد كله لصالح يوسف، وجعله سبحانه ذَا علم، فقال:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] .
و (ذي علم) أي: صاحب علم. وكلاهما مُنْفِصل، أي: هناك «صاحب» ، وهناك «علم» ، والصاحب يوجد أولاً؛ وبعد ذلك يطرأ عليه العلم؛ فيصير صاحبَ عِلْم، ولكن فوقه:
﴿عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] .
стр. 8107
أي: أن العلم ذاتيّ فيه، وهو الحق .
فماذا كان موقف أخوة يوسف؟
بطبيعة الحال لابد أنهم قد بُهِتوا، أول تصرف منهم كان لا بُدَّ أن ينصرف إلى الأخ الذي وُجدت السقاية في رَحْله؛ وأخذوا يُوبِّخونه؛ لأنه أحرجهم وفضحهم، وبحثوا عن أسباب عندهم للحفيظة عليه؛ لا للرفق به.
وموقفهم المُسْبق منه معروف في قولهم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إلى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] .
وهم يعلمون أن يوسف وأخاه من امرأة أخرى هي «راحيل» ، ولو كان شقيقاً لهم لَتلَّطفوا به. وأوضح لهم: إن مَنْ جعل البضاعة في رِحَالي هو مَنْ جعل البضاعة في رِحَالكم.
وهنا قال أحد الأخوة: تالله، يا أبناء راحيل، ما أكثر ما نزل علينا من البلاء منكم، فَرَدَّ بنيامين: بنو راحيل نزل عليهم من البلاء منكم فوق ما نزل عليكم من البلاء منهم.
ويورد الحق سبحانه هنا قولهم:
стр. 8108
﴿قالوا إِن يَسْرِقْ ... ﴾ .
стр. 8109
وهكذا ادَّعَوْا أن داء السرقة في بنيامين قد سبقه إليه شقيق له من قبل، وقالوا ذلك في مجال تبرئة أنفسهم، وهكذا وَضُحَتْ ملامح العداوة منهم تجاه يوسف وأخيه.
وقولهم:
﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ. .﴾ [يوسف: ٧٧] .
يُسمَّى في اللغة قضية شرطية. ومعنى القضية الشرطية؛ أن حدثاً يقع بسبب حَدَث وقع قبله، فهناك حَدَث يحدث وحده، وهناك حَدَث يحدث بشرط أن يحدث قبله حدث آخر.
مثال هذا هو قولك لتلميذ: إنْ تذاكر دروسك تنجحْ، وهنا حَدَثان، المذاكرة والنجاح، فكأن حدوثَ النجاح الشرط فيه حدوث المذاكرة، ولا بُدَّ أن يحدث الشرط أولاً؛ ثم يحدث الحدث الثاني، وهو هنا قولهم:
﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧] . كتعليل لسرقة بنيامين.
والمثل من القرآن أيضاً:
стр. 8110
﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤] .
فكأن الله يوضح للرسول ﷺ َ: إنْ كذَّبوك الآن فيما تنقل لهم من أخبار السماء؛ فلا تحزن ولا تبتئس؛ فهذا التكذيب ظاهرة عَانَى منها كل الرسل السابقين لك؛ لأنهم يجيئون بما يُنكره المرسل إليهم أولاً، فلا بد أن يكذبوا، وهكذا يستقيم الشرط، لأن الحق سبحانه هنا قد عدل بالشيء عن سببه، فكان جواب الشرط بعد الزمان الذي حدث فيه الشرط.
وهنا قال الحق سبحانه:
﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ. .﴾ [يوسف: ٧٧] .
أي: لا تعجب يا عزيز مصر؛ لأن هذه خصلة في أولاد راحيل، قالوا ذلك وهم يجهلون أنهم يتحدثون إلى يوسف ابن راحيل!!
وكل حدث يحدث للمَلَكات المستقيمة؛ لا بُدَّ أن يُخرج تلك المَلَكات عن وضعها، ونرى ذلك لحظة أن يتفوَّه واحد بكلمة تُخرج إنساناً مستقيماً عن حاله وتُنغِّصه، ويدرك بها الإنسان المستقيم ما يؤلمه؛ وينفعل انفعالاً يجعله ينزع للردِّ.
ولذلك يوصينا ﷺ َ: «إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب؛ وإلا فليضطجع» .
стр. 8111
كي يساعد نفسه على كَظْم ضيقه وغضبه، ولِيُسرِّب جزءاً من الطاقة التي تشحنه بالانفعال.
ولكن يوسف ﵇ لم ينزع إلى الرد، لذلك قال الحق سبحانه:
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ ... ﴾ [يوسف: ٧٧] .
وكان يستطيع أن يقول لهم ما حدث له من عمَّته التي اتهمته بالباطل أنه سرق؛ لتحتفظ به في حضانتها من فَرْط حُبِّها له، لكن يوسف ﵇ أراد أن يظل مجهولاً بالنسبة لهم، لتأخذ الأمور مجراها:
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ. .﴾ [يوسف: ٧٧] .
حدث ذلك رغم أن قولهم قد أثَّر فيه، ولكن قال رأيه فيهم لنفسه:
﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] .
لأنكم أنتم مَنْ أخذتموني طفلاً لألعب؛ ثم ألقيتموني في الجب؛ وتركتم أبي بلا موانسة.
. وأنا لم أسرق بل سُرِقت، وهكذا سرقتم ابناً من أبيه.
وهو إنْ قال هذا في نفسه فلا بُدَّ أن انفعاله بهذا القول قد ظهر على ملامحه، وقد يظهر المعنى على الملامح، ليصِلَ إليهم المعنى، والقول ليس إلا ألفاظاً يصل به مدلول الكلام إلى مُسْتمع.
وقد وصل المعنى من خلال انفعال يوسف.
стр. 8112
وقوله: ﴿والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ٧٧] .
أي: أنه سبحانه أعلم بما تنعتون، وتظهرون العلامات والسِّمات، وغلبت كلمة «تصفون» على الكلام.
ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ﴾ [النحل: ١١٦] .
أي: أن ما تقولونه يُوحي من تلقاء نفسه أنه كَذِب، وهكذا نعرف أن كلمة «تَصِف» وكلمة «تصفون» غلب في استعمالهما للكلام الذي يحمل معه دليلَ كَذِبه.
ويأتي الحق سبحانه بما جاء على ألسنتهم بعد ذلك: ﴿قَالُواْ ياأيها ... ﴾ .
стр. 8113
وهكذا دخلوا مع يوسف في نقاش، وبدأوا في الاستعطاف؛ بقولهم:
﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ... ﴾ [يوسف: ٧٨] .
ونلحظ أن كلمة «كبير» تُطلق إطلاقات متعددة، إنْ أردتَ الكِبَر في السنِّ تكون من «كَبرَ يَكْبَر» ، وإنْ أردتَ الكِبَرَ في المقام تقول: «كَبُرَ يَكبُر» .
стр. 8114
والحق سبحانه يقول: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [الكهف: ٥] .
والكِبَر واحد من معاني العظمة، أما الكِبَرُ في السِّنِّ فهو مختلف؛ وهنا قالوا:
﴿إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً ... ﴾ [يوسف: ٧٨] .
قد تكون ترقيقاً بالعزة، أو ترقيقاً بالضعف.
أي: إن له أباً شيخاً كبيراً عظيماً في قومه؛ وحين يُبلغه أن ابنه قد احتُجز من أجل سرقة، فهذا أمر مؤلم؛ ولك أن تُقدِّر ذلك وأنت عزيز مصر؛ ونرجو أن تحفظ للأب شرفه ومَجْده وعظمته، واسْتُرْ ذلك الأمر من أجل خاطر ومكانة والده.
أو: أن يكون قولهم مقصوداً به، أن الأب شيخ مُهدَّم، لا يحتمل الصدمة، وخصوصاً أن له ابناً قد فُقِد.
ثم يعرضون عَرْضاً آخر، فيقولون:
﴿فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾ [يوسف: ٧٨] .
أي: أنهم سألوه أن يُتمِّمَ إحسانه عليهم، فقد أحسن استقبالهم؛ وسبق أن أنزلهم منزلاً كريماً، وأعطاهم المَيْرة، ولم يأخذ بضائعهم ثمناً لها.
ومَنْ يفعل ذلك؛ لا يضِنُّ عليهم بأن يستجيب لرجائهم، بأن يأخذ واحداً منهم بدلاً من أخيهم الصغير.
стр. 8115
كل هذه ترقيقات منهم لقلبه، ولكن القاعدة هي ألاَّ يُؤاخذ بالذنب إلا صاحبه؛ ولذلك لم يَفُتْ هذا الأمر على يوسف، فجاء الحق سبحانه بما يوضح ذلك: ﴿قَالَ مَعَاذَ الله ... ﴾ .
стр. 8116
ويستعيذ يوسف ﵇ بالله أن يأخذ أحداً بدلاً ممَّنْ وُجِد في متاعه صُوَاع الملك، فما ذنبه في هذا الأمر؟ ولا أحد يمكن أن ينال عقاباً على ذنب ارتكبه غيره.
وساعةَ تقرأ «إذا» مُنوَّنة؛ فاعرف أن هناك جملةً محذوفةً، أي: أن يوسف قال: إنْ أخذنا غير مَنْ وجدنا متاعنا عنده نكون من الظالمين.
وجاء «التنوين» بدلاً من الجملة المحذوفة التي ذكرناها.
ومثال آخر من القرآن هو قول الحق سبحانه: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٤] .
ويحدث ذلك حين تبلغ الرُّوح الحلقوم، وجاء «التنوين» عِوَضاً عن الجملة كلها.
وهكذا أراد يوسف أن يُذكِّرهم أنه لا يحِقُّ له أن يأخذ أخاً منهم بدلاً من بنيامين؛ لأنه هو مَنْ وُجِد في متاعه صُوَاع الملك؛
стр. 8117
ولا يصح له أن يظلم أحداً، أو يأخذ أحداً بجريرة أحد آخر.
وهنا علم أبناء يعقوب أن المسألة لا يُبَتُّ فيها بسهولة؛ لأنها تتعلق بأمر خطير.
ويصور الحق سبحانه حالتهم هذه فيقول: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ. .﴾ .
стр. 8118
ويقال: «يئس» أي: قطع الأمل من الشيء، وهم لم يقطعوا الأمل فقط، بل استيأسوا، وهو أمر فوق اليأس.
فهم قد أخذوا يُرقِّقون كل ألوان المُرقِّقات؛ ولا فائدة؛ وكلما أوردوا مُرقِّقاً؛ يجدون الباب أمامهم مُوصَداً.
وكأنهم بذلك يُلِحُّون على اليأس أن يأتيهم؛ لأن الظروف المحيطة والجو المحيط لا يحمل أي بارقة أملٍ، وكلما تبدو بارقةُ أملٍ
стр. 8119
ويطلبونها يجدون الطريق مُوصَداً؛ فكأنهم يطلبون اليأس من أن يأذن يوسف بسفر أخيهم بنيامين معهم في رحلة العودة إلى أبيهم.
وهنا: ﴿خَلَصُواْ نَجِيّاً. .﴾ [يوسف: ٨٠] .
أي: أنهم انفردوا عنه، وعن أعين الحاضرين؛ العزيز يوسف، ومَنْ حوله من المُعَاونِين له، وأخيهم موضع الخلاف، وانفردوا بأنفسهم.
والانفراد هو المناجاة؛ والمناجاة مَسرَّة؛ والمَسرَّة لا تكون إلا في أمر لا تحب لغيرك أن يطلع عليه.
ونلحظ أن: ﴿خَلَصُواْ ... ﴾ [يوسف: ٨٠] هي جمع، و: ﴿نَجِيّاً﴾ [يوسف: ٨٠] مفرد، وهذا من ضمن المواقع التي يتساءل فيها مَنْ لا يملكون مَلَكةً عربية: كيف يأتي القرآن بمفرد بعد الجمع؟
ونقول دائماً: لو أنهم امتلكوا اللغة كملَكَة لَعرفوا أن ذلك جائز جداً. ومثال هذا هو قول الحق سبحانه: ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤] .
وهم لا يفهمون أن اللغة فيها ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، كأن الملائكة يجمعون قوة كل واحد منهم لتكون قوة واحدة.
ومثال آخر: هو قول إبراهيم خليل الرحمن:
стр. 8120
﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ الأقدمون فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لي إِلاَّ رَبَّ العالمين﴾ [الشعراء: ٧٥ - ٧٧] .
أي: أن إبراهيم ﵇ جمع الآلهة المتعددة التي يعبدونها وجعلها عدواً واحداً له.
وكذلك يمكن أن نفعل مع كلمة «صديق» ، وكذلك كلمة «عَدْل» فحين ينظر القضاء في أمر قضية ما؛ فالقاضي لا يُصدِر الحكم وحده؛ بل يُصِدره بعد التشاور مع المُستَشارين؛ ويصدر الحكم من الثلاثة: رئيس المحكمة، وعضو اليمين، وعضو اليسار وكلاهما بدرجة مستشار.
ويُقَال: «حكم القضاة عَدْلاً» . ولا يقال: إن كل مستشار أو قاض له عدل.
وكذلك: ﴿نَجِيّاً﴾ [يوسف: ٨٠] في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، فهم حين استيأسوا من يوسف انفردوا بأنفسهم ليتناجوا.
وعادة يكون الرأي الأول للأخ الأكبر، الذي عادة ما يكون له من الخبرة والحكمة ما يتيح له أن يُبدِي الرأي الصواب.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تعلموا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ الله وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض حتى يَأْذَنَ لي أبي أَوْ يَحْكُمَ الله لِي وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين﴾ [يوسف: ٨٠] .
стр. 8121
وقد يكون كبيرهم هو أكبرهم عمراً؛ أو هو رئيس الرحلة، وحين رآهم قد قَبِلوا فكرة العودة دون أخيهم الذي احتجزه عزيز مصر؛ قال لهم رأيه الذي حذرهم فيه أنْ يغفلوا عن أن أباهم قد أخذ منهم موثقاً من الله إلا أنْ يُحَاط بهم؛ كما يجب ألا ينسوا أن لهم سابقة حين أخذوا يوسف وضيَّعوه.
وبناءً على ذلك استقر قراره ألاّ يبرحَ المكان، ولن يعود إلى أبيه إلا إنْ أذِنَ له بذلك؛ أو أن يحكمَ الله له بأن يُسلِّمه عزيزُ مصر أخاه، أو أن يموت هنا في نفس البلد.
وهذا القول في ظاهره دفاع عن النفس؛ وخجل من أن يعود إلى أبيه بدون بنيامين؛ ولذلك ترك أخوته يتحملَّون تلك المواجهة مع الأب.
وتبدو هذه المسألة أكثر قسوة على الأب؛ لأنه فقد في الرحلة الأولى يوسف، وفي الرحلة الثانية يفقد ابنه بنيامين، وكذلك الابن الكبير الذي يرأس الرحلة.
وفي هذا تصعيد للقسوة على الأب، وكان المفروض أن تدور مُدَاولَة بين الأخوة في تلك المُنَاجاة، ولكن الأخ الكبير أو رئيس الرحلة حسم الأمر.
وحين سألوه: ماذا نفعل يا كبيرنا؟ جاء قوله الذي أوردته الآية التالية:
стр. 8122
﴿ارجعوا إلى أَبِيكُمْ ... ﴾ .
стр. 8123
وهكذا أمر الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة إخوته أن يرجعوا إلى أبيهم، ويقولوا له ما حدث بالضبط، فقد اتُّهم ابنه بالسرقة، ونحن لا نقول هذا الكلام إلا بعد أن وجد فِتيان العزيز صُوَاع الملك في رَحْلِه، ولا نعلم هل دَسَّها أحد له؟ وهل هي حِيلة ومكيدة؟
ونحن لا نقول لك يا أبانا إلا ما وصل إلينا من معلومات، وقد أخذه العزيز طبقاً لشريعتنا، ونحن بخبرتنا بأخينا لا نشهد عليه بالسرقة، إلا أن ثبوتَ وجود صُواع الملك في رَحْله هو السبب في كل ذلك.
ويعلم الأخ الأكبر أن يعقوب ﵇ قد يُكذِّب أولاده؛ لأن هناك سوابقَ لهم؛ لذلك أوصاهم الأخ الأكبر أو رئيس الرحلة أن يقولوا لأبيهم إنْ كَذَّبهم ما جاء به الحق على ألسنتهم: ﴿وَسْئَلِ القرية ... ﴾ .
стр. 8124
أي: أنك يا أبانا إنْ كنتَ تشك في أقوالنا؛ يمكنك أن تطلب أدلة أخرى من المكان الذي كنا فيه؛ لأن هذا الموضوع قد أحدث ضجَّة وحدث أمام جمع كبير من الناس، والقوافل التي كانت معنا شهدتْ الواقعة؛ فقد أذَّن مُؤذِّن بالحادث، وتَمَّ تفتيش العِير علناً.
فإذا أردتَ أن تتأكد من صدق أقوالنا، فاسأل العِير التي كانت تسير معنا في الطريق، وهم يعرفون هذه القضية كما نعرفها، أو اسأل أهل القرية التي جئنا منها.
ونلحظ هنا أن الحق سبحانه أورد كلام أخوة يوسف لأبيهم يعقوب:
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا. .﴾ [يوسف: ٨٢] .
ونحن نعلم أن كل حَدَثٍ من الأحداث لا بُدَّ له من فاعل، ومن مفعول يقع عليه، ومن مكان يقع فيه، ومن زمان يقع فيه؛ ومن سبب يُوجِبه، ومن قوة تنهض به.
وفي بعض الحالات نجد أن المكان هو الأمر الظاهر والقوي في الحدث، فننسبه إليه، فيُقال:
﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
والمراد بطبيعة الحال أن يَسأل أهل القرية، أو: أن المسألة كانت واضحة تماماً لدرجة أن الجماد يعرف تفاصيلها، أو: أنك نبيٌّ ويوحي لك الله فَسَلْهُ أن يجعل الأرض تخبرك بما وقع عليها.
وكذلك قولهم:
стр. 8125
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير﴾ [يوسف: ٨٢] .
ونعلم أن العير هي المَطايا؛ سواء أكانت نِياقاً أو كانت من الجمال أو الحمير أو البِغَال التي تحمل البضائع.
وحين يُقَال:
﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا والعير ... ﴾ [يوسف: ٨٢] .
أي: أن العير كان لها في الأمر شيء فوق المُلاَبسات كلها.
ومثال هذا ما كان في موقعة بدر؛ فقد خرج رسول الله ﷺ َ ليلقَى العير القادمة من الشام وهي مُحمَّلة بالبضائع؛ ليصادرها إيفاء ما استولى عليه الكافرون من أموال المهاجرين التي كانت بمكة، ولم يكن مع هذه العير إلا قليل من الحرس والرعاة.
ولكن حين تكلم عن المقاتلين الذين قَدِموا من مكة؛ وصفهم بالنفير، أي: الجماعة الذين نفروا لمواجهة معسكر الإيمان.
إذن: فكل حَدَث يأخذ الأمر البارز فيه.
وهنا يورد الحق سبحانه ما جاء على ألسنة إخوة يوسف حينما عادوا ليلقَوْا أباهم، وليس معهم أخوهم بنيامين؛ وكذلك تَخَلُّف أخيهم الكبير أو رئيس الرحلة.
يقول الحق سبحانه: ﴿وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا ... ﴾ [يوسف: ٨٢] .
ويجوز أن تفتيشهم قد تَمَّ في مكان بعيد قليلاً عن العُمْران؛
следующие страницы →