← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

ويقول سبحانه عن السماء والبروج: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ ... ﴾

стр. 8857

ونعلم أن الشياطين كانوا يسترقون السمع لبعض من منهج الله الذي نزل على الرسل السابقين لرسول الله ﷺ َ؛ وكانوا يحاولون أن يُضيفوا لها من عندهم ما يُفسِد معناها، وما أنْ جاء رسول الله ﷺ َ حتى منع كل هذا بأمر من الحق سبحانه، ويقول جل عُلاَه: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولذلك نجد الشياطين تقول ما ذكره الحق سبحانه على ألسنتهم في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السمآء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً وَأَنَّا لاَ ندري أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ [الجن: ٨ - ١٠] وهكذا علمنا أنهم كانوا يسترقون السمع؛ ويأخذون بِضْعاً من كلمات المنهج ويزيدون عليها؛ فتبدو بها حقيقة واحدة وألف

стр. 8858

كذبة. وشاء الحق سبحانه أن يُكِّذب ذلك؛ فقال: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧] والشيطان كما نعلم هو عاصي الجن. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَنِ استرق ... ﴾ وكلمة: ﴿استرق ... ﴾ [الحجر: ١٨]

стр. 8859

تُحدِّد المعنى بدقة، فهناك مَنْ سرق؛ وهناك مَنْ استرق؛ فالذي سرق هو مَنْ دخل بيتاً على سبيل المثال، وأخذ يُعبّئ ما فيه في حقائب، ونزل من المنزل على راحته لينقلها حيث يريد. لكن إنْ كان هناك أحد في المنزل؛ فاللص يتحرك في استخفاء؛ خوفاً من أن يضبطه مَنْ يوجد في المنزل ليحفظه؛ وهكذا يكون معنى «استرقَ» الحصول على السرقة مقرونة بالخوف. وقد كان العاصون من الجِنِّ قبل رسول الله ﷺ َ يسترقون السمع

стр. 8860

للمنهج المُنزّل على الرُّسُل السابقين لرسول الله ﷺ َ؛ واختلف الأمر بعد رسالته الكريمة؛ حيث شاء الحق سبحانه أنْ يحرسَ السماء؛ وما أنْ يقترب منها شيطان حتى يتبعه شهاب ثاقب. والشهاب هو النار المرتفعة؛ وهو عبارة عن جَذْوة تشبه قطعة الفحم المشتعلة؛ ويخرج منه اللهب. وهو ما يُسمّى بالشهاب. أما إذا كان اللهب بلا ذؤابة من دخان؛ فهذا اسمه «السَّمُوم» . وإنْ كان الدخان مُلْتوياً، ويخرج منه اللهب، ويموج في الجو فيُسمى «مارج» حيث قال الحق سبحانه: ﴿ ... مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: «١٥] وهكذا نجد السماء محروسة بالشهب والسَّمُوم ومارج من نار. ويقول سبحان من بعد ذلك: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا ... ﴾

стр. 8861

وحين نسمع كلمة الأرض فنحن نتعرف على المقصود منها، ذلك أنه ليس مع العين أَيْن. والمّدُّ هو الامتداد الطبيعي لِمَا نسير عليه من أيِّ مكان في الأرض. وهذه هي اللفتة التي يلفتنا لها الحق سبحانه؛ فلو كانت الأرض

стр. 8862

مُربعة؛ أو مستطيلة؛ أو مُثلثة؛ لوجدنا لها نهاية وحَافّة، لكِنّا حين نسير في الأرض نجدها مُمْتدة، ولذلك فهي لابُد وأن تكون مُدوَّرة. وهم يستدلون في العلم التجريبي على أن الأرض كُروية بأن الإنسان إذا ما سار في خط مستقيم؛ فلسوف يعود إلى النقطة التي بدأ منها، ذلك أن مُنْحنى الأرض مصنوعٌ بدقة شديدة قد لا تدرك العين مقدارَ الانحناء فيه ويبدو مستقيماً. وحين يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ ... ﴾ [الحجر: ١٩] يعني أشياء تثبتها. ولقائل أنْ يتساءل: مادامت الأرض مخلوقةً على هيئة الثبات فهل كانت تحتاج إلى مثبتات؟ ونقول: لابد أن الحق سبحانه قد خلقها مُتحركة وعُرْضة لأنْ تضطربَ؛ فخلق لها المُثقّلات، وهكذا نكون قد أخذنا من هذه الآية حقيقتين؛ التكوير والدوران. وهناك آية أخرى يقول فيها الحق سبحانه: ﴿وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب ... ﴾ [النمل: ٨٨] ونفهم من هذا القول الكريم أن حركة الجبال ليست ذاتيةً بل تابعة لحركة الأرض؛ كما يتحرك الحساب تبعاً لحركة الرياح. وشاء سبحانه أن يجعل الجبال رواسي مُثِّبتات للأرض كي لا تميدَ بنا؛ فلا تميل يَمْنة أو يَسْرة أثناء حركتها. ويقول الحق سبحانه:

стр. 8863

﴿ ... وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] وأنبت سبحانه من الأرض كُلَّ شيء موزون بدقّة تناسب الجو والبيئة، ويضم العناصر اللازمة لاستمرار الحياة. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ... ﴾

стр. 8864

في هذا القول يمتنُّ علينا سبحانه بأنه جعل لنا في الأرض وسائل للعيش؛ ولم يكتَفِ بذلك، بل جعل فيها رزقَ ما نطعمه نحن من الكائنات التي تخدمنا؛ ومن نبات وحيوان، ووقود، وما يلهمنا إياه لنطور حياتنا من أساليب الزراعة والصناعة؛ وفوق ذلك أعطانا الذرية التي تَقَرُّ بها العين، وكل ذلك خاضع لمشيئته وتصرُّفه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا ... ﴾

стр. 8865

وقوله الحق: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ ... ﴾ [الحجر: ٢١] أي: أنه لا يوجد جنس من الأجناس إلا وله خزائنُ عند الله

стр. 8866

سبحانه، فالشيء الذي قد تعتبره تافهاً له خزائن؛ وكذلك الشيء النفيس، وهو سبحانه يُنزِل كل شيء بقدَرٍ؛ حتى الاكتشافات العلمية يُنزِلها بقدَرٍ. وحين نحتاج إلى أيِّ شيء مخزون في أسرار الكون؛ فنحن نُعمِل عقولنا الممنوحة لنا من الله لنكتشف هذا الشيء. والمثل هو الوقود وكُنا قديماً نستخدم خشب الأشجار والحطب. وسبحانه هو القائل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون﴾ [الواقعة: ٧١ - ٧٢] واتسعت احتياجات البشر فاكتشفوا الفحم الذي كان أصله نباتاً مطموراً أو حيواناً مطموراً في الأرض؛ ثم اكتُشِف البترول، وهكذا. أي: أنه سبحانه لن يُنشِئ فيها جديداً، بل أعدَّ سبحانه كل شيء في الأرض، وقدَّر فيها الأقوات من قبل أنْ ينزِل آدم ﵇ إلى الأرض من جنة التدريبِ لِيعمُرَ الأرض، ويكون خليفة لله فيها، هو وذريته كلها إلى أن تقومَ الساعة. فإذا شكوْنَا من شيء فهذا مَرْجعه إلى التكاسل وعدم حُسْن استثمار ما خلقه الله لنا وقدَّره من أرزاقنا في الأرض. ونرى التعاسة في كوكب الأرض رغم التقدُّم العلمي والتِّقني؛ ذلك أننا نستخدم ما كنزه الحق سبحانه ليكون مجال سعادة لنا في الحروب والتنافر.

стр. 8867

ولو أن ما يُصرف على الحروب؛ تم توجيهه إلى تنمية المجتمعات المختلفة لَعاشَ الجميع في وفرة حقيقية. ولكن سوء التنظيم وسوء التوزيع الذي نقوم به نحن البشر هو المُسبِّب الأول لتعاسة الإنسان في الأرض؛ ذلك أنه سبحانه قد جعل الأرض كلها للأنام، فمن يجد ضيقاً في موقع ما من الأرض فليتجه إلى موقع آخر. ولكن العوامل السياسية وغير ذلك من الخلافات بين الناس تجعل في أماكن في الأرض؛ رجالاً بلا عمل؛ وتجعل في أماكن أخرى ثروة بلا استثمار؛ ونتجاهل قوله سبحانه: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ ... ﴾ [الحجر: ٢١] فلكل شيء في الأرض خزائن؛ والخزينة هي المكان الذي تُدَّخر فيه الأشياء النفيسة، والكون كله مخلوق على هيئة أن الحق سبحانه قدَّر في الأرض أقواتاً لكل الكائنات من لَدُن آدم إلى أن تقومَ الساعة. فإنْ حدث تضييق في الرزق فاعلموا أن حقاً من حقوق الله قد ضُيِّع، إما لأنكم أهملتم استصلاحَ الأرض وإحياء مواتها بقدر ما يزيد تعداد السكان في الأرض، وإما أنكم قد كنزتُم ما أخذتُم من الأرض، وضننتُم بِمَا اكتنزتموه على سواكم. فإنْ رأيتَ فقيراً مُضيَّعاً فاعلم أن هناك غنياً قد ضَنَّ عليه بما

стр. 8868

أفاض الله على الغني من رزق، وإنْ رأيت عاجزاً عن إدراك أسباب حياته فاعلم أن واحداً آخر قد ضَنَّ عليه بقُوتِه. وإنْ رأيت جاهلاً فاعلم أن عالماً قد ضَنَّ عليه بعلمه. وإنْ رأيت أخْرقَ فاعلم أن حكيماً قد ضَنَّ عليه بحكمته؛ فكُلّ شيء مخزون في الحياة؛ حتى تسلم حركة الحياة؛ سلامةً تؤدي إلى التسانُد والتعاضُد؛ لا إلى التعانُد والتضارب. ونعلم أنه سبحانه قد أَعدَّ لنا الكون بكُل ما فيه قبل أنْ يخلقنا؛ ولم يُكلِّفنا قبل البلوغ؛ ذلك أنه عَلِم ألاً أن التكليف يُحدّد اختيار الإنسان لكثير من الأشياء التي تتعلق بكل ملَكاتِ النفس؛ قُوتاً ومَشْرباً ومَلْبساً ومسكناً وضَبْطاً للأهواء، كي لا ننساقَ في إرضاء الغرائز على حساب القِيمَ. وشاء سبحانه ألاَّ يكون التكليف إلا بعد البلوغ؛ حتى يستوفي ملكاتُ النفس القوةَ والاقتدارَ، ويكون قادراً على إنجاب مثيل له، ولكي يكون هذا التكليف حُجَّة على الإنسان، هذا الذي طَمَر له الحق سبحانه كل شيء إمَّا في الأرض؛ أو كان طمراً في النوع، أو في الجنس. وكُلُّ شيء في الكون موزون، إما أن يكون جِنْساً، أو نَوْعاً، أو أفراداً؛ والميزان الذي توجد به كل تلك العطاءات؛ إنما شاء به الحق سبحانه أن يهبَ الرب للكل؛ وليوافق الكثرة؛ وليعيش الإنسان في حضْن الإيمان. وهكذا يكون عطاء الله لنا عطاءَ ربوبيةٍ، وعطاءَ ألوهيةٍ، والذكيّ حقاً هو مَنْ يأخذ العطاءين معاً لتستقيم حياته.

стр. 8869

والحق سبحانه هو القائل: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق وَكَانَ الإنسان قَتُوراً﴾ [الإسراء: ١٠٠] وذلك ليوضح لنا الحق سبحانه أن الإنسان يظنُّ أن ذاتيته هي الأصل، وأن نفعيته هي الأصل، وحتى في قضايا الدين؛ قد يتبع العبد قوله الحق: ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ... ﴾ [الحشر: ٩] ومَنْ يفعل ذلك إنما يفعل في ظاهر الأمر أنه يُؤْثِر الغيرَ على نفسه؛ ولكن الواقع الحقيقي أنه يطمع فيما أعدَّه الله له من حُسْن جزاء في الدنيا وفي الآخرة. إذن: فأَصْل العملية الدينية أيضاً هو الذات؛ ولذلك نجد مَنْ يقول: أنا أُحِب الإيمان؛ لأن فيه الخيرية، يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخير لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] وفيه أنانية ذكية تتيح لصاحبها أَخْذ الثواب على كل عمل يقوم به لغيره، وهذا لون من الأنانية الذكية النافعة؛ لأنها انانية باقية، ولها عائد إيماني.

стр. 8870

ونعلم أن الحق سبحانه لو شاء لجعل الناس كلهم أثرياء؛ ولم يجعل يداً عليا ويداً سفلي، لكنه سبحانه لم يشأ ذلك؛ ليجعل الإنسان ابْنَ أغيار؛ ويعدل فيه ميزان الإيمان، ولِيدُكّ غرور الذات على الذات، وليتعلم الإنسان أن غروره على ربِّه لن ينال من الله شيئاً، ولن يأتي للإنسان بأي شيء. وكل مظاهر القوة في الإنسان ليست من عند الإنسان، وليست ذاتية فيه، بل هي موهوبة له من الله؛ وهكذا شاء الحق سبحانه أنْ يُهذِّب الناس لِيُحسِنوا التعامل مع بعضهم البعض. ولذلك أوضح سبحانه أن عنده خزائنَ كل شيء، ولو شاء لألقى ما فيها عليهم مرة واحدة؛ ولكنه لم يُرد ذلك ليؤكد للإنسان أنه ابْنُ أغيارٍ؛ ولِيلفتَهم إلى مُعْطي كل النعم. كما أن رتابة النعمة قد تُنسِي الإنسانَ حلاوة الاستمتاع بها، وعلى سبيل المثال أنت لا تجد إنساناً يتذكّر عَيْنه إلا إذا آلمتْه؛ وبذلك يتذكر نعمة البصر، بل وقد يكون فَقْد النعمة هو المُلفِت للنعمة، وذلك لكي لا ينسي أحد أنه سبحانه هو المُنعِم. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ ... ﴾

стр. 8871

والإرسال هو الدَّفْع للشيء من حَيّز إلى حَيِّز آخر، وحين يقول سبحانه إنه أرسل الرياح؛ نجد أنها مُرْسلَة من كُلّ مكان إلى كُلّ مكان؛ فهي مُرْسَلة من هنا إلى هناك، ومن هناك إلى هنا. وهكذا يكون كل مكان؛ هو موقع لإرسال الرياح؛ وكل مكان هو موقع لاستقبالهم؛ ولذلك نجد الرياح وهي تسير في دَوْرة مستمرة؛ ولو سكنتْ لمَا تحرَّك الهواء، ولأُصِيبتْ البشرية بالكثير من الأرض؛ ذلك أن الرياح تُجدّد الهواء، وتُنظِّف الأمكنة من الرُّكود الذي يُمكِن أن تصيرَ إليه. ونعلم أن القرآن حين يتكلم عن الرياح بصيغة الجمع فهو حديث عن خير، والمثل هو قول الحق سبحانه: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ... ﴾ [الأعراف: ٥٧] أما إذا أُفرد وجاء بكلمة «ريح» فهي للعذاب، مثل قوله: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦] وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ ... ﴾ [الحجر: ٢٢] ولواقح جمع لاقحة، وتُطلَق في اللغة مرَّة على الناقة التي في بطنها جنين؛ ومرة تُطلَق على اللاقح الذي يلقح الغير ليصير فيه جنين؛ لأن الحق سبحانه شاء أن يتكاثر كل ما في الكون؛ وجعل

стр. 8872

من كُلٍّ زوجين اثنين؛ إما يتكاثر أو تتولد منه الطاقة؛ كالسالب والموجب في الكهرباء. وهو القائل سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا ... ﴾ [يس: ٣٦] ثم عَدَّد لنا فقال: ﴿ ... مِمَّا تُنبِتُ الأرض وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٢] وهناك أشياء لا يُدركها الإنسان مثل شجرة الجُمَّيز؛ التي لا يعلم الشخص الذي لم يدرس علم النبات كيف تتكاثر لتنبت وتُثمِر، ويعلم العالِم أن هناك شجرةَ جُميز تلعب دور الأنثى، وشجرةً أخرى تلعب دور الذَّكَر. وكذلك شجرة التوت؛ وهناك شجرة لا تُعرَف فيه الأنثى من الذَّكر؛ لأنه مكمور توجد به الأُنثى والذَّكَر، وقد لا تعرف أنت ذلك؛ لأن الحق سبحانه جعل اللُّقاحةَ خفيفةً للغاية؛ لتحملَها الريحُ من مكان إلى مكان. ونحن لم نَرَ كيف يتم لقاح شجرة الزيتون؛ أو شجرة المانجو، أو شجرة الجوافة، وذلك لنأخذ من ذلك عبرةً على دِقّة صَنْعته سبحانه. والمثَل الذي أضربه دائماً هو المياه التي تسقط على جبلٍ ما؛ وبعد أيام قليلة تجد الجبل وقد امتلأ بالحشائش الخضراء؛ ومعنى هذا أن الجبل كانت توجد به بذور تلك الحشائش التي انتظرتْ الماء لِتُنبت.

стр. 8873

وتعرّف العلماء على أن الذكورة بعد أن تنضج في النبات فهي تنكشف وتنتظر الرياح والجو المناسب والبيئة المناسبة لتنقلها من مكان إلى مكان. ولهذا نجد بعضاً من الجبال وهي خضراء بعد هبوب الرياح وسقوط المطر؛ ذلك أن حبوب اللقاح انتقلت بالرياح، وجاء المطر لتجد النباتات فرصةً للنمو. وقد تجد جبلاً من الجبال نصفه أخضر ونصفه جَدْب؛ لأن الرياحَ نقلتْ للنصف الأخضر حبوبَ اللقاح، ولم تنقل الحبوب للنصف الثاني من الجبل؛ ولذلك نجد الحق سبحانه قد جعل للرياح دورةً تنتقل بها من مكان لمكان، وتدور فيها بكل الأماكن. ويتابع سبحانه في نفس الآية: ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً ... ﴾ [الحجر: ٢٢] وقد تبيّن لنا أن المياه نفسها تنشأ من عملية تلقيح؛ وبه ذكورة وأنوثة. وفي هذا المعنى يقول الحق سبحانه: ﴿ ... فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢] أي: أنكم لن تخزنوا المياه لأنكم غير مأمونين عليه، وإذا كان الله قد هدانا إلى أن نخزنَ المياه، فذلك من عطاء الله؛ فلا يقولنّ أحد: لقد بنينا السدود؛ بل قُلْ: هدانا الله لِنبنيها؛ بعد أن يسقطَ المطر؛ ذلك أن المطر لو لم يسقط لَمَا استطعنا تخزينَ المياه.

стр. 8874

وعلى هذا يكون سبحانه هو الذي خزنَ المياه حين أنزله من السماء بعد أنْ هدانا لنبنيَ السدود. وأنت حين تريد كوباً من الماء المُقطّر؛ تذهب إلى الصيدلي لِيُسخِّن الماء في جهاز مُعيّن؛ ويُحوّله إلى بخار، ثم يُكثّف هذا البخار لِيصِيرَ ماء مُقطّراً، وكل ذلك يتمّ في الكون، وأنت لا تدري به. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ ... ﴾

стр. 8875

وفي ظاهر الأمر كان من المُمْكِن أن يقول الحق: «إنّا نُميت ونُحيي» ؛ لأنه سبحانه يخاطبنا ونحن أحياء، ولكن الحق سبحانه أراد بهذا القول أن يلفتنا أن ننظر إلى الموت الأول، وهو العدم المَحْض الذي أنشأنا منه، وهو سبحانه القائل: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] والكلام في تفصيل الموت يجب أن نُفرّق فيه بين العدم المَحْض والعدم بعد وجود؛ فالعدم المَحْض هو ما كان قبل أن نُخلَق؛ ثم أوجدنا الله لنكون أحياء؛ ثم يميتنا من بعد ذلك، ثم يبعثنا من بعد ذلك للحساب. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يكون الكلام عن الموت الذي يحدث بعد أن يهبَنا اللهُ الحياةُ، ثم نقضي ما كتبه لنا من أجَل. ثم يُذيِّل الحق سبحانه الآية بقوله:

стр. 8876

﴿ ... وَنَحْنُ الوارثون﴾ [الحجر: ٢٣] وهذا القول يعني أن هناك تركة كبيرة؛ وهي هذا الكون الذي خلقه سبحانه ليستخلفنا فيه. ونحن لم نُضِفْ شيئاً لهذا الكون الذي خلقه الله؛ لأنك إنْ نظرتَ إلى كمية المياه أو الغذاء التي في الكون، وكُل مقومات الحياة لَمَا وجدتَ شيئاً يزيد أو ينقص؛ فالماء تشربه لِيرويِكَ، ثم يخرج عرقاً وبولاً؛ ومن بعد الموت يتحلّل الجسم ليتبخرَ منه الماء، وهذا يجري على كل الكائنات. وحين يتناول الحق سبحانه في هذه الآية أَمْر الموت والحياة وعودة الكون في النهاية إلى مُنْشئِه سبحانه؛ فهو يُحدّثنا عن أمرين يعتوران حياة كل موجود؛ هما الحياة والموت، وكلاهما يجري على كُلِّ الكائنات؛ فكُلّ شيء له مدة يَحْياها، وأجل يقضيه. وكل شيء يبدأ مهمة في الحياة فهو يُولّد؛ وكل شيء يُنهِي مهمته في الحياة بحسب ما قدره الله له فهو يموت؛ وإنْ كنا نحن البشر بحدود إدراكنا لا نعي ذلك. وهو سبحانه القائل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ... ﴾ [القصص: ٨٨]

стр. 8877

إذن: فكُلّ شيء يُطلَق عليه «شيء» مصيره إلى هلاك؛ ومعنى ذلك أنه كان حياً؛ ودليلنا على أنه كان حياً هو قول الحق: ﴿لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ ... ﴾ [الأنفال: ٤٢] وهكذا نعلم أن كل ما له مهمة في الحياة له حياة تناسبه؛ وفَوْر أن تنتهي المهمة فهو يهلك ويموت، والحق يرث كل شيء بعد أن يهلك كل مَنْ له حياة، وهو سبحانه القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] وهو بذلك يرث التارك والمتروك؛ وهو الخالق لكل شيء. ويختلف ميراث الحق سبحانه عن ميراث الخَلْق؛ بأن المخلوق حين يرث آخر؛ فهو يُودِعه التراب أولاً، ثم يرث ما ترك؛ أما الحق سبحانه فهو يرث الاثنين معاً، المخلوق وما ترك. ولذلك نحن نرى مَنْ يعز عليهم ميت؛ قد يُمسِكون بالخشبة التي تحمل الجثة، ويرفضون من فَرْط المحبة أن تخرج من منزله؛ ولو تركناه لهم لمدة أسبوع ورمّت الجثة؛ سيتوسّلون لِمَنْ يحمل الجثث أن يحملَه لِيُوارِيه التراب، ثم يبدأون في مناقشة ما يرثونه من الفقيد. وهم بذلك يَرِثون المتروك بعد أن أودعوا التارك للتراب، وإذا كان التارك من الذين أحسنوا الإيمان والعمل فيدخل حياة جديدة هي أرغد بالتأكيد من حياته الدنيا؛ ولَسوفَ يأكل ويشرب دون أن يتعبَ، وكل ما تمر على ذهنه رغبة فهي تتحقّق له، فهو في ضيافة المُنعِم الأعلى.

стр. 8878

ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين ... ﴾

стр. 8879

والمُستقدم هو مَنْ تقدّم بالحياة والموت؛ وهم مَنْ قبلنا من بشر وأُمَم. والمُسْتأخِر هو مَنْ سيأتي من بعدنا. وسبحانه يعلَمُنَا بحكم أنه علم من قَبْل كلّ مستأخر؛ أي: أنه عَلِم بنا من قبل أنْ نُوجد؛ ويعلم بنا من بَعْد أن نرحلَ؛ فعِلْمه كامل وأزليّ؛ وفائدة هذا العلم أنه سيترتب عليه الجزاء؛ فنحن حين أخذنا الحياة والرزق لم نُفلت بهما بعيداً؛ بل نجد الله قد عَلم أزلاً بما فعل كل مِنّا. وهناك مَنْ يقول إن هناك معنًى آخر؛ بأن الحق سبحانه يكتب مَنْ يسرع إلى الصلاة ويتقدم إليها فَوْر أن يسمع النداء لها، ويعلم

стр. 8880

مَنْ يتأخر عن القيام بأداء الصلاة، ذلك أن تأثير كلمة «الله اكبر» فيها من اليقظة والانتباه ما يُذكّرنا بأن الله أكبر من كُلِّ ما يشغلك. ونعلم أن من إعجازات الأذان أنه جعل النداء باسم «الله أكبر» ؛ ولم يَقُلْ: الله كبير؛ وذلك احتراماً لما يشغلنا في الدنيا من موضوعات قد نراها كبيرة؛ ذلك أن الدنيا لا يجب أن تُهَان؛ لأنها المَعْبر إلى الجزاء القادم في الآخرة. ولذلك أقول دائماً: إن الدنيا أهم من أن تُنسَى؛ وفي نفس الوقت هي أتفه من أنْ تكون غاية، فأنت في الدنيا تضرب في الأرض وتسعى لِقُوتِك وقُوتِ مَنْ تعول؛ وليُعينك هذا القوتُ على العبادة. لذلك فلا يحتقر أحد الدنيا؛ بل ليشكر الله ويدعوه أنْ يوُفّقه فيها، وأن يبذلَ كل جَهْد في سبيل نجاحه في عمله؛ فالعمل الطيب ينال عليه العبدُ حُسْن الجزاء؛ وفَوْر أن يسمعَ المؤمن «الله أكبر» ؛ فعليه أن يتجهَ إلى مَنْ هو أكبر فعلاً، وهو الحق سبحانه، وأن يؤدي الصلاة. هذا هو المعنى المُستقى من المستقدِم للصلاة والمُسْتأخِر عنها. وهناك من العلماء مَنْ رأى ملاحظَ شتَّى في الآية الكريمة فمعناها قد يكون عاماً يشمل الزمن كله؛ وقد تكون بمعنى خاص كمعنى المستقدم للصلاة والمستأخِر عنها. وقد يكون المعنى أشدَّ خصوصية من ذلك؛ فنحن حين نُصلّي نقف صفوفاً، ويقف الرجال أولاً؛ ثم الأطفال؛ ثم النساء؛ ومن

стр. 8881

الرجال مَنْ يتقدّم الصفوف كَيْلا تقع عيونه على امرأة؛ ومنهم مَنْ قد يتحايل ويقف في الصفوف الأخيرة ليرى النساء؛ فأوضح الحق سبحانه أن مثل هذه الأمور لا تفوت عليه، فهو العالم بالأسرار وأخفى منها. أو: أن يكون المعنى هو المُستقدمين إلى الجهاد في سبيل الله أو المتأخرين عن الجهاد في سبيله. ومَنْ يموت حَتْف أنفه أي: على فراشه لا دَخْلَ له بهذه المسألة. أما إنْ دعا داعي الجهاد، ويُقدِّم نفسه للحرب ويُقاتل وينال الشهادة، فالحق يعلم مَنْ تقدّم إلى لقائه محبةً وجهاداً لِرفعة شأن الدين. وقد يكون في ظاهر الأمر وفي عيون غيره مِمَّنْ يكرهون الحياة؛ ولكنه في حقيقة الأمر مُحِبّ للحياة بأكثر مِمَّنْ يدّعون حُبّها؛ لأنه امتلك اليقين الإيماني بأن خالقَ الدنيا يستحق أن ينالَ الجهاد في سبيل القِيم التي أرادها منهاجاً ينعدل به ميزان الكون؛ وإن استشهد فقد وعده سبحانه الخُلْد في الجنة ونعيمها. «ونجد أبا بكر الصديق ﵁ وهو يقول لرسول

стр. 8882

الله ﷺ َ: ادْعُ لي يا رسول الله أن أستشهد؛ فيردّ عليه النبي الكريم:» متعنا بنفسك يا أبا بكر «. وعلى ذلك لا يكون المستأخر هنا محلَّ لَوْم؛ لأن الإيمان يحتاج لِمَنْ يصونه ويُثبّته؛ كما يحتاج إلى مَنْ يؤكد أن الإيمان بالله أعزُّ من الحياة نفسها؛ وهو المُتقدّم للقتال، وينال الشهادةَ في سبيل الله. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ ... ﴾

стр. 8883

أي: أن المُتولّي تربيتك يا محمد لن يترك مَنْ خاصموك وعاندوك، وأهانوك وآذوْكَ دون عقاب. وكلمة: ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ [الحجر: ٢٥] تكفي كدليل على أن الله يقفُ لهم بالمرصاد، فهم قد أنكروا البعث؛ ولم يجرؤ أحدهم أن يُنكِر الموت، وإذا كان الحق سبحانه قد سبق وعبَّر عن البعث بقوله الحق: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلك لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦]

стр. 8884

فهم كانوا قد غفلوا عن الإعداد لِمَا بعد الموت، وكأنهم يشكُّون في أنه قادم، وجاء لهم بخبر الموت كأمر حتميّ، وسبقتْه (هو) لتؤكد أنه سوف يحدث، فالحشر منسوب لله سبحانه، وهو قادر عليه، كما قدر على الإحياء من عدم، فلا وَجْهَ للشك أو الإنكار. ثم جاء لهم بخبر البعث الذي يشكُّون فيه؛ وهو أمر سبق وأنْ ساق عليه سبحانه الأدلة الواضحة. ولذلك جاء بالخبر المصحوب بضمير الفصل: ﴿يَحْشُرُهُمْ ... ﴾ [الحجر: ٢٥] وسبحانه يُجرِي الأمور كلها بحكمة واقتدار، فهو العليم بما تتطلبه الحكمة عِلْماً يحيط بكل الزوايا والجهات. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان ... ﴾

стр. 8885

وسبحانه يتكلّم هنا عن خَلْق الإنسان من بعد أن تكلم عن خَلْق الكون وما أعدَّه له فيه، وليستقبل الكون الخليفةَ لله؛ فيوضح أنه قد خلقه من الصَّلصال، وهو الطين اليابس. وجاء سبحانه بخبر الخَلْق في هذه السورة التي تضمنت خبر

стр. 8886

مَدِّ الأرض؛ ومَجِيء الرياح، وكيفية إنزال الماء من السماء؛ وكيف قَدَّر في الأرض الرزق، وجعل في الأرض رواسي، وجعل كُلّ شيء موزوناً. وهو سبحانه قد استهلَّ السورة بقوله: ﴿ ... تِلْكَ آيَاتُ الكتاب وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ١] أي: أنه افتتح السورة بالكلام عن حارس القِيم للحركة الإنسانية؛ ثم تكلّم عن المادة التي منها الحياة؛ وبذلك شمل الحديثُ الكلام عن المُقوِّم الأساسي للقيم وهو القرآن، والكلام عن مُقوِّم المادة؛ وكان ذلك أمراً طبيعياً؛ ودَلّلْتُ عليه سابقاً بحديثي عن مُصمِّم أي جهاز من الأجهزة الحديثة؛ حيث يحدد أولاً الغرض منه؛ ثم يضع جدولاً وبرنامجاً لصيانة كل جهاز من تلك الأجهزة. وهكذا كان خَلْق الله للإنسان الذي شاء له سبحانه أن يكون خليفته في الأرض، ووضع له مُقوِّمات مادة ومُقوّمات قِيم؛ وجاء بالحديث عن مُقوِّمات القِيَم أولاً؛ لأنها ستمدّ حياة الإنسان لتكون حياة لا تنتهي، وهي الحياة في الدنيا والآخرة. وهذا القول يُوضِّح لنا أن آدم ليس هو أول من استعمر الأرض؛ بل كان هناك خَلْق من قَبْل آدم، فإذا حدَّثنا علماء الجيولوجيا والحفريات عن أن هناك ما يدل على وجود بعض من الكائنات المطمورة تثبت أنه كانت هناك حياة منذ خمسين ألف قرن من الزمان. فنحن نقول له: إن قولك صحيح.

стр. 8887

وحين يسمع البعض قَوْل هؤلاء العلماء يقولون: لا بُدَّ أن تلك الحيوانات كانت موجودة في زمن آدم ﵇، وهؤلاء يتجاهلون أن الحق سبحانه لم يَقُلْ لنا أن آدم هو أول مَنْ عَمَر الأرض، بل شاء سبحانه أن يخلقنا ويعطينا مهمة الاستخلاف في الأرض. والحق سبحانه هو القائل: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦ - ١٧] أي: أن خَلْق غيرنا أمر وارد، وكذلك الخَلْق من قبلنا أمرٌ وارد. ونعلم أن خَلْق آدم قد أخذ لقطات متعددة في القرآن الكريم؛ تُؤدّي في مجموعها إلى القصة بكل أحداثها وأركانها، ولم يكُنْ ذلك تكراراً في القرآن الكريم، ولكن جاء القرآن بكل لَقْطة في الموقع المناسب لها؛ ذلك أنه ليس كتاب تاريخ للبشر؛ بل كتاب قِيَم ومنهج، ويريد أن يُؤسّس في البشر القيم التي تحميهم وتصونهم من أيّ انحراف، ويريد أن يُربِّيَ فيهم المهابة. وقد تناول الحق سبحانه كيفية خَلْق الإنسان في الكثير من سُور القرآن: البقرة؛ الأعراف؛ الحجر؛ الإسراء؛ الكهف؛ وسورة ص. قال سبحانه على سبيل المثال في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]

стр. 8888

وجاء هذا القول من الله للملائكة ساعةَ خَلْق الله لآدم، من قبل أن تبدأ مسألة نزول آدم للأرض. وقد أخذتْ مسألة خَلْق الإنسان جدلاً طويلاً من الذين يريدون أن يستدركوا على القرآن متسائلين: كيف يقول مرة: إن الإنسان مخلوق من ماء؛ ومرة من طين؛ ومرة من صلصال كالفخار؟ ونقول: إن ذلك كله حديث عن مراحل الخَلْق، وهو سبحانه أعلم بمَنْ خلق، كما خلق السماوات والأرض، ولم يُشهِد الحق أحداً من الخلق كيف خلق المخلوقات: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] ومن رحمته سبحانه أنه ترك في مُحسَّات الحياة وماديتها ما يُثبِت صِدْقه في غيبيّاته؛ فإذا قال مرّة: إنه خلق كل شيء من الماء؛ فهو صادق فيما قال؛ لأن الماء يُكوِّن أغلبَ الجسد البشري على سبيل المثال. وإذا أوضح أنه خلق الإنسان من طين، فالتراب إذا اختلط بالماء صار طيناً، وإذا مرّ على الطين وقتٌ صار صلصالاً، وإذا قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]

стр. 8889

وكُلُّ هذا من الأمور الغيبية؛ التي يشرحها لنا نقضُها في الواقع المادي الملموس، فحين يحدث الموت وهو نَقْض الحياة نجد الروح هي أول ما يخرج من الجسم؛ وكانت هي آخر ما دخل الجسم أثناء الخَلْق. ومن بعد ذلك تبدأ الحيوية في الرحيل عن الجثمان؛ فيتحول الجثمان إلى ما يشبه الصَّلْصال؛ ثم يتبخّر الماء من الجثمان؛ ليصير من بعد ذلك تراباً. وهكذا نشهد في الموت نقض الحياة كيفية بَدْء مراحل الخَلْق وهي معكوسة؛ فالماء أولاً ثم التراب؛ ثم الطين؛ ثم الصلصال الذي يشبه الحمأ المسنون؛ ثم نَفْخ الروح. وقد صدق الحق سبحانه حين أوضح لنا في النقيض المادي، ما أبلغنا عنه في العالم الغيب. وعلى ذلك أيضاً نجد أن الذين يضعون التكهنات بأن الشمس خُلِقَتْ قبل الأرض؛ وكانت الأرض جزءاً من الشمس ثم انفصلت عنها؛ على هؤلاء أن يعلموا أن ما يقولونه هو أمر لم يشاهدوه، وهي أمور لا يمكن أن يدرسها أحد في معمل تجريبي؛ وقد قال القرآن عن أهل هذا اللغو: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السماوات والأرض وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين عَضُداً﴾ [الكهف: ٥١] وهم قد أعانوا على تأكيد إعجازية القرآن الذي أسماهُم المُضلِّين؛ لأنهم يغوون الناس عن الحق إلى الباطل.

стр. 8890

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ... ﴾

стр. 8891

ونعلم أن كلمة (السَّمُوم) هي اللهب الذي لا دُخانَ له، ويُسمّونه «السَّموم» لأنه يتلصَّص في الدخول إلى مسَامِّ الإنسان. وهكذا نرى أن للعنصر تأثيراً في مُقوِّمات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات الطينية، والمخلوق من نارٍ له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخفَّ وأشدَّ من قانون الإنس. والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ... ﴾ [الأعراف: ٢٧] وهكذا نعلم أن قانون خَلْق الجن من عنصر النار التي لا لهبَ لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان. ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيريةً أو أفضلية، لأن المهام حين تتعدد في الأشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات. والمَثلُ على ذلك هو غلبة مَنْ عنده عِلْم بالكتاب على عفريت الجن؛ حين سأل سليمان ﵇ عمَّن يأتيه بعرش بلقيس: ﴿قَالَ ياأيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨]

стр. 8892

وقال عفريت من الجن: إنه قادر على أن يأتي بالعرش قبل أن يقومَ سليمان من مُقَامه، ولكن مَنْ عنده عِلْم بالكتاب قال: إنه قادر أنْ يأتيَ بعرش بلقيس قبل أن يرتدَّ طَرْف سليمان؛ وهكذا غلب مَنْ عنده علم بالكتاب قدرة عفريت الجن. وقد قصَّ علينا الحق سبحانه هذا في كتابه الكريم، فقال: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ... ﴾ [النمل: ٣٩ - ٤٠] ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ ... ﴾

стр. 8893

وعرفنا في مواقع متفرقة من خواطرنا كيف نفهم هذه الآية. ونعلم أن البشر في زماننا حين يريدون صُنْع تمثال ما، فَهُم يَخْلِطون التراب بالماء ليصير طيناً؛ ثم يتركونه إلى أنْ يختمرَ، ويصيرَ كالصَّلْصَال، ومن بعد ذلك يُشكل المَثَّالُ ملامح مَنْ يُريد أن يصنع له تمثالاً. والتماثيل تكون على هيئة واحدة، ولا قدرةَ لها، عَكْس الإنسان المخلوق بيد الله، والذي يملك بفعل النفْخ فيه من روح الله ماَ لاَ

стр. 8894

يملكه أيُّ كائن صنعتْه مهارة الإنسان؛ ذلك أن إعجازَ وطلاقةَ قدرةِ الخالق لا يمكن أن تستوي مع قدرة المخلوق المحدودة. وهناك حديث يقول فيه ﷺ َ: «خلق الله آدم على صورته، ستون ذراعاً» . واختلف العلماء في مرجع الضمير في هذا الحديث؛ أيعود إلى صورة آدم؟ أم يعود إلى آدم؟ فمن العلماء من قال: إن الضمير يعود إلى آدم؛ بمعنى أن الله لم يخلقه طفلا، ثم كبر؛ بل خلقه على الصورة الناضجة؛ وتلفَّت آدم فوجد نفسه على تلك الصورة الناضجة؛ وأنه لم يكُنْ موجوداً من قبل ذلك بساعة؛ لذلك تلفَّت إلى المُوجِد له. والذين قالوا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان على صورته، وأن الضمير يعود إلى الله؛ فذلك لأن الحق قد جعل الإنسان خليفة له في الأرض؛ وأعطاه من قدرته قدرةً؛ ومن عِلْمه علماً؛ ومن حكمته حكمة، ومن قاهريته قهراً. ولذلك يقول ﷺ َ: «تخلقوا بأخلاق الله» . فخلق آدم داخلٌ في كينونته. يقول الحق:

стр. 8895

﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وأمام الكينونة ينتفي التعليل، ولم يبق إلا الإيمان بالخالق. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ ... ﴾
следующие страницы →