← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

ونعلم أن كلمة (السَّمُوم) هي اللهب الذي لا دُخانَ له، ويُسمّونه «السَّموم» لأنه يتلصَّص في الدخول إلى مسَامِّ الإنسان. وهكذا نرى أن للعنصر تأثيراً في مُقوِّمات حياة الكائنات، فالمخلوق من طين له صفات الطينية، والمخلوق من نارٍ له صفات النارية؛ ولذلك كان قانون الجن أخفَّ وأشدَّ من قانون الإنس. والحق سبحانه يقول: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ... ﴾ [الأعراف: ٢٧] وهكذا نعلم أن قانون خَلْق الجن من عنصر النار التي لا لهبَ لها يوضح لنا أن له قدرات تختلف عن قدرات الإنسان. ذلك أن مهمته في الحياة تختلف عن مهمة الإنسان، ولا تصنع له خيريةً أو أفضلية، لأن المهام حين تتعدد في الأشياء؛ تمنع المقارنة بين الكائنات. والمَثلُ على ذلك هو غلبة مَنْ عنده عِلْم بالكتاب على عفريت الجن؛ حين سأل سليمان ﵇ عمَّن يأتيه بعرش بلقيس: ﴿قَالَ ياأيها الملأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣٨]

стр. 8892

وقال عفريت من الجن: إنه قادر على أن يأتي بالعرش قبل أن يقومَ سليمان من مُقَامه، ولكن مَنْ عنده عِلْم بالكتاب قال: إنه قادر أنْ يأتيَ بعرش بلقيس قبل أن يرتدَّ طَرْف سليمان؛ وهكذا غلب مَنْ عنده علم بالكتاب قدرة عفريت الجن. وقد قصَّ علينا الحق سبحانه هذا في كتابه الكريم، فقال: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الجن أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ قَالَ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي ... ﴾ [النمل: ٣٩ - ٤٠] ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ ... ﴾

стр. 8893

وعرفنا في مواقع متفرقة من خواطرنا كيف نفهم هذه الآية. ونعلم أن البشر في زماننا حين يريدون صُنْع تمثال ما، فَهُم يَخْلِطون التراب بالماء ليصير طيناً؛ ثم يتركونه إلى أنْ يختمرَ، ويصيرَ كالصَّلْصَال، ومن بعد ذلك يُشكل المَثَّالُ ملامح مَنْ يُريد أن يصنع له تمثالاً. والتماثيل تكون على هيئة واحدة، ولا قدرةَ لها، عَكْس الإنسان المخلوق بيد الله، والذي يملك بفعل النفْخ فيه من روح الله ماَ لاَ

стр. 8894

يملكه أيُّ كائن صنعتْه مهارة الإنسان؛ ذلك أن إعجازَ وطلاقةَ قدرةِ الخالق لا يمكن أن تستوي مع قدرة المخلوق المحدودة. وهناك حديث يقول فيه ﷺ َ: «خلق الله آدم على صورته، ستون ذراعاً» . واختلف العلماء في مرجع الضمير في هذا الحديث؛ أيعود إلى صورة آدم؟ أم يعود إلى آدم؟ فمن العلماء من قال: إن الضمير يعود إلى آدم؛ بمعنى أن الله لم يخلقه طفلا، ثم كبر؛ بل خلقه على الصورة الناضجة؛ وتلفَّت آدم فوجد نفسه على تلك الصورة الناضجة؛ وأنه لم يكُنْ موجوداً من قبل ذلك بساعة؛ لذلك تلفَّت إلى المُوجِد له. والذين قالوا: إن الحق سبحانه خلق الإنسان على صورته، وأن الضمير يعود إلى الله؛ فذلك لأن الحق قد جعل الإنسان خليفة له في الأرض؛ وأعطاه من قدرته قدرةً؛ ومن عِلْمه علماً؛ ومن حكمته حكمة، ومن قاهريته قهراً. ولذلك يقول ﷺ َ: «تخلقوا بأخلاق الله» . فخلق آدم داخلٌ في كينونته. يقول الحق:

стр. 8895

﴿إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] وأمام الكينونة ينتفي التعليل، ولم يبق إلا الإيمان بالخالق. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ ... ﴾

стр. 8896

والتسوية تعني جَعْل الشيء صالحاً للمهمة التي تُرَاد له. وشاء سبحانه أن يُسوِّيَ الإنسان في صورة تسمح لنفخ الروح فيه. والنفخ من روح الله لا يعني أن النفخ قد تَمَّ بدفع الحياة عن طريق الهواء في فَمِ آدم، ولكن الأمر تمثيلٌ لانتشار الروح في جميع أجزاء الجسد. وقد اختلف العلماء في تعريف الروح، وأرى أنه من الأسلم عدم الخوض في ذلك الأمر؛ لأن الحق سبحانه هو القائل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الروح قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ العلم إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٨٥] ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك:

стр. 8897

﴿فَسَجَدَ الملائكة ... ﴾

стр. 8898

وقد سجدوا جميعاً في حركة واحدة؛ ذلك أنه لا اختيارَ لهم في تنفيذ ما يُؤمرون به، فمن بَعْد أن خلق اللهُ آدمَ جاء تكريم الحق سبحانه له بقوله للملائكة: ﴿اسجدوا لأَدَمََ ... ﴾ [طه: ١١٦] وسجدت الملائكة التي كلَّفها الله برعاية وتدبير هذا المخلوق الجديد، وهم المُدبِّرات أمراً والحفظة، ومَنْ لهم علاقة بهذا المخلوق الجديد. وقوله الحق: ﴿ ... فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] يعني أن عملية السجود قد حدثت بصورة مباشرة وحاسمة وسريعة، وكان سجودهم هو طاعة للآمر الأعلى؛ لا طاعة لآدم. وقول الحق سبحانه: ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] يعني الملائكة الأعلى من البشر، ذلك أن هناك ملائكةً أعلى منهم؛ وهم الملائكة المُهِيمون المتفرِّغون للتسبيح فقط. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن ... ﴾

стр. 8899

وهكذا جاء الحديث هنا عن إبليس؛ بالاستثناء وبالعقاب الذي

стр. 8900

نزل عليه؛ فكأن الأمرَ قد شَمله، وقد أخذتْ هذه المسألة جدلاً طويلاً بين العلماء. وكان من الواجب أن يحكمَ هذا الجدلَ أمران: الأمر الأول: أن النصَّ سيد الأحكام. والأمر الثاني: أن شيئاً لا نصَّ فيه؛ فنحن نأخذه بالقياس والالتزام. وإذا تعارض نصٌّ مع التزام؛ فنحن نُؤول الالتزام إلى ما يُؤول النص. وإذا كان إبليس قد عُوقِب؛ فذلك لأنه استثنى من السجود امتناعاً وإباءً واستكباراً؛ فهل هذا يعني أن إبليس من الملائكة؟ لا. ذلك أن هناك نصاً صريحاً يقول في الحق سبحانه: ﴿فسجدوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجن فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ... ﴾ [الكهف: ٥٠] وهكذا حسم الحق سبحانه الأمر بأن إبليس ليس من الملائكة؛ بل هو من الجنّ؛ والجن جنس مختار كالإنس؛ يمكن أن يُطيع، ويمكن أن يَعصِي. وكونه سَمِع الأمر بالسجود؛ فمعنى ذلك أنه كان في نفس الحَضْرة للملائكة؛ ومعنى هذا أنه كان من قبل ذلك قد التزم التزاماً

стр. 8901

يرفعه إلى مستوى الحضور مع الملائكة؛ ذلك أنه مُخْتار يستطيع أن يطيع، ويملك أن يعصي، ولكن التزامه الذي اختاره جعله في صفوف الملائكة. وقالت كتب الأثر: إنهم كانوا يُسمُّونه طاووس الملائكة مختالاً بطاعته، وهو الذي وهبه الله الاختيار، لأنه قدر على نفسه وحمل نفسه على طاعة ربه، لذلك كان مجلسه مع الملائكة تكريماً له؛ لأنه يجلس مع الأطهار، لكنه ليس مَلاكاً. وبعض العلماء صَنَّفوه بمُسْتوًى أعلى من الملائكة؛ والبعض الآخر صَنَّفه بأنه أقلُّ من الملائكة؛ لأنه من الجنِّ؛ ولكن الأمر المُتفق عليه أنه لم يكُنْ ملاكاً بنصِّ القرآن، وسواء أكان أعلى أم أَدْنى، فقد كان عليه الالتزام بما يصدر من الحق سبحانه. ونجد الحق سبحانه وهو يعرض هذه المسألة، يقول مرة (أبىَ) ، ومرة (استكبر) ، ومرة يجمع بين الإباء والاستكبار.

стр. 8902

والإباء يعني أنه يرفض أن ينفذ الأمر بدون تعال. والاستكبار هو التأبِّي بالكيفية، وهنا كانت العقوبة تعليلاً لعملية الإباء والاستكبار، وكيف ردّ أمر الحق أورده سبحانه مرة بقول إبليس: ﴿ ... لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣] وقوله: ﴿قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين﴾

стр. 8903

وتقول «ما لك؟» في الشيء العجيب الذي تريد أن تعرف كيف وقع، وكأن هذا تساؤلٌ عن أمر مخالف لِمَا اختاره إبليس؛ الذي وهبه الله خاصية الاختيار، وقد اختار أن يكون على الطاعة. ولنلحظ أن المتكلم هنا هو الله؛ وهو الذي يعلم أنه خلق إبليس بخاصية الاختيار؛ فله أن يطيعَ، وله أنْ يعصيَ. وهو سبحانه هنا يُوضِّح ما علمه أزلاً عن إبليس؛ وشاء سبحانه إبراز هذا ليكون حجة على إبليس يوم القيامة. ويتابع سبحانه: ﴿قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ... ﴾

стр. 8904

وهكذا أفصح إبليس عما يُكِنّه من فَهْم خاطئ لطبيعة العناصر؛ فقد توهَّم أن الطينَ والصلصال أقلُّ مرتبة من النار التي خلقه منها الله. وامتناع إبليس عن السجود إذن امتناع مُعلَّل؛ وكأن إبليس قد فَهِم أن عنصر المخلوقية هو الذي يعطي التمايز؛ وتجاهل أن الأمر هو إرادة المُعنصِر الذي يُرتِّب المراتب بحكمته، وليس على هَوى أحدٍ من المخلوقات. ثم من قال: إن النارَ أفضلُ من الطين؟ ونحن نعلم أنه لا يُقال في شيء إنه أفضل من الآخر إلا إذا استوتْ المصلحة فيهما؛ والنار لها جهة استخدام، والطين له استخدام مختلف؛ وأيٌّ منهما له مهمة تختلف عن مهمة الآخر. ومن توجيه الله في فضائل الخَلْق أن مَنْ يطلي الأشياء بالذهب لا يختلف عنده سبحانه عن الذي يعجن الطين ليصنعَ منه الفخار، فلا يفضلُ أحدهما الآخرَ إلا بإتقان مهمته. وهكذا أفصح إبليس أن الذي زَيَّن له عدم الامتثال لأمر السجود هو قناعته بأن هناك عنصراً افضل من عنصر. ويأتي الأمر بالعقاب من الحق سبحانه؛ فيقول تعالى: ﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا ... ﴾

стр. 8905

وهكذا صدر الأمر بطرْدِ إبليس من حضرة الله بالملأ الأعلى؛ وصدر العقاب بأنه مطرود من كل خَيْر، وأَصْل المسألة أنها الرَّجْم بالحجارة.

стр. 8906

وقد حدث ذلك لردِّه أمر الله سبحانه، واستكباره، ولقناعته أن النار التي خُلِق منها أفضلُ من الطين الذي خُلِق منه آدم، ولم يلتفت إلى أن لكل مخلوق مُهمة، وكل كائن يؤدي مُهِمته هو مُساوٍ للآخر. وقد شاء الحق سبحانه ذلك ليزاول كل كائن الأسباب التي وُجِد من أجلها؛ فآدم قد خلقه الله ليجعله خليفة في الأرض؛ ذلك أنه سبحانه يباشر الأمر في السَّببيات بواسطة ما خلق. فالنار على سبيل المثال تتسبَّب في إنضاج الطعام؛ لأنه سبحانه هو الذي شاء ذلك، وجعلها سبباً في إنضاج الطعام. ومزاولة الحق سبحانه لأشياء كثيرة في المُسبِّبات معناه أن المخلوقات تُؤدِّي المهامَّ التي أرادها سبحانه لها في الوجود. والمؤمن الحق هو مَنْ يرى في الأسباب التي في الكون؛ أنها عطاء من الله، وأن يده مَمْدودة له بتلك الأسباب. وبعد أن طرد الحق سبحانه إبليس من حضرته سيُقرر سبحانه الحكم الذي أصدره عليه في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة ... ﴾

стр. 8907

وفي هذا القول ما يؤكد أن الجن أيضاً يموتون؛ ولهم آجَال مثلنا، وفي هذا الحكم بالطرد تأكيدٌ على أنه سبحانه لن يُوفِّقه إلى توبة، ولا يعفو عنه في النهاية.

стр. 8908

ولكن إبليس يحاول الالتفاف؛ فيأتي ما جاء على لسانه: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي ... ﴾

стр. 8909

وكأن إبليس بهذا القول أراد أن يُفْلِتَ من الموت، ولكن مثل هذا المَكْر لا يجوز على الله أو معه، فإذا كان إبليس قد أراد أنْ يظلَّ في الدنيا إلى يوم بَعْث البشر؛ فذلك دليلٌ على أمنيته بالهروب من الموت. ويقول الحق سبحانه رداً على دعاء إبليس: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ... ﴾

стр. 8910

ولحظةَ أنْ يسمعَ إبليسُ ذلك يظن أنه قد أفلتَ من الموت؛ إذ لا مَوْتَ بعد البعث، ويتوهم أن دعوته قد أُجيبت، وكأنه قد أفلتَ بغروره الذي ظَنَّ به أن يتسع له الوقت ليأخذ الثأر من بني آدم؛ فعدم سجوده لآدم هو الذي وضعه في هذا الموقف العصيب. ولو كان إبليس يملك ذرة من وَعْي لَعِلم أن الاستكبار والتوهم بأن عنصر النار افضل من الطين هما السبب وراء ما حاق به من الطرد. ولكن تأتي من بعد ذلك مباشرة الآية التي تتضمن عدم إفلاته من الموت؛ فيقول سبحانه:

стр. 8911

﴿إلى يَوْمِ الوقت ... ﴾

стр. 8912

أي: أن إبليس سيذوق الموت أيضاً؛ لأن كل المخلوقات ستذوق الموت من قبل أن تقوم القيامة، مصداقاً لقوله الحق: ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ... ﴾ [الزمر: ٦٨] وكذلك قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] وهكذا لم يُفلتْ إبليس من الموت. ولقائل أنْ يسألَ: كيف كلّمه الله؟ ونقول: لم يُكلِّمه الله تشريفاً أو تكريماً؛ بل غلَّظ له العقاب، كما أن للحق سبحانه ملائكة يمكنهم أن يُبلِّغوا ما شاء لمَنْ شاء. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ ... ﴾

стр. 8913

وقول الشيطان: ﴿رَبِّ ... ﴾ [الحجر: ٣٩] هو إقرار بالربوبية؛ ولكن هذا الإقرار متبوع بعد الاعتراف بأنه قد سبّب لنفسه الطَّرد واللعنة؛ فقد قال: ﴿بِمَآ أَغْوَيْتَنِي ... ﴾ [الحجر: ٣٩] والحق سبحانه لم يُغوِه؛ بل أعطاه الاختيار الذي كان له به أن يؤمن ويطيع، أو يعصي ويُعاقب، فسبحانه قد مَكّن إبليس من الاختيار بين الفعل وعدم الفعل؛ فخالف إبليسُ أمرَ الله وعصاه. ويتابع إبليس: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض ... ﴾ [الحجر: ٣٩] وفي هذا إيضاح أن كُلّ وسوسة للشيطان تقتصر فقط على الحياة المترفة. وفي الأشياء التي تُدمّر العافية، كمَنْ يشرب الخمر، أو يتناول المخدرات، أو يتجه إلى كل ما يُغضب الله بالانحراف. ولذلك نجد أن مَنْ يحيا بدخْلٍ يكفيه الضرورات؛ فهو يَأْمن على نفسه من الانحراف. ونقول أيضاً لمَنْ يحاولون أن يضبطوا موازينهم المالية: إن الاستقامة لا تُكلّف؛ ولن تتجه بك إلى الانحراف. وتزيين الشيطان لن يكون في الأمور الحلال؛ لأن كل الضرورات لم يُحرِّمها الحق سبحانه؛ بل يكون التزيين دائماً في غير الضرورات، ولذلك فالاستقامة عملية اقتصادية، تُوفّر على الإنسان مشقة التكلفة العالية من ألوان الإنحراف. ولذلك نجد المسرفين على أنفسهم يحسدون مَنْ هم

стр. 8914

على الاستقامة، ويحاولون أَخْذهم إلى طريق الانحراف؛ لأن كل منحرف إنما يلوم نفسه متسائلاً: لماذا أخيب وحدي؛ ولا يخيب معي مثل هذا المستقيم؟ وتمتلئ نفسه بالاحتقار لنفسه. وكذلك كان إبليس في حُمْق رده على الله، ولكنه ينتبه إلى مكانته ومكانة ربه؛ أيدخل في معركة مع الله، أم مع أبناء آدم الذي خلقه سبحانه كخليفة ليعمر الأرض؟ لقد حدّد إبليس موقعه من الصراع، فقال: ﴿ ... فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] وهذا يعني أن مجالَ معركته مع الخَلْق لا مع الخالق؛ لذلك قال: ﴿ ... وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وكلمة (أجمعين) تفيد الإحاطةَ لكل الأفراد، وهذا فوق قدرته بعد أنْ عرف مُقَامه من نفسه ومن ربه، فقال ما جاء به الحق سبحانه في الآية التالية: ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ... ﴾

стр. 8915

فهؤلاء العباد الذين خلَّصتهم لنفسك يا ربّ؛ فلن أقدر عليهم؛ لأنك أخذتهم من طريق الغواية؛ لأنهم أحسنوا الإيمان، وقد وصلوا

стр. 8916

إلى مرتبة من الإخلاص التعبُّدي درجةً يصعب بها على الشيطان غوايتهم. ويقول أهل المعرفة والإشراق: «أنت تصل بطاعة الله إلى كرامة الله» . ولو شاء الله أن يكون جميع خَلْقه مهديين ما استطاع أحد أنْ يُضلّهم، ولكن عِزَّة الله عن خَلْقه هي التي أفسحت المجالَ للإغواء، ولذلك نجد إبليس يُقِرّ بعجزه عن غواية مَنْ أخلصوا لله العبادة. ونجد رد الحق سبحانه على إبليس واضحاً لا لَبْس فيه، ولا قبول لِمَا قد يظنُّه إبليس مجاملةً منه لله، فيقول سبحانه في الآية التالية: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ ... ﴾

стр. 8917

وهكذا أوضح الحق سبحانه أن صراطه المستقيم هو الذي يقود العباد إلى الطاعة؛ فليس في الأمر تفضُّل من إبليس الذي سبق له أنْ حدَّد المواقع والاتجاهات التي سيأتي منها لغواية البشر، حيث قال الحق سبحانه ما جاء على لسان إبليس: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]

стр. 8918

في ذلك القول حدَّد إبليس جهات الغواية التي يأتي منها وترك «الفَوْق» و «التَّحْت» ، لذلك نقول: إن العبد إذا استحضر دائماً عُلُوَّ عِزّة الربوبية، وذُلّ العبودية؛ فالشيطان لا يدخل له أبداً. ويواصل الحق سبحانه قوله المبلغ عنه لنا: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ ... ﴾

стр. 8919

وهكذا أصدر الحق سبحانه حُكْمه بألاَّ يكون لإبليس سلطان على مَنْ أخلص لله عبادة، وأمر إبليس ألاَّ يتعرض لهم؛ فسبحانه هو الذي يَصُونهم منه؛ إلا مَنْ ضَلَّ عن هدى الله سبحانه، وهم مَنْ يستطيع إبليس غوايتهم. وهكذا نجد أن «الغاوين» هي ضد «عبادي» ، وهم الذين اصطفاهم الله من الوقوع تحت سلطان الشيطان؛ لأنهم أخلصوا وخَلَّصوا نفسهم لله، وسنجد إبليس وهو ينطق يوم القيامة أمام الغاوين: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ... ﴾ [إبراهيم: ٢٢]

стр. 8920

ومن نِعَم الله علينا أن أخبرنا الحق سبحانه بكلّ ذلك في الدنيا، ولسوف يُقِر الشيطان بهذا كله في اليوم الآخر؛ ذلك أنه لم يملك سلطاناً يقهرنا به في الدنيا، بل مجرد إشارة ونَزْغ؛ ولا يملك سلطانَ إقناع ليجعلنا نفعل ما ينزغ به إلينا. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك ما يُؤكّد أن جزاء الغاوين قَاسٍ أليم: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ ... ﴾

стр. 8921

ولأن المصير لهؤلاء هو جهنم؛ فعلى العبد الذكيّ أن يستحضرَ هذا الجزاء وقتَ الاختيار للفعل؛ كي لا يرتكب حماقةَ الفعل الذي يُزيّنه له الشيطان، أو تُلِح عليه به نفسه. ولو أن المُسرِف على نفسه استحضر العقوبة لحظةَ ارتكاب المعصية لَماَ أقدم عليها، ولكن المُسْرف على نفسه لا يقرِن المعصية بالعقوبة؛ لأنه يغفل النتائج عن المقدمات. ولذلك أقول دائماً: هَبْ أن إنساناً قد استولتْ عليه شراسة الغريزة الجنسية، وعرف عنه الناس ذلك، وأعدّوا له مَا يشاء من رغبات، وأحضروا له أجملَ النساء؛ وسهّلوا له المكان المناسب للمعصية بما فيه من طعام وشراب. وقالوا: هذا كله ذلك، شَرْط أن تعرف أيضاً ماذا ينتظرك. وأضاءوا له من بعد ذلك قَبْواً في المنزل؛ به فرن مشتعل. ويقولون له: بعد أنْ تَفْرُغ من لَذّتِك ستدخل في هذا الفرن المشتعل. ماذا سيصنع هذا الإنسان؟

стр. 8922

لابُدّ أنه سيرفض الإقدام على المعصية التي تقودهم إلى الجحيم. وهكذا نعلم أن مَنْ يرتكب المعاصي إنما يستبطِئ العقوبة، والذكيّ حقاً هو مَنْ يُصدِّق حديث النبي ﷺ َ الذي يقول فيه «الموت القيامة، فمن مات فقد قامت قيامته» . ولا أحدَ يعلم متى يموت. ويُبيِّن الحق سبحانه من بعد ذلك مراتبَ الجحيم، فيقول: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ ... ﴾

стр. 8923

وفي جهنمَ يكون مَوْعِد هؤلاء الغَاوين، ومعهم إبليس الذي أَبَى واستكبر، وصَمَّم على غواية البشر، وألوان العذاب ستختلف، ولكن جماعة لهم جريمة يُقْرنون بها معاً. فمَنْ يشربون الخمر سيكونون معاً؛ ومَنْ يلعبون الميسر يكونون معاً. ولكُلّ باب من أبواب جهنم جماعة تدخل منه ربطَتْ بينهم في الدنيا معصيةٌ ما؛ وجمعهم في الدنيا وَلاءٌ ما، وتكوّنتْ من بينهم

стр. 8924

صداقاتٌ في الدنيا، واشتركوا بالمخالطة؛ ولذلك فعليهم الاشتراك في العقوبة والنكال. وهكذا يتحقق قول الحق سبحانه: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ [الزخرف: ٦٧] وفي الجحيم أماكن تَأويهم؛ فقِسْم يذهب إلى اللظى؛ وآخر إلى الحُطَمة؛ وثالث إلى سَقَر، ورابع إلى السَّعير، وخامس إلى الهاوية. وكل جُزْء له قِسْم مُعيَّن به؛ وفي كل قسم دَركَات، لأن الجنة درجات، والنار دركات تنزل إلى أسفل. ويأتي الحق سبحانه بالمقابل؛ لأن ذِكْر المقابل كما نعلم يُعطي الكافر حَسْرة؛ ويعطي المؤمن بشارةً بأنه لم يكُنْ من العاصين، ويقول: ﴿إِنَّ المتقين فِي ... ﴾

стр. 8925

والمُتقِي هو الذي يحولُ بين ما يُحبّ وما يكره؛ ويحاول ألاَّ يصيب مَنْ يحب ما يكره. وتتعدى التقوى إلى متقابلاتٍ، فنجد الحق سبحانه يقول: ﴿اتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله ... ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ويقول أيضاً:

стр. 8926

﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة ... ﴾ [البقرة: ٢٤] وقلنا من قَبْل: إن الحقَّ سبحانه له صفاتُ جلال، وصفات كمال وجمال. يَهَبُ بصفات الكمال والجمال العطايا، ويهَبُ بصفات الجلال البَلايا؛ فهو غفّار، وهو قهار، وهو عَفْو، وهو مُنْتِقم. وعلينا أن نجعلَ بيننا وبين صفات الجلال وقاية؛ وأن نجعل بيننا وبين صفات الجمال قُرْبى؛ والطريق أن نتبعَ منهجه؛ فلا ندخل النار التي هي جُنْد من جنود الله. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥] وهم الذين لم يرتكبوا المعاصي بعد أن آمنوا بالله ورسوله واتبعوا منهجه. وإنْ كانت المعصية قد غلبتْ بعضهم، وتابوا عنها واستغفروا الله؛ فقد يغفر الله لهم، وقد يُبدّل سيئاتِهم حسناتٍ. ومَنْ يدخل الجنة سيجد فيها العيون والمقصود بها الأنهار؛ والحق سبحانه هو القائل: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ... ﴾ [محمد: ١٥] ولعل هناك عيوناً ومنابعَ لا يعلمها إلا الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه:

стр. 8927

﴿ادخلوها ... ﴾

стр. 8928

وهنا يدعوهم الحق سبحانه بالدخول إلى الجنة في سلام الأمن والاطمئنان. ونحن نعلم أن سلامَ الدنيا والاطمئنان فيها مُختلِف عن سلام الجنة؛ فسلامُ الدنيا يعكره خوف افتقاد النعمة، أو أن يفوت الإنسانُ تلك النعمة بالموت. ونعلم أن كل نعيم في الدنيا إلى زوال. أما نعيم الآخرة فهو نعيم مقيم. ويتابع سبحانه ما ينتظر أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ ... ﴾

стр. 8929

وهكذا يُخرِج الحق سبحانه من صدورهم أيَّ حقد وعداوة. ويرون أخلاء الدنيا في المعاصي وهم مُمْتلئون بالغِلّ، بينما هم قد طهَّرهم الحق سبحانه من كل ما كان يكرهه في الآخرة، ويحيا كل منهم مع أزواج مُطهَّرة. ويجمعهم الحق بلا تنافس، ولا يشعر أيٌّ منهم بحسد لغيره. والغِلُّ كما نعلم هو الحقد الذي يسكُن النفوس، ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف وُجهات نظرهم في الحياة، ولكنهم على إيمان بالله ورسوله ﷺ َ. والمثل أن علياً كرم الله وجهه وأرضاه دخل موقعه الجمل، وكان

стр. 8930

في المعسكر المقابل طلحةُ والزبير ﵄؛ وكلاهما مُبشَّر بالجنة، وكان لكل جانب دليل يُغلّبه. «ولحظةَ أنْ قامت المعركة جاء وَجْه علي كرَّم الله وجهه في وَجْه الزبير؛ فيقول علي ﵁: تذكر قول رسول الله ﷺ َ وأنتما تمرَّان عليَّ، سلَّم النبي وقلْتَ أنت: لا يفارق ابنَ أبي طالب زَهْوُه، فنظر إليك رسول الله ﷺ َ وقال لك:» إنك تقاتل علياً وأنتَ ظالم له «. فرمى الزبير بالسلاح، وانتهى من الحرب. ودخل طلحة بن عبيد الله على عليٍّ كرم الله وجهه؛ فقال عليٌّ رضوان الله عليه: يجعل لي الله ولأبيك في هذه الآية نصيباً» فقال أحد الجالسين: إن الله أعدل من أنْ يجمعَ بينك وبين طلحة في الجنة. فقال عليٌّ: وفيما نزل إذنْ قوله الحق: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] . وكلمة «نزعنا» تدل على أن تغلغل العمليات الحِقْدية في النفوس يكون عميقاً، وأن خَلْعها في اليوم الآخر يكون خَلْعاً من الجذور، وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله؛ والذي عاداه في الدنيا نظرتُه إلى مُحسِن له؛ لأنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عَيْب منه.
следующие страницы →