← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

﴿فاتقوا النار التي وَقُودُهَا الناس والحجارة ... ﴾ [البقرة: ٢٤] وقلنا من قَبْل: إن الحقَّ سبحانه له صفاتُ جلال، وصفات كمال وجمال. يَهَبُ بصفات الكمال والجمال العطايا، ويهَبُ بصفات الجلال البَلايا؛ فهو غفّار، وهو قهار، وهو عَفْو، وهو مُنْتِقم. وعلينا أن نجعلَ بيننا وبين صفات الجلال وقاية؛ وأن نجعل بيننا وبين صفات الجمال قُرْبى؛ والطريق أن نتبعَ منهجه؛ فلا ندخل النار التي هي جُنْد من جنود الله. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: ٤٥] وهم الذين لم يرتكبوا المعاصي بعد أن آمنوا بالله ورسوله واتبعوا منهجه. وإنْ كانت المعصية قد غلبتْ بعضهم، وتابوا عنها واستغفروا الله؛ فقد يغفر الله لهم، وقد يُبدّل سيئاتِهم حسناتٍ. ومَنْ يدخل الجنة سيجد فيها العيون والمقصود بها الأنهار؛ والحق سبحانه هو القائل: ﴿فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ... ﴾ [محمد: ١٥] ولعل هناك عيوناً ومنابعَ لا يعلمها إلا الحق سبحانه. ويقول الحق سبحانه:

стр. 8927

﴿ادخلوها ... ﴾

стр. 8928

وهنا يدعوهم الحق سبحانه بالدخول إلى الجنة في سلام الأمن والاطمئنان. ونحن نعلم أن سلامَ الدنيا والاطمئنان فيها مُختلِف عن سلام الجنة؛ فسلامُ الدنيا يعكره خوف افتقاد النعمة، أو أن يفوت الإنسانُ تلك النعمة بالموت. ونعلم أن كل نعيم في الدنيا إلى زوال. أما نعيم الآخرة فهو نعيم مقيم. ويتابع سبحانه ما ينتظر أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ ... ﴾

стр. 8929

وهكذا يُخرِج الحق سبحانه من صدورهم أيَّ حقد وعداوة. ويرون أخلاء الدنيا في المعاصي وهم مُمْتلئون بالغِلّ، بينما هم قد طهَّرهم الحق سبحانه من كل ما كان يكرهه في الآخرة، ويحيا كل منهم مع أزواج مُطهَّرة. ويجمعهم الحق بلا تنافس، ولا يشعر أيٌّ منهم بحسد لغيره. والغِلُّ كما نعلم هو الحقد الذي يسكُن النفوس، ونعلم أن البعض من المسلمين قد تختلف وُجهات نظرهم في الحياة، ولكنهم على إيمان بالله ورسوله ﷺ َ. والمثل أن علياً كرم الله وجهه وأرضاه دخل موقعه الجمل، وكان

стр. 8930

في المعسكر المقابل طلحةُ والزبير ﵄؛ وكلاهما مُبشَّر بالجنة، وكان لكل جانب دليل يُغلّبه. «ولحظةَ أنْ قامت المعركة جاء وَجْه علي كرَّم الله وجهه في وَجْه الزبير؛ فيقول علي ﵁: تذكر قول رسول الله ﷺ َ وأنتما تمرَّان عليَّ، سلَّم النبي وقلْتَ أنت: لا يفارق ابنَ أبي طالب زَهْوُه، فنظر إليك رسول الله ﷺ َ وقال لك:» إنك تقاتل علياً وأنتَ ظالم له «. فرمى الزبير بالسلاح، وانتهى من الحرب. ودخل طلحة بن عبيد الله على عليٍّ كرم الله وجهه؛ فقال عليٌّ رضوان الله عليه: يجعل لي الله ولأبيك في هذه الآية نصيباً» فقال أحد الجالسين: إن الله أعدل من أنْ يجمعَ بينك وبين طلحة في الجنة. فقال عليٌّ: وفيما نزل إذنْ قوله الحق: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧] . وكلمة «نزعنا» تدل على أن تغلغل العمليات الحِقْدية في النفوس يكون عميقاً، وأن خَلْعها في اليوم الآخر يكون خَلْعاً من الجذور، وينظر المؤمن إلى المؤمن مثله؛ والذي عاداه في الدنيا نظرتُه إلى مُحسِن له؛ لأنه بالعداوة والمنافسة جعله يخاف أن يقع عَيْب منه.

стр. 8931

ذلك أن المؤمن في الآخرة يذكر مُعْطيات الأشياء، ويجعلهم الحق سبحانه إخواناً؛ فَرُبَّ أخٍ لك لم تَلِدْه أمُّك، والحق سبحانه هو القائل في موقع آخر: ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النار فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣] . وقد يكون لك أخ لا تكرهه ولا تحقد عليه؛ ولكنك لا تُجالسه ولا تُسامره؛ لأن الأخوة أنواع. وقد تكون أخوة طيبة ممتلئة بالاحترام لكن أياً منكما لا يسعى إلى الآخر، ويجمعكم الحق سبحانه في الآخرة على سُرُر متقابلين. وسأل سائل: وماذا لو كانت منزلة أحدهما في الجنة أعلى من منزلة الآخر؟ ونقول: إن فَضل الحق المطلق يرفع منزلة الأَدْنى إلى منزلة الأعلى، وهما يتزاوران. وهكذا يختلف حال الآخرة عن حال الدنيا، فالإنسان في الدنيا يعيش ما قال عنه الحق سبحانه: ﴿ياأيها الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاَقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] .

стр. 8932

ولكن الحال في الآخرة يختلف، وينطبق عليه قول الحق سبحانه في الآية التالية: ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا ... ﴾ .

стр. 8933

وحياتُكَ في الآخرة إنْ أصلحتَ عملك وكنت من المؤمنين - تختلف عن حياتك في الدنيا؛ فأنت تعلم أنك في الدنيا تَحْيا مع أسباب الله المَمْدودة لك؛ وتضرب في الأرض من أجل الرزق، وتجتهد وتتعب من أجل أَنْ يهبكَ اللهُ ما في الأسباب من عطاء. وحينئذ تصبح من المُفْلِحِين الذين يهديهم الله جنته. يقول الحق جل عُلاَه: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولئك هُمُ المفلحون﴾ [البقرة: ٤ - ٥] . وشاء الحق سبحانه أن يأتي بلفظ المُفْلِح كصفة للمؤمن في الجنة، لأن المؤمن قد حرثَ الدنيا بالعمل الصالح وبذل جهده ليقيمَ منهج الله في الأرض، ونصَبَ قامته، ونعلم أن نَصْب القَامَة يدلُّ على أن مَنْ يعمل قد أصابه التعب، وذلك في الحياة الدنيا. أما في الجنة، فيقول الحق: ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] .

стр. 8934

أي: لا يصيبهم فيها تعب، ولا يُخْرَجون من الجنة، ذلك أنهم قد نَالُوا فيها الخلود. وهكذا تكلَّم سبحانه عن الغَاوين، وقد كانوا أخلاَّء في الدنيا يمرحُون فيها بالمعاصي؛ وهم مَنْ ينتظرهم عقابُ الجحيم. وتكلَّم عن العباد المُخلصين الذين سيدخلون الجنة؛ ومنهم مَنِ اختلفتْ رُؤَاه في الدنيا، ولم يربط بينهم تآلفٌ أو محبّة؛ لكنهم يدخلون الجنة، وتتصافَى قلوبهم من أيِّ خلاف قد سبق في الدنيا. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي ... ﴾ .

стр. 8935

والخطاب هنا لرسول الله ﷺ َ. والإنباء هو الإخبار بأمر له خطورته وعظمته؛ ولا يقال (نبيء) في خبر بسيط. وسبق أن قال الحق سبحانه عن هذا النبأ: ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم﴾ [النبأ: ١ - ٢] . وقال سبحانه أيضاً عن النبأ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨] . ونفهم من القول الكريم أنه الإخبار بنبأ الآخرة ما سوف يحدثُ فيها، وهنا يأتي سبحانه بخبر غُفْرانه ورحمته الذي يختصُّ به عباده المخلصين المُتقِين الذين يدخلون الجنة، ويتمتَّعون بخيْراتها خالدين فيها. ولقائل أنْ يسأل: أليستْ المغفرة تقتضي ذَنْباً؟

стр. 8936

ونقول: إن الحق سبحانه خلقنا ويعلم أن للنفس هواجسَ؛ ولا يمكن أنْ تسلمَ النفس من بعض الأخطاء والذنوب والوسوسة؛ بدليل أنه سبحانه قد حَرَّم الكثير من الأفعال على المسلم؛ حمايةً للفرد وحمايةً للمجتمع أيضاً، ليعيش المجتمع في الاستقرار الآمن. فقد حرَّم الحق سبحانه على المسلم السرقة والزِّنَا وشُرْب الخمر، وغيرها من المُوبِقات والخطايا، والهواجس التي تقوده إلى الإفساد في الأرض، وما دام قد حرَّم كل ذلك فهذا يعني أنها سوف تقع، ونزل منهجه سبحانه مُحرِّماً ومُجَرِّماً لمن يفعل ذلك، كما يُلزم كل المؤمنين به بضرورة تجنُّب هذه الخطايا. وهنا يُوضِّح سبحانه أن مَنْ يغفل من المؤمنين ويرتكب معصية ثم يتوب عنها، عليه ألاَّ يُؤرِّق نفسه بتلك الغفلات؛ فسبحانه رءوفٌ رحيم. ونحن حين نقرأ العربية التي قد شرَّف اللهُ أهلَها بنزول القرآن بها، نجد أقسامَ الكلام إما شِعْراً أو نَثْراً، والشعر له وَزْن وقافية، وله نَغَم وموسيقى، أما النثر فليس له تلك الصِّفات، بل قد يكون مَسْجوعاً أو غَيْرَ مسجوع. وإنْ تكلمتَ بكلام نثريٍّ وجِئْتَ في وسطه ببيت من الشعر، فالذي يسمعك يُمكِنه أن يلحظ هذا الفارقَ بين الشعر والنثر. ولكن القرآن كلامُ ربٍّ قادر؛ لذلك أنت تجد هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها وتقرؤها وكأنها بَيْتٌ من الشعر فهي موزونة مُقفَّاة:

стр. 8937

«نَبِّيء عِبَادِي أَنِّي أنَا الغفورُ الرَّحيمُ» ووزنها من بَحْر المُجْتث ولكنها تأتي وَسْط آيات من قبلها ومن بعدها فلا تشعر بالفارق، ولا تشعر أنك انتقلتَ من نثرٍ إلى شعٍر، ومن شعر إلى نثر؛ لأن تضامن المعاني مع جمال الأسلوب يعطينا جلال التأثير المعجز، وتلك من أسرار عظمة القرآن. ثم يقول الحق سبحانه فيما يخص الكافرين أهل الغواية: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي ... ﴾ .

стр. 8938

وهكذا يكتمل النبأ بالمغفرة لِمَن آمنوا؛ والعذاب لِمَنْ كفروا، وكانوا من أهل الغواية. ونلحظ أنه سبحانه لم يُشدِّد في تأكيد العذاب، ذلك أن رحمته سبقتْ غضبه، مصداقاً لقوله ﷺ َ: «إن الله تعالى خلق الرحمة يوم خلقها مائةَ رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل في خلَقْه كلِّهم رحمةً واحدةً، فلو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييئس من الجنة؛ ولو يعلم المسلم بكل الذي عند الله من العذاب؛ لم يأمن من النار» . ونلحظ أن الآيتين السابقتين يشرحهما قَوْل الحق سبحانه:

стр. 8939

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ [الرعد: ٦] . ولذلك نرى أن الآيتين قد نبَّهتا إلى مَقَامي الرجاء والخوف، وعلى المؤمن أنْ يجمعَ بينهما، وألاَّ يُؤجِّل العمل الصالح وتكاليف الإيمان، وأن يستغفر من المعاصي؛ لأن الله يعامل الناس بالفضل لمن أخلص النية وأحسن الطوية. لذلك يقول الحديث: «لمَّا قضى الله الخَلْق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» . ثم ينقلنا الحق سبحانه من بعد الحديث عن الصفات الجلالية والجمالية في الغفران والرحمة والانتقام إلي مسألة حسِّية واقعية تُوضِّح كل تلك الصفات، فيتكلم عن إبراهيم ﵇ ويعطيه البُشْرى، ثم ينتقل لابن أخيه لوط فيعطيه النجاة، ويُنزِل بأهله العقاب. يقول الحق سبحانه: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن. .﴾ .

стр. 8940

وكلمة (ضيف) تدلُّ على المائل لغيره لقِرَىً أو استئناس، ويُسمونه «المُنْضوي» لأنه ينضوي إلى غيره لطلب القِرَى، ولطلب

стр. 8941

الأمن. ومن معاني المُنْضوي أنه مالَ ناحية الضَّوْء. وكان الكرماء من العرب من أهل السماحة؛ لا تقتصر سماحتهم على مَنْ يطرقون بابهم، ولكنهم يُعلِنون عن أنفسهم بالنار ليراها مَنْ يسير في الطريق ليهتدي إليهم. وكلنا قرأنا ما قال حاتم الطائي للعبد الذي يخدمه: أَوْقِد النارَ فإنَّ الليْلَ لَيْل قُرّ ... والريحُ يَا غُلامُ ريحُ صِرّ ... إنْ جلبت لنَا ضَيْفاً فأنت حُر ... وهكذا نعرف أصلَ كلمة انضوى. أي: تَبِع الضوء. وكلمة (ضيف) لفظ مُفْرد يُطلَق على المفرد والمُثنَّى والجمع، إناثاً أو ذكوراً، فيُقال: جاءني ضيف فأكرمته، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتها، ويقال: جاءني ضيف فأكرمتهما، وجاءني ضيف فأكرمتهم، وجاءني ضيف فأكرمتهُنَّ. وكلُّ ذلك لأن كلمة «ضيف» قامت مقام المصدر. ولكن هناك من أهل العربية مَنْ يجمعون «ضيف» على «أضياف» ؛ ويجمعون «ضيف» على «ضيوف» ، أو يجمعون «ضيف» على «ضِيفان» . ولننتبه إلى أن الضيفَ إذا أُطلِق على جَمْع؛ فمعناه أن فرداً قد

стр. 8942

جاء ومعه غيره، وإذا جاءت جماعة، ثم تبعتْهَا جماعة أخرى نقول: وجاءت ضيف أخرى. وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نعلم أنهم ليسوا ضيفاً من الآية التي تليها؛ التي قال فيها الحق سبحانه: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ ... ﴾ .

стр. 8943

ونلحظ أن كلمة (سلاماً) جاءت هنا بالنَّصبْ، ومعناها نُسلّم سلاماً، وتعني سلاماً متجدداً. ولكنه في آية أخرى يقول: ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] . ونعلم أن القرآن يأتي بالقصة عَبْر لقطات مُوّزعة بين الآيات؛ فإذا جمعتَها رسمَتْ لك ملامح القصة كاملة. ولذلك نجد الحق سبحانه هنا لا يذكر أن إبراهيم قد رَدَّ سلامهم؛ وأيضاً لم يذكر تقديمه للعجل المَشْويّ لهم؛ لأنه ذكر ذلك في موقع آخر من القرآن. إذن: فمِنْ تلك الآية نعلم أن إبراهيم ﵇ قد ردَّ السلام، وجاء هذا السلام مرفوعاً، فلماذا جاء السلام في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها منصوباً؟ أي: قالوا هم: ﴿سَلاماً﴾ [الحجر: ٥٢] . وكان لا بُدَّ من رَدٍّ، وهو ما جاءتْ به الآية الثانية:

стр. 8944

﴿قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] . والسلام الذي صدر من الملائكة لإبراهيم هو سلام مُتجدّد؛ بينما السلام الذي صدر منه جاء في صيغة جملة اسمية مُثْبتة؛ ويدلُّ على الثبوت. إذا رَدَّ إبراهيم ﵇ أقوى من سلام الملائكة؛ لأنه يُوضِّح أن أخلاق المنهج أنْ يردَّ المؤمنُ التحيةَ بأحسنَ منها؛ لا أنْ يردّها فقط، فجاء رَدُّه يحمل سلاماً استمرارياً، بينما سلامُهم كان سلاماً تجددياً، والفرق بين سلام إبراهيم ﵇ وسلام الملائكة: أن سلام الملائكة يتحدد بمقتضى الحال، أما سلام إبراهيم فهو منهج لدعوته ودعوة الرسل. ويأتي من بعد ذلك كلام إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . وجاء في آية أخرى أنه: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠] . وفي موقع آخر من القرآن يقول: ﴿قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] . فلماذا أوجسَ منهم خِيفةَ؟ ولماذا قال لهم: إنهم قومْ مُنْكَرون؟ ولماذا قال:

стр. 8945

﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ [الحجر: ٥٢] . لقد جاءوا له دون أن يتعرّف عليهم، وقدَّم لهم الطعام فرأى أيديهم لا تصل إليه ولا تقربه كما قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] . ذلك أن إبراهيم ﵇ يعلم أنه إذا قَدِم ضَيْفاً وقُدِّم إليه الطعام، ورفض أن يأكل فعلَى المرء ألاَّ يتوقع منه الخير؛ وأن ينتظر المكاره. وحين عَلِم أنهم قد أرسلوا إلى قوم لوط؛ وطمأنوه بالخبر الطيب الذي أرسلهم به الله اطمأنتْ نفسه؛ وفي ذلك تأتي الآية القادمة: ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ. .﴾ .

стр. 8946

هكذا طمأنت الملائكة إبراهيم ﵇، وهَدَّأَتْ من رَوْعه، وأزالتْ مخاوفه، وقد حملوا له البشارة بأن الحق سبحانه سيرزقه بغلام سيصير إلي مرتبة أن يكون كثير العِلْم.

стр. 8947

ويستقبل إبراهيم ﵇ الخبر بطريقة تحمل من الاندهاش الكثيرَ، فيقول ما ذكره الحق سبحانه: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي. .﴾ .

стр. 8948

ونعلم أن الحق يخلق الخَلْق على أنحاء مُتعدّدة؛ حتى يعلمَ المخلوق أن خَلْقه لا ضرورة أن يكونَ بطريقة محددة؛ بل طلاقة القدرة أن يأتي المخلوق كما يشاء الله. والشائع أن يُولَد الولد من أبٍ وأم؛ ذكر وأنثى. أو بدون الأمرين معاً مثل آدم ﵇، ثُمَّ خلق حواء من ذكر فقط، وكما خلق عيسى من أم فقط، وخلق محمداً ﷺ َ من ذكرٍ وأنثى. وفي الآية التي نحن بصددها نجد إبراهيم ﵇ يتعجب كيف يُبشِّرونه بغلام، وهو على هذه الدرجة من الكِبَر، في قوله تعالى: ﴿على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ [الحجر: ٥٤] . يعني أن «على» هنا جاءت بمعنى «مع» أي: أنه يعيش مع الكِبَر؛ ويرى أنه من الصعب أنْ يجتمعَ الكِبَر مع القدرة على الإِنجاب. وأقول دائما: إن كلمة (على) لها عطاءاتٌ واسعة في القرآن الكريم، فهي تترك مرة ويأتي الحق سبحانه بغيرها لتؤدي معنًى مُعيناً؛ مثل قوله تعالى: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ [طه: ٧١] .

стр. 8949

والصَّلْب إنما يكون على جذوع النخل؛ ولكن الحق سبحانه جاء ب (في) بدلاً من (على) ليدلَّ على أن الصَّلْبَ سيكون عنيفاً، بحيث تتدخل الأيدي والأرجُل المَصْلوبة في جذوع النخل. وهنا يقول الحق سبحانه: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر﴾ [الحجر: ٥٤] . أي: أَتُبشِّرونني بالغلام العليم مع أنِّي كبير في العمر؛ والمفهوم أن الكِبَر والتقدُّم في العمر لا يتأتَّى معه القدرة على الإنجاب. وهكذا تأتي «على» بمعنى «مع» . أي: كيف تُبشِّرونني بالغلام مع أنِّي كبير في العمر، وقد قال قولته هذه مُؤمِناً بقدرة الله؛ فإبراهيم أيضاً هو الذي أورد الحق سبحانه قَوْلاً له: ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء﴾ [إبراهيم: ٣٩] . وكأن الكِبَر لا يتناسب مع الإنجاب، ويأتي رَدُّ الملائكة على إبراهيم خليل الرحمن: ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ﴾ .

стр. 8950

وكأن الملائكة تقول له: لسنا نحن الذين صنعنا ذلك، ولكِنَّا نُبلغك ببشارة شاءها الله لك؛ فلا تكُنْ من اليائسين. ونفس القصة تكررتْ من بعد إبراهيم مع ذكريا ﵇ في إنجابه ليحيى، حين دعا زكريا رَبّه أن يهبَه غلاماً:

стр. 8951

﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ [مريم: ٦] . وجاءته البشارة بيحيى، وقد قال زكريا لربه: ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ [مريم: ٨] . وإن شئت أن تعرفَ سِرَّ عطاءات الأسلوب القرآني فاقرأ قَوْل الحق سبحانه رداً على زكريا: ﴿فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] . ولم يَقُلِ الحق سبحانه أصلحناكم أنتم الاثنين؛ وفي ذلك إشارة إلي أن العطبَ كان في الزوجة؛ وقد أثبت العلم من بعد ذلك أن قدرة الرجل على الإخصاب لا يُحدِّدها عمر، ولكن قدرةَ المرأة على أن تحمل مُحدّدة بعمر مُعين. ثم إذا تأملنا قوله الحق: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ [الأنبياء: ٩٠] . نجد أنها تُثبِت طلاقةَ قدرة الله سبحانه فيما وَهَب؛ وفي إصلاح مَا فسد؛ فسبحانه لا يُعْوزِه شيء؛ قادر جَلَّ شأنه على الوَهْب؛ وقادر على أن يُهيئَ الأسباب ليتحققَ ما يَهبه. وهنا تقول الملائكة لإبراهيم:

стр. 8952

﴿بَشَّرْنَاكَ بالحق﴾ [الحجر: ٥٥] أي: أنهم ليسوا المسئولين عن البشارة، بل عن صدق البشارة؛ ولذلك قالوا له من بعد ذلك: ﴿فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ [الحجر: ٥٥] . ويأتي الحق سبحانه بما رَدَّ به إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ. .﴾ .

стр. 8953

وهنا يعلن إبراهيم ﵇ أنه لم يقنط من رحمة ربه؛ ولكنه التعجب من طلاقة التعجب من طلاقة القدرة التي توحي بالوحدانية القادرة، لا لذات وقوع الحَدث؛ ولكن لكيفية الوقوع، ففي كيفية الوقوع إعجاب فيه تأمل، ذلك أن إبراهيم ﵇ يعلم عِلْم اليقين طلاقة قدرة الله؛ فقد سبق أن قال له: ﴿أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى. .﴾ [البقرة: ٢٦٠] . ولنلحظ أنه لم يسأله «أتحيي الموتى» ، بل كان سؤاله عن الكيفية التي يُحْيى بها الله المَوْتى؛ ولذلك لسأله الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن ... ﴾ [البقرة: ٢٦٠] . وكان رَدّ إبراهيم ﵇: ﴿بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] .

стр. 8954

وحدثتْ تجربة عندما أُمر إبراهيم بأن يأخذ أربعة من الطير ثم يقطعهن ويلقي على كل جبل جزءاً، ثم يدعوهن فيأتينه سعياً، لذلك فلم يكُنْ إبراهيم قانطاً من رحمة ربه، بل كان متسائلاً عن الكيفية التي يُجرِي الله بها رحمته. ولم تكن تلك المحادثة بين إبراهيم والملائكة فقط، بل اشتركت فيه زَوْجه سارة؛ إذ أن الحق سبحانه قد قال في سورة هود: ﴿ياويلتى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢ - ٧٣] . وهكذا نجد أن القرآن يُكمِل بعضُه بعضاً؛ وكل لَقْطة تأتي في موقعها؛ وحين نجمع اللقطات تكتمل لنا القصة. وهنا في سورة الحجر نجد سؤالاً من إبراهيم ﵇ للملائكة التي حملتْ له بُشْرى الإنجاب عن المُهمَّة الأساسية لمجيئهم، الذي تسبَّب في أن يتوجَّس منهم خِيفةً؛ فقد نظر إليهم، وشعر أنهم قد جاءوا بأمر آخر غير البشارةَ بالغلام؛ لأن البشارةَ يكفي فيها مَلَكٌ واحد.

стр. 8955

أما هؤلاء فهم كثيرون على تلك المُهِمة، فيقول سبحانه هذا السؤال الذي سأله إبراهيم ﵇: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ ... ﴾ .

стр. 8956

أي: ما هو الأمر العظيم الذي جِئْتم من أجله؛ لأن الخَطْب هو الحَدث الجَلل الذي ينتاب الإنسان؟ وسُمِّي خَطْباً لأنه يشغل بال الناس جميعاً فيتخاطبون به، وكلما التقتْ جماعة من البشر بجماعة أخرى فَهُمْ يتحدثون في هذا الأمر. ولذلك سُمِّيتْ رغبة الزواج بين رجل وامرأة وَتَقدّمه لأهلها طَلباً لِيَدها «خِطْبة» ؛ لأنه أمر جلَلَ وهَامّ؛ ذلك أن أحداً لو نظر إلى المرأة؛ ورآه واحدٌ من أهلها لَثَار من الغَيْرة؛ ولكن ما أن يدقَّ البابَ طالباً يدَها، فالأمر يختلف؛ لأن أهلها يستقبلون مَنْ يتقدّم للزواج الاستقبالَ الحسن؛ ويقال: «جدعَ الحلالُ أنْفَ الغَيْرة» . وهنا قال إبراهيم ﵇ للملائكة: ما خَطْبكم أيها المُرْسلون؟ أي: لأيِّ أمر جَلَلٍ أتيتُم؟ ويأتي الجواب من الملائكة في قول الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ إِنَّآ ... ﴾ .

стр. 8957

ونعلم أن كلمة «القوم» مأخوذةٌ من القيام، وهُم القوم الذين يقومون للأحداث؛ ويُقصد بهم الرجال، دون النساء لأن النساء لا يَقُمْنَ للأحداث؛ والحق سبحانه هو الذي يُفصِّل هذا الأمر في قوله:

стр. 8958

﴿لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عسى أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عسى أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ﴾ [الحجرات: ١١] . فلو أن كلمة «القوم» تُطلَق على النساء؛ لَوصفَ بها الحق سبحانه النساء أيضاً؛ وذلك كي نعلم أن الرجال فقط هم الذين يقومون للأحداث؛ ولنعلم أن للمرأة منزلتها في رعاية أسرتها؛ فلا تقوم إلا بما يخصُّ هذا البيت. وهنا أخبرتْ الملائكة إبراهيم ﵇ أنهم مُرْسَلون إلى قوم مُجرمين؛ وهم قوم لوط الذين أرهقوا لوطاً بالتكذيب وبالمعاصي التي أدمنوها. ولكن الحق سبحانه يستثني آل لوط من جريمة قوم لوط، فقد كانت أغلبية قوم لوط من الفاسدين، فيقول سبحانه: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ. .﴾ .

стр. 8959

وهذا استثناءٌ لآل لُوطٍ من المجرمين. والمُجرِم هو المُنقطِع عن الحق، والجريمة هي الانقطاع عن الحق لانتصار الباطل، غلب اسم

стр. 8960

القوم على الجماعة المُجْرمين، وهكذا كان الاستثناء من هؤلاء المجرمين. الذين أجرموا في حق منهج الله، والقيم التي نادى بها لوط ﵇. وهكذا كان الإرسال للإنجاء لمن آمن والإهلاك لمن أعرض ونأى بجانبه في مهمة واحدة. ثم يأتي استثناء جديد؛ حيث يقرر الحق سبحانه أن امرأة لوط سيشملها الإهلاك، فيقول سبحانه: ﴿إِلاَّ امرأته. .﴾ .

стр. 8961

ونعلم في اللغة أنه إذا توالتْ استثناءات على مُستثنى منه؛ نأخذ المُسْتثنى الأول من المُسْتثنى منه، والمستثنى الثاني نأخذه من المستثنى الأول، والمستثنى الثالث نأخذه من المستثنى الثاني. والمثل أن يقول لك من تدينه «لك عشرة جنيهات إلا أربعة» أي: أنه أقرَّ بأن لك ستة جنيهات؛ ولكنك تنظر إليه لعلَّه يتذكر كم سدَّد إليك؟ فيقول: «لك إلا درهماً» وهكذا يكون قد أقرَّ بسبعة دراهم كَدَيْن؛ بعد أنْ كان قد أقرَّ بستة؛ ذلك أنه قال: «لك عشرة جنيهات إلا أربعة» ، ثم أضاف: «إلا درهماً» . وهكذا يكون قد استثنى من الأربعة الجنيهات التي قال إنه سَدَّدها لك جنيهاً آخر؛ وبذلك يكون ما سدده من دين ثلاث جنيهات، وبقي عنده سبعة جنيهات. والحق سبحانه هنا يستثني امرأة لوط من الذين استثناهم من

стр. 8962

قبل للنجاة، وهم آل لوط، والملائكة التي تقوم ذلك لم تُقدِّر الأمر بإهلاك امرأة لوط؛ بل هي تُنفِّذ التقدير الأعلى؛ فسبحانه هو مَنْ قدَّر وأمر: ﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ [الحجر: ٦٠] . والغابر هنا بمعنى داخل؛ أو هو من أسماء الأضداد؛ وهي لن تنجو؛ لأن مَنْ تقررتْ نجاتهم سيتركون القرية؛ وسيهلك مَنْ يبقى فيها، وامرأة لُوط من الباقين في العذاب والاستثناء من النفي إثبات؛ ومن الإثبات نفي، فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين. وتنتقل السورة من إبراهيم إلى لوط ﵇ فيقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ. .﴾ .

стр. 8963

وهكذا قال لوط ﵇ للملائكة عندما وصلوا إليه، فقد كان مشهدهم غايةً في الجمال؛ ويعلم أن قومه يُعَانُون من الغلمانية، ويحترفون الفاحشة الشاذة؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول عن معاملته للملائكة في موقع آخر من القرآن: ﴿سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ [هود: ٧٧] .

стр. 8964

ذلك أن لوطاً عَلِم أن قومه سيطمعون في هؤلاء المُرْد، لذلك ما أنْ جاءوه حتى أعلن لهم أنه غَيْر مرغوب فيهم؛ ولم يرحب بهم، ذلك أنهم قد دخلوا عليه في صورة شبان تضيء ملامحهم بالحُسْن الشديد؛ مما قد يُسبِّب غواية لقومه. كما أنهم قد دخلوا عليه، وليس على ملامحهم أيّ أثر للسفر؛ كما أنهم ليسوا من أهل المنطقة التي يعيش فيها؛ لذلك أنكرهم. ويقول سبحانه ما جاء على لسان الملائكة لحظةَ أن طمأنوا لوطاً كشفوا له عن مهمتهم: ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ ... ﴾ .

стр. 8965

وهكذا أعلنوا للوط سبب قدومهم إليه؛ كي يُنزِلوا العقابَ بالقوم الذين أرهقوه، وكانوا يشكُّون في قدرة الحق سبحانه أنْ يأخذهم أَخْذَ عزيز مُقْتدر، وفي هذا تَسْرية عنه. ثم يُؤكِّدون ذلك بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق ... ﴾ .
следующие страницы →