Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8961–9000 · переход к 8966.
стр. 8961
ونعلم في اللغة أنه إذا توالتْ استثناءات على مُستثنى منه؛ نأخذ المُسْتثنى الأول من المُسْتثنى منه، والمستثنى الثاني نأخذه من المستثنى الأول، والمستثنى الثالث نأخذه من المستثنى الثاني.
والمثل أن يقول لك من تدينه «لك عشرة جنيهات إلا أربعة» أي: أنه أقرَّ بأن لك ستة جنيهات؛ ولكنك تنظر إليه لعلَّه يتذكر كم سدَّد إليك؟ فيقول: «لك إلا درهماً» وهكذا يكون قد أقرَّ بسبعة دراهم كَدَيْن؛ بعد أنْ كان قد أقرَّ بستة؛ ذلك أنه قال: «لك عشرة جنيهات إلا أربعة» ، ثم أضاف: «إلا درهماً» .
وهكذا يكون قد استثنى من الأربعة الجنيهات التي قال إنه سَدَّدها لك جنيهاً آخر؛ وبذلك يكون ما سدده من دين ثلاث جنيهات، وبقي عنده سبعة جنيهات.
والحق سبحانه هنا يستثني امرأة لوط من الذين استثناهم من
стр. 8962
قبل للنجاة، وهم آل لوط، والملائكة التي تقوم ذلك لم تُقدِّر الأمر بإهلاك امرأة لوط؛ بل هي تُنفِّذ التقدير الأعلى؛ فسبحانه هو مَنْ قدَّر وأمر:
﴿إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ [الحجر: ٦٠] .
والغابر هنا بمعنى داخل؛ أو هو من أسماء الأضداد؛ وهي لن تنجو؛ لأن مَنْ تقررتْ نجاتهم سيتركون القرية؛ وسيهلك مَنْ يبقى فيها، وامرأة لُوط من الباقين في العذاب والاستثناء من النفي إثبات؛ ومن الإثبات نفي، فاستثناء امرأة لوط من الناجين يلحقها بالهالكين.
وتنتقل السورة من إبراهيم إلى لوط ﵇ فيقول الحق سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ. .﴾ .
стр. 8963
وهكذا قال لوط ﵇ للملائكة عندما وصلوا إليه، فقد كان مشهدهم غايةً في الجمال؛ ويعلم أن قومه يُعَانُون من الغلمانية، ويحترفون الفاحشة الشاذة؛ لذلك نجد الحق سبحانه يقول عن معاملته للملائكة في موقع آخر من القرآن: ﴿سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ [هود: ٧٧] .
стр. 8964
ذلك أن لوطاً عَلِم أن قومه سيطمعون في هؤلاء المُرْد، لذلك ما أنْ جاءوه حتى أعلن لهم أنه غَيْر مرغوب فيهم؛ ولم يرحب بهم، ذلك أنهم قد دخلوا عليه في صورة شبان تضيء ملامحهم بالحُسْن الشديد؛ مما قد يُسبِّب غواية لقومه.
كما أنهم قد دخلوا عليه، وليس على ملامحهم أيّ أثر للسفر؛ كما أنهم ليسوا من أهل المنطقة التي يعيش فيها؛ لذلك أنكرهم.
ويقول سبحانه ما جاء على لسان الملائكة لحظةَ أن طمأنوا لوطاً كشفوا له عن مهمتهم: ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ ... ﴾ .
стр. 8965
وهكذا أعلنوا للوط سبب قدومهم إليه؛ كي يُنزِلوا العقابَ بالقوم الذين أرهقوه، وكانوا يشكُّون في قدرة الحق سبحانه أنْ يأخذهم أَخْذَ عزيز مُقْتدر، وفي هذا تَسْرية عنه.
ثم يُؤكِّدون ذلك بما أورده الحق سبحانه على ألسنتهم: ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق ... ﴾ .
стр. 8966
أي: جِئْنا لك بأمر عذابهم الصادر من الحقِّ سبحانه؛ فلا مجالَ للشكِّ أو الامتراء، ونحن صادقون فيما نُبلِّغك به.
стр. 8967
ويقولون له من بعد ذلك: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ... ﴾ .
стр. 8968
أي: سِرْ أنت وأهلك في جزء من الليل. ومرة يُقَال «سرى» ، ومرة يُقال «أسرى» ؛ ويلتقيان في المعنى. ولكن «أسرى» تأتي في موقع آخر من القرآن، وتكون مُتعدِّية مثل قول الحق: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: ١] .
وقولهم هنا (أسر بأهلك) هو تعبير مُهذّب عن صُحْبة النساء والأبناء. ونجد في ريفنا المصري مَنْ لا يتكلم أبداً في حديثه عن المرأة أو البنات؛ فيقول الواحد منهم «قال الأولاد كذا» ، فكأن اسم المرأة مبنيٌّ على السَّتْر دائماً، وكذلك نجد كثيراً من الأحكام تكون المرأة مَطْمورة في حكم الرجل إلا في الأمر المُتعلِّق بها.
وهنا يقول الحق سبحانه:
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اليل ... ﴾ [الحجر: ٦٥] .
وكلمة «قطع» هي اسم جمع، والمقصود هو أن يخرج لوطٌ
стр. 8969
بأهله في جُزْء من الليل، أو من آخر الليل، فهذا هو منهج الإنجاء الذي أخبر به الملائكة لوطاً، ليتبعه هو وأهله والمؤمنون به، وأوصوه أن يتبعَ أدبار قومه بقولهم:
﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ ... ﴾ [الحجر: ٦٥] .
أي: أن يكون في المُؤخّرة، وفي ذلك حَثٌّ لهم على السُّرعة.
وكان من طبيعة العرب أنهم إذا كانوا في مكان ويرحلون منه؛ فكل منهم يحمل رَحْلَه على ناقته؛ وأهله فيها فوق الناقة ويبتدئون السير، ويتخلف رئيس القوم، واسمه «مُعقِّب» كي يرقُب إنْ كان أحد من القوم قد تخلَّف أو تعثَّر أو ترك شيئاً من متاعه، ويُسمُّون هذا الشخص «مُعقِّب» .
وهنا تأمر الملائكة لوطاً أن يكون مُعقّباً لأهله والمؤمنين به؛ لِيحثّهم على السير بسرعة؛ ثم لِينفذ أمراً آخرَ يأمره به الحق سبحانه:
﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ ... ﴾ [الحجر: ٦٥] .
وتنفيذ الأمر بعدم الالتفات يقتضي أن يكون لوط في مُؤخّرة القوم؛ ذلك أن الالتفاتَ يأخذ وَقْتاً، ويُقلّل من سرعة مَنْ يلتفت؛ كما أن الالتفاتَ إلى موقع انتمائهم من الأرض قد يُثير الحنين إلى مواقع التَّذكار وأرض المَنْشأ، وكل ذلك قد يُعطّل حركة القوم جميعهم؛ لذلك جاء الأمر الإلهي:
﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥] .
стр. 8970
أو: أن الحق سبحانه يريد ألاَّ يلتفت أحدٌ خَلْفه حتى لا يشهدَ العذاب، أو مقدمة العذاب الذي يقع على القوم، فتأخذه بهم شفقة.
ونحن نعلم قول الحق سبحانه في إقامة أيِّ حدِّ من الحدود التي أنزلها: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ [النور: ٢] .
فلو أن أحداً قد التفتَ إلى العذاب، أو مُقدِّمة العذاب؛ فقد يحِنّ إليهم، أو يعطف عليهم رغم أن عذابهم بسبب ذنب كبير، فقد ارتكبوا جريمة كبيرة؛ ونعلم أن بشاعة الجريمة تبهت؛ وقد يبقى في النفس عِظَم أَلَمِ العقوبة لحظة توقيعِها على المُجرم.
أو: أن الحق سبحانه يريد أن يعجل بالقوم الناجين قبل أنْ يوجد، ولو التفزيع الذي هو مقدمة تعذيب القوم الذين كفروا من هَوْل هذا العذاب القادم.
وهكذا كان الأمر بالإسراء بالقوم الذين قرر الحق سبحانه نجاتهم، والكيفية هي أن يكون الخروج في جزء من الليل، وأنْ يتبعَ لوطٌ أدبارهم، وألا يلتفتَ أحد من الناجين خَلْفه؛ ليمضي هؤلاء الناجون حيث يأمرهم الحق سبحانه. وقيل: إن الجهة هي الشام.
ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ... ﴾ .
стр. 8971
وقوله الحق: ﴿وَقَضَيْنَآ. .﴾ [الحجر: ٦٦] .
أي: أوحينا. وسبحانه تكلَّم من قَبْل عن الإنجاء للمؤمنين من آل لوط؛ ثم تكلَّم عن عذاب الكافرين المنحرفين؛ والأمر الذي قضى به الحق سبحانه أنْ يُبيدَ هؤلاء المنحرفين. وقَطْع الدَّابر هو الخَلْع من الجذور.
ولذلك يقول القرآن: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ القوم الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنعام: ٤٥] .
وهكذا نفهم أن قَطْع الدابر هو أنْ يأخذَهم الحق سبحانه أَخْذ عزيز مقتدر فلا يُبقِى منهم أحداً. وموعد ذلك هو الصباح، فبعد أنْ خرج لوط ومَنْ معه بجزء من الليل وتمَّتْ نجاتهم يأتي الأمر بإهلاك المنحرفين في الصباح.
والأَخْذ بالصُّبح هو مبدأ من مبادئ الحروب؛ ويُقال: إن أغلب الحروب تبدأ عند أول خيط من خيوط الشمس.
والحق سبحانه يقول: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ [الصافات: ١٧٧] .
وهكذا شاء الحق سبحانه أنْ يأخذَهم وهُمْ في استرخاء؛ ولا يملكون قُدْرة على المقاومة.
وقَوْل الحق سبحانه هنا:
стр. 8972
﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] .
لا يتناقض مع قوله عنهم في موقع آخر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣] .
فكأن بَدْء الصيحة كان صُبْحاً، ونهايتهم كانت في الشروق. وهكذا رسم الحق سبحانه الصورة واضحة أمام لُوطٍ من قبل أنْ يبدأ التنفيذ؛ فهكذا أخبرتْ الملائكة لوطاً بما سوف يجري.
ويعود الحق سبحانه بعد ذلك إلى قوم لوط الذين لا يعرفون ما سوف يحدث لهم، فيقول سبحانه: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة ... ﴾ .
стр. 8973
وعندما عَلِم أهل المدينة من قوم لُوطٍ بوصول وَفْد من الشبان الحِسَان المُرْد عند لوط جاءوا مُستبشرين فَرِحين. وكان حُسْنهم مضربَ الأمثال؛ وكأن كُلاً منهم ينطبق عليه قَوْله الحق عن يوسف ﵇: ﴿مَا هذا بَشَراً إِنْ هاذآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] .
وقوله سبحانه:
﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الحجر: ٦٧] .
стр. 8974
يجمع لقطات مُركّبة عن الأمر الفاحش الشائع فيما بينهم، وكانوا يستبشرون بفعله ويَفْرحون به؛ فهم مَنْ ينطبق عليهم قوله الحق: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] .
وكان لوط يعلم هذا الأمر فيهم، ويعلم ما سوف يَحيق بهم؛ وأراد أنْ يجعل بينهم وبين فِعْل الفاحشة مع الملائكة سَدّاً؛ فهم في ضيافته وفي جواره، والتقاليد تقتضي أنْ يأخذَ الضيف كرامة المُضيف، وأيّ إهانة تلحق بالضيف هي إهانة للمُضيف، فيقول الحق سبحانه ما جاء على لسان لوط: ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ. .﴾ .
стр. 8975
والفضيحة هي هَتْك المساتير التي يستحيي منها الإنسان، فالإنسان قد يفعل أشياءَ يستحي أنْ يعملها عنه غيره. والحق حين يطلب منا أن نتخلَّق بخُلُقه؛ جعل من كُلِّ صفات الجمال والجلال نصيباً يعطيه لخَلْقه.
ولكن هناك بعضاً من صفاته يذكرها ولا يأتي بمقابل لها؛ فهو قد قال مثلاً «الضَّارّ» ومقابلها «النافع» وقال «الباسط» ومقابلها «القابض» وقال «المُعِزّ» ومقابلها «المُذِلّ» . ومن
стр. 8976
أسمائه «الستار» ولم يَأْتِ بالمقابل وهو «الفاضح» ؛ لماذا لم يَأْتِ بهذا المقابل؟
لأنه سبحانه شاء أنْ يحميَ الكون؛ لكي يستمتع كُلّ فَرْد بحسنات المُسيء، لأنك لو علمتَ سيئاته قد تبصُق عليه؛ لذلك شاء الحق سبحانه أن يستر المُسيء، ويُظهِر حسناته فقط.
وقد قال لوط لقومه بعد أن نهاهم عن الاقتراب الشائن من ضيوفه: ﴿واتقوا الله ... ﴾ .
стр. 8977
أي: ضَعوا بينكم وبين عقاب الحق لكم وقاية؛ ولا تكونوا سبباً في إحساسي بالخِزي والعار أمام ضيوفي بسبب ما تَرغبُون فيه من الفاحشة.
والاتقاء من الوقاية، والوقاية هي الاحتراس والبعد من الشر، لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ قوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا الناس والحجارة﴾ [التحريم: ٦] .
أي: اجعلوا بينكم وبين النار وقاية، واحترسوا من أن تقعوا فيها، بالابتعاد عن المحظورات، فإن فِعْل المحذور طريق إلى النار،
стр. 8978
والابتعاد عنه وقاية منها، ومن عجيب أمر هذه التقوى أنك تجد الحق يقول في القرآن الكريم والقرآن كله كلام الله.
يقول: ﴿واتقوا الله﴾ [البقرة: ١٩٤] .
ويقول: ﴿واتقوا النار﴾ [آل عمران: ١٣١] .
كيف نأخذ سلوكاً واحداً تجاه الحق وتجاه النار التي سيعذب فيها الكافرون؟
والمعنى: لا تفعلوا ما يغضب الله حتى لا تُعذَّبوا في النار، فكأنك قد جعلت بينك وبين النار وقاية بأن تركت المعاصي، وإن فعلتَ المأمورات، ورضيتَ بالمقدورات، وابتعدت عن المحذورات، فقد اتقيت الله.
ولكنهم لم يستجيبوا له، بدليل أنهم تَمادَوْا في غِيِّهم وقالوا ما أورده الحق سبحانه: ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ ... ﴾ .
стр. 8979
أي: أَلَمْ نُحذِّرك من قَبْل من ضيافة الشبان الذين يتمَّيزون بالحُسْن، ولأنك قُمْتَ باستضافة هؤلاء الشبان؛ فلا بُدَّ لنا من أنْ نفعلَ معهم ما نحب من الفاحشة، وكانوا يتعرَّضون لكل غريب بالسوء.
وحاول لوط أن ينهاهم قَدْر استطاعته؛ ولكنهم رفضوا أنْ يُجِير ضيوفه من عدوانهم الفاحش، وطلبوا منه أن يتركهم وشأنهم، ليفسدوا في الكون كما يشاءون، فلا تتكلم ولا تعترض على شيء مما نفعل، وهذه لغة أهل الضلال والفساد.
стр. 8980
وحاول لوط ﵇ أنْ يُثنيهم عن ذلك بأن قال لهم، ما جاء به الحق سبحانه: ﴿قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي ... ﴾ .
стр. 8981
أي: أنكم إنْ كُنتم مُصرِّين على ارتكاب الفاحشة؛ فلماذا لا تتزوجون من بناتي؟ ولقد حاول البعضُ أن يقولوا: إنه عرض بناته عليهم ليرتكبوا معهن الفاحشة؛ وحاشا الله أن يصدر مثل هذا الفعل عن رسول، بل هو قد عرض عليهم أن يتزوجوا النساء.
ثم إن لوطاً كانت له ابنتان اثنتان، وهو قد قال:
﴿هَؤُلآءِ بَنَاتِي. .﴾ [الحجر: ٧١] .
أي: أنه تحدث عن جمع كثير؛ ذلك أن ابنتيه لا تصلحان إلا للزواج من اثنين من هذا الجمع الكثيف من رجال تلك المدينة، ونعلم أن بنات كل القوم الذين يوجد فيهم رسول يُعتبرْنَ من بناته.
ولذلك يقول الحق سبحانه ما يُوضّح ذلك في آية أخرى. ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٥ - ١٦٦] .
أي: أن لوطاً أراد أنْ يردَّ هؤلاء الشواذ إلى دائرة الصواب، والفعل الطيب. وذيَّل كلامه:
стр. 8982
﴿إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] .
ليوحي لهم بالشكِّ في أنهم سيُهينون ضيوفه بهذا الأسلوب المَمْجوج والمرفوض.
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ ... ﴾ .
стр. 8983
والخطاب هنا لرسول الله ﷺ َ. و «عَمْرُك» معناها السنُّ المُحدَّد للإنسان لاستقامة الحياة، ومرة تنطق «عُمْرك» ومرة تنطق «عَمْرك» ، ولكنهم في القَسَم يختارون كلمة «عَمْرك» ، وهذا يماثل قولنا في الحياة اليومية «وحياتك» .
ومن هذا القول الكريم الذي يُحدِّث به الحق سبحانه رسوله استدلَّ أهل الإشراق والمعرفة أن الحق سبحانه قد كرَّم سيدنا رسول الله ﷺ َ؛ بأنه حين ناداه لم يُنَادِهِ باسمه العلنيّ «يا محمد» أو «يا أحمد» كما نادى كل رُسُله، ولكنه لم يُنَادِ الرسول ﷺ َ إلا بقوله: ﴿ياأيها الرسول﴾ [المائدة: ٦٧] .
أو: ﴿ياأيها النبي﴾ [الممتحنة: ١٢] .
وفي هذا تكريمٌ عظيم، وهنا في هذه الآية نجد تكريماً آخر، فسبحانه يُقسِم بحياة رسوله ﷺ َ. ونعلم أن الحق سبحانه يُقسِم
стр. 8984
بما شاء على ما شاء، أقسم بالشمس وبمواقع النجوم وبالنجم إذا هَوَى.
فهو الخالق العليم بكل ما خلق؛ ولا يعرف عظمة المخلوق إلا خالقه، وهو العالم بمُهمة كل كائن خلقه، لكنه أمرنا ألاَّ نُقسِم إلاَّ به؛ لأننا نجل حقائق الأشياء مُكْتملةً.
وقد أقسم سبحانه بكل شيء في الوجود، إلا أنه لم يُقسِم أبداً بأيِّ إنسان إلا بمحمد ﷺ َ؛ فقال هنا:
﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: ٧٢] بحياتك يا محمد إنهم في سَكْرة يعمهون.
والسكرة هي التخديرة العقلية التي تحدث لمن يختلّ إدراكهم بفعل عقيدة فاسدة، أو عادة شاذة، أو بتناول مادة تثير الاضطراب في الوعي.
و ﴿يَعْمَهُونَ. .﴾ [الحجر: ٧٢] .
أي: يضطربون باختيارهم.
ويأتي العقاب؛ فيقول الحق سبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ... ﴾ .
стр. 8985
وسبق أنْ أخبرنا سبحانه أنه سيقطع دابرهم وهم مصبحون،
стр. 8986
وهنا يخبرنا أن الصيحة أخذتهم وهم مُشْرقون، ونحن نرى هذه الأيام بعضاً من الألعاب كلعبة «الكاراتيه» تصدر صيحة من اللاعب في مواجهة خَصْمه لِيُزيد من رُعبْه.
كما نرى في تدريبات الصاعقة العسكرية؛ نوعاً من الصرخات، هدفها أنْ يُدخِل المقاتل الرُّعْب في قلب عدوه.
وكل ما يتطلب إرهاب الخَصْم يبدأ بصيحة تُفقِده توازنه الفكري؛ ولذلك قال الحق سبحانه في موقع آخر: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: ٣١] .
ومرّة يُسمّيها الحق سبحانه بالطاغية؛ فيقول: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥] .
ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا ... ﴾ .
стр. 8987
وما دام عاليها قد صار أسفلها، فهذا لَوْنٌ من الانتقام المُنظّم المُوجّه؛ ولو لم يكن انتقاماً مُنظّماً؛ لانقلب بعضُ ما في تلك المدينة على الجانب الأيمن أو الأيسر.
ولكن شاء الحق سبحانه أن يأتي لنا بصورة ما حدث، لِيدلَنا على قدرته على أنْ يفعلَ ما شاء كما يشاء. وأمطرهم الحق سبحانه بحجارة من سجيل؛ كتلك التي أمطر بها مَنْ هاجموا الكعبة في عام ميلاد رسول الله ﷺ َ.
وهي حجارة صُنِعَتْ من طين لا يعلم كُنْهَه إلا الله سبحانه، والطين إذا تحجَّر سُمّي «سجيلاً» .
والحق سبحانه هو القائل عن نفس هذا الموقف في سورة الذاريات: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] .
وقد أرسل الحق سبحانه تلك الحجارة عليهم لِيُبيدهم، فلا يُبقِي منهم أحداً.
ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ... ﴾ .
стр. 8988
وهكذا كان العذاب الذي أنزله الحق سبحانه بقوم لوط آية واضحة للمُتوسِّمين. والمُتوسِّم هو الذي يُدرك حقائق المَسْتور بمكْشُوف المظهور. ويُقال «توسَّمْتُ في فلان كذا» أي: أخذ من الظاهر حقيقة الباطن.
стр. 8989
ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ [الفتح: ٢٩] .
أي: ساعةَ تراهم ترى أن الملامح تُوَضِّح ما في الأعماق من إيمان.
ويقول سبحانه أيضاً: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] .
وهكذا نعرف أن المُتوسِّم هو صاحب الفَراسة التي تكشف مكنون الأعماق. وها هو ﷺ َ يقول: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» .
وتحمل الذاكرة العربية حكاية الأعرابي الذي فقد جمله، فذهب إلى قيم الناحية أي: عمدة المكان وقال له: «ضاع جملي، وأخشى أن يكون قد سرقه أحد» . وبينما هو يُحدِّث القيِّم جاء واحد، وقال له: أجملك أعور؟ أجاب صاحب الجمل: نعم، وقال له: أجملك أبتَر؟ أي: لا ذَيْل له، أجاب صاحب الجمل: نعم.
стр. 8990
فسأل الرجل سؤالا ثالثاً: أجملك أشول؟ أي: يعرج قليلاً عندما يسير؛ فأجاب الرجل: نعم، والله هو جَمَلِي.
وأراد قيِّم الحي أن يعلم كيف عرف الرجل الذي حضر كل هذه العلامات التي في الجمل، فسأله: وما أدراك بكل تلك العلامات؟
قال الرجل: لقد رأيتُه في الطريق، وعرفتُ أنه أعورُ، ذلك أنه كان يأكل العُشبْ الجاف من جهة، ولا يلتفت إلى العُشْب الأخضر في الجهة الأخرى، ولو كان يرى بعينيه الاثنتين لرأى العُشْب الأخضر.
وعرفت أنه أبتر مقطوع الذيل نتيجة أن بَعْره لم يتبعثر مثل غيره من الجمال التي لها ذَيْل غير مقطوع.
وعرفت أنه أشول؛ لأن أثر ساقه اليمنى أكثر عُمْقاً في الأرض من أثر ساقه اليسرى. وهكذا شرحت الذاكرة العربية معنى كلمة «المتوسم» .
ثم يُبيِّن الحق سبحانه مكان مدينة قوم لوط، فيقول من بعد ذلك: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ ... ﴾ .
стр. 8991
أي: أنها على طريق ثابت تمرُّون عليه إنْ ذهبتُم ناحية هذا المكان، وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] .
فهذه المدينة إذنْ في طريق ثابت؛ لن تُضيّعه عوامل التَّعْرية أو الأغيار، ولن تضيعه تلك العوامل إلا إذا شاء الحق سبحانه له أن
стр. 8992
يكون مُحْكَم التكوين ومُحكمَ التثبيت. وهو ما يُسمَّى «سدوم» .
ومن بعد ذلك يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً ... ﴾ .
стр. 8993
وقد قال من قبل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] .
فكأن من مسئوليات المؤمن أنْ يتفحَّص في أدبار الأشياء، وأنْ يتعرّف على الأشياء بسيماها، وأن يمتلكَ فراسة الإيمان التي قال عنها ﷺ َ: «اتقوا فراسةَ المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» .
وهكذا يُنهِي الحق سبحانه هنا قصة لوط؛ وما وقع عليهم من عذاب يجب أن يتعظَ به المؤمنون؛ فقد نالوا جزاءَ ما فعلوا من فاحشة.
وينقلنا الحق سبحانه من بعد ذلك نَقْلة أخرى؛ إلى أهل مَدْين، وهم قوم شُعَيب. وهم أصحاب الأيكة، يقول سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ... ﴾ .
стр. 8994
و «الأَيْك» هو الشجر المُلْتف الكثير الأغصان. ونعلم أن شعيباً ﵇ قد بُعِث لأهل مدين وأصحاب الأيكة، وهي مكان قريب من مدين، وكان أهل مدين قد ظلموا أنفسهم بالشرك.
стр. 8995
وقد قال الحق سبحانه: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ [الأعراف: ٨٥] .
وقال عن أصحاب الأيكة: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأيكة المرسلين إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٧] .
وهكذا نعلم أن شعيباً قد بُعِث لأُمتين مُتجاورتين.
ويقول سبحانه عن هاتين الأُمتين: ﴿فانتقمنا مِنْهُمْ ... ﴾ .
стр. 8996
ويُقال: إن ما كان يفصل بين مدين وأصحاب الأيكة هو هذا الشجر المُلْتف الكثيف القريب من البحر. ولذلك نجد هنا الدليل على أن شعيباً ﵇ قد بُعِث إلى أُمتين هو قوله الحق:
﴿وَإِنَّهُمَا. .﴾ [الحجر: ٧٩] .
وقد انتقم الله من الأُمتين الظالمتين؛ مَدْين وأصحاب الأيكة.
ويقول الحق سبحانه:
стр. 8997
﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] .
والإمام هو ما يُؤتَم به في الرأي والفتيا، أو في الحركات والسَّكنات؛ أو: في الطريق المُوصِّل إلى الغايات، ويُسمَّى «إمام» لأنه يدلُّ على الأماكن أو الغايات التي نريد أن نصل إليها، ذلك أنه يعلم كل جزئية من هذا الطريق.
وفيما يبدو أن أصحاب الأَيْكة قد تَمادَوْا في الظُّلْم والكفر، وإذا كان سبحانه قد أخذ أهل مَدْين بالصيحة والرجفة؛ فقد أخذ أصحاب الأيكة بأن سلط عليهم الحَرَّ سبعة أيام لا يُظِلهم منه ظِلٌّ؛ ثم أرسل سحابة وتمنَّوْا أن تُمطر، وأمطرتْ ناراً فأكلتهم، كما قالت كتب الأثر.
وهذا هو العذاب الذي قال فيه الحق سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] .
وهكذا تكون تلك العِبَر بمثابة الإمام الذي يقود إلى التبصُّر بعواقب الظلم والشرك.
وينقلنا الحق سبحانه إلى خبر قوم آخرين، فيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ. .﴾ .
стр. 8998
وأصحاب الحِجْر هم قوم صالح، وكانت المنطقة التي يقيمون فيها
стр. 8999
كلها من الحجارة؛ ولا يزال مُقَامهم معروفاً في المسافة بين خيبر وتبوك. وقال فيهم الحق سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] .
وهم قد كذّبوا نبيهم «صالح» وكان تكذيبهم له يتضمن تكذيب كل الرسل، ذلك أن الرسل يتواردون على وحدانية الله، ويتفقون في الأحكام العامة الشاملة، ولا يختلف الأنبياء إلا في الجزئيات المناسبة لكل بيئة من البيئات التي يعيشون فيها.
فبيئة: تعبد الأصنام، فيُثبِت لهم نبيُّهم أن الأصنام لا تستحق أن تُعبد.
وبيئة أخرى: تُطفِّف الكيْل والميزان؛ فيأتي رسولهم بما ينهاهم عن ذلك.
وبيئة ثالثة: ترتكب الفواحش فيُحذِّرهم نبيهم من تلك الفواحش.
وهكذا اختلف الرسل في الجزئيات المناسبة لكل بيئة؛ لكنهم لم يختلفوا في المنهج الكُليّ الخاص بالتوحيد والمنهج، وقد قال الحق سبحانه عن قوم صالح أنهم كذَّبوا المُرْسلين؛ بمعنى أنهم كذّبوا صالحاً فيما جاء به من دعوة التوحيد التي جاء بها كل الرسل.
стр. 9000
ويقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا ... ﴾ .
следующие страницы →