← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

ويُقال: إن ما كان يفصل بين مدين وأصحاب الأيكة هو هذا الشجر المُلْتف الكثيف القريب من البحر. ولذلك نجد هنا الدليل على أن شعيباً ﵇ قد بُعِث إلى أُمتين هو قوله الحق: ﴿وَإِنَّهُمَا. .﴾ [الحجر: ٧٩] . وقد انتقم الله من الأُمتين الظالمتين؛ مَدْين وأصحاب الأيكة. ويقول الحق سبحانه:

стр. 8997

﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩] . والإمام هو ما يُؤتَم به في الرأي والفتيا، أو في الحركات والسَّكنات؛ أو: في الطريق المُوصِّل إلى الغايات، ويُسمَّى «إمام» لأنه يدلُّ على الأماكن أو الغايات التي نريد أن نصل إليها، ذلك أنه يعلم كل جزئية من هذا الطريق. وفيما يبدو أن أصحاب الأَيْكة قد تَمادَوْا في الظُّلْم والكفر، وإذا كان سبحانه قد أخذ أهل مَدْين بالصيحة والرجفة؛ فقد أخذ أصحاب الأيكة بأن سلط عليهم الحَرَّ سبعة أيام لا يُظِلهم منه ظِلٌّ؛ ثم أرسل سحابة وتمنَّوْا أن تُمطر، وأمطرتْ ناراً فأكلتهم، كما قالت كتب الأثر. وهذا هو العذاب الذي قال فيه الحق سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] . وهكذا تكون تلك العِبَر بمثابة الإمام الذي يقود إلى التبصُّر بعواقب الظلم والشرك. وينقلنا الحق سبحانه إلى خبر قوم آخرين، فيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ. .﴾ .

стр. 8998

وأصحاب الحِجْر هم قوم صالح، وكانت المنطقة التي يقيمون فيها

стр. 8999

كلها من الحجارة؛ ولا يزال مُقَامهم معروفاً في المسافة بين خيبر وتبوك. وقال فيهم الحق سبحانه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩] . وهم قد كذّبوا نبيهم «صالح» وكان تكذيبهم له يتضمن تكذيب كل الرسل، ذلك أن الرسل يتواردون على وحدانية الله، ويتفقون في الأحكام العامة الشاملة، ولا يختلف الأنبياء إلا في الجزئيات المناسبة لكل بيئة من البيئات التي يعيشون فيها. فبيئة: تعبد الأصنام، فيُثبِت لهم نبيُّهم أن الأصنام لا تستحق أن تُعبد. وبيئة أخرى: تُطفِّف الكيْل والميزان؛ فيأتي رسولهم بما ينهاهم عن ذلك. وبيئة ثالثة: ترتكب الفواحش فيُحذِّرهم نبيهم من تلك الفواحش. وهكذا اختلف الرسل في الجزئيات المناسبة لكل بيئة؛ لكنهم لم يختلفوا في المنهج الكُليّ الخاص بالتوحيد والمنهج، وقد قال الحق سبحانه عن قوم صالح أنهم كذَّبوا المُرْسلين؛ بمعنى أنهم كذّبوا صالحاً فيما جاء به من دعوة التوحيد التي جاء بها كل الرسل.

стр. 9000

ويقول الحق سبحانه عنهم من بعد ذلك: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا ... ﴾ .

стр. 9001

وهنا يُوجِز الحق ما أرسل به نبيهم صالح من آيات تدعوهم إلى التوحيد بالله، وصِدْق بلاغ صالح ﵇ الذي تمثَّل في الناقة، التي حذَّرهم صالحَ أنْ يقربوها بسوء كَيْلا يأخذهم العذاب الأليم. لكنهم كذَّبوا وأعرضوا عنه، ولم يلتفتوا إلى الآيات التي خلقها الحق سبحانه في الكون من ليل ونهار، وشمس وقمر، واختلاف الألْسُنِ والألوان بين البشر. ونعلم أن الآيات تأتي دائماً بمعنى المُعْجزات الدَّالة على صدْق الرسول، أو: آيات الكون، أو: آيات المنهج المُبلَّغ عن الله، تكون آية الرسول من هؤلاء من نوع ما نبَغ فيه القوم المُرْسَل إليهم؛ لكنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثلها. وعادةً ما تثير هذه الآية خاصيَّة التحدِّي الموجودة في الإنسان، ولكن أحداً من قوم الرسل أيّ رسول لا يُفلِح في أن يأتي بمثل آية الرسول المرسل إليهم. ويقول الحق سبحانه عن قوم صالح: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [الحجر: ٨١] .

стр. 9002

أي: تكبَّروا وأعرضوا عن المنهج الذي جاءهم به صَالح، والإعراض هو أنْ تُعطِي الشيء عَرْضك بأن تبتعدَ عنه ولا تُقبِل عليه، ولو أنك أقبلتَ عليه لَوجدتَ فيه الخير لك. وأنت حين تُقبِل على آيات الله ستجد أنها تدعوك للتفكُّر، فتؤمن أن لها خالقاً فتلتزم بتعاليم المنهج الذي جاء به الرسول. وأنت حين تُفكِّر في الحكمة من الطاعة ستجد أنها تُريحك من قلق الاعتماد على أحد غير خالقك، لكن لو أخذتَ المسائل بسطحية؛ فلن تنتهي إلى الإيمان. ولذلك نجده سبحانه يقول في موقع آخر من القرآن الكريم: ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] . وفي هذا تكليفٌ للمؤمن كُل مؤمن أن يُمعِنَ النظر في آيات الكون لعلَّه يستنبط منها ما يفيد غيره. وأنت لو نظرتَ إلى كل المُخْترعات التي في الكون لوجدتَّها نتيجةً للإقبال عليها من قِبَل عالم أراد أنْ يكتشفَ فيها ما يُريح غيره به. والمثل في اكتشاف قُوَّة البخار التي بدأ بها عَصْر من الطاقة واختراع المُعدات التي تعمل بتلك الطاقة، وحرّك بها القطار والسفينة؛ مثلما سبقها إنسان آخر واخترع العجلة لِيُسهّل على البشر حَمْل الأثقال. وإذا كان هذا في أمر الكَوْنيّات؛ فأنت أيضاً إذا تأملتَ آيات

стр. 9003

الأحكام في «افعل» و «لا تفعل» ستجدها تفيدُك في حياتك ومستقبلك، والمثَل على ذلك هو الزكاة؛ فأنت تدفع جزءً يسيراً من عائد عملك لغيرك مِمَّنْ لا يَقْوَى على العمل، وستجد أن غيرك يعطيك إنْ حدث لك احتياج؛ ذلك أنك من الأغيار. ويتابع الحق سبحانه قوله عن قوم صالح: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ. .﴾ .

стр. 9004

وهنا يمتنُّ عليهم بأن منحهم حضارةً، ووهبهم مهارة البناء والتقدُّم في العمارة؛ وأخذوا في بناء بيوتهم في الأحجار، ومن الأحجار التي كانت توجد بالوادي الذي يقيمون فيه، وقطعوا تلك الأحجار بطريقة تُتيح لهم بناء البيوت والقُصور الآمنة من أغيار التقلُّبات الجوية وغيرها. ونعلم أن مَنْ يعيش في خَيْمة يعاني من قِلَّة الأمن؛ أما مَنْ يبني بيته من الطوب اللَّبن؛ فهو اكثر أمْناً مِمَّنْ في الخيمة، وإنْ كان أقلَّ أماناً من الذي يبني بيته من الأسمنت المُسلَّح، وهكذا يكون أَمنْ النفس البشرية في سكنها واستقرارها من قوة الشيء الذي يحيطه. وإذا كان قوم صالح قد أقاموا بيوتهم من الحجارة فهي بالتأكيد اكثر أَمْناً من غيرهم، ونجد نبيهم صالحاً، وقد قال لهم ما أورده الحق سبحانه في كتابه الكريم:

стр. 9005

﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً فاذكروا آلآءَ الله وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤] . ولكنهم طَغَوْا وبَغَوْا وأنكروا ما جاء به صالح ﵇ فما كان من الحق سبحانه إلا أنْ أرسلَ عليهم صيحةً تأخذهم. وقال الحق سبحانه: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة ... .﴾ .

стр. 9006

وهم إذا كانوا قد اتخذوا من جبليّة الموقع أَمْناً لهم؛ فقد جاءت الصيحة من الحق سبحانه لِتدكَّ فوق رؤوسهم ما صنعوا، وقد قال الحق سبحانه عنهم من قبل في سورة هود: ﴿وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧] . وقال سبحانه عنهم أيضاً: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] . والرَّجْفة هي الزلزلة، والصَّيْحة هي بعض من توابع الزلزلة،

стр. 9007

ذلك أن الزلزلة تُحدِث تموجاً في الهواء يؤدي إلى حدوث أصوات قوية تعصف بمَنْ يسمعها. وهم حسب قَوْل الحق سبحانه قد تمتَّعوا ثلاثة أيام قبل أنْ تأخذهم الصَّيْحة كَوَعْد نبيهم صالح ﵇ لهم: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] . ويقول الحق سبحانه عن حالهم بعد أنْ أخذتهم الصَّيْحة: ﴿فَمَآ أغنى ... ﴾ .

стр. 9008

وهكذا لم تنفعهم الحصون في حمايتهم من قدَر الله، ونعلم أن قدر الله أو عقابه لا يمكن أنْ يمنعه مانعٌ مهما كان؛ فهو القائل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] . وهكذا لا يمكن أن يحميَ الإنسانُ نفسَه مما قَدَّره الله له، أو مِمَّا يشاء الحق أن يُنزِله على الإنسان كعقاب. وسبحانه القائل: ﴿قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الذين كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتل إلى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] . وهكذا خَرُّوا جميعاً في قاع الهلاك، ولم تَحْمِهِم حصونهم من العذاب الذي قدَّره سبحانه.

стр. 9009

وبعد ذلك ينقلنا الحق سبحانه إلى الآيات الكونية؛ فيقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات. .﴾ .

стр. 9010

والحقُّ هو الشيء الثابت الذي لا تَعْتوره الأغيار، والمثَل هو نظام المجرَّات وحركة الشمس والقمر؛ تجدها مُنْضبِطة؛ ذلك أن الإنسان لا يتدخَّل فيها، وليس للإنسان - صاحب الأغيار - معه أيُّ اختيار. ولذلك نجد أن الفسادَ لا ينشأ في الكون من النواميس العُلْيا، ولكن من الأمور التي يتدخَّل فيها الإنسان، وليس معنى ذلك أنْ يتوقفَ الإنسانُ عن الحركة في الأرض؛ ولكن عليه أنْ يرعى منهج الله، ويمتنع عَمَّا نهى عنه وأنْ يطيعَ ما أمره به. وأنت لو طبَّقْتَ أوامر الحق سبحانه في «افعل» و «لا تفعل» لاستقامتْ الدنيا في الأمور التي لكَ دَخْل فيها كانتظام الأمور التي ليس لك دَخْل فيها. واقرأ إنْ شِئْتَ قَوْله الحق: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان

стр. 9011

الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ [الرحمن: ١ - ٨] . فإن كنتم تريدون أن تنتظمَ أموركم في الحياة الدنيا؛ فلا تطغَوْا في ميزان أيِّ شيء. وهنا يُذكِّرنا الحق سبحانه ألاَّ نقعَ في خطأ الوهم بأننا سنأخذ نِعَم الدنيا دون ضابط أو رابط؛ فالحساب قادم لا محالة، ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الذي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُّقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤١ - ٤٢] . أي: مَا قدّره الله سيقع دون أنْ يَصُدَّه شيء مهما كان، وإمَّا ترى ذلك في حياتك، أو تراه لحظة البَعْث. والدليل هو ما حاق بمَنْ كفروا وظلموا وكذَّبوا الرسل، وعاثوا في الأرض مُفْسدين. وأهلكهم الحق سبحانه بعذابه تطهيراً للأرض مِنْ فسادهم، هذا جزاؤهم في الدنيا، وهناك جزاء آخر في اليوم الآخر. وفي هذا القول تَسلْية لرسول الله ﷺ َ، فهو حين يُعْلِمه الله ما حاقَ بالأمم السابقة التي كذَّبت الرسل؛ هانتْ عليه المتاعب والمشاقّ التي عاناها من قومه، وليسهُلَ عليه من بعد ذلك أن يتذرَّع بالصبر الجميل، حتى يأتي وَعْدُه سبحانه، وليس عليك يا محمد أنْ تُحمّل نفسك ما لاَ تطيق.

стр. 9012

ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ... .﴾ .

стр. 9013

وقد جاء سبحانه هنا بالاسم الذي خلق به من عَدَم، وأمدَّ من عُدْم. وقيُّومية الربوبية هي التي تمدُّ كل الكون برزقه وترعاه؛ فسبحانه هو الذي استدعى الإنسان إلى الكون، وهو الذي يرعاه. وكلمة: ﴿رَبَّكَ. .﴾ [الحجر: ٨٦] . تُوحي بأنه إنْ أصابك شيءٌ بسبب دعوتك، وبسبب كنود قومك أمامك وعدائهم لك، فربُّكَ يا محمد لن يتركهم. والرب كما نعلم هو مَنْ يتولَّى تربية الشي إلي ما يعطيه مناط الكمال، ولا يقتصر ذلك على الدنيا فقط، ولكنه ينطبق على الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿الخلاق﴾ [الحجر: ٨٦] . مبالغة في الخَلْق، وهي امتداد صفة الخَلْق في كل ما يمكن أنْ يخلق، لأنه سبحانه هو الذي أعدَّ كل مادة يكون منها أيّ خَلْق، وأعدّ العقل الذي يُفكِّر في أيِّ خلق، وأعدَّ الطاقة التي تفعل، وأعدَّ التفاعل بين الطاقة والمادة والعقل المُخطَّط لذلك. وما يفعله الإنسان المخلوق هو التوليف بين ما خلقه الله من

стр. 9014

مواد، وإنْ وُجِد خلاق من البشر؛ فهو وحده سبحانه الذي يهب إنساناً ما أفكاراً لينفذها، ثم يأتي مَنْ هو أذكى منه لِيُطوِّرها. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] . وهكذا رأينا كل المخترعات البشرية تتطوَّر؛ والمثَل على ذلك هو آلة الحياكة التي صارت تعمل الآن آلياً بعد أن كانت المرأة تجلس عليها لِتكدَّ في ضَبْطها، وكذلك غسَّالة الملابس، وغسالة الأطباق والسيارات والطائرات. ونلحظ أن كل ما خلقه الله يمكن أن يُستفاد من عادمه مثل رَوَث البهائم؛ الذي يُستخدم كسماد، أما عادم السيارات مثلاً فهو يُلوِّث الجو. وشاشة التلفزيون تُصدِر من الإشعاعات مَا يضر العين، وتَمَّ بحْثُ ذلك لتلافي الآثار الجانبية في مثل تلك الأدوات التي يسهل الإنسان بها حياتها. أما ما يخلقه الله فلا توجد له آثار جانبية؛ فسبحانه ليس صاحب عِلْم مُكْتسب أو ممنوح؛ بل العلم صفة ذاتية فيه. ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً ... ﴾ .

стр. 9015

وهنا يمتنُّ الحق سبحانه على رسوله ﷺ َ بأنه يكفيه أنْ أنزلَ عليه القرآن الكتاب المعجزة، والمنهج الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفه. فالقرآن يضمُّ كمالاتِ الحق التي لا تنتهي؛ فإذا كان سبحانه قد أعطاك ذلك، فهو أيضاً يتحمَّل عنك كُلَّ ما يُؤلِمك. والحق سبحانه هو القائل: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] . ويقول له الحق أيضاً: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الذي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . وأزاح الحق سبحانه عنه هموم اتهامهم له بأنه ساحر أو مجنون؛ وقال له سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ ولكن الظالمين بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . ويكشف له سبحانه: إنهم يؤمنون أنك يا محمد صادق، ولكنهم يتظاهرون بتكذيبك. ويتمثَّل امتنانُ الحق سبحانه على رسوله أنه أنزل عليه السَّبْع المثاني، واتفق العلماء على أن كلمة «المثاني» تعني فاتحة الكتاب، فلا يُثنَّى في الصلاة إلا فاتحة الكتاب.

стр. 9016

ونجده سبحانه يَصِف القرآنَ بالعظيم؛ وهو سبحانه يحكم بعظمة القرآن على ضَوْء مقاييسه المُطْلقة؛ وهي مقاييس العظمة عنده سبحانه. والمثَل الآخر على ذلك وَصفْه سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] . وهذا حُكْم بالمقاييس العُلْيا للعظمة، وهكذا يصبح كُلّ متاع الدنيا أقلَّ مِمَّا وهبه الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ، فلا ينظرَنَّ أحدٌ إلى ما أُعطِىَ غيره؛ فقد وهبه سبحانه لرسوله ﷺ َ. ونلحظ أن الحق سبحانه قد عطف القرآن على السَّبْع المثاني، وهو عَطْف عام على خَاصٍّ؛ كما قال الحق سبحانه: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . ونفهم من هذا القول أن الصلاة تضمُّ الصلاة الوُسْطى أيضاً، وكذلك مثل قول الحق ما جاء على لسان رسوله ﷺ َ: ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمؤمنات﴾ [نوح: ٢٨] .

стр. 9017

وهكذا نرى عَطْف عام على خاص، وعَطْف خاص على عام. أو: أنْ نقولَ: إن كلمة «قرآن» تُطلَق على الكتاب الكريم المُنزَّل على رسول الله ﷺ َ من أول آية في القرآن إلى آخر آية فيه، ويُطلق أيضاً على الآية الواحدة من القرآن؛ فقول الحق سبحانه: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] . هي آية من القرآن؛ وتُسمَّى أيضاً قرآناً. ونجده سبحانه يقول: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفجر كَانَ مَشْهُوداً﴾ [الإسراء: ٧٨] . ونحن في الفجر لا نقرأ كل القرآن، بل بعضاً منه، ولكن ما نقرؤه يُسمَّى قرآناً، وكذلك يقول الحق سبحانه: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ القرآن جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] . وهو لا يقرأ كُلَّ القرآن بل بعضه، إذن: فكلُّ آية من القرآن قرآن.

стр. 9018

وقد أعطى الحق سبحانه رسوله ﷺ َ السَّبْع المثاني والقرآن العظيم، وتلك هي قِمَّة العطايا؛ فلله عطاءاتٌ متعددة؛ عطاءات تشمل الكافر والمؤمن، وتشمل الطائع والعاصي، وعطاءات خاصة بمَنْ آمن به؛ وتلك عطاءات الألوهية لمَنْ سمع كلام ربِّه في «افعل» و «لا تفعل» . وسبحانه يمتد عطاؤه من الخَلْق إلى شَرْبة الماء، إلى وجبة الطعام، وإلى الملابس، وإلى المَسْكن، وكل عطاء له عُمْر، ويسمو العطاء عند الإنسان بسُمو عمر العطاء، فكل عطاء يمتدُّ عمره يكون هو العطاء السعيد. فإذا كان عطاء الربوبية يتعلَّق بمُعْطيات المادة وقوام الحياة؛ فإن عطاءات القرآن تشمل الدنيا والآخرة؛ وإذا كان ما يُنغِّص أيَّ عطاء في الدنيا أن الإنسانَ يُفارقه بالموت، أو أن يذوي هذا العطاء في ذاته؛ فعطاء القرآن لا ينفد في الدنيا والآخرة. ونعلم أن الآخرة لا نهايةَ لها على عكس الدنيا التي لا يطول عمرك فيها بعمرها، بل بالأجل المُحدَّد لك فيها. وإذا كانت عطاءاتُ القرآن تحرس القيم التي تهبُك عطاءات الحياة التي لا تفنَى وهي الحياة الآخرة؛ فهذا هو أَسْمى عطاء، وإياك أن تتطلعَ إلى نعمة موقوتة عند أحد منهم من نِعَم الدنيا الفانية؛ لأن مَنْ أُعطِي القرآن وظنَّ أن غيره قد أُعْطِي خيراً منه؛ فقد حقر ما عَظَّم الله. وما دام الحق سبحانه قد أعطاك هذا العطاء العظيم، فيترتب عليه قوله:

стр. 9019

﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ... ﴾ .

стр. 9020

والمَدُّ: هو مَطُّ الشيء وزيادته. وللعيْن مسافات تُرَى فيها المرائي؛ كُل عَيْن حَسْب قدرتها، فهناك مَنْ يتمتع ببصر قوي وحادّ، وهناك مَنْ ليس كذلك. ويتراوح الناس في قدرة إبصارهم حسب توصيف وضعه الأطباء؛ ليعالجوا ذلك على قَدْر استطاعتهم العلمية. وفي المثَل اليومي نسمع مَنْ يقول «فلان عنده بُعْد نظر» أي: يملك قدرة على أن يقيسَ رُدود الأفعال، ويتوقّع ما سوف يحدث، وما يترتَّب على نتائج أيِّ فعل. والمراد بمَدِّ العين ليس إخراج حبة العين ومدِّها؛ ولكن المراد إدامة النظر والإمعان، ولكن الحق سبحانه عبَّر في القرآن هذا التعبير، وكأن الإنسان سيخرج حبَّة عينه ليجري بها، وليُمعِن النظر، وهذا ما يفهم من منطوق الآية، والمنطوق يشير إلى المفهوم المراد، وهذا عين الإعجاز. وكلمة «متاع» تفيد أن شيئاً يُتمتَّع به وينتهي، ولذلك يُوصَف متاع الدنيا في القرآن بأنه متَاعُ الغرور، أي: أنه متاع موقوت بلحظة.

стр. 9021

وقول الحق سبحانه: ﴿أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ ... ﴾ [الحجر: ٨٨] . هي جَمْع زَوْج، وسبق أنْ أوضحنا أن كلمة «زوج» هي مفرد، والذكَر والأنثى حين يتلاقيان يصبح اسمهما زوجين، والحق سبحانه هو القائل: ﴿سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا﴾ [يس: ٣٦] . والأزواج كلُّها تعني الفرد، ومعه الفرد من كل صنف من الأصناف. المراد بكلمة أزواج هنا أن المخالفين لرسول الله ﷺ َ كانوا شِلَلاً شِللاً؛ ضال ومضل؛ وضال آخر معه مُضِل. ولحظة الحساب سيقول كل منهم: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] . وهكذا كانت كلمة «أزواج» تدل على أصناف متعددة من الذين يقفون معاندين لرسول الله ﷺ َ ومُنكِرين لمنهجه. وفي موقع آخر من القرآن يكشف سبحانه عَمَّنْ أغوتْهم الشياطين، ويحشرهم الحق سبحانه مع الشياطين في نار جهنم: ﴿وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَامَعْشَرَ الجن قَدِ استكثرتم مِّنَ الإنس﴾ [الأنعام: ١٢٨] .

стр. 9022

أي: يا معشرَ الجنِّ قد استطعتُم أنْ تُوحوا لكثير من الإنس بالغواية والمعصية، ليكونوا أولياءكم، وهكذا نجد أن كل جماعة تتفق على شيء نُسمِّيهم أزواجاً. وهنا يُوضِّح الحق سبحانه: إياكَ أنْ تَمُدَّ عينيك إلى ما متَّعنا به أزواجاً منهم، لأننا أعطيناك أعلى عطاءٍ، وهو معجزة القرآن حارس القيم، والذي يضمُّ النَّهْج القويم. ويتابع سبحانه: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] . ويُقال: حزنت منه، وحَزِنت عليه، وحَزِنت له؛ فمَنْ ناله ما يُحزن، ولم يَصْدُر عنك هذا السبب في حزنه؛ فأنت تقول له «حَزِنت لك» . وآخر ارتكب فِعْلاً يُسِيء إلى نفسه؛ فأنت تحزن عليه. ورسول الله ﷺ َ حَزِن عليهم؛ فقد كان يُحِبّ أنْ يؤمنوا، وأنْ يتمتعوا بالنعمة التي يتمتع هو بها. ولذلك نجد الحق سبحانه يقول عن رسوله ﷺ َ: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . فمِنْ رأفته ﷺ َ صَعُبَ على نفسه أنْ ينَال قومه مشقةٌ؛ فالرحمة

стр. 9023

والرأفة مصدرها ما وهبه الله إياه من فَهْم لقيمة نعمة الإيمان. وفي آية أخرى يقول سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ [الكهف: ٦] . أي: أنه لن ينقصَ منك شيء في حالة عدم إيمانهم، ولن يزيدك إيمانهم أجراً؛ ذلك أن عليك البلاغَ فقط؛ فلماذا تحزن على عدم إيمانهم؟ وقول الحق سبحانه هنا: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [الحجر: ٨٨] . دليل على أن رسول الله صل الله عليه وسلم كان حريصاً على أن يُؤمِن قومه، محبةً فيهم، وليتعرَّفوا على حلاوة الإيمان بالله. وكان ﷺ َ يتألم ويحز في نفسه عدم إيمانهم، لدرجة أن الحق سبحانه قال له في آية أخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٣ - ٤] . وهنا يُوضِّح الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ أن إيمانهم ليس أمراً

стр. 9024

صعباً عليه سبحانه؛ ذلك أنه قادر أنْ ينزِّل آية من السماء تجعلهم خاضعين؛ مؤمنين؛ لكنه سبحانه يحب أن يأتيه خَلْقُه محبةً، وأن يُحسِنوا استخدام ما وهبهم من خاصية الاختيار. فسبحانه لا يقهر أحداً على الإيمان به؛ فالإيمان عَمَل قلوب، وسبحانه لا يريد قوالب، وإنما يريد قلوباً خاشعة، ولو شاء سبحانه من خَلْقه أنْ يأتوه طواعية؛ فالقهر من القاهر يُثبِت له القدرة، ولكن أنْ يأتيَ الخَلْق إلى خالقهم طواعية؛ فهذا يُثبت له المحبوبية. والحق سبحانه يريد أن يكون الإيمان نابعاً من محبوبية العابد للمعبود؛ ولذلك يقول الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ... ﴾ [الحجر: ٨٨] . ثم يُوجِّه له الأمر بأنْ يُوجّه طاقة الحنان والمودَّة التي في قلبه إلى مَنْ يستحقها، وهم المؤمنون برسالته ﷺ َ؛ وعليه أنْ يخفضَ جناحه للمؤمنين. فكُلُّ حركة من الإنسان هي نزوع يتحرَّك من بعد وُجدْان، والوُجْدان يُولِّد طاقة داخلية تُهيئ للنزوع وتدفع إليه، فإن حزن الرسول ﷺ َ لعدم إيمان صناديد قريش برسالته؛ فهذا الحُزْن إنما يخصم ويأخذ من طاقته؛ فيأتيه الأمر من الحق سبحانه أن يُوفِّر طاقته، وأنْ يُوجِّهها لمَنْ آمن به؛ وأن يخفِضَ جناحه لهم. وخَفْض الجناح هو التواضُع؛ ذلك أن الجناحَ هو الجانب، فحين

стр. 9025

يأتيك إنسانٌ تريد أنْ تتكبَّر عليه؛ فهو يقول «فلان لَوَى عنِّي جانبه» . وهكذا يأمر الحق سبحانه رسوله أن يتواضع مع المؤمنين؛ وأنْ يتوجه إليهم لا باستقامة قالبه، بل أن ينزل هذا القالب قليلاً وكلمة: ﴿واخفض جَنَاحَكَ. . .﴾ [الحجر: ٨٨] مأخوذة من خَفْض جناح الطائر، فالطائر يرفع جناحه عند الطيران، ولكن ما أنْ يلمسَ هذا الطائر فَرْخَه الصغير حتى يَخفِض جناحه له ليضمه إليه. إذن: فالطاقة التي كنتَ تُوجِّهها يا رسول الله إلى مَنْ لا يستحق؛ عليك أنْ تُوجِّهها لِمَنْ يستحقها، فيكفيك أن تُبلِّغ الناس جميعاً برسالتك؛ ومَنْ يؤمن منهم هو مَنْ يستحق طاقةَ حنانِك ورحمتك. وخَفْض الجناح لِمَنْ آمن برسالتك لا يورثه كِبْراً عليك؛ بل يزيده أدباً معك. وقد جاء في الأثر: «إذا عَزَّ أخوك فَهُنْه» أي: أنك إذا رأيتَ أخاك في وضع يعِزّ عليك، فَهُنْ له أنت. ومن قبل الإسلام قال الشاعر العربي:

стр. 9026

صَفَحْنَا عَنْ بَنِي ذُهْلٍ ... وقُلْنا القَوْمُ إخْوانُ عَسَى الأيامُ أنْ يَرْجِعْ ... نَ قَوْماً كَالذِي كَانُوا فَلمَّا صَرَّح الشَّر ... فَأَمْسَى وَهْوَ عُرْيَانُ مَشَيْنَا مِشْيَةَ الليْثِ ... غَدا والليْثُ غَضْبَان بِضَرْبٍ فِيهِ تَوْهِينٌ ... وتَخْضِيعٌ وإقرانُ وَطَعْنٍ كَفَمِ الزِّقِّ ... غَدَا والزِّق مَلآنُ وَفِي الشَّرِّ نَجَاة حِي ... ينَ لاَ يُنجِيكَ إحسَانُ وَبعضُ الحلمِ عِنْدَ الجَه ... لِ لِلْذلةِ إذْعَانُ ونجد القرآن حينما يطبع خلق المؤمن بالله وبالمنهج؛ لا يطبعه بطابع واحد يتعامل به مع كل الناس، بل يجعل طَبْعه الخُلقي مطابقاً لموقف الناس منه، فيقول: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين﴾ [المائدة: ٥٤] . ويقول أيضاً في وصف المؤمنين: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] . وهكذا لم يطبع المؤمن على الشدة والعزة، بل جعله يتفاعل مع المواقف؛ فالموقف الذي يحتاج إلى الشدة فهو يشتد فيه؛

стр. 9027

والموقف الذي يحتاج إلى لِينٍ فهو يلين فيه. والحكمة الشاعرة تقول: وَوَضْعُ النَّدى في مَوضْعِ السَّيف بالعلي مضر ... كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضعِ النَّدَى ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿وَقُلْ إني ... ﴾ .

стр. 9028

ونعلم أن الرسل مُبشرِّين ومُنذرِين؛ ولسائل أنْ يقولَ: ولماذا تأتي صيغة الإنذار دائماً؟ وأقول: إن مَنْ يؤمن هو مَنْ يتلقَّى البشارة؛ أما مَنْ عليه أنْ يتوقَّع النِّذارة فهو الكافر المُنكِر. وفي الإنذار تخويفٌ بشيء ينالُ منك في المستقبل؛ وعليك أنْ تَعُد العُدَّة لتبتعد بنفسك أن تكون فيه، والتبشير يكون بأمر تتمناه النَّفْس. وبالإنذار والتبشير يتضح الموقف بجلاء، ويُحَاط الإنسان بكل قضايا الحياة؛ ويتضح مسَار كُل أمرٍ من الأُمورِ. وبذلك يكون الحق سبحانه في الآيتين السابقتين قد امتنَّ على رسوله ﷺ َ بأنه قد آتاه السبع المثاني والقرآن العظيم؛ ولذلك يوصيه ألاَّ تطمح نفسه إلى ما أوتي بعضٌ من الكفار من جاه ومال، فالقرآن عزُّ الدنيا والآخرة. ويوصيه كذلك بألا يحزنَ عليهم نتيجة انصرافهم عن دعوته، فليس عليه إلا البلاغ، وأن يتواضعَ ﷺ َ للمؤمنين ليزداد ارتباطهم به،

стр. 9029

فهم خير من كل الكافرين برسالته ﷺ َ. ثم يُوصيه الحق سبحانه أن يُبلغ الجميع أنه نذير وبشير، يوضح ما جاء في القرآن من خير يعُمَّ على المؤمنين، وعقاب ينزل على الكافرين. وقد قال ﷺ َ: «إنما مثَلي ومثَل ما بعثني اللهُ به كمثَلِ رجلٍ أتى قوماً فقال: يا قوم، إني رأيتُ الجيشَ بعينيَّ، وإني أنا النذير العُرْيان، فالنجاء النجاء، فأطاعه طائفة من قومه فَأدْلجوا فانطلقوا على مهلهِم فَنجَوْا، وكذَّبت طائفة منهم، فأصبحوا مكانهم فصبَّحهم الجيش، فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثَل مَنْ أطاعني فاتَّبع ما جِئْتُ به، ومثَل مَنْ عصاني وكذَّب بما جئتُ به من الحقِّ» . ويقول سبحانه من بعد ذلك: ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا ... ﴾ .

стр. 9030

ونعلم أنه سبحانه قد أنزل كتابه على رسوله ﷺ َ، واستقبله الناس استقباليْنِ: فمنهم مَنِ استمع إلى القرآن فتبصَّر قول الحق وآمن، وفي هؤلاء قال الحق سبحانه:

стр. 9031

﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرسول ترى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدمع مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الحق يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ [المائدة: ٨٣] . والصنف الآخر استمع إلى القرآن، فكانت قلوبهم كالحجارة، وفيهم قال الحق سبحانه: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حتى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ العلم مَاذَا قَالَ آنِفاً أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٦] . ذلك أن قلوبهم مُمْتلئة بالكفر؛ وقد دخلوا ومعهم حكم مُسْبق، فلم يقيموا ميزانَ العدل ليقيسوا به فائدة ما يسمعون. ولذلك أوضح الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ ألا يحزن، فالمسألة لها سوابق مع غيرك من الرسل؛ فقد نزل كل رسول بكتاب يحمل المنهج، ولكن الناس استقبلوا تلك الكتب كاستقبال قومك لِمَا نزل إليك بين كافر ومؤمن، واختلفوا في أمور الكُتب المنزَّلة إلى رسلهم. وكان انقسامهم كانقسام قومك حول الكتاب المُنزَّل إليك، فلا تحزنْ إنِ اتهموك بأنك ساحرٌ، أو أن ما نزل إليك كتابُ شعر، أو أنك تمارس الكهانة؛ أو فقدوا القدرة على الحكم عليك واتهموك بالجنون. وهكذا قَسَّموا القرآن المُنزَّل من الله سبحانه إلى أقسام هي: السِّحْر، والكهانة، والشعر، والجنون، كما فعل من قبلهم أقوام أخرى:

стр. 9032

فمنهم مَنْ قال، وأثبته القرآن عليهم: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الذي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧] . وهكذا تعلم يا رسول الله أنك لست بِدْعاً من الرسل، ذلك أن الرسل لا يأتون أقوامهم إلا وقد طَمَّ الفساد والبلاء، ولا يوجد فساد إلا بانتفاع واحد بالفساد بينما يضرُّ بالآخرين. وإذا ما جاء رسول ليصلح هذا الفساد يهُبُّ أهل الاستفادة من الفساد ليقاوموه ويضعوا أمامه العراقيل؛ مثلما حدث معك يا رسول الله حين قال بعضهم: ﴿لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] . ومثل هذا القول إنما يدلُّ على أنهم لو صَفُّوا نفوسهم، واستمعوا للقرآن لاهتدوا؛ لذلك يقول لهم سادتهم: ﴿والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] . أي: شَوِّشوا عليه.

стр. 9033

وهكذا فالاقتسام الذي استقبل به الكفار القرآن سبق وأنْ حدث مع الرسل الذين سبقوك. ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: ﴿الذين جَعَلُواْ ... ﴾ .

стр. 9034

وكلمة (عضين) تعني القطع؛ فيُقال للجزار حين يذبح الشاة أو العجل أنه قد جعله عِضين. أي: فصَل كُلَّ ذراع عن الآخر، وكذلك قطع الفخذ؛ أي: أنه جعل الذبيحة قِطَعاً قِطَعاً بعد أنْ كانت أعضاء مُتصلة. وكذلك كان القرآن حينما نزل كياناً واحداً؛ فأراد بعض من الكفار أن يُقطِّعوه إلى أجزاء. والمقصود هنا هم جماعة من اليهود

стр. 9035

وجماعة من النصارى الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ َ وأرادوا أنْ يُقطِّعوا القرآن كما فعلوا مع الكتابين اللذين نزلا على موسى، وهما التوراة؛ والإنجيل الذي جاء به عيسى. وقد قال الحق سبحانه فيهما: ﴿وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ﴾ [المائدة: ١٣] . أي: أن بعضاً من اليهود قد نَسُوا بعضاً من التوراة، وكذلك نسى البعض من أتباع عيسى بعضاً من الإنجيل الذي نزل عليه. وإنْ وجدنا لهم العذر في النسيان؛ فماذا عن الذي كتموه من تلك الكتب؟ وماذا عن الذي بدَّلوه وحرَّفوه من كلمات تلك الكتب؟ وماذا عن الذي أضافوه عليه، ولم ينزل من عند الله؟ وقد فضح سبحانه كل ذلك في القرآن. أو: أن اليهود استقبلوا القرآن استقبالَ مَنْ يُصدِّق بعضه مِمَّا
следующие страницы →