← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.

стр. 9206

﴿فَهَلْ عَلَى الرسل إِلاَّ البلاغ المبين﴾ [النحل: ٣٥] . بلاغ المنهج بافعل ولا تفعل؛ لذلك استنكر القرآن الكريم على هؤلاء الذين جاءوا بقول من عند أنفسهم دون رصيد من المبلّغ ﷺ َ، فقال تعالى في حَقِّ هؤلاء: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ ... ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠] . فأنكر عليهم سبحانه ذلك، وسألهم: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] . وخاطبهم سبحانه في آية أخرى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم: ٣٧] . وكلمة ﴿البلاغ المبين﴾ أي: لا بُدَّ أن يُبَلِّغ المكَلَّف، فإنْ حصل تقصير في ألاَّ يُبَلَّغ المكلَّف يُنسَب التقصير إلى أهل الدين الحق، المنتسبين إليه، والمُنَاط بهم تبليغ هذا المنهج لمنْ لَمْ يصلْه. وقد وردت الأحاديث الكثيرة في الحَثِّ على تبليغ دين الله لمن لم يصِلْه الدين. كما قال ﷺ َ: «بلِّغُوا عَنِّي ولو آية» وقوله ﷺ َ: «نَضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعَاهَا ثم أدّاها إلى من لم يسمعها، فرُبَّ مُبلِّغٍ أَوْعَى من سامع» .

стр. 9207

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا. .﴾ .

стр. 9208

فالحق سبحانه يقول هنا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً ... ﴾ [النحل: ٣٦] . وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٤] . فهذه لها معنى، وهذه لها معنى. . فقوله: ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٨٤] . أي: من أنفسهم، منهم خرج، وبينهم تربَّى ودَرَج، يعرفون خِصَاله وصِدْقه ومكانته في قومه. أما قوله تعالى: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٣٦] . ف «في» هنا تفيد الظرفية. أي: في الأمة كلها، وهذه تفيد التغلغل في جميع الأمة. . فلا يصل البلاغ منه إلى جماعة دون أخرى، بل لا بُدَّ من عموم البلاغ لجميع الأمة.

стр. 9209

وكذلك يقول تعالى مرة: ﴿أَرْسَلْنَا ... ﴾ [الحديد: ٢٦] . ومرة أخرى يقول: ﴿بَعَثْنَا﴾ [النحل: ٣٦] . وهناك فرق بين المعنيين ف ﴿أَرْسَلْنَا﴾ تفيد الإرسال، وهو: أن يتوسط مُرْسَل إلى مُرْسَل إليه. أما ﴿بَعَثْنَا﴾ فتفيد وجود شيء سابق اندثر، ونريد بعثه من جديد. ولتوضيح هذه القضية نرجح إلى قصة آدم ﵇ حيث عَلّمه الله الأسماء كلها، ثم أهبطه من الجنة إلى الأرض. وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] . وقال في آية أخرى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتبع هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يشقى﴾ [طه: ١٢٣] . إذن: هذا منهج من الله تعالى لآدم ﵇ والمفروض أن يُبلِّغ آدم هذا المنهج لأبنائه، والمفروض في أبنائه أن يُبلِّغوا هذا المنهج لأبنائهم، وهكذا، إلا أن الغفلة قد تستحوذ على المبلِّغ للمنهج، أو عدم رعاية المبلِّغ للمنهج فتنطمس المناهج، ومن هنا يبعثها الله من جديد، فمسألة الرسالات لا تأتي هكذا فجأة فجماعة من الجماعات، بل هي موجودة منذ أول الخلق.

стр. 9210

فالرسالات إذن بَعْثٌ لمنهج إلهي، كان يجب أنْ يظلَّ على ذكر من الناس، يتناقله الأبناء عن الآباء، إلا أن الغفلة قد تصيب المبلّغ فلا يُبلّغ، وقد تصيب المبلَّغ فلا يلتزم بالبلاغ؛ لذلك يجدد الله الرسل. وقد وردت آياتٌ كثيرة في هذا المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] . وقوله: ﴿ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١] . وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥] . لذلك نرى غير المؤمنين بمنهج السماء يَضعُون لأنفسهم القوانين التي تُنظِّم حياتهم، أليس لديهم قانون يُحدِّد الجرائم ويُعاقب عليها؟ فلا عقوبة إلا بتجريم، ولا تجريمَ إلا بنصٍّ، ولا نصَّ إلا بإبلاغ. ومن هنا تأتي أهمية وَضْع القوانين ونشرها في الصحف والجرائد العامة ليعلمها الجميع، فلا يصح أنْ نعاقبَ إنساناً على جريمة هو لا يعلم أنها جريمة، فلا بُدَّ من إبلاغه بها أولاً، ليعلم أن هذا العمل عقوبته كذا وكذا، ومن هنا تُقام عليه الحُجة. وهنا أيضاً نلاحظ أنه قد يتعاصر الرسولان، ألم يكُنْ إبراهيم ولوط متعاصريْن؟ ألم يكُنْ شعيب وموسى متعاصريْن؟ فما عِلَّة ذلك؟

стр. 9211

نقول: لأن العالمَ كان قديماً على هيئة الانعزال، فكُلّ جماعة منعزلة في مكانها عن الأخرى لعدم وجود وسائل للمواصلات، فكانت كل جماعة في أرض لا تدري بالأخرى، ولا تعلم عنها شيئاً. ومن هنا كان لكُلِّ جماعة بيئتُها الخاصة بما فيها من عادات وتقاليد ومُنكَرات تناسبها، فهؤلاء يعبدون الأصنام، وهؤلاء يُطفِّفون الكيل والميزان، وهؤلاء يأتون الذكْران دون النساء. إذن: لكل بيئة جريمة تناسبها، ولا بُدَّ أن نرسل الرسل لمعالجة هذه الجرائم، كُلّ في بلد على حِدَة. لكن رسالة محمد ﷺ َ كانت على موعد مع التقاءات الأمكنة مع وجود وسائل المواصلات، لدرجة أن المعصية تحدث مثلاً في أمريكا فنعلم بها في نفس اليوم. . إذن: أصبحتْ الأجواء والبيئات واحدة، ومن هنا كان منطقياً أن يُرْسلَ ﷺ َ للناس كافة، وللأزمنة كافة. وقد عبَّر القرآن الكريم عن هذه الشمولية بقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً. .﴾ [سبأ: ٢٨] . أي: للجميع لم يترك أحداً، كما يقول الخياط: كففْتُ القماش أي: جمعتُ بعضه على بعض، حتى لا يذهبَ منه شيءٌ. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ... ﴾ [النحل: ٣٦] .

стр. 9212

هذه هي مهمة الرسل: ﴿أَنِ اعبدوا الله ... ﴾ [النحل: ٣٦] . والعبادة معناها التزامٌ بأمر فيُفعل، ويُنهي عن أمر فلا يُفعل؛ لذلك إذا جاء مَنْ يدَّعي الألوهية وليس معه منهج نقول له: كيف نعبدك؟ وما المنهج الذي جِئْتَ به؟ بماذا تأمرنا؟ عن أي شيءٍ تنهانا؟ فهنا أَمْر بالعبادة ونَهْي عن الطاغوت، وهذا يُسمُّونه تَحْلِية وتَخْلِيةً: التحلية في أنْ تعبدَ الله، والتخلية في أنْ تبتعدَ عن الشيطان. وعلى هذين العنصرين تُبنَى قضية الإيمان حيث نَفْي في: «أشهد أن لا إله» . . وإثبات في «إلا الله» ، وكأن الناطق بالشهادة ينفي التعدُّد، ويُثبت الواحدانية لله تعالى، وبهذا تكون قد خلَّيْتَ نفسك عن الشرك، وحَلَّيْتَ نفسك بالوحدانية. ولذلك سيكون الجزاء عليها في الآخرة من جنس هذه التحلية والتخلية؛ ولذلك نجد في قول الحق ﵎: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار ... ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . أي: خُلِّي عن العذاب. ﴿وَأُدْخِلَ الجنة. .﴾ [آل عمران: ١٨٥] . أي: حُلِّي بالنعيم.

стр. 9213

وقوله سبحانه: ﴿واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل: ٣٦] . أي: ابتعدوا عن الطاغوت. . فيكون المقابل لها: تقرَّبوا إلى الله و ﴿الطاغوت﴾ فيها مبالغة تدل على مَنْ وصل الذِّرْوة في الطغيان وزادَ فيه. . وفَرْق بين الحدث المجرَّد مثل طغى، وبين المبالغة فيه مثل (طاغوت) ، وهو الذي يَزيده الخضوعُ لباطله طُغْياناً على باطل أعلى. ومثال ذلك: شاب تمرَّد على مجتمعه، وأخذ يسرع الشيء التافه القليل، فوجد الناس يتقرَّبون إليه ويُداهنونه اتقاء شره، فإذا به يترقَّى في باطله فيشتري لنفسه سلاحاً يعتدي به على الأرواح، ويسرق الغالي من الأموال، ويصل إلى الذروة في الظلم والاعتداء، ولو أخذ الناس على يده منذ أول حادثة لما وصل إلى هذه الحال. ومن هنا وجدنا الديات تتحملها العاقلة وتقوم بها عن الفاعل الجاني، ذلك لما وقع عليها من مسئولية تَرْك هذا الجاني، وعدم الأخذ على يده وكَفِّه عن الأذى. ونلاحظ في هذا اللفظ (الطاغوت) أنه لما جمعَ كلَّ مبالغة في الفعل نجده يتأبَّى على المطاوعة، وكأنه طاغوت في لفظه ومعناه، فنراه يدخل على المفرد والمثنى والجمع، وعلى المذكر والمؤنث، فنقول: رجل طاغوت، وامرأة طاغوت، ورجلان طاغوت، وامرأتان

стр. 9214

طاغوت، ورجال طاغوت، ونساء طاغوت، وكأنه طغى بلفظه على جميع الصَِّيغ. إذن: الطاغوت هو الذي إذا ما خضع الناس لِظُلمه ازداد ظلماً. ومنه قوله تعالى: ﴿فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ... ﴾ [الزخرف: ٥٤] . فقد وصل به الحال إلى أن ادعى الألوهية، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ... ﴾ [القصص: ٣٨] . ويُحكَى في قصص المتنبِّئين أن أحد الخلفاء جاءه خبر مُدَّعٍ للنبوة، فأمرهم ألاَّ يهتموا بشأنه، وأن يتركوه، ولا يعطوا لأمره بالاً لعله ينتهي، ثم بعد فترة ظهر آخر يدَّعي النبوة، فجاءوا بالأول ليرى رأيه في النبي الجديد: ما رأيك في هذا الذي يدعي النبوة؟ ﴿أيُّكم النبي؟ فقال: إنه كذاب فإني لم أرسل أحداً﴾ ! ظن أنهم صدقوه في ادعائه النبوة، فتجاوز هذا إلى ادعاء الألوهية، وهكذا الطاغوت. وقد وردت هذه الكلمة ﴿الطاغوت﴾ في القرآن ثماني مرات، منها ستة تصلح للتذكير والتأنيث، ومرة وردتْ للمؤنث في قوله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا. .﴾ [الزمر: ١٧] . ومرة وردتْ للمذكر في قوله تعالى:

стр. 9215

﴿يُرِيدُونَ أَن يتحاكموا إِلَى الطاغوت وَقَدْ أمروا أَن يَكْفُرُواْ بِهِ ... ﴾ [النساء: ٦٠] . وفي اللغة كلمات يستوي فيها المذكر والمؤنث، مثل قَوْل الحق ﵎: ﴿وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ... ﴾ [الأعراف: ١٤٦] . وقوله: ﴿قُلْ هذه سبيلي ... ﴾ [يوسف: ١٠٨] . فكلمة «سبيل» جاءت مرَّة للمذكَّر، ومرَّة للمؤنث. ثم يقول تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة ... ﴾ [النحل: ٣٦] . وقد أخذت بعضهم هذه الآية على أنها حُجَّة يقول من خلالها: إن الهداية بيد الله، وليس لنا دَخْل في أننا غير مهتدين. . إلى آخر هذه المقولات. نقول: تعالوا نقرأ القرآن. . يقول تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فاستحبوا العمى عَلَى الهدى﴾ [فصلت: ١٧] . ولو كانت الهداية بالمعنى الذي تقصدون لَمَا استحبُّوا العَمى وفضَّلوه، لكن «هديناهم» هنا بمعنى: دَلَلْناهم وأرشدناهم فقط،

стр. 9216

ولهم حَقّ الاختيار، وهم صالحون لهذه ولهذه، والدلالة تأتي للمؤمن وللكافر، دلَّ الله الجميع، فالذي أقبل على الله بإيمان به زاده هُدًى وآتاه تقواه، كما قال تعالى: ﴿والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] . ومن هذا ما يراه البعض تناقضاً بين قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ... ﴾ [القصص: ٥٦] . وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] . حيث نفى الحق سبحانه عن الرسول ﷺ َ الهداية في الأولى، وأثبتها له في الثانية. نلاحظ أن الحدث هنا واحد وهو الهداية، والمتحدَّث عنه واحد هو الرسول ﷺ َ، فكيف يثبت حَدَثٌ واحد لمُحْدِثٍ واحد مرّة، وينفيه عنه مرّة؟! لا بُدَّ أن تكون الجهة مُنفكّة. . في: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي ... ﴾ [القصص: ٥٦] . أي: لا تستطيع أنْ تُدخِل الإيمان في قلب مَنْ تحب، ولكن تدلُّ وترشد فقط، أما هداية الإيمان فبيد الله تعالى يهدي إليه مَنْ عنده استعداد للإيمان، ويَصْرف عنها مَنْ أعرض عنه ورفضهُ. وكأن الله تعالى في خدمة عبيده، مَنْ أحب شيئاً أعطاه إياه ويسَّره له، وبذلك هدى المؤمن للإيمان، وختم على قَلْب الكافر بالكفر.

стр. 9217

إذن: تأتي الهداية بمعنيين: بمعنى الدلالة والإرشاد كما في الآية السابقة، وبمعنى المعونة وشَرْح الصدر للإيمان كما في قوله تعالى: ﴿ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ. .﴾ [القصص: ٥٦] . وقوله: ﴿زَادَهُمْ هُدًى. .﴾ [محمد: ١٧] . فقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى الله ... ﴾ [النحل: ٣٦] . أي: هداية إيمان ومعونةٍ بأن مكَّن المنهج في نفسه، ويسَّره له، وشرح به صدره. ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة. .﴾ [النحل: ٣٦] . حقَّتْ: أي أصبحتْ حقاً له، ووجبتْ له بما قدَّم من أعمال، لا يستحق معها إلا الضلالة، فما حقَّتْ عليهم، وما وجبتْ لهم إلا بما عملوا. وهذه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ [الأنعام: ١٤٤] . أيُّهما أسبق: عدم الهداية من الله لهم، أم الظلم منهم؟ واضح أن الظلم حدث منهم أولاً، فسمَّاهم الله ظالمين، ثم كانت النتيجة أنْ حُرموا الهداية. وتذكر هنا مثالاً كثيراً ما كررناه ليرسخَ في الأذهان ولله المثل

стр. 9218

الأعلى هَبْ أنك سائر في طريق تقصد بلداً ما، فصادفك مُفْترق لطرق متعددة، وعلامات لاتجاهات مختلفة، عندها لجأتَ لرجل المرور: من فضل أريدُ بلدة كذا، فقال لك: من هنا. فقلت: الحمد لله، لقد كِدْتُ أضلَّ الطريق، وجزاكَ الله خيراً. فلمَّا وجدك استقبلتَ كلامه بالرضا والحب، وشكرْتَ له صنيعه أراد أنْ يُزيد لك العطاء. فقال لك: لكن في هذا الطريق عقبةٌ صعبة، وسوف أصحبُك حتى تمرَّ منها بسلام. هكذا كانت الأولى منه مُجرَّد دلالة، أما الثانية فهي المعونة، فلمَّا صدَّقْته في الدلالة أعانَك على المدلول. . هكذا أَمْرُ الرسل في الدلالة على الحق، وكيفية قبول الناس لها. ولك أنْ تتصور الحال لو قُلْتَ لرجل المرور هذا: يبدو أنك لا تعرف الطريق. . فسيقول لك: إذن اتجه كما تُحِب وسِرْ كما تريد. وكلمة «الضلالة» مبالغة من الضلال وكأنها ضلال كبير، ففيها تضخيمٌ للفعل، ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً ... ﴾ [مريم: ٧٥] . ثم يُقيم لنا الحق ﵎ الدليلَ على بَعْثة الرسل في الأمم السابقة لنتأكد من إخباره تعالى، وأن الناسَ انقسموا أقساماً بين مُكذِّب ومُصدِّق، قال تعالى:

стр. 9219

﴿فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المكذبين﴾ [النحل: ٣٦] . فهناك شواهد وأدلة تدل على أن هنا كان ناس، وكانت لهم حضارة اندكتْ واندثرتْ، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَّتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧] . فأمر الله تعالى بالسياحة في الأرض للنظر والاعتبار بالأمم السابقة، مثل: عاد وثمود وقوم صالح وقوم لوط وغيرهم. والحق ﵎ يقول هنا: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأرض ... ﴾ [النحل: ٣٦] . وهل نحن نسير في الأرض، أم على الأرض؟ نحن نسير على الأرض. . وكذلك كان فهْمُنا للآية الكريمة، لكن المتكلم بالقرآن هو ربُّنا ﵎، وعطاؤه سبحانه سيظل إلى أنْ تقومَ الساعة، ومع الزمن تتكشف لنا الحقائق ويُثبت العلم صِدْق القرآن وإعجازه. فمنذ أعوام كنا نظنُّ أن الأرض هي هذه اليابسة التي نعيش عليها، ثم أثبت لنا العلم أن الهواء المحيط بالأرض (الغلاف الجوي) هو إكسير الحياة على الأرض، وبدون لا تقوم عليها حياة، فالغلاف الجوي جزء من الأرض. وبذلك نحن نسير في الأرض، كما نطق بذلك الحق ﵎ في كتابه العزيز.

стр. 9220

ونقف أمام مَلْحظ آخر في هذه الآية: ﴿فَسِيرُواْ فِي الأرض فانظروا ... ﴾ [آل عمران: ١٣٧] . وفي آية أخرى يقول: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض ثُمَّ انظروا ... ﴾ [الأنعام: ١١] . ليس هذا مجرد تفنُّن في العبارة، بل لكل منهما مدلول خاص، فالعطف بالفاء يفيد الترتيب مع التعقيب. أي: يأتي النظر بعد السَّيْر مباشرة. . أما في العطف بثُم فإنها تفيد الترتيب مع التراخي. أي: مرور وقت بين الحدثَيْن، وذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] . وقول الحق سبحانه: ﴿فانظروا ... ﴾ [النحل: ٣٦] . فكأن الغرض من السَّيْر الاعتبار والاتعاظ، ولا بُدَّ إذن من وجود بقايا وأطلال تدلُّ على هؤلاء السابقين المكذبين، أصحاب الحضارات التي أصبحتْ أثراً بعد عَيْنٍ. وها نحن الآن نفخر بما لدينا من أبنية حجرية مثل الأهرامات مثلاً، حيث يفِد إليها السُّياح من شتى دول العالم المتقدم؛ لِيَروْا ما عليها هذه الحضارة القديمة من تطوُّر وتقدُّم يُعجزهم ويُحيّرهم، ولم يستطيعوا فَكّ طلاسِمه حتى الآن.

стр. 9221

ومع ذلك لم يترك الفراعنة ما يدل على كيفية بناء الأهرامات، أو ما يدل على كيفية تحنيط الموتى؛ مما يدل على أن هؤلاء القوم أخذوا أَخذْة قوية اندثرتْ معها هذه المراجع وهذه المعلومات، كما قال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ [مريم: ٩٨] . وقد ذكر لنا القرآن من قصص هؤلاء السابقين الكثير كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ العماد التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ [الفجر: ٦ - ٨] . وقال: ﴿وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد الذين طَغَوْاْ فِي البلاد فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر: ٩ - ١٣] . هذا ما حدث للمكذِّبين في الماضي، وإياكم أنْ تظنُّوا أن الذي يأتي بعد ذلك بمنجىً عن هذا المصير. . كلا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤] . ثم يقول الحق سبحانه:

стр. 9222

﴿إِن تَحْرِصْ على ... ﴾ .

стр. 9223

يُسلِّي الحق ﵎ رسوله ﷺ َ، ويثبت له حِرْصَه على أمته، وأنه يُحمِّل نفسه في سبيل هدايتهم فوق ما حَمَّله الله، كما قال له في آية أخرى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] . ويقول تعالى: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بالمؤمنين رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . ثم بعد ذلك يقطع الحق سبحانه الأمل أمام المكذبين المعاندين، فيقول تعالى: ﴿فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ ... ﴾ [النحل: ٣٧] . أي: لا يضل إلا مَنْ لم يقبل الإيمان به فَيَدعُه إلى كفره، بل ويطمس على قلبه غيْر مأسُوف عليه، فهذه إرادته، وقد أجابه الله إلى ما يريد. ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ... .﴾ [النحل: ٣٧] .

стр. 9224

إذن: المسألة ليستْ مجرد عدم الهداية، بل هناك معركة لا يجدون لهم فيها ناصراً أو معيناً يُخلِّصهم منها، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٠٠ - ١٠١] . إذن: لا يهدي الله مَن اختار لنفسه الضلال، بل سيُعذِّبه عذاباً لا يجد مَنْ ينصُره فيه. ثم يقول الحق سبحانه عنهم: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله ... ﴾ .

стр. 9225

﴿وَأَقْسَمُواْ بالله ... ﴾ [النحل: ٣٨] . سبحان الله! ﴿كيف تُقسِمون بالله وأنتم لا تؤمنون به؟﴾ وما مدلول كلمة الله عندكم؟ . . هذه علامة غباء عند الكفار ودليل على أن موضوع الإيمان غير واضح في عقولهم؛ لأن كلمة الله نفسها دليلٌ على الإيمان به سبحانه، ولا توجد الكلمة في اللغة إلا بعد وجود ما تدل عليه أولاً. . فالتلفزيون مثلاً قبل أن يوجد لم يكن له اسم، ثم بعد أن وُجد أوجدوا له اسماً.

стр. 9226

أذن: توجد المعاني أولاً، ثم توضع للمعاني أسماء، فإذا رأيت اسماً يكون معناه قبله أم بعده؟ يكون قبله. . فإذا قالوا: الله غير موجود نقول لهم: كذبتم؛ لأن كلمة الله لفظ موجود في اللغة، ولا بُدَّ أن لها معنىً سبق وجودها. إذن: فالإيمان سابقٌ للكفر. . وجاء الكفر منطقياً؛ لأن معنى الكفر: السَّتْر. . والسؤال إذن: ماذا ستر؟ ستر الإيمان، ولا يستر إلا موجوداً، وبذلك نقول: إن الكفر دليل على الإيمان. ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ... ﴾ [النحل: ٣٨] . أي: مبالغين في اليمين مُؤكّدينه، وما أقربَ غباءَهم هنا بما قالوه في آية أخرى: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] . فليس هذا بكلام العقلاء. وكان ما أقسموا عليه بالله أنه: ﴿لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ... ﴾ [النحل: ٣٨] . وهذا إنكار للبعث، كما سبق وأنْ قالوا: ﴿قالوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٢] . فيرد عليهم الحق سبحانه ﴿بلى﴾ . وهي أداة لنفي السابق عليها، وأهل اللغة يقولون: نفي النفي إثبات، إذاً «بلى» تنفي النفي قبلها وهو قولهم:

стр. 9227

﴿لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ... ﴾ [النحل: ٣٨] . فيكون المعنى: بل يبعث الله مَنْ يموت. ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً ... ﴾ [النحل: ٣٨] . والوَعْد هو الإخبار بشيء لم يأْتِ زمنه بعد، فإذا جاء وَعْدٌ بحدَث يأتي بَعْد ننظر فيمَنْ وعد: أقادرٌ على إيجاد ما وعد به؟ أم غير قادر؟ فإن كان غيرَ قادر على إنفاذ ما وعد به لأنه لا يضمن جميع الأسباب التي تعينه على إنفاذ وعده، قُلْنا له قُلْ: إنْ شاء الله. . حتى إذا جاء موعد التنفيذ فلم تَفِ بوعدك التمسْنا لك عُذْراً، وحتى لا تُوصف ساعتها بالكذب، فقد نسبتَ الأمر إلى مشيئة الله. والحق ﵎ لا يمنعنا أن نُخطِّط للمستقبل ونعمل كذا ونبني كذا. . خَطِّط كما تحب، واعْدُدْ للمستقبل عِدَته، لكن أردف هذا بقولك: إنْ شاء الله؛ لأنك لا تملك جميع الأسباب التي تمكِّن من عمل ما تريد مستقبلاً، وقد قال الحق ﵎: ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ... ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] . ونضرب لذلك مثلاً: هَبْ أنك أردتَ أن تذهب غداً إلى فلان لتكلمه في أمر ما. . هل ضمنت لنفسك أن تعيش لغد؟ وهل ضمنت أن هذا الشخص سيكون موجوداً غداً؟ وهل ضمنتَ ألا يتغير الداعي الذي تريده؟ وربما توفرت لك هذه الظروف كلها، وعند الذهاب أَلَمَّ بك

стр. 9228

عائق منعك من الذهاب. إذن: يجب أن نُردف العمل في المستقبل بقولنا: إن شاء الله. أما إذا كان الوعد من الله تعالى فهو قادر سبحانه على إنفاذ ما يَعِد به؛ لأنه لا قوة تستطيع أن تقفَ أمام مُراده، ولا شيءَ يُعجزه في الأرض ولا في السماء، كان الوعد منه سبحانه (حقاً) أنْ يُوفّيه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] . أي: لا يعلمون أن الله قادر على البعث، كما قال تعالى: ﴿وقالوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأرض أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ... ﴾ [السجدة: ١٠] . وقال: ﴿وقالوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩] . فقد استبعد الكفار أمر البعث؛ لأنهم لا يتصورون كيف يبعث الله الخلْق من لَدُن آدم ﵇ حتى تقوم الساعة. . ولكن لِمَ تستبعدون ذلك؟ وقد قال تعالى: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... ﴾ [لقمان: ٢٨] . فالأمر ليس مزاولة يجمع الله سبحانه بها جزئيات البشر كل على حدة. . لا. . ليس في الأمر مزاولة أو معالجة تستغرق وقتاً.

стр. 9229

﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] . ونضرب لذلك مثلاً ولله المثل الأعلى فنحن نرى مثل هذه الأوامر في عالم البشر عندما يأتي المعلّم أو المدرب الذي يُدرِّب الجنود نراه يعلِّم ويُدرِّب أولاً، ثم إذا ما أراد تطبيق هذه الأوامر فإنه يقف أمام الجنود جميعاً وبكلمة واحدة يقولها يمتثل الجميع، ويقفون على الهيئة المطلوبة، هل أمسك المدرب بكل جندي وأوقفه كما يريد؟! لا. . بل بكلمة واحدة تَمَّ له ما يريد. وكأن انضباط المأمور وطاعته للأمر هو الأصل، كذلك كل الجزئيات في الكون منضبطة لأمره . . هي كلمة واحدة بها يتم كل شيء. . فليس في الأمر مُعَالجة، لأن المعالجة أنْ يُباشر الفاعل بجزئيات قدرته جزئيات الكائن، وليس البعث هكذا. . بل بالأمر الانضباطي: كن. ولذلك يقول تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨] . نقول: الحمد لله أن هناك قليلاً من الناس يعلمون أمر البعث ويؤمنون به. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي ... ﴾ .

стр. 9230

فمعنى قوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الذي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ. .﴾ [النحل: ٣٩] . أي: من أمر البعث؛ لأن القضية لا تستقيم بدون البعث والجزاء؛ ولذلك كنت في جدالي للشيوعيين أقول لهم: لقد أدركتم رأسماليين شرسين ومفترين، شربوا دم الناس وعملوا كذا وكذا. . فماذا فعلتُم بهم؟ يقولون: فعلنا بهم كيت وكيت، فقلت: ومن قبل وجود الشيوعية سنة ١٩١٧، ألم يكن هناك ظلمة مثل هؤلاء؟ قالوا: بلى. قلت: إذن من مصلحتكم أن يوجد بعث وحساب وعقاب لا يفلت منه هؤلاء الذين سبقوكم، ولم تستطيعوا تعذيبهم. ثم يأتي فَصْل الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] . أي: كاذبين في قولهم: ﴿لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ ... ﴾ [النحل: ٣٨] . وذلك علم يقين ومعاينة، ولكن بعد فوات الأوان، فالوقت وقت حساب وجزاء لا ينفع فيه الاعتراف ولا يُجدي التصديق، فالآن يعترفون بأنهم كانوا كاذبين في قَسَمهم: لا يبعث الله مَنْ يموت وبالغوا في الأَيمان وأكَّدوها؛ ولذلك يقول تعالى عنهم في آية أخرى:

стр. 9231

﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ [الواقعة: ٤٦] . ثم يقول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ ... ﴾ .

стр. 9232

إذن: أمر البعث ليس علاجاً لجزئيات كل شخص وضمِّ أجزائه وتسويته من آدم حتى قيام الساعة، بل المسألة منضبطة تماماً مع الأمر الإلهي (كُنْ) . وبمجرد صدوره، ودون حاجة لوقت ومُزاولة يكون الجميع ماثلاً طائعاً، كل واحد منتظرٌ دوره، منتظر الإشارة؛ ولذلك جاء في الخبر: «أمور يبديها ولا يبتديها» . فالأمر يتوقف على الإذن: اظهر يظهر. ومثال ذلك ولله المثل الأعلى من يعد القنبلة الزمنية مثلاً، ويضبطها على وقت معين. . تظل القنبلة هذه إلى وقت الانفجار الذي وُضِع فيها، ثم تنفجر دون تدخُّل من صناعها. . مجرد الإذن لها بالانفجار تنفجر. وحتى كلمة (كُنْ) نفسها تحتاج لزمن، ولكن ليس هناك أقرب منها في الإذن. . وإن كان الأمر في حقِّه تعالى لا يحتاج إلى كُنْ ولا غيره.

стр. 9233

ثم يقول الحق سبحانه: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي الله ... ﴾ .

стр. 9234

المهاجرون قوم آمنوا بالله إيماناً صار إلى مرتبة من مراتب اليقين جعلتهم يتحمَّلون الأذى والظلم والاضطهاد في سبيل إيمانهم، فلا يمكن أن يُضحِّي الإنسان بماله وأهله ونفسه إلا إذا كان لأمر يقينيّ. وقد جاءت هذه الآية بعد آية إثبات البعث الذي أنكره الكافرون وألحُّوا في إنكاره وبالغوا فيه، بل وأقسموا على ذلك: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ. .﴾ [النحل: ٣٨] . وهم يعلمون أن من الخلق مَنْ يُسيء، ومنهم من يُحسِن، فهل يعتقدون في عُرْف العقل أن يتركَ الله من أساء ليُعربد في خَلْق الله دون أن يُجازيه؟ ذلك يعني أنهم خائفون من البعث، فلو أنهم كانوا محسنين لَتَمنَّوا البعث، أمَا وقد أسرفوا على أنفسهم إسرافاً يُشفِقون معه على أنفسهم من الحساب والجزاء، فمن الطبيعي أنْ يُنِكروا البعث،

стр. 9235

ويلجأوا إلى تمنية أنفسهم بالأماني الكاذبة، ليطمئنوا على أن ما أخذوه من مظالم الناس ودمائهم وكرامتهم وأمنهم أمرٌ لا يُحاسبون عليه. وإذا كانوا قد أنكروا البعث، ويوجد رسول ومعه مؤمنون به يؤمنون بالبعث والجزاء إيماناً يصل إلى درجة اليقين الذي يدفعهم إلى التضحية في سبيل هذا الإيمان. . إذن: لا بُدَّ من وجود معركة شرسة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، معركة بين الحق والباطل. ومن حكمة الله أن ينشر الإسلام في بدايته بين الضعفاء، حتى لا يظن ظَانٌّ أن المؤمنين فرضوا إيمانهم بالقوة، لا. . هؤلاء هم الضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، والكفار هم السادة. . إذن: جاء الإسلام ليعاند الكبارَ الصناديدَ العتاة. وكان من الممكن أن ينصرَ الله هؤلاء الضعفاء ويُعلي كلمة الدين من البداية، ولكن أراد الحق ﵎ أن تكون الصيحةُ الإيمانية في مكَّة أولاً؛ لأن مكة مركز السيادة في جزيرة العرب، وقريش هم أصحاب المهابة وأصحاب النفوذ والسلطان، ولا تقوى أيَّ قبيلة في الجزيرة أن تعارضها، ومعلوم أنهم أخذوا هذه المكانة من رعايتهم لبيت الله الحرام وخدمتهم للوافدين إليه. فلو أن الإسلام اختار بقعة غير مكة لَقَالوا: إن الإسلام استضعفَ جماعة من الناس، وأغرَاهم بالقول حتى آمنوا به. لا،

стр. 9236

فالصيحة الإسلاميةُ جاءت في أُذن سادة قريش وسادة الجزيرة الذين أمَّنهم الله في رحلة الشتاء والصيف، وهم أصحاب القوة وأصحاب المال. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم ينصر الله دينه في بلد السادة؟ نقول: لا. . الصيحة في أذن الباطل تكون في بلد السادة في مكة، لكن نُصْرة الدين لا تأتي على يد هؤلاء السادة، وإنما تأتي في المدينة. وهذا من حكمة الله تعالى حتى لا يقول قائل فيما بعد: إن العصبية لمحمد في مكة فرضتْ الإيمان بمحمد. . لا بل يريد أن يكون الإيمان بمحمد ﷺ َ هو الذي خلق العصبية لمحمد، فجاء له بعصبية بعيدة عن قريش، وبعد ذلك دانتْ لها قريش نفسها. وما دامت هناك معركة، فمَن المطحون فيها؟ المطحون فيها هو الضعيف الذي لا يستطيع أنْ يحميَ نفسه. . وهؤلاء هم الذين ظُلِموا. . ظُلِموا في المكان الذي يعيشون فيه؛ ولذلك كان ولا بُدَّ أن يرفع الله عنهم هذا الظلم. وقد جاء رَفْع الظلم عن هؤلاء الضعفاء على مراحل. . فكانت المرحلة الأولى أن ينتقلَ المستضعفون من مكة، لا إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم على نَشْر دينهم، بل إلى دار أَمْن فقط يأمنون فيها على دينهم. . مجرد أَمْن يتيح لهم فرصة أداء أوامر الدين. ولذلك استعرض رسول الله ﷺ َ البلاد كلها لينظر أيَّ الأماكن تصلح دار أَمْن يهاجر إليها المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم

стр. 9237

يجد إلا الحبشة؛ ولذلك قال عنها: «إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه» . وتكفي هذه الصفة في ملك الحبشة ليهاجر إليه المؤمنون، ففي هذه المرحلة من نُصْرة الدين لا نريد أكثر من ذلك، وهكذا تمت الهجرة الأولى إلى الحبشة. ثم يسَّر الله لدينه أتباعاً وأنصاراً التقوْا برسول الله ﷺ َ وبايعوه على النُّصْرة والتأييد، ذلكم هم الأنصار من أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله ﷺ َ عند العقبة ومَهَّدوا للهجرة الثانية إلى المدينة، وهي هجرةٌ هذه المرة إلى دار أَمْن وإيمان، يأمن فيها المسلمون على دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في رُبُوع المعمورة. ونقف هنا عند قوله تعالى: ﴿والذين هَاجَرُواْ ... ﴾ [النحل: ٤١] . ومادة هذا الفعل: هجر. . وهناك فَرْق بين هجر وبين هاجر: هجر: أن يكره الإنسانُ الإقامةَ في مكان، فيتركه إلى مكان آخر يرى انه خَيْرٌ منه، إنما المكان نفسه لم يكرهه على الهجرة. . أي المعنى: ترك المكان مختاراً. أما هاجر: وهي تدل على المفاعلة من الجانبين، فالفاعل هنا

стр. 9238

ليس كارهاً للمكان، ولكن المفاعلة التي حدثتْ من القوم هي التي اضطرتْه للهجرة. . وهذا ما حدث في هجرة المؤمنين من مكة؛ لأنهم لم يتركوها إلى غيرها إلاَّ بعد أن تعرضوا للاضطهاد والظُلْم، فكأنهم بذلك شاركوا في الفعل، فلو لم يتعرَّضوا لهم ويظلموهم لما هاجروا. ولذلك قال الحق ﵎: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ ... ﴾ [النحل: ٤١] . وينطبق هذا المعنى على قول المتنبي: إِذَا ترحلْتَ عن قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا ... ألاَّ تُفارِقهم فَالرَّاحِلُون هُمُوا يعني: إذا كنت في جماعة وأردْتَ الرحيل عنهم، وفي إمكانهم أن يقدموا لك من المساعدة ما يُيسِّر لك الإقامة بينهم ولكنهم لم يفعلوا، وتركوك ترحل مع مقدرتهم، فالراحلون في الحقيقة هم، لأنهم لم يساعدوك على الإقامة. كذلك كانت الحال عندما هاجر المؤمنون من مكة؛ لأنه أيضاً لا يعقل أن يكره هؤلاء مكة وفيها البيت الحرام الذي يتمنى كل مسلم الإقامة في جواره. إذن: لم يترك المهاجرون مكة، بل اضطروا إلى تركها وأجبروا

стр. 9239

عليه، وطبيعي إذن أن يلجأوا إلى دار أخرى حتى تقوى شوكتهم ثم يعودون للإقامة ثانية في مكة إقامة طبيعية صحيحة. ثم إن الحق ﵎ قال: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي الله ... ﴾ [النحل: ٤١] . ونلاحظ في الحديث الشريف الذي يوضح معنى هذه الآية: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» . فما الفرق هنا بين: هاجر في الله، وهاجر إلى الله؟ هاجر إلى مكان تدل على أن المكان الذي هاجر إليه افضل من الذي تركه، وكأن الذي هاجر منه ليس مناسباً له. أما هاجر في الله فتدل على أن الإقامة السابقة كانت أيضاً في الله. . إقامتهم نفسها في مكة وتحمُّلهم الأذى والظلم والاضطهاد كانت أيضاً في الله. أما لو قالت الآية «هاجروا إلى الله» لدلَّ ذلك على أن إقامتهم الأولى لم تكن لله. . إذن: معنى الآية:

стр. 9240

﴿هَاجَرُواْ فِي الله ... ﴾ [النحل: ٤١] . أي: أن إقامتهم كانت لله، وهجرتهم كانت لله. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ... ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . أي: إذا لم تكونوا في مغفرة فسارعوا إلى المغفرة، وفي الآية الأخرى: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الخيرات. .﴾ [المؤمنون: ٦١] . ذلك لأنهم كانوا في خير سابق، وسوف يسارعون إلى خير آخر. . أي: أنتم في خير ولكن سارعوا إلى خير منه. وهناك ملمح آخر في قوله تعالى: ﴿والذين هَاجَرُواْ. .﴾ [النحل: ٤١] . نلاحظ أن كلمة «الذين» جمع. . لكن هل هي خاصة بمَنْ نزلت فيهم الآية؟ أم هي عامة في كُلِّ مَنْ ظُلِم في أيِّ مكان في الله ثم هاجر منه؟ الحقيقة أن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي عامة في كل مَنْ انطبقت عليه هذه الظروف، فإن كانت هذه الآية نزلت في نفر من الصحابة منهم: صُهيب، وعمار، وخباب، وبلال، إلا أنها تنتظم غيرهم مِمَّن اضطروا إلى الهجرة فِراراً بدينهم.

стр. 9241

«ونعلم قصة صهيب ﵁ وكان رجلاً حداداً لما أراد أنْ يهاجر بدينه، عرض الأمر على قريش: والله أنا رجل كبير السِّنِّ، إنْ كنت معكم فلن أنفعكم، وإنْ كنت مع المسلمين فلن أضايقكم، وعندي مال. . خذوه واتركوني أهاجر، فرضَوْا بذلك، وأخذوا مال صُهَيب وتركوه لهجرته. ولذلك قال له ﷺ َ:» ربح البيع يا صُهَيْب « أي: بيعة رابحة. ويقول له عمر ﵁: «نِعْم العبدُ صُهيب، لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِه» . وكأن عدم عصيانه ليس خوفاً من العقاب، بل حُبّاً في الله تعالى، فهو سبحانه لا يستحق أنْ يُعصى. ثم يقول الحق ﵎: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً. .﴾ [النحل: ٤١] . نُبوِّئ، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت. .﴾ [الحج: ٢٦] . أي: بيَّنا له مكانه، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع إليه، فالإنسان يخرج للسعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة، ثم يأوي ويبوء إلى بيته، إذن: باء بمعنى رجع، أو هو مسكن الإنسان، وما أعدَّه الله له.

стр. 9242

فإنْ كان المؤمنون سيخرجون الآن من مكة مغلوبين مضطهدين فسوف نعطيهم ونُحِلهم ونُنزِلهم منزلةً أحسن من التي كانوا فيها، فقد كانوا مُضطهدين في مكة، فأصبحوا آمنين في المدينة، وإنْ كانوا تركوا بلدهم فسوف نُمهّد لهم الدنيا كلها ينتشرون فيها بمنهج الله، ويجنُون خير الدنيا كلها، ثم بعد ذلك نُرجعهم إلى بلدهم سادة أعزَّة بعد أن تكون مكة بلداً لله خالصة من عبادة الأوثان والأصنام. . هذه هي الحسنة في الدنيا. ثم يقول تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ. .﴾ [النحل: ٤١] . ما ذكرناه من حسنة الدنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجِّلات للعمل، ولكن حسنات الدنيا مهما كانت ستؤول إلى زوال، إما أنْ تفارقها، وإما أن تُفارقك، وقد أنجز الله وَعْده للمؤمنين في الدنيا، فعادوا منتصرين إلى مكة، بل دانتْ لهم الجزيرة العربية كلها بل العالم كله، وانساحوا في الشرق في فارس، وفي الغرب في الرومان، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع. وإنْ كانت هذه هي حسنة الدنيا المعَجَّلة، فهناك حسنة الآخرة المؤجلة: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ ... ﴾ [النحل: ٤١] . أي: أن ما أعدَّ لهم من نعيم الآخرة أعظم مما وجدوه في الدنيا. ولذلك كان سيدنا عمر ﵁ إذا أعطى أحد الصحابة

стр. 9243

نصيب المهاجرين من العطاء يقول له: «بارك الله لك فيه. . هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة اكبر من هذا» . فهذه حسنة الدنيا. ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ. .﴾ [النحل: ٤١] . وساعة أنْ تسمع كلمة (أكبر) فاعلم أن مقابلها ليس أصغر أو صغير، بل مقابلها (كبير) فتكون حسنة الدنيا التي بوَّأهم الله إياها هي (الكبيرة) ، لكن ما ينتظرهم في الآخرة (أكبر) . وكذلك قد تكون صيغةُ أفعل التفضيل أقلَّ في المدح من غير أفعل التفضيل. . فمن أسماء الله الحسنى (الكبير) في حين أن الأكبر صفةٌ من صفاته تعالى، وليس اسماً من أسمائه، وفي شعار ندائنا لله نقول: الله اكبر ولا نقول: الله كبير. . ذلك لأن كبير ما عداه يكون صغيراً. . إنما أكبر، ما عداه يكون كبيراً، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور الدنيا في حَقِّ المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة. فإياك أنْ تظنَّ أن حركةَ الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة، بل هي كبيرة بما فيها من وسائل تُعينك على طاعة الله، فبها تأكل وتشرب وتتقوَّى، وبها تجمع المال لِتسُدَّ به حاجتك، وتُؤدِّي الزكاة إلى غير ذلك، ومن هنا كانت حركة الدنيا كبيرة، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر.

стр. 9244

ولذلك حينما قال الحق ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع. .﴾ [الجمعة: ٩] . أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ... ﴾ [الجمعة: ١٠] . فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة؛ لأنها الوسيلةُ للدار الآخرة، والمزرعة التي نُعد فيها الزاد للقاء الله تعالى. . إذن: الدنيا أهم من أنْ تُنسَى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفَهُ من أن تكونَ غاية في حَدِّ ذاتها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ. .﴾ [النحل: ٤١] . الخطاب هنا عن مَنْ؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة أشياء: يمكن أنْ يُراد به الكافرون. . ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر. ويمكن أنْ يُراد به المهاجرون. . ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير. وأخيراً قد يُرَاد به المؤمن الذي لم يهاجر. . ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها.

стр. 9245

وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الذين صَبَرُواْ ... ﴾ .
следующие страницы →