← Тафсир

Тафсир · id 1083

تفسير الشعراوي

الشعراوي

Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

«ونعلم قصة صهيب ﵁ وكان رجلاً حداداً لما أراد أنْ يهاجر بدينه، عرض الأمر على قريش: والله أنا رجل كبير السِّنِّ، إنْ كنت معكم فلن أنفعكم، وإنْ كنت مع المسلمين فلن أضايقكم، وعندي مال. . خذوه واتركوني أهاجر، فرضَوْا بذلك، وأخذوا مال صُهَيب وتركوه لهجرته. ولذلك قال له ﷺ َ:» ربح البيع يا صُهَيْب « أي: بيعة رابحة. ويقول له عمر ﵁: «نِعْم العبدُ صُهيب، لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِه» . وكأن عدم عصيانه ليس خوفاً من العقاب، بل حُبّاً في الله تعالى، فهو سبحانه لا يستحق أنْ يُعصى. ثم يقول الحق ﵎: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَةً. .﴾ [النحل: ٤١] . نُبوِّئ، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البيت. .﴾ [الحج: ٢٦] . أي: بيَّنا له مكانه، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع إليه، فالإنسان يخرج للسعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة، ثم يأوي ويبوء إلى بيته، إذن: باء بمعنى رجع، أو هو مسكن الإنسان، وما أعدَّه الله له.

стр. 9242

فإنْ كان المؤمنون سيخرجون الآن من مكة مغلوبين مضطهدين فسوف نعطيهم ونُحِلهم ونُنزِلهم منزلةً أحسن من التي كانوا فيها، فقد كانوا مُضطهدين في مكة، فأصبحوا آمنين في المدينة، وإنْ كانوا تركوا بلدهم فسوف نُمهّد لهم الدنيا كلها ينتشرون فيها بمنهج الله، ويجنُون خير الدنيا كلها، ثم بعد ذلك نُرجعهم إلى بلدهم سادة أعزَّة بعد أن تكون مكة بلداً لله خالصة من عبادة الأوثان والأصنام. . هذه هي الحسنة في الدنيا. ثم يقول تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ. .﴾ [النحل: ٤١] . ما ذكرناه من حسنة الدنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجِّلات للعمل، ولكن حسنات الدنيا مهما كانت ستؤول إلى زوال، إما أنْ تفارقها، وإما أن تُفارقك، وقد أنجز الله وَعْده للمؤمنين في الدنيا، فعادوا منتصرين إلى مكة، بل دانتْ لهم الجزيرة العربية كلها بل العالم كله، وانساحوا في الشرق في فارس، وفي الغرب في الرومان، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع. وإنْ كانت هذه هي حسنة الدنيا المعَجَّلة، فهناك حسنة الآخرة المؤجلة: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ ... ﴾ [النحل: ٤١] . أي: أن ما أعدَّ لهم من نعيم الآخرة أعظم مما وجدوه في الدنيا. ولذلك كان سيدنا عمر ﵁ إذا أعطى أحد الصحابة

стр. 9243

نصيب المهاجرين من العطاء يقول له: «بارك الله لك فيه. . هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة اكبر من هذا» . فهذه حسنة الدنيا. ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ. .﴾ [النحل: ٤١] . وساعة أنْ تسمع كلمة (أكبر) فاعلم أن مقابلها ليس أصغر أو صغير، بل مقابلها (كبير) فتكون حسنة الدنيا التي بوَّأهم الله إياها هي (الكبيرة) ، لكن ما ينتظرهم في الآخرة (أكبر) . وكذلك قد تكون صيغةُ أفعل التفضيل أقلَّ في المدح من غير أفعل التفضيل. . فمن أسماء الله الحسنى (الكبير) في حين أن الأكبر صفةٌ من صفاته تعالى، وليس اسماً من أسمائه، وفي شعار ندائنا لله نقول: الله اكبر ولا نقول: الله كبير. . ذلك لأن كبير ما عداه يكون صغيراً. . إنما أكبر، ما عداه يكون كبيراً، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور الدنيا في حَقِّ المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة. فإياك أنْ تظنَّ أن حركةَ الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة، بل هي كبيرة بما فيها من وسائل تُعينك على طاعة الله، فبها تأكل وتشرب وتتقوَّى، وبها تجمع المال لِتسُدَّ به حاجتك، وتُؤدِّي الزكاة إلى غير ذلك، ومن هنا كانت حركة الدنيا كبيرة، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر.

стр. 9244

ولذلك حينما قال الحق ﵎: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع. .﴾ [الجمعة: ٩] . أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها، ثم قال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض وابتغوا مِن فَضْلِ الله ... ﴾ [الجمعة: ١٠] . فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة؛ لأنها الوسيلةُ للدار الآخرة، والمزرعة التي نُعد فيها الزاد للقاء الله تعالى. . إذن: الدنيا أهم من أنْ تُنسَى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفَهُ من أن تكونَ غاية في حَدِّ ذاتها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ. .﴾ [النحل: ٤١] . الخطاب هنا عن مَنْ؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة أشياء: يمكن أنْ يُراد به الكافرون. . ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر. ويمكن أنْ يُراد به المهاجرون. . ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير. وأخيراً قد يُرَاد به المؤمن الذي لم يهاجر. . ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها.

стр. 9245

وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿الذين صَبَرُواْ ... ﴾ .

стр. 9246

الحق ﵎ يريد أن يعطينا تشريحاً لحال المهاجرين، فقد ظُلِموا واضْطهِدوا وأُوذُوا في سبيل الله، ولم يفتنهم هذا كله عن دينهم، بل صبروا وتحملُّوا، بل خرجوا من أموالهم وأولادهم، وتركوا بلدهم وأرضهم في سبيل دينهم وعقيدتهم، حدث هذا منهم اتكالاً على أن الله تعالى لن يُضيِّعهم. ولذلك جاء التعبير القرآني هكذا ﴿صَبَرُواْ﴾ بصيغة الماضي، فقد حدث منهم الصبر فعلاً، كأن الإيذاء الذي صبروا عليه فترة مضتْ وانتهت، والباقي لهم عِزّة ومنَعة وقوة لا يستطيع أحد أنْ يضطهدهم بعد ذلك، وهذه من البشارات في الأداء القرآني. أما في التوكل، فقال تعالى في حقهم: ﴿وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤٢] . بصيغة المضارع؛ لأن التوكُّل على الله حدث منهم في الماضي، ومستمرون فيه في الحاضر والمستقبل، وهكذا يكون حال المؤمن. وبعد ذلك تكلَّم القرآن الكريم عن قضية وقف منها الكافرون أيضاً موقف العناد والمكابرة والتكذيب، وهي مسألة إرسال الرسل، فقال تعالى:

стр. 9247

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ... ﴾ .

стр. 9248

وقد اعترض المعاندون من الكفار على كون الرسول بشراً. وقالوا: إذا أراد الله أن يرسل رسولاً فينبغي أن يكون مَلَكاً فقالوا: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً. .﴾ [المؤمنون: ٢٤] . وكأنهم استقلُّوا الرسالة عن طريق بشر؛ وهذا أيضاً من غباء الكفر وحماقة الكافرين؛ لأن الرسول حين يُبلّغ رسالة الله تقع على عاتقه مسئوليتان: مسئولية البلاغ بالعلم، ومسئولية التطبيق بالعمل ونموذجية السلوك. . فيأمر بالصلاة ويُصلِّي، وبالزكاة ويُزكِّي، وبالصبر ويصبر، فليس البلاغ بالقول فقط، لا بل بالسلوك العمليّ النموذجيّ. ولذلك كانت السيدة عائشة ﵂ تقول عن رسول الله ﷺ َ: «كان خلقه القرآن» . وكان قرآناً يمشي على الأرض، والمعنى: كان تطبيقاً كاملاً للمنهج الذي جاء به من الحق ﵎. ويقول تعالى في حقِّه ﷺ َ: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. .﴾ [الأحزاب: ٢١] .

стр. 9249

فكيف نتصور أن يكون الرسول مَلَكاً؟ وكيف يقوم بهذه الرسالة بين البشر؟ قد يؤدي الملك مهمة البلاغ، ولكن كيف يُؤدِّي مهمة القدوة والتطبيق العملي النموذجي؟ كيف ونحن نعلم أن الملائكة خَلْق جُبِلوا على طاعة الله: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] . ومن أين تأتيه منافذ الشهرة وهو لا يأكل ولا يشرب ولا يتناسل؟ فلو جاء مَلَك برسالة السماء، وأراد أن ينهى قومه عن إحدى المعاصي، ماذا نتوقع؟ نتوقع أن يقول قائلهم: لا. . لا أستطيع ذلك، فأنت ملَك ذو طبيعة علوية تستطيع ترْك هذا الفعل، أما أنا فلا أستطيع. إذن: طبيعة الأُسْوة تقتضي أن يكون الرسول بشراً، حتى إذا ما أمر كان هو أول المؤتمرين، وإذا ما نهى كان هو أول المنتهين. ومن هنا كان من امتنان الله على العرب، ومن فضله عليهم أنْ بعثَ فيهم رسولاً من أنفسهم: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ... ﴾ [التوبة: ١٢٨] . فهو أولاً من أنفسكم، وهذه تعطيه المباشرة، ثم هو بشر، ومن العرب وليس من أمة أعجمية. . بل من بيئتكم، ومن نفس بلدكم مكة ومن قريش؛ ذلك لتكونوا على علم كامل بتاريخه وأخلاقه وسلوكه، تعرفون حركاته وسكناته، وقد كنتم تعترفون له بالصدق

стр. 9250

والأمانة، وتأتمنونه على كل غَال ونفيس لديكم لعلمكم بأمانته، فكيف تكفرون به الآن وتتهمونه بالكذب؟ ﴿ لذلك رَدَّ عليهم الحق ﵎ في آية أخرى فقال: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى إِلاَّ أَن قالوا أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٤] . فالذي صَدَّكم عن الإيمان به كَوْنه بشراً﴾ ! ثم نأخذ على هؤلاء مأخذاً آخر؛ لأنهم تنازلوا عن دعواهم هذه بأنْ يأتيَ الرسول من الملائكة وقالوا: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] . فهذا تردُّد عجيب من الكفار، وعدم ثبات على رأي. . مجرد لَجَاجة وإنكار، وقديماً قالوا: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً. ويرد عليهم القرآن: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي الأرض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السمآء مَلَكاً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٥] . فلو كان في الأرض ملائكة لنزَّلنا لهم ملكاً حتى تتحقَّق الأُسْوة. إذن: لا بُدَّ في القدوة من اتحاد الجنس. . ولنضرب لذلك مثلاً: هَبْ أنك رأيتَ أسداً يثور ويجول في الغابة مثلاً يفترس كُلَّ ما أمامه،

стр. 9251

ولا يستطيع أحد أنْ يتعرَّض له. . هل تفكر ساعتها أن تصير أسداً؟ لا. . إنما لو رأيتَ فارساً يمسك بسيفه، ويطيح به رقاب الأعداء. . ألا تحب أن تكون فارساً؟ بلى أحب. فهذه هي القدوة الحقيقية النافعة، فإذا ما اختلف الجنس فلا تصلح القدوة. وهنا يردُّ الحق ﵎ على افتراءات الكفار بقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ ... ﴾ [النحل: ٤٣] . أي: أنك يا محمد لَسْتَ بَدْعاً في الرسل، فَمْن سبقوك كانوا رجالاً طيلة القرون الماضية، وفي موكب الرسالات جميعاً. وجاءتْ هنا كلمة ﴿رِجَالاً﴾ لتفيد البشرية أولاً كجنس، ثم لتفيد النوع المذكَّر ثانياً؛ ذلك لأن طبيعة الرسول قائمة على المخالطة والمعاشرة لقومه. . يظهر للجميع ويتحدث إلى الجميع. . أما المرأة فمبنية على التستُّر، ولا تستطيع أن تقوم بدور الأُسْوة للناس، ولو نظرنا لطبيعة المرأة لوجدنا في طبيعتها أموراً كثيرة لا تناسب دور النبوة، ولا تتمشَّى مع مهمة النبي، مثل انقطاعها عن الصلاة والتعبد لأنها حائض أو نُفَساء. كذلك جاءت كلمة ﴿رِجَالاً﴾ مُقيَّدة بقوله: ﴿نوحي إِلَيْهِمْ ... ﴾ [النحل: ٤٣] .

стр. 9252

فالرسول رجل، ولكن إياك أنْ تقول: هو رجل مثْلي وبشر مثْلي. . لا هناك مَيْزة أخرى أنه يُوحَى إليه، وهذه منزلة عالية يجب أن نحفظها للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . أي: إذا غابتْ عنكم هذه القضية، قضية إرسال الرسل من البشر ولا أظنها تغيب لأنها عامة في الرسالات كلها. وما كانت لتخفَى عليكم خصوصاً وعندكم أهل العلم بالأديان السابقة، مثل ورقة بن نوفل وغيره، وعندكم أهل السِّيَر والتاريخ، وعندكم اليهود والنصارى. . فاسألوا هؤلاء جميعاً عن بشرية الرسل. فهذه قضية واضحة لا تُنكر، ولا يمكن المخالفة فيها. . وماذا سيقول اليهود والنصارى؟ . . موسى وعيسى. . إذنْ بشر. وقوله تعالى: ﴿إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . يوحي بأنهم يعلمون، وليس لديهم شَكٌّ في هذه القضية. . مثل لو قلتَ لمخاطبك: اسأل عن كذا إنْ كنت لا تعرف. . هذا يعني أنه يعرف، أما إذا كان في القضية شَكٌّ فنقول: اسأل عن كذا دون أداة الشرط. . إذن: هم يعرفون، ولكنه الجدال والعناد والاستكبار عن قبول الحق.

стр. 9253

استهل الحق سبحانه الآية بقوله: ﴿بالبينات والزبر ... ﴾ [النحل: ٤٤] . ويقول أهل اللغة: إن الجار والمجرور لا بُدَّ له من متعلق. . فبماذا يتعلق الجار والمجرور هنا؟ قالوا: يجوز أنْ يتعلّق بالفعل (نُوحِي) ويكون السياق: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نُوحِي إليهم بالبينات والزبر. وقد يتعلق الجار والمجرور بأهل الذكر. . فيكون المعنى: فاسألوا أهل الذكر بالبينات والزبر، فهذان وجهان لعودة الجار والمجرور. والبينات: هي الأمر البيِّن الواضح الذي لا يشكُّ فيه أحد. . وهو إما أن يكون أمارة ثُبوت صِدْق الرسالة كالمعجزة التي تتحدى المكذِّبين أنْ يأتوا بمثلها. . أو: هي الآيات الكونية التي تلفِتُ الخَلْق إلى وجود الخالق ، مثل آيات الليل والنهارَ والشمس والقمر والنجوم.

стр. 9254

أما الزُّبُر، فمعناها: الكتب المكتوبة. . ولا يُكتب عادة إلا الشيء النفيس مخافة أنْ يضيعَ، وليس هنا أنفَسُ مما يأتينا من منهج الله لِيُنظِّم لَنا حركة حياتنا. ونعرف أن العرب قديماً كانوا يسألون عن كُلِّ شيء مهما كان حقيراً، فكان عندهم عِلمٌ بالسهم ومَنْ أول صانع لها، وعن القوس والرَّحْل، ومثل هذه الأشياء البسيطة. . ألاَ يسألون عن آيات الله في الكون وما فيها من أسرار وعجائب في خَلْقها تدلُّ على الخالق ؟ ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. .﴾ [النحل: ٤٤] . كلمة الذكر وردتْ كثيراً في القرآن الكريم بمعانٍ متعددة، وأَصلْ الذكر أنْ يظلَّ الشيءُ على البال بحيث لا يغيب، وبذلك يكون ضِدّه النسيان. . إذن: عندنا ذِكْر ونسيان. . فكلمة «ذكر» هنا معناها وجود شيء لا ينبغي لنا نسيانه. . فما هو؟ الحق حينما خلق آدم ﵇ أخذ العهد على كُلِّ ذرِّة فيه، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بنيءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ على أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] .

стр. 9255

وأخْذ العهد على آدم هو عَهْد على جميع ذريته، ذلك لأن في كُلِّ واحد من بني آدم ذَرَّة من أبيه آدم. . وجزءاً حيّاً منه نتيجة التوالُد والتناسُل من لَدُن آدم حتى قيام الساعة، وما دُمْنا كذلك فقد شهدنا أخذ العهد: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ . وكأن كلمة (ذكر) جاءت لتُذكِّرنا بالعهد المطمور في تكويننا، والذي ما كان لنا أنْ ننساه، فلما حدث النسيان اقتضى الأمرُ إرسالَ الرسل وإنزالَ الكتب لتذكِّرنا بعهد الله لنا: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] . ومن هنا سَمّينا الكتب المنزلة ذكراً، لكن الذكْر يأتي تدريجياً وعلى مراحل. . كلُّ رسول يأتي ليُذكَّر قومه على حَسْب ما لديهم من غفلة. . أما الرسول الخاتم ﷺ َ الذي جاء للناس كافّة إلى قيام الساعة، فقد جاء بالذكر الحقيقي الذي لا ذِكْر بعده، وهو القرآن الكريم. وقد تأتي كلمة (الذكْر) بمعنى الشَّرَف والرِّفْعة كما في قوله تعالى للعرب: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وقد أصبح للعرب مكانة بالقرآن، وعاشت لغتهم بالقرآن، وتبوءوا مكان الصدارة بين الأمم بالقرآن. وقد يأتي الذكْر من الله للعبد، وقد يأتي من العبد لله تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ. .﴾ [البقرة: ١٥٢] .

стр. 9256

والمعنى: فاذكروني بالطاعة والإيمان أذكركم بالفيوضات والبركة والخير والإمداد وبثوابي. وإذا أُطلقت كلمة الذكر انصرفت إلى ما نزل على رسول الله ﷺ َ؛ لأنه الكتاب الجامع لكُلِّ ما نزل على الرسُل السابقين، ولكل ما تحتاج إليه البشرية إلى أنْ تقومَ الساعة. كما أن كلمة كتاب تطلق على أي كتاب، لكنها إذا جاءت بالتعريف (الكتاب) انصرفت إلى القرآن الكريم، وهذا ما نسميه (عَلَم بالغلبة) . والذكْر هو القرآن الذي نزل على محمد ﷺ َ، وهو معجزته الخالدة في الوقت نفسه، فهو منهج ومعجزة، وقد جاء الرسُل السابقون بمعجزات لحالها، وكتب لحالها، فالكتاب منفصل عن المعجزة. فموسى كتابه التوراة ومعجزته العصا، وعيسى كتابه ومنهجه الإنجيل ومعجزته إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله. أما محمد ﷺ َ فمعجزته هي نفس كتاب منهجه، لا ينفصل أحدهما عن الآخر لتظلّ المعجزة مُسَاندة للمنهج إلى قيام الساعة. وهذا هو السِّر في أن الحق ﵎ تكفل بحفظ القرآن وحمايته، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] . أما الكتب السابقة فقد عُهد إلى التابعين لكل رسول منهم بحِفْظ كتابه، كما قال تعالى:

стр. 9257

﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا التوراة فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبيون الذين أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ والربانيون والأحبار بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله ... ﴾ [المائدة: ٤٤] . ومعنى اسْتُحفِظوا: أي طلبَ الله منهم أنْ يحفظوا التوراة، وهذا أمْرُ تكليف قد يُطاع وقد يُعصى، والذي حدث أن اليهود عَصَوْا وبدّلوا وحَرَّفوا في التوراة. . أما القرآن فقد تعهَّد الله تعالى بحفْظه ولم يترك هذا لأحد؛ لأنه الكتاب الخاتَم الذي سيصاحب البشرية إلى قيام الساعة. ومن الذِّكْر أيضاً ما جاء به الرسول ﷺ َ مع القرآن، وهو الحديث الشريف، فللرسول مُهِمة أخرى، وهي منهجه الكلاميّ وحديثه الشريف الذي جاء من مِشْكاة القرآن مبيِّناً له ومُوضِّحاً له ... كما قال ﷺ َ: «أَلاَ وإنِّي قد أُوتيتُ القرآن ومِثْله معه، يُوشك رجل شبعان يتكيء على أريكته يُحدِّث بالحديث عنِّي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال حَلَّلْناه، وما وجدنا فيه من حرام حَرَّمناه، أَلاَ وإنَّه ليس كذلك» . ويقول الحق سبحانه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. .﴾ [النحل: ٤٤] .

стр. 9258

إذن: جاء القرآن كتابَ معجزة، وجاء كتابَ منهج، إلا أنه ذكر أصول هذا المنهج فقط، ولم يذكر التعريفات المنهجية والشروح اللازمة لتوضيح هذا المنهج، وإلاَّ لَطالتْ المسألة، وتضخَّم القرآن وربما بَعُد عن مُرَاده. فجاء القرآن بالأصول الثابتة، وترك للرسول ﷺ َ مهمة أنْ يُبيِّنه للناس، ويشرحه ويُوضِّح ما فيه. وقد يظن البعض أن كُلَّ ما جاءتْ به السُّنة لا يلزمنا القيام به؛ لأنه سنة يُثَاب مَنْ فعلها ولا يُعاقب مَنْ تركها. . نقول: لا. . لا بُدَّ أن نُفرِّق هنا بين سُنّية الدليل وسُنّية الحكم، حتى لا يلتبس الأمر على الناس. فسُنّية الدليل تعني وجود فَرْض، إلا أن دليله ثابت من السنة. . وذلك كبيان عدد ركعات الفرائض: الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، فهذه ثابتة بالسنة وهي فَرْض. أما سُنيّة الحكم: فهي أمور وأحكام فقهية وردت عن رسول الله ﷺ َ، يُثَاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها. . فحين يُبيِّن لنا الرسول بسلوكه وأُسْوته حُكْماً ننظر: هل هي سُنّية الدليل فيكون فَرْضاً، أم سُنّية الحكم فيكون سُنة؟ ويظهر لنا هذا أيضاً من مواظبة الرسول على هذا الأمر، فإنْ واظب عليه والتزمه فهو فَرْض، وإنْ لم يواظب عليه فهو سُنة. إذن: مهمة الرسول ليست مجرد مُنَاولة القرآن وإبلاغه للناس، بل وبيان ما جاء فيه من المنهج الإلهي، فلا يستقيم هنا البلاغ دون

стр. 9259

بيان. . ولا بُدَّ أن نفرّق بين العطائين: العطاء القرآني، والعطاء النبوي. ويجب أن نعلم هنا أن من المَيْزات التي مُيِّز بها النبي ﷺ َ عن سائر إخوانه من الرُّسُل، أنه الرسول الوحيد الذي أمنه الله على التشريع، فقد كان الرسل السابقون يُبلِّغون أوامر السماء فَقط وانتهتْ المسألة، أما محمد ﷺ َ فقد قال الحق ﵎ في حقِّه: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا. .﴾ [الحشر: ٧] . إذن: أخذ مَيْزة التشريع، فأصبحت سُنّته هي التشريع الثاني بعد القرآن الكريم. ثم يقول تعالى: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] . يتفكرون. . في أي شيء؟ يتفكرون في حال الرسول ﷺ َ قبل البعثة، حيث لم يُؤْثَر عنه أنه كان خطيباً أو أديباً شاعراً، ولم يُؤْثَر عنه أنه كان كاتباً مُتعلِّماً. . لم يُعرف عنه هذا أبداً طيلة أربعين عاماً من عمره الشريف، لذلك أمرهم بالتفكُّر والتدبُّر في هذا الأمر. فليس ما جاء به محمد عبقرية تفجَّرت هكذا مرَّة واحدة في الأربعين من عمره، فالعمر الطبيعي للعبقريات يأتي في أواخر العِقْد الثاني وأوائل العِقْد الثالث من العمر. ولا يُعقل أنْ تُؤجّل العبقرية عند رسول الله إلى هذا السن وهو يرى القوم يُصْرعون حوله. . فيموت أبوه وهو في بطن أمه، ثم

стр. 9260

تموت أمه وما يزال طفلاً صغيراً، ثم يموت جَدُّه، فمَنْ يضمن له الحياة إلى سِنِّ الأربعين، حيث تتفجَّر عنده هذه العبقرية؟! إذن: تفكَّروا، فليستْ هذه عبقرية من محمد، بل هي أمْر من السماء؛ ولذلك أمره ربُّه ﵎ أن يقول لهم: ﴿قُل لَّوْ شَآءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] . فكان عليكم أنْ تفكِّروا في هذه المسألة. . ولو فكرتُمْ فيها كان يجب عليكم أنْ تتهافتوا على الإسلام، فأنتم أعلم الناس بمحمد، وما جرَّبتم عليه لا كذباً ولا خيانةً، ولا اشتغالاً بالشعر أو الخطابة، فما كان لِيْصدق عندكم ويكذب على الله. ولا بُدَّ أن نُفرّق بين العقل والفكر. فالعقل هو الأداة التي تستقبل المحسَّات وتُميِّزها، وتخرج منها القضايا العامة التي ستكون هي المباديء التي يعيش الإنسان عليها، والتي ستكون عبارة عن معلومات مُخْتزنة، أما الفكر فهو أن تفكر في هذه الأشياء لكي تستنبط منها الحكم. والله ترك لنا حُرية التفكير وحرية العقل في أمور دنيانا، لكنه ضبطنا بأمور قَسْرية يفسَد العالم بدونها، فالذي يفسد العالم أن نترك ما شرعه الله لنا. . والباقي الذي لا يترتب عليه ضرر يترك لنا فيه مجالاً للتفكير والتجربة؛ لأن الفشل فيه لا يضر. فما أراده الله حُكْماً قسْرياً فرضه بنصِّ صريح لا خلافَ فيه، وما أراده على وجوه متعددة يتركه للاجتهاد حيث يحتمل الفعل فيه

стр. 9261

أوجهاً متعددة، ولا يؤدي الخطأ فيه إلى فساد. فالمسألة ميزان فكري يتحكم في المحسَّات ويُنظم القضايا، لنرى أولاً ما يريده الله بتاً وما يريده اجتهاداً، وما دام اجتهاداً فما وصل إليه المجتهد يصح أنْ يعبد الله به، ولكن آفة الناس في الأمور الاجتهادية أن منهم مَنْ يتهم مخالفه، وقد تصل الحال بهؤلاء إلى رَمْي مخالفيهم بالكفر والعياذ بالله. ونقول لمثل هذا: اتق الله، فهذا اجتهادٌ مَنْ أصاب فيه فَلَهُ أجران، ومَنْ أخطأ فله أجر. . ولذلك نجد من العلماء مَنْ يعرف طبيعة الأمور الاجتهادية فنراه يقول: رَأْيي صواب يحتمل الخطأ، ورَأْي غيري خطأ يحتمل الصواب. وهكذا يتعايش الجميع وتُحتَرم الآراء. ومن رحمة الله بعباده أن يأمرهم بالتفكُّر والتدبُّر والنظر؛ ذلك لأنهم خَلْقه سبحانه، وهم أكرم عليه من أنْ يتركهم للضلال والكفر، بعد أن أكرمهم بالخَلْق والعقل، فأراد سبحانه أن يكرمهم إكراماً آخر بالطاعة والإيمان. وكأنه سبحانه يقول لهم: رُدُّوا عقولكم ونفوسكم عن كبرياء الجدل ولَجَج الخصومة، وإنْ كنتم لا تؤمنون بالبعث في الآخرة، وبما أُعدَّ للظالمين فيها من عقاب، فانظروا إلى ما حدث لهم وما عُجِّل لهم من عذاب في الدنيا.

стр. 9262

انظروا للذين سبقوكم من الأمم المكذَّبة وما آل إليه مصيرهم، أم أنتم آمنون من العذاب، بعيدون عنه؟! ثم يقول ﵎: ﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ ... ﴾ .

стр. 9263

قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ ... ﴾ [النحل: ٤٥] . عبارة عن همزة الاستفهام التي تستفهم عن مضمون الجملة بعدها. . أما الفاء بعدها فهي حَرْف عَطْف يعطف جملة على جملة. . إذن: هنا جملة قبل الفاء تقديرها: أجهلوا ما وقع لمخالفي الأنبياء السابقين من العذاب، فأمِنُوا مكر الله؟ أي: أن أَمْنهم لمكر الله ناشيءٌ عن جهلهم بما وقع للمكَذِّبين من الأمم السابقة. ثم يقول تعالى: ﴿مَكَرُواْ السيئات ... .﴾ [النحل: ٤٥] . المكر: هو التبييت الخفيّ للنيْل ممَّنْ لا يستطيع مجابهته بالحق ومجاهرته به، فأنت لا تُبيِّت لأحد إلا إذا كانت قدرتُك عاجزة عن مُصَارحته مباشرة، فكوْنُك تُبيّت له وتمكر به دليل على عَجْزك؛ ولذلك جعلوا المكر أول مراتب الجُبْن؛ لأن الماكر ما مكر إلا لعجزه

стр. 9264

عن المواجهة، وعلى قَدْر ما يكون المكْر عظيماً يكون الضعف كذلك. وهذا ما نلحظه من قوله تعالى في حَقِّ النساء: ﴿كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ. .﴾ [يوسف: ٢٨] . وقال في حَقِّ الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء: ٧٦] . فالمكر دليل على الضعف، وما دام كَيْدهُن عظيماً إذن: ضَعْفُهن أيضاً عظيم، وكذلك في كيد الشيطان. وقديماً قالوا: إياك أنْ يملكَك الضعيف؛ ذلك لأنه إذا تمكَّن منك وواتَتْه الفرصة فلن يدعَكَ تُفلت منه؛ لأنه يعلم ضعفه، ولا يضمن أن تُتاحَ له الفرصة مرة أخرى؛ لذلك لا يضيعها على عكس القويّ، فهو لا يحرص على الانتقام إذا أُتيحَتْ له الفرصة وربما فَوَّتها لقُوته وقُدرته على خَصْمه، وتمكّنه منه في أيِّ وقت يريد، وفي نفس المعنى جاء قول الشاعر: وَضَعِيفة فإذَا أَصَابتْ فُرْصةً ... قتلَتْ كذلِكَ قُدرةُ الضُّعَفاءِ إذن: قدرة الضعفاء قد تقتل، أما قدرة القويّ فليستْ كذلك. ثم لنا وقْفة أخرى مع المكْر، من حيث إن المكر قد ينصرك على مُساويك وعلى مثلك من بني الإنسان، فإذا ما تعرضْتَ لمن هو أقوى منك وأكثر منك حَيْطة، وأحكم منك مكْراً، فربما لا يُجدِي مكرُك به، بل ربما غلبك هو بمكْره واحتياطه، فكيف الحال إذا كَان الماكر بك هو ربِّ العالمين ﵎؟

стр. 9265

وصدق الله العظيم حيث قال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله والله خَيْرُ الماكرين﴾ [الأنفال: ٣٠] . وقال: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] . فمكْر العباد مكشوف عند الله، أما مكْرُه سبحانه فلا يقدر عليه أحد، ولا يحتاط منه أحد؛ لذلك كان الحق سبحانه خَيْر الماكرين. والمكْر السَّيء هو المكْر البطَّال الذي لا يكون إلا في الشر، كما حدث من مَكْر المكذِّبين للرسل على مَرِّ العصور، وهو أن تكيد للغير كيْداً يُبطل حَقّاً. وكل رسول قابله قومه المنكرون له بالمكر والخديعة، دليل على أنهم لا يستطيعون مواجهته مباشرة، وقد تعرَّض الرسول ﷺ َ لمراحل متعددة من الكَيْد والمكْر والخديعة، وذلك لحكمة أرادها الحق ﵎ وهي أن يُوئس الكفار من الانتصار عليه ﷺ َ، فقد بيَّتوا له ودَبَّروا لقتله، وحَاكُوا في سبيل ذلك الخطط، وقد باءتْ خُطتهم ليلة الهجرة بالفشل. وفي مكيدة أخرى حاولوا أن يَسْحروه ﷺ َ، ولكن كشف الله أمرهم وخيَّب سعيهم. . إذن: فأيّ وسيلة من وسائل دَحْض هذه الدعوة لم تنجحوا فيها، ونصره الله عليكم. كما قال تعالى:

стр. 9266

﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي ... ﴾ [المجادلة: ٢١] . وقوله تعالى: ﴿أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الأرض ... ﴾ [النحل: ٤٥] . الخسْف: هو تغييب الأرض ما على ظهرها. . فانخسفَ الشيء أيْ: غاب في باطن الأرض، ومنه خُسوف القمر أي: غياب ضَوْئه. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى عن قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأرض﴾ [القصص: ٨١] . وهذا نوع من العذاب الذي جاء على صُور متعددة كما ذكرها القرآن الكريم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصيحة وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأرض وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا. .﴾ [العنكبوت: ٤٠] . هذه ألوان من العذاب الذي حاقَ بالمكذبين، وكان يجب على هؤلاء أن يأخذوا من سابقيهم عبرة وعظة، وأنْ يحتاطوا أن يحدث لهم كما حدث لسابقيهم. ثم يقول الحق ﵎: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٤٥] . والمراد أنهم إذا احتاطوا لمكْر الله وللعذاب الواقع بهم، أتاهم الله من وجهة لا يشعرون بها، ولم تخطُر لهم على بال، وطالما لم تخطُرْ لهم على بال، إذن: فلم يحتاطوا لها، فيكون أَخْذهم يسيراً، كما قال تعالى:

стр. 9267

﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ ... ﴾ [الحشر: ٢] . ويتابع الحق سبحانه، فيقول: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي ... ﴾ .

стр. 9268

التقلب: الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان، والانتقال من مكان الإقامة إلى مكان آخر دليلُ القوة والمقدرة، حيث ينتقل الإنسان من مكانه حاملاً متاعه وعَتَاده وجميع ما يملك؛ لينشيء له حركةَ حياة جديدة في مكانه الجديد. إذن: التقلُّب في الحياة مظهر من مظاهر القوة، بحيث يستطيع أن يقيم حياة جديدة، ويحفظ ماله في رحلة تقلُّبه. . ولا شكَّ أن هذا مظهر من مظاهر العزة والجاه والثراء لا يقوم به إلا القوي. ولذلك نرى في قول الحق ﵎ عن أهل سبأ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ القرى التي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السير سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٨ - ١٩] . فهؤلاء قوم جمع الله لهم ألواناً شتى من النعيم، وأمَّن بلادهم وأسفارهم، وجعل لهم محطات للراحة أثناء سفرهم، ولكنهم للعجب طلبوا من الله أن يُباعد بين أسفارهم، كأنهم أرادوا أنْ يتميزوا عن

стр. 9269

الضعفاء غير القادرين على مشقة السفر والترحال، فقالوا: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] . حتى لا يقدر الضعفاء منهم على خَوْض هذه المسافات. إذن: الذي يتقلَّب في الأرض دليل على أن له من الحال حال إقامة وحال ظَعْن وقدرة على أن ينقل ما لديه ليقيم به في مكان آخر؛ ولذلك قالوا: المال في الغربة وطن. . ومَنْ كان قادراً يفعل ما يريد. والحق سبحانه يقول لرسوله ﷺ َ: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد﴾ [آل عمران: ١٩٦] . فلا يخيفنك انتقالهم بين رحلتي الشتاء والصَّيْف، فالله تعالى قادر أن يأخذَهم في تقلُّبهم. وقد يُراد تقلّبهم في الأفكار والمكْر السيء بالرسول ﷺ َ وصحابته كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور﴾ [التوبة: ٤٨] . فقد قعدوا يُخطّطون ويمكُرون ويُدبِّرون للقضاء على الدعوة في مَهْدها. ويقول تعالى: ﴿فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦] . المعجز: هو الذي لا يمَكِّنك من أنْ تغلبه، وهؤلاء لن يُعجِزوا الله

стр. 9270

تعالى، ولن يستطيعوا الإفلاتَ من عذابه؛ لأنهم مهما بَيَّتوا فتبييتهم وكَيْدهم عند الله. . أما كيْد الله إذا أراد أنْ يكيد لهم فلن يشعروا به: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ الله﴾ [الأنفال: ٣٠] . وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧] . فمَنْ لا يستطيع أن يغلبك يخضع لك، وما دام يخضع لك يسيطر عليه المنهج الذي جِئْتَ به. وقد يكون العجز أمام القوىّ دليلَ قوة، كما عجز العرب أمام تحدِّي القرآن لهم، فكان عجزهم أمام كتاب الله دليلَ قوتهم في المجال الذي تحدَّاهم القرآن فيه؛ لأن الله تعالى حين يتحدَّى وحين يُنازل لا ينازل الضعيف، لا بل ينازل القوي في مجال هذا التحدِّي.

стр. 9271

التخوُّف: هو الفزع من شيء لم يحدث بعد، فيذهب فيه الخيال مذاهبَ شتَّى، ويتوقع الإنسان ألواناً متعددة من الشر، في حين أن الواقع يحدث على وجه واحد. هَبْ أنك في انتظار حبيب تأخَّر عن موعد وصوله، فيذهب بك الخيال والاحتمال إلى أمور كثيرة. . يا تُرى حدث كذا أو حدث كذا، وكل خيال من هذه الخيالات له أثر ولذعة في النفس، وبذلك تكثر المخاوف، أما إن انتظرتَ لتعرفَ الواقع فإنْ كان هناك فزع كان مرة واحدة.

стр. 9272

ولذلك يقولون في الأمثال: (نزول البلا ولا انتظاره) ذلك لأنه إنْ نزل سينزل بلون واحد، أما انتظاره فيُشيع في النفس ألواناً متعددة من الفزع والخوف. . إذن: التخُّوف أشدُّ وأعظم من وقوع الحَدث نفسه. وكان هذا الفزع يعتري الكفار إذا ما عَلِموا أن رسول الله ﷺ َ بعث سرية من السَّرايا، فيتوقع كل جماعة منهم أنها تقصدهم، وبذلك يُشيع الله الفزع في نفوسهم جميعاً، في حين أنها خرجتْ لناحية معينة. وبعض المفسرين قال: التخوُّف يعني التنقُّص بأنْ ينقص الله من رُقْعة الكفر بدخول القبائل في الإسلام قبيلةً بعد أخرى، فكلُّ واحدة منها تنقص من رقعة الكفر. . كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات ... ﴾ [البقرة: ١٥٥] . ثم يقول الحق ﵎ في تذييل هذه الآية: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] . وهل هذا التذييل مناسب للآية وما قبلها من التهديد والوعيد؟ فالعقل يقول: إن التذييل المناسب لها: إن ربكم لشديد العقاب مثلاً. لكن يجب هنا أنْ نعلمَ أن هذا هو عطاء الربوبية الذي يشمل العباد جميعاً مؤمنهم وكافرهم، فالله تعالى استدعى الجميع للدنيا، وتكفَّل للجميع بما يحفظ حياتهم من شمس وهواء وأرض وسماء،

стр. 9273

لم تُخلَق هذه الأشياء لواحد دون الآخر، وقد قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠] . وكأن في الآية لَوْناً من ألوان رحمته سبحانه بخَلْقه وحِرْصه سبحانه على نجاتهم؛ لأنه يُنبِّههم إلى ما يمكن أن يحدث لَهم إذا أصرُّوا على كفرهم، ويُبصِّرهم بعاقبة كفرهم، والتبصرة عِظَة، والعِظَة رأفة بهم ورحمة حتى لا ينالهم هذا التهديد وهذا الوعيد. ومثال هذا التذييل كثير في سورة الرحمن، يقول الحق ﵎: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٧ - ١٨] . فهذه نعمة ناسبت قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٨] . وكذلك في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] . فهذه نعمة من نعم الله ناسبت تذييل الآية: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢١] .

стр. 9274

أما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٨] . فما النعمة في ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ ؟ هل الموت نعمة؟! نعم، يكون الموت نعمة من نِعَم الله على عباده؛ لأنه يقول للمحسن: سيأتي الموت لتلقَى جزاء إحسانك وثواب عملك، ويقول أيضاً للكافر: انتبه واحذر. . الموت قادم، كأنه سبحانه يُوقِظ الكفار ويَعِظهم لينتهوا عما هم فيه. . أليست هذه نعمة من نعم الله ورحمة منه سبحانه بعباده؟ وكذلك انظر إلى قول الحق ﵎: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلاَ تَنتَصِرَانِ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥ - ٣٦] . فأيّ نعمة في: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ [الرحمن: ٣٥] . أيُّ نعمة في هذا العذاب؟ نعم المتدبِّر لهذه الآية يجد فيها نعمة عظيمة؛ لأن فيها تهديداً ووعيداً بالعذاب إذا استمروا على ما هم فيه من الكفر. . ففي طيَّاتها تحذير وحِرْص على نجاتهم كما تتوعد ولدك: إذا أهملتَ دروسك

стр. 9275

ستفشل وأفعل بك كذا وكذا. وأنت ما قلت ذلك إلا لحِرصك على نجاحه وفلاحه. إذن: فتذييل الآية بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٧] . تذييل مناسب لما قبلها من التهديد والوعيد، وفيها بيان لرحمة الله التي يدعو إليها كلاً من المؤمن والكافر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ. .﴾ .

стр. 9276

قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ ... ﴾ [النحل: ٤٨] . المعنى: أَعَمُوا ولم يَرَوْا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] . كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس، و ﴿مِن﴾ تفيد ابتداء ما يُقال له شيء، أي: أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس. . وتفيد أيضاً العموم فيكون: ﴿مِن شَيْءٍ ... ﴾ [النحل: ٤٨] . أي: كل شيء.

стр. 9277

فانظر إلى أيّ شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظِلاً: ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ... ﴾ [النحل: ٤٨] . يتفيأ: من فاءَ أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل. فلو نظرنا إلى الظل نجده نوعين: ظل ثابت مستمر، وظل مُتغيّر، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظِلٌّ ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات. والظلّ المتحرك الذي يُسمّى الفَيْء لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يُسمَّى الظل فَيْئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه. ولكن. . كيف يتكّون الظل؟ يتكّون الظل إذا مَا استعرض الشمسَ جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ظِلاً له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طُولان وله استواء واحد. طول عند الشروق إلى أنْ يبلغَ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس، فإذا ما استوتْ الشمس في السماء يصبح ظِلّ الشيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظلّ الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق.

стр. 9278

ويلفتنا الحق ﵎ إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٦] . ذلك لأنك لو نظرتَ إلى الظلِّ وكيف يمتدُّ، وكيف ينقبض وينحسر لوجدتَ شيئاً عجيباً حقاً. . ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سَيْراً انسيابياً. ما معنى: (انسيابي) ؟ هو نوع من أنواع الحركة، فالحركة إما حركة انسيابية، أو حركة عن توالي سكونات بين الحركات. وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب الساعة، وهي أوضح في عقرب الثواني منها في عقرب الدقائق، ولا تكاد تشعر بها في عقرب الساعات. . فلو لاحظت عقرب الثواني لوجدتَه يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكون حركة فسكوناً فحركة، وهكذا. . ومعنى ذلك أنه يجمع الحركة في حال سكونه، ثم ينطلق بها، وبذلك تمرُّ عليه لحظة لم يكن مُتحركاً فيها، وهذا ما نسميه بالحركة القفزية. . هذه الحركة لا تستطيع رَصْدها في عقرب الساعات؛ لأن القفزة فيه دقيقة لدرجة أن العين المجردة تعجز عن رَصْدها وملاحظتها، هذه هي الحركة القفزية. أما الحركة الانسيابية، فتعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة. . أي: حركة مستمرة ومُوزّعة بانتظام على الزمن.

стр. 9279

ونضرب لذلك مثلاً بنمو الطفل. . الطفل الوليد ينمو باستمرار، لكن أمه لملازمتها له لا تلاحظ هذا النمو؛ لأن نظرها عليه دائماً. . فكيف تكون حركة النمو في الطفل؟ هل حركة قفزية يتجمع فيها نمو الطفل كل أسبوع أو كل شهر مثلاً، ثم ينمو طَفْرة واحدة؟ لو كان نموه هكذا لَلاَحظنا نمو الطفل، لكنه ليس كذلك، بل ينمو بحركة انسيابية تُوزّع المِلِّي الواحد من النمو على طول الزمن. فلا نكاد نشعر بنموه. وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث تُوزع جزئيات الحركة على جُزئيات الزمن، فالشمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس كالساعة مثلاً، لا. . بل مركونة إلى أمر الله، موصولة بكُنْ الدائمة. وكأن الحق ﵎ يريد أن يلِفتَ خَلْقه إلى ظاهرة كونية في الوجود مُحسّة، يدركها كلٌّ مِنّا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظَلّ التي يعجز الإنسان عن إدراك حركته. وفي آية أخرى يقول الحق ﵎: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥] . فالحق سبحانه يريد أن يُعمم الفكرة التسبيحية في الكون كله، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... ﴾ [الإسراء: ٤٤] .

стр. 9280

فكل ما يُطلَق عليه شيء فهو يُسبِّح مهما كان صغيراً. وقوله تعالى: ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل ... ﴾ [النحل: ٤٨] . لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث أتى باليمين مُفْرداً، في حين أتى بالشمائل على صورة الجمع؛ ذلك لأن الحق ﵎ لما قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ ... ﴾ [النحل: ٤٨] . أتى بأقلّ ما يُتصوَّر من مخلوقاته سبحانه ﴿مِن شَيْءٍ ... ﴾ وهو مفرد، ثم قال سبحانه: ﴿ظِلاَلُهُ. .﴾ [النحل: ٤٨] . بصيغة الجمع. أي: مجمع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظِلّ شيء واحد، لا. . بل ظِلّ أشياء متعددة. و ﴿مِن﴾ هنا أفادت العموم: ﴿مِن شَيْءٍ. .﴾ [النحل: ٤٨] . أي: كل شيء. فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشمائل. ثم يقول تعالى: ﴿سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] . فما العلاقة بين حركة الظلّ وبين السجود؟ معنى: سُجّداً أي: خضوعاً لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليلٌ على أنه موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل
следующие страницы →