Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9276–9315 · переход к 9281.
стр. 9276
قوله تعالى:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ ... ﴾ [النحل: ٤٨] .
المعنى: أَعَمُوا ولم يَرَوْا ولم يتدبروا فيها خلق الله؟
﴿مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] .
كلمة شيء يسمونها جنس الأجناس، و ﴿مِن﴾ تفيد ابتداء ما يُقال له شيء، أي: أتفه شيء موجود، وهذا يسمونه أدنى الأجناس. . وتفيد أيضاً العموم فيكون:
﴿مِن شَيْءٍ ... ﴾ [النحل: ٤٨] .
أي: كل شيء.
стр. 9277
فانظر إلى أيّ شيء في الوجود مهما كان هذا الشيء تافهاً ستجد له ظِلاً:
﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ ... ﴾ [النحل: ٤٨] .
يتفيأ: من فاءَ أي: رجع، والمراد عودة الظل مرة أخرى إلى الشمس، أو عودة الشمس إلى الظل.
فلو نظرنا إلى الظل نجده نوعين: ظل ثابت مستمر، وظل مُتغيّر، فالظل الثابت دائماً في الأماكن التي لا تصل إليها أشعة الشمس، كقاع البحار وباطن الأرض، فهذا ظِلٌّ ثابت لا تأتيه أشعة الشمس في أي وقت من الأوقات.
والظلّ المتحرك الذي يُسمّى الفَيْء لأنه يعود من الظل إلى الشمس، أو من الشمس إلى الظل، إذن: لا يُسمَّى الظل فَيْئاً إلا إذا كان يرجع إلى ما كان عليه.
ولكن. . كيف يتكّون الظل؟ يتكّون الظل إذا مَا استعرض الشمسَ جسم كثيف يحجب شعاع الشمس، فيكون ظِلاً له في الناحية المقابلة للشمس، هذا الظل له طُولان وله استواء واحد.
طول عند الشروق إلى أنْ يبلغَ المغرب، ثم يأخذ في التناقص مع ارتفاع الشمس، فإذا ما استوتْ الشمس في السماء يصبح ظِلّ الشيء في نفسه، وهذه حالة الاستواء، ثم تميل الشمس إلى الغروب، وينعكس طول الظلّ الأول من ناحية المغرب إلى ناحية المشرق.
стр. 9278
ويلفتنا الحق ﵎ إلى هذه الآية الكونية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٦] .
ذلك لأنك لو نظرتَ إلى الظلِّ وكيف يمتدُّ، وكيف ينقبض وينحسر لوجدتَ شيئاً عجيباً حقاً. . ذلك لأنك تلاحظ الظل في الحالتين يسير سَيْراً انسيابياً.
ما معنى: (انسيابي) ؟ هو نوع من أنواع الحركة، فالحركة إما حركة انسيابية، أو حركة عن توالي سكونات بين الحركات.
وهذه الأخيرة نلاحظها في حركة عقارب الساعة، وهي أوضح في عقرب الثواني منها في عقرب الدقائق، ولا تكاد تشعر بها في عقرب الساعات. . فلو لاحظت عقرب الثواني لوجدتَه يسير عن طريق قفزات منتظمة، تكون حركة فسكوناً فحركة، وهكذا. .
ومعنى ذلك أنه يجمع الحركة في حال سكونه، ثم ينطلق بها، وبذلك تمرُّ عليه لحظة لم يكن مُتحركاً فيها، وهذا ما نسميه بالحركة القفزية. . هذه الحركة لا تستطيع رَصْدها في عقرب الساعات؛ لأن القفزة فيه دقيقة لدرجة أن العين المجردة تعجز عن رَصْدها وملاحظتها، هذه هي الحركة القفزية.
أما الحركة الانسيابية، فتعني أن كل جزء من الزمن فيه جزء من الحركة. . أي: حركة مستمرة ومُوزّعة بانتظام على الزمن.
стр. 9279
ونضرب لذلك مثلاً بنمو الطفل. . الطفل الوليد ينمو باستمرار، لكن أمه لملازمتها له لا تلاحظ هذا النمو؛ لأن نظرها عليه دائماً. . فكيف تكون حركة النمو في الطفل؟ هل حركة قفزية يتجمع فيها نمو الطفل كل أسبوع أو كل شهر مثلاً، ثم ينمو طَفْرة واحدة؟
لو كان نموه هكذا لَلاَحظنا نمو الطفل، لكنه ليس كذلك، بل ينمو بحركة انسيابية تُوزّع المِلِّي الواحد من النمو على طول الزمن. فلا نكاد نشعر بنموه.
وهكذا حركة الشمس حركة انسيابية، بحيث تُوزع جزئيات الحركة على جُزئيات الزمن، فالشمس ليست مركونة إلى ميكانيكا تتحرك عن التروس كالساعة مثلاً، لا. . بل مركونة إلى أمر الله، موصولة بكُنْ الدائمة.
وكأن الحق ﵎ يريد أن يلِفتَ خَلْقه إلى ظاهرة كونية في الوجود مُحسّة، يدركها كلٌّ مِنّا في ذاته، وفيما يرى من المرائي، ومن هذه المظاهر ظاهرة الظَلّ التي يعجز الإنسان عن إدراك حركته.
وفي آية أخرى يقول الحق ﵎: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥] .
فالحق سبحانه يريد أن يُعمم الفكرة التسبيحية في الكون كله، كما قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ... ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
стр. 9280
فكل ما يُطلَق عليه شيء فهو يُسبِّح مهما كان صغيراً.
وقوله تعالى:
﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ عَنِ اليمين والشمآئل ... ﴾ [النحل: ٤٨] .
لنا هنا وقفة مع الأداء القرآني، حيث أتى باليمين مُفْرداً، في حين أتى بالشمائل على صورة الجمع؛ ذلك لأن الحق ﵎ لما قال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ ... ﴾ [النحل: ٤٨] .
أتى بأقلّ ما يُتصوَّر من مخلوقاته سبحانه ﴿مِن شَيْءٍ ... ﴾ وهو مفرد، ثم قال سبحانه:
﴿ظِلاَلُهُ. .﴾ [النحل: ٤٨] .
بصيغة الجمع. أي: مجمع هذه الأشياء، فالإنسان لا يتفيأ ظِلّ شيء واحد، لا. . بل ظِلّ أشياء متعددة.
و ﴿مِن﴾ هنا أفادت العموم:
﴿مِن شَيْءٍ. .﴾ [النحل: ٤٨] .
أي: كل شيء. فليناسب المفرد جاء باليمين، وليناسب الجمع جاء بالشمائل.
ثم يقول تعالى:
﴿سُجَّداً لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
فما العلاقة بين حركة الظلّ وبين السجود؟
معنى: سُجّداً أي: خضوعاً لله، وكأن حركة الظل وامتداده على امتداد الزمن دليلٌ على أنه موصول بالمحرك الأعلى له، والقائل
стр. 9281
الأعلى ل «كُنْ» ، والظل آية من آياته سبحانه مُسخّرة له ساجدة خاضعة لقوله: كُنْ فيكون.
وقلنا: إن هناك فرقاً بين الشيء تُعِده إعداداً كَوْنياً، والشيء تُعِده إعداداً قدرياً. . فصانع القنبلة الزمنية يُعِدُّها لأنْ تنفجرَ في الزمن الذي يريده، وليس الأمر كذلك في إعداد الكون.
الكون أعدّه الله إعداداً قدرياً قائماً على قوله كُنْ، وفي انتظار لهذا الأمر الإلهي باستمرار (كن فيكون) .
وهكذا. . فليست المسألة مضبوطة ميكانيكاً، لا. . بل مضبوطة قَدرياً.
لذلك يحلو لبعض الناس أن يقول: باقٍ للشمس كذا من السنين ثم ينتهي ضوؤها، ويُرتّب على هذا الحكم أشياء أخرى. . نقول: لا. . ليس الأمر كذلك. . فالشمس خاضعة للإعداد القدريّ منضبطةٌ به ومنتظرة ل «كُنْ» التي يُصغِي لها الكون كله؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] .
هكذا بيَّنت الآية الكريمة أن كل ما يُقال له «شيء» يسجد لله ، وكلمة «شيء» جاءت مُفْردة دالّة على العموم. . وقد عرفنا السجود فيما كلَّفنا الله به من ركن في الصلاة، وهو مُنْتَهى الخضوع، خضوع الذات من العابد للمعبود، فنحن نخضع واقفين، ونخضع راكعين، ونخضع قاعدين، ولكن أتمَّ الخضوع يكون بأنْ نسجدَ لله. . ولماذا كان أتمَّ الخضوع أن نسجدَ لله؟
نقول: لأن الإنسان له ذات عامة، وفي هذا الذات سيد للذات، بحيث إذا أُطلِق انصرف إلى الذات، والمراد به الوجه؛ لذلك حينما يعبّر الحق ﵎ عن فَنَاء الوجود يقول:
стр. 9282
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ. .﴾ [القصص: ٨٨] .
وكذلك في قوله: ﴿إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ رَبِّهِ الأعلى وَلَسَوْفَ يرضى﴾ [الليل: ٢٠ - ٢١] .
فيُطلَق الوجه ويُراد به الذات، فإذا ما سجد الوجه لله تعالى دلَّ ذلك على خضوع الذات كلها؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، فإذا ما ألصقه بالأرض فقد جاء بمنتهى الخضوع بكل ذاته للمعبود .
كما دَلَّتْ الآية على أن الظل أيضاً يسجد لربه وخالقه سبحانه، والظلال قد تكون لجمادات كالشجر مثلاً، أو بناية أو جبل، وهذه الأشياء الثابتة يكون ظِلّها أيضاً ثابتاً لا يتحرك، أما ظِلّ الإنسان أو الحيوان فهو ظل متحرك، وقد ضرب لنا الحق ﵎ مثلاً في الخضوع التام بالظلال؛ لأن ظل كل شيء لا يفارق الأرض أبداً، وهذا مثال للخضوع الكامل.
ثم يرتفع الحق ﵎ بمسألة السجود من الجمادات في الظلال في قوله: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: ١٥] .
يعني الذوات تسجد، وكذلك الظلال تسجد؛ ولذلك يتعجب بعض العارفين من الكافر. . يقول: أيها الكافر ظِلُّك ساجد وأنت جاحد. . جاء هذا الترقِّي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ... ﴾ .
стр. 9283
فأجناس الكون التي يعرفها الإنسان أربعة: إما جماد، فإذا وجدتَ خاصية النمو كان النبات، وإذا وجدتَ خاصية الحركة والحسِّ كان الحيوان، فإذا وجدتَ خاصية الفِكْر كان الإنسان، وإذا وجدتَ خاصية العلم الذاتي النوراني كان المَلَك. . هذه هي الأجناس التي نعرفها.
الحق ﵎ ينقلُنا هنا نَقْلة من الظلال الساجدة، للجمادات الثابتة، إلى الشيء الذي يتحرك، وهو وإنْ كان مُتحركاً إلا أن ظلّه أيضاً على الأرض، فإذا كان الحق سبحانه قد قال:
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض. .﴾ [النحل: ٤٩] .
فقد فصَّل هذا الإجمال بقوله:
﴿مِن دَآبَّةٍ والملائكة ... ﴾ [النحل: ٤٩] .
أي: من أقلّ الأشياء المتحركة وهي الدابة، إلى أعلى الأشياء وهي الملائكة. .
وقد يقول قائل: وهل ما في السماوات وما في الأرض يسجد لله؟
نقول له: نعم. . لأنك فسرتَ السجود فيك أنت بوضْع جبهتك على الأرض، ليدلّ على أن الذات بعلُوّها ودنُوّها ساجدة لله خاضعة تمام الخضوع، حيث جعلتَ الجبهة مع القدم.
والحق ﵎ يريد منّا أن نعرف استطراق العبودية في الوجود كله؛ لأن الكافر وإنْ كانَ مُتمرِّداً على الله فيما جعل الله له فيه اختيارا، في أنْ يؤمن أو يكفر، في أن يطيع أو يعصي، ولكن الله أعطاه الاختيار.
стр. 9284
نقول له: إنك قد ألفْتَ التمرّد على الله، فطلب منك أن تؤمن لكنك كفرتَ، وطلبَ منك يا مؤمن أن تطيعَ فعصيتَ، إذن: فلكَ إلْفٌ بالتمرّد على الحق. . ولكن لا تعتقد أنك خرجتَ من السجود والخضوع لله؛ لأن الله يُجري عليك أشياء تكرهها، ولكنها تقع عليك رغم أنفك وأنت خاضع.
وهذا معنى قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨] .
أي: صاغرون مُستذلِّون مُنقَادُونَ مع أنهم أَلِفُوا التمرُّد على الحق سبحانه.
وإلا فهذا الذي أَلِف الخروج عن مُرادات الله فيما له فيه اختيار، هل يستطيع أنْ يتأبَّى على الله إذا أراد أنْ يُمرضه، أو يُفقره، أو يميته؟
لا، لا يستطيع، بل هو داخر صاغر في كل ما يُجريه عليه من مقادير، وإنْ كان يأباها، وإنْ كان قد أَلِف الخروج عن مُرادات الله.
إذن: ليس في كون الله شيء يستطيع الخروج عن مرادات الله؛ لأنه ما خرج عن مرادات الله الشرعية في التكليف إلا بما أعطاه الله من اختيار، وإلا لو لم يُعْطه الاختيار لما استطاع التمرّد، كما في المرادات الكونية التي لا اختيارَ فيها.
لذلك نقول للكافر الذي تمرّد على الحق سبحانه: تمرّد إذا أصابك مرض، وقُلْ: لن أمرض، تمرَّد على الفقر وقُلْ: لن أفتقر. .
стр. 9285
وما دُمْتَ لا تقدر وسوف تخضع راغماً فلتخضعْ راضياً وتكسب الأمر، وتنتهي مشكلة حياتك، وتستقبل حياة أخرى أنظف من هذه الحياة.
وقوله تعالى:
﴿مِن دَآبَّةٍ ... ﴾ [النحل: ٤٩] .
هو كل ما يدبّ على الأرض، والدَّبُّ على الأرض معنا الحركة والمشي. . وقوله:
﴿والملائكة ... ﴾ [النحل: ٤٩] .
أي: أن الملائكة لا يُقال لها دابة؛ لأن الله جعل سَعْيها في الأمور بأجنحة فقال تعالى: ﴿أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ. .﴾ [فاطر: ١] .
وقال في آية أخرى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ... ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
فخلق الله الطائر يطير بجناحيه مقابلاً للدابة التي تدب على الأرض، فاستحوذ على الأمرين: الدابة والملائكة.
و ﴿مَا﴾ في الآية تُطلق على غير العالمين وغير العاقلين؛ ذلك لأن أغلبَ الأشياء الموجودة في الكون ليس لها عِلْم أو معرفة؛ ولذلك قال تعالى في آية أخرى:
стр. 9286
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة عَلَى السماوات والأرض والجبال فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا. .﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩] .
أي: أن الملائكة الذين هم أعلى شيء في خَلْق الله لا يستكبرون؛ لأن علوّهم في الخَلْق من نورانية وكذا وكذا لا يعطيهم إدلالاً على خالقهم سبحانه؛ لأن الذي أعطاهم هذا التكريم هو الله .
وما دام الله هو الذي أعطاهم هذا التكريم فلا يجوز الإدلال به؛ لأن الذي يُدِلُّ إنما يُدِلُّ بالذاتيات غير الموهوبة، أما الشيء الموهوب من الغير فلاَ يجوز أن تُدِلَّ به على مَنْ وهبه لك.
لذلك يقول الحق ﵎: ﴿لَّن يَسْتَنكِفَ المسيح أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ الملائكة المقربون. .﴾ [النساء: ١٧٢] .
فلن يمتنعوا عن عبادة الله والسجود له رغم أن الله كرَّمهم ورفعهم.
ثم يقول تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ. .﴾ .
стр. 9287
ما هو الخوف؟ الخوف هو الفزع والوجَلَ، والخوف والفزع
стр. 9288
والوجل لا يكون إلا من ترقب شيء من أعلى منك لا تقدر أنت على رَفْعه، ولو أمكنك رَفْعه لما كان هناك داعٍٍ للخوف منه؛ لذلك فالأمور التي تدخل في مقدوراتك لا تخاف منها، تقول: إنْ حصل كذا افعل كذا. . الخ:
وإذا كان الملائكة الكرام: ﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] .
فما داعي الخوف إذن؟ نقول: إن الخوف قد يكون من تقصير حدث منك تخاف عاقبته، وقد يكون الخوف عن مهابة للمخُوف وإجلاله وتعظيمه دون ذنب ودون تقصير، ولذلك نجد الشاعر العربي يقول في تبرير هذا الخوف:
أَهَابُكَ إِجْلاَلاً ومَا بِكَ قُدْرة ... عليَّ ولكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها
إذن: مرّة يأتي الخوف لتوقُّع أذى لتقصير منك، ومرَّة يأتي لمجرد المهابة والإجلال والتعظيم.
وقوله تعالى:
﴿مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] .
ما المراد بالفوْقية هنا؟ نحن نعرف أن الجهات ستّ: فوق، وتحت، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف. . بقيتْ جهة الفَوقْية لتكون هي المسيطرة؛ ولذلك حتى في بناء الحصون يُشيّدونها على الأماكن العالية لتتحكم بعلُوّها في متابعة جميع الجهات.
إذن: فالفوقية هي محلّ العُلو، وهذه الفوقية قد تكون فوقية مكان، أو فوقية مكانة.
стр. 9289
فالذي يقول: إنها فوقية مكان، يرى أن الله في السماء، بدليل أن الجارية التي سُئِلت: أين الله؟ أشارتْ إلى السماء، وقالت: في السماء.
فأشارت إلى جهة العُلُو؛ لأنه لا يصح أن نقول: إن الله تحت، فالله سبحانه مُنزَّه عن المكان، وما نُزِّه عن المكان نُزِّه عن الزمان، فالله مُنزَّه عن أنْ تُحيّزه، لا بمكان ولا بزمان؛ لأن المكان والزمان به خُلِقاً. . فمَن الذي خلق الزمان والمكان؟
إذن: ما داما به خُلِقاً فهو سبحانه مُنزَّه عن الزمان والمكان.
وهم قالوا بأن الفوقية هنا فوقية حقيقية. . فوقية مكان، أي: أنه تعالى أعلى مِنّا. . ونقول لمن يقول بهذه الفوقية: الله أَعْلى مِنّا. . من أيّ ناحية؟ من هذه أم من هذه؟
إذن: الفوقية هنا فوقية مكانة، بدليل أننا نرى الحرس الذين يحرسون القصور ويحرسون الحصون يكون الحارس أعلى من المحروس. . فوقه، فهو فوقه مكاناً، إنما هل هو فوقه مكانة؟ بالطبع لا.
وقوله تعالى:
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
стр. 9290
وهذه هي الطاعة، وهي أن تفعلَ ما أُمِرتْ به، وأنْ تجتنبَ ما نُهيتَ عنه، ولكن الآية هنا ذكرت جانباً واحداً من الطاعة، وهو:
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
ولم تقُلْ الآية مثلاً: ويجتنبون ما ينهوْنَ عنه، لماذا؟ . . نقول: لأن في الآية ما يسمونه بالتلازم المنطقي، والمراد بالتلازم المنطقي أن كلَّ نهي عن شيء فيه أمر بما يقابله، فكل نهي يؤول إلى أمر بمقابله.
فقوله سبحانه:
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠] .
تستلزم منطقياً «ويجتنبون ما يُنهَوْن عنه» وكأن الآية جمعت الجانبين.
والحق خلق الملائكة لا عمل لهم إلا أنهم هُيِّموا في ذات الله، ومنهم ملائكة مُوكّلون بالخلق، وهم: ﴿فالمدبرات أَمْراً﴾ [النازعات: ٥] .
ويقول تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله. .﴾ [الرعد: ١١] .
стр. 9291
ومنهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١] .
إذن: فهناك ملائكة لها علاقة بِنَا، وهم الذين أمرهم الحق سبحانه أن يسجدوا لآدم حينما خلقه الله، وصوَّره بيده، ونفخ فيه من رُوحه. . وكأن الله سبحانه يقول لهم: هذا هو الإنسان الذي ستكونون في خدمته، فالسجود له بأمر الله إعلانٌ بأنهم يحفظونه من أمر الله، ويكتبون له كذا، ويعملون له كذا، ويُدبِّرون له الأمور. . الخ.
أما الملائكة الذين لا علاقة لهم بالإنسان، ولا يدرون به، ولا يعرفون عنه شيئاً، هؤلاء المعْنِيون في قوله سبحانه لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾ [ص: ٧٥] .
أي: أستكبرتَ أنْ تسجدَ؟ أم كنتَ من الصِّنْف الملَكي العالي؟ . . هذا الصنف من الملائكة ليس لهم علاقة بالإنسان، وكُلُّ مهمتهم التسبيح والذكْر، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] .
كلُّ شيء إذن في الوجود خاضع لمرادات الحق سبحانه منه، إلا ما استثنى الله فيه الإنسان بالاختيار، فالله سبحانه لم يقهر أحداً، لا الإنسان ولا الكون الذي يعيش فيه، فقد عرض الله سبحانه الأمانة على السموات والأرض والجبال، فأبيْنَ أن يحملنها وأشفقْنَ منها. . وكأنها قالت: لا نريد أن نكون مختارين، بل نريد أن نكون مُسخَّرين، ولا دَخْلَ لنا في موضوع الأمانة والتكليف!!
стр. 9292
لماذا إذن يأبى الكون بسمائه وأرضه تحمُّل هذه المسئولية؟
نقول: لأن هناك فَرْقاً بين تقبُّل الشيء وقت تحمُّله، والقدرة على الشيء وقت أدائه. . هناك فَرْق. . عندنا تحمُّل وعندنا أداء. . وقد سبق أنْ ضربنا مثلاً لتحمُّل الأمانة وقُلْنا: هَبْ أن إنساناً أراد أن يُودع عندك مبلغاً من المال مخافة تبديده لتحفظه له لحين الحاجة إليه، وأنت في هذا الوقت قادر على التحمل وتنوي أداء أمانته إليه عند طلبها وذمَّتك قوية، ونيتك صادقة.
وهذا وقت تحمُّل الأمانة، فإذا ما جاء وقت الأداء، فربما تضطرك الظروف إلى إنفاق هذا المال، أو يعرض لك عارضٌ يمنعك من الأداء أو تتغيّر ذمتك.
إذن: وقت الأداء شيء آخر.
لذلك، فالذي يريد أنْ يُبريء ذمته لا يضمن وقت الأداء ويمتنع عن تحمُّل الأمانة ويقول لنفسه: لا، إن كنت أضمن نفسي وقت التحمل فلا أضمن نفسي وقت الأداء.
هذا مثال لما حدثَ من السماء والأرض والجبال حينما رفضت تحمُّل الأمانة، ذلك لأنها تُقدّر مسئوليتها وثقلها وعدم ضمان القيام بحقها، لذلك رفضت تحمُّلها من بداية الأمر.
وكذلك يجب أن يكون الإنسان عاقلاً عند تحمُّل الأمانات؛ ولذلك يقول تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإنسان إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: ٧٢] .
стр. 9293
ما الذي جهله الإنسان؟ جهل تقدير حالة وقت أداء الأمانة، فظلم نفسه، ولو أنه خرج من باب الجمال كما يقولون لَقالَ: يا ربِّ اجعلني مثل السماء والأرض والجبال، وما تُجريه عليَّ، فأنا طَوْع أمرك.
ولذلك، فمن عباد الله مَنْ قَبِل الاختيار وتحمَّل التكليف، ولكنه خرج عن اختياره ومراده لمراد ربِّه وخالقه، فقال: يا رب أنت خلقْتَ فينا اختياراً، ونحن به قادرون أن نفعل أو لا نفعل، ولكنَّا تنازلنا عن اختيارنا لاختيارك، وعن مرادنا لمرادك، ونحن طَوْع أمرك. . هؤلاء هم عباد الله الذين استحقوا هذه النسبة إليه .
إذن: هناك فَرْق بين مَنْ يفعل اختياراً مع قدرته على ألاَّ يفعل، وبين مَنْ يفعل بالقهر والتسخير. . فالأول مع أنه قادر ألاَّ يفعل، فقد غلَّب مُراد ربِّه في التكليف على مراد نفسه في الاختيار.
ثم ينتقل الحق ﵎ إلى قمة القضايا العقدية بالنسبة للإنسان، فيقول تعالى: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ ... ﴾ .
стр. 9294
وقد جاء النهي في الآية نتيجة خروج الإنسان عن مُراد ربِّه سبحانه، فالعجيب أن البشر والجن أيضاً يعني الثقلين هم المختارون في الكون كله، اختيار في أشياء وقَهْر في أشياء أخرى. . ومع ذلك لم يشذّ من خَلْق الله غيرهما.
стр. 9295
فالسموات والأرض والجبال كان لها اختيار، وقد اختارت التسخير، وانتهت المسألة في بداية الأمر، ومع ذلك فهي مُسخَّرة وتُؤدِّي مهمتها لخدمة الإنسان، فالشمس لم تعترض يوماً ولم ترفض. . فهي تشرق على المؤمن كما تشرق على الكافر. . وكذلك الهواء والأرض والدابة الحلوب، وكل ما في كون الله مُسخَّر للجميع. . إذن: كل هذه الأشياء لها مهمة، وتؤدي مُهمتها على أكمل وجه.
ولذلك يقول تعالى في حقِّ هذه الأشياء: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوآب ... ﴾ [الحج: ١٨]
هكذا بالإجماع، لا يتخلّف منها شئ عن مُراد ربه.
فما الحال في الإنسان؟ يقول تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ الناس﴾ [الحج: ١٨] .
ولم يَقُلْ: والناس. ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العذاب﴾ [الحج: ١٨] .
هذا هو الحال في الإنسان المكرّم الذي اختاره الله وترك له الاختيار. . إنما كل الأجناس مُؤدّيه واجبها؛ لأنها أخذتْ حظّها من الاختيار الأول، فاختارت أن تكون مُسخَّرة، وأن تكون مقهورة.
فالإنسان. . واحد يقول: لا إلهَ في الوجود. . العالم خُلِق هكذا بطبيعته، وآخر يقول: بل هناك آلهة متعددة؛ لأن العالم به مصالح كثيرة وأشياء لا ينهض بها إله واحد. . يعني: إله للسماء، وإله للأرض، وإله للشمس. . الخ.
стр. 9296
إذن: هذا رأي في العالم أشياء كثيرة بحيث لا ينهض بها في نظره إله واحد، ونقول له: أنت أخذتَ قدرة الإله من قدرة الفردية فيك. . لا. . خُذها من قدرة من: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] .
لأن القدرة الإلهية لا تعالج الأشياء كما تفعل أنت، وتحتاج إلى مجهود وعمل. . بل في حقّه تعالى يتم هذا كله بكلمة كُنْ. . كُنْ كذا وانتهت المسألة.
ونعجب من تناقض هؤلاء، واحد يقول: الكون خُلِق هكذا لحاله دون إله. والآخر يقول: بل له آلهة متعددة. . نقول لهم: أنتم متناقضون، فتعالَوْا إلى دين الله، وإلى الوسطية التي تقول بإله واحد، لا تنفي الألوهية ولا تثبت التعددية.
فإنْ كنتَ تظنُّ أن دولابَ الكون يقتضي أجهزة كثيرة لإدارته، فاعلم أن الله تعالى لا يباشر تدبير أمر الكون بعلاج. . يفعل هذه ويفعل هذه، كما يُزاول البشر أعمالهم، بل يفعلها ب «كُنْ» ؛ ولذلك فالحق يقول في الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وحيَّكم وميتكم، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كل إنسان منكم ما بلغت أمنيته، فأعطيت كل سائل منكم ما سأل ما نقص ذلك من مُلْكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه، ذلك بأنِّي جواد ماجد، افعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما
стр. 9297
أمري بشيء إذا أردته أن أقول له كن فيكون» .
فيا مَنْ تُشفْق على الإله الواحد أن يتعبَ من إدارته للكون بشتى نواحيه، ارتفع بمستوى الألوهية عن أمثال البشر؛ لأن الله تعالى لا يباشر سلطانه علاجاً في الكون، وإنما يباشره بكلمة «كُنْ» .
إذن: إله واحد يكفي، وما دُمْنا سلَّمنا بإله واحد، فإياك أن تقول بتعدُّد الآلهة. . وإذا كان الحق ﵎ نفى إلهين اثنين، فنَفْي ما هو أكثر من ذلك أَوْلَى. . واثنان أقل صُور التعدد.
ومعنى ﴿إلهين﴾ أي: معبودين، فيكون لهما أوامر ونواه، والأوامر والنواهي تحتاج إلى طاعة، والكون يحتاج إلى تدبير، فأيُّ الإلهين يقوم بتدبير أمور الكون؟ أم أنه يحتاج إلى مُسَاعد؟ إنْ كان يحتاج إلى مساعد فهذا نقْص فيه، ولا يصلح أن يكون إلهاً.
وكذلك إنْ تخصَّص كُلٌّ منهما في عمل ما، هذا لكذا وهذا لكذا، فقد أصبح أحدهما عاجزاً فيما يقوم به الآخر. . وأي ناحية إذن من نواحي الحياة تكون هي المسيطرة؟ ومعلوم أن نواحي الحياة مشتركة ومتشابكة.
ولذلك يقول الحق ﵎: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إله بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ... ﴾ [المؤمنون: ٩١] .
стр. 9298
وقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
فكيف الحال إذا أراد الأول شيئاً، وأراد الآخر ألاَّ يكون هذا الشيء؟ فإنْ كان الشيء كان عجزاً في الثاني، وإن لم يكُن كان عجزاً في الأول. . إذن: فقوة أحدهما عَجْز في الآخر.
ونلحظ في قوله تعالى:
﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١] .
عظة بليغة، كأنه سبحانه حينما دعانا إلى توحيده يقول لنا: أريحوا أنفسكم بالتوحيد، وقد أوضح الحق هذه الراحة في قوله: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] .
يعني رجل خُلِّص لسيد واحد، ورجل أسياده كثيرون، وهم شركاء مختلفون، فإنْ أرضى هذا أغضب ذاك، وإن احتاجه أحدهما تنازعه الآخر. فهو دائماً مُتْعبٌ مُثقَلٌ، أما المملوك لسيد واحد فلا يخفي ما فيه من راحة.
ففي أمره سبحانه بتوحيده راحةٌ لنا، وكأنه سبحانه يقول: لكم وِجْهة واحدة تكفيكم كُلَّ الجهات، وتضمن لكم أن الرضا واحد، وأن البُغْض واحد.
стр. 9299
إذن: فطلبُه سبحانه راحةٌ لنا؛ لذلك قبل أن يطلبها مِنّا شهد بها لذاته تعالى، فقال: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾
[آل عمران: ١٨] .
فلو قال معترض: كيف يشهد لذاته؟ نقول: نعم، يشهد لذاته سبحانه؛ لأنه لا أحدَ غيره. . لا أحد معه، فشهادة الذات للذات هنا شيء طبيعي. . وكأنه سبحانه يقول: لا أحدَ غيري، وإنْ كان هناك إله غيري فَلْيُرني نفسه، وليُفصِح عن وجوده.
أنا الله خلقت الكون وأخذته وفعلتُ كذا وكذا، فإما أنْ أكون صادقاً فيما قلت وتنتهي المسألة، وإما أنْ أكون غير صادق، وهناك إله آخر هو الذي خلق. . فأين هو؟ لماذا لا يعارضني؟
وهذا لم يحدث ولم ينازع الله في خَلْقه أحد، وحين تأتي الدعوى بلا معاند ولا معارض تَسْلَم لصاحبها.
فإنْ قال قائل: لعل الآلهة الأخرى لم تَدْرِ بأن أحداً قد أخذ منهم الألوهية، فإنْ كان الأمر كذلك فهم لا يصلُحون للألوهية لعدم درايتهم، وإنْ دَرَوْا ولم يعارضوا فهُمْ جُبناء لا يستحقون هذه المكانة.
وبشهادته سبحانه لذاته بأنه لا إله إلا هو أقبل على خَلْق الخَلْق؛ لأنه مادام يعرف أنه لا إله غيره، فإذا قال: «كن» فهو واثق أنه سيكون.
ولذلك ساعة يحكم الله حُكْماً غيبياً يقول: أنا حكمت هذا الحكم
стр. 9300
مع أنكم مختارون في أنْ تفعلوا أو لا تفعلوا، ولكني حكمتُ بأنكم لا تفعلون، وما دُمْتُ حكمت بأنكم لا تفعلون ولكم قدرة أن تفعلوا، ولكن ما فعلتم، فهذا دليل على أنه لا إله غيري يُعينكم على أنْ تفعلوا.
ثم شهدتْ الملائكة على شهادة الذات، وشهد أولو العلم شهادةَ الاستدلال، كما قال تعالى: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم. .﴾ [آل عمران: ١٨] .
لنا هنا وَقْفة مع قوله تعالى:
﴿إلهين اثنين ... ﴾ [النحل: ٥١] .
فعندنا العدد، وعندنا المعدود، فإذا قُلْنا مثلاً: قابلت ثلاثة رجال، فكلمة «ثلاثة» دلتْ على العدد، وكلمة «رجال» دلَّتْ على جنس المعدود، وهكذا في جميع الأعداد ما عدا المفرد والمثنى، فلفظ كل منهما يدل على العدد والمعدود معاً.
كما لو قلت: إله. فقد دلَّتْ على الوحدة، ودلتْ على الجنس، وكذلك «إلهين» دلَّتْ على المثنى وعلى جنس المعدود.
ولذلك كان يكفي في الآية الكريمة أن يقول تعالى: لا تتخذوا إلهين؛ لأنها دلَّتْ على العدد وعلى المعدود معاً، ولكن الحق ﵎ أراد هذا تأكيداً للأمر العقديّ لأهميته.
ومن أساليب العرب إذا أحبُّوا تأكيد الكلام أن يأتوا بعده بالمراد.
стр. 9301
فيقولون: فلان قسيم وسيم، وفلان حَسن بَسَن، وفلان شيطان ليطان، يريدون تأكيد الصفة. . وكذلك في قوله: ﴿إلهين﴾ فقط تثبت الألوهية، ولتأكيد هذه القضية العقدية لأنها أهمّ القضايا بالنسبة للإنسان، وهي قضية القمة، فقال تعالى:
﴿إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١] .
وكذلك أيضاً في قوله:
﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] .
فجاء بقوله تعالى ﴿وَاحِدٌ﴾ لتأكيد وحدانية الله تعالى.
وفي الآية مَلْحظ آخر يجب تأمّله، وهو أن الكلام هنا في حالة الغيبة:
﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] .
فكان القياس في اللغة هنا أن يقول: «فإياه فارهبون» .
ولكن وراء تحويل السياق من الغيبة إلى المجابهة للمتكلم قال:
﴿فَإيَّايَ فارهبون﴾ [النحل: ٥١] .
وهذا وراءه حكمة، ومَلْحظ بلاغي، فبعد أنْ أكَّد الألوهية بقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] .
стр. 9302
صَحَّ أنْ يُجابِهَهم بذاته؛ لأن المسألة ما دامتْ مسألة رَهْبة، فالرهبة من المتكلم خير من الرهبة من الغائب. . وكأن السياق يقول: ها هو سبحانه أمامك، وهذا أَدْعى للرهْبة.
وكذلك في فاتحة الكتاب نقرأ: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] .
ولم يَقُلْ: إياه نعبد، متابعة للغيبة، بل تحوَّل إلى ضمير الخطاب فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] .
ذلك لأن العبد بعد أن استحضر صفة الجلال والعظمة أصبح أَهْلاً للمواجهة والخطاب المباشر مع الله .
فقوله:
﴿فَإيَّايَ فارهبون﴾ [النحل: ٥١] .
بعد ما استحضر العبد عظمة ربه، وأقرّ له بالوحدانية وعَلِم أنه إله واحد، وليس إلهين. واحد يقول: نُعذّبه. والآخر يقول: لا.
ليس الأمر كذلك، بل إله واحد بيده أنْ يُعذّب، وبيده أنْ يعفو، فناسب السياق هنا أنْ يُواجههم فيقول:
﴿فَإيَّايَ فارهبون﴾ [النحل: ٥١] .
стр. 9303
ثم يقول تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض ... ﴾ .
стр. 9304
عندنا هنا اللام. . وقد تكون (اللام) للمِلْك كما في الآية. وكما في: المال لزيد، وقد تكون للتخصيص إذا دخلتْ اللام على ما لا يملك، كما نقول: اللجام للفرس، والمفتاح للباب، فالفرس لا يملك اللجام، والباب لا يملك المفتاح. فهذه للتخصيص.
والحق سبحانه يقول هنا:
﴿وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض ... ﴾ [النحل: ٥٢] .
وفي موضع آخر يقول: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [يونس: ٦٨] .
وكذلك في: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ [الحشر: ٢٤] .
ومرة يقول: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [الجمعة: ١] .
حينما تكون اللام للملكية قد يكون المملوك مختلفاً ففي قوله:
стр. 9305
﴿مَا فِي السماوات والأرض ... ﴾ [النحل: ٥٢] .
يعني: القدر المشترك الموجود فيهما. أي: الأشياء الموجودة في السماء وفي الأرض.
أما في قوله: ﴿مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ [يونس: ٦٨] .
أي: الأشياء الموجودة في السماء وليست في الأرض، والأشياء الموجودة في الأرض وليست في السماء، أي: المخصَّص للسماء والمخصَّص للأرض، وهذا ما يُسمُّونه استيعاب الملكية.
وما دام سبحانه له ما في السموات وما في الأرض، فليس لأحد غيره مِلْكية مستقلة، وما دام ليس لأحد غيره ملكية مستقلة. إذن: فليس له ذاتية وجود؛ لأن وجوده الأول موهوبٌ له، وما به قيام وجوده موهوب له. . ولذلك يقولون: مَنْ أراد أن يعاند في الألوهية يجب أن تكون له ذاتية وجود. . وليست هذه إلا لله تعالى.
ونضرب لذلك مثلاً بالولد الصغير الذي يعاند أباه، وهو ما يزال عَالةً عليه. فيقول له: انتظر إلى أن تكبر وتستقلّ بأمرك. . فإذا ما شَبَّ الولد وبلغ وبدأ في الكَسْب أمكن له الاعتماد على نفسه، والاستغناء عن أبيه.
لذلك نقول لمن يعاند في الألوهية: أنت لا تقدر؛ لأن وجودك هِبَة، وقيام وجودك هِبَة، كل شيء يمكن أنْ يُنزع منك.
ولذلك، فالحق يُنبِّهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى:
стр. 9306
﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى أَن رَّآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] .
فهذا الذي رأى نفسه استغنى عن غيره من وجهة نظره إنما هل استغنى حقاً؟ . . لا. لم يستغن، بدليل أنه لا يستطيع أنْ يحتفظَ بما يملك.
قوله تعالى:
﴿وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض ... ﴾ [النحل: ٥٢] .
الذي له ما في السموات والأرض، وبه قيام وجوده بقيوميته، فهو سبحانه يُطمئِنك ويقول لك: أنا قيُّوم يعني: قائم على أمرك. . ليس قائماً فقط. . بل قيُّوم بالمبالغة في الفِعْل، وما دام هو سبحانه القائم على أمرك إيجاداً من عَدَم، وإمداداً من عُدم. إذن: يجب أن تكون طاعتُك له سبحانه لا لغيره.
وفي الأمثال يقولون «اللي ياكل لقمتي يسمع كلمتي» فإذا كنتَ أنت عالة في الوجود.
. وجودك من الله، وإمدادك من الله، وإبقاء مُقوِّمات حياتك من الله؛ لذلك قال تعالى:
﴿وَلَهُ الدين وَاصِباً﴾ [النحل: ٥٢] .
أي: هذه نتيجة؛ لأن لله ما في السموات والأرض، فَلَه الدين واصباً، أي: له الطاعة والخضوع دائماً مستمراً، ومُلْك الله دائم، وهو سبحانه لا يُسلم مُلْكَه لأحد، ولا تزال يد الله في مُلْكه. . وما دام الأمر هكذا فالحق سبحانه يسألهم:
стр. 9307
﴿أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] .
والهمزة هنا استفهام للإنكار والتوبيخ، فلا يجوز أنْ تتقيَ غير الله، لأنه حُمْق لا يليق بك، وقد علمتَ أن لله ما في السموات وما في الأرض، وله الطاعة الدائمة والانقياد الدائم، وبه سبحانه قامت السموات والأرض ومنه سبحانه الإيجاد من عَدَم والإمداد من عُدم.
إذن: فمن الحُمْق أنْ تتقي غيره، وهو أَوْلى بالتقوى، فإنِ اتقيتُم غيره فذلك حُمْق في التصرّف يؤدّي إلى العطَب والهلاك، إنِ اغتررتم بأن الله تعالى أعطاكم نِعَماً لا تُعَدُّ ولا تُحصَى.
ومن نعم الله أن يضمن لعباده سلامة الملكَات وما حولها، فلو سَلِم العقل مثلاً سَلِمت وصَحَّتْ الأمور التي تتعلق به، فيصحّ النظام، وتصحّ التصَرُّفات، ويصحّ الاقتصاد. . وهذه نعمة.
فالنعمة تكون للقلب وتكون للقالب، فللقالب المتعة المادية، وللقلب المتعة المعنوية. . وأهم المتَع المعنوية التي تريح القالب أن يكون للإنسان دينٌ يُوجّهه. . أن يكون له ربٌّ قادر، لا يُعجِزه شيء، فإنْ ضاقتْ به الدنيا، وضاقتْ به الأسباب فإن له رباً يَلجأ إليه فيُسعفه ويكيفه، وهذه هي الراحة الحقيقة.
وقد ضمن لنا الحق سلامة القالب بما أودع في الكون من مُقوِّمات الحياة في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا. .﴾ [فصلت: ١٠] .
أي: اطمئنوا إلى هذا الأمر، فالله سبحانه لا يريد منكم إلا أنْ
стр. 9308
تُعمِلوا عقولكم المخلوقة لله لِتُفكِّروا في المادة المخلوقة لله، وتنفعلوا لها بالطاقة المخلوقة لله في جوارحكم، وسوف تجدون كلَّ شيء مُيسَّراً لكم. . فالله تعالى ما أراد منكم أنْ تُوجِدوا رزقاً، وإنما أراد أن تُعمِلوا العقل، وتتفاعلوا مع مُعْطيات الكون.
ولكن كيف يتفاعل الإنسان في الحياة؟
هناك أشياء في الوجود خلقها الله سبحانه برحمته وفضله، فهي تفعل لك وإنْ لم تطلب منها أن تفعل، فأنت لا تطلب من الشمس أنْ تطلُع عليك، ولا من الهواء أنْ يَهُبَّ عليك. . الخ.
وهناك أشياء أخرى تفعل لك إنْ طلبتَ منها، وتفاعلتَ معها، كالأرض إنْ فعلتَ بيدك فحرثْتَ وزرعْتَ ورويْتَ تعطيك ما تريد.
وفي هذا المجال من التفاعل يتفاضل الناس، لا يتفاضلون فيما يُفعل لهم دون انفعال منهم. . لا بل ارتقاء الناس وتفاضُلهم يكون بالأشياء التي تنفعل لهم إنْ فعلوا. . أما الأخرى فتَفعل لكل الناس، فالشمس والهواء والمياه للجميع، للمؤمن وللكافر في أيّ مكان.
إذن: يترقَّى الإنسان بالأشياء التي خلقها الله له، فإذا انفعل معها انفعلتْ له، وإذا تكاسل وتخاذل لم تُعْطِه شيئاً، ولا يستفيد منها بشيء. . ولذلك قد يقول قائل: الكافر عنده كذا وكذا، ويملك كذا وكذا، وهو كافر. . ويتعجّب من القدر الذي أَعطَى هذا، وحرَم المؤمن الموحد منه.
نقول له: نعم أخذ ما أخذ؛ لأنه يشترك معك فيما يُفعل لك وإنْ لم تطلب، ويزيد عليك أنه يعمل ويكدّ وينفعل مع الكون
стр. 9309
وما أعطاه الله من مُقوِّمات وطاقة، فتنفعل معه وتعطيه، في حين أنك قاعد لا هِمَّة لك.
وكذلك قد يتسامى الارتقاء في الإنسان، فيجعل الشيء الذي يُفعل له دون أن يطلب منه أي: الشيء المسخَّر له يجعله ينفعل له، كما نرى فيما توصَّل إليه العلم من استخدام الطاقة الشمسية مثلاً في تسخين المياه. . هذه الطاقة مُسخَّرة لنا دون جَهْد مِنّا، ولكن ترقِّي الإنسان وطموحه أوصله إلى هذا الارتقاء. . وكُلُّ هذه نِعَم من الله؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ ... ﴾ .
стр. 9310
أمدَّنا الله سبحانه بهذه النعم رحمة منه وفضلاً. . نِعَم تترى لا تُعَد ولا تُحْصَى، ولكن لرتابة النعمة وحلولها في وقتَها يتعوّدها الإنسان، ثم يذهل عن المنعم سبحانه.
ونستطيع أن نضرب لذلك مثلاً بالولد الذي تعطيه مصروفه مثلاً كل أول شهر، تجده لا يحرص على أنْ يلقاك بعد ذلك إلا كل أول شهر، إنما إذا عوَّدته أن يأخذ مصروفه كل يوم تراه في الصباح يحوم حولك، ويُظهِر لك نفسه ليُذكِّرك بالمعلوم.
إذن: رتابة النعمة قد تُذهِلك عن المُنعِم، فلا تتذكره إلا حين
стр. 9311
الحاجة إليه؛ لذا يُنبِّهنا الحق ﵎: إذا أعطيتُ لكم نعمة فإياكم أنْ تغتروا بها. . إياكم أن تُذهِلكم النعمة عن المنعم؛ لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا مُنعِم غيري، بدليل أنني إذا سلبْتُ النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يا ربّ يا ربّ.
فأنت ستكون شاهداً على نفسك، لن تكذب عليها، فَلِمَنْ تتوجّه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجَّه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجّه إلا إلى الله تقول: يا رب.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] .
فترة الضُّر التي تمرُّ بالإنسان هي التي تلفته إلى الله، والحاجة هي التي تُلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد، فإذا كانت النعمة قد تُذهِله وتُنسِيه، فالضر يُذكِّره بربّه الذي يملك وحده كَشْف الضر عنه.
ولذلك، فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعةَ أنْ يصيبهم ضُرٌّ، يقول: ذكَّرتني بك يا ربّ، يأخذها على أنها نعمة. . كأنها نجدة نجدتْه مما هو فيه من غفلة. . يا ربّ أنت ذكّرتني بك. . أنا كنتُ ناسياً ذاهلاً. . كنت في غفلة.
وساعةَ أنْ يعودَ ويشعر بالتقصير يرفع الله عنه البلاء؛ وذلك يُرفع القضاء عن العبد إنْ رضي به وعلم أن فيه خيراً له.
ولذلك، فالرسول ﷺ َ يُنبّهنا لهذه الأحداث التي تصيبنا، فإياكم أن تستقبلوها بالجزع والفزع. . ولكن استقبلوها بالإيمان والرضا، واعلموا أن ربكم يغار عليكم، وهو بهذه الأحداث يلفتكم إليه قهراً عنكم؛ لكي تعودوا إليه وتلجأوا إليه. . لكي تقولوا يا رب.
стр. 9312
يقول رسول الله ﷺ َ عن رب العزة في الحديث القدسي: «مِنْ عبادي مِنْ أحبهم فأنا أبتليهم ليقولوا يا رب ... » .
ويقول تعالى في الآية الأخرى: ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ... ﴾ [الأنعام: ٤٣] .
أي: أنه سبحانه يريد منا إذا نزل بنا بلاء وبأس أنْ نتضرّع إليه سبحانه؛ لأن الضراعة إلى الله لَفْتة وتذكير به. . والنبي ﷺ َ يُرشِدنا إلى هذه الحقيقة، فالمصاب الحقيقي ليس مَنْ نزل به ضُرٌّ أو أصابه بلاء. . لا. . بل المصاب الحقيقي مَنْ حُرِم الثواب.
إذن: نقول لمن عنده نعمة: احذر أن تُنسيِك النعمة وتُذهلك عن المنعم، أما صاحب البلاء والضر، فسوف يردُّك هذا البلاء، ويُذكّرك هذا الضرّ بالله تعالى، ولن تجدَ غيره تلجأ إليه.
فقوله تعالى:
﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] .
أي: تضْرَعون بصراخ وصوت عالٍ كخُوار البقر، لا يُسرّهِ أحد ولا يستحي منه أنْ يُفتضح أمره أمام مَنْ تكبّر عليهم. . ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعِظُون، وتقولون في لحظة من
стр. 9313
اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا. . بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر سوف تعودون إلى ما كنتم عليه.
ثم يقول الحق سبحانه:
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر ... .﴾ .
стр. 9314
فمن الناس مَنْ إذا أصابه الله بضُرٍّ أو نزل به بأْسٌ تضرّع وصرخ ولجأ إلى الله ودعاه، وربما سالتْ دموعه، وأخذ يُصلّي ويقول: يا فلان ادْعُ لي الله وكذا وكذا. . فإذا ما كشف الله عنه ضُرَّه عاود الكَرّة من جديد؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ... ﴾ [يونس: ١٢] .
ومن لُطْف الأداء القرآني هنا أن يقول:
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] .
أي: جماعة منكم وليس كلكم، أما الباقي فيمكن أنْ يثبتُوا على الحق، ويعتبروا بما نزل بهم فلا يعودون. . فالناس إذن مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرّع ويلتفت إلى الله من ضُرٍّ واحد أصابه، وآخر يلتفت إلى الله من ضُرّيْن، وهكذا.
وقد وجدنا في الأحداث التي مرَّتْ ببلادنا على أكابر القوم أحداثاً عظاماً تلفتهم إلى الله، فرأينا مَنْ لا يعرف طريق المسجد يُصلّي، ومَنْ لا يفكر في حج بيت الله، ويسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك
стр. 9315
عند الملتزم، وما ألجأهم إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرَّت بهم من أحداث.
أليست هذه الأحداث، وهذه الأزمات والمصائب خيراً في حقهم؟ . . بلى إنها خير.
وأيضاً قد يُصاب الإنسان بمرض يُلِمّ به، وربما يطول عليه، فيذهب إلى الأطباء، ويدعو الله ويلجأ إليه، ويطلب من الناس الدعاء له بالشفاء، ويعمل كذا وكذا. . فإذا ما كشف الله عنه المرض وأَذِن له بالشفاء قال: أنا اخترتُ الطبيب الحاذق، الطبيب النافع، وعملتُ وعملتُ. . سبحان الله!
لماذا لا تترك الأمر لله، وتُعفِي نفسك من هذه العملية؟
وفي قوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] .
صمام أَمْن اجتماعي في الكون، يقول للناس: إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تُقدمون إليهم جميلاً فيُنكرونه. . إياكم أنْ تكُّفوا عن عمل الجميل على غيركم؛ لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يُزهدك إنكارهم للجميل في فِعْله، بل تمسَّك به لتكون من أهله.
следующие страницы →