Полный текст (14 757 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.
стр. 9311
الحاجة إليه؛ لذا يُنبِّهنا الحق ﵎: إذا أعطيتُ لكم نعمة فإياكم أنْ تغتروا بها. . إياكم أن تُذهِلكم النعمة عن المنعم؛ لأنكم سوف تحكمون على أنفسكم أنه لا مُنعِم غيري، بدليل أنني إذا سلبْتُ النعمة منكم فلن تجدوا غيري تلجأون إليه فستقولون: يا ربّ يا ربّ.
فأنت ستكون شاهداً على نفسك، لن تكذب عليها، فَلِمَنْ تتوجّه إذا أصابك فقر؟ ولمن تتوجَّه إذا أصابك مرض؟ لن تتوجّه إلا إلى الله تقول: يا رب.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] .
فترة الضُّر التي تمرُّ بالإنسان هي التي تلفته إلى الله، والحاجة هي التي تُلجئه إلى المصدر الحقيقي للإمداد، فإذا كانت النعمة قد تُذهِله وتُنسِيه، فالضر يُذكِّره بربّه الذي يملك وحده كَشْف الضر عنه.
ولذلك، فالناس أصحاب اليقين في الله تعالى ساعةَ أنْ يصيبهم ضُرٌّ، يقول: ذكَّرتني بك يا ربّ، يأخذها على أنها نعمة. . كأنها نجدة نجدتْه مما هو فيه من غفلة. . يا ربّ أنت ذكّرتني بك. . أنا كنتُ ناسياً ذاهلاً. . كنت في غفلة.
وساعةَ أنْ يعودَ ويشعر بالتقصير يرفع الله عنه البلاء؛ وذلك يُرفع القضاء عن العبد إنْ رضي به وعلم أن فيه خيراً له.
ولذلك، فالرسول ﷺ َ يُنبّهنا لهذه الأحداث التي تصيبنا، فإياكم أن تستقبلوها بالجزع والفزع. . ولكن استقبلوها بالإيمان والرضا، واعلموا أن ربكم يغار عليكم، وهو بهذه الأحداث يلفتكم إليه قهراً عنكم؛ لكي تعودوا إليه وتلجأوا إليه. . لكي تقولوا يا رب.
стр. 9312
يقول رسول الله ﷺ َ عن رب العزة في الحديث القدسي: «مِنْ عبادي مِنْ أحبهم فأنا أبتليهم ليقولوا يا رب ... » .
ويقول تعالى في الآية الأخرى: ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ... ﴾ [الأنعام: ٤٣] .
أي: أنه سبحانه يريد منا إذا نزل بنا بلاء وبأس أنْ نتضرّع إليه سبحانه؛ لأن الضراعة إلى الله لَفْتة وتذكير به. . والنبي ﷺ َ يُرشِدنا إلى هذه الحقيقة، فالمصاب الحقيقي ليس مَنْ نزل به ضُرٌّ أو أصابه بلاء. . لا. . بل المصاب الحقيقي مَنْ حُرِم الثواب.
إذن: نقول لمن عنده نعمة: احذر أن تُنسيِك النعمة وتُذهلك عن المنعم، أما صاحب البلاء والضر، فسوف يردُّك هذا البلاء، ويُذكّرك هذا الضرّ بالله تعالى، ولن تجدَ غيره تلجأ إليه.
فقوله تعالى:
﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] .
أي: تضْرَعون بصراخ وصوت عالٍ كخُوار البقر، لا يُسرّهِ أحد ولا يستحي منه أنْ يُفتضح أمره أمام مَنْ تكبّر عليهم. . ويا ليتكم حين ينتابكم مثل ذلك تعتبرون به وتتعِظُون، وتقولون في لحظة من
стр. 9313
اللحظات: سوف تلجئنا الأحداث إلى ربنا. . بل بالعكس حينما نكشف عنكم الضر سوف تعودون إلى ما كنتم عليه.
ثم يقول الحق سبحانه:
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر ... .﴾ .
стр. 9314
فمن الناس مَنْ إذا أصابه الله بضُرٍّ أو نزل به بأْسٌ تضرّع وصرخ ولجأ إلى الله ودعاه، وربما سالتْ دموعه، وأخذ يُصلّي ويقول: يا فلان ادْعُ لي الله وكذا وكذا. . فإذا ما كشف الله عنه ضُرَّه عاود الكَرّة من جديد؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ... ﴾ [يونس: ١٢] .
ومن لُطْف الأداء القرآني هنا أن يقول:
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] .
أي: جماعة منكم وليس كلكم، أما الباقي فيمكن أنْ يثبتُوا على الحق، ويعتبروا بما نزل بهم فلا يعودون. . فالناس إذن مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرّع ويلتفت إلى الله من ضُرٍّ واحد أصابه، وآخر يلتفت إلى الله من ضُرّيْن، وهكذا.
وقد وجدنا في الأحداث التي مرَّتْ ببلادنا على أكابر القوم أحداثاً عظاماً تلفتهم إلى الله، فرأينا مَنْ لا يعرف طريق المسجد يُصلّي، ومَنْ لا يفكر في حج بيت الله، ويسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك
стр. 9315
عند الملتزم، وما ألجأهم إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرَّت بهم من أحداث.
أليست هذه الأحداث، وهذه الأزمات والمصائب خيراً في حقهم؟ . . بلى إنها خير.
وأيضاً قد يُصاب الإنسان بمرض يُلِمّ به، وربما يطول عليه، فيذهب إلى الأطباء، ويدعو الله ويلجأ إليه، ويطلب من الناس الدعاء له بالشفاء، ويعمل كذا وكذا. . فإذا ما كشف الله عنه المرض وأَذِن له بالشفاء قال: أنا اخترتُ الطبيب الحاذق، الطبيب النافع، وعملتُ وعملتُ. . سبحان الله!
لماذا لا تترك الأمر لله، وتُعفِي نفسك من هذه العملية؟
وفي قوله تعالى:
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] .
صمام أَمْن اجتماعي في الكون، يقول للناس: إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تُقدمون إليهم جميلاً فيُنكرونه. . إياكم أنْ تكُّفوا عن عمل الجميل على غيركم؛ لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يُزهدك إنكارهم للجميل في فِعْله، بل تمسَّك به لتكون من أهله.
стр. 9316
والحق ﵎ يضرب لنا مثلاً لإنكار الجميل في قصة سيدنا موسى ﵇: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كالذين آذَوْاْ موسى فَبرَّأَهُ الله مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً﴾ [الأحزاب: ٦٩] .
فقد اتهمه قومه وقعدوا يقولون فيه كذباً وبُهْتاناً، فقال موسى: يا ربّ أسألك ألاَّ يُقَال فيَّ ما ليس فيَّ. . فقال تعالى لموسى: أنا لم افعل ذلك لنفسي، فكيف أفعلها لك؟
ولماذا لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه؟ . . لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه ليعطينا نحن أُسْوة في تحمُّل هذا الإنكار، فقد خلق الله الخَلْق ورزقهم ووَسِعهم، ومع ذلك كفروا به، ومع ذلك ما يزال الحق سبحانه خالقاً رازقاً واسعاً لهم.
إذن: في الآية تقنين وأمان للمجتمع أن يتفشى فيه مرض الزُّهْد في عمل الخير.
وقَوْل الحق سبحانه:
﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤] .
تشمل الآية مَنْ أنكر الجميل من المؤمنين، ومن الكافرين.
ولكن لماذا يشركون؟
стр. 9317
يقول الحق ﵎: ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ ... ﴾ .
стр. 9318
أي: مُسْتعظمين كقارون الذي قال: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي﴾ [القصص: ٧٨] .
أخذتُ هذا بَجْهدي وعملي. . ومثله مَنْ تقول له: الحمد لله الذي وفَّقك في الامتحان، فيقول: أنا كنت مُجِداً. . ذاكرتُ وسهرتُ. . نعم أنت ذاكرتَ، وأيضاً غيرك ذاكر وجَدَّ واجتهد، ولكن أصابه مرض ليلة الامتحان فأقعده، وربما كنت مثله.
فهذه نغمة مَنْ أَنكر الفضل، وتكبَّر على صاحب النعمة سبحانه.
وقوله:
﴿لِيَكْفُرُواْ ... ﴾ [النحل: ٥٥] .
هل فعلوا ذلك ليكفروا، فتكون اللام للتعليل؟ لا بل قالوا: اللام هنا لام العاقبة. . ومعناها أنك قد تفعل شيئاً لا لشيء، ولكن الشيء يحدث هكذا، وليس في بالك أنت. . إنما حصل هكذا.
ومثال هذه اللام في قوله تعالى في قصة موسى وفرعون: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً. .﴾ [القصص: ٨] .
ففرعون حينما أخذ موسى من البحر وتبنَّاه وربَّاه، هل كان يتبناَّه ليكون له عدواً؟ لا. . إنما هكذا كانت النهاية، لكي يثبت الحق سبحانه أنهم كانوا مُغفَّلين، وأن الله حالَ بين قلوبهم وبين
стр. 9319
ما يريدون. . إذن: المسألة ليستْ مرادة. . فقد أخذْته وربَّيته في الوقت الذي تقتل فيه الأطفال. . ألم يخطر ببالك أن أحداً خاف عليه، فألقاه في البحر؟ ﴿
لذا يقول تعالى: ﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ الله يَحُولُ بَيْنَ المرء وَقَلْبِهِ. .﴾ [الأنفال: ٢٤] .
وكذلك أم موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم ... ﴾ [القصص: ٧] .
كيف يقبل هذا الكلام؟ وأنَّى للأم أن ترمي ولدها في البحر إنْ خافت عليه؟﴾ كيف يتأتَّى ذلك؟! ولكن حالَ الله بين أم موسى وبين قلبها، فذهب الخوف عليه، وذهب الحنان، وذهبت الرأفة، ولم تكذّب الأمر الموجّه إليها، واعتقدت أن نجاة وليدها في هذا فألقتْه.
وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
أي: اكفروا بما آتيناكم من النعم، وبما كشفنا عنكم من الضر، وتمتعوا في الدنيا؛ لأنني لم اجعل الدنيا دار جزاء، إنما الجزاء في الآخرة.
стр. 9320
وكلمة ﴿تَمَتَّعُواْ﴾ هنا تدل على أن الله تعالى قد يُوالي نعمه حتى على مَنْ يكفر بنعمته، وإلاَّ فلو حَجَب عنهم نِعَمه فلن يكون هناك تمتُّع.
ويقول تعالى:
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] .
أي: سوف تروْنَ نتيجة أعمالكم، ففيها تهديد ووعيد.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ ... ﴾ .
стр. 9321
أي: الذين يكفرون بالله ويتخذون الأصنام والشركاء، يجعلون لها نصيباً.
وقول الحق سبحانه:
﴿لاَ يَعْلَمُونَ. .﴾ [النحل: ٥٦] .
ما العلم؟
العلم أن تعرفَ قضية، هذه القضية صِدْق أي: مطابقة للواقع وتستطيع أن تُدلِّل عليها، فإذا اختلّ واحد منها لم تكُنْ علماً. . وهؤلاء حينما جعلوا للأصنام نصيباً، فقد أَتَوْا بأشياء لا وجودَ لها في الواقع ولا في العلم، وليست حقائق. . وهل للأصنام وجود؟ وهل عليها دليل؟
стр. 9322
قال تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ ... ﴾ [النجم: ٢٣] .
هذه الأصنام ليست لها وجود في الحقيقة، وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إلى الله وَمَا كَانَ للَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦] .
حتى لمَّا جعلوا للأصنام نصيباً جعلوه مما رزقهم الله، أَلاَ جعلتم نصيب الأصنام مما تعطيكم الأصنام؟ ونصيب الله مما رزقكم الله؟ فهذا اعتراف منكم بعجز أصنامكم، وأنكم أخذتم رزق الله وجعلتموه لأصنامكم.
وهذا دليل على أن الأصنام لا تعطيكم شيئاً، وشهادة منكم عليهم. . وهل درت الأصنام بهذا؟
إذن:
﴿لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ ... ﴾ [النحل: ٥٦] .
أي: للأصنام؛ لأنها لا وجودَ لها في الحقيقة، وهم يأخذون ما رزقناهم، ويجعلونه لأصنامهم.
ثم يقول الحق ﵎:
стр. 9323
﴿تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦] .
التاء هنا في ﴿تالله﴾ للقسم أي: والله لَتُسْألُنَّ عما افتريتم من أمر الأصنام. والافتراء: هو الكذب المتعمد.
стр. 9324
ساعة أنْ تسمع كلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ فاعلم أنها تنزيهٌ لله تعالى عَمّا لا يليق، فهي هنا تنزيهٌ لله سبحانه وتعالى عما سبق من نسبة البنات له. . تعالى الله عن ذلك عُلواً كبيراً. . أي: تنزيهاً لله عن أن يكونَ له بنات.
فهل يمكن أن يكون له أولاد ذكور؟
إنهم جعلوا لله البنات، وجعلوا لأنفسهم الذكور، وهذه قسمة قال عنها القرآن الكريم: ﴿أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الأنثى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ [النجم: ٢١ - ٢٢] .
أي: جائرة.
لم تجعلوها عادلة، يعني لي ولد ولكم ولد، ولي بنت ولكم بنت، إنما تجعلون لله مَا تكرهون وهي البنات لله، وتجعلون لكم ما تحبون. . لذلك كان في جَعْلهم لله البنات عيبان:
стр. 9325
الأول: أنهم نَسبُوا لله الولد ولو كان ذكراً فهو افتراء باطل يتنزه الله عنه.
الثاني: أنهم اختاروا أخسَّ الأنواع في نظرهم. . ولا يستطيع أحد أن يقول: إن البنات أخسُّ الأنواع. . لماذا؟
لأن بالبنات يكون بقاء النوع؛ ولذلك قال العباس: لو سمع الله ما قال الناس في الناس لما كان الناس. . أي: لو استجاب الله لرغبة الناس في أنهم لا يريدون البنات فاستجاب ولم يُعْطهم. . ماذا سيحدث؟ سينقطع النسل، فهذا مطْلَب غبيّ، فالبنت هي التي تَلِد الولد، وبها بقاء النوع واستمرار النسل.
وقوله تعالى:
﴿سُبْحَانَهُ ... ﴾ [النحل: ٥٧] .
أي: تنزيهاً له أن يكون له ولد، وتنزيهاً له سبحانه أن يكون له أخسَّ النوعين في نظرهم وعرفهم، وقد قال عنهم القرآن في الآية التالية: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ. .﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩] .
ولذلك فالحق ﵎ حينما يُحدِّثنا عن الإنجاب يقول: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ الذكور أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً. .﴾ [الشورى: ٤٩ - ٥٠] .
أول ما بدأ الحق سبحانه بدأ بالإناث. . ثم أعطانا هذه الصورة من الخَلْق: إناث، ذكور، ذكور وإناث، عقيم. . إذن: هِبَات الله تعالى
стр. 9326
لها أربعة أنواع، ومن هنا كان العُقْم أيضاً هبةً من الله لحكمة أرادها سبحانه. . لكن الناس لا تأخذ العُقْم على أنه هِبَة. . لكن تأخذه على أنه نِقْمة وغضب.
لماذا؟ لماذا تأخذه على أنه نِقْمة وبلاء؟ فربما وهبك الولد، وجاء عاقّاً، كالولد الذي جاء فتنة لأبويْه، يدعوهما إلى الكفر.
ولو أن صاحب العقم رضي بما قسمه الله له من هبة العقم واعتبره هبة ورضي به لرأى كل ولد في المجتمع ولده من غير تعب في حَمْله وولادته وتربيته. فيرى جميع الأولاد من حوله أولاده ويعطف الله قلوبهم إليه كأنه والدهم. . وكأن الحق ﵎ يقول له: ما دُمْتَ رضيتَ بهبة الله لك في العقم لأجعلنَّ كل ولدٍ ولداً لك.
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧] .
أي: من الذّكْران؛ لأن الولد عِزْوة لأبيه ينفعه في الحرب والقتال وينفعه في المكاثرة. . الخ إنما البنت تكون عالةً عليه؛ ولذلك قال تعالى بعد هذا:
стр. 9327
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ ... ﴾ .
стр. 9328
نعرف أن البشارة تكون بخير، فكان يجب عليهم أن يستقبلوها استقبالَ البشارة، ولكنهم استقبلوها استقبال الناقمين الكارهين لما بُشّروا به، فتجد وجه الواحد منهم.
﴿مُسْوَدّاً ... ﴾ [النحل: ٥٨] .
ومعنى اسوداد الوجه انقباضه من الغيظ؛ لذلك يقول تعالى:
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ ... ﴾ [النحل: ٥٨] .
الكظم هو كَتْم الشيء.
ولذلك يقول تعالى في آية أخرى: ﴿والكاظمين الغيظ. .﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وهو مأخوذ من كَظْم القِرْبة حين تمتليء بالماء، ثم يكظمها أي: يربطها، فتراها ممتلئة كأنها ستنفجر. . هكذا الغضبان تنتفخ عروقه، ويتوارد الدم في وجهه، ويحدث له احتقان، فهو مكظوم ممنوع أنْ ينفجر.
ثم يقول الحق سبحانه واصفاً حاله:
стр. 9329
﴿يتوارى مِنَ. .﴾ .
стр. 9330
قوله تعالى:
﴿يتوارى مِنَ القوم. .﴾ [النحل: ٥٩] .
أي: يتخفَّى منهم مخافَة أنْ يُقال: أنجب بنتاً.
﴿مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ. .﴾ [النحل: ٥٩] .
نلاحظ إعادة البشارة في هذه الآية أيضاً، وكأنه يُحنِّن قلبه عليها، ويدعوه إلى الِّرْفق بها.
فهو متردد لا يدري ماذا يفعل؛ لذلك يقول تعالى:
﴿أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب. .﴾ [النحل: ٥٩] .
أي: ماذا يفعل فيما وُلِد له. أيحتفظ به على هُونٍ أي: هوان ومذلة أم يدسُّه في التراب أي: يدفنها فيه حية؟
﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٩] .
أي: ساء ما يحكمون في الحالتين. حالة الإمساك على هُون ومذلَّة، أو حالة دَسّها في التراب، فكلاهما إساءة. وكان بعض هؤلاء إذا وُلدتْ له بنت كرهها، فإن أمسكها أمسكها على حال كونها ذليلةً عنده، مُحتقرة مُهَانة، وهي مسكينة لا ذنبَ لها.
стр. 9331
ولذلك، فإن المرأة العربية التي عاصرتْ هذه الأحداث فطِنَتْ إلى ما لم نعرفه نحن إلا قريباً، حيث اكتشف العالم الحديث أن أمر إنجاب الولد أو البنت راجع إلى الرجل وليس إلى المرأة. . وكان أبو حمزة كثيراً ما يترك زوجته ويغضب منها، لأنها لا تلد إلا البنات. . فماذا قالت هذه المرأة العربية التي هجرها زوجها؟ قالت:
مَا لأبي حمزةَ لاَ يأتِينَا ... غَضْبانَ ألاَّ نَلِدَ البَنِينا
تَاللهِ مَا ذَلكَ فِي أَيْدينا ... فَنَحنُ كَالأَرْضِ لغارسينا
نُعطِي لَهُم مِثْل الذِي أُعْطِينَا ... والحق حينما يريد توازناً في الكون يصنع هذا التوازن من خلال مقتضيات النفس البشرية، ومن مقتضياتها أن يكون للإنسان جاه، وأن يكون له عِزّ، لكن الإنسان يخطيء في تكوين هذا الجاه والعِزّ، فيظن أنه قادر على صنع ما يريد بأسبابه وحدها.
إنما لو علم أن تكوين الجاه والعِزّ بشيء فوق أسبابه هو، بشيء مخلوق لله تعالى، بقدر مخلوق لله تعالى، لو علم هذه الحقيقة لجاء المسألة من بابها.
ذلك لأن العزة ليست بما تُنجِب. . العزة هنا لله وللرسول وللمؤمنين، اعتزّ هنا بُعصْبة الإيمان، اعتز بأنك في بيئة مؤمنة متكافلة، إذا أصابك فيها ضَيْم فزِع إليك الجميع.
стр. 9332
ولا تعتزّ بالأنسال والأنجال، فقد يأتي الولد عاقّاً لا يُسعِف أبويْه في شدة، ولا يعينهما في حاجة؛ ذلك لأنك لجأتَ إلى عَصَبية الدم وعَصَبيَّة الدم قد تتخلّف، أما عَصبِيّة العقيدة وعَصَبية الإيمان والدين فلا.
ولنأخذ على ذلك مثالاً. . ما حدث بين الأنصار والمهاجرين من تكافل وتعاون فاق كُل ما يتصوره البشر، ولم يكُنْ بينهم سوى رابطة العقيدة وعصبية الإيمان. . ماذا حدث بين هؤلاء الأفذاذ؟
وجدنا أن العصبية الإيمانية جعلت الرجل يُضحِّي بأنفَس شيء يضِنُّ به على الغير. . نتصور في هذا الموقف أن يعود الأنصار بفضل ما عندهم من نعم على إخوانهم المهاجرين، فَمنْ كانت عنده ركوبة أو منزلة مثلاً يقول لأخيه المهاجر: تفضل اركب هذه الركوبة، أو اجلس في هذا المنزل.
. هذا كله أمر طبيعي.
أما نعيم المرأة، فقد طُبِع في النفس البشرية أن الإنسان لا يحب أن تتعدَّى نعمته فيها إلى غيره. . لكن انظر إلى الإيمان، ماذا صنع بالنفوس؟ . . فقد كان الأنصاري يقول للمهاجر: انظر لزوجاتي، أيّهن أعجبتْك أُطلِّقها لتتزوجها أنت، وما حمله على ذلك ليس عصبية الدم أو عَصبيّة الجنس، بل عَصبيّة اليقين والإيمان.
стр. 9333
ولذلك تنتفي جميع العصبيات في قصة نوح ﵇ وولده الكافر، حينما ناداه نوح ﵇: ﴿يابني اركب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين قَالَ سآوي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المآء قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ. .﴾ [هود: ٤٢ - ٤٣] .
ويتمسّك نوح بولده، ويحرص كل الحرص على نجاته فيقول: ﴿رَبِّ إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق. .﴾ [هود: ٤٥] .
فيأتي فَصْل الخطاب في هذه القضية: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] .
إذن: هذا الولد ليس من أهلك؛ لأن البُنُوة هنا بُنُوة العمل، لا بُنُوة الدم والنَّسَب.
صحيح أن الإنسان يحب العزة ويطلبها لنفسه، ولكن يجب أن تنظر كيف تكون العزة الحقيقية؟ وما أسبابها؟
خُذْ العزة بالله وبالرسول وبالبيئة الإيمانية، يصبح كل الأولاد أولادك؛ لأنهم معك في يقينك بالله وإيمانك به سبحانه. . أما أن تعتز بطريقتك أنت، فتطلب العزة في الولد الذكَر، فمَنْ يُدرِيك أن تجد فيه العزة والعِزوة والمكاثرة؟!
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ ... ﴾ .
стр. 9334
قوله تعالى:
﴿مَثَلُ السوء ... ﴾ [النحل: ٦٠] .
صفة السوء أي: الصفات السيئة الخسيسة من الكفر والجحود والنكْران، ومن عَمي البصيرة، وغيرها من صفات السوء.
لماذا كان للذين لا يؤمنون بالآخرة مثَلُ السوء؟ لأن المعادلة التي أَجْرَوْها معادلة خاطئة؛ لأن الذي لا يؤمن بالآخرة قصّر عمره. . فعُمْر الدنيا بالنسبة له قصير، وقد قلنا: إياك أن تقيسَ الدنيا بعمرها. . ولكن قِسْ الدنيا بعمرك أنت، فعمر الدنيا مدة بقائِكَ أنت فيها. . إنما هي باقية من بعدك لغيرك، وليس لك أنت فيها نصيب بعد انقضاء عمرك.
إذن: عمر الدنيا عمرك أنت فيها. . عمرك: شهر، سنة، عشر سنوات، مائة. . هذا هو عمر الدنيا الحقيقي بالنسبة لك أنت.
ومع ذلك، فعمر الدنيا مهما طال مُنْتَهٍ إلى زوال، فَمنْ لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالآخرة قد اختار الخاسرة؛ لأنه لا يضمن أن يعيش في الدنيا حتى متوسط الأعمار. . وهَبْ أنك عِشْتَ في الدنيا إلى متوسط الأعمار، بل إلى أرذل العمر. . وهَبْ أنك استمتعتَ في دنياك بكل أنواع المعاصي، ماذا ستكون النهاية؟ أنْ تفوتَ هذا كله إلى الموت.
قارن إذن حال هذا بمَنْ آمن بالله وآمن بالآخرة. . نقول لمَنْ لا يؤمن بالآخرة: دنياك مظنونة، يمكن أن تعيش فيها، أو يعاجلك الموت. . حتى مَنْ عاش إلى متوسط الأعمار، فالنهاية إلى زوال.
стр. 9335
وما نِلْتَ من مُتَع في دنياك أخذتها على قَدْر إمكاناتك أنت.
إذن: أنت أخذت صفقة محدودة غير مُتيقّنة، وتركتَ صفقة غير محدودة ومُتيقّنة. . أليستْ هذه الصفقة خاسرة؟
أما مَنْ آمن بالآخرة فقد ربحتَ صفقته، حيث اختار حياة ممتدة يجد المتعة فيها على قَدْر إمكانات المنعِم .
إذن:
﴿مَثَلُ السوء ... ﴾ [النحل: ٦٠] .
أي: الصفة شديدة السوء، ذلك لأنهم خاسرون لا محالة.
وقوله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى ... ﴾ [النحل: ٦٠] .
لله الصفة العليا، وكأن الآية تقول لك: اترك صفة السوء، وخُذ الصفة الأعلى التي تجد المتعة فيها على قَدْر إمكانات الحق .
ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:
﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ [النحل: ٦٠] .
العزيز أي: الذي لا يُغلَب على أمره، فإذا قيل: قد يوجد مَنْ لا يُغلب على أمره. . نعم؛ لكنه سبحانه عزيز حكيم يستعمل القهر والغلبة بحكمة.
стр. 9336
ثم يقول الحق ﵎: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله ... ﴾ .
стр. 9337
قول الحق ﵎:
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس. .﴾ [النحل: ٦١] .
عندنا هنا: الأخْذ والمؤاخذة. . الأخْذ: هو تحصيل الشيء واحتواؤه، ويدل هذا على أن الآخذ له قدرةٌ على المستمسك بنفسه أو بغيره، فمثلاً تستطيع حَمْل حصاة، لكن لا تستطيع حمل حجر كبير، وقد يكون شيئاً بسيطاً إلا أنه مربوط بغيره ومستمسك به فيُؤخَذ منه قوة.
فمعنى الأخذ: أن تحتوي الشيء، واحتواؤك له معناه أنك أقوى من تماسكه في ذاته، أو استمساك غيره به، وقد يكون الأَخْذ بلا ذنب.
أما المؤاخذة فتعني: هو أخذَ منك فأنت تأخذُ منه. . ومنه قَوْل أحدنا لأخيه «لا مؤاخذة» في موقف من المواقف. . والمعنى: أنني فعلتُ شيئاً استحق عليه الجزاء والمؤاخذة، فأقول: لا تؤاخذني. . لم أقصد.
لذلك؛ فالحق ﵎ يقول هنا:
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس ... ﴾ [النحل: ٦١] .
стр. 9338
ولم يَقُلْ: يأخذ الناس.
وفي آية أخرى قال تعالى: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] .
لماذا أخذها الله؟ أخذها لأنها أخذتْ منه حقوقه في أن يكون إلهاً واحداً فأنكرتها، وحقوقه في تشريع الصالح فأنكرنها.
ويُبيِّن الحق سبحانه أن هذه المؤاخذة لو حدثت ستكون بسبب من الناس أنفسهم، فيقول سبحانه:
﴿بِظُلْمِهِمْ. .﴾ [النحل: ٦١] .
أول الظلم أنهم أنكروا الوحدانية، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .
فكأنهم أخذوا من الله تعالى حقّه في الوحدانية، وأخذوا من الرسول ﷺ َ، فقالوا كذاب، وأخذوا من الكتاب فقالوا «سحر مبين» .
كل هذا ظلم. .
فالحق ﵎ لو آخذهم بما أخذوا، أخذوا شيئاً فأخذ الله شيئاً، لو عاملهم هذه المعاملة ما ترك على ظهرها من دابة.
لذلك نجد في آيات الدعاء: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
стр. 9339
أي: أننا أخذنا منك يا ربّ الكثير بما حدث مِنّا من إسراف وتقصير وعمل على غير مقتضى أمرك، فلا تؤاخذنا بما بدر منا.
فلو آخذ الله الناس بما اقترفوا من ظلم. .
﴿مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ. .﴾ [النحل: ٦١] .
قد يقول قائل: الله سَيُؤاخذ الناس بظلمهم، فما ذنب الدابة؟ ماذا فعلت؟ نقول: لأن الدابة خُلِقَتْ من أجلهم، وسُخِّرتْ لهم، وهي من نعم الله عليهم، فليست المسألة إذن نكايةً في الدابة، بل فيمَنْ ينتفع بها، وقد يُراد العموم لكل الخلق.
فإذا لم يؤاخذ الله الناس بظلمهم في الدنيا فهل يتركهم هكذا؟ لا بل:
﴿ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى ... ﴾ [النحل: ٦١] .
هذا الأجل انقضاء دُنيا، وقيام آخرة، حتى لو لم يؤمنوا بالآخرة، فإن الله تعالى يُمهلهم في الدنيا، كما قال تعالى في آية أخرى:
﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] .
وقد يكون في هذا الأجل المسمى خير للحق، فكثير من الصحابة كانوا يدخلون المعارك، ويُحبون أنْ يقتلوا أهل الكفر فلاناً وفلاناً، ثم لا يتمكنون من ذلك ولا يصيبونهم، فيحزنون لذلك.
ولكن أَجَل هؤلاء لم يَأْتِ بَعْد، وفي علم الله تعالى أن هؤلاء الكفار سيؤمنون، وأن إيمانهم سينفع المسلمين، وكأن القدر يدّخرهم: إما أنْ يؤمنوا، وإما أن تؤمنَ ذرياتهم.
стр. 9340
وقد آمن عمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وغيرهم. ومن هؤلاء الذين نَجَوْا كان خالد بن الوليد سيف الله المسلول.
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] .
أي: إذا جاءت النهاية فلا تُؤخَّر، وهذا شيء معقول، ولكن كيف: ولا يستقدمون؟ إذا جاء الأجل كيف لا يستقدِمون؟ المسألة إذن ممتنعة مستحيلة. . كيف إذا جاء الأجل يكون قد أتى قبل ذلك؟ ... هذا لا يستقيم، لكن يستقيم المعنى تماماً على أن:
﴿وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١] .
ليست من جواب إذا، بل تم الجواب عند (ساعة) ، فيكون المعنى: إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة، وإذا لم يجيء لا يستقدمون. والله أعلم.
ثم يقول الحق سبحانه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ... ﴾ .
стр. 9341
قوله تعالى:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ... ﴾ [النحل: ٦٢] .
стр. 9342
الأليق أن الذي يُخرج لله يجب أن يكون من أطيب ما أعطاه الله، فإذا أردت أن تتصدقَ تصدَّقْ بأحسن ما عندك، أو على الأقل من أوسط ما عندك. . لكن أنْ تتصدَّق بأخسِّ الأشياء وأرذلها. . أن تتصدق مما تكرهه، كالذي يتصدق بخبز غير جيد أو لحم تغيِّر، أو ملابس مُهَلْهَلة، فهذا يجعل لله ما يكره.
والحقيقة أن الناس إذا وثِقوا بجزاء الله على ما يعطيه العبد لأَعطَوْا ربهم أفضل ما يُحبون. . لماذا؟ لأن ذلك دليلٌ على حبّك للآخرة، وأنك من أهلها، فأنت تعمرها بما تحب، أما صاحب الدنيا المحبّ لها فيعطي أقل ما عنده؛ لأن الدنيا في نظره أهمّ من الآخرة.
وبهذا يستطيع الإنسان أنْ يقيسَ نفسه: أهو من أهل الآخرة، أم من أهل الدنيا بما يعطي لله ؟
قوله تعالى:
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ ... ﴾ [النحل: ٦٢] .
أي: مما ذكر في الآيات السابقة من قولهم: ﴿لِلَّهِ البنات. .﴾ [النحل: ٥٧] .
وأن الملائكة بنات الله، وجعلوا بينه وبين الجنَّة نسباً، إلى غير ذلك من أقوالهم، وجعلوا لله البنات وهم يكرهون البنات؛ لذلك: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] .
والمسألة هنا ليستْ مسألة جَعْل البنات لله، بل مُطْلق الجَعْل
стр. 9343
منهم مردود عليهم، فلو جعلوا لله ما يحبون من الذكْران ما تُقبّل منهم أيضاً؛ لأنهم جعلوا لله ما لم يجعل لنفسه.
فالذين قالوا: عزير ابن الله. والذين قالوا: المسيح ابن الله. لا يُقبَل منهم؛ لأنهم جعلوا لله سبحانه ما لم يجعلْه لنفسه، فهذا مرفوض، وذلك مرفوض؛ لأننا لا نجعل لله إلا ما جعله الله لنفسه سبحانه.
فنحن نجعل لله ما نحب مما أباح الله، كما جاء في قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ ... ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبِّهِ. .﴾ [الإنسان: ٨] .
ولذلك قال الحق سبحانه لرسوله ﷺ َ: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] .
فلو كان له ولد لآمنتُ بذلك، لكن الحقيقة أنه ليس له ولد. . إذن: ليست المسألة في جَعْل ما يكرهون لله بل في مُطْلَق الجعلْ، ذلك لأننا عبيد نتقرّب إلى الله بالعبادة، والعابد يتقرّب إلى المعبود بما يحب المعبود أن يتقرّب به إليه، فلو جعل الله لنفسه شيئاً فهو على العين والرأس، كما في أمره أن ننفق مما نُحب، ومن أجود ما نملك.
ولذلك قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .
стр. 9344
رَاعِ حق الفقير وضرورة أنْ تجعله كنفسك، لا يكُنْ هيِّناً عليك فتعطيه أردأ ما عندك. . والحق ﵎ لما أراد أن نتقرّب إليه بالنّسُك وذَبْح الهَدْي والأضاحي قال:
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ البآئس الفقير﴾ [الحج: ٢٨] .
لأنك إذا علمتَ أنك ستأكل منها سوف تختار أجود ما عندك.
وقوله تعالى:
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب. .﴾ [النحل: ٦٢] .
الكذب: قضية ينطق بها اللسان ليس لها واقع في الوجود، أي مخالفة للواقع المشهود به من القلب. . ولماذا يشهد عليه القلب؟
قالوا: لأنه قد يطابق الكلام الواقع، ونحكم عليه مع ذلك بالكذب، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
بالله، أهذه القضية صِدْق أم لا؟ إنها قضية صادقة. . أنت رسول الله وقد وافق كلامهم ما يعلمه الله. . فلماذا شهد عليهم الحق ﵎ أنهم (كاذبون) ؟
وفي أيِّ شيء هم كاذبون؟
قالوا: الحقيقة أنهم صادقون في قولهم: إنك لرسول الله، ولكنهم كذبوا في شهادتهم:
стр. 9345
﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله ... ﴾ [المنافقون: ١] .
لأنهم لا يشهدون فعلاً؛ لأن الشهادة تحتاج أنْ يُواطئَ القلبُ اللسانَ ويسانده، وهذه الشهادة منهم من اللسان فقط لا يساندها القلب.
الإنسان عُرْضة لأن يقول الصدق مرة والكذب مرة، لكن هؤلاء بمجرد أن يقولوا (نشهد) فهم كاذبون، وهذا معنى:
﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب﴾ [النحل: ٦٢] .
لأنهم حينما يقولون مثلاً: العزير ابن الله، المسيح ابن الله، الملائكة بنات الله. هذه كلها قضايا باطلة ليس لها واقع يوافق منطوق اللسان. . فألسنتهم تصف الكذب.
وإنْ أردتَ أن تعرف الكذب الذي لا يطابق الواقع فاستمع إليه فبمجرد أنْ يُقال تعلم أنه كذب. . مثل ما حدث مع مُسيْلمة الذي ادَّعى النبوة، مجرد أنْ قال: أنا نبي قلنا: مسيلمة الكذاب.
ويقول الحق سبحانه:
﴿أَنَّ لَهُمُ الحسنى. .﴾ [النحل: ٦٢] .
أي: أن الكذب في قولهم (لهم الحسنى) فهذا اغترار وتمنٍّ على الله دون حق، ومثل هذه المقولة في سورة الكهف، في قصةِ أصحاب الجنتين، يقول تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦] .
стр. 9346
فهذه مقولات ثلاث كاذبة:
قوله: ﴿مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه أَبَداً﴾ [الكهف: ٣٥] .
هذه الأولى، فكم من أشياء تغيَّرت، ومن يضمن لك بقاء ما أنت فيه، والحق ﵎ يقول في آية أخرى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كالصريم﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠] .
الكذبة الثانية: ﴿وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] .
فقد أنكر الساعة.
الكذبة الثالثة: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً﴾ [الكهف: ٣٦] .
وهذا هو الشاهد في الآية هنا، ففيها اغترار وتمنٍّ على الله دون حقٍّ، كمن ادعوْا أن لهم الحسنى، وهم ليسوا أهلاً لها.
وفي موضع آخر تأتي نفس المقولة:
стр. 9347
﴿لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير وَإِن مَّسَّهُ الشر فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَمَآ أَظُنُّ الساعة قَآئِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٤٩ - ٥٠] .
وهكذا الإنسان في طَبْعه أنه لا يسأم من طلب الخير، وكلما وصل فيه إلى مرتبة تمنّى أعلى منها، يقنط إنْ مسَّه شر، وإنْ رفع الله عنه ورحمه قال: هذا لي. . أنا استحقه، وأنا جدير به. . ألاَ قلتَ: هذا فضل من الله ونعمة، ثم بعد ذلك هو يتمنى على الله الأماني ويقول: ﴿إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى﴾ [فصلت: ٥٠] .
ويُروى أن سيدنا داود ﵇ مع ما أعطاه الله من الملْك والعظمة أنه صعد يوماً سطح منزله، فابتلاه الله بسِرْب من الجراد الذهب، فحينما رآه داود جعل يجمع منه في ثوبه، فقال له ربه: ألم أُغْنِك يا داود؟ قال: نعم ولكن لا غِنَى لي عن فضلك.
وقوله تعالى:
﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار ... ﴾ [النحل: ٦٢] .
لا جرم: أي حقاً أن لهم النار على ما تقدم منهم أن جعلوا لله ما يكرهون، وتصف ألسنتهم الكذب، وهذه أفعال يستحقون النار عليها.
وكلمة ﴿لاَ جَرَمَ﴾ منها جارم بمعنى مجرم، فالمعنى: لا جريمة في عقاب هؤلاء، لأنه لا يُقال على عقوبة الجريمة أنها
стр. 9348
جريمة. . إذن: لها معنيان، لا بُدَّ أن لهم النار، أو لا جريمة في أن لهم النار جزاء أعمالهم.
﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢] .
جاءت في كلمة مُفْرطون عدة قراءات: مفرَطون، مفرِطون، مفرِّطون، مفرَّطون. وجمعيها تلتقي في المعنى.
نحن حينما نصلي على جنازة مثلاً، إذا كان الميت مكلّفاً نقول في الدعاء له: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه. . اللهم إنْ كان مُحسناً فزِدْ في إحسانه، وإنْ كان مُسِيئاً فتجاوز عن سيئاته» . فإنْ كان صغيراً غير مُكلَّف قُلْنا في الدعاء له «اللهم اجعله فرَطاً وذخراً» . فما معنى فرَطاً هنا؟
معناه: أن يكون الطفل فَرَطاً لأبويه ومُقدّمة لهما إلى الجنة. . يمرُّ بين يديْ والديْه ويسبقهما إلى الجنة، وكأنه يقدم عليهما لِيُمهد لهما الطريق ليغفر الله لهما. . إذن: معنى مُفْرطون أي مُقدِّمون. ولكن إلى النار.
стр. 9349
ومنه قوله تعالى عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة. .﴾ [هود: ٩٨] .
أي: يتقدمهم إلى النار. . كما كنتَ مُقدّماً عليهم، وإماماً لهم في الدنيا، فسوف تتقدمهم هنا وتسبقهم إلى النار.
стр. 9350
نعلم أن الحق يُقسِم بما يشاء على ما يشاء، أما نحن فلا نقسم إلا بالله، وفي الحديث الشريف: «مَنْ كان حالفاً، فليحلف بالله أو ليصمت» .
والحق ﵎ هنا يحلف بذاته سبحانه ﴿تالله﴾ ، مثل: والله وبالله.
وقد جاء القسم لتأكيد المعنى؛ ولذلك يقول أحد الصالحين: من أغضب الكريم حتى ألجأه أن يقسم؟!
وقد يؤكد الحق سبحانه القسم بذاته، أو القسم ببعض خَلْقه، وقد ينفي القسم وهو يُقسِم، كما في قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد﴾ [البلد: ١] .
следующие страницы →