Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
الفصل السادس عشر: في الخلع
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع منه في بيان صفته وكيفيته
قال علماؤنا ﵏: الخلع طلاق بائن ينتقص به من عدد الطلاق، به ورد الأثر عن رسول الله ﷺ وعن عمر وعلي وابن مسعود ﵃. وقال الشافعي ﵀: هو فسخ لا ينتقص به من عدد الطلاق، وهو قول ابن عباس ﵁، وتكلّم أصحابنا ﵏ فيما إذا قضى قاضٍ بكونه فسخاً، هل ينفذ قضاؤه؟ منهم من قال ينفذ، ومنهم من قال لا ينفذ، وتكلّم المشايخ في لفظة البيع والشراء هل لابن عباس ﵁ فيه قول كما في الخلع، قال بعضهم ليس له فيه قول وهو طلاق بائن بالاتفاق، وقال بعضهم خلافه في كل موضع عدم فيه لفظة الطلاق، وإنّه من جملة الكنايات حتّى لا يقع به الطلاق بدون النيّة، وتصح نيّة الثلاث فيه، وإذا قال الزوج لم أنوِ به الطلاق، فإن لم يذكر بدلاً صدّق ديانة وقضاء وإن ذكر بدلاً بأن قال لها مثلاً، خالعتك على ألف درهم، ثمَّ قال لم أعن به الطلاق لا يصدّق وقدم هذا فيما تقدّم، ويعتبر من جانب الزوج يميناً وتعليقاً للطلاق بقبولها حتّى لو قال لها خالعتك على كذا، ثمَّ رجع قبل قبول المرأة لا يصح رجوعه، وكذلك لا يبطل بقيامه عن المجلس قبل قبول المرأة، وكذلك لا يتوقف على حضورها، بل يجوز إذا كانت غائبة، فإذا بلغها فلها خيار القبول في مجلسها، ويصحّ التعليق بالشرط والإضافة إلى الأوقات، نحو أن يقول: إذا جاء غد فقد خالعتك على ألف درهم، فإذا قدم فلان فقد خالعتك كان القبول إليها بعد مجيء الوقت وقدوم فلان.
ومن (جار) المرأة تعتبر بالإيجاب والقبول كما في باب البيع حتّى إنّه إذا كانت البداية من جانب الزوج، فقامت عن المجلس قبل القبول يبطل الإيجاب، وإن كانت البداية من جانب المرأة بأن قالت له اخلعني على كذا، صحّ رجوعها قبل قبوله ويبطل بقيامها عن المجلس وبقيامه ولا يتوقف حال غيبة الزوج، ولا يجوز التعليق منها بشرط، ولا إضافة إلى وقت وقدّم الفرق من الجانبين قبل هذا.
وينبني على هذا ما قال أبو حنيفة (٢٦٠أ١) ﵀ إذا خالعها وشرطت المرأة لنفسها الخيار جاز، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: لا يجوز ولو شرط الزوج الخيار لنفسه لا يجوز إجماعاً فهما قاسا جانبها بجانبه، وأبو حنيفة ﵀ فرّق بينهما بما قلنا إنَّ الخلع من جانب الزوج يمين، واليمين غير قابلة للخيار، ومن جانب المرأة معاوضة، والمعاوضة قابلة للخيار.
стр. 1332
وإذا قال لامرأته كلّ امرأة أتزوجها، فقد بعت طلاقها منك بكذا، ثمَّ تزوّج امرأة فالقبول إليها بعد التزوّج، فإن قالت بعد التزوّج قبلت أو قالت اشتريت طلاقها أو قالت طلّقها يقع الطلاق عليها، وإن قالت قبل التزوّج قبلت فهذا ليس بشيء؛ لأنَّ هذا الكلام من الزوج خلع بعد التزوّج، فإنّما يشترط القبول بعده.
نوع آخرمنه
ذكر في «فتاوى سمرقند» بأن صورة الخلع بالفارسيّة تقال: أن تقول المرأة لزوجها: «خوشتن رااز تونهر كاينن كرم أست وبهر هريبة عدة كي اجب مرابد توسيس طلاق أختم بيك طلاق فيقول الزوج» «اهتحيدم برااز خوشتن بائن شرطها» وإذا أمر الرجل امرأته بالخلع، فهو على أربعة أوجه:
إمّا أن يقول اخلعي نفسك بكذا من المال سمّى مالاً مقداراً معلوماً مثلاً ألف درهم. أو يقول؛ اخلعي نفسك بمال ولم يسمه ولم يقدّره، أو يقول: اخلعي نفسك بغير شيء. أو يقول: اخلعي نفسك ولم يزد على هذا، وأمّا إذا قال: اخلعي نفسك بألف درهم أو على ألف درهم، فخلعت نفسها على ذلك، ولم يقل الزوج بعد ذلك خلعت هل يتمّ الخلع فيه روايتان عن أصحابنا، والمختار أنّه يتمّ بناءً على أنّ الواحد هل يتولّى طرفي الخلع؟ إذا كان البدل مقدّراً معلوماً، وفي رواية يتولى وهو المختار وتصير المرأة وكيلة من جانب الزوج؛ لأنّه يمكنها الامتثال بما أمرت، وحقوق العقد لا ترجع إليها حتّى يقال تؤدّي إلى التضاد في حقّ الأحكام، أمّا إذا قال لها: اخلعي نفسك بمال، ولم يقدّر المال فقالت: خلعت نفسي على كذا في ظاهر رواية أصحابنا ﵏ لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج بعد ذلك خلعت. وروى ابن سماعة عن محمّد رحمهما الله: أنه يتمّ وإن لم يقل الزوج بعد ذلك خلعت، وكثير من مشايخنا أخذوا برواية ابن سماعة.
ووجه ظاهر الرواية: أنّه لا بدَّ من التسمية في الخلع لأنَّ المال بدون التسمية لا يجب في الخلع، وإذا لم يكن البدل مقدراً لا تدري هي أي قدر تسمّي فعجزت عن الامتثال، فلا يصحّ الأمر فلا تصير وكيلة من جهة الزوج فلا يتمّ الخلع بمجرّد قولهما اختلعت، وأمّا إذا قال لها اخلعي نفسك بغير مال، فقالت: خلعت يتم الخلع بقولها؛ لأنَّ الخلع بغير مال والطلاق البائن سواء، فكأنّه قال لها: طلقي نفسك تطليقة بائنة فقالت طلقت.
وأمّا إذا قال لها اخلعي نفسك، ولم يزد على هذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ أن يتمّ الخلع بقول المرأة اختلعت للمعنى الذي ذكرنا في قوله اخلعي نفسك بغير مال، وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمّد بن الفضل البخاري ﵀ أنّه كان يقول: روي عن محمّد ﵀ أنّ هذا بمنزلة قوله: اخلعي نفسك بمال، وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنّ هذا بمنزلة قوله اخلعي نفسك بغير شيء.
وإذا سألت المرأة من زوجها أن يخلعها، فهو على أربعة أوجه أيضاً: أما إن قالت له اخلعني على كذا سمّت ألف درهم مثلاً، وفي هذا الوجه إذا خلعها على ذلك يتمّ
стр. 1333
الخلع بقول الزوج ولا يحتاج إلى قول المرأة اختلعت قبلت في رواية، هو المختار.
وعلى هذا إذا وكّل الرّجل رجلاً أن يخلع امرأته على ألف درهم، ووكّلت المرأة ذلك الرجل أن يختلعها من زوجها على ألف درهم، فقال الوكيل: اختلعت فلانة من زوجها فلان بألف درهم يتم الخلع بقوله في رواية، وهو المختار، وأمّا إن قالت اخلعني على مال ولم يسمه، ولم يقدّره، فقال الزوج خلعتها على كذا، وفي هذا الوجه لا يتمّ الخلع بقول الزوج خلعت ما لم تقل المرأة قبلت، أو اختلعت في ظاهر رواية أصحابنا. وعلى رواية ابن سماعة يتمّ.
ومعنى قولنا لا يتمّ الخلع على ظاهر الرواية أنّه لا يجب عليها بدل الخلع، وهل يقع الطلاق؟ اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يقع، به كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀، وبعضهم قالوا لا يقع، وهو الأظهر والأشبه.
وأمّا إن قالت اخلعني بغير مال، وفي هذا الوجه إذا قال الزوج خلعت يقع الطلاق؛ لأنّ تقدير المسألة كأنّ المرأة قالت طلقني طلاقاً بائناً، فقال الزوج طلقت، وأمّا إن قالت اخلعني ولم يزد على هذا، وفي هذا الوجه ذكر شيخ الإسلام ﵀ أنّه يقع الطلاق بقول الزوج خلعت، وعلى قياس ما حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل ﵀ فيما إذا أمر الزوج المرأة بالخلع يجب أن يكون في المسألة روايتان.
وإذا قال لها: «خوشتن أزمن بحز» فقالت: «خريدم» ، ولم يقل الزوج «فروحتم» لا تطلق، وهذا بخلاف ما لو قال لها اخلعي نفسك منّي، فقالت: اختلعت ولم يقل الزوج قبلت، وكذلك لو قال لها بالعربية اشتري نفسك منّي، فقالت الزوجة اشتريت، ولم يقل الزوج بعت لا يقع الطلاق، بخلاف قوله: اخلعي، هكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀.
والفرق أنَّ قوله: اخلعي نفسك أمر الطلاق بلفظ الخلع والزوج يملك أمرها بذلك ببدل وبغير بدل، فصحّ الأمر وإن لم يكن البدل مذكوراً، أمّا قوله: «خوشتن بحر» أو اشتري نفسك أمر بالمعاوضة، والأمر بالمعاوضة لا يصحّ إذا لم يكن البدل مقدّراً معلوماً، وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل ﵀، بخلاف ما ذكره الصدر الشهيد في قوله اشتر نفسك منّي، على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله.
ولو قال: «خوشتن بخر بكذا» ذكر مالاً مقدّراً، أو قال بالعربية اشترِ نفسك بكذا، فقالت «خريدم» أو قالت؛ «اشتريت» ، ولم يقل الزوج بعت أو «فروختم» يتمّ الخلع في رواية، وهو المختار على ما بيّنا، وكذا في هذه الصورة إذا قال الزوج من لي «فروختم» بعد قول المرأة «خريد» يتمّ الخلع على الرواية (٢٦٠ب١) المختارة.
وعن هذا قيل: إذا قال لها: «خوشتن بخراز من بكايين ونفقة عدّة» ، فقالت: فقال الزوج: «من يك طلاق دادم» يقع عليها طلاقان أحدهما بالخلع، والثاني بالتطليق وأمّا إذا قال لها: «خوشتن بخر عدى أزمن» أو قال: «بحامة» ذكر بدلاً مجهولاً، فقالت «خريدم على كذا» لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج «فروحتم» ، ولا يقع طلاق أيضاً، وهذا يجب أن يكون على ظاهر الرواية، أمّا إذا قال لها «خوشتن بخر» بغير شيء أو قال: اشتر نفسك
стр. 1334
منّي بغير شيء لم يذكر الصدر الشهيد ﵀ هذا الفصل في «واقعاته» .
ورأيت مكتوباً بخطّ الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ عقب ذكر مسألة أمر الزوج المرأة بالخلع عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمّد بن الفضل، وكذلك لو تلفظ بلفظة البيع والشراء في الفصول كلّها فهو على ما وصفنا، وهذا إشارة إلى أنّ في هذا الفصل، يقع الطلاق بقولها «خريدم» كما في قوله: اخلعي نفسك بغير شيء وإشارة إلى أنَّ في قوله؛ اشترِ نفسك منّي روايتان: كما في قوله اخلعي نفسك وإذا قال لها «خوشتن خريدي أزمن» بمهرك، ونفقة عدتك، فقالت «خريدم» ولم يقل الزوج «فروحتم» ، قال بعض مشايخنا يتمّ الخلع، وقال بعضهم لا يتمّ.
وقال الفقيه أبو جعفر نسأل الزوج أنّه أراد بقوله «خريدى» التحقيق أو السوم، فإن قال: أردت السوم لا يتمّ الخلع، وإن قال أردت التحقيق يتمّ، وعن الفقيه أبي الليث ﵀ ما هو قريب عن هذا، فإنّه قال: لا يتمّ الخلع إلا إذا أراد بقوله «خريدي» التحقيق.
وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي عن شمس الأئمة السرخسي رحمهما الله أنّه كان يقول: يتمّ الخلع وإن لم يقل الزوج «فروحتم» ، وقد رأيت في «فتاويه» هكذا.
وصورة ما رأيت في «فتاويه» إذا قال لها: «خوشتن أزمن بهمّه حقّها خريدي» ، أو قال: «بجندين درم خريدي» فقالت «خريدم» ولم يقل الزوج «فروحتم» إن الخلع تام، ولو قال «خريدي» ولم يقل «بهمه حقها» ولا قال «بجندين درم» ، فقالت لا يتم الخلع ما لم يقل الزوج «فروحتم» ، والمعنى في ذلك أنّ تقدير كلامه «خوشتن خريدي كي من فروختم» وإذا، قال لها: اشتريت منّي ثلاث تطليقات بمهرك ونفقة عدّتك فقالت اشتريت أو قال لها خلعت نفسك منّي بكذا، فقالت: خلعت، والجواب فيها كالجواب في قوله: «خريدي» ، ولو قال لها «خوشين مي خريد بكذا» فقالت «خريدم» لا يتمّ الخلع ما لم يقل الزوج «فروحتم» ، وهذا باتفاق الأقول لأنَّ هذا للسوم خاصة ولا يحتمل التحقيق، وكذا إذا قالت: «خوشتن ميحزم» فقال الزوج «فروحتم» لا يتم الخلع.r
وفي «فتاوى الفضليّ» : امرأة قالت لزوجها اشتريت نفسي منك لما أعطيت، أو قالت: اشتر وأرادت الإيجاب دون العدّة، فقال الزوج أعاطيك كذا يقع الطلاق لأنَّ هذا يصلح جواباً ولو قالت بالفارسيّة، قالت: «إنَّ حرمي» وباقي المسألة بحالها تصح لا تنوي أنّها أرادت العدّة أو الإيجاب.
وإن قال حرم لا يصح ولا ينوي لأنَّ في الفارسيّة للإيجاب لفظاً، وهو قولها «حرمى» وللعدّة لفظ وهو قولها «حرم» ولا ينوي، فأمّا في العربية لفظهما واحد وهو قولها اشتري فينوي.
وفيها أيضاً إذا قالت: «خوشتن حرمي ان تو بمهري، ونفقة عدتي دأدى» فقال الزوج أرى وقعت الفرقة؛ لأنَّ قولها بالفارسية خرمي الإيجاب، وقول الزوج أرى جواب، فصار كأنّه قال «دادم» ولو قال أرى تتم لا تقع الفرقة.
стр. 1335
وفي «فتاوى النسفي» : إنَّ قولها «خرمي» ليس بإيجاب حتّى إنّها لو قالت «خوشتن خرمى» فقال الزوج «فروحتم» لا يتمّ الخلع ذكر الجهل أو لم يذكر؛ لأنّه للاستفهام إذا قالت لزوجها: «مر حقي مرابد تواست خوشتن خريدم» ، فقال الزوج «فروختم» لا يكون خلعاً بذلك المال، ولو قالت «به حقي» كان خلعاً ولو جرت العادة فيما بين النّاس أنّهم يريدون بقوله «صر حقي نهر حقي» يجب أن يصح الخلع والفتوى على أنه لا يصح إلا أن يكتب في الفتوى، كذا جرت العادة فحينئذٍ يفتى بالصحّة، وفي موضح آخر لو قالت «هر حقي» ك «مرااز تومى بايد خوشتن خريدم ازتو» ، أو قالت: «ميروين خوشتن خريدم ازتوا» فقال الزوج «فروختم» يكون خلعاً، ويلغوا قولها «حر حقي كه مرا ازنومى يايد وتصير كأنها ابتدأت فقالت: خويشتن خريدم ازتوا» أو قالت «سمرين خوشتن خريدم ازتو» .
وإذا قالت المرأة اختلعت نفسي بمهري ونفقة عدتي ولم تقل منك، فقال الزوج خلعت، ولم يقل خلعتك لا يكون هذا خلعاً صحيحاً كذلك إذا قال بالفارسيّة: «خوشتن خريدم» ، فقال الزوج «فروختم» لا يكون خلعاً صحيحاً ولو قال «فروخمت» فهو خلع صحيح، هكذا ذكر في «مجموع النوازل» عن شيخ الإسلام السغدي ﵀. قال لا بدّ من ذكر الإضافة من أحد الزوجين، وقاسه على ما إذا قال لها اختاري، فقالت: اخترت لا يقع شيء، ولو قال اختاري، فقالت اخترت نفسي أو قال اختاري نفسك فقالت اخترت وقع الطلاق.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا جرت مقدّمات الخلع بين الزوجين، فقالت المرأة بعد ذلك «خوشتن خريدم بعدت وكايين» فقالت الزوج «فروختم» تصح، وإن لم يقل منك، وعلى هذا البيع والنكاح، وحكي عن عمر النسفي أنّه قال: اتفق المشايخ في زماننا: أنَّ الخلع صحيح بغير الإضافة إلى أحدهما لكثرة الاستعمال من العامّة، وعدّهم هذا خلعاً صحيحاً فصار بمنزلة قولهم «مرجه بدست كيرم برمن حرام» ، وبمنزلة البيع والشراء إذا قال البائع بعت هذا، وقال المشتري اشتريت هذا، فإنَّ هناك يتمّ البيع كذا ها هنا.
وذكر في «المنتقى» : عن محمّد ﵀: إذا قالت المرأة لزوجها خلعت نفسي منك بألف درهم قالت ذلك ثلاث مرّات، فقال الزوج قد رضيت وأجزت كان ثلاثاً بثلاثة آلاف درهم، ولو قال الزوج للمرأة قد خلعتك على ما لك عليَّ من المال، قال ذلك ثلاث مرّات ولم يسمّ شيئاً فقالت المرأة قبلت ورضيت طلقت ثلاثاً، قال لأنّه لم يقع شيء إلا بقبولها (٢٦١أ١) .
وفيه أيضاً: إذا قال الرجل لامرأته: أخلعك، فقالت قد فعلت فهذا باطل حتّى يقول الزوج: قبلت، قال ثمّة: والخلع في هذا من جانب الرجل لا يشبه التزوّيج، يريد به أن الرجل إذا قال لامرأة: أتزوجك على مائة درهم، فقالت: فعلت فإنه ينعقد النكاح بينهما وإن لم يقل الزوج بعد ذلك قبلت.
стр. 1336
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمّد ﵀: امرأة قالت لزوجها اخلعني، فقال قد خلعتك بألف درهم لم يقع الخلع حتّى قبلت المرأة قال ثمّة: النكاح والخلع سواء إلا في قول الرّجل لامرأة زوجيني نفسك، فقالت زوجتك نفسي ولم يذكرا مالاً، فهذا الجواز في النكاح ولا يجوز في الخلع؛ لأنَّ النكاح يجوز بلا تسمية مال، بخلاف الخلع إذا قالت «خوشتن خريدم بكيين» ونفقة عدّة، فقال الزوج «يدر فيم» ، فقد قيل لا يقع الخلع لأنَّ كلام الزوج لا يصلح جواباً لكلامها، فكان ابتداء رجل قال لامرأته «من خوشتن بازتو بعدت وكايين خريدم» ونوى الطلاق فقالت المرأة «فروختم» ، فقد قيل صحّ الخلع كمن قال لامرأته أنا منك بائن ونوى الطلاق إنَّ هناك تطلق المرأة، وأكثر المشايخ على أنّه لا يصح الخلع؛ لأنّه ليس للزوج مهر ولا نفقة حتّى يصحّ قوله «فريدم بكايين» .
وهو نظير ما لو قال لعبده «خويشتن ازتو خريدم» فقال العبد «فروختم» ، فإنّه لا يعتق العبد، هكذا قالوا والمعنى الصحيح لمن يقول بعدم الصحّة أنّه أضاف الشراء إلى غير محلّه؛ لأنَّ الشراء لإثبات الملك فإنّما تصح إضافته إلى محلّ لا ملك فيه للمشتري، والزوج مالك نفسه فكيف يصح منه شراء نفسه.
نوع آخرمنه
إذا قال لها خالعتك، ولم يذكر المال أصلاً قالت قبلت لا يسقط شيء من المهر هذا جواب ظاهر الرواية. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده في أوّل إقرار «الكافي» ؛ إذا قال لها خالعتك، فقالت قبلت يقع الطلاق وتقع البراءة للزوج عن المهر إن كان عليه مهر، وإن لم يكن عليه مهر يجب عليها ردّ ما ساق إليها من المهر؛ لأنَّ المال مذكور عرفاً بذكر الخلع.
وإذا قالت بالفارسيّة: «خويشتن خريدم ارتو» ، فقال الزوج: «فروحتم» تقع تطليقة بائنة ولا ترد ما قبضت من المهر، وإن لم تقبض برىء الزوج من المهر لأنَّ الخلع أوجب البراءة، هكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» ، ورأيت في بعض الكتب أنَّ في براءة الزوج عن المهر إذا لم يذكر في الخلع شيئاً روايتان عن أبي حنيفة ﵀، والأصح هو البراءة، وفي «شرح الكافي» : أنَّ الزوج يبرأ عن المهر عند أبي حنيفة ﵀، وإن ما يذكر في الخلع شيئاً، ولا تسقط نفقة العدّة إلا بالذكر، وإذا قال لها خالعتك ونوى الطلاق يقع الطلاق، ولا يبرأ الزوج عن المهر بالاتفاق.
وإذا قال لها بالعربية: بعت لا يقع الطلاق ما لم يقل اشتريت، وإذا قالت اشتريت حتّى يقع الطلاق، فحكم المهر ما ذكرنا فيما إذا قال لها بالفارسية «مروحيمت» هذا إذا خالعها، ولم يذكر المال أصلاً.
وأمّا إذا خالعها على جميع مهرها والمهر مقبوض وذلك ألف درهم والمرأة مدخول بها كان عليها ردّ ما قبضت من المهر، أو ردّ مثله وإن كان غير مقبوض سقط عن الزوج جميع المهر؛ لأنّه وجب للزوج عليها ألف درهم لأنه خالعها على مهرها ومهرها ألف
стр. 1337
درهم، وكان للمرأة على الزوج مثل ذلك فيلتقيان قصاصاً، ولا يتبع أحدهما صاحبه بشيء من المهر بسبب الطلاق في الفصلين جميعاً، وإن لم يكن الزوج دخل بها فخالعها والمهر مقبوض، فالقياس أن يرجع الزوج عليها بألف وخمسمائة، ألف بدل الخلع وخمسمائة نصف المهر بالطلاق قبل الدخول، وفي الاستحسان يرجع عليها بألف درهم لا غير خمس مائة بدل الخلع وخمس مائة بالطلاق قبل الدخول، وإن كان المهر غير مقبوض فالقياس أن يرجع الزوج عليها بخمسمائة.
وفي الاستحسان لا يرجع عليها بشيء ويبرأ عن جميع المهر، وبيان وجه الاستحسان أنّه أضاف الخلع إلى مهرها ومهرها ما يجب لها بالنكاح والواجب لها بالنكاح متى ورد الطلاق قبل الدخول نصف المهر، وذلك خمس مائة، فكأنّه خالعها على ذمّة الزوج خمس مائة بعد الطلاق قبل الدخول فالتقيا قصاصاً، وإن كان مقبوضاً يرجع الزوج عليها بألف لا غير خمس مائة بدل الخلع، وخمس مائة بالطلاق قبل الدخول، كذا ها هنا هذا إذا خالعها على جميع مهرها.
وإن خالعها على بعض مهرها بأن خالعها على عشر مهرها مثلاً والمهر مقبوض، وذلك ألف درهم والمرأة مدخول بها فللزوج عليها من المهر مائة بدل الخلع، والباقي سالم لها وإن كان غير مقبوض سقط عن الزوج عشر الألف بدل الخلَع للاختلاف، وتسقط التسعة المائة الباقية بسبب أي المهر الخلع عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنَّ الخلع عنده يوجب براءة كل واحد منها عن صاحبه عن حقوق النكاح، سمّى ذلك في الخلع أو لم يسمّ وعندهما لا يسقط والتسعمائة الباقية؛ لأنَّ عندهما لا تسقط بالخلع إلا ما سمّيا فيه وإن لم يكن الزوج دخل بها والمهر مقبوض، فالقياس أن يرجع الزوج عليها أنَّ الستمائة بدل الخلع وخمس مائة بالطلاق قبل الدخول بها.
وفي الاستحسان: يرجع عليها بخمس مائة وخمسين درهماً؛ لأنّه أضاف الخلع إلى عشر مهرها وبالطلاق قبل الدخول تبيّن أنَّ مهرها خمس مائة، وأنَّ عشرها خمسون وكأنّه خالعها على خمسين، وإن كان المهر غير مقبوض فعلى قول أبي حنيفة ﵀ على حقّ أنَّ الاستحسان لا يرجع المرأة على الزوج بشيء وعلى قولهما على جواب الاستحسان، سقط عن الزوج خمسون درهماً بسبب الخلع ويرجع عليه بأربعمائة وخمسين بناءً على الأصل الذي مرّ، وعلى هذا القياس يخرج جنس هذه المسائل هذا إذا خالعها على جميع مهرها أو على بعض مهرها.
وإن بارأها على جميع مهرها، أو على بعض مهرها، فعند محمّد ﵀ الجواب فيه، كالجواب في الخلع لا يسقط إلا ما سميّا فيها، وعندهما (٢٦١ب١) الجواب فيها، كالجواب في الخلع على قول أبي حنيفة ﵀ حتّى برىء كل واحد منهما عن صاحبه عن جميع حقوق النكاح.
وأمّا إذا خالعها على مال مسمّى معروف سوى الصداق؛ فإن كانت المرأة مدخولاً بها والمهر مقبوض، فإنّها تسلم إلى الزوج بدل الخلع ولا يتبع أحدهما صاحبه بعد ذلك
стр. 1338
بشيء، وإن كان المهر غير مقبوض فالمرأة تسلّم إلى الزوج بدل الخلع، ولا ترجع على الزوج بشيء من المهر عند أبي حنيفة ﵀ طلاقاً لهما على الأصل الذي قلنا، وأمّا إذا كانت المرأة غير مدخول بها والمهر مقبوض فإن الزوج يأخذ منها بدل الخلع، ولا يرجع عليها بنصف المهر بسبب الطلاق قبل الدخول عند أبي حنيفة ﵀، وبهذا الفصل تبيّن أنَّ ما ذكر من جواب الاستحسان فيما إذا خالعها على مهرها والمرأة غير مدخول بها والمهر مقبوض قول أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله، وإن لم يكن المهر مقبوضاً يأخذ الزوج منها بدل الخلع، وهي لا ترجع على زوجها بنصف المهر عند أبي حنيفة خلافاً لهما.
وأمّا إذا بارأها بمال معلوم سوى المهر فالجواب فيه عند محمّد كالجواب في الخلع عنده، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف الجواب فيه كالجواب في الخلع عند أبي حنيفة.
وأمّا نفقة العدّة ومؤنة السكنى إن شرط ذلك في الخلع فالمبارأة تقع البراءة عليهما للزوج بلا خلاف، وإن لم يشترط ذلك في الخلع فالمبارأة لا تقع للمرأة بالإجماع، أمّا على قولهما فلا مشكل، وأمّا على قول أبي حنيفة فلأنَّ الخلع عنده إنّما يوجب البراءة عن حقوق قائمة وقت الخلع ونفقة العدّة تجب شيئاً فشيئاً، والخلع لا يمنع ثبوت حقّ بعده، وإن شرطا البراءة عن السكنى في الخلع لا يصح؛ لأنَّ السكنى في بيت العدّة حقّ الله تعالى وإسقاطها لا يعمل في حقّ الله.
وأمّا نفقة الولد وهي مؤنة الرضاع فلا تقع البراءة عنها إن لم يشترط ذلك في الخلع والمبارأة بالإجماع، وإن شرطا إن وقتا لذلك وقتاً بأن قال: إلى سنة، أو ما أشبه ذلك جاز، وإن لم يوقتا لا يجوز ولا تقع البراءة عنها، وأمّا دين آخر سوى المهر فلا تقع البراءة عنها في الخلع، والمبارأة بدون الشرط في «ظاهر الرواية» عن أبي حنيفة ﵀، وفي رواية الحسن عنه تقع البراءة عنه بدون الشرط.
وإذ قالت: «خويشتن خيدم بهر حقي كي مرا بد توايت» لا تقع البراءة عن نفقة العدّة؛ لأنَّ نفقة العدّة ليست لها عليها في الحال، وأمّا إذا طلقها بمال آخر سوى المهر فالجواب فيه عندهما كالجواب في الخلع، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فقد روى الحسن عنه أن كل واحد منهما يبرأ عن حقوق النكاح، وبه أخذ الفقيه أبو بكر البلخي ﵀. وفي «ظاهر الرواية» عنه لا يبرأ، وبه أخذ عامّة المشايخ. وأمّا إذا كان العقد بلفظة البيع بالعربية، أو الفارسيّة فعلى قولهما الجواب فيه كالجواب في الخلع.
وأمّا عند أبي حنيفة ﵀ فقد اختلفت المشايخ فيه، وإذا خالعها بما لها عليه من المهر وقع الطلاق، ظنّاً منه أنَّ لها عليه بقيّة المهر ثمَّ علم أنه لم يبق لها عليه من المهر وقع الطلاق على مهرها، فيجب عليها أن ترد المهر؛ لأنّه طلّقها بطمعٍ خالصٍ عليه، فلا يقع الخلع مجاناً.
ونظير هذا ما لو خالعها على عبدك الذي لك عبدي أو على متاعك الذي في يدي
стр. 1339
فإذا ليس في يديه شيء وقع الخلع على مهرها، إن لم تقبض المهر برىء الزوج عنه، وإن قبضت ردّت المهر عليه، فأمّا إذا علم الزوج أن لا مهر عليه وباقي المسألة بحالها يصح الخلع، ولا يرد على الزوج شيئاً، بمنزلة ما لو خالعها على ما في هذا البيت من المتاع والزوج يعلم أنّه لا متاع فيه، ذكره الصدر الشهيد ﵀ في الباب الأوّل من «الواقعات» .
وعلى هذا إذا قال لها: بعتك تطليقة بمهرك والزوج يعلم أنّه لم يبقَ لها عليه شيء من المهر، فاشترت هي يقع الطلاق رجعياً مجاناً، وإذا تزوّج امرأة على مهر مسمّى، ثمَّ طلقها بائناً ثمَّ تزوجها ثانياً على مهر آخر ثمَّ اختلعت من زوجها على مهرها يبرأ عن المهر الثاني دون الأوّل؛ لأنَّ الخلع وقع في هذا النكاح فينصرف إلى مهر هذا النكاح. وكذلك لو قالت بالفارسيّة: «خويشتن خريدم آزتو بكايين ويهمه حقها كحرابرتواست» لا تبرأ عن المهر الأوّل، والله أعلم بالصواب.
تمَّ هذا الكتاب بحمد الله وحسن توفيقه في يوم الخميس في شهر ذي القعدة سنة أربعين وثمانمائة الهجرية على يد العبد الفقير الحقير، على ابن حمشيد بن حسن......... في مدينة الكرمان يتلوا في الدفتر الآخر.
نوع آخر منه
إذا اختلعت المرأة من زوجها على شيء آخر سوى المهر مهر بين ما فيه من كتاب الطلاق،.... الأوّل: في بيان أنواعه. الثاني: في بيان شرط صحّته وحكمه. الثالث: في بيان من يقع طلاقه ومن لا يقع. الرابع: فيما يرجع إلى صريح الطلاق. الخامس: في الكنايات والمشيئة والتفويض. ويتصل به إيقاع الطلاق على المبانة، وعلى المطلقة بصريح الطلاق. السادس: في الإيقاع بالكتاب، والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله أجمعين الطيبين الطاهرين.
نوع آخر منه
إذا اختلعت المرأة من مهرها عن شيء آخر سوى المهر فهذا على وجوه: الأوّل: أن يسمّي في الخلع شيئاً لا قيمة له أصلاً نحو الخمر والخنزير والميتة والدّم، وفي هذا الوجه الخلع واقع، ولا شيء للزوج على المرأة؛ لأنّ الزائل بالخلع عن الزوج منافع البضع، ومنافع البضع غير متقوّمة في الأصل لعدم المماثلة، ولا تصير متقوّمة بنفس الخلع؛ لأنَّ الخلع بغير مال جائز، وإنّما تصير متقوّمة إذا سمّى في الخلع ما هو مال من كل وجه، والخمر وما أشبهها مال من وجه دون وجه؛ لأنّها إن كانت مالاً عند غيرنا فليس بمال عندنا، ولا يثبت التقوّم بتسميتها فوقع الخلع مجّاناً لهذا الوجه.
الوجه الثاني: أن يُسمّى في الخلع مالٌ احتمل أن يكون مالاً، وأن لا يكون (٢٦٢أ١)
стр. 1340
مالاً بأن اختلعت على ما في بيتها، أو على ما في يدها من شيء، فإن اسم الشيء كما يتناول المال يتناول غير المال، وفي هذا الوجه ينظر إن كان في يدها أو في بيتها في تلك السّاعة شيء فذلك للزوج، وإن لم يكن في بيتها ولا في يدها شيء فلا شيء للزوج، وهذا لأنَّ البدل في العقود لا يثبت إلا بالتسمية أو بمقتضى العقد، أو بالإشارة، ولم يوجد ها هنا تسمية المال ... ، وهذا ظاهر، ولا مقتضى العقد فإنَّ الخلع بغير مال صحيح، وكذلك لم توجد الإشارة إلى المال، فلم يثبت ذكر المال أصلاً، فلهذا يقع الخلع مجّاناً، وكذلك إذا اختلعت على ما في بطون غنمها أو جاريتها ولم ينصّ على الولد؛ فإن ما في البطن قد يكون مالاً، وقد لا يكون بأن تكون ريحاً.
الوجه الثالث: إذا سمّت في الخلع ما هو مال، إلا أنّه ليس بموجود في الحال، وإنّما توجد في الثاني بأن اختلعت على نمو نخيلها العام أو على ما تلد أغنامها العام، أو على ما تكسب العام، وفي هذا الوجه وجب عليها ردّ ما قبضت من المهر وجد ذلك أم لا؛ لأنَّ المعدوم لا يصح ذكره عوضاً في شيء من العقود فيبقى مجرّد تسمية ما هو مال متقوّم، وذلك يوجب ردّ ما قبضت من المهر على الزوج لما نُبَيِّن بعد هذا إن شاء الله.
الوجه الرّابع: إذا سمّت في الخلع ما هو مال لا يتعلق وجوده بالزمان إلا أنّه مجهول لا يقف على قدره، بأن اختلعت على ما في بيّتها أو يدها من المتاع، أو اختلعت على ما في نخيلها من الثمار، أو اختلعت على ما في بطون غنمها من ولد، أو على ما في ضرع غنمها من لبن، وفي هذا الوجه إن كان هناك ما سمّت في الخلع فللزوج ذلك، وإن لم يكن هناك شيء لزمها ردّ ما قبضت من المهر؛ لأنّه صار مغروراً من جهتها تسمية ما هو مال، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة هذه الأشياء بجهالتها نفسها، ولا يمكن الرجوع إلى قيمة البضع عند الخروج عن ملك الزوج فوجب الرجوع إلى ما قام على الزوج، وذلك ما أعطاها من المهر.
الوجه الخامس: إذا سمّت في المتاع ما هو مال، وله مقدار معلوم بأن اختلعت على ما في يدها من دراهم، أو دنانير، أو فلوس، فإنَّ أوّل ما يطلق عليه اسم الدراهم ثلاثة، فإن كان مقداره معلوماً، وفي هذا الوجه ينظر إن كانت في يدها ثلاثة دراهم فصاعداً فللزوج ذلك، وإن لم يكن في يدها شيء من ذلك فله ثلاثة......... من الدراهم والدنانير وعدداً من الفلوس، وإنّما أوجبنا أوّل ما يطلق عليه اسم الدراهم والدنانير؛ لأنّها تلتزم بمقابلة ما ليس بمال ولا متقوّم، فكان هذا في حقّها.... الإقرار والوصيّة.
ومن أقرّ لغيره بدراهم أو أوصى له بدراهم، فإنّه يلزمه ثلاثة دراهم، وإن كان في يده درهمان يؤمر بإتمام ثلاثة دراهم؛ لأنها ذكرت ما التزمت باسم الجمع والمثنى إن كان فيه معنى الجمع فليس بجمع مطلق، فإنّ التثنية غير الجمع.
стр. 1341
فإن قيل: قد ذكرت في كلامها كلمة (من) وإنّها للتبعيض والدرهمان بعض الجمع، ولا تلزمها الزيادة عليها.
قلنا: كلمة من إنها تذكر للتبعيض في كل موضع كان الكلام صحيحاً بدونها، أمّا في كلّ موضع كان الكلام مختلاً بدونها فكلمة من تكون صلة تصحيحاً للكلام، وها هنا الكلام يختلّ بدون كلمة من، فإنّها تصير قائلة: اخلعني على ما في يدي دراهم، وهذا كلام مختل فجعلناها صلة فبقي لفظ الجمع في الدراهم معتبراً.
جواب آخر: أنَّ كلمة من في مسألتنا عملت مرّة في التمييز؛ لأنّها دخلت على ما هو عام وهو قولها على ما بدىء فبقولها من الدراهم ميّزت الدراهم من غيرها، وإذا عملت في التمييز مرّة لا تعمل في التبعيض مرّة أخرى، وإذا لم تعمل هذه الكلمة في تبعيض الدراهم صار ذكرها في حقّ الدراهم ولا ذكر بمنزلة، ولو لم تذكر كلمة من وقالت: اخلعني على ما في الدارهم التي في يدي لزمها ثلاثة دراهم؛ لأنّه أقل ما يطلق عليه هذا الاسم.
الوجه السادس: إذا سمّت في الخلع ما هو مال، وأشارت إلى ما ليس بمال بأن اختلعت على هذا الدن من الخلّ فإذا هو خمر، وفي هذا الوجه: إن علم الزوج بكونه خمراً فلا شيء له، وإن لم يعلم رجع عليها بالمهر الذي أعطاها، وعندهما له مثل ذلك الدن من الخلّ، كما في الطلاق.
نوع آخر فيما يصلح جواباً، وما لا يصلح جواباً
رجل قالت له امرأته: اخلعني أو قالت: «خويشتن خريدم آزتو بعدت وكايين» وقال الرجل: أنتِ طالق، أو قال: طلقتك، يقع تطليقة بائنة؛ لأنَّ هذا خرج مخرج الجواب وإنّه يصلح جواباً فيجعل جواباً.
في «فتاوى أبي الليث» ، وفي «مجموع النوازل» عن شيخ الإسلام أبي الحسن ﵀: أنّه تقع تطليقة رجعيّة، ولم يجعله جواباً والصحيح هو الأوّل، وهكذا كان يُفتي شيخ الإسلام الأوزجندي ﵀، وكذلك إذا قال لها: بعت منك طلاقك بمهرك التي لك عليّ، فقالت: طلقت نفسي، يقع طلاق بائن بمهرها، بمنزلة قولها: اشتريت، لأنَّ هذا يصلح جواباً فيجعل جواباً.h
وفي «فتاوى النسفي» إذا قالت المرأة لزوجها: «خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدة» ، وقال الزوج: «من دست كوتاه كردم» أنّه لا يكون جواباً، وقيل ينبغي أن يكون جواباً إذا نوى الجواب أو نوى الطلاق. قال لها: بعت منك تطليقة بمهرك ونفقة عدتك، فقالت المرأة: «بحان خريدم» يصحّ الخلع، ويقع الطلاق؛ لأنَّ هذا جواب على سبيل المبالغة، كقولها: «بارز وخريدم المتوسطون» . إذا قالوا للمرأة «بهر حقّي كه ربان راد ركردن شوبان بود بيك طلاق خويشتن خريدي» فقالت: «خريدم» ، فقال الزوج: «من يك
стр. 1342
طلاق نسيت داوم» والمرأة مدخولة بها يقع تطليقة رجعية؛ لأنّه لو وقع تطليقة بائنة لا يكون سنة، فيكون هذا ابتداء كلام من الزوج، لا جواب سؤالها.
هكذا ذكر في «فتاوى سمرقند» : ... إلا أنَّ هذا الجواب إنّما يستقيم على رواية «الأصل» ؛ لأنَّ على رواية «الأصل» : الثاني ليس بشيء، وأمّا على رواية زيادات «الزيادات» : البائن شيء، ولا يستقيم هذا الجواب على تلك الرواية، إذا قال لامرأته «بهر حقي كه زنان رادر كردن شوعان بود خويشتن آزمن خريدي» فقالت: «خريدم» ، فقال الزوج: (٢٦٢ب١) «روا كنون» لا يقع الطلاق؛ لأنّ قوله «رواكنون» لا يحتمل الخلع؛ لأنّه يحتمل إظهار النفرة عنها لما علم بمقالتها، ولا يقع الطلاق إلا بالنيّة في هذا الموضع أيضاً، وهذا الجواب إنّما يستقيم على قول من يقول في قوله «خويشتن خريدي» ، فقالت «خريدم» فإنّه لا يتمّ الخلع أيّضاً، وعلى قول من يقول يتمّ الخلع لا يستقيم هذا الجواب، وكذلك إذا قالت: «خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدة» ، فقال الزوج: «رو» لا يقع الخلع ولا يكون قوله «رو» جواباً إلا بالنيّة.
امرأة قالت لزوجها «خويشتن خريدم» ، فقال الزوج بطريق الاستهزاء: «دارهان فرو حيت» ، فقد قيل: الخلع صحيح. والجدّ والهزل والقصد وغير القصد فيه سواء. وإذا قالت لزوجها «هويشتن خريدم بعدت كايين» ، فقال الزوج «فروختم بسه طلاق» فهذا ابتداء كلام من الزوج وليس بجواب فيتوقف على قبولها، فإن قبلت يقع الثلاث وإلا لا يقع شيء، إلا إذا كانت المرأة نوت الشراء بثلاث تطليقات، فحينئذٍ يصحّ الخلع، ويكون كلام الزوج جواباً فتقع الثلاث وكانت واقعة الفتوى.
امرأة قالت لزوجها «خويشتن خريدم آزتو سكى حانادى» ، فقال الزوج «زمن سكى كرده فروحتم» فقيل: إن كانت الكردة مثل الحانادي أو أصغر منه يكون جواباً، وإن كان أزيد منه لا يكون جواباً بل يكون ابتداءً، فيحتاج فيه إلى قبول المرأة، وإن كانت الكردات مختلفة يسأل الزوج: «كدام كرده خواشتي» ، ويبق الحكم عليه، وإن قال: لم أرد نوعاً منها بعينه إن قيل: لا يجعل جواباً فله وجه، وإن قيل: يجعل جواباً يصرف كلامه إلى أصغر الأنواع فله وجه أيضاً، قال له: «خويشتن بخر بعدت وكايين» فقالت: «خريدم بكايين» لا يقع الخلع ما لم يقل الزوج بعت؛ لأنّ هذا الكلام من المرأة ليس بجواب؛ لأنّها زادت حرف الجواب، فإنّه يكفيها أن تقول: «خريدم» ولو قالت: «خريدم بعدت وكايين» يقع الخلع، فإن لم يقل الزوج بعت، فيجعل ذلك منها جواباً وإن زادت على حرف الجواب إلا أنّها ما قصدت على التمام بل أعادت جميع ما في السؤال، والزيادة على حرف الجواب إنّما يمنع الجواب إذاً، فيصير المجيب عن التمام بأن لم يعد جميع ما في السؤال، وأمّا إذا عاد جميع ما في السؤال لا يمنع الجواب، وهذا أصل معروف.
في «الجامع» : امرأة قالت لزوجها: «خو يشتن خريدم قروش» ، فقال الزوج: فعلت، يكون خلعاً، ولو لم يقل: «قروش» لا يكون خلعاً، هكذا قيل وفيه نظر، وفي «فتاوى الأصل» : امرأة قالت لزوجها: اختلعت منك بكذا، وهو ينسج كرباس فجعل ينسج ويخاصم ثمَّ قال: خلعتك، إن لم يطل، فهذا جواب، وقيل: هو جواب وإن طال إذا كانت كلماتهم تتعلّق بالخلع، وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي ﵀: أنّه سئل عن امرأة قالت لزوجها: اشتريت رأسي بكذا، فقال الزوج بعد اشتغال بكلمات: بعت، قال: إن كان كلامهم يتعلّق بالخلع، لا يتبدّل المجلس.
وفي «مجموع النوازل» : إذا قالت المرأة «خويشتن خريدم بعدت وكايين» ، فقال الزوج «بيك آند» فهذا ليس بجواب، وفيه أيضاً: «خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدت» ، فقال الزوج «فروختم باين وبسه عطريف ديكر» ، فقالت المرأة: «آند» ، فهذا خلع تام؛ لأنَّ كلامهما الأوّل وقع معتبراً، كلام الزوج جواب شرط الزيادة، وقوله: «آند» دليل الرضا بالزيادة، فلهذا تمّ الخلع، قالت: «خويشتن خيدم بمهري ونفقة عدتي» ، فقال الزوج: «فروحتم بحكم خويشن» فهذا خلع تامّ. إذا قالت: «خويشتن خريدم بعدت وكايين» ، وقال الزوج «فروحته كير» ، فهذا خلع تام، وهذا إذا أراد به الزوج التحقيق، وقد مرّت المسألة من قبل.
امرأة قالت لزوجها «خويشتن خريدم آزتو سكى حانادى» ، فقال الزوج «زمن سكى كرده فروحتم» فقيل: إن كانت الكردة مثل الحانادي أو أصغر منه يكون جواباً، وإن كان أزيد منه لا يكون جواباً بل يكون ابتداءً، فيحتاج فيه إلى قبول المرأة، وإن كانت الكردات مختلفة يسأل الزوج: «كدام كرده خواشتي» ، ويبق الحكم عليه، وإن قال: لم أرد نوعاً منها بعينه إن قيل: لا يجعل جواباً فله وجه، وإن قيل: يجعل جواباً يصرف كلامه إلى أصغر الأنواع فله وجه أيضاً، قال له: «خويشتن بخر بعدت وكايين» فقالت: «خريدم بكايين» لا يقع الخلع ما لم يقل الزوج بعت؛ لأنّ هذا الكلام من المرأة ليس بجواب؛ لأنّها زادت حرف الجواب، فإنّه يكفيها أن تقول: «خريدم» ولو قالت: «خريدم بعدت وكايين» يقع الخلع، فإن لم يقل الزوج بعت، فيجعل ذلك منها جواباً وإن زادت على حرف الجواب إلا أنّها ما قصدت على التمام بل أعادت جميع ما في السؤال، والزيادة على حرف الجواب إنّما يمنع الجواب إذاً، فيصير المجيب عن التمام بأن لم يعد جميع ما في السؤال، وأمّا إذا عاد جميع ما في السؤال لا يمنع الجواب، وهذا أصل معروف.
في «الجامع» : امرأة قالت لزوجها: «خو يشتن خريدم قروش» ، فقال الزوج:
стр. 1343
فعلت، يكون خلعاً، ولو لم يقل: «قروش» لا يكون خلعاً، هكذا قيل وفيه نظر، وفي «فتاوى الأصل» : امرأة قالت لزوجها: اختلعت منك بكذا، وهو ينسج كرباس فجعل ينسج ويخاصم ثمَّ قال: خلعتك، إن لم يطل، فهذا جواب، وقيل: هو جواب وإن طال إذا كانت كلماتهم تتعلّق بالخلع، وحكي عن شمس الإسلام الأوزجندي ﵀: أنّه سئل عن امرأة قالت لزوجها: اشتريت رأسي بكذا، فقال الزوج بعد اشتغال بكلمات: بعت، قال: إن كان كلامهم يتعلّق بالخلع، لا يتبدّل المجلس.
وفي «مجموع النوازل» : إذا قالت المرأة «خويشتن خريدم بعدت وكايين» ، فقال الزوج «بيك آند» فهذا ليس بجواب، وفيه أيضاً: «خويشتن خريدم آزتو بكايين ونفقة عدت» ، فقال الزوج «فروختم باين وبسه عطريف ديكر» ، فقالت المرأة: «آند» ، فهذا خلع تام؛ لأنَّ كلامهما الأوّل وقع معتبراً، كلام الزوج جواب شرط الزيادة، وقوله: «آند» دليل الرضا بالزيادة، فلهذا تمّ الخلع، قالت: «خويشتن خيدم بمهري ونفقة عدتي» ، فقال الزوج: «فروحتم بحكم خويشن» فهذا خلع تامّ. إذا قالت: «خويشتن خريدم بعدت وكايين» ، وقال الزوج «فروحته كير» ، فهذا خلع تام، وهذا إذا أراد به الزوج التحقيق، وقد مرّت المسألة من قبل.
نوع آخر
رجل قال لامرأته: كلّ شيء سألني الله تعالى من أجلك سبب المهر وغيره «ترفرو ختم بان طلاق كيه آن توست» ، فقالت المرأة: اشتريت مرّة يقع الطلاق؛ لأنّه باع منها ما هو حقّها ولا يصحّ، كما لو قال لغيره: بعت منك خادمك هذا بعبدي هذا.
في «فتاوى أبي الليث» : ولو قالت: بعت منك مهري، ونفقة عدّتي اشتريت، فقال اشتريت «خيزورو» فقامت المرأة وذهبت فالظاهر أنّها لا تطلق؛ لأنّه ما باع نفسها ولا طلاقها منها، وإنّما اشترى مهرها، وهذا لا يكون طلاقاً في هذا الموضع أيضاً، وهذا إذا لم ينوِ الزوج بقوله «خيزورو» الطلاق.
إذا قال الرّجل لامرأته: بعت منك ثلاث تطليقات بمهرك ونفقة العدّة، فقالت المرأة مجيبة له: بعت، ولم تقل اشتريت، أو كان كأنّها بالفارسية فقال الزوج: «فروحتم سنه طلاق بكايين ونفقة عدّت تو» فقالت: «فروحتم» ولم تقل: «خريدم» ، قال الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀: «أنت بهمه» ، كأنّها قالت: بعت مهري ونفقة عدتي بهذه التطليقة، وقال الفقيه أبو الليث ﵀ لا يقع؛ لأنّ كلامها لا يصح جواباً فكان ابتداء، وقول الفقيه أبي بكر أحب إلينا. إذا قال لها: بعت منك تطليقة، فقالت: اشتريت، تقع تطليقة رجعية مجّاناً، ولو قال: بعت منك نفسك، فقالت: اشتريت، تقع تطليقة بائنة؛ لأنَّ قوله بعت نفسك من كنايات الطلاق، وقوله بعتك تطليقة صريح. وإذا قالت: بعت منك مهري بتطليقة، فقال الزوج: اشتريت، تقع تطليقة بائنة. امرأة قالت لزوجها: «سيح روز ينست كه از خويشتن نمي حرم» ، فقال الزوج: «من ينومي فروشم» لا يصحّ الخلع.
ولو قالت: «مردوز خويشتن في خرم» فقال الزوج «من ينومي فروشم» يصحّ الخلع،
стр. 1344
وقد قيل: لا يصح الخلع في الوجهين وهو الأصح. قالت لزوجها: «خويشتن خريدم آزتو ناوندي درهم فعلان سبه ناره جاه» ، فقال الزوج: «فروختم تران كه ناده روزان حامها بمن وده روز كدشت ونداد» هل يصحّ الخلع؟ فقد قيل: لا يصحّ. وقال نجم الدين ﵀: الخلع صحيح تامّ؛ لأنَّ الشرط هو القبول دون الإعطاء منها وهو الصحيح، وقد مرّ جنس هذا في الفصل المتقدّم.
رجل قال لامرأته: «فروختي آين رزو سراي (٢٦٣أ١) بدان طلاق كه ترا سوى منست» ، فقالت: «فروختم» ، فقال الزوج «خريدم» طلقت ثلاثاً، لأنَّ الطلاق الذي لها عنده الثلاث. قال: ألا يرى أنّه لو قال لها: مالك عندي من الوديعة دخل كل وديعة لها عنده؟ كذا ها هنا. هكذا ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» قالوا: إنّما يقع الثلاث إذا نوى الزوج والمرأة الثلاث، قال لها: بعت منك تطليقة بجميع مهرك، وبجميع ما في البيت غير ما عليك من القميص، فاشترت المرأة وكان عليها سوار وخلخال، فالخلع واقع، وما عليها من كسوتها وحليتها ما استثنى، وما لم يستثني فهو لها؛ لأنّ ما في البيت لا يراد به ما عليها.
إذا قال الرّجل لامرأته: اخلعي نفسك منّي بمهرك ونفقة عدّتك، ولغتها بالعربيّة حتّى قالت: اختلَعت منك بالمهر ونفقة العدّة وأبرأتك عن المهر ونفقة العدّة وهي لا تعلم بذلك. ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» أنّه إن قبل الزوج صحّ، وإن لم يقبل لا يصحّ؛ لأنَّ قوله اخلعي نفسك بالمهر ونفقة العدّة توكيل، والتوكيل لا يعمل بدون العلم من الوكيل، فإذا قالت اختلعت نفسي منك بالمهر ونفقة العدة كان هذا ابتداء إيجاب منه فيصحّ وإن لم يعلم بذلك، كمن طلّق أو أعتق أو دبّر وهو لا يعلم، وإذا صحّ الإيجاب يتوقف عمله على قبول الزوج، فإن قبل صحّ، ويبرأ عن المهر والنفقة فيما مضى بالإبراء صريحاً. وبعض مشايخنا على أنّه لا يصح الخلع، ولا يبرأ الزوج عن المهر إذا لم تعلم المرأة بذلك وهو الصحيح؛ لأنَّ الخلع معاوضة فصار بمنزلة البيع، والعوامّ لو قالوا: بعنا واشترينا ولا يعلمون ذلك لا يصح، بخلاف الطلاق والعتاق؛ لأن كل واحد منها إسقاط محض، والخلع ليس بإسقاط محض بل فيه معنى المعاوضة فكان.... البيع، ولا.... الطلاق والعتاق فلا يصحّ من غير علم لهذه.
رجل قال لامرأته: بعت منك تطليقة بثلاثة آلاف درهم، ثمَّ قال لها ثالثاً مثل ذلك، فقالت: اشتريت، والزوج يقول: أردت بذلك التكرار، لا يصدّق، ويقع ثلاث تطليقات، ولا يجب عليها إلا ثلاثة آلاف درهم، لأنَّ الأوّل وإن كان ثانياً أو الثاني والثالث صريح ولا يجب البدل بهما لانعدام شرط وجوب البدل بهما، وهو زوال الملك بهما لزواله بالطلاق الأوّل، وصريح الطلاق إذا لم يجب به المال يلحق الثاني بلا خلاف.
ولو قال لها: بعت منك هذا الثوب بمهرك ونفقة عدّتك، فقالت اشتريت ثمَّ طلقها،
стр. 1345
فبيع الثوب باطل بجهالة نفقة العدّة، ويقع الطلاق رجعيّاً؛ لأنَّه أتى بصريح الطلاق.
وفي «الأصل» : إذا قالت بعني طلاقي كلّه بألف درهم، فقال: بعت، وقع ثلاث تطليقات، وله ألف درهم سواء قبلت المرأة بعد ذلك أو لم تقبل وهو الصحيح؛ لأنَّ معنا قولها: بعني طلاقي كلّه بألف درهم، طلقني ثلاثاً بألف درهم، ولو قالت: طلقني ثلاثاً بألف درهم، فقال: طلقت، لا يحتاج إلى قبول المرأة بعد ذلك، كذا ها هنا، والله أعلم.
نوع آخر في العوارض بعد وقوع الخلع
ذكر في «فتاوى أبي الليث» : أنَّ من خلع امرأته على مال، ثمَّ زادت في بدل الخلع أنَّ الزيادة باطلة، لأنَّ هذه زيادة بعد هلاك المعقود عليه، وبهذا الطريق لم تصح الزيادة في بدل الصلح عن دم العمد. وفي «فتاوى النسفي» : سئل نجم الدين ﵀ عمّن خلع امرأته ثمَّ قال في العدّة: «دادمت سه» ، ولم يزد على هذا هل تطلق ثلاثاً؟ قال: إن نوى الطلقات الثلاث تطلق ثلاثاً، وإلا فلا. قال: لأنّه لم يتلفّظ بالطلاق فصار كأنّه قال لها: أنت واحدة، وهناك لا يقع الطلاق بغير نيّة فهنا كذلك، قيل: ينبغي أن لا يقع الطلاق مع النيّة؛ لأنَّ قوله «دادمت سه» ليس بصريح بل هو من جملة الكنايات، ولهذا شرطت النيّة، والكنايات لا تلحق المختلعة.
قال: الكنايات التي تقع بائناً لا تلحق المختلعة، وأمّا الكنايات التي تقع رجعيّاً، نحو قوله: اعتدي، اسبرئي رحمك وأنت واحدة لمجيئها، وهذا لأنَّ صحّة هذا اللفظ بالإضمار، فإنَّ معنى قوله: «دادمت سه» «دادمت سه» طلاق كأنّه صرّح بالطلاق، وصريح الطلاق يلحق البائن، والخلع قبل الواقع.
قوله «دادمت سه» مع النيّة الثلاث والثلاث تكون بائن، والمختلعة لا يلحقها البوائن، قال: المضمر صريح الطلاق، وصريح الطلاق لا يكون بائناً، وإنّما تثبت البينونة لا لأنَّ اللفظ للبينونة، لكن لأنَّ الواقع الثلاث.... إلا نوى أنّه لو طلقها مرتين ثمَّ قال لها أنتِ طالق صحّ، فإن كان يصير به ثلاثاً لما أنّه صريح كذا ها هنا. هكذا حكي عنه ﵀، وأظنُّ أنّه لا حاجة إلى هذا التكلّف، لأنّ الواقع بقوله «دادمت سه» مع نيّة الثلاث إذا سبقه الخلع تطليقتان، وأنهما لا تكونان بائنتان.
رجل خلع امرأته فقال لها بالفارسيّة «ديكر يده» ، فقال الزوج.... قال أبو بكر ﵀: تقع الثلاث وصار كأنّه قال طلّق الباقي، وقال الفقيه أبو الليث ﵀: وعندي أنّه يقع تطليقة أخرى لا غير؛ لأنَّ قوله «ديكر يده» بمنزلة قولها طلقها أخرى.
إذا باع من إمرأته تطليقة بمهرها ونفقة عدّتها واشترت هي كذلك، ثمَّ قال الزوج من
стр. 1346
ساعته «هرسه هرسه» ، فخاف أن يقع عليه الثلاث. هكذا ذكر في «النوازل» ؛ لأنَّ قوله «هرسه هرسه» ينصرف إلى الطلاق؛ لأنّه السابق ذكره فصار كأنّه قال: «أوقعت هرسه طلاق» ، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذ خلع إمرأته بتطليقة واحدة، فقال له رفقاؤه لِمَ فعلت هكذا؟ فقال بالفارسيّة «روسه باد» لا يقع بهذا الكلام شيء؛ لأنَّ هذا ليس بإيجاب.
وفي «فتاوى الفضلي» : إذا خالع إمرأته فقيل له: كم نويت؟ فقال شاءت، فإن لم يؤكد الزوج طلقت واحدة؛ لأنَّ تفويض المشيئة إليها ليس بشيء. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا قالت لزوجها اخلعني، وقالت بالفارسيّة «سه خوام» ، فقال الزوج «سه باد» ، ثمَّ خالعها بعد ذلك تطليقة تقع واحدة؛ لأنّه لم يقع بقول «سه باد» شيء، يعني الحكم للخلع وأنّه وقع بالواحدة، والله أعلم (٢٦٣ب١) .
نوع آخر منه
ذكر ابن سماعة عن محمّد ﵀ في امرأة اختلعت من زوجها بِمَالَها على الزوج من المهر والرضاع للولد التي هي حامل به إذا ولدته لسنتين، وذلك جائز، فإن ولدته فمات أو لم يكن في بطنها ولد منه، فإنّها تردّ قيمة الرضاع، قال بعد هذا ولو مات الولد أو ماتت بعد بيّنة، عليها قيمة رضاع ببيّنة، ولو شرطت أنّها إن ولدته ثمَّ مات قبل الحولين، فهي ترثه من قيمة الرضاع، فذلك جائز وهذا ممّا يجوز في الخلع.
قال بعد هذا: وكذلك لو قالت: على أن أحملك على دابتي هذه إلى مكّة، فإن بدا لك أن تخرج، ولا.... على فهو جائز.
وروى أبو سليمان عن محمّد عن أبي حنيفة ﵏ في المرأة تختلع من زوجها بنفقة ولد له منها ما عاشوا، فإنَّ عليها أن تردّ المهر الذي أخذت منه.
وروى هشام عن محمّد فيمن خلع امرأته على رضاع ابنه، ولم يسمّ لذلك وقتاً قال هو جائز وهو على سنتين.
ولو خلعها على رضاع ابنه سنتين، وعلى نفقة ابنه هذا عشر سنين يعني بعد الفطام. قال: فهو قبل السن هذا مجهول، قال: هذا يجوز في الطلاق.
وعلى هذا إذا خلعها على أن تمسك الولد سنتين وعلى أن تكسوه من مالها في هاتين السنتين، فالخلع جائز بهذا الشرط وإن كانت مجهولة لما ذكرنا، وإذا جاز الخلع بهذا الشرط فطلبت من الزوج كسوة الولد لم يكن لها ذلك، وإن لم تشترط ذلك في الخلع فلها أن تطالبه بكسوة الولد.
ولو خلعها على مهر وعلى أن ترضع الصبي في الحولين كلّ شهر بدرهم جاز، وتجبر المرأة على الرضاع يعني تجبر لأنّه لو لم تذكر للرضاع بدلاً معلوماً جاز، فهذا أولى.
стр. 1347
وفي «النوازل» : اختلعت من زوجها على مهرها ونفقة عدّتها، وعلى أن تمسك ولدها منه ستَّ سنين بنفقتها، فلما مضى عليها أيّام ردّت الولد على الزوج، أجبرت هي على إمساك الولد؛ لأنَّ الخلع بهذا الشرط قد صحّ فيجب عليها الوفاء بالشرط، وإن تركته على الزوج وتوارت وهربت فللزوج أن يأخذ قيمة النفقة منها؛ لأنها امتنعت عن إبقاء بدل الخلع، فيجب عليها قيمة البدل، كما لو اختلعت على عبد ومات العبد كان عليها قيمة العبد، كذا ها هنا.
وإذا طلّقها على أن تمسك ولده إلى وقت الإدراك ثمَّ إنّها أبت إمساك الولد أجبرت عليه، وإن أبت فعليها آخر مثل إمساكه إلى وقت الإدراك، وبعض مشايخنا قالوا: إذا وقع الخلع على إمساك الولد، وهو رضيع إن بيّن المدّة يصح وإن لم يبيّن المدّة لا يصح، وإنّه يخالف رواية هشام عن محمّد رحمهما الله على ما ذكرنا. وكذلك قالوا: إذا وقع الخلع على إمساك الولد وهو فطيم بنفقتها لا يجوز وإن بيّن المدّة، وإنّه يخالف رواية هشام عن محمّد، ويخالف المذكور في «مجموع النوازل» .
وإذا اختلعت من زوجها على أن تترك ولدها عند الزوج، فالخلع جائز والشرط باطل في باب الولد عند من يكون في الفرقة.
نوع آخر
رجل خلع ابنته الصغيرة عن زوجها على مالها لم يجز؛ لأنَّ الخلع على مالها بمنزلة التبرّع بمالها؛ لأنّه يُقابل ما لها بما ليس بمتقوّم؛ لأنَّ منافع البضع لا قيمة لها عند الخروج على ملك الزوج، والأب لا يملك التبرّع بمال الصغير والصغيرة، ثمَّ قول محمّد ﵀ في «الكتاب» إذا خالعها على مالها لا يجوز محتمل يحتمل أن لا يصحّ الخلع أصلاً، ولا يقع الطلاق، ويحتمل أن لا يصح جعل مالها بدلاً ويقع الطلاق، وقد اختلف المشايخ فيه، وقيل عن أصحابنا ﵏: فيه روايتان: في رواية يقع الطلاق، وبه أخذ بعض المشايخ؛ لأنّه علّق الطلاق بقبول الأب، ولو علّق بشرط آخر هو فعل الأب كدخول الدار يقع الطلاق إذا وجد الشرط، كذا ها هنا. ولكن لا يجب المال؛ لأنَّ بدل الخلع تبرّع ومال الصغير لا يقبل التبرّع، ومنهم من قال لا يقع الطلاق إلا إذا قبلت الصغيرة عند الخلع؛ لأنَّ الأب إذا لم يضمن بدل الخلع كان هذا خلعاً مع....، كأنّه خاطب الأثبت بذلك، فيتوقّف على قبولها والأوّل أصحّ، ولو خالعها على ألف وهي صغيرة على أنَّ الأب ضامن الألف، فالخلع واقع والألف واجب على الأب؛ لأن الأب لا يكون أدنى حالاً من الأجنبي، واشتراط بدل الخلع على الأجنبي صحيح، فكذا على الأب من طريق الأولى.
ولو خالعها على ألف درهم وقبل الأب الخلع، ولكن لم يضمن بدل الخلع لا رواية في هذا الفصل عن محمّد، وقد اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: لا يقع الطلاق
стр. 1348
ما لم تقبل الصغيرة، وقال بعضهم: يقع الطلاق بقبول الأب، ويجب المال على الأب؛ لأن عبارة الأب عنها في صغرها كعبارتها في كبرها، ولو قبلت بعدما كبرت وقع الطلاق ولزمها المال، فكذا إذا قبل الأب، وقال بعضهم: يقع الطلاق بقبول الأب، ولا يجب المال على الأب أصلاً لعدم الضمان وعلى الصغيرة؛ لأنَّ الصغيرة لا تحتمل التبرّع، وإذا خلعها الزوج على مهرها وهي صغيرة وقبل الأب وضمن ذلك يتمّ الخلع بقبول الأب، ويقع الطلاق ويجب بدل الخلع على الأب كما لو كانت بالغة، فبعد ذلك ينظر إن لم يدخل بها الزوج كان لها على الزوج نصف الصداق، تأخذ ذلك منه إذا بلغت ثمَّ يرجع الزوج على الأب بذلك، وإن دخل بها الزوج كان لها على الزوج جميع الصداق، ثمَّ يرجع الزوج على الأب، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: أو يرجع الأثبت على الأب بنصف الصداق في الفصل الأوّل، وتملك الصداق في الفصل الثاني، ولا يرجع على الزوج.
قال ﵀ أيضاً من مشايخنا من قال: تأويل المسألة (٢٦٤أ١) إذا خالعها على مال مثل صداقها، وأمّا إذا خالعها على الصداق لا يجوز الخلع أصلاً، قال ﵀: والأصح أنَّ الخلع على صداقها، وعلى مال مثل صداقها سواء، وكتبت في كتاب الجعل إذا وقع الخلع على صداقها، وله يضمن المخالع للصداق للزوج لا شكَّ أنّه لا يسقط صداقها بهذا الخلع، وهل تقع البينونة يُنْظَر إن قبلت الصغيرة عند الخلع وكانت من أهل ذلك بأن كانت تقبل العقد وتعتبر يقع الطلاق بالاتفاق، وإن لم تقبل الصغيرة عقد الخلع ينظر إن كان العاقد أجنبياً لا يقع الخلع والبينونة بالاتفاق، ولكن تكلمّوا أنّه هل يتوقف لأنَّ هذا عقد لا يحتمله ذلك على إجازتها إذا بلغت، قال بعضهم: لا يتوقف؛ لأنَّ هذا عقد لا يحتمله في الحال وقال بعضهم: يتوقف.
وهكذا ذكر الخصّاف في شروطه في باب الخلع، وإليه أشار في حيل «الأصل» وهذا لأنَّ لهذا العقد يجيز حال وقوعه، فإنَّ الأب أو الأجنبي الآخر لو قال للزوج: اضمن لكن بدل الخلع للحال يجوز، فجاز أن يتوقّف.
وأمّا إذا كان العاقد أباً ولم يضمن الصداق هل يقع الطلاق؟ فقد ذكر شيخ الإسلام ﵀ في شرح كتاب «الطلاق» أنَّ فيه اختلاف المشايخ، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنَّ فيه روايتين: على رواية الشروط يقع الطلاق ولا يسقط صداقها، وعلى رواية الحيل: لا يقع الطلاق، قال شيخ الإسلام ﵀: ما ذكر في الشروط محمول على ما إذا ضمن الأب بدل الخلع توفيقاً بين رواية الشروط وبين رواية الحيل.
ولو خلع ابنته الكبيرة على صداقها وضمن الأب الصداق أو كان مكان الأب أجنبياً، وضمن الصداق للزوج يقع الطلاق، ثمَّ ينظر إن أجازت أنَّ صداقها بدل الخلع عمل إجازتها، وإن لم يجز كان لها أن ترجع بالصداق على الزوج، ثمَّ الزوج يرجع على الأب، وهذا لأنَّ الخلع مضاف إلى مالها فيتوقف نفاذه على إجازتها، فإن أجازت نفذ الخلع عليها، وإن لم تجز كان الخلع على الأب، كأنّه لم يضف إلى مالها، وصار تقدير
стр. 1349
الكلام من الأب خالعاً على إن أجازت، وإن لم تجز فعلى مقدار ذلك، وإن لم يضمن الأب ذلك فالخلع يقف على قبولها، فإن قبلت يتمّ الخلع يعني في حقّ المال وما لا فلا، وهذا لأنّ الإيجاب إذا كان مطلقاً كان إيجاباً على المرأة فيتوقف على قبولها لهذا، ثمَّ قوله: إن قبلت تمَّ الخلع في حق المال يشير إلى أن الطلاق واقع، وقد كتبت في شرح الحيل أن في هذه لا يقع الطلاق إلا بإجازتها.j
اختلعت الصبيّة من زوجها وزوجها كبير، فالطلاق واقع والمال لا يجب؛ لأنَّ بدل الخلع بمنزلة التبرع، والصبية ليست من أهل التبرّع. وذكر المسألة في «الأصل» مطلقة وقيّدها في حيل «الأصل» بما إذا كانت تعقد العقد وتعبّر عن نفسها.
وكذلك الأمة إذا اختلعت من زوجها أو طلاقها على جعل، فإنه يقع الطلاق، ولا يؤاخذ بالجعل في الحال، وإنّما يؤاخذ به بعد العتق. وإن اختلعت بإذن المولى تؤاخذ به للحال، وتباع فيه إلا أن يقوّمها المولى كما في سائر الديون، والأمة تفارق الصغيرة،
والعاقلة إذا اختلعت من زوجها، فإنّها لا تؤاخذ ببدل الخلع بعد البلوغ كما لا تؤاخذ به في الحال. والمدبرة وأم الولد في ذلك كالأمة، إلا أنّها لا تحتمل البيع فتؤدي البدل من كسبها إذا التزمت بإذن المولى. والمكاتبة لا تؤاخذ ببدل الخلع إلا بعد العتق سواء اختلعت بإذن المولى أو بغير إذنه.
وإذا اختلعت الأمة من زوجها بمهرها بغير إذن مولاها يقع الطلاق، ولكن لا يسقط المهر لأنَّ مهرها حقّ المولى ولا يسقط إلا برضا المولى. وإذا وكلت الصغيرة رجلاً بالخلع، فخلعها الوكيل بصداقها أن يضمن للزوج ذلك تقع البينونة بالاتفاق، وإن لم يضمن ذكر في كتاب الوكالة أنها تبين من زوجها. وذكر في «النوادر» : أنّها تبين من زوجها.
نوع آخر
ينبني على أصل أن خطاب الخلع متى جرى بين الزوج وبين المرأة، كان القبول إلى المرأة، سواء كان البدل مرسلاً أو مضافاً إلى المرأة أو إلى الأجنبي إضافة ملك أو إضافة ضمان، وأمّا إذا كانت البدل مرسلاً، فكان هذا الخطاب لو جرى بين الزوج وبين أجنبي وكان البدل مرسلاً كان القبول إلى المرأة، فإذا جرى بين الزوج وبين المرأة أولى، وأمّا إذا كان البدل مضافاً إلى الأجنبي ولأن شروع المرأة في الخلع والمبدل سلّم لها بسبب الخلع بمنزلة اشتراط الضمان على نفسها دلالة؛ لأنَّ البدل بقضيّة «الأصل» إنّما يجب على من يُسلّم له المبدل، فقد وجد من المرأة اشتراط الضمان على نفسها دلالة بقضيّة «الأصل» ، ووجود إضافة البدل إلى الأجنبي أيضاً صريحاً ذلك واحد منهما يجوز أن يكون عاقداً في باب الخلع، فأمّا المرأة فظاهر، وأمّا الأجنبي بدليل أنّه يجب عليه بدل الخلع بحكم العقد على ما تبيّن، وإذا صلح كلّ واحد منهما عاقداً كان جعل المرأة عاقدة، حتّى يشترط قبول المرأة أولى؛ لأنّا إذا جعلنا الأجنبي عاقداً يحتاج إلى إثبات عقد جديد من جهة، مع أنّه لم يوجد منه العقد حقيقة، ولو جعلنا المرأة عاقدة لا تحتاج
стр. 1350
إلى إثبات عقد جديد، فإنَّ العقد وجد منها حقيقة فجعلنا المرأة عاقدة وشرطنا قبولها وجعلنا الأجنبي كتب لا عنها، حتّى تبطل إضافة الضمان إليه، وصار تقدير المسألة كأنَّ الزوج قال لها: خالعتك على ألف درهم على أنَّ فلاناً كتب لاعنك بذلك، ولو نصّ على هذا كان القبول إلى المرأة، كذا هنا.
وأمّا إذا جرى خطاب الخلع من الأجنبي ومن الزوج؛ فإن كان البدل مرسلاً فالقبول إلى المرأة. وصورته أن يقول أجنبي للزوج: اخلع امرأتك فلانة على ألف درهم، فالقبول إلى المرأة؛ لأنَّ الأجنبي يجوز أن يكون هو العاقد بأن أراد أن يقوله بألف على المرأة، فكان جعل المرأة عادة، والنفقة تحصل لها (٢٦٤ب١) أولى.
فإن كان البدل مضافاً إلى الأجنبي إضافة ملك أو إضافة ضمان لا يشترط قبول المرأة ولا تجعل المرأة عاقدة.
وصورته: أن يقول أجنبي للزوج: خالع إمرأتك على ألف درهم عليَّ، أو على ألف على أنّي ضامن، أو يقول: خالع إمرأتك على ألفي أو على ألف من مالي، وهذا لأنا لو جعلنا المرأة عاقدة نحتاج إلى إثبات عقد جديد من جهة المرأة، والعقد لم يوجد منها حقيقة، ولو جعلنا الأجنبي عاقداً لا نحتاج إلى إثبات عقد جديد، فجعلنا الأجنبي عاقداً. وصار تقدير هذا الخلع كأن الأجنبي قال للزوج: خالع إمرأتك على ألفٍ تجب عليَّ لا على المرأة. ولو صرّح بهذا لا يشترط قبول المرأة؛ لأن القبول إنّما يشترط ممّن عليه البدل لا ممّن يقع عليه الطلاق؛ لأنَّ القبول إنّما يشترط بوجود البدل لا لوقوع الطلاق.
بيان هذا الأصل من المسائل ما ذكر محمّد ﵀ في نكاح الجامع: رجل قال لغيره اخلع امرأتك على هذا العبد، أو على هذا الدّار، أو على هذا الألف فالقبول إلى المرأة؛ لأنَّ خطاب الخلع وإن جرى بين الأجنبي وبين الزوج ولكنّ البدل مرسل. وفي مثل هذه الصورة العاقد المرأة وتطلق، هذا إذا قال الرّجل لغيره: بع عبدك هذا من فلان بألف درهم، أو قال بهذا العبد، يتوقف على قبوله ولأنَّ في هذا المجلس ... ، ولا يقف على قبوله في المجلس، والخلع هو على مجلس علم المرأة، والفرق معروف.
ثمَّ إذا قبلت المرأة الخلع كان عليها أن تسلّم للزوج ما سمى في عقد الخلع إن قدرت على تسليمه؛ لأنّها هي العاقدة، وإن عجزت عن تسليم ذلك بالاستحقاق أو بسبب آخر فعليها تسليم المثل في المثلي، وتسليم القيمة في غير المثلي.
والبيع في هذا يخالف الخلع؛ لأنَّ البيع ينفسخ بالاستحقاق، ولا ينفي السبب الموجب للتسليم ليصار إلى المثل أو إلى القيمة، وأمّا الخلع لا ينفسخ بالاستحقاق فيبقى السبب الموجب للتسليم.
ولو كان قال للزوج: خالع إمرأتك على عبدي هذا، أو على داري هذه، أو على ألفي هذه ففعل فالخلع واقع ولا يحتاج إلى قبول المرأة؛ لأنَّ عاقد الخلع في هذه الصورة
стр. 1351
الأجنبي لأنَّ خطاب الخلع جرى منه، والبدل مضاف إليه إضافة ملك، ثمَّ يتمّ الخلع بقول الزوج: فعلت، ولا يحتاج إلى قبول الأجنبي؛ لأنَّ الواحد يصلح عاقداً في باب الخلع من الجانبين، والعاقد من الجانبين إذا كان واحداً يتمّ العقد بقوله: فعلت، كالأب إذا باع مال ابنه من نفسه، فإنّه يتمّ العقد بقوله: بعت. ثمَّ إذا وقع الخلع وجب على الأجنبي تسليم ما يسمّى في الخلع؛ لالتزامه ذلك.
ولو قالت المرأة لزوجها: اخلعني على عبد فلان، أو قالت: على دار فلان، ففعل تمَّ الخلع، ولا يحتاج في هذا إلى قبول صاحب العبد والدّار؛ لأنَّ العاقد في هذه الصورة المرأة؛ لأن خطاب الخلع جرى منها، ولم يشترط في «الكتاب» قبول المرأة لتمام الخلع، وكذلك لم يشترط قبول المرأة في هذه الصورة في كتاب الوكالة.
وفي «نوادر ابن سماعة» : يشترط قبول المرأة، فعلى رواية هذا الكتاب يحتاج إلى الفرق بينما إذا كانت البداية من المرأة وبينما إذا كانت البداية من الزوج بأن قال لامرأته: خالعتك على دار فلان، أو قال: على عبد فلان، فإنَّ هناك يشترط قبول المرأة لتمام الخلع. والفرق: أنَّ الخطاب إذا كان من جانب المرأة فالزوج مأمور بالخلع من جهة المرأة، فيجعل عاقداً من جهة نفسه بطريق الأصالة، ومن جهة المرأة بطريق النيابة عنها يتمّ الخلع بالزوج، ولا يشترط قبولها بائناً، فأمّا الخطاب إذا كان من جهة الزوج، فالزوج غير مأمور من جهة المرأة بشيء، فكان عاقداً من جهة نفسه لا من جهة المرأة، فلهذا يشترط قبول المرأة. قال: وعلى المرأة تسليم الدّار والعبد إن أجاز ذلك صاحب الدار والعبد، وإن لم يجز فعليها تسليم القيمة هذا إذا ابتدأت المرأة بالخطاب، وأمّا إذا ابتدأ الزوج بالخطاب بأن قال لها: طلقتك على عبد فلان أو قال: خالعتك على عبد فلان كان القبول إلى المرأة؛ لأنّها عاقدة.
ولو أنَّ الزوج خاطب صاحب العبد والمرأة حاضرة، فقال: أنا وفلان قد خلعت امرأتي بعبدك، فالقبول إلى صاحب العبد إن قبل هو تمّ الخلع وما فلا فلا؛ لأنَّ العاقد في هذه الصورة صاحب العبد؛ لأنَّ خطاب الخلع جرى بين الزوج وبين صاحب العبد والبدل يضاف إلى صاحب العبد.
ولو أنَّ أجنبيّاً قال للزوج: خالع امرأتك على عبد فلان هذا فالقبول إلى صاحب العبد.
وكذلك لو قال الأجنبي للزوج: خالع امرأتك بألف على أنَّ فلان ضامن لها، فالقبول إلى فلان لما ذكرنا ولو قالت المرأة لزوجها خالعني على ألف درهم، على أنَّ فلاناً ضامن لها ففعل تمَّ الخلع، ولا يلتفت إلى قبول الضمين، وبعد ذلك ينظر إن قبل فلان المال كان للزوج الخيار إن شاء أخذ المرأة بذلك، بحكم الأصالة، وإن شاء أخذ الضمين بحكم الكفالة، وإن لم يقبل الضمين من ذلك لا شيء عليه ولا يبطل الخلع.
نوع آخر
قال في الخالع: امرأة وكّلت رجلاً بأن يخلعها من زوجها بألف درهم، ففعل الوكيل، فهذا على وجهين:
стр. 1352
أما إن أرسل الوكيل البدل بأن قال: خالع امرأتك على ألف درهم، أو على هذه الألف أو أضاف البدل إلى نفسه إضافة ملك، أو إضافة ضمان، بأن قال: خالع إمرأتك على ألف درهم من مالي، أو على ألف على أنيّ ضامن. وفي الوجهين جميعاً يتمّ الخلع بقبول الوكيل؛ لأنَّ الوكيل نائب عن المرأة، فيكون قبوله كقبولها، فبعد ذلك ينظر إن كان البدل مرسلاً فالبدل عليها وهي المطالب به؛ لأنَّ الوكيل في باب الخلع سفير، وحقوق العقد ترجع إلى من وقع العقد له لا إلى السفير ولا لكونه سفيراً أنّه لا يستغني عن إضافة العقد إلى المرأة، لا بدّ وأن يقول للزوج خالع امرأتك، وفي مثل هذا الوكيل سفير كما في النكاح.
وإن كان (٢٦٥أ١) البدل مضافاً إلى الوكيل إضافة ملك أو إضافة ضمان فالوكيل هو المطالب بالبدل دون المرأة، ويرجع الوكيل بما أدّى على المرأة، وإنّما كان كذلك؛ لأن ما يجب على الوكيل بالخلع متى كان مضافاً إليه إضافة ملك وضمان يجب ابتداءً بحكم العقد لا بحكم الكفالة عن المرأة؛ لأنَّ ما يملك الوكيل من الخلع قبل الوكالة نوعان: نوع يوجب البدل على المرأة بأن يرسل الوكيل البدل إرسالاً، ونوع يوجب البدل على الأجنبي ابتداءً بحكم الخلع، لا بحكم الكفالة عن المرأة بأن يخاطب الأجنبي الزوج بالخلع ونصف البدل إلى نفسه إضافة ملك أو إضافة ضمان.
وإذا كان ما يملكه الوكيل من الخلع قبل الوكالة نوعان وقد أمرا به بالخلع مطلقاً، والأمر المطلق انصرف إلى النوعين، فكان فائدة الأمر وإن كان مالكاً لهذا قبل الوكالة الرجوع بما ضمن على الموكل، كما في الوكيل بالشراء، وإذا كان ما يلزم الوكيل من الضمان متى كان البدل مضافاً إليه إضافة ملك أو إضافة ضمان يلزمه ابتداءً بالخلع، لا بحكم الكفالة، وقد دخل هذا الخلع تحت الأمر كان له أن يرجع بما ضمن على موكلته، وكانت المطالبة على الوكيل خاصّة، كما في الوكيل بالشراء، ولهذا كان له الرجوع على المرأة قبل الأداء، كالوكيل بالشراء؛ لأنّه يرجع بحكم الخلع ابتداء لا بحكم الكفالة.
وإذا وكلت رجلاً بأن يخعلها من زوجها، فخلعها على عَرَضٍ له يعني للوكيل، وهلك العرض في يد الوكيل قبل التسليم إلى الزوج فإن الوكيل يضمن فيه ذلك للزوج؛ لما ذكرنا أنَّ ما يجب على الوكيل بدل الخلع إذا كان البدل مضافاً إليه يجب ابتداءً بحكم الخلع لا بحكم الكفالة، فصار الوكيل في هذا بمنزلة المرأة. والمرأة لو اختلعت من زوجها على عرض لها وهلك العرض، كان عليها تسليم قيمة العرض كذا ها هنا.
قال في «الزيادات» : إذا وكلت المرأة رجلاً بالخلع، ثمَّ رجعت من غير علم الوكيل لا يعمل رجوعها، فرّق بين هذا وبينما إذا قالت: خلعت نفسي من زوجي بألف درهم، فاذهب يا فلان إلى زوجي وأخبره بذلك، فلما ذهب الرسول إلى الزوج أشهدت على أنّها قد رجعت عن ذلك، ثمَّ بلّغ الرسول الزوج ذلك فقبل كان قبوله باطلاً، حتّى لا يقع عن الخلع علم الرسول بالرجوع أو لم يعلم، والفرق وهو أنَّ التوكيل إثبات الحكم في حقّ الوكيل، فإنَّ التوكيل إطلاق التصرّف، والعزل منع له عن التصرّف، ولو صحّ من غير علم الوكيل كان غروراً في حق الوكيل وإنّه حرام.
стр. 1353
وأمّا الرسالة فليست إثبات شيء للرسول؛ لأنّ الرسول ينقل عبارة المرسل، كأنَّ المرسل بنفسه حضر بنفسه وقال ذلك، ولو صحّ الرجوع من غير علمه لا يكون ذلك غروراً في حقّ نفسه، وكذلك لو رجعت بعد تبليغ الرسالة قبل قبول الزوج صحّ رجوعها أيضاً وإن لم يعلم الرسول بذلك، وكذلك هذا الجواب في البيع والعتق والنكاح والإجارة إذا رجع المرسل قبل قبول المرسل إليه صح رجوعه، وإن لم يعلم الرسول به.
وإذا قالت المرأة لزوجها: اخلعني على ألف درهم، ثمَّ رجعت من غير علم الزوج لا يصحّ رجوعها؛ لأنَّ هذا توكيل منها للزوج والتوكيل لا يقبل الرجوع من غير علم الوكيل.
أمر رجلاً أن يخلع امرأته، فليس للمأمور أن يخلعها إلا بمال، رواه بشر عن أبي يوسف ﵀. وروى ابن سماعة عن محمّد ﵀: أنّه لو خلعها بغير مال كان طلاقاً بائناً بلا مال، وَكّل رجلين بالخلع بألف درهم فخالعها أحدهما بألف درهم وأجاز الآخر ذلك لم يجز، وإن قال أحدهما: قد خلعها وقال الآخر: قد خلعها، فهو جائز. هشام عن محمّد: إذا وكّل الزوج رجلاً بأن يخلع إمرأته إن تركت مهرها، فتركت فقال الوكيل: طلقتك ثلاثاً لا يقع شيء في قياس قول أبي حنيفة ﵀. قال محمّد ﵀: ونحن نرى أنّه يقع واحدة بجميع المهر.
وفي «الأصل» أيضاً: إذا قال لغيره إخلع امرأتي، فإن أتت فطلقها بانت المرأة بالخلع، فطلقها الوكيل، ثمَّ قالت: أنا أختلع، فخالعها جاز إن كان الطلاق رجعياً، وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: رسول المرأة إلى زوجها إذا قال لها: طلقها أو أمسكها، فقال الزوجة أمسكها ولكن أطلقها، فقال الرسول: أبرأتك على جميع مالَها عليك، فطلقها الزوج، ثمَّ أنَّ المرأة أنكرت أن تكون أمرت رسولها بالإبراء والرسول يدّعي، فإن ادّعى الزوج توكيلها للرسول بذلك فالطلاق واقع وهي على حقّها لأنَّ إقرار الزوج يصح فيما يملك لا فيما لا يملك. وإن لم يدّع الزوج توكيلها للرسول بذلك فهو على قسمين: إن كان الرسول قال للزوج أبرأتك عن حقّها عليك على أن تطلقها على ما ذكرنا، والطلاق غير واقع فهي على حقّها؛ لأنَّ إيقاع الطلاق بالمهر يتوقّف على إجازتها، وإن لم يكن قال الرسول على أن تطلقها، أو فطلقها، فالطلاق واقع وهي على حقّها؛ لأنّ....
ولو أنَّ قوماً جاؤوا إلى رجل وزعموا أنَّ امرأته وكّلتهم باختلاعها منه، فخالعها معهم على ألف درهم وأنكرت التوكيل، إن ضمنوا بدل الخلع للزوج فالطلاق واقع؛ لأنّ خطاب الخلع جرى بين الزوج وبين الأجنبي وضمن الأجنبي بدل الخلع، وفي مثل هذا يشترط قبول الأجنبي على ما مرّ، وإن لم يضمنوا فهذا على وجهين، إمّا أن يدعي الزوج أنّها وكلتهم أو لم يدع إلى آخر ما ذكرنا في المسألة المتقدّمة، هذا إذا خالع الزوج
стр. 1354
معهم. وأمّا إذا باع منهم تطليقة بألف درهم، قال الفقيه أبو القاسم الصفّار ﵀: وقع الطلاق وجد منهم الضمان أو لم يوجد؛ لأنّ لفظ الشراء لفظ الضمان، قال الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀: هذا والأوّل سواء وعليه الفتوى.
وإذا وكّل الرجل رجلاً بطلاق امرأته، فطلقها بمهرها ونفقة عدّتها أو خالعها على ذلك، قال الفقيه أبو جعفر ﵀: يجوز ذلك كانت مدخولاً بها أو غير مدخول؛ لأنَّ الغالب من عادات النّاس أنّهم يريدون بالتوكيل بالطلاق (٢٦٥ب١) الطلاق بجعل، لكن هذا الوجه غير مختار؛ لأنَّ هذا يقتضي أنَّ الوكيل بالطلاق إذا طلّق مطلقاً أنّه لا يجوز، وهذا بعيد، وقال الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀ مرّة: لا يجوز من غير تفصيل بين المدخول بها وغير المدخول؛ لأنه وكلّه بالتنجيز وقد أتى بالتعليق، وهذا التعليل يوجب التسوية بين المدخول بها وغير المدخول بها، وبه كان يفتي الشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني ﵀، وهو اختيار الفقيه أبي الليث ﵀. وقال الفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀ مرّة أخرى: إن كانت المرأة مدخولاً بها لا يجوز وإن لم يكن مدخولاً بها يجوز، وهكذا حكي عن الفقيه أبي القاسم الصفّار، وهو اختيار الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» . والوجه في ذلك أنَّ المرأة إذا لم تكن مدخولاً بها، فهذا من الوكيل خلافٌ إلى خير؛ لأنّه وكّله بطلاق يقطع النكاح مجاناً، وقد أتى بطلاق قطع النكاح بعوض ولا يعدّ ذلك خلافاً وإذا كانت مدخولاً بها. هذا من الوكيل خلاف إلى شرَ؛ لأنّه وكله بطلاق بغير عوض، والطلاق بغير عوض في المدخول بها لا يقطع النكاح، وقد أتى بطلاق قطع النكاح، فكان هذا خلافاً إلى شرَ فاعتبر خلافاً.
وفي «فتاوى أبي الليث» : رجل قال لغيره: طلّق امرأتي على أن تخرج من البيت، ولا تُخرِجْ منه شيئاً ففعل ثمَّ اختلفا، فقال الزوج: أخرجت، وقالت: المرأة لم أُخْرِج، فالقول قول الزوج؛ لأنّه ينكر شرط وقوع الطلاق. قال الصدر الشهيد في «واقعاته» : في المسألة نوعان إيهام أنه أراد بقوله طلّق امرأتي على شرط أن لا تخرج من البيت، علّق طلاقها بشرط أن تخرج من البيت ولا تخرج منه شيئاً، فهذا صحيح؛ لأنَّ المعلّق بالشرط عُدِمَ قبل وجود الشرط، فالزوج بقوله: أخرجتَ شيئاً من البيت أنكر شرط وقوع الطلاق فالقول قوله، وإن أراد بقوله: طلقها على شرط أن لا تخرج من البيت شيئاً. قل لها: أنتِ طالق على أن لا تخرجي من البيت شيئاً، فهذا الجواب غير صحيح، لأنها إذا قبلت ينبغي أن يقع الطلاق للحال أخرجت شيئاً أو لم تخرج، فإنَّ الرواية محفوظة فيما إذا قال: أنتِ طالق على أن تعطيني ألف درهم ففعلت تطلق وإن لم تعط الألف، وكذلك إذا قال لها: أنتِ طالق على دخولك الدّار، يقع الطلاق إذا قبلت دخلت أو لم تدخل؛ لأنّه استعمل الدخول استعمال العوض فكان الشرط قبوله لا وجوده.
قال محمّد ﵀ في «الأصل» : إذا وكلت المرأة صبيّاً أو معتوهاً أن يخالعها من زوجها كان التوكيل صحيحاً؛ والصبيِّ والمعتوه في هذا كالبالغ، وفيه نوع إشكال؛ لأنّ الصبي لا يملك هذا العقد لنفسه، فكيف يملك لغيره، والجواب: إنّما لا يملك
стр. 1355
الخلع لنفسه؛ لأنّه يلزم حكم الخلع فيتضرّر به، ومتى كان وكيلاً عن غيره لا يلزمه حكم الخلع، ولا ترجع إليه الحقوق ولا يتضرّر.
نوع آخر في اختلاف الواقع بين الزوج والمرأة، في صحّة الخلع وفساده في الشهادة في ذلك
إذا خلع امرأته بالفارسيّة «خريدم وفروحتم» ، وقال الزوج: كان في ضميري أني بعت رأس الشاة، أو قال: قلت: «فروحتم من الانفاذ» أو قال: قلت: «فروحتم» بالفاء، فقد قيل القول في ذلك قوله مع اليمين، إلا إذا كان قبض بدل الخلع، فحينئذٍ لا يقبل قوله؛ لأنَّ الظاهر يكذبّه. وقد قيل: لا يقبل قوله قضاءً، وإن كان لم يقبض بدل الخلع؛ لأنَّ كلامه خرج جواباً، والجواب يتقيد بالسؤال، والسؤال عن تملك النفس: التوكيل، فيكون الجواب منصرفاً إليه، وعلى هذا إذا قال: كان في ضميري أنّي بعت «بيد فياي» لا يقبل قوله قضاء عند بعض المشايخ، وعليه الفتوى.
ولو أشار الزوج عند قوله «فروحت» إلى رأس شاة، أو إلى «بيد فياي» فعلى قول هؤلاء فهذا ليس بشيء، والخلع هذا صحيح، إلا إذا صرّح وقال: «بيد فناي فروحتم» فحينئذٍ لا يصح الخلع، هذا لأنّ بالإشارة لا يخرج كلامه من أن يكون خارجاً مخرج الجواب والسؤال عن تمليك النفس، فينصرف الجواب إليه. ولو أقام الزوج بيّنة (على) الشاة قبلت بينته، وكذلك إذا قالت: إنّه باع رأس الشاة، وشهدت بيّنته أو أنه قال: بعت رأس الشاة قبلت بيّنته، وكذلك إذا قامت بيّنة أنّه قال: «فروحتم من الانفاذ» قبلت بيّنته.
ولو أقامت المشتراة البيّنة بمعارضته أنّه باع نفسها، أو أنّه باعها فبيّنتها أولى، هكذا قيل وفيه نظر عندي، وينبغي أن تكون بيّنة الزوج أولى.
وفي «فتاوى النسفي» : لو أشهد الزوج شاهدين عدلين أنّ امرأتي إذا قالت: «من خويشتن خريدم» أقول: «فروختم» بالفاء، ثمَّ اجتمعوا عند القاضي لأجل الخلع واختلعا فقال الزوج بعد ذلك قد قلت: «فروختم» بالفاء وشهد شاهداه على ذلك، فإن كان القاضي قد سمع أنّه قال «فروحتم» بالحاء يقضى بالخلع، ولا يلتفت إلى شهادة شهوده فإني إذا لم تسمع القاضي ذلك، وقال: لم أتيقّن أنّه قال بالحاء أو بالفاء وشهد شاهداه أنّه قال بالفاء قبل شهادتهما، وقضى ببطلان الخلع، ولو شهد شاهداه أنّه قال بالفاء، وشهد بعض أهل المجلس أنّه قال بالحاء قضي بصحّة الخلع شهادة من شهد بالحاء.
وإذا وقع الخلع على بدل مسمّى ودفعت المرأة إليه مقدار المسمّى وقالت: إنّه بدل الخلع، وقال الزوج: قبضت بجهة كذا غير جهة الخلع، فقد قيل: القول قول الزوج، وبه
стр. 1356
كان يفتي ظهير الدين المرغيناني ﵀، وقيل: القول قول المرأة؛ لأنّ التمليك يصير من المرأة فيكون القول قولها في بيان جهة التمليك.l
وهذا أصل كبير في الشرع فيما إذا اختلعت الزوج والمرأة في الخلع فقال أحدهما اختلعا بألف وأقام على ذلك بيّنة،.... أحد الشاهدين أنّهم اختلعا بألف، وشهد الآخر أنّهما اختلعا بخمس مائة، فإن كان مدّعي الخلع الزوج فالجواب فيه كالجواب في دعوى مجرّد المال بلا سبب؛ لأنّ المدّعي إذا كان هو الزوج فالحاجة إلى إثبات المال لا إلى إثبات الطلاق؛ لأنَّ الطلاق وقع بإقرار الزوج.
ولو وقع الدعوى في الألف المجرّد وشهد أحد الشاهدين بألف والآخر بخمس مائة فعلى (٢٦٦أ١) قول أبي حنيفة ﵀ لا تقبل الشهادة أصلاً، وعلى قولهما تقبل الشهادة على خمس مائة، كذا ها هنا، وإذا كان مدّعي الخلع المرأة لا تقبل هذه الشهادة بلا خلاف؛ لأنَّ الحاجة ها هنا إلى إثبات الطلاق؛ لأنّ الطلاق لا يثبت بمجرّد دعوى المرأة، والطلاق بألفٍ غير الطلاق بخمس مائة؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق بألف قبول الألف، وشرط وقوع الطلاق بخمس مائة قبول خمس مائة وهما شرطان مختلفان، وليس على كل واحد منهما إلا شاهد واحد.
نوع آخر في الخلع الواقع في المرض
قال محمّد ﵀ في «الأصل» : إذا اختلعت المرأة من زوجها في مرضها بالمهر الذي كان تزوّجها عليه فهذا على وجهين: أمّا إن كان الزوج قريباً منها بأن كان ابن عم لها أو كان أجنبياً عنها، فإن كان الزوج أجنبيّاً فهو على وجهين: أما إن كانت المرأة مدخولاً بها، أو غير مدخول بها، ومتى كانت مدخولاً بها، أمّا إن ماتت هي في العدّة، أو ماتت بعد انقضاء العدّة، فإن كانت مدخولاً بها وماتت هي بعد انقضاء العدّة، وأنّه ينظر إلى المسمّى في بدل الخلع، وإلى ثلث مالها. فإن كان المسمّى ثلث مالها أو أقلّ فللزوج ذلك. وإن كان أكثر من ثلث مالها فليس للزوج الزيادة على الثلث إلا برضا باقي الورثة، وهذا إذا كان لها مال آخر سوى المهر يخرج المسمّى من الثلث، وإن لم يكن لها مال آخر سوى المهر الذي تزوّجها عليه يعتبر الثلث من المهر وهذا لأنَّ الخلع منها بمنزلة التبرّع؛ لأنّها تبدل مالاً بإزاء مال يتعلّق به حقّ الورثة، وهو منافع بضعها. ومن غير حاجتها إلى ذلك فإنّها غير محتاجة إلى الخلع حاجة أصلية، والتبرّع من المريض إذا حصل مع الأجنبي يصحّ بقدر الثلث من غير إجازة الورثة، ويقف فيما زاد على الثلث على إجازة الورثة، والتبرع حصل ها هنا مع الأجنبي لما ماتت بعد انقضاء العدّة؛ لأنّه لم يبق لها وارثٌ في هذه الحالة، لانقطاع بيّنة الورثة، وهو النكاح بعد انقضاء العدّة من كلِّ وجه.
стр. 1357
وإن ماتت قبل انقضاء العدّة فإنّه ينظر إلى المسمّى في بدل الخلع وإلى قدر ميراثه منها، فإن كان المسمّى مثل ميراثه منها أو أقلّ سلّم للزوج ذلك، فإن كان الخلع بمنزلة التبرّع، والمريض محجور عن التبرّع على الوارث؛ لأنّ المريض إنّما حجر عن التبرّع مع الوارث لما فيه من إبطال حقّ الباقين عن الزيادة على ميراثه، وليس في قدر ميراث الزوج إبطال حقّ على الباقين، فلم تصر محجورة عن هذا التبرّع مع الزوج، وإن كان المسمّى أكثر من ميراثه فيها، فإنّه لا تسلم له الزيادة على ميراثه إلا بإجازة بقيّة الورثة؛ لأنَّ حقّ الباقين يبطل عند الزيادة على قدر الميراث، وقد حجرت عن ذلك في حالة المرض بسب النكاح، والنكاح وإن ارتفع بالخلع فالعدّة باقية، وكلّ حجر يثبت بالنكاح يبقى ما بقيت العدّة على ما عرف أنَّ العدّة من آثار النكاح بخلاف ما بعد انقضاء العدّة؛ لأنّ بعد انقضاء العدّة ارتفع النكاح بأثره، فزوال المانع من التبرّع فيما زاد على قدر حقّه في الميراث إلى تمام الثلث، وصار حاصل التفاوت بينهما قبل انقضاء العدّة، وبينهما بعد انقضاء العدّة أن بعد انقضاء العدّة لا ينظر إلى قدر حقّ الزوج في الميراث، وإنّما ينظر إلى الثلث يُسلّم للزوج قدر الثلث من بدل الخلع. وإن كان أكثر من حقّه في الميراث فسلّم للزوج قدر حقّه في الميراث من بدل الخلع، ولا تسلم له قدر ثلث مالها إذا كان ثلث مالها أكثر من حقّه في الميراث. والفرق ما مرّ.
وإن كانت المرأة غير مدخولٍ بها وقد اختلف من زوجها بمهرها فإن النصف يعود إلى الزوج بحكم الطلاق لا بحكم التبرّع، ألا ترى إنْ طلقها قبل الدخول بها ولم يختلع منها عاد إلى الزوج ذلك، فلا يعتبر ذلك النصف أصلاً إلى الزوج من جهة المرأة حتّى يكون تبرّعاً من جهتها، وأمّا النصف الآخر وصل إليه من جهة المرأة فتعتبر متبرعة في ذلك، وقد حصل التبرّع على الأجنبي؛ لأنّ النكاح انقطع بأثره فسلم للزوج ذلك النصف من الثلث، وإن لم يكن لها مال سوى المهر سلّم للزوج ثلث ذلك النصف.
وإن كان الزوج ابن عمّ لها، والمرأة مدخول بها فإن كان لا يرث منها بحقّ القرابة بأن كان لها عصبة أخرى أقرب منه، فهذا وما لو كان الزوج (أجنبيّاً) أو إن كان يرث منها بحكم القرابة، وقد جاءت بعد انقضاء العدّة فإنّه ينظر إلى بدل الخلع وإلى قدر ميراثه منها بحقّ القرابة، فإن كان بدل الخلع قدر ميراثه أو أقلّ سلّم للزوج ذلك، فإن كان أكثر فالزيادة على قدر ميراثه منها لا تسلم له إلا بإجازة باقي الورثة.
وإن كانت المرأة غير مدخول بها، فإنَّ نصف المهر سلّم للزوج بالطلاق قبل الدخول، فلم تعتبر المرأة متبرعة في ذلك النصف، وإنّما تعتبر متبرعة في النصف الآخر، وقد صارت متبرّعة على الوارث، فينظر إلى ذلك النصف وإلى قدر ميراثه منها، فتسلّم للزوج الأقلّ منهما، وهذا إذا ماتت من مرضها، وإن برأت منه تسلم للزوج جميع ما سمّت، بمنزلة ما لو وهبت له شيئاً ثمَّ برأت من مرضها. ولو اختلعت من زوجها وهي صحيحة والزوج مريض فالخلع جائز بالمسمّى قلَّ ذلك أو كثر؛ لأنّها وإن صارت متبرّعة إلا أنّها صحيحة، والتبرّع من الصحيح نافذ، ولا ميراث بينهما سواء مات بعد انقضاء
стр. 1358
العدّة أو قبل ذلك بوجود الرضا من كلّ واحد ببطلان حقّه.
وإن تبرّع أجنبي باختلاعها من الزوج بمال ضمنته للزوج، وكان ذلك من الأجنبي في مرض الموت، فالخلع جائز والطلاق واقع، ويُعتبر بدل الخلع من ثلث مال الأجنبي؛ لأنَّ الخلع عندنا تبرع من المرأة مع أنّه يحصل لها بالخلع نوع فائدة، فَلأَنْ يُعَدُّ تبرعاً من الأجنبي أولى، وإن كان الزوج مريضاً (٢٦٦ب١) حين تبرّع الأجنبي باختلاعها فلها الميراث إن مات الزوج من مرضه ذلك وهي في العدّة؛ لأنها لم ترض بهذا الطلاق، فيعتبر الزّوج فارّاً، والله أعلم بالصواب.
الفصل السابع عشر: في الأيمان في الطلاق
هذا الفصل يشتمل على أنواع:
نوع في بيان معرفة اليمين بغير الله وبيان شرائط صحّته.
يجب أن تعلم بأنَّ اليمين بغير الله تعالى ذكر شرط وجزاء يحلف به عادة؛ لأنَّ اليمين بغير الله تعالى إنّما يعرف الجزاء، فإذا كان الجزاء ممّا لا يحلف به لم يكن هذا التعليق يميناً، وتعليق الجزاء بالشرط على الشرط الحقيقة وطريقه ما قلنا، والشرط يصحّ في الملك وفي غير الملك، والجزاء لا يصح إلا بالملك أو في أثره أو مضافاً إلى الملك، أو إلى أثره أو إلى سببه، وهذا لأنّ الشرط أمر حسّي، فصحته تكون بوجوده حسّاً، وأمّا الجزاء فأمر شرعي فصحته إنّما تكون بالشرائط التي اعتبرها الشرع للصحّة، والشرع اعتبر بصحته الجزاء الشرائط التي قلنا تحقيقاً بما هو المقصود من اليمين، وهو تقوي الحالف على تحصيل الشرط والامتناع عنه؛ لأنَّ الحالف إنّما يتقوّى على ذلك خوفاً لزوال الجزاء، والخوف إنّما يحصل إذا كان الجزاء غالب النزول عند الشرط، أو متيقن النزول عند الشرط، وعليه النزول عند الشرط لقيام الملك، أو أثره للحال وتيقّن النزول عند الشرط بالإضافة إلى الملك، أو إلى سبب الملك، ثمَّ الشرط إن كان متأخّراً عن الجزاء فالتعليق صحيح وإن لم يذكر حرف الفاء إذا لم يتخلّل بين الجزاء وبين الشرط سكوت.
ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: أنتِ طالق إن دخلت الدّار، أو قال: لعبده أنت حرّ إن دخلت الدّار يتعلّق الطلاق بالدخول والعتاق بالدخول؟ وإن لم يذكر حرف الفاء لما لم يتخلل بينهما سكوت، وإن كان الشرط مقدّماً على الجزاء فإن كان الجزاء اسماً قائماً يتعلّق بالشرط إذا ذكر الجزاء بحرف الفاء؛ لأنّ الاستعمال بمثله ورد، قال الله تعالى: ﴿إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (المائدة: ١١٨) حتّى إنَّ من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنتِ طالق يتعلق الطلاق بالدخول.
ولو قال إن دخلت الدّار فأنتِ طالق يقع الطلاق للحال إلا إذا قال: عنيت به
стр. 1359
التعليق، فحينئذٍ يديّن فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يديّن في القضاء، وإن كان الجزاء فعلاً، إمّا فعلاً مستقبلاً أو فعلاً ماضياً فالجزاء يتعلق بالشرط بدون حرف الفاء، به ورد الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَنِيّكُمْ وَلآ أَمَانِىّ أَهْلِ الْكِتَبِ مَن يَعْمَلْ سُوءا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾ (النساء: ١٢٣) ويقول الرجل لغيره إن زرتني زرتك أو أزورك، ويبنى على هذا الأصل ما إذا قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فإنها تطلق للحال لأنَّ الشرط سابق والجزاء اسم ولا يتعلّق بدون حرف الفاء، وإن قال: عنيت التعليق يديّن أصلاً، هكذا ذكر في «الجامع» ، وبعض مشايخنا قالوا: نسأل الزوج كيف نويت التعليق؟ إن قال بإضمار حرف الفاء لا تصحّ نيّته أصلاً، وإن قال بالتقديم والتأخير تصح نيّته فيما بينه وبين الله تعالى ولا يصحّ في القضاء.
وكذلك إذا قال لها: أنتِ وإن دخلت الدّار أنتِ طالق تطلّق للحال، وإن عنى التعليق ديّن فيما بينه وبين الله تعالى، وكذلك إذا قال لها: أنتِ طالق وإن دخلت الدار، فإنّها تطلق للحال؛ لأنَّ الواو في مثل هذا التحقيق بقول الرّجل لغيره أحسن إلى فلان وإن أساء إليك، ومعناه: أحسن إلى فلان على كلّ حال أساء إليك أو لم يسء فكذا ها هنا. معنى كلام الزوج أنتِ طالق على كلّ حال، وإن عنى التعليق لا يديّن أصلاً، لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، ولم يذكر محمّد ﵀ ما إذا نوى به بيان الحال، ومعناه أنتِ طالق في حال دخولك الدّار.
وحكي عن أبي الحسن الكرخي ﵀ أنّه قال: يجب أن تصحّ نيّته؛ لأنّ الواو في مثل هذا يذكر الحال بقول الرجل لامرأته: أنتِ طالق راكبة، ومعناه: أنتِ طالق في حال ركوبك، وقد نوى ما يحتمله لفظه، ولو قال لها: أنتِ طالق ولم يذكر بعده حالاً لم يذكر محمّد ﵀ هذه في الكتب الظاهرة، وفي «النوادر» المسألة مذكورة على الخلاف، على قول محمّد ﵀ يقع الطلاق لا يخلو من ثلاثة أوجه: أمّا إن كان مضافاً ولم توجد الإضافة ها هنا، وإمّا أن يكون معلّقاً ولا تعليق ها هنا إذ لم يذكر عقيب الشرط فعلاً يتعلّق به، فيتعيّن تنجيزاً أو إيقاعاً للحال، وعلى قول أبي يوسف: لا يقع الطلاق إلا إذا ذكر عقيب الشرط فعلاً أنها لا يقع الطلاق في الحال؛ لأن بذكر الشرط يتبيّن أنَّ ما أراد به الإرسال، وهذا المعنى ينبىء عن ذكر الشرط، لا عن ذكر الفعل عقيب الشرط، والكلام مع ذكر الشرط لا يكون إرسالاً أصلاً.
ولو قال لها أنتِ طالق، ثمَّ إن دخلت الدّار فإنّه يقع الطلاق عليها للحال، ولو نوى التعليق لا يصحّ بيَّتَهُ أصلاً، وأمّا إذا نوى المقارنة بأن نوى وقوع الطلاق مقارناً لدخول الدار، لم يذكر محمّد ﵀ هذه المسألة في شيء من الكتب، وكان القاضي الإمام أبو الهيثم يحكي عن القضاة الثلاثة: أنّه تصحّ نيته فيما بينه وبين ربّه؛ لأنّه نوى ما يحتمله لأنَّ كلمة ثمَّ تذكر ويراد بها الجمع والمقارنة بين الشيئين مجازاً قال الله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ النَّفْسُ الإِنسَنُ الإِنسَنُ أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ الْمُطْمَئِنَّةُ الإِنسَنُ الإِنسَنُ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ ارْجِعِى الإِنسَنُ الإِنسَنُ أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ فَادْخُلِى أَحَدٌ إِلَى الإِنسَنُ الإِنسَنُ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ جَلَّهَا نَارٌ تَلهَا الَّذِينَ الَّذِينَ﴾ (البلد: ١٣ * ١٧) ، وكان المراد من ذلك
стр. 1360
الجمع والمقارنة، فإنّ فك الرقبة إنّما ينفع إذا كان معه إيمان، وعامّة مشايخنا على أنّه لا صحّ نيته؛ لأنَّ كلمة ثمَّ لغة للترتيب على سبيل التراخي لا للمقارنة، ولا للجمع، وفي الآية ما ثبت الجمع والقِرَان بكلمة ثمَّ وإنّما ثبت بكلام كان بقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَتَوَاصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ﴾ (البلد: ١٧) ؛ لأنَّ كلمة كان يعبّر بها عن الماضي يعني مع وجود هذه الأفعال كان من قبل مؤمناً، والله أعلم.
نوع آخر: في بيان حروف الشرط
يجب أن تعلم أن حروف الشرط أن، وإذا وما، ومتى، وبينما ومَنْ، وما، وكل، وكلّما، هذا هو المذكور في كتب عامة المشايخ، وذكر القدوري ﵀ أن شروط الإيمان ستة: إذا، وإذا ما، وإن، ومتى، ومهما، وكلما والأصل كلمة إن فهي شرط محض، وما سواها ففيها معنى الوقت، قال: وهذه حروف تتعلّق بالأفعال المستقبلة دون الماضي؛ لأنَّ الشرط ما يكون على خط الوجود، وذلك يكون في المستقبل دون (٢٦٧أ١) الماضي وتختصّ بالأفعال دون الأسماء؛ لأن الآخرية تختص بالأفعال دون الأسماء، من قال وبهذا قيل: إنَّ كلمة كل ليست بشرط على الحقيقة؛ لأنّ الذي يليه اسم على ما نبيّن بعد هذا إن شاء الله تعالى، لكن جعل بمعنى الشرط إذا وصف الاسم بفعل كقوله: كلّ امرأة أتزوجها، وكلّ عبد أشتريه، فأخذ معنى الشرط من حيث وصف الاسم بالفعل، كأنّه قال: إن تزوجت، إن اشتريت.
قال: ويستوي إن دخل على فعله أو فعل غيره لأنَّ الشرط علم على نزول الجزاء، وفي حقّ العلميّة لا فرق بين فعله وبين فعل غيره، أما لفظ «كه» ، قال امرأته طالق ثلاثاً «كه آين كاريكى» ، فإن لم يتعارفوا التعريف بقوله «كه» يقع للحال؛ لأنّه تحقيق، وإن لم يتعارفوا التعليق إلا به لا تطلق ما لم يوجد الشرط؛ لأنّ المعروف كالمشروط، وإن تعارفوا التعليق بهذا وبصريح الشرط؛ ذكر الفضلي في فتاويه؛ أنّه يقع الطلاق للحال وبعض مشايخنا قالوا لا يقع وهو الأصح.
وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف أنّه إذا قال لامرأته: أنتِ طالق لدخلت الدار، فإن لم يكن دخل الدار تطلق، وإن كان دخل الدار لا تطلق، وهذا وما لو قال أنتِ طالق إن لم أكن دخلت الدّار سواء، فقد اعتبر قوله لدخلت الدار شرطاً ولفظ «كه» ترجمة قولهم لدخلت، والله أعلم.
نوع آخر
إذا علّق طلاق امرأته بفعل إن حصل التعليق بكلمة إن وإذا وإذا ما ومتى ومهما، فهذا على مرّة واحدة، حتّى لو فعلت ذاك الفعل مرّة وقع الطلاق، ولو فعلت ذلك الفعل مرّة أخرى لا يقع الطلاق، وإن حصل التعليق بكلمة كلّما فكلّما تكرّر ذلك الفعل يتكرّر الطلاق حتّى يستوفي طلاق الملك الذي حَلف عليه، ثمَّ يبطل اليمين حتّى لو تزوّجت
стр. 1361
بزوج آخر وعادت إلى الزوج الأوّل وفعلت ذلك الفعل لا يقع الطلاق، أمّا تكرّر الطلاق؛ لأنَّ كلمة كلّما تقتضي تكرار ما دخلت عليه من الأفعال لما تبيّن، وأمّا بطلاق اليمين باستيفاء طلقات هذا الملك؛ لأنّ اليمين انعقدت على الملك القائم لا يملك إلا ثلاث تطليقات، فإذا استوفاها تبطل اليمين؛ لأنّ اليمين إنّما تنعقد على ما تملك إيقاعه، لا على ما لا يملك إيقاعه، ولو كان أضاف الطلاق إلى ملك الثاني أو إلى كلّ ملك يملكه بكلمة كلّما بأن قال لامرأته: كلّما تزوجتك فأنتِ طالق فتزوّجها مرّة بعد مرّة حتّى وقع عليها ثلاث تطليقات وتزوجت بزوج آخر، ثمَّ تزوّجها الزوج الأوّل تطلق أيضاً؛ لأنَّ في هذه المسألة أضاف الطلاق إلى كلّ ملك يوجد منه، وطلاق الملك الأوّل وإن ذهب فطلاق الملك الثاني والثالث لم يذهب فيه من اليمين على الملك الثاني والثالث.
ولو قال: كلّ امرأة أتزوّجها فهي طالق فتزوّج نسوة طلقن، ولو تزوّج امرأة واحدة مراراً لم تطلق إلا مرّة واحدة، وقرب بين قوله كل امرأة أتزوّجها، وبين قوله كلّما تزوجت امرأة، فإنَّ هناك لو تزوّج امرأة مراراً طلقت في كلِّ مرّة. والفرق: أنَّ كلمة كلّما وكلّ توجبان التعميم لأنّ كل موضوعة للتعميم؛ لأنَّ ضد البعض، والبعض للخصوص وضدّه وهو لكلّ يكون العموم ... غير أنَّ كلمة كلّما توجد عموم الأفعال نصّاً ووضعاً، وعموم الأسماء ضرورة عموم الأفعال؛ لأنّها تصحب الأفعال، ولا تصحب الأسماء، ألا ترى أنّه يقال: كلّما ذهب وكلّما قام، ولا يقال كلّما رجل وكلّما امرأة والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِئَايَتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (النساء: ٥٦) ، وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (الملك: ٨) فإذا أوجبت عموم الأفعال دخل تحت اليمين كلّ تزوّج يوجد منه، فيجب بكلّ تزوّج منه، أمّا كلمة كل توجب عموم الأسماء لأنها تصحب الأسماء، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَوةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٥) وبكل يقال: كل رجل وامرأة، ولا يوجب عموم الأفعال؛ لأنّها لا تصحب الأفعال، ألا ترى أنّه لا يقال كلٌّ قام وكلٌّ ذهب وإذا ثبت أنها توجب عموم الأسماء دون الأفعال ... عموم النساء، لا عموم التزوّج، ويكون شرط الحنث في كلّ امرأة التزوّج مرّة واحدة.
وعن أبي يوسف في «المنتقى» : إذا قال: كلما تزوّجت امرأة فهي طالق، فتزوّج امرأة حتّى طلقت لو تزوّجها ثانياً لا تطلق ولا يحنث في هذا مرتين، قال: وهذا بمنزلة قوله: كلّ امرأة أتزوجها فهي طالق، قال أبو يوسف ﵀: وليس هذا كقوله: كلما تزوّجت إذا خاطبها، فإنّ هناك يقع عليه الطلاق كلّما تزوجها، أشار إلى أنَّ كلمة كلّما إذا دخلت على المغير، أو على المخاطب تقتضي التكرار، وإذا دخلت على غير المغيّر لا
стр. 1362
تقتضي التكرار، وأوضح هذا بما إذا قال: كلّما اشتريت هذا الثوب فهو صدقة، وكلّما ركبت هذه الدابة فعليّ صدقة كذا، فإنّه يلزمه في كلّ دفعة ما التزمه، ولو قال كلّما اشتريت ثوباً كلّما ركبت دابّة لا يلزمه ما التزم إلا مرّة واحدة، وكذلك قال في حقّ رجل قال: كلّما كلمت رجلاً فعليَّ أن أتصدّق بدرهم، فكلّم رجلاً واحداً مرتين في موطنين فإنّما عليه أن يتصدّق بدرهم واحد.
ولو قال لرجل بعينه: كلّما كلمتك فعليّ أن أتصدّق بدرهم، فكلّمة مرتين في موطنين فعليه أن يتصدق بدرهمين، قال لأجنبيّة بالفارسيّة «آك حزاز توزن كنم» ، أو قال: «آكر مراجز آز تون باشد» فهي طالق، فتزوّج امرأة ثمَّ أخرى طلقت الأولى دون الثانية؛ لأنّه لما لم يقل «هررني» كان اللفظ حاصلاً، ولا يتناول إلا مرّة واحدة وقد حنث بالأولى، ولا تبقى اليمين إذا قال «آكر مرايد ين جهان زن بودان بسه طلاق» فتزوّج امرأة تطلق، ولو تزوّج الأخرى لا تطلق، ولو قال لامرأة بالفارسيّة «آكر باين خانة آندر ايتي ترا طلاق» .
قال الناطقي ﵀: ها هنا ستة ألفاظ «آكرو ميمي وميمشة وهركاه وهرز بان وميربار» ، والأوّل فارسيّة قوله «ان» ولا يحنث إلا مرّة واحدة، وقوله: «ميمي» ، معناه: قوله: متى وقوله: «ميمشة» معناه قوله.... (٢٦٧ب١) ، فلا يحنث فيهما إلا مرّة واحدة، وأمّا قوله: «هركاه وحرزمان» ، قال الناطفي: ﵀ في «واقعاته» : هذه الألفاظ تشبه كلمة كل، ولا يقع الحنث فيها إلا مرّة واحدة، وتشبّه بكلمة كلّما فيتكرّر الحنث فيها، ورجّح المشابهة وكلمة كلّما فيتكرّر الحنث فيها.٦
قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : المختار أنَّ في قوله «ميركاه وميرزمان» لا يقع الحنث إلا مرّة واحدة، وفي قوله «مربار» ، يتكرّر الحنث، ولو قال: أيُّ امرأة أتزوّجها فهي طالق يقع على امرأة واحدة إلا إن نوى العموم، هكذا قيل، وكان ينبغي أن لا تصحّ نيّة العموم فيه؛ لأنَّ هذه الكلمة لا تحتمل العموم، قال أهل اللغة والنحو: كلمة أَن تتناول جزءاً في جملة ما أضيفت إليه هذه الكلمة غير عين، ألا ترى أنّه لا يستقيم قران فعل الجماعة بها لا يستقيم أن يقال: أيُّ الرجال أبوك، ويستقيم قران فعل الواحد بما يستقيم أن يقال: أيَّ الرّجل أباك، غير أنّه صحّ بنيّة العموم باعتبار أنَّ عرف بعض المواضع هذه الكلمة لجميع النساء فيقع على امرأة واحدة باعتبار المواضع، وتصح نيّة العموم فيه، باعتبار عرف البعض. وذكر في «المنتقى» : أنَّ كلمة أي تتناول كل امرأة.
وصورة ما ذكر في «المنتقى» : إذا قال: أيّ امرأة أتزوجها فهي طالق وعمرة امرأة الحالف، فتزوّج امرأة طلقت هي وعمرة فإن تزوّج امرأة أخرى بعد ذلك طلقت هي، ولا تطلق عمرة ولا يعود.... في عمرة مرتين. ولو قال: «هر كدام زني كه ترى كنم» ، فهذا يقع على كلّ امرأة مرّة واحدة، هكذا ذكر الفضليّ ﵀ في «فتاويه» ، وذكر
стр. 1363
الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : أنّه يقع على امرأة واحدة مرّة واحدة، وقيل يقع على كل امرأة مرّة واحدة، ولو قال أيَّةُ امرأة زوجت نفسها مني، فهذا على كلّ امرأة؛ لأنَّ النكرة وضعت بصفة عامّة فتعم، بخلاف قوله: أيّة امرأة أتزوّجها، وقوله: أَيّة امرأة زوّجت نفسها مني، بمنزلة قوله: أي عبيدي ضربَك يا فلان. وقوله: أَيّة امرأة أتزوّجها بمنزلة قوله أيُّ عبيدي ضربته يا فلان، وبيان مسألة الضرب في كتاب الأيمان.
نوع آخر في لو ولولا إذا جعل شرطاً
إذا قال لامرأته: أنتِ طالق لو دخلت الدّار، لم تطلق حتّى تدخل الدّار؛ لأنَّ لو بمعنى الشرط، فإنّه يستعمل لأمر مترقب، فصار بمعنى الشرط الذي هو مترقب الثبوت، فيتوقّف عليه.
وعن أبي يوسف ﵀ إذا قال لها: أنتِ طالق لو دخلت الدّار لطلقتك، فهذا رجل حلف بطلاق امرأته ليطلقها إن دخلت الدّار، وهو بمنزلة قوله: عبدي حرٌّ لو دخلت الدّار وضربتك، وهذا رجل حلف بعتق عبده ليضربها إن دخلت الدّار، فإن دخلت الدّار في مسألة الطلاق لزمه الطلاق إن طلقها، فإن ماتت أو مات هو فقد فات الشرط في آخر جزء من آخر الحياة فيقع الطلاق، كما في قوله: إن لم آتِ فأنتِ طالق فمات قبل أن يأتيها طلقت في آخر جزء من أجزاء حياته، قال محمّد ﵀: إذا قال لامرأته: أنتِ طالق لولا دخولك الدّار، فهذا استثناء ولا يقع الطلاق عليها، وكذلك لو قال: لولا مهرك عليّ، والأصل في جنس هذه المسائل أنَّ لولا تستعمل لامتناع الشيء بوجود غيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَكَ﴾ (هود: ٩١) فيصير تقدير كلامه: امتناع وقوع الطلاق عليك لمكان مهرك عليَّ، ولمكان دخولك الدّار. وقول محمّد ﵀ في «الكتاب» : هذا استثناء معناه: أنَّ هذا بمعنى الاستثناء، فإنّه يمنع ثبوت موجب الكلام كالاستثناء.
نوع آخر في حرف الباء
إذا جعل شرطاً إذا قال لامرأته: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذني، أو قال: إلا برضاي، أو قال: إلا بعلمي أو قال لها: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار بغير إذني، فهما سواء؛ لأنّ كلمة إلا وغير للاستثناء، والجواب فيهما أن بالإذن مرّة لا ينتهي اليمين حتّى لو أذن لها بالخروج مرّة وخرجت، ثمَّ خرجت بعد ذلك بغير إذنه طلقت، وإنّما كان كذلك؛ لأنّ كلمة الاستثناء دخلت على الخروج لا على الحرمة البائنة باليمين؛ لأن محلّ الاستثناء ما هو متعدّد؛ لأنَّ الاستثناء موضوع لاستخراج البعض، وذلك إنّما يتحقّق فيما هو متعدّد والخروج متعدّد، وأمّا الحرمة البائنة باليمين غير متعدّدة، فإذا قال لها: إن خرجت، فقد منعها عن جميع الخروجات، واستثنى خروجاً موضوعاً بإذن، فإذا وجد الخروج بإذن كان مستثنياً عن اليمين فلا تطلق، وإن وجد الخروج بغير إذن لم يكن مستثناً عن اليمين، فتطلق.
стр. 1364
وهو نظير ما لو قال لها: إن خرجت من هذه الدّار إلا بملحفة، فخرجت بغير ملحفة طلقت فطريقه ما قلنا. والحيلة للزوج في ذلك أن يقول لها: كلّما شئت الخروج فقد أذنت لك، فإن أذن لها بالخروج في كلِّ مرّة ثمَّ نهاها عن الخروج؛ قال محمّد ﵀: يُعمل نهيه، وقال أبو يوسف: لا يعمل، وأجمعوا على أنّه لو أذن لها بالخروج مرّة ثمَّ نهاها يعمل نهيه.
ولو قال لها: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار حتّى آذن لك، فأذن لها بالخروج مرة بينهنّ اليمين، حتّى لو خرجت بعد ذلك بغير إذن لا تطلق؛ لأنَّ كلمة حتّى كلمة غاية، وقد دخلت على ما يقبل التأقيت، فإن اليمين يقبل التأقيت بوقت، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: أنتِ طالق إن خرج فلان من هذه الدّار حتّى الليلة، أو قال: إلى الليلة كانت اليمين مؤقتة. إذا ثبت هذا فنقول: الزوج جعل ليمينه غاية، وهو إذن، فإذا وجد الإذن مرّة فقد وجدت الغاية فتنتهي اليمين فلا تطلق بعد ذلك وإن خرجت بغير إذنه، وإن عنى بقوله حتّى آذن إلا بإذني صحّت نيته فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء؛ لأنّه نوى ما يحتمله كلامه وفيه تغليظ عليه، وإن عنى بقوله: إلا بإذني حتّى آذن صحّت نيته فيما بينه وبين الله تعالى، ولا تصحّ نيته في القضاء، وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف في القضاء.
ذكر المسألة في «الجامع» من غير ذكر خلاف، وذكر القدوري أنّ على قول أبي حنيفة ومحمّد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵏، وفي رواية عن أبي يوسف: لا تصحّ نيته في القضاء، والوجه لهم: أنَّ (٢٦٨أ١) أنَّ التكرار ما ثبت بصريح اللفظ، بل بدلالة حرف الباء، فإذا نوى مرّة واحدة فقد نوى صريح لفظه، فيصدّقه القاضي في ذلك. ولو قال لها: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار إلا أن آذن لك، فهذا وما لو قال: حتّى آذن لك سواء حتّى ينتهي اليمين بالإذن مرّة.
إذا قال لها: إن خرجت من هذه الدّار من غير إذني فأنتِ طالق، فأذن لها بالعربية فخرجت تطلق؛ لأنَّ العلم شرط تحقق الإذن، ولم يوجد. ونظير هذا ما لو أذن لها وهي نائمة أو غائبة، هكذا ذكر في «النوازل» وفي «أيمان القدوري» إذا أذن لها وهي نائمة فهو إذن.
وفي أيمان «الأصل» : إذا أذن لها من حيث لا تسمع لم يكن إذناً، إن خرجت بعد ذلك طلقت في قول أبي حنيفة ومحمّد، وقال أبو يوسف رحمهما الله: هو إذن، ولو خرجت بعد ذلك لم تطلق، أبو يوسف يقول: الإذن يقوم بالإذن وحده وقد وجد، فهو بمنزلة ما لو أذن لها وهي نائمة، وهما قالا: الإذن مشتق من الأذان، وهو الإعلام، ومعنى الإعلام لا يحصل إلا بوصول الكلام إلى سمعها، بخلاف ما إذا أذن لها وهي نائمة؛ لأنَّ هناك وصل الكلام إلى سمعها إلا أنّه لم يحصل لها لمانع، فهو بمنزلة ما لو أذن لها وهي عاقلة، وحكي عن أبي شجاع: أنّه لا خلاف في هذه المسألة، وإنّما الخلاف في الأمر، إلا أنّ أبا سليمان حكى الخلاف في الإذن.
стр. 1365
وفي «المنتقى» : إذا قال لها أنتِ طالق إن خرجت إلا بأمري، فالأمر أن يسمعها الأمر بنفسه أو رسوله، وإذا أشهد قوماً على ذلك لم يكن أمراً قال ثمّة، وهذا الخلاف الإذن على أصله؛ لأنَّ حكم الأمر لا يثبت إلا بعد علم المأمور، كأوامر الشرع بخلاف الإذن؛ لأنَّ المقصود من الإذن أن لا يكون الخروج مع كراهية، وانعدام الكراهية لا يتوقف على علمها، ولو أنَّ هؤلاء الذين أشهدهم الزوج على الأمر بلغوها أنَّ الزوج قد أمرها بالجواب، وإن لم يأمرهم أن يبلغوها فخرجت، فهي طالق وإن أمرهم أن يبلغوها، فخرجت بعد ذلك لا تطلق. وفي الإرادات والهواء والرضاء لا يشترط رضاه، وأراد به حتّى لو خرجت بعدما قال رضيت أردت هديت لا تطلق، وإن لم تسمع هي ذلك، فلا خلاف إنّما الخلاف في الإذن والأمر، وفي هذا الموضع أيضاً إذا قال لها إن خرجت من هذه إلا بإذني، فأنتِ طالق ثمَّ سمع سائلاً، فقال لها: أعطِ هذه السائل هذه الكسوة، فإن كان السائل بحيث لا تقدر المرأة على دفع ذلك إليه إلا بالخروج، فهو إذن لها بالخروج وإن كان بحيث تقدر المرأة على دفع ذلك إليه من غير خروج، ثمَّ خرج السائل إلى الطريق فخرجت إليه وأعطته طلقت، ولو دعته فجاء حتّى صار بحال تقدر المرأة على دفع ذلك إليه من غير خروج، فلم تدفع إليه حتّى انصرف، فخرجت إليه ودفعت ذلك إليه طلقت أيضاً. ولو حلف بطلاق امرأته على جاريته أن لا تخرج من الدّار إلا بإذنه، وهي تشتري لها الحوائج، فقال لها: اشتري بهذه الدراهم لحماً، فهو إذن لها بالخروج، وإذا خرجت بعد ذلك لا تطلق امرأته.
وفيه أيضاً: إذا قال لامرأته: إن خرجت إلا بإذني فأنتِ طالق، فاستأذنيه بالخروج إلى أبيها، فأذن لها فخرجت إلى منزل أخيها لا تطلق من قبل أنّه إذن لها بالخروج ولا..... ذهبت إلى الذي أمرها به أو إلى غيره من قبيل أنَّ اليمين ها هنا على الإذن في الخروج إلى أبيها، فأذن لها فخرجت إلى أخيها طلقت.
وفي «النوازل» إذا قال لها: إن خرجت بغير إذني فأنتِ طالق، فاستأذنه نية للخروج إلى بعض أهلها فأذن لها، فلم تخرج إلى ذلك لكنّها كانت تكنس الدّار فخرجت إلى باب الدّار لتكنس الباب وقع الطلاق؛ لأنّها خرجت بغير إذن؛ لأنّه إنّما أذن لها في الخروج إلى بعض أهلها ولم تخرج إلى بعض أهلها، فإن تركت الخروج ثمَّ خرجت في وقت آخر إلى بعض أهلها الذي أذن لها في الخروج؛ قال: أخاف أن يقع الطلاق عليها؛ لأنَّ هذا إذن في الخروج في هذا الوقت عادة.
وفي «المنتقى» : إذا قالت المرأة لزوجها: ائذن لي في الخروج إلى بيت أبي فقال: إن أذنت لك في ذلك فأنت طالق ثمَّ قال لها: أذنت لك في الخروج، ولم يقل إلى أين لا يحنث في يمينه، وهذا بخلاف ما لو استأذن الغلام مولاه في تزوّج أمة رجل، فقال له المولى: إن أذنت لك في تزوّجها فامرأته طالق، ثمَّ قال بعد ذلك: قد أذنت لك في تزوّج
стр. 1366
النساء، أو قال: أذنت لك في التزوّج حنث (في) يمينه، وعلّل ثمّة في الفرق فقال: لأنّه لا يكون متزوّجاً غير امرأة، وقد تكون خارجة من الدّار إلى غير منزل أحد.
ومعنى هذا: أن التزوّج إذا كان لا يكون إلا بالمرأة فإذا أذن له في التزوّج مطلقاً يثبت الإطلاق في النسوة ضرورة ثبوت التزوّج الإطلاق في التزوّج، فكان نكاح هذه المرأة داخلاً تحت الإذن، وأمّا الخروج قد يكون لا إلى منزل أحد، فلم تكن من ضرورة الإطلاق في الخروج الإطلاق في جهة الخروج، فلا يكون الخروج إلى منزل أبيه داخلاً تحت الإذن فلهذا لا يحنث، وإذا قال لعبده: إن اشتريت هذا العبد بإذني فامرأتي طالق، ثمَّ أذن له في التجارة، فاشترى هذا العبد طلقت امرأة المولى، ولو قال: أذنت لك في شراء البُرّ، فاشترى هذا العبد لا تطلق امرأة المولى؛ لأنَّ الأوّل إذن عام أو مطلق، فتناول شراء العبد بعمومه أو بإطلاقه، فأمّا الثاني إذن خاص يتقيد بالبرّ، ولا يتناول بالدّقيق بحقيقته، ولكن صار مأذوناً في التجارات كلّها حكماً لا بإذن ظهر منه حقيقة، ولا يتحقق شرط الحنث نظراً إلى الحقيقة
المعلى عن أبي يوسف ﵀: رجل حلف بطلاق امرأته أن لا تشرب نبيذاً إلا بإذن فلان، ولا تأكل طعاماً إلا بإذن فلان، قائماً هذا الإذن على شربة واحدة، وعلى لقمة واحدة.
رجل قال: امرأتي طالق إن (٢٦٨ب١) دخلت هذه الدّار، إلا أنَّ يأمرني فلان، فهذا على الأمر مرّة واحدة، ولو قال إلا أن يأمرني به فلان فلا بدّ من الأمر في كلِّ مرّة. وعلى هذا إذا قال لغيره: إن عملت لك كذا إلا أن يأمرني فلان فهذا على الأمر مرّة، ولو قال: إلا أن يأمرني به فلان لا بدّ من الأمر في كلِّ مرّة، والأصل أنَّ الحالف إذا وصل الأمر بالفعل المحلوف عليه بحرف الفاء يشترط الأمر في كلِّ مرّة، وإذا ذكر الأمر مطلقاً يكتفي بالأمر مرّة واحدة.
ولو قال لامرأته: إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذني فأنتِ طالق، ثمَّ قال لها أطيعي فلاناً في جميع ما أمرك به، فأمرها فلان بالخروج فخرجت طلقت من قبل أن الزوج لم يأذن لها بالخروج. وكذلك لو قال الزوج لرجل: ائذن لها في الخروج، فأذن لها فخرجت طلقت، وكذلك لو قال ذلك الرجل: إنَّ زوجك قد أذن لك، وكذلك لو قال لها الزوج: ما أمرك به فلان فقد أمرتك (به) ، ثمَّ أذن لها بالخروج فبلغها ذلك ثمَّ خرجت طلقت، ولو قال الزوج لرجل: قد أذنت لها بالخروج، فبلغها ذلك ثمَّ خرجت لم تطلق.
قال لامرأته: إن خرجت من هذا الدّار إلا بعلمي أو بغير علمي فأنتِ طالق، فخرجت وهو يراها فمنعها أو لم يمنعها لم تطلق؛ لأنَّها خرجت بعلمه.
وفي «المنتقى» : إذا قال: إن خرجت من هذه الدّار بغير علمي فأنتِ طالق، فأذن لها بالخروج فخرجت بغير علمه لا تطلق؛ لأنَّ غرضه أن لا تخرج بغير رضاه، وفي «القدوري» : إذا قال لامرأته إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذني فأنتِ طالق، ثمَّ قال لها: إن فعلت كذا فقد أذنت لك لا يكون إذناً، ولو قال لها أذنت لك أبداً، أو الدّهر، أو
стр. 1367
كلّما شئت فهو إذن لها في كلِّ مرّة، ولو قال لها: أذنت لك عشرة أيّام، كان لها أن تخرج في العشرة ما شاءت، ولو عصبت وتهيّأت للخروج فقال الزوج: دعوها تخرج ولا نيّة له لم يكن إذناً إلا إذا نوى الإذن، ولو قال لها في غضبه: اُخرجي ولا نيّة له كان على الإذن، إلا إذا نوى اخرجي حتّى تطلق؛ لأنَّ الأمر قد يقصد به التهديد وقد نوى ما يحتمله لفظه، وفيه تشديد عليه.
ولو حلف على امرأته بطلاقها أن لا تخرج من الدّار إلا بإذنه، أو حَلّف السلطان رجلاً بطلاق امرأته أن لا يخرج من البلدة إلا بإذنه، أو حَلَّف صاحب الدّين مديونه أن لا يخرج من البلدة إلا بإذنه فاليمين.... بحال قيام الزوجيّة والسلطنة والدّين، فإن بانت المرأة، وعزل السلطان، وسقط الدّين يسقط اليمين ثمَّ لا يعود أبداً وإن عادت الولاية للسلطان والزوج وعاد الدّين.
وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف: سلطان حَلَّف رجلاً لا تدخل من هذا المسجد إلا بإذنه، ثمَّ عُزِل السلطان فقد سقط اليمين، وإن مات فاليمين على حالها. رجل خرج مع الوالي فحلف أن لا يرجع إلا بإذنه وقد سقط منه شيء فرجع كذلك لا تطلق؛ لأنَّ هذا الرجوع لا يراد باليمين عرفاً. وعن أبي يوسف فيمن حلف الطلاق على امرأته أن لا تخرج من بغداد إلا بإذنه، فقال الرجل: لم آذن لك، فادّعت المرأة الإذن فالقول قول الزوج، ولو قال لامرأته: أنتِ طالق إن خرجت من هذه الدّار إلا بإذن فلان، فمات فلان قبل الإذن بطلت اليمين في قول أبي حنيفة ﵀ ومحمّد خلافاً لأبي يوسف. والأصل عندهما: أنَّ اليمين إذا انعقدت على فعل في المستقبل ومات المعقود عليه أنّ اليمين تبطل، وعند أبي يوسف لا تبطل. وسيأتي الكلام فيه في كتاب الأيمان إن شاء الله.
وفي «الفتاوى» : إذا قال إن خرجتِ من هذه الدّار بغير إذني فأنتِ طالق، فقالت المرأة للزوج تريد أن أخرج حتّى أصير مطلقة، فقال الزوج: نعم، فخرجت تطلق؛ لأنَّ هذا تهديد وليس بإذن.
نوع آخر في ذكر مسائل الشرط بكلمة إن
ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب «الحيّل» : إذا وهب الرجل لرجل مالاً، ثمَّ إنّ الواهب قال للموهوب له: امرأتي طالق إن أنفقت هذا المال الذي وهبت لك إلا على أهلك، ثمَّ إنَّ الموهوب له أنفق بعض الهبة على أهله وقضى بالباقي ديناً عليه أو حجّ لا تطلق امرأة الواهب. علّل فقال: شرط برِّه إنفاق جميع الهبة على أهله، فيكون شرط حنثه ضدّ ذلك وهو إنفاق جميع الهبة على غير أهله، ولم يوجد ذلك ها هنا. قال: وهو نظير ما لو حلف لا يأخذ ماله على فلان إلا الجميع، فأخذ البعض دون البعض لا يحنث؛ لأنَّ شرط برّه أخذ جميع الدّين جملة، فيكون شرط حنثه ضدّه، وهو أخذ جميع الدّين
стр. 1368
متفرّقاً، وستأتي مسألة الاستشهاد في كتاب الأيمان مع أجناسها إن شاء الله.
إذا قال لامرأته: إن أكلت من القِدر الذي تطبخي أنتِ فأنتِ طالق، فإن أوقدت هي النّار فهي طابخة سواء حصل الإيقاد بعدما وضعت القدِر على الكانون أو في التّنّور أو قبل ذلك، وسواء حصل وضع القِدر على الكانون منها أو من غيرها، فإن أوقدت النّار غيرها، فليست بطابخة حصل الإيقاد بعدما وضعت القِدر على الكانون أو قبل ذلك، وإليه أشار في «القدوري» حيث قال: الطابخة توقد النّار دون التي تنصب القِدر ونصب القِدر ونصب الماء، وتَلَقّي الأباريق، واختيار الفقيه أبي الليث ﵀: أنّها تكون طابخة إذا وضعت القِدر في التنور، أو على الكانون بعد إيقاد النّار وإن حصل الإيقاد من غيرها قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : وعليه الفتوى. قال: ألا ترى في العادة التنّور إذا كان في سكّة توقد النّار فيه امرأة واحدة ثمَّ تضع كلّ امرأة قدرها في التنور؟ وبعد ذلك من كلّ واحدة منهنّ طبخاً.
وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا أراد الرّجل أن يجامع امرأته، فقال لها: إن لم تدخلي معي في البيت فأنتِ طالق، فدخلت بعدما سكنت شهوته وقع الطلاق عليها، وإن دخلت قبل ذلك لم تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث عدم الدخول لقضاء شهوته فيها، وقد تحقّق ذلك في الصورة الأولى دون الثانية في الباب الأوّل من طلاق «الواقعات» .
رجل خرج من بخارى إلى سمرقند وقال لامرأته: «آكر سيس من بيرون بياثي» مع فلانة، فأنتِ طالق ثلاثاً، فلم تخرج المرأة حتّى رجع الزوج من سمرقند، ينظر إن كانت فلانة خرجت ولم (٢٦٩أ١) تخرج امرأته معها وقع الطلاق على امرأته، وإن كانت فلانة لم تخرج أيضاً فإن أراد الزوج بقوله: أن تخرجي مع فلانة أن يكون عدم خروجها شرطها لوقوع الطلاق، فإذا لم يخرجا وقع الطلاق على امرأته، وإن أراد الزوج بذلك: إن خرجت فلانة ولم تخرجي معها على إثري، فإذا رجع الزوج قبل خروج فلانة لا يقع الطلاق، وتسقط اليمين.
قال لامرأته: إن ذهبت إلى قرية كذا فأنتِ طالق، فذهبت المرأة إلى قرية أخرى، ومرّت بضياع تلك القرية ولم تدخل عمران تلك القرية لا تطلق؛ لأنَّ القرية اسم للعمران وهو الدّور والبيوت خاصّة. نصّ عليه في «شرح القدوري» في كتاب «البيع» ، هذا إذا عقد يمينه على الذهاب، وإن عقدت يمينه على الخروج بأن قال: لها إن خرجت إلى قرية كذا فأنتِ طالق فخرجت إلى قرية أخرى ومرّت بضياع تلك القرية فإن كانت حين خرجت نوت أن تمرّ بتلك القرية طلقت، وإن كان من نيّتها أنّها لا تمرّ بتلك القرية، ثمَّ بدا لها بعد ذلك فمرّت بها لا تطلق.
قال لامرأته: إن تركتُ أو قال إن تركتُ صلاةً فامرأتي طالق، فترك صلاة أو تركت وقضاها هل يقع الطلاق؟ اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: لا يقع الطلاق، وبه كان يفتي الشيخ الإمام سيف الدّين عبد الرحيم الكرميني ﵀، لأنَّ ترك الصلاة أن يتركها ولا يقضيها، وبعضهم قالوا: يقع الطلاق، وبه كان يفتي القاضي الإمام ركن الإسلام
стр. 1369
عليّ السغدي ﵀، وهو الأشبه والأظهر؛ لأنَّ ترك الصّلاة أن يتركها عن وقتها،..... قال محمّد ﵀: إذا قضى المتروكة، وقال أيضاً: من ترك صلاة يوم وليلة وقضاها من الغد.
وفي «الفتاوى» : سيّد أبو القاسم ﵀: قالت المرأة لزوجها: لا طاقة لي بالكون معك جائعة، فقال لها: إن كنت جائعة في بيتي فأنتِ طالق قال: إذا لم يكن كذلك في غير الصّوم لا تطلق، وسئل هو أيضاً عن امرأة خرجت إلى ضيافة فقال الزوج لها: إن سكنت هناك أكثر من ثلاثة أيّام فأنتِ طالق فرجعت في اليوم الثالث إلى قرية زوجها، ثمَّ رجعت ومكثت هناك أيّاماً، قال: لا أفتي بالطلاق غير أنَّ الاحتياط فيه أولى، وقال الفقيه أبو الليث ﵀: إن دخلت عمران قرية الزوج ثمَّ رجعت لا تطلق، وإن لم تدخل ينبغي أن لا تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث المكث هناك بأكثر من ثلاثة أيّام في هذا الخروج من هذه القرية بدلالة الحال، ففيما إذا دخلت عمران قرية الزوج ثمَّ رجعت فهذا مكث في خروج آخر، وفيما إذا رجعت قبل أن تدخل عمران قرية الزوج فهذا مكث في الخروج الأوّل.
وفي «الفتاوى» أيضاً: رجل خرجت امرأته إلى قرية، فقال لها بالفارسيّة «آكربيش أزسه روز باشي» فأنتِ طالق، فانصرفت المرأة في اليوم الثالث إلى قرية أخرى، ثمَّ انصرفت إليها وأقامت بها أياماً، فإن كان انصرافها من تلك القرية على أن لا تعود ثمَّ عادت لا تطلق، وإن كان انصرافها على أن تعود ثمَّ عادت تطلق؛ لأنَّ شرط الحنث الكينونة في تلك القرية أكثر من ثلاثة أيّام في هذه الخرجة، فهي خرجت من تلك القرية على أن لا تعود لم تبق الكينونة في تلك القرية، ومتى خرجت من تلك القرية على أن تعود إليها فالكينونة الأولى نافية، وفي المسألة الأولى لم يذكر مثل هذا التفصيل.h
وسئل أيضاً: عمّن قال لامرأته: إن لم أشبعك من الجماع فأنتِ طالق، قال: لا يعرف ذلك إلا بقولها، وقال الفقيه أبو الليث والشيخ الإمام أبو حفص البخاري رحمهما الله: أنه إذا جامعها ودام على ذلك حتّى أنزلت فقد أشبعها ولا تطلق. قال الفقيه وبه نأخذ في فتاوى الفضلي إن لم أطأك كالدّر فأنتِ طالق ثلاثاً، فهذا على المبالغة في الجماع، وإن بالغ لم تطلق وإلا تطلق، وفي «الجامع الأصغر» : إنَّ الجماع كالدّر أن ينزلا جميعاً في ذلك الجماع إذا قال لها: إن لم أطأك مع هذه المقنعة فأنتِ طالق ثلاثاً، ثمَّ قال لها: إن وطئتك مع هذه المقنعة فأنتِ طالق ثلاثاً، والحيلة في ذلك: أن يطأها بغير مقنعة، ولا يقع الطلاق ما دامت المقنعة قائمة وهما حيّان؛ لأنَّ شرط وقوع الطلاق في الحال يتحقّق، وهو وجود الوطىء مع المقنعة، وكذلك العدم لا يتحقق أيضاً للحال، فإن مات أحدهما أو هلكت المقنعة وقع الطلاق؛ لأنَّ العدم قد تحقّق.
إذا قال لها: إن لم أجامعك على رأس هذا الرّمح فأنتِ طالق، فالحيلة في ذلك:....
стр. 1370
أن يثقب السقف، ويخرج رأس الرمح من السطح فيجامعها عليه، ولو قال لها: إن لم أجامعك وسط النهار وسط السوق فأنتِ طالق، فالحيلة في ذلك: أن يحملها في عمارى ويدخل السوق ويفعل ذلك الفعل. إذا قال لامرأته: إن بتِ الليلة إلا في حجري فأنتِ طالق، فباتت في فراشه ولم يأخذها في حجره حقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّتِى فِى حُجُورِكُمْ﴾ ولو قال بالفارسيّة «بكنار من آندر» ، وباقي المسألة بحالها يجب أن تطلق.
وفي «أيمان فتاوى أهل سمرقند» : إذا قال لها: إن لم أبت معك الليلة مع قميصك هذا فأنتِ طالق ثلاثاً، فقالت المرأة: إن بتّ معك مع قميصي هذا فجاريتي حرّة، فالحيلة في ذلك: أن يلبس الرّجل ذلك القميص فيبيتان ولا يجيبان؛ لأنَّ قصد الرّجل أن يبيت معها ومعه هذا القميص، وقصد المرأة أن لا تبيت لابسة قميصها.
إذا قال لامرأته: إن لم يكن ذكري أشدّ من الحديد فأنتِ طالق ثلاثاً، حكي عن شمس الأئمة الحلواني أنّها لا تطلق بهذه اليمين أبداً؛ لأنَّ الحديد يذوب بالنّار وينتقص بالاستعمال، وذكره لا يذوب بشيء، ولا ينتقص بالاستعمال. وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا قال لها: إن شتمتني فأنتِ طالق وإن لعنتني فأنتِ طالق فلعنته. قال محمّد بن سلمة ﵀: يقع تطليقتان؛ لأنَّ في كلِّ لعنة شتمة، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: إن شتمتني فأنتِ طالق فلعنته طلقت امرأته، وقال نصر ﵀ يقع طلقة واحدة لأنَّ الزوج عَبّر عن الشتم وعن اللعن، فدلّ تعبيره على أنّه أراد بقوله: إن شتمتني غير اللعن وإن (٢٦٩ب١) كان في اللعن شتماً. ولو قالت له: لا بارك الله فيك لا تطلق؛ لأنَّ هذا ليس بشتم بل دعاء سوء، وكذلك لو قالت له: يا جاهل يا حمار يا أبله لا تطلق؛ لأنَّ هذا ليس بشتم. ولو قال لها: إن شتمتك فأنتِ طالق فقال: أيُّ عراى ساحه، فهذا شتم عرفاً وإن كان لا يجب به الجدّ فتطلق بحكم العرف، ولو قال لها: إن شتمتني فأنتِ طالق، فقالت المرأة لولدها الصغير منه: «أي بلاه يحه» ينظر إن قالت ذلك لكراهة عن الولد لا يقع الطلاق؛ لأنّها شتمت الولد دون الوالد، وإن قالت ذلك لكراهة عن الولد تطلق لأنَّ هذا شتم للوالد، وهذا لأنَّ هذا اللفظ يصلح لشتم الولد ولشتم الوالد ويرجّح جانب شتم الولد في الفصل الأوّل، وجانب شتم الوالد في الفصل الثاني.
قال لامرأته إن أغضبتك فأنتِ طالق، فضرب صبيّاً لها فغضبت، ينظر إن ضربه في شيء ينبغي أن يضرب ويورث عليه لا تطلق؛ لأنَّ هذا ليس موضع الغضب، وإن ضربه في شيء لا ينبغي أن يُضرب ويورث عليه تطلق؛ لأنَّ هذا موضع الغضب.
إذا قال لامرأته (إن لم أقل عند الآن هذا موضع أحبك تلك قبيح في الدنيا عوك غداً) ، فأنتِ طالق، فهذا اليمين لا يقع على جميع أنواع القبيح؛ لأنّه لا يتصوّر عادة، وإنّما يقع على ثلاث من أنواع القبيح والفواحش، فإذا قال ثلاثاً من أنواع القبيح
следующие страницы →