Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
العالم، وما دام الزوج حيّاً لا ينبغي أن تكون العاشرة آخر امرأة يتزوجها من نساء العالم.
وفي المسألة الثانية: أوقع الطلاق على آخر امرأة يتزوّجها من العشرة، وكما تزوّج العاشرة فقد ... ... آخر امرأة تزوّجها من العشرة؛ لأنّه لا يحتمل ثبوت هذه الصفة الأخرى منهنّ لإنصاف الأولى بالأوليّة والثانية والثالثة وغيرهما بالوسطى، فتعيّن العاشرة الآخريّة مات الزوج أو لم يمت.
قال في «الكتاب» : ألا ترى أنّه لو نظر إلى امرأتين وقال: آخر امرأة أتزوّجها منكما فهي طالق، فتزوّج إحداهما ثمَّ تزوّج الأخرى طلقت الثانية حين تزوّجها وإن لم يمت الزوّج وهو إشارة إلى ما قلنا، ولو قال: آخر امرأة أتزوّجها فهي طالق، فتزوّج امرأة وطلقها ثمَّ تزوّجها ثانياً لم تطلق، وهو إشارة إلى ما قلنا: أن المرأة إذا اتصفت بالأوّلية في نكاحَ لا يتصوّر إتصافها بالآخرية في نكاح آخر.
ولو قال: آخرُ تزوّيج أتزوّجه فالتي أتزوّجها طالق، فتزوّج امرأة وطلقها ثمَّ أخرى ثمَّ تزوّج التي طلقها ثانياً ومات الزوج طلقت التي تزوّجها مرتين لا التي تزوّجها مرّة؛ لأنّه جعل الآخرية ها هنا صفة للتزوّج، وآخر تزوّج باشره نكاح التي تزوّجها مرتين أكثرها في الباب (٢٧٦ب١) أنّه تزوّجها أوّلاً، إلا أن النكاح الثاني غير الأوّل حقيقة، فجاز أن يتصف بكونه آخراً بخلاف ما تقدّم؛ لأنَّ هناك جعل الآخرية صفة للمرأة وغير هذه المرأة قد اتصف بالأوليّة، فلا يتصوّر اتصافها بالآخرية.
وكذلك لو نظر إلى عشر نسوة وقال: آخر تزوّج أتزوّجه منكن فالتي أتزوّج طالق، فتزوّج واحدة وطلقها، ثم تزوّج أخرى ثمَّ تزوّج التي طلقها، ثمَّ مات الزوج طلقت التي تزوّجها مرتين لما قلنا.
ولو تزوّج العاشرة لم تطلق العاشرة حتّى يموت الزوج، فرق بين هذا وبين ما إذا قال: آخر امرأة أتزوّجها منكن طالق، حيث تطلق العاشرة كما تزوّجها وإن لم يمت الزوج، الفرق أنَّ في هذه المسألة حصلت الآخرية صفة للزوج، وقبل موت الزوّج لم تثبت هذه الصفة للعاشرة، فإنّه إذا تزوّج واحدة أخرى من العشرة، ثمَّ مات الزوج كأنْ تزوّجها آخراً وفيما تقدّم جعل الآخرية صفة للمرأة، وقبل موت الزوج صفة الآخرية للعاشرة.
قال في «الكتاب» : ألا ترى أنّه لو نظر إلى امرأتين وقال: آخر تزويج أتزوّجه منكما فالتي أتزوّج طالق، فتزوّج واحدة ثمَّ الثانية لا تطلق الثانية ما لم يمت الزوج، وبمثله لو قال: آخر امرأة أتزوّجها منكما طالق، فتزوّج إحداهما ثمَّ تزوّج الأخرى طلقت الأخرى، وقع الفرق بينما إذا جعل الآخرية صفة للمرأة وبينما إذا جعل الآخرية صفة للزوج، فكذا فيما تقدّم.
стр. 1402
الفصل التاسع عشر: في الشهادة في الطلاق والدعوى والخصومة
إذا قال محمّد ﵀ في «الأصل» : إذا شهد شاهدان على رجل أنّه طلّق إحدى امرأتيه ثلاثاً، ولم يسم لنا، فالقياس أن لا تقبل شهادتهما، وفي الاستحسان تقبل ويجبر الزوج على البيان، وبه أخذ علمائنا ﵏.
وحاصل المسألة راجع إلى أنَّ الدعوى هل هي شرط لقبول الشهادة على الطلاق فعلى جواب القياس: شرط والدعوى من المجهول لا تتحقّق، وعلى جواب الاستحسان الدعوى ليس بشرط؛ لأنّها قامت على تحريم الفرج وحرمة الفرج حقّ الله تعالى، بدليل أنّه لا تزول الحرمة بإباحتها وبذلها، والشهادة على حقّ الله تعالى تقبل بدون الدعوى، كالشهادة على الزنا، وإذا لم تكن الدعوى شرطاً لقبول الشهادة على الطلاق استحساناً لم يكن جهالة المطلقة مانعة قبول الشهادة؛ لأنّه ليس في قبول جهالة المطلقة إلا عدم الدعوى، والدعوى ليس بشرط على جواب الاستحسان.
وإذا شهد الشهود على رجل أنّه طلق فلانة، فقالت امرأته: ما طلقني وقال الزوج: ليس اسمها فلانة، وشهد الشهود أنَّ اسمها فلانة والطلاق ثلاث، فإنّه ينبغي للقاضي أن يفرق بينهما بناءً على ما قلنا: أنّ الشهادة على الطلاق تقبل من غير الدعوى استحساناً، فإذا قبلت الشهادة وقد ثبت أنّ له امرأة بالاسم الذي سمّاها به وقع الطلاق عليها، وكذلك هذا في عتق الأمة.
إذا شهد الشهود أنّه أعتق فلانة وشهد الشهود أنّ اسم مملوكته فلانة، وقالت فلانة لم يعتقني، فإنَّ القاضي يقضي بالعتق، وإذا شهد شاهدان على تطليقة وشهد آخر على تطليقتين أو على ثلاث تطليقات لم تقبل هذه الشهادة عند أبي حنيفة ﵀، وعند أبي يوسف ومحمّد رحمهما الله تقبل الشهادة على تطليقة واحدة، وهو نظير ما لو شهد أحد الشاهدين بألف وآخر شهد بالألفين والمدعي يدعي الألفين لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة ﵀ أصلاً، على ما يأتي بيانه في كتاب الشهادات إن شاء الله تعالى.
وإذا شهد أحدهما أنّه طلقها إن دخلت الدّار وقد دخلت، وشهد الآخر أنّه طلقها إن كلّمت فلاناً وقد كلّمت فشهادتهما باطلة؛ لأنهما شهدا بيمينين مختلفين، وكذا إذا شهد أحدهما أنه طلقها ثلاثاً، وشهد الآخر أنّه قال لها: أنتِ عليّ حرام ينوي الطلاق، فشهادتهما باطلة أيضاً.
وكذا إذا شهد أحدهما بالخليّة، والآخر بالبريّة، أو شهد أحدهما بنيّة، وشهد الآخر بالبائن فشهادتهما باطلة، وكذا لو شهد أحدهما أنّه قال: إن دخلت فلانة وفلانة الدّار فهما طالقتان، وشهد الآخر أنّه قال: إن دخلت فلانة الدّار فهي طالق فشهادتهما باطلة.
ولو شهد أحدهما أنّه قال لامرأته: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق وفلانة معك، وشهد الآخر أنّه قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فإنّه تقبل الشهادة على طلاقها ولا تقبل
стр. 1403
على طلاق فلانة؛ لأنّ ههنا اتفقا على أن شرط الحنث واحد وهو دخولها الدّار؛ لأنّ أحدهما شهد أنّه على هذا الشرط طلاقها، وطلاق الأخرى بلفظة الجمع، فهذا لا يمنع قبول الشهادة في التنجيز بأن شهد أحدهما أنّه طلّق زينب، وشهد الآخر أنّه طلق زينب وعمرة، فإنّه تقبل شهادتهما على طلاق زينب، فكذا في التعليق بخلاف المسألة الأولى؛ لأنّ هناك اختلفا في شرط الحنث، وليس على كلّ واحد منهما إلا شاهد واحد.
وكذلك إذا شهد أحدهما أنّه قال: فلانة طالق، لا بل فلانة، وشهد الآخر أنّه قال: فلانة طالق سمّى الأولى لا غير، تقبل شهادتهما على طلاق فلانة لاتفاقهما على طلاقها لفظاً ومعنى، وإذا اختلفا في مقدار الشروط التي علّق بها الطلاق أو في التعليق والإرسال أو في مقدار الأجعال أو في صفاتها أو في أشراطها وحذفها، فكذلك كل اختلاف في المشهود به فيمنع قبول الشهادة.
وإذا شهد الرجل على طلاق أمّه، إن كانت الأم تدّعي الطلاق لا تقبل شهادته، وإن كانت تجحد تقبل شهادته؛ لأنّ الأمّ في طلاق نفسها منفعة ومضرّة، فتعيين الشهادة لها إذا ادّعت، وعليها إذا جحدت.
وهذا بخلاف ما لو شهد على طلاق ضرّة أمّه حيث لا تقبل شهادته ادّعت الأمّ ذلك أو جحدت؛ لأنّ للأمّ في طلاق ضرّتها منفعة من كلّ وجه لا يشوبه ضرر، فإنّه يخلص لها الفراش، فاعتبرت الشهادة واقعة للأمّ وإن جحدت.
وإن شهد على طلاق (٢٧٧أ١) أخته قبلت شهادته، ادعت الأخت ذلك أو جحدت؛ لأنّه إمّا أن تعتبر هذه الشهادة واقعة للأخت، أو عليها وكلُّ ذلك مقبولة.
وإذا شهد أحد الشاهدين على تطليقة واحدة بائنة، وشهد الآخر على تطليقة رجعيّة قبلت شهادتهما، على تطليقة رجعيّة؛ لأنّهما اتفقا على أصل الطلاق وتفرّد أحدهما بزيادة صفة.
وإذا شهد أحدهما بتطليقة والآخر بنصف تطليقة لا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة ﵀ كما لو شهد أحدهما بتطليقة والآخر بتطليقتين، وهذا لأنّ النصف من الواحدة كالواحدة من الثنتين.
وإذا اختلفا الإنشاء والإقرار شهد أحدهما بالإنشاء، وشهد الآخر بالإقرار، واختلفا في الزمان أو في المكان، بأن شهد أحدهما أنه طلقها يوم الجمعة، وشهد الآخر أنّه طلقها يوم السبت، أو شهد أحدهما أنّه طلقها في بلدة كذا، وشهد الآخر أنّه طلقها في بلدة كذا تقبل شهادتهما.
ولو شهد أحدهما أنّه طلّقها يوم النحر بمكّة، وشهد الآخر أنّه طلقها في ذلك اليوم بكوفة، لا تقبل شهادتهما لا لاختلاف المكان، بل لأنّ القاضي تيقّن بكذب أحدهما.
ولو كانا شهدا بذلك على يومين متفرقين بينهما من الأيام على قدر ما يسير الراكب من كوفة إلى مكّة جازت شهادتهما؛ لأنّا لم نتيقّن بكذب أحدهما في هذه الصورة لم يبق الاختلاف المكان، وباختلاف المكان لا يختلف المشهود به وهو الطلاق، ثمَّ في الوجه
стр. 1404
الأوّل لو كان أحد الفريقين شهد أوّلاً، وقضى القاضي بشهادتهم، ثمَّ شهد الفريق الآخر فالقاضي لا يقضي بشهادة الفريق الثاني، ولا يبطل قضاؤه بشهادة الفريق الأوّل؛ لأنّ في هذا الوجه بعد قضاء القاضي من حيث الظاهر وقع الشكّ في بطلان شهادة الفريق الثاني، إن كانوا صَدَقَةً يبطل، وإن كانوا كَذَبَةً لا يبطل، فلا يبطل القضاء بالشك، وفي الوجه الأوّل وقع الشك في جواز القضاء.
ونظير هذه المسألة ما لو قال لامرأتين له: أيتكما أكلت هذه الرغيف فهي طالق، فجاءت كلُّ امرأة بالبينة أنّها هي التي أكلته لا تقبل شهادتهما؛ لأنّ القاضي تيقن بكذب إحدى البينتين؛ لأنّ الشرط أكل كل الرغيف، واستحال أن تكون كلّ واحدة منهما أكلت كلّ الرغيف، وإن جاءت إحدى البينتين قبل الأخرى وقضى القاضي بها، ثمَّ جاءت الأخرى فالقاضي لا يلتفت إليها وطريقة ما قلنا.
وفي «نوادر هشام» عن محمّد بن الحسن ﵀: في رجل ادعت عليه امرأته أنه طلّقها ثلاثاً وهو يجحد، ثمَّ مات الزوج، فجاءت المرأة تطلب الميراث، قال: إن صدّقته المرأة قبل أن يموت وقالت: صدقت، لم تطلقني وَرِثته، وإن لم ترجع إلى تصديقه حتّى مات لم ترثه.H
مرت امرأة بين يدي رجل، فقال الرجل: هي طالق، وسمع ذلك قوم ثمَّ رأوها معه بعد ذلك، فقال: هذه امرأتي فشهدوا عليه أنّه طلّقها، فقال الزوج: طلقتها أمس وهي ليست لي بامرأة وتزوّجتها اليوم، وقال القوم: طلّقها أمس ولا ندري أكانت امرأته أم لا لا تطلق حتىّ يشهدوا عليه أنّه طلقها وهي امرأته.
ابن سماعة في «نوادره» عن محمّد ﵀ في رجل شهد عليه شاهد أنّه طلّق امرأته واحدة بائنة، وشهد آخر عليه أنّه طلّقها ثلاثاً فهي واحدة يملك الرجعة.
وفي «المنتقى» : روي عن محمّد في رجل قال: امرأته طالق ثلاثاً إن كان دخل الدار اليوم، فشهد شاهدان أنّه دخل، فقال: امرأته طالق، فإن قال الزوج: عبده حرٌّ إن كانا رأياني دخلت الدّار، معناه: إن كان الشاهدان رأياني لا يحكم بعتق العبد بقولهما، حتّى شهد شاهدان غير الأولين أنّ الأولين رأياه قد دخل، وكذلك لو كان الزوج قال: عبدي حرٌّ إن لم يكونا شهدا علي الزور لا يحكم بعتق عبده؛ لأنه يمكن للذي حلف أن يقول: إنَّ الشاهدين لم يرياني قد دخلت وقد شهدوا بزور.
بشر عن أبي يوسف ﵀: شاهدان شهدا على رجل أنّه طلّق امرأته وشهد آخران في ذلك أنّه قال: إن دخلت الدّار، والمجلس واحد والكلام واحد، فإني أجد ببيّنة الثبات، ولو لم تدع المرأة ذلك فرقت بينهما؛ لأنّهما شهدا بالتحريم.
داود بن رسرد عن محمّد ﵀: شهد شاهدان على رجل أنّه طلّقها واحدة
стр. 1405
قبل أن يدخلها، وشهد آخران أنّه طلقها ثلاثاً ولا ... أيهما أوّل، قال أجعلها ثلاثاً من قبل أن شهادتهم أنّه طلقها ثلاثاً إقرار منه أنّه طلّقها وهي امرأته. وكذلك لو شهد كل فريق منهما بطلاق معلّق بدخول الدّار.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمّد ﵀: إذا شهد شاهد على رجل أنّه طلّق امرأته واحدة، وشهد آخر أنّه طلّقها ثنتين، وشهد آخر أنّه طلّقها ثلاثاً، وكانت المرأة مدخولاً بها قال: هي طالق ثلاثاً، وإن لم يكن دخل بها فهي طالق ثنتين. قال في تعليل وقوع الثلاث: قيل إنَّ صاحب الثلاث وصاحب الثنتين قد أجمعا على الثنتين، وصاحب الثلاث مع صاحب الواحدة أجمعا على الواحدة فطلقت ثلاثاً لهذا.
وفي شهادات «المنتقى» : رجل حلف بطلاق امرأته أو بعتاق عبده أنّه...... عن فلان خصم له به عليه حقّاً، فشهدت عليه بنته أنّه قد خرج من المصر خروج هَرَبٍ من المدعي، ولم يشهدوا على إقرار الخارج أنّه هرب من الخصم، قال أبو يوسف ﵀: إذا شهدوا عليه أنّه خرج خروج هرب منه، ... عنه قبلت الشهادة وطلقت المرأة وعتق العبد قال: وهذا عندي بمنزلة الشهادة على الإباق.
رجل جعل أمر امرأته بيدها، ثمَّ قال لرجلين: أخبراها أني جعلت أمرها بيدها، فقالا: نشهد أنّا أخبرناها أنَّ زوجها قد جعل أمرها بيدها، وطلّقت نفسها والزوج يجحد ذلك أجزت شهادتهما. ولو قال: لهما طلِّقاها، اجعلا أمرها بيدها، فقالا: نشهد أنّا جعلنا أمرها بيدها وأنّها اختارت نفسها لم أقبل شهادتهما؛ لأنّه فعلهما فلا يستقيم أن يصير الأمر بيدها إلا بقولهما: جعلنا أمرك بيدك، أمّا في الفصل الأوّل لم يشهدا على فعل منهما مثل ذلك، ألا ترى أنّه لو قال: خيراها فلم يفعلا وأخبرها غيرهما أنّ الأمر يصير في يدها.
ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: إذا اختلف شاهدان في الطلاق (٢٧٩أ١) ، فشهد أحدهما بالنبطية أو بالفارسيّة أو بلسان آخر غير ذلك، وشهد آخر أنّه طلّقها بالعربية لا تقبل شهادتهما، قال: ولو كان هذا في الإقرار بمال أجزته، قال: وليس الطلاق كذلك؛ لأنّي أنويه في الطلاق في وجوه، وقال فيما إذا شهد شاهد على رجل أنه قال له: أنت حرٌّ، وشهد الآخر أنّه قال له بالفارسيّة: «بوارادي» تقبل شهادتهما، قال: لأنّه ليس له وجه آخر غير العتق.
ابن سماعة عن أبي يوسف في «نوادره» : إذا قال لامرأته: إن قلت لك أنتِ طالق فعبدي حرٌّ، فشهد عليه شاهد أنّه قال لها يوم الجمعة غدوة: أنتِ طالق، وشهد عليه شاهد آخر أنّه قال لها يوم الجمعة عشيّة: أنتِ طالق قبلت شهادتهما.
وعنه أيضاً في...... أخرى: إذا قال لامرأته: إن كلّمت فلاناً فأنتِ طالق، فشهد أحد الشاهدين أنّها كلّمته غدوة، وشهد الآخر أنّها كلّمته عشيّة طلقت امرأته، وعنه في
стр. 1406
فصل العتق بخلاف هذا، فإنّه قال فيمن قال لعبده: إن كلّمت فلاناً فأنت حرٌّ، فشهد شاهد أنّه كلّمه اليوم وشهد الآخر أنّه كلّمه أمس لا تقبل هذه الشهادة.
وعنه أيضاً: إذا قال لامرأته: إن ذكرت طلاقك سميت طلاقك إن تكلّمت به فعبدي حرّ، فشهد أحدهما أنّه طلّقها اليوم، وشهد الآخر أنّه طلقها أمس يقع الطلاق ولا يقع العتق. وعنه أيضاً: إذا قال لها: إن دخلت الدّار فأنتِ طالق، فشهد أحد الشاهدين أنّه دخلها غدوة وشهد الآخر أنّه دخلها عشيّة لم تقبل. وعنه أيضاً: لو جعل أمر امرأته بيدها شهراً، فشهد شاهد أنّها اختارت نفسها يوم الجمعة وشهد الآخر أنّها اختارت نفسها يوم الخميس لا تقبل شهادتهما.
وفي «نوادر هشام» قال: سمعت محمّداً ﵀ يقول في رجل تحته أمة أعتقت، فشهد شاهد عليه أنّه طلّقها * وهي أمة * ثنتين، وشهد آخر أنّه طلقها بعدما أعتقت ثلاثاً، فهما تطليقتان يملك الرجعة. قال هشام: وسمعته يقول في الشاهد شهد أنَّ فلاناً طلّق امرأته ثلاثاً ألبتة، وشهد آخر أنَّ فلاناً طلّقها ثنتين ألبتّة، قال: هي تطليقتان يملك الرجعة.
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف (في) «نوادره» : إذا شهد شاهد أنّه قال: إن دخلت هذه الدّار فامرأتي طالق، وشهد آخر أنّه قال: إن دخلت هذه الدّار وهذه الدر فامرأتي طالق، فالشهادة باطلة؛ لأنّ الذي شهد بهذه أو هذه، وشهد أنّه إذا دخل غير الدّار التي شهد عليها صاحبه أنّه يقع الحنث، ثمَّ لا يقع الحنث بعد ذلك بدخول الدّار الأخرى التي شهد عليها صاحبه.
وفي كتاب الأقضية من «المنتقى» : إذا شهد شاهدان على رجل أنّه قال لامرأته: إن كلّمت فلاناً فأنتِ طالق ثلاثاً، فالقاضي يسأل المرأة هل كلّمت فلاناً بعد ذلك اليمين، فإن قالت: نعم سمع من الشاهدين شهادتها، وإن قالت: لا، لا يسمع شهادتهما، وإن قالت: لا أدري وهناك شهود يشهدون كلامها سمع القاضي شهادتهم، فإذا شهد الشاهدان على اليمين وشهد آخران على الكلام بعد ذلك فرق بينهما، فإن كان حلف في ذلك بطلاق كلّ امرأة وله امرأة أخرى غائبة وحضرت بعدما نفذ الحكم فإنَّ القاضي يطلّقها في قول أبي يوسف، ولا يطلّقها في قول أبي حنيفة رحمهما الله حتّى يعيد الشهود الشهادة على اليمين والشهادة على الكلام.
وإذا شهد شاهدان عند المرأة بطلاقها، فهذا على وجهين: إن كان الزوج غائباً وسعها أن تتزوّج، وإن كان الزوج حاضر....... الطلاق لا يسعها أن تتزوّج، لكن لا يسعها أن تمكّن منه؛ لأنَّ في الوجه الأوّل لا يمكنها السؤال عن الزوج ... على أنّه في الوجه الثاني السؤال ممكن، فإذا جحد احتيج إلى القضاء بالفرقة، والقضاء بالفرقة إنّما يكون من القاضي بحضرة الخصمين.
стр. 1407
وفي «فتاوى النسفي» : ﵀: إذا شهد الشهود على رجل أنَّ امرأته هذه محرّمة عليه بثلاث تطليقات، أو قالوا: حرام عليه بثلاث تطليقات ولم يقولوا: طلّقها ثلاثاً، قال: في الشهادة قصور، ولا بدّ من إضافة الطلاق إليه، وقال: لا قصور في الشهادة ولا حاجة إلى إضافة الطلاق إليه، وقال: لا، وهو الأشبه والأصوب.
وفيه أيضاً: إذا شهد شاهدان على رجل أنّه حلف بالطلاق أن لا يفعل كذا، وقد فعل وحنث في يمينه، فقيل: ينبغي أن لا تقبل الشهادة بدون لفظ اليمين؛ لأنّ الشاهد قد يظنّ الحنث في اليمين ولا حنث فيه.
وفيه أيضاً: إذا شهد الشهود أنَّ هذه المرأة حرام على زوجها هذا لا تقبل شهادتهم؛ لأنّ الحرمة أنواع، حرمة بالإيلاء، وحرمة بالظهار، وحرمة بالطلاق، وأحكامه مختلفة، فلا بدّ من البيان، والله أعلم بالصواب.
الفصل العشرون: في طلاق المريض
إذا طلّق المريض امرأته طلاقاً رجعيّاً ورثت ما دامت في العدّة، ولو طلّقها طلاقاً بائناً أو ثلاثاً ثمَّ مات وهي في العدّة، فلو طلّقها فكذلك عندنا ترث، ولو انقضت عدّتها ثمَّ مات لم ترث.
والحاصل: أنّ الزوج بالطلاق في حالة المرض قصد إبطال حقّها؛ لأنّه قصد إبطال الزوجيّة، والزوجيّة من الوجه الذي هي متعلّق الإرث حقّها، فيرد عليه إبطاله، وذلك بإبقاء الزوجيّة من الوجه الذي هي متعلّق الإرث ما دام في إمكان الإبقاء ثابتاً، وما دامت العدّة باقية الإمكان ثابت؛ لأنّ الشرع ورد بتأخير عمل الطلاق إلى وقت انقضاء العدّة في كثير من الأحكام، فكذا في حقّ هذا الحكم، أمّا بعد انقضاء العدّة فالإمكان غير ثابت؛ لأنّ الشرع لم يرد بتأخير عمل الطلاق بعد انقضاء العدّة في حق حكم ما يعمل الطلاق عمله، وارتفع النكاح من كلّ وجه، فلهذا لا ترث، وهذا إذا طلقها من غير سؤالها.
فأمّا إذا طلّقها بسؤالها فلا ميراث لها. وكذلك إذا وقعت الفرقة بمعنى من قبلها فلا ميراث لها؛ لأنّا إنّما أبقينا النكاح في حقّ الإرث مع وجوب القاطع ديانة لحقّها، وقد رضيت ببطلان حقّها بسؤالها الطلاق وبّما يسرته بسبب الفرقة، فعمل القاطع عمله، وعن هذا قلنا: إنَّ امرأة العنين إذا (٢٧٧ب١) اختارت نفسها في مرض الزوج فلا ميراث لها، وإذا جامعها ابن المريض مكرهة لم ترث؛ لأنّ الفرقة غير مضافة إلى الزوج، وبقاء الإرث بعد الفرقة بسبب الفرار، وذلك عند إضافة الفعل إليه، فإذا لم يوجد لا يبقى الميراث.
قال في «الأصل» : إلا أن يكون الأب أمر الابن بذلك ونقل فعل الابن إلى الأب في حقّ الفرقة، كأنّه باشر بنفسه فيصير فارّاً. وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قالت
стр. 1408
لزوجها: طلقني، فطلقها ثلاثاً ثمَّ مات وهي في العدّة ورثت استحساناً؛ لأنّها سألت الواحدة، وهو طلّقها ثلاثاً، فقد طلّقها بغير رضاها.
وحدُّ مرض الموت الذي يصير الزوج بالطلاق فيه فارّاً ولا يصحّ من المريض تبرعاً به: أن يكون صاحب فراش قد أضناه المرض، فأمّا الذي يجيء ويذهب في حوائجه فليس بمريض ولا فار، وإن كان يشتكي مع ذلك ويحم، هكذا ذكر محمّد ﵀، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» فقد شرط أن يكون صاحب فراش، وبه أخذ بعض مشايخ بلخ، وبعض مشايخ ما وراء النّهر ﵏ حتى إنَّ على قول هؤلاء: من أخذه وجع البطن لا يكون مريضاً مرض الموت.
واختلفوا فيما بينهم في معنى قوله: فأما الذي يجيء ويذهب في حوائجه، قال مشايخ بلخ ﵏: أراد به الذهاب إلى حوائجه في البيت من مشيه إلى الخلاء، وأشباه ذلك. وقال مشايخنا ﵏: أراد به الذهاب إلى حوائجه خارج البيت، حتّى إنَّ على قول مشايخنا ﵏ إذا أمكنه الذهاب إلى حوائجه في البيت ولكن لا يمكنه الذهاب إلى حوائجه خارج البيت فهو مريض وهو الصحيح.
فأمّا المرأة لا تحتاج إلى الخروج في حوائجها، فلا يعتبر هذا الجزء في حقّها، ولكن إذا كانت بحيث لا يمكنها الصعود على السطح فهي مريضة، وقد ذكر محمّد ﵀ في «الأصل» مسائل تدلُّ على الشرط الذي هو خوف الهلاك على طريق الغلبة، لا كونه صاحب فراش، فإنّه قال: إذا أخرج الرّجل للقصاص أو للرجم فهو في حكم المرض، وكذا قال: إذا بارز وخرج عن الصفّ فهو في حكم المريض. ولو كان محصوراً ومحبوساً في جزاء وقصاص أو واقعاً في صفّ القتال فهو في حكم الصحيح؛ لأنّ الهلاك غالب في الذي أخرج للقتل، أو أُخرج للبراز، وليس بغالب في المحبوس والواقف في صفّ القتال، والمرأة في حالة الطلاق في حكم المريض وإن لم تكن صاحبة فراش؛ لأنّ التلف في هذه الحالة غالب، ذكره «القدوري» ، وإذا نزل في مسبعة أو ركب سفينة فهو في حكم الصحيح؛ لأنّ الهلاك في حقّها ليس بغالب، وإذا أخذه السبع بفمه، أو انكسرت سفينته وبقيت على لوح واحد فهو في حكم المريض؛ لأنَّ الهلاك في حقّه غالب.
وفي «الجامع الصغير» أيضاً ما يدلّ على أنّ الشرط خوف الهلاك على طريق الغلبة، فإنّه قال في المشلول والمقعد والمفلوج: ما دام يزداد منه فهو في حكم المريض؛ لأنّه ما دام يزداد منه من العلّة فالغالب أن آخره الموت، فإن صار قديماً لا يزداد فهو بمنزلة الصحيح؛ لأنّه لا يخلف عنه الهلاك غالباً، كذلك الموقوف على هذا، وبه أخذ بعض المشايخ ﵏، وبه كان يفتي الصدر الكبير برهان الأئمة والصدر الشهيد حسام ... رحمهما الله، ومن المشايخ من قال: إذا خرج للرجم فهو في حكم المريض
стр. 1409
، وإذا خرج للقصاص فهو في حكم الصحيح.
وفي «المنتقى» : أبو سليمان عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵏: أنَّ البارز طلاقه كطلاق الصحيح، وهذا خلاف ما ذكرنا في مسائل «الأصل» ، ثمَّ في كلِّ موضع صار في حكم المريض وطلّقها ومات وهي في العدّة ورثت كان بهذه الجهة أو بجهة أخرى، هكذا ذكر في «الجامع الصغير» ؛ لأنّه لمّا ثبت له حكم مرض الموت صار الموت الواقع عقيبه وعقيب سبب آخر مضافاً إليها، كالموت الواقع عقيب جرحين صالحين.... وإن كان التعاقب والترادف، ولهذا قال في «الأصل» : المريض الذي هو صاحب فراش إذا طلّق امرأته ثلاثاً ثمَّ قتل إنّها ترث.
ولو طلّقها ثلاثاً وهو مريض وهما لا يتوارثان ثمَّ صار الحال يتوارثان، نحو أن يكون أحدهما عبداً فيعتق، أو تكون المرأة كتابيّة فتسلم لم ترثه؛ لأنّ حكم الفرار لم يثبت بالإيقاع إذ النكاح لم يكن سبب الميراث في ذلك الوقت ولا شرطه، فلا يثبت حكم الفرار بعد ذلك.
ولو طلّقها ثلاثاً وهو مريض ثمَّ قبّلت ابن زوجها ثمَّ مات وهي في العدّة فلها الميراث. ولو ارتدت في عدّتها ثمَّ أسلمت فلا ميراث لها. والفرق: أنَّ بالارتداد خرجت من أن تكون أهلاً لاستحقاق الإرث، فبطل حقّها في الإرث فلا يعود بالإسلام، فأمّا التقبيل لم تخرج عن أهلية الوراثة؛ لأنّ أثر التقبيل في إثبات المحرميّة والمحرميّة لا تنافي الإرث، فلا تنافي بقاء النكاح في حقّ الإرث.
وإذا علّق الزوج طلاق امرأته بفعل نفسه ففعل ذلك الفعل وهو مريض، فهو فارّ، سواء كان التعليق في حالة الصحّة والشرط في حالة المرض، أو كان التعليق والشرط في حالة المرض، فلأنّه لمّا باشر الشرط مع علمه بوقوع الطلاق عنده لا محالة، وببطلان حقّها في الإرث صار كأنّه أوقع الطلاق في حالة المرض، ويستوي أن يكون فعلاً للزوج منه بُدٌّ كدخول الدّار، ولا بدّ له منه كالصلاة والكلام مع الأبوين؛ لأنَّ الفعل الذي لا بدَّ للزوج منه إن لم يكن جناية في حقّه فهو جناية في حقّها حيث إنّه يضرُّ بها ويبطل حقّها، وحقّها معصوم محترم في حقّ الزوج فيجعل اضطرار الزوج عدماً في حقّها، كتناول مال الغير عند الضرورة.
وإن حصل التعليق بفعل أجنبي إن حصل التعليق ومباشرة الشرط في مرض الزوج ورثت، وإن حصل التعليق في حالة الصحة لا ترث؛ لأنّه لم يوجد من الزوج حال تعلّق حقّها بماله لا مباشرة العلّة، ولا مباشرة الشرط، وكذلك الجواب إذا حصل التعليق بفعل سماوي كمجيء رأس الشهر وما أشبهه.
وإن حصل التعليق بفعلها إن كان فعلاً لها منه بدّ فإنّها لا ترث على كلّ حال؛ لأنّ مباشرة الشرط منها بلا ضرورة دلالة (الدّار) الرضا بوقوع الطلاق فنفذ الطلاق (٢٧٧ب١) في
стр. 1410
حقّها، كما لو طلّقها بسؤالها.
وإن كان فعلاً لا بدّ لها منه إن كان التعليق في حالة المرض ترث بالإجماع؛ لأنَّ مباشرة العلة وجدت في حالة المرض بغير رضاها، ومباشرة الشرط منها لا يدلّ على الرضا بحكم هذه العلّة؛ لأنها مضطرّة في مباشرة هذا الشرط، فقد ابتليت بين بليتين فاختارت أهونهما، والعاقل يكون مضطراً باختيار أدون السوءين لدفع أعلاهما، فلا يثبت به الرضا بوقوع الطلاق.
وإن كان التعليق في حالة الصحّة والشرط في حالة المرض فإنها ترث في قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ لا ترث؛ لأنّه لم يوجد من الزوج مباشرة العلّة في حالة المرض ولا مباشرة الشرط فلا يكون فارّاً كما لو حصل التعليق بفعل أجنبي.
ولهما: أنّ الشرط وجد من الزوج حالة المرض معنى. بيانه: أنّها محمولة من جهة الزوج على مباشرة هذا الشرط، فإنّها بسبب تعليقه ابتليت بين بليتين: أن تفعل هذا الفعل فيقع الطلاق عليها، وبين أن لا تفعل فتتضرّر بسبب الامتناع عن الفعل، إمّا في الدنيا بأن كان استيفاء مال، أو في الآخرة بأن كانت مبلوة......، أو كلام الأبوين، والمبتلى بين الشرّين يكون محمولاً على تحمّل أدناهما ودفع أعلاهما بحكم الطبيعة والعادة كالمبتلى بين قتل نفسه وبين قتل غيره يكون محمولاً على قتل الغير لهذا، وفعل المحمول مضاف إلى الحامل كما في الإكراه، وإذا أضيف فعل المرأة إلى الزوج صار كأن الزوج علق الطلاق في حالة الصحّة بفعل نفسه، وفعل ذلك في مرضه.
وإذا جعل طلاق امرأته إلى أجنبي في الصحّة فطلّقها في المرض، فإن كان التفويض على وجه لا يملك عزله، نحو أن يملكه لم ترث، وإن ملك عزله ورثت؛ لأنّه إذا ملك عزله لا يكون التفويض لازماً، وما لا يكون لازماً من التصرّف كان لبقائه حكم الإنشاء، فكأنّه أنشأ التفويض في المرض، وإذا لم يملك عزله كان التفويض لازماً، فلا يكون لدوامه حكم الإنشاء فلم يوجد في مرض الموت لا مباشرة نفس الطلاق ولا التفويض لا حقيقة ولا حكماً، فلا يثبت حكم الفرار.
وفي «المنتقى» : يقول: إذا أمر رجلاً في صحّته أن يطلّق امرأته ثلاثاً، فانطلق الوكيل إلى خراسان وطلّق امرأة الآمر، ووافق ذلك مرض الآمر فلا ميراث لها إذا كان الآمر في حال لا يستطيع أن يخرج الوكيل، وإن قدر على إخراجه فلم يخرجه فلها الميراث، قلت: وإخراج الوكيل عن الوكالة إنّما يصح إذا علم الوكيل بالإخراج والوكيل ها هنا غائب، فإنّما يثبت........ على الإخراج إذا كان الآمر بحال يخرجه ويعلمه بالإخراج.
стр. 1411
وإذا قال: إن لم أفعل كذا فأنتِ طالق ثلاثاً، فلم يفعل حتّى مات ورثت إن كان دخل بها؛ لأنَّ الطلاق إنّما وقع في آخر جزء من آخر حياته؛ لأنّ عدم الفعل عنده يتحقّق وهو مريض في تلك الحالة، فيصير فارّاً، وإن ماتت هي ورثها؛ لأنّ شرط وقوع الطلاق عدم الفعل من الزوج، فإنّه لا يتحقّق بموتها فيَرث منها لبقاء النكاح.
ولو قال: إذا مرضت فأنتِ طالق ثلاثاً، مرض ثمَّ مات ورثته؛ لأنّ المتعلّق بالشرط كالمرسل عند وجود الشرط، فكأنّه قال بعدما مرض: أنتِ طالق ثلاثاً. وكان الفقيه أبو القاسم الصفّار ﵀ يقول: ينبغي أن لا ترث؛ لأنّ الطلاق إنّما يقع أوّل المرض، وهو في تلك الحالة لا يكون صاحب فراش، والمرض الذي يوجب تعلّق حقّها بماله المرض الذي يصيبه ويجعله صاحب فراش.
إذا ارتدت المرأة وهي مريضة وماتت في العدّة فلزوجها الميراث، ولو ارتدت وهي صحيحة لم يرثها الزوج. والفرق: أنّ الردّة منها متى كانت في حالة المرض فالفرقة جاءت من قبلها بعدما تعلّق حقّ الزوج بمالها، فصارت قاصدة إبطال حقّه فارّة عن الميراث، فيردّ عليها قصدها ما أمكن، فأمّا إذا كانت الردّة منها في حالة الصحّة فالفرقة جاءت من قبلها في حال لم يتعلّق حقّ الزوج بمالها فلا تصير فارة قاصدة إبطال حقّه.
وإذا ارتدّ الزوج ورثت ما دامت في العدّة وإن كان الزوج صحيحاً؛ لأنّ ردّة الزوج توجب القتل فيصير الزوج بها على شرف الهلاك، فيصير كالمريض بسبب الرّدة، والفرقة موجبة الردّة، فحصلت الفرقة في حالة المرض معنى، فيصير الزوج بمباشرتها فارّاً، بخلاف ردّة المرأة؛ لأنّها لا توجب القتل، فلا تصير بمعنى المريضة إذا آلى منها وهو صحيح ثمَّ بانت بالإيلاء وهو مريض لم ترثه؛ لأنّه لم يباشر في مرض موته لا نفس الطلاق ولا شرطه، فلا يصير فارّاً.
ولو كان الإيلاء في المرض ورثت لمباشرته سبب الطلاق؛ لأنّ الإيلاء طلاق مؤجّل؛ لأنّ المولى في المعنى كأنّه قال: إنَّ مضى أربعة أشهر ولم أقربك فأنتِ طالق، أو قال لامرأته في مرضه: قد كنت طلقتك ثلاثاً في صحّتي، أو قال: جامعت أمَّ امرأتي أو أتيت امرأتي، أو قال: تزوّجها بغير شهود، أو قال: كان بيننا رضاع قبل النكاح، أو قال: تزوّجها في العدّة ونكرت المرأة ذلك بانت منه ولها الميراث إن مات وهي في العدّة.
إذا قال: طلقتك في صحتي فلأنه أقرّ بالطلاق في المرض، وادّعى الإسناد إلى حالة الصحّة، ولم يصدّق في دعوى الإسناد صيانة لحقّها في الميراث، بقي الإقرار بالطلاق في المرض، وأمّا إذا قال: جامعت أمّ امرأتي أو أتيت امرأتي، أمّا إذا قال: فعلت ذلك في المرض فظاهر؛ لأنّه باشر سبب الفرقة في المرض، وأمّا إذا قال فعلت في الصحّة فلأنّه لم يصدّق في دعوى الإسناد لما ذكرنا.v
بقي الإقرار بمباشرة بسبب الفرقة في المرض، فأمّا إذا قال: كان بيننا رضاع، أو قال: تزوّجتها في العدّة فلأنّه أقرّ بفساد النكاح من الأصل، والإقرار بفساد النكاح من الأصل من الزوج جعل إنشاء للحرمة في
стр. 1412
الحال، على ما عرف في كتاب النكاح.
المحيط البرهانى
وإذا مات الرّجل فقالت المرأة: فإنّه كان طلقني ثلاثاً في مرض موته ومات وأنا في العدة ولي الميراث، وقالت الورثة: طلقك في صحّته ولا ميراث لك فالقول قولها؛ لأنّ (٢٧٨أ١) الظاهر شاهد لها؛ لأنّها تدّعي بقاء النكاح بعد الموت في حقّ الميراث، والنكاح كان ثابتاً، والظاهر في الثبات البقاء، فكان الظاهر شاهداً لها.
وهذا بخلاف ما إذا قالت امرأة الرّجل بعد موته: قد كنت أعتقت قبل أن يموت زوجي ولي الميراث، وقالت الورثة: لا بل أعتقت بعد موته. أو قالت امرأة مسلمة * وهي يهوديّة أو نصرانيّة بعد موته: أسلمت قبل موته، وقالت الورثة بعد موته فالقول قول الورثة؛ لأنّ هناك الظاهر شاهد للورثة، العتق عارض والإسلام كذلك، والأصل في العوراض: أن يحال حدوثها على أقرب ما ظهر، أمّا ها هنا بخلافه.
وإذا طلّق امرأته ثلاثاً في مرض موته ومات وهي تقول: لم تنقضِ عدّتي قُبِلَ قولها مع اليمين وإن تطاولت المدّة؛ لأنّها أمينة أخبرت عما هو محتمل؛ لأنّ مدة العدة قد تطول، فإذا حلفت أخذت الميراث، وإن نلكت فلا ميراث له كما لو أقرت بانقضاء العدّة، ثمَّ أنكرت الانقضاء وإن لم تقل شيئاً ولكنها تزوّجت بزوج آخر في مدّة تنقضي في مثلها العدّة، ثمَّ قالت: لم تنقضِ عدّتي من الأوّل، فإنّها لا تصدّق على الثاني، وهي امرأة الثاني، ولا ميراث لها من الأوّل وجعل إقدامها على التزوّج إقراراً منها بانقضاء عدتها دلالة، ولو لم يتزوّج ولكن قالت: أيست من المحيض، وَاعْتَدَتُّ بثلاثة أشهر ثمَّ مات الزوج وحرمت عن الميراث ثمَّ تزوجت بعد ذلك بزوج وجاءت بولد أو حاضت فلها الميراث من الأوّل ونكاح الآخر فاسد.
ولو جاءت الفرقة من المرأة في مرضها أو في حال طلّقها ترث، ويرث الزوج منها؛ لأن حقّ الزوج يتعلّق بمالها في مرضها، كما أنَّ حقّ المرأة يتعلّق بما في مرضه، فكما يمنع الزوج عن إبطال حقّها، وتردّ عليه إبطاله في حقّها فكذا يردّ على المرأة إبطالها حقّ الزوج، ويبقى النكاح في حقّ ميراثه عنها.
فإنْ قيل: كيف يمكن إبقاء النكاح مع الردّة، والردّة تنافي النكاح. قلنا: الردّة تنافي الحلّ أما لا تنافي الميراث، فإنَّ المسلم يرث من المرتدّ فيمكن إبقاء النكاح في حقّ الميراث إن كان لا يمكن إبقاؤه في حقّ الحلّ.
قال محمّد ﵀ في «الجامع» : رجل قال لامرأتين له في مرض موته وقد.......: طلّقا أنفسكما ثلاثاً، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها في المجلس ثلاثاً ثمَّ طلقت الأخرى نفسها، وصاحبتها في المجلس ثلاثاً طلقتا ثلاثاً وترث التي طلقت أخيراً، ولا ترث التي طلقت أوّلاً.
هذا الجنس من المسائل ينبني على أصول:
стр. 1413
أحدها: أنّ المرأة إذا باشرت علّة الفرقة أو شرط الفرقة لا ترث، وكذلك إذا باشرت أحد وصفي العلّة وهو آخرهما أو باشرت إحدى العلتين لا ترث، وهذا لأنّ الحكم يضاف إلى العلّة ثبوتاً بها وإلى الشرط وجوداً عنده، فتصير المرأة بمباشرة أحدهما راضية بوقوع الطلاق عليها مقروناً بسبب الطلاق، فلا ترث، وكذا إذا باشرت أحد وصفي العلّة وهو آخرهما وجوداً، وباشرت إحدى العلتين لما عرف أنّ الحكم يضاف إلى أحد الوصفين، وعند اجتماع العلل يضاف الحكم إلى كلّ علّة كأنّه ليس معها علّة أخرى كالقتل العمد الموجود من القاتلين وما أشبه ذلك، فتصير المرأة أيضاً راضية بالطلاق، ومتى باشرت بعض الشرط أو بعض العلَّة أو أحد وصفي العلّة * وهو ليس آخرهما وجوداً * ترث؛ لأنَّ الحكم لا يضاف إليه ثبوتاً به، ولا وجوداً عنده فيما باشرته، ولا تصير المرأة راضية بالفرقة.
وأصل آخر: أنّ الأمر بالطلاق في حقّ المرأة المأمورة بطلاق نفسها تمليك وتفويض حتّى يقتصر على المجلس، وقد مرّ بيان هذا فيما تقدّم.
وأصل آخر: أنّ المأمورين بالطلاق بغير بدل إذا لم يكن الأمر معلّقاً بمسببهما، أو ما أشبهه ذلك يتفرّد أحدهما به؛ لأنّه تصرّف لا يحتاج فيه إلى الرأي والتدبير، فيكون الواحد والمثنى فيه سواء. إذا عرفنا الأصول جئنا إلى تخريج المسألة فنقول: إذا طلقت الأولى نفسها وصاحبتها ثلاثاً في المجلس طلقتا؛ لأنّهما أمرتا بالطلاق بغير بدل ولم يعلّق الأمر بشرط، فتنفرد إحداهما بالإيقاع، ومتى طلقت كلُّ واحدة ثلاثاً بإيقاع الأولى لغى إيقاع الثانية؛ لأنّ الطلاق لا يزيد على الثلاث ولا ترث التي طلقت أوّلاً؛ لأنها لم تباشر علّة الفرقة في حقّها، وترث التي طلقت آخراً؛ لأنّها لم تباشر علة الفرقة ولا شرط الفرقة ولا أحد وصفي علّة الفرقة وهو آخرها، أكثر ما فيه أنَّ قول الآخرة: طلقت نفسي ثلاثاً رضاً منها بوقوع الفرقة، إلا أنَّ هذا رضاً لا يقترن بوقوع الفرقة بل تأخّر عنه، ومثل هذا الرضا لا يبطل حقّها عن الإرث كما لو طلّق الزوج امرأته في مرضه بغير سؤالها، فسألته الطلاق بعد ذلك لا يبطل حقّها عن الإرث بهذا السؤال كذا هذا.
ولو خرج كلامهما معاً بأن قالت كلُّ واحدة منهما ... ؛ لأن وقوع الطلاق على كلّ واحد منهما بإيقاعها على نفسها؛ لأنّ كلّ واحدة منهما مطلقة نفسها بحكم الملك وصاحبها بحكم الوكالة، فاجتمع في حقّ كلِّ واحدة منهما تطليقها وتطليق صاحبتها ولا يمكن الجمع بينهما؛ لأنّ الطلاق لا يزيد على الثلاث، فلا بدَّ من تنفيذ إحداهما، فنقول: تنفيذ تطليق المالك أولى؛ لأنّ تطليق المالك أسبق لأنّ في التوكيل يحتاج إلى نقل عبارة الوكيل إلى الموكّل، وفي تصرّف المالك لا يحتاج إلى النقل، بل يتقيّد بنفسه فكان تطليق المالك أسبق من هذا الوجه، ولما كان وقوع الطلاق على كلّ واحدة منهما بإيقاع نفسها صارت كلّ واحدة منهما مباشرة علّة الفرقة، فلم يرثا لهذا.
стр. 1414
وإن قالت كلُّ واحدة منهما: طلقت صاحبتي ونفسي، لم يذكر محمّد ﵀ هذا الفصل في «الكتاب» وحكي عن أبي الحسن الجقمي ﵀ أنّهما يرثان، لأنّ كلَّ واحدة منهما إنّما طلقت بفعل صاحبتها، وفعل صاحبتها لا أثر له في حرمانها، وعامّة المشايخ ﵏ على أنّهما لا يرثان؛ لأنّ كلّ واحدة منهما إنّما طلقت بفعل نفسها.
بيانه: أنَّ أوّل الكلام يتوقف على آخره إذا وجد في آخره ما يغيّر حكم أوّله، وقد وجد في آخر كلام كلّ واحدة منهما ما (٢٧٨ب١) تغيير حكم أوله؛ لأنّ كلّ واحدة لو اقتصرت على قولها: طلقت صاحبتي تطلق كلّ واحدة بتطليق صاحبتها وترثان، فإذا.... قولها: ونفسي فإنما تطلق كلَّ واحدة منهما بتطليق نفسها لما مرَّ، فتوقّف أوّل الكلام من كلّ واحدة على آخره، فصار هذا وما لو قالت: كل واحدة: طلّقت نفسي وصاحبتي سواء.
ولو طلّقتها إحداهما بأن قالت إحداهما: طلّقت نفسي، وقالت الأخرى: طلقتك، طلقت هي ولا ترث؛ لأنها إنما طلقت بفعل نفسها، فقد باشرت علّة الفرقة وورثت الأخرى؛ لأنّها لم تطلق، بل بقيت منكوحة.
وإن طلقتهما إحداهما بأن قالت إحداهما: طلّقت نفسي وصاحبي طلقتا ولم ترث هي؛ لأنّها حرّمت بفعلها وورثت الأخرى؛ لأنّها حرمت بفعل غيرها، فإن قالت إحداهما: طلّقت صاحبتي ثلاثاً ثمَّ قالت صاحبتها بعد ذلك: طلّقت نفسي ثلاثاً ورثتا؛ لأنّ التي تكلّمت أوّلاً لم تطلق أصلاً والتي تكلّمت آخراً حرمت بفعل غيرها، وإن طلقت كلّ واحدة صاحبتها ورثتا؛ لأنّ كلَّ واحدة طلقت بفعل غيرها. وهذا كلّه إذا كانتا في المجلس.
فأمّا إذا قامتا عن المجلس ثمَّ طلقت كلّ واحدة منهما نفسها وصاحبتها ثلاثاً وخرج الكلامان منهما معاً أو على التعاقب طلقتا وورثتا؛ لأنّ الأمر والتفويض خرج من يد كل واحدة منهما بالقيام عن المجلس، وبقيت الوكالة فصار وقوع الطلاق على كلّ واحدة منهما مضافاً إلى صاحبتها على كلّ حال، فلذلك ورثتا، وكذلك لو طلقت كلّ واحدة منهما صاحبتها، ولو طلقت كلّ واحدة منها نفسها لا يقع الطلاق؛ لأنّ الأمر خرج من يد كلّ واحدة منهما في حقّ نفسها، وإذا لم يقع الطلاق بقيتا منكوحتين فترثان.
ولو قال لهما في مرضه: طلّقا أنفسكما ثلاثاً إن شئتما، وقد دخل بهما فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها ثلاثاً لم تطلق واحدة منهما، بخلاف ما إذا قال: طلّقا أنفسكما ثلاثاً ولم يقل: إن شئتما، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها حيث تطلقان؛ لأنّ في هذه المسألة علّق التفويض بمشيئتهما، ولم يذكر لذلك سبباً، فانصرف السّابق ذكره وهو طلاقهما كأنه قال: طلّقا أنفسكما إن شئتما طلاقكما، وما شاءتا طلاقهما إنّما شاءت إحداهما ذلك. أمّا في المسألة الأولى التفويض غير معلّق بالشرط، وفي هذا ينفرد أحد
стр. 1415
المأمورين بالإيقاع، فلو أنّ في هذه المسألة طلقت الأخرى بعد ذلك نفسها وصاحبتها ثلاثاً قبل القيام عن المجلس طلقتا؛ لأنّهما شاءتا طلاقهما وورثت الأولى دون الأخرى، بخلاف المسألة الأولى، فإنَّ في المسألة الأولى ورثت الآخرة دون الأولى؛ لأنّ في المسألة الأولى الأولى ثابت بفعل نفسها، والآخرة ثابت بفعل الأولى، أمّا في هذه المسألة الأولى والآخرة ثابتان بفعل الآخرة؛ لأنّها باشرت أحد وصفي العلّة، فكان حريتهما مضافة إلى الآخرة فلهذا ورثت الأولى دون الآخرة.
ولو خرج كلامهما معاً وباقي المسألة بحالها طلقتا وورثتا؛ لأنّ كلّ واحدة منهما باشرت بعض العلّة ولم يوجد شيء من ذلك آخراً لينسب إليه، فلا يضاف الوقوع إلى واحدة منهما على سبيل الانفراد.
ولو طلقتا إحداهما لم تطلق، ولو قامتا عن المجلس وطلقت كلُّ واحدة منهما نفسها وصاحبتها معاً أو على التعاقب لم يقع الطلاق على واحدة منهما؛ لأنّ الأمر كلّه معلق بالمشيئة فكان كلّه تمليكاً، فيبطل بالقيام عن المجلس.
رجل قال في مرض موته لامرأتين له وقد دخل بهما: أَمْرُكُمَا بيدكما، يريد به: الطلاق، فطلقت إحداهما نفسها وصاحبتها في المجلس ثمَّ طلقت الأخرى بعد ذلك نفسها وصاحبتها في المجلس طلقتا، وورثت الأولى إن مات الزوج وهي في العدّة، ولا ترث الآخرة؛ لما مر في مسألة المشيئة في إضافة الحكم إلى الوصف الأخير، وذلك موجود في الآخرة.
وإن طلقتا إحداهما طلقت بخلاف مسألة المشيئة، فإنّ هناك إذا طلقتا إحداهما لا تطلق؛ لأنّ هناك فوّض الطلاق إليهما معلّقاً بشرط مشيئتهما طلاقهما، ولا يوجد هذا الشرط باجتماعهما على طلاق إحداهما، أمّا في هذه المسألة التفويض مطلق غير معلّق، لكن طلب الرأي والتدبير منها، فإذا اجتمعتا على طلاق إحداهما فقد وجد رأيهما، بعد هذا ينظر إن تكلمتا معاً ورثت المطلقة؛ لأنّ البينونة مضافة إليهما لا إلى المطلقة وحدها، وكذلك إن بدأت المطلقة بطلاق نفسها ثمَّ طلقتها الأخرى ترث أيضاً؛ لأنّ البينونة مضافة إلى صاحبتها لمباشرتها الوصف الأخير، وإن بدلت الأخرى ثمَّ المطلقة لم ترث المطلقة، وإن طلقتهما إحداهما لم يقع، فإن قامتا عن المجلس بطل ذلك كلّه يقع بعد ذلك طلاق بحال....... هذا الأمر.
ولو قال في مرضه لامرأتين له، وقد دخل بهما: طلّقا أنفسكما بألف درهم، فالأصل في هذا ما مر أنَّ الأمر بالطلاق في حقّ المأمورة بالطلاق تفويض، وفي حقّ صاحبتها توكيل، إلا أنَّ في هذه المسألة لا تنفرد إحداهما بالإيقاع؛ لأن الأمر بالطلاق على مال بالمعاوضة، والأصل في المأمورين بالمعاوضة أن لا ينفرد أحدهما بها على ما عرف.
стр. 1416
إذا ثبت هذا فنقول: لو طلقت كلُّ واحدة منهما نفسها وصاحبتها وخرج الكلامان معاً طلقتا لاجتماعهما على تطليق كلُّ واحدة منهما، ولا ترثان؛ لأنّ كلّ واحدة منهما إنما تلتزم البدل بمقابلة طلاق نفسها، لا بمقابلة طلاق صاحبتها، والتزام البدل بمقابلة طلاق نفسها يكون رضاً منها بطلاقها، والرضا بالطلاق مقارناً للطلاق يوجب حرمان الإرث، بخلاف الفصل الثاني والثالث؛ لأنّ هناك الرضا لم يثبت باعتبار وجوب البدل. لو ثبت إنّما يثبت باعتبار أنّها ثابت بفعلها، وكلُّ واحدة ثابت بفعلها وفعل صاحبتها فلا يثبت الرضا من كلّ وجه.
وكذلك إذا خرج كلامهما على التعاقب لا يرثان أيضاً؛ لأنّ امتناع الإرث ها هنا بسبب الرضا الثابت مقتضى البدل، وفي حقّ هذا المعنى لا تفاوت بينهما إذا خرج الكلامان معاً أو على التعاقب. وإن طلقتا إحداهما جاز ولم ترث المطلقة تكلمتا معاً أو على التعاقب، وإن قامتا عن المجلس قبل أن قولا شيئاً ثمَّ طلقتا (٢٧٩ب١) أنفسها لم يقع شيء وورثتا.
قال في «الجامع الصغير» : إذا قال: طلقتك ثلاثاً في حجّتي، وانقضت عدّتك وصدّقته المرأة، ثمَّ أقرّ لها بدين أو أوصى لها بوصيّة فلها الأوّل من ذلك ومن الميراث. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: إقراره ووصيّته جائزة؛ لأن بتصادقهما ثبت الطلاق، وثبت انقضاء العدّة والتحقت هي بالأجنبيّات، ولهذا ثبت أحكام الأجنبيات في حقّها حتّى لو تزوّجت آخر يجوز، ويبطل حقّها في النفقة والسكنى، ويجوز وضع الزكاة فيها، وتقبل شهادته لها، والإقرار للأجنبي صحيح، والوصيّة له صحيحة.
ولأبي حنيفة ﵀: أنّه تمكنت التهمّة في هذا التصادق، وشبهة الظلم في هذه الوصية يجوز أنهما تصادقا على ذلك ليبطل الميراث، فيصحّ الإقرار والوصيّة فيزداد حقّها، والنكاح سبب التهمة، فيعتبر تصادفهما في حقّهما ولا يعتبر تصادقهما في حقّ غيرهما؛ لأنّ التهمة تتأتى في حقّ غيرهما.
إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان الميراث أكثر من الوصيّة والمقرّ به فلا تهمة؛ إذ ليس فيه إبطال حقّ على الغير، فيعتبر تصادقهما فيه، وإذا كانت الوصية والمقرّ به أكثر ففي حقّ الزيادة تهمة، فلا يعتبر تصادقهما في حقّ الزيادة، وبدون تصديقها إيّاه لا يرتفع النكاح فيما يرجع إلى الطلاق حقّها في الإرث، فبقي الإرث، ومع بقاء الإرث لا يصحّ الإقرار والوصيّة، وأمّا ما ذكر من الأحكام قلنا: تلك الأحكام ثبتت بتصادقهما؛ لأنه لا تهمة فيها إذ ليس فيها ضرر على أحد بخلاف الإقرار والوصية.
فإن طلّقها في مرضه بأمرها ثمَّ أقرّ لها بدين أو أوصى لها بوصيّة فلها الأقلّ من الميراث ومن الوصية في قول علمائنا الثلاثة، وفي قول زفر: الإقرار والوصيّة لها جائز؛ لأنّ المانع من جوازهما الميراث، وقد بطل الميراث بسؤالها الطلاق، ولنا ما بيّنا من التهمة من حيث إنّه يجوز أنّها قصدت بالسؤال تصحيح الإقرار والوصيّة، فرددنا سؤالها لهذه التهمة، وأقيمت العدّة مقام النكاح في حقّ الحجر عن الوصية والإقرار، بخلاف المسألة
стр. 1417
الأولى على قولها؛ لأنّ ثمّة ثبت وقوع الطلاق في حالة الصحّة بتصادقهما، وثبت انقضاء العدّة محال، وما أقرّ سبب التهمة لم يوجد، وهو النكاح والعدّة، أمّا ها هنا بخلافه، وأبو حنيفة ﵀ يجيب عن كلامهما في تلك المسألة، ويقول: الزوج متهم في إقراره بالطلاق في حالة الصحّة، فرددنا إقرارها في حقّ صحّة الإقرار والوصية بالزيادة.
الفصل الحادي عشر: في التعليقات التي هي إيقاع في الحال معنى بطريق المجازات
إذا قالت المرأة لزوجها: «بامه» ،.... أو قالت ما «قلينان» ، فقال الزوج: إن كنت أنا ... ، فقال أو قال: إن كنت أنا «قلينان» فأنتِ طالق، فحاصل الجواب في هذه المسألة وأجناسها أنّ الزوج ينوي، إن أراد التعليق لا يقع الطلاق ما لم يكن كذلك، وإن أراد المكافأة والمجاراة «وفارسيّة حشم رادن» يقع الطلاق وإن لم يكن الزوج كذلك، ومعنى المجاراة بالعربيّة: أني طلقتك مجاراة على مقالتك هذه، ومعنى «خشم رايدن» بالفارسيّة: إنك أغضبتني بهذه المقالة «خشم فيويش باين طريق راندم كه طلاق دادمت» ، وإن لم يكن للزوج نيّة تكلم المشايخ فيه والمختار للفتوى: أنّه إن كان في حالة الغضب يحمل على المكافأة والمجاراة، وإن لم يكن في حالة الغضب يحمل على التعليق وتكلّموا في تفسير القلينان فقيل: أن يكون عالماً بفجور امرأته راضياً به، وقيل أن يكون التلميذ الكبير إلى امرأته، وقيل أن يخلّيها مع الغلام البالغ.
ولو قال لها: إن علمت أنّي قلينان فأنتِ طالق، لا يقع الطلاق ما لم يقل: علمت أنّك «فرطبان» ؛ لأنّه علق الطلاق بمعنى في قلبها، فيتعلّق بالإخبار عنه، كما في قوله: إن كنت تحبينني وأشباه ذلك، فإذا قالت لزوجها: يا سفلة، فقال الزوج: إن كنت أنا سفلة فأنتِ طالق وأراد به التعليق لا يقع الطلاق ما لم تكن سفلة.
وتكلّموا في معنى السفلة، قال أبو حنيفة ﵀: الموت لا يكون سفلة بل السفلة هو الكافر، وعن أبي يوسف أنّ السفلة الذي لا يبالي ما قال وما قيل له، وعن محمّد بن الحسن ﵀: أنَّ السفلة الذي يلعب بالحمام، ويقال عن خلف بن الأيّوب ﵀: أنّ السفلة الذي يرفع الدلّة من الدعوة، وقيل: هو الذي لا يعطي النائبة في قُوّتِهِ، وعن أبي عبد الله البلخي: هو الذي يشتم أباه وأمّه ويقرأ القرآن في الطريق، وعن ابن المبارك: هو الذي يتسفّل لتعجرفه، وقيل هو الطفيلي، وقيل: هو الذي يختلف باب القضاة، وقيل: هو الذي يطعم أهله مع الإمكان خبز الشعير ولحم البقر في موضع لا يعتاد ذلك.
стр. 1418
وفي «المنتقى» : رواية مجهولة أنّ السفلة الخسيس في عقله ودينه، والساقط قد يكون على الحسب، وعلى ما وصفت لك من الخسيس في العقل والدّين، وقيل في تفسير «بي حميت» : أن لا يمنع امرأته عن كشف الوجه عن غير المحارم، وهكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي ﵀ أيضاً: أنّ الموت لا يكون بأحد أمور، ألا ترى أنّه يأتي بكلمة الشهادة، ويدعو في صلاته للمؤمنين والمؤمنات، وإذا قال لها: «آكرمن دوزجي أم ترا طلاق» لا تطلق؛ لأنه لا يدري هل هو «دوزخي» أم لا، فإن قيل: أليس أن كل أحد يدخل النّار، قلنا: المسلم بدخول النار لا يسمّى دورخيا، وإنَّ وطئه فيها مستعار.
إذا قالت المرأة لولدها: «أي ثلاثة زاده» ، فقال الزوج: إن كان هو ثلاثة زاده فأنتِ طالق وأراد به التعليق لا تطلق في الحكم؛ لأنّه لا يعرف كونه ثلاثة زاده فيما بين النّاس، وإن علمت المرأة أنّه ربا طلقت ولا يسعها المقام معه، وقيل في تفسير الكرخي: أن يشهر به، ويضحك عليه، وهو ضعيف في رأيه، وقال الكرخي: من له امرأة عفيفة صالحة أراد أن يتزوّج عليها أخرى، قيل في تفسير (أبله ريش) : أن تكون له لحية طويلة جاوزت عن الحدّ حتّى صارت عاراً، وقيل في تفسير «رغباريس» أن يكون له مع اللحيّة صدغان، والتامس: الذي لا يهتدي إلى الخير، ولا يسترشده.
وعن أبي حنيفة ﵀ أنّه سئل عن الكوسج فقال: بعد أسنانه، فإن (٢٨٠أ١) كانت اثنتين وثلاثين، فهو ليس بكوسج؛ لأنّه إذا كان بهذه الصفة كان وافر الخدين، فإن كانت أسنانه ثمانية وعشرين فهو كوسج؛ لأنّه إذا كان بهذه الصفة كان ينضم الخدين، وقيل: إذا كنت لحيته خفيفة فهو كوسج؛ لأنّ الناس تعارفوا إطلاق اسم الكوسج على مثل هذا.
وقيل في تفسير الكشحان: هو الذي لا يبالي عمّا اتهمت زوجته بأجنبي، ومعناه: أنّه إذا سمع ذلك لا يغضب، ولا يتغيّر عن حاله، ولا يضربها ولا يلومها على ذلك، فأمّا إذا ضربها على ذلك فهو ليس بكشحان.
امرأة قالت لزوجها: إنّك تقنت ولا تجلب إليّ النفقة، فغضب الزوج وقصد ضربها، فقالت: ليس هذا بكلام عظيم، فقال الزوج: إن لم يكن عظيماً فأنتِ طالق وأراد التعليق، فقيل في الجواب: إنّ الزوج إن كان إذا قدر بحيث تكون هذه الشكاية إهانة به لا يقع الطلاق؛ لأنّ هذه الشكاية من قبل هذا الشخص تكون كلاماً عظيماً فأبت، وإن كان دون ذلك يقع الطلاق؛ لأنّ هذه الشكاية من مثل هذا الشخص لا تكون كلاماً عظيماً.
الفصل الثاني والعشرون: في مسائل الرجعة
إذا أراد الزوج أن يرجع امرأته فالأحسن أن يراجعها بالقول لا بالفعل؛ لأنّ صحّة المراجعة بالقول متفق عليها، وصحّة المراجعة بالفعل مختلف فيها، ويستحب أن يُعلمها
стр. 1419
بالرجعة، وإن لم تعلم جازت الرجعة عندنا استدامة للعلم وليست......، فكان الزوج بالرجعة متصرّفاً من خالص حقّه، وتصرّف الإنسان في خالص حقّه لا يتوقف على علم الغير، ولكن استحب الإعلام كيلا تقع في المعصية، فإنّها ربما تتزوّج إذا انقضت عدّتها بناءً على زعمها فتقع في المعصية.f
والجماع في العدّة رجعة، وكذلك التقبيل واللمس بشهوة، وكذلك النظر إلى الفرج بشهوة، وهذا لأنّه لو لم يجعل ذلك رجعة تظهر في الآخرة أنّه وطئها حراماً؛ لأنّها تبين عند انقضاء العدّة من وقت الطلاق، والتحرّز عنه ممكن بأن يجعل ذلك من الزوج دليل استدامة الملك بهذا الطريق، قلنا: إنّ البائع يشترط الخيار له إذا وطىء الجارية المبيعة في مدة الخيار كان ذلك منه استدامة ملكه، وإذا ظهر الكلام في الوطء ظهر في التقبيل واللمس والنظر إلى الفرج؛ لأنّ هذه الأشياء دواعي الوطء فيعطى لها حكم الوطء، وقيّد شيخ الإسلام النظر بالنظر إلى داخل الفرج، وأمّا النظر إلى دبرها موضع الجماع........ بغير شهوة لم يكن رجعة في قياس قول أبي حنيفة ﵀، هكذا ذكر القدوري؛ لأنّ هذا السبيل عنده لا يجري مجرى الفرج، ألا ترى أنّ الوطء فيه لا يوجب الحدّ عنده، فكان النظر إلى هذا الموضع والنظر إلى سائر الأعضاء سواء.
في «نوادر ابن رستم» عن محمّد ﵀: لا يصير النظر إلى الدّبر رجعة، ولا يصير رجعة إلا النظر إلى الفرج من داخل، ويكره أن يراها متجرّدة إذا لم يرد الرجعة، وكذلك يكره التقبيل واللمس بغير شهوة؛ لأنّه لا يأمن أن يشتهي، فيصير مراجعاً لها، وإذا لم يكن من قصده الرجعة يطلّقها من ساعته، فيؤدّي إلى تطويل العدّة عليها، وذلك منهيّ.
وإن كانت المرأة قبّلته بشهوة أو لمسته بشهوة، أو نظرت إلى فرجه بشهوة، فإن كان ذلك بتمكين من الزوج فهو رجعة، ومعنى تمكين الزوج ههنا: أنّ الزوج علم ذلك منها، فتركها حتّى فعلت ذلك، وإن فعلت ذلك اختلاساً لا بتمكين من الزوج ذكر شمس الأئمة السرخسي وشيخ الإسلام خواهر زاده أنّ قول أبي حنيفة ومحمّد رحمهما الله: يصير مراجعاً، خلافاً لأبي يوسف ﵀، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنّ على قول أبي حنيفة ﵀ يصير مراجعاً، وعن محمّد ﵀ فيه روايتان، والظاهر من قول أبي يوسف أنّه مع أبي حنيفة ﵀ تماماً تثبت الرجعة بفعلها إذا أقرّ الزوج أنّها فعلت ذلك بشهوة، فأمّا إذا أنكر الزوج الشهوة والمرأة ادّعت ذلك لا تثبت الرجعة، وكذلك لو شهد شهود أنّها فعلت ذلك بشهوة لا تثبت الرجعة؛ لأنّ بالرجعة الشهود لا يعرفون الشهوة إلا بقولها، وقولها غير مقبول إذا أنكر الزوج ذلك.
قال محمّد بن سماعة في «نوادره» عن محمّد رحمهما الله: لو شهد الشهود على القبلة واللمس بشهوة لا أقبل شهادتهم، فالشهوة غيب لا تجوز الشهادة عليها، وذكر في
стр. 1420
نكاح «الجامع» : أنّ الشهادة على اللمس والتقبيل بشهوة جائزة، وفي «القدوري» : أنّ فعل المرأة لا تثبت به الرجعة عند محمّد ﵀، وفي رواية ابن سماعة: أن فعلها رجعة إذا صدّقها الزوج في الشهوة، أو مات الزوج وصدّقها ورثة الزوج، فصار عن محمّد ﵀ روايتان كما ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀.
قال في «نوادر ابن سماعة» : وكذلك لو قبلته وهو نائم أو معتوه، ثمَّ مات وصدّقها الورثة في الشهوة، وعن أبي يوسف ﵀ في «الأمالي» : أنّ المرأة إذا لمسته بشهوة، وأقرّ الزوج أنّها فعلت بشهوة فإنَّ أبا حنيفة ﵀ قال: هذه رجعة، وإن نظرت إلى فرجه بشهوة فإنّي لا أحفظ فيها قولاً، وهو في القياس مثل ذلك، ولكن هذا فاحش قبيح لا يكون رجعة. وقال أبو يوسف ﵀: إذا لمس أو قبّل في الصلاة بشهوة فهو رجعة، ولا تفسد صلاته.
ولو كان الرّجل وإن نظر إلى الفرج من شهوة فهو رجعة، ولا تفسد صلاته، ولو كان الرّجل في الصلاة وما فعلت ذلك فالقياس على الرجعة أن تنقض صلاته، قال: والصلاة وما....... سواء يعني الرجعة، وهو في الصلاة أقبح، وقال أبو يوسف: إذا تركها تقبّله وتباشره فهذه رجعة في الطلاق ونقض للصلاة، وإن فعلته اختلاساً وهو........ لم يكن رجعة ولا نقضاً للصلاة، ولو ... أنّه وهو مكره ثمَّ تركها دائمة عليه، فهو رجعة لا نقضاً.
وفي «نوادر هشام» عن محمّد رحمهما الله: إذا قال لامرأته: إذا جامعتك فأنتِ طالق، فجامعها قال: قال أبو يوسف: إذا أخرج ذكره ثمَّ أدخله فهو رجعة، وكذلك إذا قال لها: إن لمستك فأنتِ طالق، فلمسها فإذا رفع يده عنها ثمَّ أعادها فلمسها ثانياً فهو رجعة، فقال محمّد ﵀: إذا مكث هنيهة بعد ما جامع وإن لم يخرج ذكره فهو رجعة، وكذلك في اللمس (٢٨٠ب١) إذا لم يرفع يده هنيهة.
والخلوة بالمعتدة ليست برجعة، لأنَّها لا تختص بالملك، وكلّ فعل لا يختص بالملك بالمعتدة إذا فعل الزوج لا يكون رجعة، وتعليق الرجعة بالشرط باطل؛ لأنّ الرجعة استدامة ملك النكاح فيعتبر بابتدائه، وليس في الرجعة مهر ولا عوض لما ذكرنا أنّ الرجعة استدامة الملك. والعوض يقابل ثبوت الملك لا استدامته، والمعتدة من الطلاق الرّجعي تتزين لزوجها إذا كانت المراجعة مرجوة، فأما إذا كانت المرأة تعلم أنّها لا يراجعها لشدة غضبه عليها فإنّها لا تفعل ذلك، وإذا كان من شأنه أن لا يراجعها فالأحسن أن يعلمها بدخوله عليها إمّا بالتنحنح أو تحقق الفعل؛ لأنّ الدخول عليها ليس بمباح ولكن لأنّ المرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها فربّما يراها متجرّدة، ويكره له أن يراها متجرّدة إذا لم يكن من شأنه الرجعة.
وإذا كان الطلاق بعد الخلوة والزوج يقول: لم أدخلها فلا رجعة له عليها، فالخلوة
стр. 1421
ما أقيمت مقام الوطء في حقّ المراجعة؛ لأنّ ذلك حقّ الزوج.
ادّعى الزوج الدخول بها وقد خلا بها، فله الرّجعة، وإن لم يكن خلا بها فلا رجعة له. وإذا قال لمعتدته: راجعتك أمس، وكذبت فالقول قوله، ولو كان ذلك بعد انقضاء العدّة، فالقول قولها؛ لأنّ في الفصل الأول. .... تملك استئنافه في الحال، فلا يتهم بالكذب، ولا كذلك في الفصل الثاني ولا يمين عليها في قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: عليها اليمين.
ولو قال لها: راجعتك فقالت مجيبة له: قد انقضت عدّتي، فالقول قول الزوج عندهما، والقول قولها عند أبي حنيفة ﵀ مع اليمين وإنّما وجبت اليمين عند أبي حنيفة ﵀، وإن كان الاستحسان لأجل النكول، والنكول بدل عند أبي حنيفة ﵀ والبدل لا يجرىء في الانقضاء؛ لأنّها أمينة في الإخبار عمّا في رحمها، والأمينة تستحلف لنفي التهمة، فإذا نكلت عن اليمين فقد حقّقت التهمة فلم يبق قولها حجة مكان التهمة، فبقي حقّ الرجعة لانعدام دليل الانقضاء، لا بسبب النكول الذي هو بدل عند أبي حنيفة ﵀، فأمّا إذ قال لها: طلقتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدّتي، فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه، منهم من قال: القول قولها عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما: القول قول الزوج كما في تلك المسألة، ومنهم من قال: القول قولها بالاتفاق في هذه المسألة، ولا يقع الطلاق، ومنهم من قال: القول قول الزوج بالاتفاق، ويحكم بوقوع الطلاق، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وهو الأصح.
إذا قال لمنكوحته: إن راجعتك فأنتِ طالق، ينصرف يمينه إلى الرجعة الحقيقيّة لا إلى العقد حتى (إن) طلّقها ثمَّ تزوجها لا تطلق ولو راجعها تطلق.
ولو قال لأجنبيّة: إن راجعتك فعبدي حرٌّ ينصرف يمينه إلى العقد؛ لأنّ في الأجنبيّة العمل بالحقيقة غير ممكن فينصرف يمينه إلى المجاز، وفي المنكوحة العمل بالحقيقة ممكن فلا ينصرف يمينه إلى المجاز.
إذا تزوّج المطلقة طلاقاً رجعيّاً يصير مراجعاً لها، وقال الصدر الشهيد ﵀ في الباب الأوّل من «واقعاته» : هو المختار؛ لأنّ العمل بحقيقة الرجوع إن لم يكن أمكن العمل بمجازه بأن يجعل مجازاً عن الرجعة. وكتبت في «المستزاد» أنَّ على قول محمّد ﵀ يصير مراجعاً، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يصير مراجعاً.
قال لمطلقته طلاقاً رجعيّاً: أنت عندي كما كنت، أو قال: أنت امرأتي، فإن نوى الرجعة يصير مراجعاً، وإن نوى في حكم الميراث وغيره أو لم تكن له نيّة لا يصير مراجعاً في هذا الموضع أيضاً.
قال لمطلقته طلاقاً رجعياً: إن راجعتك فأنتِ طالق ثلاثاً، فانقضت عدّتها ثمَّ تزوّجها لا تطلق ولو كان الطلاق بائناً تطلق، لأنّ في الوجه الأوّل: المحلّ يقبل حقيقة
стр. 1422
الرجعة فانصرفت إليه ولم يوجد، وفي الوجه الثاني: لا تقبل فانصرفت إلى الرجعة مجازاً وهو النكاح.
رجل طلّق امرأته طلاقاً رجعيّاً، فذهب إلى بيت أبيها، فقال الزوج: «إن رقية بارا وردمت» إن عنى به الرجعة يصحّ.
وفي «فتاوى الأصل» : إذا طلّق امرأته طلاقاً رجعيّاً ثمَّ راجعها وقال: زدّت في مهرك لا يصحّ لأن الزيادة مجهولة، ولو قال: راجعتك بهذا ألف درهم إن قبلت المرأة ذلك صحّ وما لا فلا؛ لأنّ هذه زيادة في المهر فيشترط قبولها، وهذا بمنزلة ما لو جدّد في النكاح، وإذا انقضت العدّة فقد بطل حقّ المراجعة، وإنّما يعرف انقضاء العدّة: إذا كانت المرأة من ذوات الأشهر، بأن كانت آيسة أو صغيرة بمعنى ثلاثة أشهر، وإن كانت من ذوات الأقراء فإن كان حيضها عشراً فجرى انقطاع الدّم، وإن كان أيّام حيضها أقلّ من عشرة فحين تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل، بل تيمّمت بأن كانت مسافرة لم تنقطع الرجعة لمجرّد التيمم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله إلا إذا صلّت به، وقال محمّد وزفر رحمهما الله: تنقطع الرجعة بمجرّد التيّمم، فإن شرعت في الصلاة لا يحكم بانقطاع الرجعة عندهما ما لم تفرغ من الصلاة، هو الصحيح من مذهبها، وإن تيّممت وقرأت القرآن أو مسّت المصحف أو دخلت المسجد ففيه اختلاف المشايخ ﵏، وفي «القدوري» : وأمّا...... فالرجعة في حقّها تنقطع بمجرّد انقطاع الدّم وإن كان أيّام حيضها دون العشرة.
ولو اغتسلت المعتدة وبقي عضو واحد لم يصبها الماء فالرجعة قائمة استحساناً ثمَّ قال في بعض النسخ: سواء كان الباقي يداً أو رجلاً أو شعراً، فقد سوّى بين الشعر وغيره، قال بعض مشايخنا ﵏: المراد منه منابت الشعر وأصله لا أطراف الشعر.
وقال بعضهم ﵏: المرادكلّ الشّعر بناءً على أنَّ الجنب أو الحائض إذا اغتسل وأصاب الماء منابت الشعر وأصله إلا أنّه لم يصل أطرافه هل يكفها ذلك من الاغتسال؟ ففيه اختلاف المشايخ، وعن أبي حنيفة ﵏ فيه روايتان، وإن كان أقلّ من ذلك يعني أقلّ من العضو، وذلك نحو الأصبع واللمعة فلا رجعة استحساناً. والفرق: أنَّ انقطاع الرجعة معلّق بالاغتسال، ولم يتمّ الاغتسال في الفصل الأوّل بيقين؛ لأنّ العضو الكامل لا يتسارع إليه الجفاف من الأعضاء، ولا يغفل الإنسان عن معرفة حاله عادة، فدلّ الجفاف على عدم وصول الماء إليه، فلا يتمّ الاغتسال؛ لأنّ اللمعة يتسارع إليها الجفاف قبل سائر الأعضاء، فيحتمل أنّ الماء وصل إليها فتنقطع الرجعة، ويحتمل أنّه لم يصل فلا تنقطع الرجعة، فيعتبر الماء واصلاً إليها في حقّ انقطاع الرجعة دون إباحة الصلاة، وإباحة تزوّج آخر احتياطاً حتّى لو تيقّنت هي بعدم وصول الماء إليها بأن منعت عنها قصداً لا تنقطع الرجعة، بخلاف العضو الكامل على ما مرّ، ولو تركت المضمضة
стр. 1423
والاستنشاق فالرجعة قائمة عند أبي حنيفة، وقالا: تنقطع الرجعة ولا تحل للأزواج، فإن كان الباقي أحد المنجزين فالرجعة باقية بالاتفاق.
وفي «القدوري» : لو اغتسلت بسؤر الحمار فقد انقطعت الرجعة، ولا تحلّ للأزواج، وإذا طلّق امرأته طلاقاً رجعيّاً فليس له أن يسافر بها، والسفر بها ليس برجعة عند علمائنا الثلاثة ﵏؛ لأنّه لا يختص بالملك، وليس لها أن تخرج بنفسها أيضاً لسفر وما دونه سواء؛ لأنّ النصّ المحرّم بخروجها مطلق غير مقيّد بالسفر، قال الله تعالى: ﴿يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَآء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (الطلاق: ١) والمراد من النصّ الطلاق الرجعي، بدليل ساقه وهو قوله تعالى: ﴿يأيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَآء فَطَلّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْرِى لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ (الطلاق: ١) إلى قوله: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ .
قال في «الجامع الصغير» : وإذا طلّق امرأته وهي حامل أو ولدت منه، وقال لمّا جامعها فله عليها الرجعة لأنّا قضينا ببيان النسب منه وبيان النسب منه دليل وجود الوطء منه، فيثبت الوطء منه حكماً بدليل شرعي، فإذا وجد الوطء منه تأكّد الملك في الرجعي، والملك المتأكّد في الرجعي لا يبطل بنفس الطلاق، فتثبت الرجعة، وقول محمّد ﵀ في «الكتاب» : أو ولدت منه معناه ولدت منه قبل الطلاق، أمّا إذا ولدت منه بعد الطلاق تنقضي العدّة بالولادة فلا تتصوّر الرجعة.
وفيه أيضاً: إذا قال لامرأته: إذا ولدت فأنتِ طالق، فولدت ثم أتت بولد آخر لأكثر من سنتين من ولادة الولد الأوّل ولم تقرّ بانقضاء العدّة فهو رجعة، وكذلك إذا جاءت به لأقل من سنتين من ولادة الولد الأول ولكن لأكثر من سنتين أو لستة أشهر فهو رجعة، أما الفصل الأول لأنها لما جاءت بولد آخر لأكثر من سنتين ولم تقر بانقضاء العدة يجعل الزوج واطئاً إيّاها في العدّة؛ لأنها مسلمة، والظاهر أنّ المسلمة العاقلة لا تزني، فلا يجعل ولد الزنا من زوج آخر؛ لأنّها لم تقرّ بانقضاء العدّة، وأمكن أن يجعل منه بوطء في العدّة، فيجعل كذلك، ويصير بذلك الوطء مراجعاً.
وأمّا الفصل الثاني: فلأنّه لا يمكن أن يجعل هذا الولد من علوق سابق على الطلاق؛ لأنّا متى جعلنا هكذا صار مع الولد الأوّل بطناً واحداً، وفي ثبوت اتحاد البطن شكّ إذا كان بين الولدين ستة أشهر فصاعداً، ولا يثبت الاتحاد بالشك، فصار الولد الثاني من علوق حادث بعد الطلاق فيكون رجعة.
وذكر في كتاب الدعوى: أنّ المطلقة طلاقاً رجعيّاً إذا جاءت بولد لأكثر من سنتين كان رجعة، فإن جاءت به لأقلّ من سنتين لا تكون رجعة؛ لأنها إذا جاء بالولد لأقلّ من سنتين احتمل العلوق بعد الطلاق فيكون رجعة، واحتمل العلوق قبل الطلاق فلا يكون
стр. 1424
رجعة فلا تثبت الرجعة بالشك، فأمّا في مسألتنا هذه: هذا الاحتمال ساقط الاعتبار، لأنّ في مسألتنا ولدت ولدين، فلو لم يجعل الثاني وعلوق حادث صار مع الولد الأوّل بطناً واحداً، وفي اتحاد البطن شك على ما مر، فصار العلوق الثاني من وطء حادث بعد الطلاق فيكون رجعة.
وفي «الأصل» : إذا قالت المطلقة طلاقاً رجعيّاً: أسقطت سقطاً مستبين الخلق أو بعض الخلق صدقت، ولا رجعة عليها. ولو قالت: ولدت لا يقبل قولها إلا ببيّنة، فإن طلب الزوج يمينها بالله لقد أسقطت سقطاً بهذه الصفة تحلف بالاتفاق، هو الصحيح؛ لأنّ هذا ليس استحلافاً على الرجعة.
إذا قال بعد مضي شهرين: قد انقضت عدّتي بالحيض، فقال الزوج أخبرتني أمس أنّها لم تحض، فإن صدّقته ملك الزوج الرجعة، وإن كذبته فالقول قولها مع اليمين، والله أعلم بالصواب.
الفصل الثالث والعشرون: في مسائل الظهار وكفارته
يجب أن تعلم بأنّ ركن الظهار تشبيه منكوحته بظهر أمّه، بأن يقول لامرأته: أنتِ عليّ كظهر أمّي، فإنه لا يصح الظاهر؛ لأنّ حكم الظاهر ثبت بالنصّ والنصّ خاص في حقّ المنكوحات، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: ٢) وأن تكون المشبه بها محرّمة حرمة مؤبدة، حتّى لو شبّهها بالمحرمة حرمة مؤقتة كالمطلقة ثلاثاً لا يصحّ الظهار؛ لأنّ الأصل في هذا الباب التشبيه بالأم، وحرمة الأمّ ثابتة على سبيل التأبيد، وإذا شبّهها بذوات محارمة كالعمّة والخالة والأخت أو أشبّاههن ممن حرمت عليه برضاع أو صهرية، كأم المرأة وامرأة الأب كان مظاهراً لأن حرمة هؤلاء مؤبّدة.
ولو شبّهها بأخت امرأته أو بامرأةٍ لها زوج أو مجوسيّة أو مرتدة لم يكن مظاهراً؛ لأن حرمة هؤلاء غير مؤبدة. ولو شبهها بامرأةٍ زنى بها أبوه أو ابنه فهو مظاهر في قول أبي يوسف ﵀، وقال محمد: لا يكون مظاهراً، وهذا بناءً على أنّ حاكماً لو حكم بجواز نكاحها لم ينفذ في قول أبي يوسف، وقال محمّد ﵀: ينفذ.
وجه البيان: أنّ عند أبي يوسف لمّا لم ينفذ حكم الحاكم علم أنَّ الحرمة مؤبدة نظير حرمة الأم، وعند محمّد لمّا نفذ حكم الحاكم علم أنّ الحرمة مؤقتة، فلا يكون نظير حرمة الأمّ قول أبي يوسف: أنّ الحكم بجواز نكاح هذه حكم بخلاف النصّ، قال الله تعالى ﴿وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النّسَآء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَحِشَةً وَمَقْتاً وَسَآء سَبِيلاً﴾ (النساء: ٢٢) والنكاح عبارة عن الوطء. وجه قول محمّد ﵀: أنّ
стр. 1425
العلماء اختلفوا في حرمة هذه المرأة فكان الحكم بجواز نكاحها حكماً في محلّ مجتهد فيه، والنكاح كما يذكر ويراد به الوطء يذكر ويراد به العقد بل إرادة العقد فيه أغلب في العرف، فلم يكن هذا حكماً بخلاف النصّ.
ولو قبّل أجنبيّة بشهوة أو نظر إلى فرجها بشهوة ثمَّ شبّه زوجته بابنتها لم يكن هذا مظاهراً في قول أبي حنيفة ﵀، ولا يشبه هذا الوطء وقال أبو يوسف ﵀: يكون مظاهراً (٢٨١أ١) ، وأبو حنيفة ﵀ يقول: الحرمة بالوطء ثابتة بالنصّ كما قال أبو يوسف ﵀ في المسألة المتقدّمة، وبالتقبيل والنظر يثبت باعتبار الإلحاق بالمنصوص عليه لكون هذه الأشياء وسيلة إلى الوطء، فكانت هذه الحرمة أضعف من تلك الحرمة بالنّظر إلى الفرج منصوص عليه قال ﵇: «ملعون من نظر إلى الفرج.... امرأة، وابنتها» ، فكانت هذه الحرمة نظير الحرمة الثانية بالوطء، وعلى هذا الاختلاف رجل مسّ جاريته ثمَّ قال أبوه لامرأته: أنتِ عليّ كظهر هذه الجارية.
وإن كان الرجل قد جامعها وباقي المسألة بحالها فهو مظاهر بلا خلاف، وحكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية الكفارة مع بقاء أصل الملك، عرف ذلك بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنكُمْ مّن نّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَتِهِمْ إِنْ أُمَّهَتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (المجادلة: ٢) وبقوله ﵇ لسلمة بن محمد حين ظاهر من امرأته، ثمَّ واقعها قبل الكفارة «استغفر الله ولا تعد حتّى تكفّر» .
وأهل الظهار من كان من أهل التحريم والكفارة حتّى لا يصحّ ظهار الصبي والمجنون (لأنهما) ليسا من أهل التحريم كما في الطلاق، وكذلك ليسا من أهل وجوب الكفارة عليهما.
والذمي ليس من أهل وجوب الكفارة عليه إن كان من أهل التحريم؛ لأنّ الكفارة عبادة بدليل أنّها تُفادى بالصوم عبادة، والذمي ليس من أهل العبادة.
ولا تكون المرأة مظاهرة من زوجها؛ لأنّ موجب الظهار التحريم كالطلاق، والطلاق يختص بالزوج وكذا الظهار، وعن أبي يوسف ﵀: أنّه يلزمها الظهار كفارة؛ لأنّ المعنى في جانب الرجل تشبيه المحلّلة بالمحرّمة، وهذا المعنى موجود في جانب المرأة؛ لأنّ الحل مشترك بينهما، وقال الحسن: تلزمها كفارة اليمين؛ لأنّ هذا من المرأة بمنزلة تحريم الزوج على نفسها، وتحريم الحلال يمين، وذكر في بعض المواضع الخلاف بين أبي يوسف والحسن رحمهما الله على عكس هذا.
وإذا قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي لم يكن إلا ظهاراً ونوى الطلاق، أو لم ينوِ
стр. 1426
شيئاً، وأمّا إذا لم ينوِ شيئاً أو نوى الظهار فكأنّه صرح في الظهار، وأمّا إذا نوى الطلاق فلأنّ حكم الطلاق منسوخ في هذا الباب، ونيّة المنسوخ باطلة.A
ولو قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي فهو مظاهر، ولو قال: كظهر ابنتك فلانة يريد به ابنتها من غيره، وإن كان دخل بامرأته فهو مظاهر، وهذا بناءً على ما عرف في كتاب النكاح أن الأمّ تحرم بمجرّد عقد البنت و (البنت) لا تحرم بمجرّد عقد الأم.
ولو قال: أنتِ عليّ كأمّي أو قال: أنتِ عليّ مثل أمّي، فإن نوى ظهاراً أو طلاقاً فهو على ما نوى؛ لأنّه ليس بصريح في الظهار ولا في الطلاق، ولكن يحتمل الظهار بأن قصد تشبيهها بالأمّ في الحرمة كذباً، ويحتمل الطلاق بأن قصد إيجاب الحرمة دون الكذب، فأيّ ذلك نوى حجب بيّنته، فإن أراد به اليد والكرامة لا تلزمه؛ لأنّ ما نواه محتمل، ومعناه: أنتِ عندي في استحقاق البرو الكرامة كأمّي، وإن لم يكن له نيّة فعلى قول أبي حنيفة ﵀ هو ليس بشيء؛ لأنّ هذا الكلام يحتمل معنى البرّ والكرامة، وهو أولى فيحمل عليه أخذاً...... وقال محمّد ﵀ هو ظهار؛ لأنّ في التشبيه بجميع الأم تشبيه بظهارها وزيادة، ثمَّ ذاك ظهار بلا نيّة، فهذا كذلك.
وعن أبي يوسف ﵀ أنّه قال: إذا كان في غضب فهو يمين، إن تركها أربعة أشهر ولم يقربها بانت منه بتطليقة؛ لأنّ في حمل كلامه على الطلاق حمله على الصدق، وفي حمله على الظهار حمله على الكذب، فكان الأوّل أولى، وعنه رواية أخرى: أنّه إذا كان في غضب فهو على الظهار.
وعن محمّد ﵀ إذا قال: أنت مثل أمّي يريد به التحريم، فهو ظهار وإن لم يكن له نيّة فهو باطل، وفرق بين هذا وبينما إذا قال لها: أنتِ عليّ مثل أمّي.
وعنه أيضاً: إذا قال لها أنتِ أمّي يريد الطلاق فهو باطل؛ لأنّه كذب، وكذلك إذا قال لها: إن فعلت كذا فأنتِ أمّي يريد به التحريم ثمَّ يفعل ذلك وهو باطل، ولو قال لها: أنتِ عليّ حرام كأمّي، فإن نوى الطلاق كان طلاقاً، وإن نوى الظهار أو نوى التحريم لا غير أو لم تكن نيّة فهو ظهار؛ لأنّ معنى البرّ انتفى بقران التحريم بحرف التشبيه، فبقي احتمال الظهار والطلاق، فأيُّ ذلك ينوي صحت نيّته، وعند عدم النيّة يحمل على الظهار؛ لأنّه أدنى.
ولو قال لها: أنتِ عليّ حرام كظهر أمّي فعلى قول أبي حنيفة ﵀: ظهار على كلّ حال، وقال أبو يوسف ومحمّد رحمهما الله: إذا نوى الطلاق أو نوى الإيلاء فهو على ما نوى؛ لأنّ لفظة التحريم يشترك فيه الإيلاء والطلاق، فأيّهما نوى صح وصار قوله: كظهر أمّي مؤكداً لما نوى، ولأبي حنيفة ﵀: أنّ التشبيه بظهر الأم محكم في الظهار، وقوله: أنتِ عليّ حرام يحتمل في نفسه، والجملة واحد وردّ المحتمل إلى المحكم في الكلام الواحد أولى من ردّ المحكم إلى المحتمل.
стр. 1427
وعن أبي يوسف ﵀ إذا قال لها: أنتِ عليّ حرام كظهر أمّي، فأراد بالحرام الطلاق أَلْزَمْتُهُ الطلاق ولا أصدّقه في إبطال الظهار؛ لأنّ هذا الكلام صريح في الظهار فهو بنيته يريد حرف الكلام عن ظاهره، وليس له هذه الولاية فيلزم به، وكذلك إذا أراد بالحرام اليمين ألزمه اليمين ولا أصدّقه في إبطال الظهار، فيكون مولياً ومظاهراً.
ولو قال لامرأته: أنتِ عليّ كفرج أمّي ولا نيّة له فهو ظهار. وهكذا ذكر في «الجامع الصغير» ، لأنّ هذا التشبيه فوق التشبيه بظهر الأم يلزمه لفرجها على ظهرها في الحرمة، وهذا دليل على أنّ حكم الظهار لا يختص بالتشبيه بظهر الأم، وهكذا ذكر القدوري، والمذكور في «القدوري» : إذا شبّه امرأته بعضو في أمّه إن كان لا يجوز النظر إليه كالبطن والفخذ والفرج فهو ظاهر، وفي موضع آخر قال: ويشترط أن يكون ذلك العضو يعبّر به عن جميع البدن؛ لأن الأصل في الظهار التشبيه كظهر الأم، وظهر الأم عضو لا يجوز النظر إليه، ويعبّر به عن جميع البدن بكلّ عضو لا يجوز النظر إليه، ويعبّر عن جميع البدن كان ملحقاً بالظّهر في حقّ هذا الحكم وما لا فلا.
ولو شبّه عضواً في امرأته بظهر أمّه فإن شبّه عضواً يعبّر به عن جميع البدن بظهر أمّه، أو شبّه جزءاً شائعاً من امرأته بظهر امرأته فهو مظاهر، وإن شبّه عضواً من امرأته لا (٢٨١ب١) يعبّر به عن جميع البدن كاليد والرجل لا يصير مظاهراً عندنا، والكلام فيه نظير الكلام في الطلاق.
وفي القدوري: إذا قال لها: أنا منك مظاهر أو ظاهرت منك وعنى الإيجاب، فهو مظاهر، وروى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: لو قال لها: أنتِ منّي مظاهر، فهو باطل. ولو قال لها: أنتِ منّي كظهر أمّي أو عندي أو معي فهو مظاهر؛ لأنّ هذه الحروف يُقام بعضها مقام البعض.
ولو ظاهر مدّة معلومة يوماً أو شهراً عن مضي الوقت سقط الظهار عندنا، فالأصل عندنا: أنّ الظهار كما يصحّ مطلقاً يصح مؤقتاً؛ لأنّ حكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية الكفارة شرعاً، وكذلك دليل على قبول التأقيت من قبل الزوج وبه فارق الطلاق.
وفي «المنتقى» : إذا قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي غداً، أو بعد غدٍ فهو ظاهر واحدة، ولو قال: أنتِ عليّ كظهر أمّي غداً ولها إذا جاء بعد غد فهما ظهاران، إن كفّر اليوم لم يجز عن الظهار الذي يقع بعد الغد.
وفيه أيضاً: إذا قال لها أنتِ عليّ كظهر أمّي رمضان كلّه ورجب كلّه، فكفّر في رجب سقط عنه ظهار رجب وظهار رمضان استحساناً والظهار واحد، وإن كفّر في شعبان لم يجزه؛ لأنّه كفّر وهو غير مظاهر. قال أرأيت لو قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي أبداً إلا يوم الجمعة ثمَّ كفّر، إن كفّر عن يوم الاستثناء لم يجزه، وإن كفّر في اليوم الذي هو مظاهر فيه أجزأه عن الكل، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال لها أنتِ عليّ كظهر أمّي إلى شهر، قال: لا يكون مظاهراً قبل مضيّ الشهر وإذا مضى صار مظاهراً.
стр. 1428
ومما يُحرِّم الوطء على المظاهر إلى غاية الكفارة، فكذا تحرم الدواعي نحو المسّ، والتقبيل وما أشبه ذلك، وروى ابن رستم عن محمّد رحمهما الله: إذ قال: يقبّل المظاهر امرأته بغير شهوة إذا قدم من السفر كما يقبّل أمّه، ويصحّ تعليق الظهار بالشرط؛ لأنّ الظهار يسبّب الحرمة فكان نظير الطلاق، فيصحّ تعليقه بالشرط كما يصح تعليق الطلاق بالشرط.
وروى بشر عن أبي يوسف ﵀: إذا قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي رأس الشهر، ولو علّق الطلاق بشرط ثمَّ أبانها ثمَّ وجد الشرط لا يثبت الظهار؛ لأنَّ المعلّق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل.
ولو أرسل الظهار بعد البينونة لا يصحّ؛ لأنّ حكم الظهار حرمة مؤقتة، وسببه تشبيه المحلّلة بالمحرّمة، وكل ذلك لا يتصوّر بعد ثبوت الحرمة بالبينونة، وهذا بخلاف ما لو علّق البينونة بالشرط ثمَّ أبانها، ثمَّ وجد الشرط حيث يقع الطلاق؛ لأنّ البينونة إذا صحّ تعليقها بالشرط صار تقديره: كأنّه علّق الطلاق الثاني بالشرط فينزل الشرط طلاق بائن، وإيقاع الطلاق على المبانة صحيح، وإذا قال لها: إن ... فأنتِ عليّ كظهر أمّي، فبان ذلك في محلته لها لزمها الظهار، وهذا والطلاق سواء، ذكر في «الأصل» .
وفيه أيضاً: إذا ظاهر هو من امرأته، ثمَّ قال لامرأة أخرى له: أنتِ عليّ مثل هذه ينوي الظهار فهو مظاهر، وكذلك إذا ظاهر الرّجل من امرأته: ثمَّ قال رجل لامرأته أنتِ عليّ مثل امرأة فلان فهو مظاهر منها، وكذلك إذا ظاهر من امرأته ثمَّ قال لامرأة أخرى: أشركتك في ظهارها كان مظاهراً منها، وإذا ظاهر من أربع نسوة فعليه لكلّ واحدة كفّارة؛ لأنّ حكم الظهار حرمة مؤقتة إلى غاية الكفّارة، فإذا أضاف الظهار إلى محال مختلفة يثبت في كلّ محلّ حرمة على حدة فيحتاج إلى الغاية، وهي الكفّارة في كلّ محلّ على حدة.
وإذا ظاهر من امرأته مراراً في مجالس مختلفة، أو مجلس واحد فعليه لكلّ ظهار كفّارة، هكذا روي عن علي ﵁؛ ولأنّ الظهار سبب الحرمة، فاجتماع أسباب الحرمة في محلّ واحد جائز، ألا ترى أنَّ صيد الحرم حرام على المحرم لإحرامه، ولكون الصيد في الحرم، وألا ترى أنَّ الخمر على الصائم حرام لعينه، ولصومه، وليمينه إذا حلف لا يشربها، فلهذا وجب بكلّ ظهار كفّارة، قال إلا أن يكون عنى بالثانية والثالثة الأولى، فحينئذٍ لا يلزمه أكثر من كفارة واحدة؛ لأنّ صفة الإخبار والإنشاء في الظهار واحد والكلام يحتمل الإعادة والتكرار، فلا يلزمه إلا ما لزمه بالأوّل.
بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا قال لها: أنتِ عليّ كظهر أمّي مائة مرّة، فعليه كفّارة بكلّ مرّة كفّارة، أو إذا وطء المظاهر فينبغي له أن يستغفر الله لا يلزمه سوى الاستغفار شيء؛ لأنُّ النبي ﵇ لم يوجب على مسلمة بن حجر سوى
стр. 1429
الاستغفار، ولا ينبغي للمرأة التي ظاهر منها زوجها أن تدعه يقربها حتّى يكفّر؛ لأنّ الوطء حرام عليه إلى غاية الكفّارة، والتمكين في الحرام لا يجوز ولها أن تطالبه بالكفّارة، وإذا أخبرت الحاكم بذلك أجبره الحاكم على أن يكفّر، وروى هشام عن محمّد رحمهما الله أنّه قال: أجبر المظاهر على أنّ يكفّر ليقربها، فإن لم يفعل حبسته، فإن لم يفعل ضربته وأحبسه في الدَّين ولا أضربه.
وإذا أجبر الزوج عن التكفير قبل ولا يمين عليه، ويسعها أن تصدّقه ما لم تعلم خلاف ما قال، أو تعرفه بالصدق والكذب.
وتكلّم العلماء في سبب وجوب هذه الكفّارة، قال عامّة العلماء: سبب وجوب هذه الكفّارة: الظهار والعود؛ لأنّ الله تعالى أعطف العود على الظهار في بيان سبب الكفّارة، وحكم المعطوف عليه واحد، والمحققون من أصحابنا قالوا سبب وجوبها: العود وحده، وهذا القول أقرب إلى الفقه؛ لأنّ الكفّارة عبادة، والظهار منكر من القول وزور فكان كبيرة، والكبيرة لا تصح سبباً للعبادة، وأمّا العود مباح بل مندوب إليه فيصلح سبباً لوجود العبادة، والعود عندنا هو العزيمة على أن يطأها، وهذا لأنّ العود هو الرجوع عمّا أوجب كلامه، ليكون نقضاً لما صنع كالعود في الهبة رجوع عمّا أَوْجَبَتْهُ الهبة بالبعض، وقد وجب عليه بالظهار أن يعزم على ترك الوطء؛ لأنّ الظهار مشروع لتحريم الوطء وحرمة الفعل توجب العزم على تركة فمتى عزم على الوطء فقد رجع عمّا أوجبه بالبعض فكان عوداً.
ولو عاد ثمَّ بدا له أن لا يطأها سقطت الكفّارة، فكأنّها تجب عندنا غير مستقرّة، ولهذا تسقط بموته وموتها؛ لأنّ الكفّارة تجب بالعزم عندنا، وما يجب بالعزم ما يجب مستقرّة؛ لأنّ العزم يرد عليه البعض والفسخ. وكفّارته ما ذكر الله تعالى في كتابه، ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِن نّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المجادلة: ٣، ٤) (٢٨٢أ١) فوجب على هذا الترتيب ويجب تقديمها على الميتين. قال ﵇ لسلمة بن حجر «استغفر الله ولا تعد حتّى تكفّر» .
ولو أعتق بعض الرقبة ثمَّ وطىء فعليه أن يستقبل عتق الرقبة في قول أبي حنيفة ﵀؛ لأنّ الشرط في الإعتاق تقديمه على المسيس، ومن ضرورته إخلاء الإعتاق عن المسيس فلم يوجد الإخلاء عنده؛ لأنّ الإعتاق عنده يتجزأ وعندهما لا يتجزأ فكما أعتق البعض عتق الكلّ، فيعتق أجلا الإعتاق عن المسيس. ولو جامعها في خلال الصوم
стр. 1430
بعد الصوم استقبل الصوم، لوجهين: أحدهما: أنّ الواجب صوم شهرين متتابعين، وقد فات التتابع لما قبل بعض الصوم، والثاني: أنّ الشرط تقديم الصوم على المسيس ومن ضرورته إخلاء الصوم عن الجماع، ولم يوجد الإخلاء.
ولو جامعها ليلاً أو نهاراً ناسياً لصومه استقبل في قول أبي حنيفة ومحمّد، وقال أبو يوسف ﵏: يمضي فيه، فأبو يوسف ﵀ اعتبر معنى الأوّل، وهما اعتبرا المعنى الثاني، ولو جامعها في خلال الإطعام لا يلزمه الاستقبال؛ لأنّ تقديم الطعام على المسيس ليس بشرط في كتاب الله تعالى حتّى يثبت شرط إخلاء الإطعام عن المسيس، ولا كذلك الإعتاق والصوم ولا يتجزأ في كفّارة الرقبة العمياء، ولا مقطوعة اليدين ولا مقطوعة الرجلين، ولا مقطوعة اليد والرجل من جانب واحد.
والحاصل: أنّ المأمور به رقبة مطلقة، والمطلقة من........ يتناول الكامل والقائم من كلّ واحد، وكل واحد ممّن سمّيْنا....... من وجه أن جنس منفعته، وأمّا العمياء ومقطوعة اليدين ومقطوعة الرجلين فظاهر، وكذا مقطوعة اليد والرجل من جانب واحد؛ لأنّه لا يمكنه المشي بالعصا، بخلاف مقطوع اليد والرجل من جانبين حيث يجوز؛ لأنه يمكنه المشي بالعصا، ويمكنه البطش بأحد اليدين، فلم يغب في حقّه جنس منفعة، وكذلك لا تجوز الخرساء لفوات جنس منفعته، وهو البطش، وتجوز الصمَّاء استحساناً.
وذكر في «النوادر» : أنّ الصمّاء لا تجور وهو القياس، وقيل: رواية «النوادر» محمولة على الصمّ الأجلي؛ لأنّه لا يخلو عن الخرس؛ لأنّه لم يسمع الكلام ليتعلّم، وظاهر الحوار محمول على الصمّ العارضي؛ لأنّه يخلق عن الخرس ويسمع عند المبالغة في رفع الصوت.
ويجوز مقطوعة الأذنين، وذاهب الحاجبين وشعر اللحية، وكذا يجوز مقطوع الشفتين إذا كان يقدر على الأكل؛ لأنّ الفائت بفوات هذه الأشياء الريبة لا غير، وبه لا تصير الرقبة مستهلكة.
ولا يجوز ساقط الأسنان لفوات جنس منفعته في حقّها وهو منفعة المضغ، ولا يجوز المدبّر وأم الولد، ويجوز المكاتب إذا لم يؤدّ شيئاً من بدل الكتابة عندنا، وإن أدّى شيئاً من بدل الكتابة لا يجوز في «ظاهر الرواية» ، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنّه يجوز، ولا يجوز مقطوع الإبهامين، ولا ثلاثة أصابع من سواهما، ولا يجوز الختين، ويُجزىء الرضيع.
وكذا لا يجوز المجنون والمعتوه، وإن كان يجنّ ويفيق يجوز، يريد به: إذا أعتقه في حال إفاقته، والمريض الذي في حدِّ مرض الموت لا يجزىء، وإذا كان يجزىء ويخاف عليه يجوز والمرتد يجوز عند بعض المشايخ وعند بعضهم لا يجوز؛ لأنّ بالردّة
стр. 1431
صار حربيّاً، ولهذا أحلّ قتله، فقد صرف الكفّارة إلى الحربي فلا يجوز، والمرتدة يجوز بلا خلاف ولو أعتق عبداً حربياً في دار الحرب إن لم يخلّ سبيله لا يجوز، فإن خلّى سبيله ففيه اختلاف المشايخ بعضهم قال لا يجوز؛ لأنّه صرف الكفّارة إلى الحربي.
وروى إبراهيم عن محمّد رحمهما الله: إذا أعتق عبداً حلال الدّم قد قضي بدمه عن ظهاره، ثمَّ عفي عنه لم يجز.
وفي «البقالي» رواية مجهولة إذا أعتق عبداً حلال الدّم قد قضي بدمه ثمَّ عفي عنه، أو كان أبيض العينين فزال البياض، أو كان مرتداً وأسلم أنّه يجزئه، وإذا أعتق عبداً على جعل بنيّة الكفّارة لم يجزءه عن الكفّارة وإذا سقط الجعل، ويجوز إعتاق الآبق إذا علم أنّه حيّ.
في «المنتقى» : ولو أعتق نصف عبد مشترك بينه وبين غيره عن ظهاره ثمَّ أدّى الضمان وأعتق الباقي عن ذلك الظهار لم يجزء في قول أبي حنيفة ﵀، وعندهما يجوز إذا كان موسراً؛ لأنّ الإعتاق عندهما لا يتجزىء، فبإعتاق النصف يصير معتقاً للكلّ، لكن يشترط أن يكون المعتق موسراً؛ لأنّه إذا كان معسراً كان على العبد السعاية في نصيب شريكه، فيكون هذا إعتاقاً بعوض، فلا تتأدّى به الكفّارة، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يجوز.
وفرّق أبو حنيفة ﵀ بين هذا وبينما إذا أعتق نصف عبده عن ظهاره، ثمَّ أعتق النصف الباقي عن ذلك الظهار حيث يجوز، ولا فرق بينهما من حيث الصورة؛ لأنّ الإعتاق عند أبي حنيفة ﵀ يتجزأ، فإذا أعتق النصف اقتصر الإعتاق على نصيبه، وتمكن النقصان في النصف الباقي بسببه؛ لأنّ النصف الباقي خرج من أن يكون محلاً للتمليك والتملّك، وصار في معنى المرتد وأمّ الولد، وبإعتاقهما لا تسقط كفّارة، وفي حقّ هذا.... على السواء.
والفرق: وهو أنّ في الفصلين على النقصان في النصف الباقي بسبب إعتاق النصف الأوّل عن الكفارة، إلا أنَّ العبد إذا كان كلّه له أمكن أن يجعل ذلك النقصان مصروفاً إلى الكفارة؛ لأنّ النصف الآخر في المدّة الثانية أعتق ما بقي فيجزؤه.
أمّا إذا كان العبد مشتركاً لا يمكن أن يجعل النقصان الحاصل في النصف الباقي مصروفاً إلى الكفّارة؛ لانعدام الملك له في ذلك النصف، فيبطل قدر النقصان ولم يقع عن الكفّارة، فإذا ضمن قيمة النصف الباقي وأعتقه فقد صرفه إلى الكفّارة وهو ناقص، وصار في الحاصل كأنّه أعتق عبداً لا ... النقصان.
ولو أعتق عبداً عن ظهاره عن امرأتين أجزأه أن يجعله عن أحدهما عند علمائنا الثلاثة ﵏؛ لأنّ الجنس متحدّ ونية التعيين في الجمع والجنس الواحد لغو، وهذا لأنّ في الجنس الواحد الواجب عليه الكفارات مطلقاً بعدد الواجب؛ لأنّ التغيير
стр. 1432
(٢٨٢ب١) كما في قضاء رمضان، فإن من عليه قضاء يومين من رمضان لا يجب عليه التغيير عند القضاء، بل يجب عليه الصوم مطلقاً بعدد الواجب، كذا ههنا، وإذا ثبت أنَّ نيّة التغيير ههنا لغوٌ صار وجه ردّها وعدمها بمنزلة، فكأنّه أعتق عن ظهاره ولم يعتبر أصلاً، وهناك يجوز الإعتاق عن أحدهما كذا ههنا.
وإذا وجب عليه كفارتان أو ثلاث عن الظهار، فأعتق ثلاث رقاب ينوي عند إعتاق كل رقبة أن يكون عن كفّارة، وإن لم ينوِ رقبة بعينها عن كفّارة بعينها جاز عند علمائنا الثلاثة ﵏؛ لأن عند اتحاد الجنس لو نوى عند إعتاق كل رقبة أن يكون عن الكفارات كلّها جاز فههنا أولى، ومن ملك رقبة لزمه العتق وإن كان يحتاج إليها، وكذلك من ملك ثمن الرقبة من التقدير ولا اعتبار بالمشكل، وما فيه من اليسار...... منهما أنّها يعتبر الفصل.
وعن أبي يوسف ﵀ أنّه قال: أنّها يعتبر الفصل إذا بلغ نصاباً، وعن محمّد ﵀ أنّه قال: يحبس الذي يعمل أي..... قوت يومه والذي لا يعمل قوت شهر.
وإذا قال لعبد: إن اشتريتك فأنت حرّ، فاشتراه ينوي الكفّارة عن الظهار لا يجوز عن الظهار، ولو قال عند اليمين عن كفّارة ظهاره جاز، ولو قال لعبد: إن اشتريتك فأنت حرّ عن كفّارة يمين أو قال تطوّعاً، ثمَّ اشتراه ناوياً عن ظهاره لم يكن عن ظهار.
وكذلك إن قال إن اشتريته فهو حرّ تطوّعاً، ثمَّ قال: إن اشتريته فهو حرّ عن ظهاريّ ثمَّ اشتراه يقع العتق عن الجهة التي عيّنها أوّلاً، ولا يلحقها الفسخ.
وعلى هذا إذا قال: إن اشتريت هذا العبد فهو حرّ عن ظهاري، ثمَّ قال إن اشتريته فهو حرّ عن يمين ثمَّ اشتراه، فهو حرّ عن الظهار، وكذلك إذا قال: إن اشتريته فهو حرّ عن ظهاري من فلانة، ثمَّ قال لامرأة أخرى ذلك ثمَّ، اشتراه فهو حرّ عن ظهار الأولى.
وإذا لم يملك رقبة ولا ثمن رقبة بصوم شهرين متتابعين، فإن صام شهرين بالأهلة جاز وإن كان كلّ شهر تسعة وعشرين يوماً، وإن صام لغير الأهلة ثمانية (ثم) فطر لتمام تسعة وخمسين يوماً فعليه الاستقبال.
وإن عجز عن الصيام يطعم ستين مسكيناً ويجزىء فيه طعام التمليك وطعام الإباحة، وتفسير طعام الإباحة: أن يعدّ منهم ويعيّنهم، وتفسير طعام التمليك ظاهر، فإن أراد أن يطعم طعام التمليك يطعم لكلّ مسكين نصف صاع من برّ، أو صاع من تمر أو شعير كما في صدقة الفطر، به ورد الأثر عن عمر ﵁ عن الحنطة تختلف أجناسها، فإنَّ من الحنطة ما يبلغ منوين، منها نصف صاع، ومنها ما يبلغ أكثر من منوين نصف صاع، فلا بدّ من التقدير بأحدهما، أمّا الصاع أو المنّ قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وقد اختلف المشايخ ﵏ في هذا الفصل، قال بعضهم: يعتبر الصّاع، كما في صدقة الفطر، فإنَّ رسول الله ﵇ اعتبر الصّاع في صدقة الفطر من غير فصل،
стр. 1433
وعمر ﵁ اعتبر الصّاع في غير هذه الصورة من غير فصل، ومنهم من قال يختلط فيه، فيعطي أكثر من منوين، ومنهم من قال: يعتبر الوزن.
ولو أدّى نصف صاع من تمر جيّد يبلغ نصف صاع من حنطة لا يجوز، وكذلك لو أدّى أقلّ من نصف صاع من حنطة يبلغ صاعاً من تمر أو شعير لا يجوز، والأخذ فيه أنّ كلّ جنس هو منصوص عليه من الطعام لا يكون بدلاً عن جنس آخر هو منصوص عليه، وإن كان في القيمة أكثر.k
ولو أدّى ثلاثة أمناء من الذرة تبلغ قيمتها منوين من الحنطة جاز، قال هشام: إنّها تجوز إذا أراد أن يجعل الذرة لا عن الحنطة، وأمّا إذا أراد أن يجعل الحنطة بدلاً عن الذرة لا يجوز؛ لأنّه أراد أن يجعل المنصوص عليه بدلاً عن عين المنصوص عليه.
ولو أدّى الدقيق والسويق أجزأه، واختلف المشايخ في طريق الجواز. قال بعضهم: يجوز باعتبار العين فيعتبر فيه عام الكيل وذلك نصف صاع من دقيق الحنطة، وإليه قال الكرخي والقدوري رحمهما الله، وقال بعضهم: يجوز باعتبار القيمة ولا يجوز فيه اعتبار عام الكيل، وقد ذكرنا هذا الفصل مع أجناسها في باب صدقة الفطر.
ولو أراد أن يطعمهم قيمة الطعام أعطى كلّ مسكين قيمة نصف صاع من حنطة أو قيمة صاع من تمر أو قيمة صاع من شعير، وإن أراد أن يطعمهم طعام الإباحة غدّاهم وعشّاهم، وإن غدّاهم لا غير أو عشّاهم لا غير لا يجوز عندنا، يريد به: أنّ الغداء بدون العشاء لا يجوز، وكذلك العشاء بدون الغداء لا يجوز، هكذا ذكر في أيمان «الأصل» .
وفي القدوري: في حقّه طعام الإباحة أن يغدّيهم ويغشّيهم، فيحصل له الكيان، إمّا غداءين أو عشاءين أو يعشّيهم ويجزهم وهذا بيان الغداء بدون العشاء بدون الغداء يجوز، قال ثمة: قال أيضاً: ولو غدّى إنساناً وعشّى آخر لم يجز وفي المجرّد عن أبي حنيفة ﵀: إذا غدّى ستين، وعشّى آخرين لم يجز ولو غدّى رجلاً ستيّن يوماً وعشّى امرأة ستين يوماً جاز، وكذلك إذا غدّى ثلاثين يوماً، وعشّى ثلاثين يوماً، وعن الحسن بن زياد إذا غدّى في الظهار مسكيناً، وآخر عشرين ومائة يوم أجزأه، وعن الحسن بن أبي مالك، عن أبي يوسف رحمهما الله لو غدّى مسكيناً واحد، وعشّاه في ستّين يوماً لا يجوز به قال هذا قوله الآخر، وإذا غدّاهم وعشّاهم، فالمعتبر فيه الكيان......، ولا غيره فيه بمقدار الطعام حتّى روي عن أبي حنيفة ﵀ في كفارة اليمين لو قدم أربعة أرغفة أو ثلاثة بين يدي عشرين وشبعوا أجزأه وإن لم يبلغ ذلك إلا صاعاً أو نصف صاعٍ، وإن كان أحدهم شبعان هل يجوز؟
اختلف المشايخ ﵏ فيه، قال بعضهم: يجوز لأنّه وجد الطعام العشرة، وقد شبعوا، وقال بعضهم لا يجوز؛ لأنّ المأجور عليه إشباع العشرة وهو ما أشبع العشرة إنّما أشبع التسعة، وإلى هذا القول مال شمس الأئمة الحلواني ﵀، والمستحب أن
стр. 1434
يغدّيهم ويعشّيهم خبز معه إدام، ولو أعطاهم خبزاً قفّازاً بغير إدام جاز، وإذا غدّاهم وعشّاهم خبز الشعير لم يذكر خبز ﵀ في «الأصل» ، وقد اختلف المشايخ ﵏ فيه قال بعضهم يعتبر محمد ﵀ في «الأصل» بخبز البرّ.
في «الزيادات» : دليل أنه لا يجوز (٢٨٣أ١) خبز الشعير، وبعضهم جوزوا ذلك وإليه مال الكرخي ﵀، ثمَّ على قول من جوّز خبز الشعير لا بدّ وأن يكون معه إدام، وإذا غدّاهم وأعطاهم قيمة العشاء لو عشاهم وأعطاهم قيمة الغداء يجوز، هكذا ذكر في «الأصل» .
وفي «البقالي» : إذا غدّاهم مداً فيه روايتان، وكذلك الغداء وقيمة العشاء وكذلك إذا أعطى كلّ مسكين نصف صاع من تمر أو شعير ومدّاً من برّ، وذكر في «الأصل» أنّه لا يجوز، وإذا دعا مساكين وأحدهم.... ذلك سنّاً وغدّاهم وعشّاهم لا يجزؤه، كذا ذكر في «الأصل» .
وفي «المجرّد» إذا كانوا علماءنا يعتمدون مثلهم يجوز وإذا أعطاهم ستّين مسكيناً، كل مسكين مدّاً من حنطة لم يجز، فعليه أن يعيد مدّاً آخر على كل مسكين فإذا لم يجز الأوّلين فأعطى ستّيناً آخرين كلّ مسكين مدّاً لا يجوز، لأنّ المأخوذ عليه في باب الكفارة مراعاة عدد المساكين ومراعاة وظيفة كلّ مسكين، وقد أخذ بمقدار وظيفة كلّ مسكين فلا يجزئه، وإن أعطى مسكيناً واحداً طعام ستين مسكين في يوم واحد بدفعة واحدة لا يجوز، ولو صرف إليه طعام ستّين مسكيناً في ستّين يوماً جاز عندنا، وقد ذكرنا قول أبي يوسف ﵀ أجزأ في المسكين الواحد في طعام الإباحة، بخلاف هذا، ولو صرف طعام ستين مسكيناً إلى مسكين واحد في يوم واحد بدفعات متفرقات، اختلف المشايخ فيه، والصحيح أنّه لا يجوز في طعام الإباحة ولا يجوز في يوم واحد وإن فرّق بلا خلاف بين المشايخ.
وإن أطعم عن ظهارين ستّين مسكيناً في يوم واحد كلّ مسكين صاعاً من حنطة جاز عنهما عند محمّد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ يجوز عن واحد منهما، فمحمّد يقول.... وفاءً بالوظيفتين وزيادة، والمصرف محلّ الكفّارتين، فيجزئه، وهما يقولان الانقسام لغو؛ لأنّها حصلت في غير محله لأنّ محلّها شيئان، والكفّارتان من جنس واحد كأنّها كفّارة واحدة لاتحاد الجنس، والشيء الواحد لا يكون محلا للانقسام، فالتحقت نيّة الانقسام بالعدم، وصار كأنّه نوى الكفّارة لا غير، وهناك يقع عن الواحدة؛ لأنّ النقدين في هذا الباب بنصف الصّاع من الحنطة لمنع النقصان لا لمنع الزيادة، فيقع عن الواحدة احتياطاً كذا ها هنا.
стр. 1435
الفصل الرابع والعشرون في مسائل الإيلاء
الإيلاء: هو اليمين على ترك وطء المنكوحة أربعة أشهر فصاعداً؛ لأنّ كتاب الله تعالى قيّده بأربعة أشهر، حتّى لو عقد يمينه على ترك وطء المنكوحة أقلّ من ذلك أربعة أشهر لا يكون إيلاءً، بل يكون يميناً، وإنّه على نوعين:
أحدهما: أن يكون اسم الله أنّه يمين بالله تعالى؛ لأنّ صورة اليمين بالله تعالى قوله: والله لا أفعل كذا، وصورة الإيلاء إذا كان الإيلاء باسم من أسماء الله تعالى أن يقول لامرأته: والله لا أقربك أربعة أشهر.
والثاني: أن يكون بطلاق أو عتاق أو ما أشبه وأنّه غير الطلاق والعتاق؛ لأنّ صورة اليمين بالطلاق أو العتاق إن فعلت كذا فامرأته طالق، إن فعلت كذا فعبدي حرٌّ، وصورة الإيلاء إذا كان الإيلاء بطلاق أو عتاق أن يقول لامرأته: إن قربتك فعبدي فلان حرّ، إن قربتك، فامرأتي فلانة طالق.
وحكم الإيلاء اثنان:
أحدهما: يتعلق بالحنث بأن يقربها في مدّة الإيلاء، وهو لزوم الكفّارة إن كان الإيلاء باسم من أسماء الله تعالى، ولزوم ما جعل حرّاً إن كان الإيلاء بغير الله تعالى.
والثاني: يتعلّق بالبرّ بأن لم يقربها حتّى مضت مدّة الإيلاء، وهو وقوع تطليقة بائنة، فالإيلاء يوافق سائر الأيمان في حقّ حكم الحنث، وهو وجوب الكفّارة بوجود المحلوف عليه، وهو القربان إن كان الإيلاء بالله ولزوم ما صار جزاءً على المحلوف عليه وهو الطلاق أو العتاق إن كان الإيلاء بالطلاق أو العتاق، ويخالف سائر الأيمان في حقّ حكم البرّ فإنَّ في سائر الأيمان لا يلزمه بالبرّ شيء، وفي الإيلاء بالبرّ تلزمه تطليقة بائنة.
وصار تقدير الإيلاء في حقّ حكم البرّ، كأنّه قال إن مضت أربعة أشهر ولم أقربك فأنتِ طالق تطليقة بائنة عرف ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٢٧) جاء عن رسول الله ﵇ أنّه قال: «عزيمة الطلاق مضيّ أربعة أشهر» ، وهكذا نقل عن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر، وعائشة رضوان الله عليهم أجمعين، أنّهم قالوا: «عزيمة الطلاق مضي أربعة أشهر» ، ولأنّ الإيلاء كان طلاقاً في الابتداء وجب النظر في قدر ما يعتبر بالشرع، وذلك بما أوجب الله تعالى له من التربّص أربعة أشهر فبقي بعد مضي المدّة طلاقاً كما كان.
وأمّا مدّة إيلاء الأمة شهران، وإذا مضت هذه المدّة فالحكم فيها كالحكم في الحرة لأنّ هذه المدّة شرعت أصلاً للبينونة، فتشابه مدّة العدّة فيثبت جرء بالرّق كما في العدّة،
стр. 1436
قال القدوري: لا يكون الإيلاء إلا بالحلف على الجماع في الفرج خاصة؛ لأنّ الإيلاء إنّما صار طلاقاً بواسطة الظلم بمنع حقّها المستحقّ، وحقّها في الجماع في الفرج.
وروي عن محمّد ﵀: إذا قال: لا يمسّ جلدي جلدك لا يكون إيلاءً؛ لأنّه يخبر بغير الجماع، وكذلك إذا قال والإيلاء ما يوقف الخبر فيه على الجماع، زاد في «البقالي» إلا أن ينوي الجماع، وكذلك إذا قال: والله لا أمسك لا يكون إلا أن ينوي الجماع.
وفي «الفتاوى» : إذا قال والله لا يمسّ فرجي فرجك فهو مولى، وقال محمّد ﵀: إن اجتمع رأسي ورأسك وعنى به الجماع فهو مولى، فإن لم يعنى الجماع، فليس بمولى وله أن يجامعها بغير اجتماع على فراش، ولا شيء يجتمع رأسهما عليه، ولو اجتمعا على شيء واجتمع رأسهما عليه من غير جماع حنث في يمينه، ولو قال: والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة أو لا يؤويني وإياك بيت، ولا أبيت معك على فراش فإن عنى الجماع فهو مولى وإن لم يكن له نيّة فهو على الإيواء، والبيات على الفراش ولا يجتمعا على وسادة وسواء كان على البواري والأرض، ولو حلف لا يجامعها فهو مولى مع أنّ هذا اللفظ يتناول الجماع فيما دون الفرج، لأنّه مأخوذ من الاجتماع أما كان كذلك؛ لأنّ هذا اللفظ عند الإطلاق يراد به الاجتماع الخاص، وهو التقاء الختانين، ولهذا فهم رسول الله ﵇ من قول: جامعت امرأتي في نهار رمضان الجماع في الفرج، حتّى أوجب الكفّارة عليه من غير استفسار وانصرف (٢٨٣ب١) مطلق اللفظ إلى الجماع في الفرج لهذا.
وكذلك إذا حلف لا يقربها لأنّ القربان المضاف إلى المرأة يراد به عادة الوطء، وكذلك لا ينام معها؛ لأنّ المضاجعة...... من البضع، وذلك بالتقاء الختانين وكذلك لا يغتسل منها؛ لأنّ الاغتسال إنّما يكون بالإيلاج في الفرج، وإذا قال لم أعن الجماع في هذه الصورة صدّق ديانة لا قضاء.
ولو قال إن أتيتك أو أخبرتك وإن نوى الجماع، فهو مولى وإنّما شرط نيّة الجماع ههنا؛ لأنّ الرجل قد يأتي المرأة لشغل، وقد يصب منها مالاً ونفقة ولم يتعيّن الجماع مراد فهذين اللفظين عادة، فلا بدّ من التعيين بالبنية وإذا قال لم أعن الجماع في هذين اللفظين صدّق ديانة وقضاء.
وإذا قال إن وطئتك أو افتضضتك، وهي بكر فهو مولى وإذا حلف لا يدخل عليها لا يصير مولياً بدون نيّة الجماع، وإذا قال: لم أعن الجماع صدّق قضاء، وإذا حلف لا يدخل بها، فعلى قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا يصير مولياً بدون نيّة الجماع.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قال لامرأته آكرنا بخسم فأنتِ طالق، فإن لم يكن له نيّة، فهو مولى؛ لأنّ اليمين على الجماع وقعت عرفاً وإن نوى اليوم فهو ليس
стр. 1437
بمولى، ويمينه على المضاجعة إن جامعها حنث في يمينه، وإن لم يجامعها، وبدون المضاجعة لا يحنث ولو قال: آكر من دست فراكنم رن كنم بايك سال فكذا، فهو مولى حتّى لو تركها أربعة أشهر، ولو جامعها بانت بالإيلاء لأنّه يراد بهذا الجماع عادة يا آكرد ست فراروي كندا وجامعها فيما دون الفرج لا يحنث في يمينه، وإن كان ذلك في السنّة.
ولو قال لها: إن اغتسلت من جنابتي ما دمت امرأتي، فأنتِ طالق ثلاثاً، فهو مولى منها حتّى لو تركها أربعة أشهر، ولم يجامعها بانت منه بتطليقة، لأنّ هذا اللفظ صار عبارة عن الجماع عادة.
امرأة قالت لزوجها: من انتمارعي داري وحامة عنكنى مرااز مهر مسواك رن مي داري، فقال الزوج: آكرارا كيون بايك سال مسواك رنم فكذى، فإن أراد به الجماع فهو مولى، وبدون النيّة لا يكون مولياً؛ لأنّ هذا ليس بصريح، فلا بدّ من النيّة.
إذا قال: لها إن قربتك، فعليّ كفّارة يمين فهو مولي، وكذلك إذا قال لها إن قربتك فعليّ يمين؛ لأنّ اليمين سبب الكفّارة، فهذا رجل ذكر السبب وأراد به المسبب.
ولو قال: إن قربتك فعليّ حجّة أو عمرة أو هدي أو صدقة أو اعتكاف أو صيام، فهو مولى؛ لأنّ الإيلاء بألية إنما صار إيلاءً باعتبار أنّ حرمة اسم الله تعالى، يمنعه عن القربان لما فيه من هتك حرمة اسم الله تعالى، فيتحقّق الظلم بمنع حقّها المستحق وهو الوطء، هذا المعنى موجود ها هنا فإنّ ما التزم عند القربان من الحج والعمرة، وغير ذلك يمنعه من القربان.
ولو قال: إن قربتك فعليّ أن أصلّي ركعتين فهو ليس بمولى لأنّ قوام الركعتين من الصلاة لا يمنعه عن القربان، إذ لا يلحقه مشقّة بأدائها ولا خسران في ماله؛ بخلاف ما لو التزم بالقربان عتق عبد أو حجّة وعمرة وعن أبي يوسف ﵀ فيما إذا قال: لها إن قربتك، فعبدي حرٌّ أن لا يكون مولياً؛ لأنّ له أن يبيع العبد بقربانها قبل أربعة أشهر من غير شيء يلزمه.
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله إذ قال لامرأته: إن قربتك فلانة طالق بعد سنة، والله لأطلّقنّ فلانة أراد بفلانة امرأة أخرى له فإنّه لا يكون مولياً، ولو قال: إن قربتك فلانة طالق بعد سنة فهو مولى، وذكر هشام عن محمّد ﵀ إذا قال: إن قربت امرأتي فمالي هبة في المساكين قال: إن نوى الصدقة، فهو مولى، وإن لم ينوِ صدقة فهو ليس بمولى، والقول في ذلك قوله.
وذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله على إن أعتق عبدي هذا عن ظهاري إن قربت امرأتي فلانة، وهو مظاهر أو ليس بمظاهر لا يكون مولياً، ولو قال: عبدي هذا حرٌّ عن ظهاري إن قربت امرأتي، فهو مولى مظاهراً كان أو غير مظاهر، ويجزىء عن ظهاره يريد به إذا كان مظاهراً، وقد قربها ثمَّ قال: كلّ شيء يعتق إذا قرب امرأة فهو مولى، وكل شيء لا يعتق إلا بفعل آخر لا يكون مولياً، وعلى هذا إذا قال لله تعالى عليّ أن أصوم شهرين عن ظهاري إن قربتك، أو قال: لله تعالى عليّ أن أتصدّق على ستّين
стр. 1438
مسكيناً، فإنّه لا يكون مولياً سواء كان مظاهراً أو لم يكن.
وروى بشر عنه في هذه المسألة أنّه إن كان مظاهراً فهو مولى ولو قال لها: إن قربتك، فكلّ مملوك أملكه فيما استقبل فهو حرٌّ أو قال: كلُّ امرأة أتزوجها فهي طالق، فهو مولى في قول أبي حنيفة ﵀ ومحمّد، وقال أبو يوسف رحمهما الله: لا يكون مولياً؛ لأنّه لا يلزم بالقربان شيء وبعد القربان يمكنه دفع الطلاق والعتاق عن نفسه، بأن لا يتملك مملوكاً، ولا يتزوّج امرأة.
وجه قولهما: أنّه يلزمه اليمين بالقربان فيصير مولياً كما لو قال لها: إن قربتك، فهذا العبد حرّ إن دخل الدّار، وهذا لأنّ لزوم اليمين يصلح مانعاً عن القربان؛ لأنّه يلزمه الامتناع عن تحصيل الشرط خوفاً عن نزول الجزاء.
وروى هشام عن محمّد رحمهما الله: إذا قال لها: إن قربتك، فإن اشتريت، فهو حرّ قال ذلك لعبد بعينه فهو ليس بمولى، قال: وليس هذا كعموم قوله: وكلّ مملوك اشتريته فهو حرّ، وكذلك على هذا إذا قال لها: إن قربتك ففلانة طالق، إن تزوجها لم يكن مولياً من امرأته بخلاف ما إذا أعلم فقال: فكل امرأة أتزوجها، فهي طالق رواه ابن سماعة عن محمّد ﵀ وكذلك قال أبو حنيفة ﵀.
وروى هشام عن محمّد ﵀ إذا قال لها: إن قربتك فعليّ صوم شهر كذا بأن قال مثلاً، فعليّ صوم شهر رجب أو قال فعليّ أن أحج العام، فإن كان رجب يمضي قبل الأربعة الأشهر أو كان الحج في العام يمضي قبل الأربعة الأشهر، فليس بمولى لأنّه يمكنه القربان في المدّة، وذلك بعد رجب والحج من غير شيء يلزمه فإن مضى الوقت المضاف إليه النذر يبطل النذر، وإن كان لا يمضي إلا بعد الأربعة الأشهر، فهو مولى؛ لأنّه لا يمكنه القربان من غير شيء يلزمه.
وروى هشام عن محمّد ﵀ أيضاً: إذا قال لها: إن قربتك فعليّ أن أعتق هذا العبد غداً، فهو مولى، وقوله غداً فضل وعليه أن يعتقه إن قربها وهو بمنزلة (٢٨٤أ١) . قوله: إن قربتك فعليّ أن أعتق عبدي هذا الأمس، فقوله: أمسِ فضل، وعليه أن يعتقه إن قربها. ولو قال لها: إن قربتك فأنت عليّ حرام، ينوي به الطلاق فهو مولي؛ لأنه لا يمكنه القربان إلا بطلاق يلزمه، وإن نوى اليمين فهو مولي أيضاً في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما: الله لا يكون مولياً حتى يقربها؛ لأن قوله: أنت عليّ حرام عند إرادة اليمين يمين، فصار الإيلاء معلقاً بالقربان، فكأنه قال لها: إن قربتك، وقوله: فوالله لا أقربك، وعداً لها يصير مولياً فهاهنا للحال كذا هاهنا.
ولأبي حنيفة ﵀: أنه لا يمكنه القربان إلا بشيء يلزمه، وهذا هو حد المولي كان القياس في قوله: إن قربتك فوالله لا أقربك أن يصير مولياً للحال، لكن تركنا القياس في هذه الصورة؛ لأنه علّق الإيلاء بالقربان لفظاً ومعنى ولو صار مولياً للحال تفوت فائدة التعليق من كل وجه.
وقوله: أنت عليّ حرام، ليس يمين لفظاً ولو كان يميناً كان يميناً معنى، فلو صار
стр. 1439
مولياً للحال تفوت فائدة التعليق من وجهٍ، وليس إذا ترك القياس لضمانه فائدة التعليق من كل وجه ما يدل على تركه لضمانه فائدة التعليق من وجه.
ولو قال لامرأته: إن قربتك فأنت عليَّ مثل امرأة فلان، وقد كان فلان آلى من امرأته، فإن نوى الإيلاء كان مولياً، وإن لم ينو لا يكون مولياً؛ لأن النسبة لا تقتضي الاستواء في كل الأشياء.
ولو آلى من امرأته ثم قال لامرأةٍ أخرى له: قد أشركتك في إيلائها، كان باطلاً لأن الاشتراك يغير حكم الإيلاء؛ لأن قبل الاشتراك كان يحنث بقربان الأولى وحدها، وبعد الاشتراك لا يحنث إلا بعد إتيانهما، كما لو قال: والله لا أقربكما، وهو لا يملك تغيير حكم اليمين.
ولو قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، ثم قال لامرأةٍ له أخرى: أشركتك معها كان مولياً منهما؛ لأن الاشتراك ههنا لا يغير موجب اليمين، فإنه لو قال لهما: أنتما عليَّ حرام يصير مولياً من كل واحدة منهما، ويلزمه الكفارة بوطىء كل واحدةٍ منهما، بخلاف قوله: والله لا أقربكما.
والفقه فيه: أن قوله: والله لا أقربكما إنما صار يميناً موجباً للكفارة باعبتار هتك حرمة اسم الله تعالى بمباشرة الشرط، وذلك لا يتحقق إلا بقربانهما. أما قوله: أنتما عليّ حرام إنما صار إيلاء باعتبار معنى التحريم وذلك موجودٌ في حق كل واحد منهما على حدة.
ولو الله قال: والله لا أقربك سنةً إلا يوماً لم يكن مولياً؛ لأنه استثنى يوماً منكراً فما من يومٍ بعد يمينه إلا ويمكنه أن يجعل مستثنياً عن يمينه فيقربها من غير شيء يلزمه، والمولي من لا يمكنه قربان امرأته إلا بشيء يلزمه؛ فإن قربها وقد بقي من السنة أربعة أشهر الآن يصير مولياً؛ لأنه صار بحال لا يمكنه قربانها في الأربعة الأشهر إلا بشيء يلزمه.
قال في «الجامع» : إذا قال لامرأتين له: والله أقربكما إلا يوم الخميس، لا يكون مولياً حتى يمضي خميس ثاني عليه بعد اليمين؛ لأن أول خميس يأتي عليه بعد اليمين فهو مستثنى عن اليمين، فيمكنه القربان فيه من غير شيء يلزمه. فإذا مضى أول خميس أتى عليه من وقت اليمين الآن صار مولياً؛ لأن بمضي أول الخميس يمضي يوم الاستثناء وبقيت اليمين بالاستثناء.
ولو قال: والله أقربكما إلا يوم الخميس لا يصير مولياً بهذه الغير إيلاءً؛ لأن المستثنى في هذه الصورة كل خميس يأتي عليه؛ لأنه أضاف النكرة وهو يوم إلى حقه عامة وهو الخميس، والنكرة إذا أحدثت إلى حقه عامة عمّت؛ لأن الإضافة بمنزلة الصفة، فكل يوم اتصف بكونه خميساً يدخل تحت الاستثناء، فيمكنه القربان في كل خميس يأتي عليه من غير شيء يلزمه، فلهذا لم يصر مولياً.
قال في «الجامع الصغير» : إذا قال لامرأته: والله لا أقربك شهرين، وشهرين فهو
стр. 1440
مولي؛ لأنه جمع بينهما بحرف الجمع فيعتبر بما لو جمع بينهما بلفظ الجمع بأن قال: والله لا أقربك أربعة أشهر. وكذلك إذا قال: والله لا أقربك شهرين فمكث يوماً ثم قال: والله لا أقربك شهرين بعد شهرين فهو مولي منه لما قلنا.
ولو قال: والله لا أقربك شهرين، فمكث يوماً ثم قال: والله لا أقربك شهرين بعد هذين الشهرين الأوليين لا يكون مولياً. وأراد بقوله: لا يكون مولياً في حق الطلاق، حتى لو تركها أربعة أشهر ولم يقربها لا تبين منه؛ لأن بالكلام الأول لم يصر مولياً في حق الطلاق؛ لأن الإيلاء في حق الطلاق لا ينعقد على أقل من أربعة أشهر. فإذا قال بعدما مكث يوماً: والله لا أقربك شهرين بعد هذين الشهرين صار مولياً في حق الطلاق صار مولياً الآن تعذر جعله مولياً الآن؛ لأنه يمنع نفسه عن قربان امرأته في أقل من أربعة أشهرٍ بيوم؛ لأنه مضى من الشهرين الأوليين يوم، حتى لو قال المقالة الثانية عقيب المقالة الأولى يصير مولياً، نص عليه في «المنتقى» .
إذا قال لها: والله لا أطأك شهراً بعد سنة فإنما حلف على شهرٍ بعد سنة تمضي فلا يحنث إن وطىء في السنة. وكذلك لو قال: والله (لا) أطأك يوماً بعد شهر فإنما حلف على يومٍ بعد شهر يمضي.
ولو قال: والله لا أقربك شهرين قبل شهرين فهو مولي. ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله في رجل قال لامرأته: والله لا أقربك أربعة أشهر إلا يوماً، ثم قال في ساعته: والله لا أقربك هذا اليوم فهو مولي.
قال في «الجامع» : إذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً قبل أن أقربك بشهرٍ لا يصير مولياً للحال ما لم يمضي شهر بعد اليمين؛ لأن المولي من لا يمكنه قربان امرأته من غير شيء يلزمه؛ لأن الملتزم ههنا الطلقات الثلاث مضافاً إلى شهر موصوف بأنه قبل القربان. والمراد شهرٌ بعد اليمين فما لم يمض بعد اليمين شهر قبل القربان لا يوجد الوقت المضاف إليه الطلاق فلا يلزمه الطلاق، فإن مضى شهرٌ بعد اليمين ولم يقربها فقد وجد الوقت المضاف إليه الطلاق وصار بحيث لا يمكنه قربانها إلا بطلاق يلزمه فيصير مولياً الآن.
ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثاً قبل أن أقربك شهر، فهاهنا يشترط لصيرورته مولياً (٢٨٤أ١) . بيان القربان ومضي أربعة أشهر بعد القربان لا بقربان فيه؛ لأن عند القربان يصير قائلاً: أنت طالق قبل أن أقربك شهر.
ولو قال لامرأتين له: أنتما طالقتان ثلاثاً قبل أن أقربكما بشهر لم يصر مولياً للحال لما مرّ. فإذا مضى شهر ولم يقربهما فيه يصير مولياً منهما. والقياس أن لا يصير مولياً ما لم يقرب إحداهما؛ لأن المولي من لا يمكنه القربان من غير شيء يلزمه وأمكنه قربان إحداهما من غير طلاق يلزمه؛ لأن قربان إحداهما نصف الشرط وبنصف الشرط لا يتبين أن الجزاء (واقع) .
فإذا قرب إحداهما الآن صار الحال لا يمكنه قربان الأخرى إلا بطلاق يلزمه،
следующие страницы →