← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

دمتما زوجين تقع على الأبد ما داما زوجين. وتصح الكفالة كذا ههنا. وجه قول أبي حنيفة ﵀: أن العمل بكلمة كل متعذر في الكفالة لأن كلمة متى أضيفت إلى جملة من الأعداد قائماً يتناول كل عدد من تلك الجملة على سبيل الانفراد. ألا ترى أنه لو قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق يجب بنكاح كل امرأة تزوجها كأنه عقد اليمين عليها لا غير، ولا يشترط نكاح الجماعة لوقوع الحنث كان يتناول كل عدد من الجملة على سبيل الانفراد لو صححنا الكفالة في الشهر الثاني والثالث فقد تناولت الكفالة الشهر الثاني والثالث كما تناولت الشهر الأول لا يبنيان بلفظ واحد عقدين مختلفين، أحدهما مرسل والآخر مضاف وبين المرسل والمضاف تصادق ينافي، وإذا تعذر العمل بكلمة كل..... كلفة كل فصار كأنه قال: كفلت بنفقة شهر. ونظيره الإجارة إذا أجر داره كل شهر بعشرة تنصرف الإجارة إلى شهر واحد كأنه قال: أجرتك شهراً ولهذا كان لصاحب الدار أن يخرجه متى حازا بين الشهر الثاني. كذا ههنا: بخلاف ما لو قال: كفلت لك بنفقة كل شهر عشرة أبداً ما عاشت كان الضمان صحيحاً كما قال؛ لأن هناك المذكور وقت واحد وهو العمر فيكون الثابت عقداً واحداً فصحت الكفالة بنفقة جميع العمر فكان ذكر العمر وإنه اسم لوقت واحد بمنزلة، ذكر السنه مما أشبه ذلك. ولو قال كفلت كل بنفقة...... عشرة أشهر صحت الكفالة وانصرفت إلى الوقت المذكور لكون الوقت واحد، كذا ههنا. أما في قوله كل شهر المذكورة أوقات مختلفة فكان الثبوت عقوداً مختلفة، وإن كفل لها بنفقتها على زوجها أبداً أو ما داما زوجين، فإن ذلك جائز وأراد بالأبد ما داما على النكاح؛ لأن لفظة الأبد فيما بين الزوجين تقع على أنهما على النكاح حتى لو مات أحدهما أو انقطع النكاح بينهما والنفقة لها على النكاح الكفيل. هكذا ذكر في «أدب القاضي» للخصاف وذكر الخصاف في نفقاته أن هذا يتناول زمان العدد أيضاً وهذا لأنه كفيل بنفقتها ما دام النكاح باقياً والنكاح ههنا باقي من وجه وإنما صحت الكفالة في هذه المسألة إلى وقت إنهاء النكاح وكل وجه لأن الوقت ههنا واحد فكان العقد واحد. ثم فرق بين هذه المسألة، وبينما إذا كفل لها بنفقة ولدها أبداً ومطلقاً كان باطلاً وكان الوقت واحداً لأن نفقة الأولاد لا تجب على التأبيد ما دام حياً، فإنه أوسع تسقط النفقة عن الأب وكذلك إذا أيسر أما نفقة المرأة تجب على التأبيد ما دام النكاح موسرة كانت أو معسرة فلهذا افترقا. وذكر في «الفتاوى» : في امرأة قالت لزوجها: أنت بريء من نفقتي أبداً ما كنت أمرأتك لا يصح هذا الإبراء؛ لأن صحة الإبراء يعتمد الوجود أو قيام سبب الوجوب ولم يوجد شيء من ذلك ههنا على ما يأتي في نوع الصلح عن النفقة إن شاء الله تعالى.

стр. 1542

وبعدما فرض لها القاضي النفقة كل شهر أو قالت ذلك، إن قالت قبل أن يمضي زمان من وقت الفرض برىء من نفقة الشهر الأول لا غير ولو قال: بعدمامضى أشهر صحت البراءة لما مضى دون ما بقي واعتبره ما لا...... آخره انعدام الذي أخره سنة ومضى على ذلك بعض السنة صح الإبراء لما مضى دون ما بقي، وكذلك لو أخره كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا ثم آبرأه عن الآخر صح للشهر الأول وللسنة الأولى كذا ههنا والله أعلم بالصواب. النوع الثامن في الصلح عن النفقة قال: وإذا (٣٠٨ب١) صالحت المرأة زوجها من نفقتها من ثلاثة دراهم من كل شهر فهو جائز وكان ينبغي أن لا يجوز لأن الصلح من نفقتها إبراء بعوض فيعتبر بالإبراء بغير العوض، وذلك لا يصح لما أن النفقة للحال ليست بواجبة وإنما تجب شيئاً فشيء. والجواب: هذا إنما يستقيم إذ لو كان جواز الصلح عن النفقة بطريق المعاوضة وجواز هذا الصلح ليس بطريق المعاوضة إنما يكون بطريق أنه تقدير لنفقتها كل شهر بشيء معلوم وتقدير النفقة كل شهر بشيء معلوم جائز. وهذا بخلاف الأجر أو إبراء المستأجر عن الأجر قبل استيفاء المنفعة حيث يجوز لأن هناك سبب الوجوب وهو العقد موجود فقام مقام حقيقة الوجوب في حق صحة الإبراء فكان إبراءً بعد الوجوب، أما ههنا فسبب الوجوب النفقة في المستقبل وهو الاحتباس في المستقبل، وأنه غير موجود للحال ثم الأصل في جنس مسائل الصلح عن النفقة أن الصلح عن النفقة من الزوجين متى حصل شيء يجوز للقاضي أن يفرض على الزوج في نفقتها بحال يعتبر الصلح منها تقدير للنفقة ولا يعتبر معاوضة، سواء كان هذا الصلح قبل فرض القاضي النفقة وقبل تراضي الزوجين على شيء لكل شهر، أو كان هذا الصلح بعد فرض القاضي لها النفقة، أو بعد تراضيهما على شيء لكل شهر، وإن وقع الصلح على شيء لا يجوز للقاضي أن يفرض على الزوج في نفقتها بحال، كما لو وقع الصلح على عبد أو ثوب. ينظر إن كان الصلح بينهما قبل قضاء القاضي لها بالنفقة، وقبل تراضيهما على شيء لكل شهر يعتبر الصلح منها تقدير للنفقة أيضاً، وإن كان الصلح بعد فرض القاضي لها النفقة أو بعد تراضيهما على شيء لكل شهر يعتبر هذا الصلح منها معاوضة. وفائدة اعتبار التقدير أن تجوز الزيادة على ذلك والنقصان عنه، وفائدة اعتبار المعاوضة أن تجوز الزيادة على ذلك ولا يجوز النقصان عنه، وعلى هذا الأصل يخرج جنس هذه المسائل. قال: وإذا صالحت المرأة زوجها على ثلاثة دراهم لكل شهر، فقالت المرأة: لا يكفيني بهذا القدر.

стр. 1543

كان لها أن تخاصمه حتى يزيدها مقدار ما يكفيها إذا كان الزوج موسراً، وإنما كان هكذا لأن صلحها لا يكون أقوى من قضاء القاضي، والقاضي لو قدر لها نفقتها في كل شهر مقدار ما لا يكفيها كان لها أن تطالبه بما لها.....، فهاهنا أولى. قال: وإذا صالحت المرأة زوجها عن نفقة كل شهر على ثلاثة دراهم، ثم قال الزوج: لا أطيق ذلك فإنه لا يصدق في ذلك، لأنه التزم باختياره، وذلك دلالة على كونه قادراً على أداء ما التزمه. فإذا قال: لا أطيق فقد ادعى خلاف ما كان ثابتاً فلا يصدق ويلزمه جميع ذلك. قال في «الكتاب» : إلا أن تبرئه عند القاضي يريد به إلا أن يتعرف عن حاله بالسؤال من الناس، فإذا أخبروه أنه لا يطيق ذلك فعفي عنه وأوجب على قدر طاقته. ألا ترى أن في الابتداء لو علم القاضي أن الزوج لا يطيق هذا المقدار لا يفرض عليه ذلك المقدار، ويفرض بقدر طاقته، فإذا علم في الانتهاء رفع عنه الزيادة على قدر طاقته أيضاً، أو تبرئه المرأة بنفسها لأن النفقة حق المرأة فكان لها أن ترضى بدون حقها، أو يرخص السعر فيكفيها دون ذلك والقاضي يرفع عنه قدر الزيادة وهذا لما ذكرنا أن المعتبر في النفقة مقدار الكفاية، والكفاية داخلة بدون الزيادة فترفع عنه الزيادة. قال: فإن لم يمض شيء من الشهر حتى صالحها من هذه الثلاثة الدراهم على شيء إن كان شيئاً يجوز للقاضي أن يفرض لها في نفقتها بحال، نحو ما إذا صالح من هذه الثلاثة دراهم على ثلاثة مخاتم دقيق بعينه أو بغير عينه يعتبر هذا الصلح تقديراً للنفقة، فإن كان شيئاً لا يجوز للقاضي أن يفرض في نفقتها بحال يعتبر الصلح الثاني معاوضه، وأما اعتبار التقدير والمعاوضة قد ذكرنا قبل هذا. قال محمد ﵀ في «الكتاب» : عقيب هذه المسألة ولا شبيه من الدراهم على ثلاث مخاتم دقيق يعتبر عينها لا يجوز الصلح. والفرق: أن في سائر الديون والصلح منهما معاوضة لأن الدين كان واجباً وقت الصلح فاعتبر الصلح معاوضة فكان هذا بيع دين بدين فلا يجوز إلا أن يدفع الدقيق في المجلس، فأما ههنا قبل مضي الشهر، فالنفقة لا تعتبر ديناً فلم يكن الصلح الثاني معاوضة بل كان تقدير النفقة حتى لو مضى الشهر وصارت الثلاثة الدراهم ديناً، ثم صالحها على ثلاثة مخاتم دقيق بغير عينها، لا يجوز الصلح أيضاً لما قلنا. قال: وإذا صالحت المرأة زوجها على ثلاث دراهم نفقة كل شهر، ثم إن الزوج أعطاها كفيلاً ببدل الصلح جاز، لأن الكفالة ببدل الصلح والصلح منهما تقديراً للنفقة إن لم تكن واجبة للحال تجب في الثاني والكفارة بدين تجب في الثاني جائزة على ما عرف في موضعه وكذلك الصلح عن نفقة الأقارب على هذا لأن النفقة تستحق بالزوجية مرة وبالقرابة أخرى فكان الجواب في نفقة الأقارب كالجواب في نفقة الزوجة.

стр. 1544

قال في «الكتاب والذي ذكرنا من الجواب والصلح عن النفقة فكذلك في الصلح عن الكسوة لأن الكسوة للحاجة والمعتبر فيها الكفاية في النفقة. قال: وإذا صالح الرجل امرأته من كسوتها على درع يهودي ويلحقه..... وحمار..... ولم يسم طوله وعرضه ورفعته جاز لأن الثوب غير حقها لأن حقها في المطعوم والملبوس وإنه يجب بدلاً عما ليس بمال وهو الاحتباس المستحق عليهما بسبب النكاح، والثوب إذ كان معلوم الجنس يجوز أن يجب ديناً في الذمة مجهول الوصف بدلاً عما ليس بمال كما في الخلع والنكاح. قال وإذا صالح امرأته من نفقة سنة على ثوب دفعه إليها فهو جائز على ما ذكرنا، فإن استُحق الثوب بعد ذلك ينظر، إن وقع الصلح على الثوب بعد ما فرض القاضي لها النفقة أو بعدما اصطلحا على شيء بنفقة كل شهر ثم وقع الصلع عن ذلك على هذا الثوب فإنها ترجع (٣٠٩ب١) بما فرض لها القاضي من النفقة وبما وقع الصلح عليه أول مرة، لأن النفقة صارت ديناً على الزوج بمضي المدة، فإذا أحدث ثوباً بمقابلة النفقة صارت مشترية لهذا الثوب ما وجب لها على الزوج من المال وشراء الثوب مما ينفسخ باستحقاق الثوب وبالرد بالعيب فثبت لها الرجوع بثمنه وذلك ما فرض لها، وأما إذا وقع فاسداً الصلح فإنها ترجع بقيمته أي بقيمة الثوب لأن ابتداء الصلح إذا وقع على الثوب فالثوب إنما ملك ما داما ليس بمال وهو الاحتياس المستحق عليها بعقد النكاح والثوب إذا ملك ما داما ليس بمال وهو الاحتباس المستحق عليها بعقد النكاح، والثوب إذا ملك ما داما ليس بمال فعقد الإستحقاق يثبت الرجوع بقيمة الثوب كما في النكاح والخلع. وهو نظير ما ولو وقع الصلح عن نفقة المرأة على وصف وسط ولم يجعل له أجلاً أو جعل له أجلاً وإن كان قبل فرض القاضي وقبل اصطلاحها جاز؛ لأن النفقة غير واجبة في هذه الحالة فيكون الوصف بدلاً عن الاحتباس الذي ليس بمال، والحيوان يثبت ديناً في الذمة بدلاً عما ليس بمال حالاً ومؤجلاً، وإن كان هذا الصلح بعد فرض القاضي بعد اصطلاحهما لا يجوز لأن الحيوان ههنا بدلٌ عن النفقة والنفقة مال والحيوان لا يجب ديناً في الذمة بدلاً عما هو مال. قال وإذا كان للرجل امرأتان إحداهما حرة والأخرى أمة بوأها المولى بيتاً فصالحها عن النفقة وقد شرط للأمة أكثر مما شرط للحرة جاز لأن المعتبر في النفقة مقدار الكفاية وقد يكفي للحرة ما لا يكفي للأمة. فرع في الكتاب على مسألة الأمة فقال: إذا بوأها المولى بيتاً فكما يجوز صلح الأمة عن النفقة فكذا يجوز صلح مولى الأمة، وهذا لأن كل واحد منهما ذواحطٍ عن النفقة، أما الأمة فظاهر وأما

стр. 1545

المولى فلأن في النفقة إحياء مال المولى فكان كل واحد منهما ذوا حط عن النفقة، فإنهما صلح فإنما صلح عن حقه فيجوز بخلاف ما لو صالحت الأمة زوجها عن المهر، حيث لا يجوز لأن مهرها حق المولى من كل وجه وصلح الإنسان عن حق غيره من كل وجه لا يجوز بخلاف النفقة على ما مرّ. وإن كان المولى لم يبوءها بيتاً ولم يجز هذا الصلح وكان له أن يرجع عن ذلك؛ لأنها صالحت عما ليس بحق لها فإنه لا نفقة لها متى لم المولى بيتاً. وكذلك إذا صالح الرجل امرأته عن نفقتها ونكاحها فاسد لا يجوز؛ لأنه صالحها عما ليس بحق لها، فإن النفقة لا تستحق بالنكاح الفاسد. والحاصل: أن الصلح عن النفقة في كل موضع لا نفقة ثمة باطل. قال: وإذا صالحت المرأة زوجها عن نفقتها كل شهر على أكثر من نفقتها زيادة لا يتغابن الناس في مثله، فإن الزوج تلزمه نفقة مثلها ولا يلزمها الزيادة على ذلك، لأن الزوج في الزيادة على نفقة مثلها متبرع فإن شاء أمضى تبرعه وإن شاء لم يُمضِ. قال: وإذا كانت المرأة مكاتبة بوأها المولى بيتاً صالحت زوجها عن نفقتها أو مهرها جاز لأنها صالحت عما هو حقها وكذلك العبد المحجور إذا صالح عن نفقة امرأته وقد تزوج بإذن المولى جاز؛ لأن الإذن بالنكاح إذن بالإنفاق، لأنه لا بد منه، فإذا كان له الإنفاق كان له الصلح عن النفقة لأن في الصلح إبقاء النفقة. وكذلك المكاتب إذا صالح امرأته عن نفقة كل شهر جاز كما جاز عن العبد المحجوز من طريق الأولى والله أعلم. النوع التاسع في إيجاب النفقة في كتاب النكاح الذي لم يعرف ثبوته قال: رجل ادعى نكاح امرأة وهي تجحد وأقام عليها شهوداً لم يكن لها على الزوج النفقة لأنه تبين أنها منكوحة ممنوعة عن الزوج لا بفعل الزوج.h وإن ادعت امرأة على تزوج رجل أنه تزوجها وهو يحجد ذلك فأقامت عليه بينة والقاضي لا يعرف الشهود واحتاج إلى المسألة لا تُجعل لها النفقة لم تكن واجبه لها بيقين فلا تحب بالشك. فرّق بين هذا وبينها إذا شهد شاهدان على رجل أنه طلّق امرأته ثلاثاً وقد كان دخل بها وهي تدعي الطلاق أو تنكره والقاضي لا يعرف الشهود منع القاضي الزوج عن الدخول على المرأة على ما عرف ويقضي القاضي لها على الزوج بالنفقة إذا طلبت ذلك؛ لأن النفقة كانت مستحقة لها على الزوج بيقين والآن وقع الشك في السقوط إن كانت مطلقة لا يسقط، وإن كانت منكوحة يسقط لأنها ممنوعة لا بفعل الزوج فلا يسقط بالشك. فرع على مسألة النكاح فقال: إن رأى القاضي أن يقضي لها بالنفقة لما رأى من المصلحة ينبغي أن يقول

стр. 1546

لها: إن كنت امرأةً فقد فرضت لك نفقة كل شهر كذا، ويشهد على ذلك. فإذا مضى شهراً فقد استدانت على الزوج إن عُدّلت تلك البينة أخذ ثمة بنفقة تلك الأشهر منذ فرض لها: لأنه إذا عُدّلت الشهود تبين أنها كانت منكوحة ممنوعة عن الزوج بفعل الزوج، وهو الجحود. وإن لم يُعدّل الشهود لم يكن لها عليه شيء قال: ولو أنّ أختين ادعت كل واحدةٍ منهما أن هذا الرجل زوجها وهو يجحد ذلك فأقامت كل واحدة منهما شاهدين على ذلك النكاح ولم تؤقت البينتان وقت النكاح لكن أقامت على إحداهما بينةً على إقراره أنه تزوجها على ألف درهم وأنه دخل بها، وأقامت الأخرى بينة على إقراره أنه تزوجها على مائة دينار وأنه دخل بها والقاضي في مسألة الشهود فطلبتا النفقة جعل القاضي لهما نفقة امرأة واحدة. هكذا ذكر في «الكتاب» ، وعلى قياس المسألة الأولى، ينبغي أن لا يفرض لأنه وقع الشك في وجوب نفقة كل واحدة منهما مع هذا فرض لهما نفقة امرأة واحدة منهما. إنما كان كذلك لأن إحدى البينتين تعدل غالباً فكان نكاح إحداهما ثابتاً غالباً فلا يقع الشك بالوجوب بخلاف المسألة الأولى. وإذا قضى القاضي بنفقة امرأة واحدة وليست إحداهما بأولى من الأخرى كان ذلك بينهما. قال: فإن عُدِّلَت البينتان حكم لكل واحدةٍ منهما بنصف المال. (٣٠٩ب١) الذي قامت عليه البينة وبالأقل من نصف المال الذي قامت عليه البينة على إقراره بالدخول بها دون الآخرى، قضى للمدخول بها بالمهر الذي قامت عليه البينة. ولو لم تدع كل واحدة الدخول أصلاً، والشهود لم يتعرفوا إقرار الزوج بذلك يفرق بينه وبينها ويكون لهما نصف المالين بينهما. قال في «الكتاب» : وفي كل موضع وجبت النفقة وجبت السكنى مع ذلك وهو النوع العاشر من هذا الفصل، وهذا لأن الله تعالى أوجب السكنى مقروناً بالنفقة. قال تعالى: ﴿اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ (الطلاق: ٦) وفي قراءة ابن مسعود ﵁: ﴿من حيث سكنتم وانفقوا عليهن من وجدكم﴾ ، ولأنها محتاجة إلى السكنى كحاجتها إلى النفقة. قال: وللزوج أن يسكنها حيث يسكن ولكن بين جيران صالحين، فإذا كان.... لأن الزوج لو كان أرملاً ينبغي له أن يسكن بين قوم صالحين فإذا كان..... كان أحوج إلى جيران صالحين قال: فإن أراد الزوج أن يسكنها مع أحد من أقربائه فطلبت المرأة منزلاً على حده، فلها ذلك لأن حق السكنى للمرأة إنما كان بمعنيين: أحدهما: أن يقاس مع الزوج. والثاني: أن تأمن على متاعها. وإذا كان معها ثالث

стр. 1547

تستحي من المعاشرة مع زوجها وتخاف على متاعها، هذا إذا كان البيت واحد، وأما إذا كان داراً فيها بيوت وأعطى لها بيتاً تغلق عليها وتفتح، لا يكون لها أن تطالبه بمنزل آخر، لأنه متى كان لها بيت في الدار تغلق عليها، كان هذا بمنزلة، المنازل....... عليها حقها ولا تثبت لها المطالبة بشيء آخر. وكذلك إذا كانت له امرأتان يسكنهما في بيت واحد، فطلبت إحداهما بيتاً على حدة فلها ذلك، لأن في اجتماعهما في بيت واحد ضررتهما والزوج مأمور بإزالة الضرر عن المرأة. هكذا حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀، وهذا التعليل....... إلى أن الدار وإن كانت مشتملة على بيوت سكنى، كل واحدة من المرأتين في بيت على حدة تغلق عليها وتفتح، كان لها أن تطالب بمسكن...... قال: فإن اسكنها في منزل ليس معها أحد، فشكت إلى القاضي أن الزوج يضر بها ويؤذيها وسألت من القاضي أن يأمره بأن يسكنها بين قوم صالحين يعرفون إحسانه وإساءته، فإن علم القاضي أن الأمر كما قالت المرأة زجره عن ذلك ومنعه عن التعدي؛ لأنه علم أنه ارتكب ما لا يحل وإن لم يعلم، ينظر إن كان جيران هذه الدار قوماً صالحين أقرهما هناك، لأنه لو أمره بنقلها من هذه الدار لنقلها إلى قوم آخرين مثلهم فلا..... فلا يأمر لكن يسأل الجيران عن صنيعه بها، وإن ذكروا مثل ذلك الذي ذكرت زجره عن ذلك ومنعه عن التعدي في حقها، وإن ذكروا أنه لا يؤذيها فالقاضي يتركها ثمة، لأنه علم أنها منعته. وإن لم يكن في جوارها من يوثق به أو كانوا يميلون إلى الزوج، فالقاضي يأمر الزوج أن يسكنها بين قوم صالحين ويسأل عنهم ويبين الأمر على خبرهم كما قلنا. ومما يتصل بهذه المسائل إذا أراد الرجل أن يمنع أم..... أتاها أو واحد من أهلها من الدخول عليها في منزله فله ذلك لأن المنزل ملكه فله أن يمنع من الدخول فيه من يشاء، وهذا لأنهم متى دخلوا في منزله يتكلمون بما هو من إذاءه فيؤدي إلى الإضرار بالزوج، وكذلك يمنعها عن الخروج إلى بيت الأبوين لما قلنا، ولكن لا يمنعهم من النظر إليها ومن تعاهدها والتكلم معها فيقفون على باب الدار والمرأة داخل الدار لأنه لو منعهم عن ذلك كان ذلك قطيعة الرحم وإنه حرام وهذا في حق الأبوين ومن كان ذو رحم محرم من المرأة ومن لا يتهمه الزوج. وأما إذا لم يكن يحرم لها ويتهمه الزوج ولم يكن له أن يمنعه من النظر إليها أيضاً، فإذا كان للمرأة ولد من غير هذا الزوج لم يكن له أن يمنعها ولا أن يمنعهن أن ينظر بعضهم إلى بعض كما قلنا من المعنى. هكذا ذكر الخصاف في «النفقات» وفي «أدب القاضي» في أبواب النفقة. وروي عن أبي يوسف ﵀: أن الزوج لا يملك أن يمنع أبوي المرأة من

стр. 1548

الدخول عليها للزيارة كل شهر مرتين، وإنما يمنعهما من الكسوة. وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «فتاويه» . عن أبي بكر الإسكاف رحمهما الله: أن الزوج لا يمنع أبوي المرأة عن الدخول عليها للزيارة في كل جمعة، وإنما يمنعهما من الكسوة لأن الزيارة في كل جمعة هي الزيارة المعتادة وهذا لأن التكلم معهما على ما هو مرادها إنما يحصل بالكسوة لا بالزيادة فلا يمنعهما عن الدخول عليها في كل جمعة، وعليه الفتوى. وأما غير الأبوين من المحارم فقد ذكر الخصاف في «أدب القاضي» وفي «النفقات» أنه يمنعهم من الدخول عليها ولا يمنعهم من النظر إليها. وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «فتاويه» عن أبي بكر الإسكاف ﵀: للزوج أن يغلق الباب عليها من الزوار غير الأبوين، وقال محمد بن مقاتل الرازي ﵀: لا يمنع المحرم من الزيارة في كل شهر وهو الأرفق بالباقي. وقال مشايخ بلخ: في كل سنة. وكذلك المرأة إذا أرادت الخروج إلى زيارة الأبوين أو إلى زيارة المحارم فأراد الزوج أن يمنعها من ذلك فهو على الاختلاف الذي قلنا. الفصل الثاني في نفقة المطلقات هذا الفصل يشتمل على أنواع: النوع الأول في بيان من يستحق النفقة من المطلقات اجتمع على المطلقة طلاقاً رجعياً تستحق النفقة والسكنى ما دامت العدة قائمة سواء كانت حاملاً أو حائلاً، وهذا لأن بعد الطلاق الرجعي النكاح قائم وإنما أشرف على الزوال عند انقضاء العدة وذلك غير مسقط للنفقة، كما إذا أو علق طلاقها بمضي شهر، وأما المبتوتة فلها النفقة والسكنى أيضاً ما دامت في العدة حائلاً كانت أو حاملاً، وهذا مذهبنا. وقال الشافعي ﵀ لها السكنى ولا نفقة لها إلا أن تكون حاملاً والمبتوتة هي التي طلقها الزوج ثلاثاً، أو طلقها بعوض حتى وقع الطلاق (٣١٠أ١) بائناً عندهم جميعاً. حجة الشافعي ﵀ في ذلك ما روي عن فاطمة بنت قيس قالت: طلقني زوجي ثلاثاً ولم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وسلّمنفقة ولا سكنى، قال: ولو كنت حاملاً كانت لك النفقة إلا أنا تركنا ظاهر الحديث في حق السكنى بالإجماع ولا إجماع في النفقة فبقي على ظاهره.

стр. 1549

وحجتنا في ذلك ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: للمطلقة ثلاثاً النفقة والسكنى وهذا نص في الباب، وما روي من الحديث قد طعن الكبار من الصحابة والتابعين فلا يكون حجة. والمعنى في ذلك أن المرأة ما دامت في العدة فهي محبوسة بحق الزوج، فإن منفعة الحبس تعود إليه وهو صيانة مائه فكانت محبوسة بحقه فتكون نفقتها عليه، كما في حال قيام النكاح. ثم فرق بين المطلقة وبين المتوفي عنها زوجها. فإن المتوفى عنها زوجها لا تستحق النفقة في تركة زوجها، والمطلقة تستحق النفقة على الزوج، وموضع الفرق: شرح الطلاق المبسوط. قال في «الكتاب» : والنفقة واجبة للمعتدة طالت المدة أو قصرت فيكون القول في العدة إنها لم ينقض قولها مع عينها، لأنها اثبتته في الأخبار عما في رحمها، وقول الأمين مقبول وإليه أشار أبي بن كعب ﵁ في قوله: من الأمانة أن تؤمن المرأة على ما في رحمها فإن أقام الزوج بينة على إقرارها بانقضاء العدة بريء من النفقة، لأن ثبوت إقرارها بالبينة كثبوته بالمعاينة، فإن ادعت حملاً أنفق عليها ما بينها وبين سنتين، فعد يوم طلاقها لأن عدة الحامل إنما تنقضي بوضع الحمل والولد يبقى في البطن إلى سنتين. وإن مضت سنتان ولم تلد انقطعت النفقة لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين. فإن قالت: كنت أظن أني حامل ولم أحض إلى هذه الغاية، وأظن أن هذا الذي فيَّ ريح، وأنا أريد النفقة حتى تنقضي عدتي. وقال الزوج: قد ادعت الحمل وأكثر مدة الحمل سنتان فالقاضي لا يلتفت إلى قوله ويلزمه النفقة ما لم تنقض العدة، لأن هذا أمر قد يسببه، لأن معرفة ما في الرحم حقيقة إلى الله تعالى، قال تعالى ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾ (لقمان: ٣٤) فتكون معذورة في ذلك فكان لها النفقة حتى تنقضي عدتها، وعدتها تنقضي بثلاث حيض أو بدخولها في حد الإياس ومضي ثلاثة أشهر بعد ذلك، فإن حاضت في هذه الأشهر الثلاثة استقبلت العدة بالحيض، لأنه تبين أنها لم تكن اثبتته والنفقة واجبة لها في جميع ذلك ما لم يحكم بانقضاء العدة، لأنها محتبسة بعدتها منه. وسئل أبو بكر ﵀: عمن طلق امرأته وكتم عن الناس، فلما حاضت حيضتين وطئها فحبلت ثم أقر بطلاقهاوقال: لها النفقة ما لم تضع، لأن انقضاء عدتها بوضع الحمل. قال: وإن طلق الزوج امرأته وهي صغيرة لم تحض بعد وقد دخل بها ومثلها يجامع فعدتها ثلاثة أشهر على ما عرف في كتاب الطلاق، وينفق عليها ما دامت العدة قائمة لما ذكرنا وهذا إذا لم تكن المرأة مراهقة، وأما إذا كانت مراهقة فعدتها لا تنقضي بثلاثة أشهر بل يتوقف في حالها إلى أن تظهر أنها هل حبلت بذلك الوطء أم لا، فينبغي أن يدر عليها النفقة ما لم يظهر فراغ رحمهما.

стр. 1550

هكذا حُكِيَ عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل ﵀، فلو أنها حاضت في هذه الأشهر الثلاثة تستأنف العدة بالحيض وتكون لها حاضت النفقة حتى تنقضي عدتها لما ذكرنا ويعتبر في هذه النفقة ما يكفيها وهو الوسط من الكفاية وهي غير مقدرة، لأن هذه النفقة نظير نفقة النكاح فيعتبر فيها ما يعتبر في نفقة النكاح ثم نفقة العدة إنما لنفقة النكاح وليست شيء آخر. حتى قلنا: إن كل امرأة تستحق النفقة حال قيام النكاح تستحق النفقة حال قيام العدة لكل أمر لا تستحق النفقة حال قيام النكاح لا تستحق النفقة حال قيام العدة فإن المولى إذا بوأ الأمة بيتاً لما استحقت النفقة حال قيام النكاح استحقت أيضاً بعد الفرقة ومتى لم يبوئها المولى بيتاً لما لم تستحق النفقة حال قيام النكاح لا تستحق النفقة بعد الفرقة أيضاً. إذا ثبت هذا فتقول المعتدة: إذا لم تخاصم في نفقتها ولم يفرض القاضي لها شيئاً حتى انقضت العدة فلا نفقة لها، لأن النفقة في حال قيام النكاح لا تصير ديناً إلا بقضاء أو برضاء فكذا في حالة العدة، وإن كان الزوج غائباً فاستدانت عليه ثم قدم بعد انقضاء العدة يقضي عليها بنفقة مثلها، وهو قول أبي حنيفة ﵀ الأول، ثم رجع وقال: لا يقضي، كما في نفقة النكاح. وإذا فرض لها النفقة في حال العدة وقد استدانت على الزوج أو لم تستدن.... إن انقضت عدتها قبل أن تبعض شيئاً من الزوج، وإن استدانت بأمر القاضي كان لها أن ترجع بذلك على الزوج بذلك، لأنها استدانت المرأة بأمر القاضي، وللقاضي ولاية متكاملة بمنزلة (أنها) أستدانت (من) الزوج بنفسه، وأما إذا استدانت بغير أمر القاضي أو لم تستدين أصلاً، هذا يرجع على الزوج بذلك أم لا. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرح أدب القاضي» فيه كذا. قال الصدر الإمام الشهيد ﵀: فالظاهر عندي أنه لا يرجع. وأشار شمس الأئمة السرخسي ﵀ إلى أن لا يرجع حيث علل فقال: ليست استحقاق هذه النفقة والمستحق بهذا السبب في حكم الصلة ولا بد من قيام السبب لاستحقاق المطالبة، ألا ترى أن الذمي إذا أسلم وعليه خراج رأسه لم يطالب بشيء منه، فكذا ههنا وهو الصحيح. قال الخصاف في نفقاته: وكل نكاح كان الزوجان يتوارثان عليه لو مات أحدهما فطلقها الزوج وقد دخل بها، فإن لها فيه النفقة والمهر بدخوله بها. قال ﵀: في «شرحه» : وهذا الأصل غير سديد على قول أبي حنيفة ﵀، فإن الذمي إذا تزوج أمة فإنها تستحق النفقة عنده ولا يتوارثان لو مات أحدهما فكما تستحق المعتدة النفقة الكسوة تستحق الكسوة لأن المعنى يجمعهما وهو (٣١٠ب١) الحاجة غير أن في «الكتاب» لم يذكر كسوتها؛ لأنها لا تبقى في العدة مدة تحتاج إلى

стр. 1551

الكسوة غالباً، حتى لو احتاجت يفرض لها ذلك أيضاً. الدليل على أن المعتدة تستحق الكسوة أنها تستحق النفقة واسم النفقة كما يتناول الطعام يتناول الكسوة. قال هشام في «نوادره» : قلت لمحمد ﵀: النفقة هي الطعام وحده قال: لا لكن الطعام والكسوة. قال في «الكتاب» : وفي كل موضع وجبت على الزوج نفقة العدة يجب عليه مؤنة السكنى كما في حال قيام النكاح. فبعد هذا ينظر إن كان للزوج منزل مملوك فعليه أن يُسكنها فيه، وإن لم يكن للزوج منزل مملوك فعليه أن يكتري منزلاً لها ويكون لكن على الزوج، لأن الإسكان عليه. وإن كان الزوج معسراً تؤمر المرأة أن تستدين لكن أو تؤدي ثم ترجع على الزوج إذا أيسر كما هو الحكم في النفقة حال قيام النكاح، ثم الأصل لما بعد هذا. إن نفقة الفرقة متى وقعت بين الزوجين ينظر، إن كانت الفرقة من جهة الزوج فلها النفقة سواء كانت الفرقة بمعصية أو بغير معصية. وإن كانت الفرقة من جهة المرأة، إن كانت (من غير معصية) تجوز لها النفقة. وإن كانت بمعصية فلا نفقة لها، وإن كانت الفرقة بمعنى من جهة غيرها فلها النفقة. وهذا لأن النفقة صلة وعصار من يستحق عليه الصلة لا تؤثر فيه بطلان الصلة. أما عصار من يستحق الصلة تؤثر في ذلك، واعتبر هذا بالوارث إذا قتل المورث، إن كان بحق لا يحرم عن الميراث وإن كان بغير حق يحرم، كذا ههنا إذا عرف هذا الأصل فنقول للملاعنة: لها النفقة والسكنى، لأن الفرقة باللعان فرقة بطلان فكانت خيانة من قبل الزوج. وكذلك الثانية بالخلع، والإيلاء، وردة الزوج، ومجامعة الزوج أمها تستحق النفقة لأن هذه الفرقات كلها من جهة الزوج بعد إن كانت مستحقة للنفقة في أصل النكاح فينبغي هذا الحق تبعاً للعدة. فامرأة العنين إذا اختارت الفرقة فلها النفقة والسكنى، وكذلك المدبرة وأم الولد إذا اعتقتا. ومما عند الزوج قد يواليهما المولى بيتاً فلهما النفقة والسكنى، وكذلك الصغيرة إذا أدركت فاختارت نفسها فلها النفقة والسكنى وإن جاءت الفرقة من قبل المرأة في هذه المسائل إلا أن الفرقة ما جاءت بسبب هي معصيه، وكذلك إذا وقعت الفرقة بسبب عدم الكفاءة بعد الدخول، فلها النفقة لأن الفرقة جاءت بحق تُستحق. والمنكوحة إذا ارتدت أو طاوعت ابن الزوج حتى وقعت الفرقة لا نفقة لها، لأن الفرقة جاءت من قبلها بسبب هو معصية. وإن جامعها ابن الزوج مكرهة تقع الفرقة ولا..... لأن الفرقة جاءت من غيرها،

стр. 1552

ثم فرق بين النفقة وبين المهر فإن الفرقة إذا جاءت من قبل المرأة قبل الدخول يسقط المهر سواء كانت عاصية في ذلك أو بحقه. والفرق: إن المهر عوض من كل وجه ولهذا لا يسقط بموت أحدهما فإذا فات المعوض بمعنى ما من جهة من له العوض يسقط حقه في العوض إذ العوض لا يستحق بدون المعوض كاليمين في باب البيع، أما نفقة الزوجات عوض من وجه صلة من وجه فإذا كان بين العوض والصلة اعتبرناه عوضاً متى حاءت الفرقة بسبب هي في ذلك عاصية، والعوض يسقط متى فات المعوض من جهة من له الحق في العوض كما في المهر، ومن حيث إنها صلة لا تسقط، فإن فات العوض من جهتها وإن كانت في ذلك محقة فالصلات تحبب فلا عوض، كنفقة الأقارب. ثم قال في «الكتاب» : والمنكوحة إذا ارتدت حتى وقعت الفرقة لا نفقة لها اجبرت على ذلك أو رجعت عن الردة وتابت. فرق بين هذا، وبينما إذا نشزت فطلقها الزوج ثم تركت النشوز فإنها تستحق النفقة ما دامت العدة باقية. وههنا قال: إذا اسلمت والعدة باقية لا تستحق النفقة والفرق وهو: أن في الردة المسقط للنفقة فرقة جاءت من قبلها بسبب هو معصية، وهذا لا يرتفع بالإسلام فلا يرتفع السقوط، وأما في المسألة تلك المسألة المسقط هو النشوز دون الفرقة الجائية من قبلها، لأن الفرقة لا تقع لنشوز فإذا عادت إلى بيت الزوج ارتفع النشوز فارتفع المسقط فعاد حقها في النفقة، ثم ما ذكر في «الكتاب» أن المختلف تستحق النفقة فذلك إنما يكون وقع الخلع مطلقاً. فأما إذا شرط في الخلع أن لا سكنى لها ولا نفقة فلها السكنى ولا نفقة لها لأنها بهذا الشرط اسقطت النفقة والسكن والنفقة حق المرأة والسكنى في بيت العدة كما هو حقها فهو حق الشرع فأسقاطها إن عمل في حقها لا يعمل في حق الشرع حتى لو شرط الزوج في الخلع أن لا يكون عليه مؤنة السكنى من مالها، بأن كانا يسكنان في بيت صح، ويجب الأجر، ورفضت المرأة أن تسكن في بيت نفسها أو تلتزم مؤنة السكنى من مالها بأن كانا يسكنان في بيت..... صح ويجب الأجر عليها، لأن ذلك محض حقها. ثم فرق بين هذا وبينما إذا أبرأت المرأة زوجها عن النفقة قبل أن تصير النفقة ديناً في الذمة، فإنه لا يصح ذلك بالاتفاق. وإذا شرط في عقد الخلع براءة الزوج عن النفقة صح، والفرقة وهو أن الإبراء إذا شرط في الخلع كان إبراء بعوض والإبراء بعوض يكون استيفاء لما وقعت البراءة عنه، لأن العوض قائم مقام ما وقعت البراءة عنه، والاستيفاء قبل الوجوب جائز، فإنها إذا أخذت نفقة شهر جملة جاز.

стр. 1553

وأما في غير الخلع الإبراء إنما حصل بغير عوض فيكون إسقاطاً لحقها، وإسقاط الشيء قبل الوجوب لا يصح بالاتفاق، وكذلك الجواب في نفقة الولد وهو مؤنة الرضاع لا يسقط بسبب الخلع أن لا يسقط إن لم يشترط ذلك في الخلع، وإن شرط في الخلع إن وقت، بأن قال: إلى سنة أو سنتين أو ثلاث جاز، وما لا فلا. وإذا وقت جاز إن مات الولد قبل تمام المدة فالزوج يرفع عليها بما بقى من آجر، مثل الرضاع إلى تمام المدة. هكذا ذكر في «الكتاب» والحيلة في ذلك حتى لا يرجع أن تقول المرأة للزوج حتى يقول لها الزوج: عليَّ (٣١١أ١) هذا الوجه خالعتك على أني بري من نفقة الولد إلى سنتين، إن مات في بعض السنة فلا رجوع لي عليك. قال في «الكتاب» : وفي فصل الخلع في كل موضع لم يصح الإبراء عن السكنى ينظر إن (كان) المنزل ملكاً للزوج ينبغي أن يخرج الزوج من المنزل ويعتزل عنها ويتركها في ذلك المنزل إلى أن تقضي عدتها، وكذلك إذا كان المنزل.. ..... وإن استكرى لها منزلاً...... يجوز لكن الأفضل أن يتركها في المنزل الذي كانا يسكنانه قبل الطلاق، هذا هو الكلام في الطلاق الثاني. أما إذا كان الطلاق رجعياً فقد ذكر الخصاف في نفقاته: أنه يسكنها في المنزل الذي كانا يسكنان فيه قبل الطلاق، لأنه لا يجب على الزوج أن يعتزل عنها فكان له أن يُسكنها في ذلك المنزل وهو فيه، وفي الطلاق الثاني يسكنها أيضاً في ذلك المنزل، لكن الزوج يخرج عن ذلك المنزل أو يعتزل عنها في ناحية. قال: وإذا طلق الرجل امرأته طلاقاً بائناً وهي أمة، وقد كان بوأها المولى بيتاً فعلى الزوج النفقة، فإن أخرجها المولى لخدمته وكانت في العدة لا نفقة لها وإن أعادها إلى بيت زوجها وترك استخدامها فلها النفقة، وهذا لأن نفقة العدة معتبرة بنفقة النكاح. والجواب في نفقة النكاح على هذه التفاصيل. فكذا في نفقة العدة، فإما إذا كانت قبل الطلاق في بيت الزوج ولم تعد إلى بيت الزوج حتى طلقها الزوج، ثم عادت إلى بيت الزوج بعد الطلاق فلا نفقة لها عند علمائنا الثلاثة ﵏. فرق بين هذا وبين الحرة إذا كانت ناشزة وقت الطلاق ثم عادت إلى بيت الزوج، فإنها تستحق النفقة. والفرق: أن في حق الأمة النكاح حالة الطلاق لم يكن سبباً لوجوب النفقة؛ لأنه لم يكن سبباً لوجوب الاحتباس، ولهذا لو أراد الزوج أن يعيدها إلى منزله من غير رضا المولى لم يكن له في ذلك. وبالطلاق زال النكاح وبقي (من وجه) من وجه، فإذا عادت إلى بيت الزوج وتحقق الاحتباس إن صار النكاح سبباً من الوجه الذي هو باقي، فمن الوجه الذي هو زائل لا يصير سبباً فلا يصير سبباً بالشك والاحتمال.

стр. 1554

أما في الحرة النكاح حالة الطلاق كان سبباً لوجوب النفقة، لأنه كان سبباً لوجوب الاحتباس ولهذا أراد الزوج أن يعيدها إلى بيته كان له ذلك شاءت أو أبت إلا أنها بالنشوز وجب الاستيفاء على الزوج يجوز...... بالمنع من الاستيفاء ما عليها فتمكنت المرأة من استيفاء ما عليه أيضاً. فرق بين هذا وبينما لو أخرجها المولى من بيت الزوج بعد الطلاق ثم أعادها كان لها النفقة لأن النكاح حالة الطلاق كان سبباً لوجوب النفقة لكن السقوط كان يعارض أمراً. فإذا زال العارض ارتفع المسقط فيرتفع السقوط، أما ههنا بخلافه على ما مر. قال: ولو أن رجلاً تزوج أمة رجل بأذن مولاها ولم يبوئها المولى بيتاً حتى لو طلقها الزوج طلاقاً رجعياً فإن للسيد أن يأخذ الزوج حتى يبوئها بيتاً يعني، للمولى أن يخلي بينها وبين الزوج في بيت واحد وينفق الزوج عليها حتى تنقضي العدة، لأن الطلاق الرجعي لا يقطع النكاح، فإن كان الطلاق بائناً فليس للسيد أن يأخذ الزوج حتى يبوئها بيتاً بمعنى لا يخلي بينها وبين الزوج في بيت واحد، لأن الطلاق الثاني يحرم الوطء، وهل للمولى أن يطالب الزوج بالنفقة ما دامت معتدة؟ ذكر الخصاف في نفقاته: أن له ذلك. قال الصدر الشهيد برهان الأئمة ﵀: أنه ليس لها النفقة وما ذكرنا من المسألة قبل هذه المسألة يصير رواية لما قاله ﵀، وهذا لأنه لا يستحق النفقة حال قيام النكاح قبل البيتوتة، وكل من لا يستحق النفقة حالة النكاح لا يستحق بعد الطلاق، وقد ذكرنا هذا الأصل قبل هذا. فرع على هذه المسألة فقال: لو طلقها الزوج طلاقاً رجعياً ثم أعتقها المولى كان لها أن تطالب من الزوج حتى يبوئها بيتاً وينفق عليها لأنها ملكت أمر نفسها، وإن كان الطلاق بائناً فالزوج لا يخلو بها في بيت واحد لما قلنا. وهي لا تأخذه بالسكنى، وهل لها أن تأخذه بالنفقة؟ ذكر الخصاف أن لها ذلك. والصحيح أنه ليس لها ذلك لما قلنا. قال: وإذا أعتق أم ولده لا نفقة لها في العدة لأنه ما به يستحق النفقة وهو ملك اليمين، وقد زال كله فسقطت النفقة الواجبة قبل العدة لو وجبت النفقة وجبت ابتداءً والعدة لا تصلح لإيجاب نفقة لم تكن وكذلك لو فات المولى حصة عتق أم الولد بموته لا نفقة لها في تركة الميت، ولكن إن كان لها ولد فنفقتها تكون في نصيب الولد، لأن الأم إذا كانت معسرة معتده فنفقتها على الولد، وإن كان الولد صغيراً على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

стр. 1555

قال محمد ﵀ في «الكتاب» : وإذا أقر الزوج بحرمة امرأته وقد دخل بها وفرق بينهما فلهذا المسمى من المهر ونفقة العدة. ومعنى هذه المسألة أن الزوج أدعى فساد النكاح الأصل، أو أقر بالحرمة وأسند الحرمة إلى الزمان الماضي، وهذا لأن الزوج أقر على نفسه بالحرمة وعليها يسقط المسمى، والنفقة فيصدق في حق نفسه لا في حقها والله أعلم. النوع الثاني في الأسباب المسقطة لهذه النفقة قال محمد ﵀: المعتدة إذا وجبت لها النفقة كانت لها في العدة بمنزلة الزوجة التي لم تطلق، فما وجب للزوجة التي لم تطلق من النفقة فكذلك للمعتدة ما دامت في العدة، وما حرمت به من النفقة وهي زوجة تحرم به إذا كانت في العدة، والمرأة فيه إذا ارتدت عن الإسلام في عدتها فحلست حتى تفوت، أو حبست المعتدة في الدين، أو خرجت للحج، لأنه لما فات حقيقة الاحتباس لهذه الأسباب فإن منفعته صيانة ماء الزوج فلا يستحق النفقة. فأما إذا لم يجب الإحتباس في العدة بأن ارتدت في العدة ولكن لم تحبس بعد، إنما هي في بيت الزوج أو قبّلت ابن الزوج أو ما (٣١١ب١) أشبه ذلك فإنه لا تسقط نفقتها متى حصلت في العدة وإن كانت تسقط النفقة حال قيام النكاح، وإنما كان كذلك لأن في حال قيام العدة إذا لم يجب الاحتباس بسبب هذه الأفعال كان منفعته وهو صيانة الماء حاصل للزوج فكان ما هو المقصود خاصة للزوج فتستحق النفقة أما في حال قيام النكاح فوجب الاحتباس الذي هو مطلوب بالنكاح وهو الاحتباس لمنفعة الوطء ودواعيه فجوزيت بالحرمان. فرع على ما إذا ارتدت وحبست حتى سقطت النفقة فقال لو رجعت إلى الإسلام فلها النفقة والسكنى لأن الاستحقاق النفقة كان ثابتاً لها لكن السقوط كان قد تعارض وهو الحبس بالردة حتى تتوب فإن اسلمت زال العارض فيعود الاستحقاق كما لو نشزت ثم عادت إلى بيت العدة. فرق بين هذا وبينما لو ارتدت وهي منكوحة حتى وقعت الفرقة وسقطت النفقة ثم أسلمت بعد ذلك، فإن النفقة لا تعود. والفرق: أن الفرقة في ارتداد المنكوحة إنما وقعت بمعنى مضاف إليها وهو معصية فسقطت النفقة أصلاً فلا يعود بعد ذلك، أما إذا ارتدت وهي معتدة فسبب الوجوب قد تعدد لكن امتنع الوجوب في بعض المدة تعارض أمر وقد زال ذلك فيزول المنع كما في النشوز قال وإن كاتب المعتدة حتى ارتدت التحقت بدار الحرب ثم أسلمت بعد ذلك أو سبيت وأعتقت فلا نفقة لها لأنها لما لحقت بدار الحرب مرتدة فسقطت العدة حكم الانقطاع العصمة بتباين الدارين فكان بمنزلة ما لو سقطت العدة بمضي المدة، وهذا الذي

стр. 1556

ذكرنا كله في الطلاق الثاني والطلقات الثلاث. جئنا إلى الطلاق الرجعي فنقول: المعتدة بالطلاق الرجعي إذا وطئها ابن الزوج أو قبلها بشهوة وهي مطاوعة وارتدت فحبست أو لم تحبس فلا نفقة لها، لأن في الطلاق الرجعي الفرقة ما وقعت بالطلاق فيكون وقوع الفرقة بسبب وجد منها وهو معصية فيوجب ذلك سقوط النفقة ولا كذلك في الطلاق الثاني والطلقات الثلاث. قال: المعتدة إذا خرجت من بيت العدة سقطت نفقتها. هكذا روي عن الضحاك مطلقاً، وهذا عندنا ما دامت على النشوز، وإن عادت إلى بيت الزوج كان لها النفقة والسكنى كما في حال قيام النكاح، ثم الخروج من بيت العدة على سبيل الدوم ليس بشرط لسقوط النفقة، فإنها إذا خرجت زماناً وسكنت زماناً لا تستحق النفقة. هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «أدب القاضي» للخصاف في شرح أحاديث باب إثبات الوكالة. قال: وكذلك إن كانت ناشزة وقت الطلاق ثم عادت إلى بيت الزوج بعد الطلاق تستحق النفقة، وهذا لما ذكرنا أن نفقة العدة تبعاً لنفقة النكاح، فتكون هذه الحالة معتبرة بحال قيام النكاح. والجواب: حال قيام النكاح على هذا الوجه، فكذا حال قيام العدة. وفي «فتاوى النسفي» : في المعتدة عن طلاق بائن إذا تزوجت في العدة ووجد الدخول وفرق بينهما ووجبت عليها العدة منهما لا نفقة لها على الزوج الثاني؛ لأن النكاح مع الزوج الثاني فاسد وإنما نفقتها على الزوج الأول؛ لأنها لا توصف بالنشوز بمنعها نفسها منه ههنا، لأن الطلاق الخل وزال هكذا ذكر ههنا. وتأويل هذه المسألة ما إذا تزوجت وهي في بيت العدة لم تخرج من بيت العدة، أما إذا خرجت من بيت العدة لا تستحق النفقة لما قلنا والله أعلم. النوع الثالث في الصلح عن نفقة العدة قال: وإذا صالح الرجل امرأته عن نفقتها ما دامت في العدة على دراهم مسماة لا يزيد عليه حتى تنقضي العدة ينظر إن كانت عدتها بالحيض لا يجوز الصلح، وإن كانت بالأشهر جاز، وإنما كان هكذا لأن العدة إذا كانت بالحيض فمدة النفقة مجهولة فلا يدري حيضة كل يوم من المصلح عليه، وإنما يحتاج إلى استيفاء حصة كل يوم بعد الصلح، لأن كل يوم مضى فنفقة ذلك اليوم تصير ديناً لها على الزوج فيكون لها استيفاء ذلك لا محالة. فأما إذا لم يكن حصة كل يوم معلومة تقع بينهما منازعة مانعة من التسليم، والتسليم مثل هذه الجهالة تمنع جواز الصلح كما لو صالحت عن نفقتها مع الزوج، وما دامت زوجة له على مال معلوم كان صلح الطلاق باطلاً، فكذا ههنا بخلاف ما إذا كانت عدتهما بالأشهر، لأن مدة النفقة معلومة وهي ثلاثة أشهر فتكون حصة كل يوم من النفقة معلومة فيمكنها استيفاء حصة كل يوم يمضي من وقت الصلح، فكان الصلح جائز.

стр. 1557

قال: وإذا خلع الزوج امرأته أو طلقها طلاقاً بائناً ثم صالحها من السكنى على دراهم فإن هذا لا يجوز، لأن السكنى حال قيام العدة، وإن كان حقوق الزوجة ففيه حق الله تعالى أيضاً، فلو جاز هذا الصلح أدى إلى إبطال حق الله تعالى فلا يجوز وإن صالحها من النفقة على دراهم، إن لم يشترط في الخلع أبرأته عن النفقة لا يجوز الصلح لأن البراءة عن النفقة متى كانت مشروطة في الخلع الصحيح فهي إنما صالحت عما ليس بحق لها فلا يجوز. استشهد في «الكتاب» فقال: ألا ترى أن المنكوحة نكاحاً فاسداً (إذا) صالحت من النفقة على دراهم لا يجوز؛ لأنها صالحت عما ليس بحق لها فكذا ههنا. النوع الرابع في اختلاف الزوجين في وقوع الطلاق وبيان حكم النفقة فيه قال الخصاف ﵀ في نفقاته: ولو أن رجلاً قدمته امرأة إلى القاضي وطالبته بالنفقة، فقال الرجل للقاضي: كنت طلقتها منذ سنة وانقضت عدتها في هذه المدة وجحدت المرأة الطلاق فإن القاضي لا يقبل قوله، لأن الطلاق ظهر بقوله في الحال وهو بالإسناد يريد إسقاط النفقة عن نفسه فلا يصدق إلا ببينة، فإن شهد له شاهدان بذلك والقاضي لا يعرفهما فإنه يأمره بالنفقة عليها؛ لأن وقوع الطلاق في ذلك الوقت لم يظهر بعد، فإن عدلت الشهود وأقرت أنها قد حاضت ثلاث حيض في هذه السنة فلا نفقة (٣١٢أ١) لها عليه، وإن كانت أخذت منه شيئاً ردت عليه؛ لأنه ظهر أنها أخذت مال الغير بغير حق مال. ولو شهد شاهدان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً وهي تدعي الطلاق أو تنكر فإنه ينبغي للقاضي أن يمنع الزوج عن الدخول عليها والخلوة معها ما دام القاضي من...... يتركه الشهود، لأن الشهود يحتمل أن يكون صدقة، وعلى هذا التقدير كانت المرأة أجنبية، ويحتمل أن يكونوا كذبة فعلى هذا التقدير كانت منكوحة بوجوب المنع احتياطاً، ولا يخرجها القاضي من هذا الوجه من منزل زوجها. نص عليه في «الجامع» ولكن يجعل معها امرأة أمينة تمنع الزوج من الدخول عليها. وإن كان الزوج عدلاً فرق بين هذا وبينما إذا طلق الرجل امرأته ثلاثاً ومنزله.....، يجعل بينهما ستراً حائلاً، فإنه يكفي ولا يحتاج إلى امرأة أمينة إذا كان الزوج عدلاً والفرق عرف في موضعه. ونفقة الأمنية ههنا في بيت المال لأنها مشغولة بمنع الزوج عن الدخول عليها حقاً لله تعالى. احتياطاً لأمن الفرج فكانت عاملة لله تعالى فتكون نفقتها في مال الله تعالى وهو مال بيت المال.

стр. 1558

وإن طلبت المرأة من القاضي النفقة وهي تقول: طلقني أو تقول: لا يطلقني، أو تقول: لا أدري أطلقني أم لم يطلقني فهذا على وجهين: إن لم يكن الزوج دخل بها فالقاضي لا يقضي لها بالنفقة، لأنه إن وقع الطلاق عليها فهي....... من غير عدة، فلا تجب لها النفقة. فإن لم يقع الطلاق عليها فهي محبوسة عن الزوج. والمنكوحة متى حبست عن الزوج لا تستحق النفقة، وإن كان قد دخل بها فالقاضي يقضي لها بمقدار نفقة العدة إلى أن يسأل عن الشهود؛ لأنه إن وقع الطلاق عليها فلها نفقة العدة، وإن لم يقع لا نفقة لها لأنها منكوحة محبوسة عن الزوج، وإذا احتمل يقضي لها بنفقة العدة إلى أن يسأل عن الشهود، وإن تطاولت المسألة عن الشهود حتى انقضت العدة لم يردها القاضي على نفقة العدة شيئاً لأنا تيقنا أنه لا نفقة لها بعد مضي مدة العدة، لأنه إن وقع الطلاق عليها فقد انقضت عدتها، وإن لم يقع الطلاق عليها فهي ممنوعة عن الزوج، بعد هذا إن كتب الشهود فرق بينهما وسلم لها ما أخذت من النفقة؛ لأنها تتبين أنها منكوحة محبوسة عن الزوج لا يفعل الزوج فلم يكن لها نفقة النكاح فكان أخذها بغير حق فيجب عليها الرد. استشهد في «الكتاب» لا تصح هذه المسألة، فقال: ألا ترى أن القاضي لو فرق بينهما شهادة شهود فمكث زماناً، وقد كانت للمرأة على الزوج فريضة نفقة معلومة لكل شهر فكانت المرأة تأخذ ذلك حالة العدة، ثم علم أن الشهود كانوا عبيداً أو محدودين في المقذف فردت شهادتهم وردت المرأة على زوجها ويجب عليها رد ما أخذت في هذه المدة لأنه يتبين أنها منكوحة في هذه المدة ممنوعة عن الزوج، لا بمعنى من جهة الزوج. كذا ههنا. ومما يتصل بهذا الفصل المعتدة إذا أنفق عليها إنسان ليتزوجها، ثم لما انقضت العدة إنسان تزوج نفسها منه، فهذا على وجهين: الأول أن يشترط الزوج وقت الإنفاق بأن يقول لها: أنفق عليك ما دمت في العدة على أن تزوجي نفسكِ مني إذا مضت عدتك ففي هذا الوجه للزوج أن يرجع عليها بها إذا أنفق، سواءً زوجت نفسها أو لم تزوج، لأنه أنفق عليها بشرط فاسد. وذكر في «فتاوى الفضلي» ﵀: في هذا الوجه أن الزوج إن كان أعطاها دراهم فله أن يرجع عليها إذا أبت أن تزوج نفسها منه. إلا أن يكون أعطاها على وجه الصلة. الوجه الثاني: أن ينفق عليها من غير شرط التزويج لكن علم عرفاً أنه يتفق بشرط أن تزوج المرأة نفسها منه، ثم لم ترجع. وفي هذا الوجه اختلف المشايخ بعضهم، قالوا: يرجع لأن المعروف كالمشروط، وبعضهم قالوا: لا يرجع وهو الصحيح؛ لأنه أنفق على قصد التزوج لا على شرط التزويج الفضل.

стр. 1559

الفصل الثالث في نفقة ذوي الأرحام هذا الفصل يشتمل على أنواع أيضاً: النوع الأول فيما يحب على الأب والأم في رضاع الصغير ونفقته. والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (البقرة: ٢٣٣) الآية ولأهل العلم في معنى أول الآية إلى آخرها كلام، وأما قوله تعالى: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن﴾ اختلفوا فيه: قال بعضهم: هذا مجرد...... الوالدات، كذا يفعلن في العام الغالب. وليس فيه إيجاب الإرضاع على الأمهات. وقال بعضهم: فيه إيجاب الإرضاع على الأمهات، وإن كان بصيغة الخبر كقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (البقرة: ٢٢٨) وعن هذا ثلاث، إن حال قيام النكاح لا يجوز لها أن تأخذ الأجر بالإرضاع، لأنه يجب عليها الإرضاع ديانة، وإن كانت لا تجبر على ذلك في الحكم واحد الأجرة إذا ما يجب عليها من الدين لا يجوز. ألا ترى أنه لا يجوز لها أخذ الأجر من الزوج بسبب أعمال داخل البيت ولهذا أن أعمال داخل البيت واجبة عليها ديانة، كذا ههنا. وفي الجبر على الإرضاع كلام، واختلاف يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿حولين كاملين﴾ فيه اختلاف ظاهر: أن هذه مدة الرضاع في حق التحريم بأدنى (المدة) قال أبو حنيفة ﵀: شهراً إن وجد الرضاع في هذه المدة ثبتت الحرمة وفُطِم على رأس الحولين، أو لم يفطم، وإن وجد بعد هذه المدة تثبت الحرمة وفطم على رأس هذه المدة، أو لم يفطم. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: حولين، وهو قول الشافعي ﵀. وقال زفر ﵀: ثلاث سنين والحجج معروفة في «المبسوط» ثم مدة الرضاع ثلاث أوقات: أدنى، وأوسط، وأقصى. فالأدنى: حول ونصف. والأوسط: حولان. والأقصى: حولين ونصف، حتى لو نقص عن الحولين لا يكون شططا، ولو زاد على الحولين لا يكون مقدراً، والوسط: هو الحولان فلو كان الولد يستغني عنها دون الحولين تفطمه في حول ونصف بالإجماع يحل ولا تأثم، ولو لم يستغن عنها بحولين يحل لها أن ترضعه بعد ذلك (٣١٢ب١) . عند عامة العلماء إلا عند خلف بن أيوب

стр. 1560

رحمه الله، إنما الكلام في ثبوت الحرمة واستحقاق الأجر عند أبي حنيفة ﵀ ثبتت حرمة الرضاع في ثلاثين شهراً، وعندهما إلى حولين. أما الكلام في استحقاق الأجر قال شمس الأئمة الحلواني ﵀ هو على هذا الخلاف حتى أن من طلّق امرأته فأرضعت بعد الحولين فطلبت الأجر عند أبي حنيفة ﵀: استحق الأجر إلى تمام حولين ونصف وعند أبي يوسف ومحمد رحمها الله: لا يستحق الأجرة فيما عدا الحولين، وأكثر المشايخ أن على مدة الرضاع في حق استحقاق الأجر على الأب فقدره بحولين عند الكل حتى لا تستحق المطلقة أجرة الرضاع بعد الحولين بالإجماع، وتستحق في الحولين بالإجماع. وأما قوله تعالى: ﴿لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾ (البقرة: ٢٣٣) هي من إرادة تمام الرضاع ترضع حولين كاملين لا ينقص عن ذلك، ولكن إذا نقص عن ذلك، وكان الولد يستغني عن ذلك يجوز، وقد مرّ جنس هذا، وأما قوله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف﴾ (البقرة: ٢٣٣) سنبّين معناه بعد هذا إن شاء الله. قال أصحابنا ﵏، ولا تجبر الأم على إرضاع ولدها؛ لأن الإرضاع بمنزلة النفقة ونفقة الأولاد تجب على الآباء لا على الأمهات فكذا الإرضاع. وإن كان الصبي لا يأخذ لبن غريها ولا يوجد من ترضعه هل تجبر الأم على الإرضاع؟. ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرحه» : أن القاضي الخصاف في باب نفقة الصبيان أن في «ظاهر الرواية» عن أصحابنا ﵏: لا تجبر. وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة رحمهما الله في «النوادر» أنها تُجبر، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح «أدب القاضي» للخصاف أيضاً أنها تجبر من غيره بلا خلاف. وهكذا ذكر في «شرح القدوري» ، وهذا لأنها لو لم تجبر والولد لا يأخذ لبن غيرها...... الولد وهي ممنوعة عن إتلاف الولد. وجه ما ذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀: أن الولد تغذى بالدهن وغيره من المائعات لا يؤدي هذا إلى إتلاف الولد. قال الضحاك: إذا لم يكن للصبي أو للأب مال أجبرت الأم على الإرضاع وهو الصحيح، لأنها..... في اللبن، فصار هذا قياس ما قال أصحابنا ﵏ في الأب إذا غاب وليس له مال، وترك امرأة وصغيراً وللمرأة مال فالمرأة تجبر على الإنفاق على الصبي، ثم هي ترجع عليه، كذا ههنا. ثم إرضاع الصغير إذا كان يوجد من يرضعه إنما يجب على الأب إذا لم يكن للصغير مال. أما إذا كان له مال بأن ماتت أمه فورث مالاً أو استفاد مالاً بسببٍ آخر يكون مؤنة الرضاع في مال الصغير، وكذلك نفقة الصبي بعد الفطام إذا كان له مال لا يجب على الأب. فرق بين نفقة الولد وبين نفقة الزوجات، فإن المرأة وإن كانت موسرة فنفقتها على الزوج.

стр. 1561

والفرق وهو: أن نفقة الزوجة إنما تجب إذا تمكن من الاستمتاع، فكان سببه البدل، والبدل يجب وإن كان من يستحقهُ غيناً. فأما نفقة الولد لا تجب إذا تمكن من الانتفاع، وإنما تجب لأجل الحاجة فلا تجب بدون الحاجة، كنفقة المحارم. فإن كان للصغير عقاراً....... ذلك للنفقة كان للأب أن يبيع ذلك كله وينفق عليه؛ لأنه غني بهذه الأشياء، ونفقة الصبي تكون في ماله إذا كان غنياً.٦ وإن كان مال الصغير غائباً توجب على الأم أن تنفق من مال الولد إذا حضر ماله، ولكن إن أشهد على ذلك فله أن يرجع في الحكم، وإن أنفق بغير إشهاد على نية الرجوع ليس له أن يرجع في الحكم؛ لأن الظاهر أن الأب قصد فيما ينفق على ولده التبرع والقاضي لا يطلع إلا على الظاهر، أما الله تعالى فمطلع على الضمائر والظواهر، فكان له أن يرجع إذا كان قصده عند الإنفاق الرجوع. وأما إذا لم يكن قصده عند الإنفاق الرجوع. وأما إذا لم يكن للصبي مال فالنفقة على والده لا يشاركه أحد في ذلك؛ لأنه إنما يستحق النفقة على الوالد لكونه........ إليه غيره لا يشاركه في هذا المعنى فلا يشاركه في النفقة عليه. وروي عن أبي حنيفة ﵀: أن النفقة على الأب والأم أثلاثاً على حسب ميراثهما إلا أن في «ظاهر الرواية» جعل الكل على الأب لأن النفقة نظير الإرضاع، فكما لا يشارك الأب في مؤنة الإرضاع أحدٌ فكذا في النفقة. قال: وإن كان الأب معسراً والأم موسرة أمرت أن تنفق من مالها على الولد ويكون ديناً على الأب ترجع عليه إذا أيسر، لأن نفقة الولد الصغير على الأب وإن كان معسراً كنفقة نفسه فكانت الأم صاحبة حق واجب عليه يأمرها القاضي فترجع عليه إذا أيسر كما إذا أدت بأمره ثم جعل الأم أولى بالتحمل من سائر الأوقات، حتى لوكان الأب معسراً والأم موسرة، وللصغير جدٌّ موسر تؤمر الأم بالإنفاق من مال نفسها ثم ترجع على الأب، ولا يُؤمر الجد بذلك؛ لأنه وقعت الحاجة إلى الاستدانة من مالها وهي أقرب إلى الصغير وأولى. قال: رجل له ولد صغير وأمه في نكاحه، فطلبت من زوجها أجرة الرضاع لا تستحق وإن استأجرها على ذلك لما ذكرنا من المعنى، ومعنى آخر: أن نفقة النكاح واجب على الزوج كما وجب على الزوج، فلو أوجبنا عليه أجرة الرضاع يجتمع أجرة الرضاع مع نفقة النكاح في مالٍ واحد وهذا لا يجوز هذا إذا لم يكن للصغير مال. أما إذا كان له مال هل يجوز أن يقرض أجرة الرضاع من ماله؟ ذكر ﵀ في أول «شرح النفقات» للخصاف ﵀: أنه روى عن محمد ﵀ أنه يقرض من مال الصبي، وهكذا ذكر في إجارات القدوري. قال محمد ﵀ في أول «شرح النفقات» : وليس فيه اختلاف الروايتين ولكن ما روي عن محمد ﵀ أنه يقرض من مال الصغير تأويله إذا لم يكن للأب مال، وما

стр. 1562

ذكر أن الزوج إذا استأجرها على إرضاع ولده لا يجوز تأويله إذا فرض أجرة الرضاع في ماله نفسه ولا يستحق ذلك كيلا تجتمع أجرة الرضاع مع نفقة النكاح في مال واحد، وهذا (٣١٣أ١) المعنى لا يتحقق إذا فرض لها في مال الصغير فقلنا إنها تستحق ذلك المال، وإن كانت الأم معتدة عن طلاق رجعي لا تستحق أجرة الرضاع على الزوج أيضاً، لأن بالطلاق الرجعي النكاح لم يزل، فصارت هذه الحالة حال قيام النكاح، فأما إذا كانت الأم معتدة عن طلاق بائن أو طلقات ثلاث هل تستحق أجرة الرضاع؟ فيه روايتان: وجه الرواية التي قال: لا تستحق بالطلقات الثلاث والطلاق البائن التحقت بسائر الأجنبيات والأجنبية تستحق الأجرة للرضاع فكذا هذه المرأة. وجه الرواية الأخرى: أن العدة من أحكام النكاح فلهذا تجب النفقة ما ثبتت العدة. والدليل عليه: أن الرجل إذا...... زكاة ماله إلى معتدته عن طلاق ثاني أو ثالث أو شهد لمعتدته عن طلاق ثاني أو ثالث لا يجوز رواية واحدة فعلم أن هذه الحالة معتبرة بحال قيام النكاح، فلا تستحق أجرة الرضاع كما في حال قيام النكاح أما بعد انقضاء العدة تستحق أجرة الرضاع باتفاق الروايات؛ لأن هذه الحالة ليست بحالة قيام النكاح أصلاً، فكانت في هذه الحالة ملحقة بالأجنبيات من كل وجه. فرع على هذه المسائل في كتاب الصلح فقال: لو صالحت المرأة زوجها عن أجرة الرضاع على شيء إن كان الصلح حال قيام النكاح أو في العدة عن طلاق رجعي لا يجوز، وإن كان الصلح في العدة عن طلاق ثاني أو طلقات ثلاث جاز على إحدى الروايتين؛ لأن الصلح على أن يعطيها شيئاً لترضع ولدها استئجار لها على إرضاع ولده منها وذلك على هذا التفصيل على ما ذكرنا، كذا هنا. وإذا جاز الصلح بعد الطلاق الثاني على إحدى الروايتين كان الجواب فيه كالجواب فيما إذا استأجرها على عمل آخر من الأعمال ولو استأجرها على عمل أخر من الأعمال على دراهم أو صالحها عن تلك الدراهم بعينه جازو إن صالح عن تلك الدراهم على شيء بغير عينه لا يجوز إلا أن يدفع ذلك في المجلس حتى لا يكون هذا بيع دين بدين كذا ههنا. وفي كل موضع جاز الاستئجار ووجبت النفقة لا يسقط بموت الزوج؛ لأنها أجرة ليست بنفقة، ثم إذا لم تحب أجرة الإرضاع حال قيام النكاح من كل وجه، وفي العدة عن طلاق رجعي في العدة، عن طلاق ثاني أو ثالث على إحدى الروايتين كان لها أن تمنع عن الإرضاع ولا تجبر على ذلك ولكن بالشرائط التي ذكرنا قبل هذا وإذا لم يجبرو لم يكن للصبي مال كان على الأب أن يكتري امرأة ترضعه عند الأم ولا تبرع على الأم؛ لأن

стр. 1563

الأم أجمعت على أن الجحد لها، لكن لا يجب على...... تمكث في بيت الأم إذا لم يشترط ذلك عليها عند العقد، وكان الولد يستغني عن الظئر في تلك الحالة، بل لها أن ترضع وتعود إلى منزلها. وإذا لم يشترط عند العقد أن ترجع عند الأم كان لها أن تحمل الصبي إلى منزلها أو يقول: أخرجوه وأرجعوه عند فناء الدار، ثم يدخل الولد على الوالدة إلا أن يكون شرط عند العقد أن الظئر تكون عند الأم، فحينئذ يلزمها الوفاء بذلك الشرط، فإذا قالت: أنا أرضع الولد بمثل ذلك الأجرة، ففي كل موضع تستحق هي أجرة الرضاع كما في العدة عن طلاق ثاني أو ثالث على إحدى الروايتين أو بعد انقضاء العدة على الروايات كلها كانت هي أولى، بخلاف ما إذا كانت تطلب زيادة على ما ترضعه غيرها حيث لا تكون هي أولى. والفرق: وهو أن إرضاع الأم للصغير، فإذا كانت ترضعه بما يرضعه غيرها فالأب في انتزاع الولد منها متعنت محض مأخذ الإضرار بالولد فكانت الأم أولى: أما إذا طلبت الزيادة على ما يرضعه غيرها لم يكن الزوج في انتزاع الولد منها متعنتاً، فكان للزوج ذلك، وإلى هذا وقعت الإشارة في الكتاب. قال الله تعالى: ﴿وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى﴾ (الطلاق: ٦) جاء في التفسير: أن التعاسر أن يجرى بينهما المكس في الأجرة. قال: ولو.... أولاد صغار، بعضهم رضيع وبعضهم فطيم وأمهم زوجية وليس للأولاد مال، فخاصمته أمهم في نفقتهم فالقاضي يفرض لهم النفقة على الأب ما داموا صغاراً للأب نفقة الأولاد الصغار ويكون على الأب بالإجماع. وإن شكت الأم..... في النفقة عليهم، فينبغي للقاضي أن يسمع..... ويدفع بعض نفقة الأولاد إليها؛ لأن الأب إذا كان..... عليهم ربما يموتوا جوعاً فيدفع بعض نفقة الأولاد إليها لأنها أرفق بالأولاد فلا..... عليهم. فإن قال الأب: إنها تدخل..... نفقة الأولاد ولا ينفق ذلك على الأولاد وتجمعهم لا يقبل قوله عليها؛ لأنها أمينة، ودعوى الجناية على الأمين لا تسمع من غير حجة. فإن قال للقاضي: سَلْ جارتها عنها، فإن القاضي يسأل عن جيرانها احتياطاً، وإنما يسأل عن كل من تداخلها؛ لأنه إنما يعرف حالها من تداخلها فإن جيرانها مثل الذي ادعى الأب...... القاضي ومنعها عن ذلك لأنه نصب ناظراً للمسلمين، ونظر الصغار في هذا. ومن مشايخنا ﵏ من قال: إذا وقعت المنازعة بين الزوجين في هذا الباب وظهر قدر النفقة فالقاضي بالخيار؛ إن شاء دفعها إلى نفقتها يدفعها إليها صباحاً ومساءً، ولا يدفعها إليها جملة، وإن شاء أمر غيرها أن تنفق على الأولاد. قال: وإن صالحت المرأة زوجها عن نفقة الأولاد الصغار صحّ سواء كان الأب

стр. 1564

معسراً أو موسراً؛ لأن نفقة الصغار من الأولاد لا يسقط بعسرة الأب، ثم اختلفت عبارة المشايخ....... جاز هذا الصلح. قال بعضهم: إنما جاز لأن الأب هو العاقد من الجانبين، والأب يصلح أن يكون عاقداً من الجانبين. ألا ترى أن الأب يبيع مال نفسه من الصغير ويشتري مال الصغير لنفسه فيكون هذا العاقد من الجانبين. وقال بعضهم: إنما جاز؛ لأن العاقد من جانب الأب ومن جانب الصغار الأم، ونفقة الصغير من أسباب التربية والحضانة فكان للأم في ذلك ولاية قائمة (٣١٣ب١) جاز هذا الصلح بولاية الأب وولايتها. فبعد هذا ينظر؛ إن كان وما وقع الصلح عليه أكثر من نفقتهم، فإن كانت الزيادة مما يتغابن الناس فيه بأن كانت الزيادة زيادة تدخل تحت تقدير المقدرين في مقدار كفايتهم فإنه يكون عفواً؛ لأنه لا يمكن التحرز عنه. وإن كانت الزيادة بحيث لا ندخل تحت تقدير المقدرين يطرح عنه لأن الواجب مقدار الكفاية، فما زاد على قدر الكفاية لا ينسب له فيبطل، وإن كان المصالح عليه أقل من نفقتهم بأن كان لا يكفيهم يبلغ إلى مقدار كفايتهم؛ لأن الواجب على الأب مقدار ما يكفيها. فرق بين نفقة الأولاد وبين نفقة الأقارب، فإن المعسر إذا صالح قريبه عن النفقة لا يجوز الصلح؛ لأن النفقة للأقارب لا تجب إلا على الموسر على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. فهذا الصلح إنما وقع عما ليس بحق القريب فلا يصح. أما نفقة الأولاد واجبة على الأب. وإن كان الأب معسراً فالصلح إنما وقع عمّا هو حق الأولاد فصح. قال: رجلٌ له أولاد صغار لا مال له ولا مال للصغار هل أيضاً يفرض عليه؟ فيكتسب وينفق عليهم؛ لأن نفقة الأولاد الصغار لا تسقط بعسرة الأب. قال الله تعالى: ﴿وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ (البقرة: ٢٣٦) ثم قال الله تعالى: ﴿من وجدكم﴾ (الطلاق: ٦) والوجد: هو الطاقة. علم أن هذه النفقة لا تسقط بالعسار ولكن يفرض عليه مقدار طاقته لما تلونا من النص. وإن أبى الأب أن يكتسب وينفق عليهم يجبر على ذلك ويحبس، بخلاف سائر الديون، فإن الوالدين وإن عَلَو لا يحبسون بديون الأولاد وفي هذا الدين، قال يحبس. والفرق: وهو أن في الامتناع عن الإنفاق ههنا إتلاف النفس، والأب لا يستوجب العقوبة عن قصده إتلاف الولد كما لوعدا على ابنه بالسيف كان للابن أن يقتله، بخلاف سائر الديون. ولو كان الأب عاجزاً عن الكسب لماله من السعاية أو كان مقعداً يتكفف الناس وينفق عليهم. هكذا ذكر في نفقات الخصاف ﵀، ومن المتأخرين من قال تكون نفقة الأولاد في هذه الصورة في بيت المال؛ لأنه إذا كان بهذه الصفة تكون نفقته في بيت المال فكذا نفقة أولاده.

стр. 1565

وذكر الخصاف في «أدب القاضي» : أن في هذه الصورة يفرض القاضي النفقة على الأب ويأْمُرُ المرأة بالاستدانة على الزوج سواء التمست المرأة ذلك من القاضي أو لم تلتمس، فإذا أيسر وقدر عليه طالبته المرأة بما استدانت. وكذلك لو كان الأب في أخذ النفقة لكنه امتنع عن النفقة على الصغير يفرض القاضي على الأب نفقة الأولاد فامتنع الأب عن (النفقة) على الأولاد فالقاضي يأمرها أن تستدين عليه وتنفق على الصغير لترجع بذلك على الأب. قال: وكذلك إن فرض القاضي النفقة على الأب ومات الأب فتركهم بلا نفقة فاستدانت بأمر القاضي وأنفقت عليهم فإنها ترجع على الأب بذلك الإنفاق على الصغير بأمر القاضي كالإنفاق عليهم بأمر الأب، وكذلك هذا الحكم في مؤنة الرضاع إذاكان الأب معسراً فالقاضي يأمر المرأة بالاستدانة فإذا أيسر رجعت عليه بالقدر الذي أمرها القاضي بالاستدانة لما قلنا. وإن لم تكن المرأة استدانت بعد الفرض لكنهم كانوا يأكلون من مسألة الناس لم ترجع على الأب بشيء، لأنهم إذا سألوا وأُعطوا صار ذلك ملكاً لهم، فوقع الاستغناء عن نفقة الأب، واستحقاق هذه النفقة باعتبار الحاجة. فإذا وقع الاستغناء لهم ارتفعت الحاجة فتسقط النفقة عن الأب، فإن كانوا أُعطوا مقدار نصف الغاية سقط نصف النفقة عن الأب، وتصح الاستدانة في النصف بعد ذلك. وعلى هذا القياس فافهم. وليس هذا في حق الأولاد خاصة بل في نفقة جميع المحارم إذا أكلوا من مسألة الناس لا يكون لهم حق الرجوع على الذي فرضت نفقتهم عليه واجب المسألة أن نفقة الأقارب لا تصير ديناً، بقضاء القاضي بل تسقط بمضي المدة، بخلاف نفقة الزوجات والفرق قد مرّ قبل هذا. وذكر في أبواب «زكاة الجامع» : أن نفقة الأقارب تصير ديناً بقضاء القاضي. واختلف المشايخ فيه: قال بعضهم، إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضع، فموضوع المحارم ما ذكر في «الجامع» إذا استدان المقضي له بالنفقة وأنفق من ذلك فتكون الحاجة قائمة لقيام الدين. وموضوع ما ذكر في سائر المواضع: إذا أنفق مال صدقة تُصُدِّقَ بها عليها فلا تُنفى الحاجة بعد مضي المدة، وإلى هذا مال شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح كتاب النكاح. وقال بعضهم: ما ذكر في سائر المواضع محمول على ما إذا طالت المدة. وما ذكر في «الجامع» محمول على ما إذا قصرت المدة، ونفقة الأقارب، إنما لا يصير ديناً بقضاء القاضي إذا طالت المدة، أمّا إذا قصرت يصير ديناً فكيف لا يصير ديناً؟ فإن القاضي مأمور بالقضاء بالنفقة، ولو لم يصير ديناً أصلاً لم يكن للأمر بالقضاء بالنفقة معنى وفائدة، لكن لا بد من حلَ فاصلٍ بين القصر والمزيد، فقدَّروا القصر ما دون الشهر، وذكر في «الحاوي» في «الفتاوى» هذه المسألة. وفرق بين نفقة الصبي وبين نفقة سائر المحارم فقال: نفقة الصبي تصير ديناً على الأب بقضاء القاضي، ونفقة سائر الأقارب لا تصير ديناً بقضاء القاضي، قال: فإن كان

стр. 1566

القاضي بعدما فرض نفقة الأولاد أمرها بالاستدانة فاستدانت حتى يتثبت لها حق الرجوع على الأب فمات الأب قبل أن يؤدي إليها هذه النفقة هل لها أن تأخذ من ماله إن ترك مالاً؟ ذكر الخصاف في «نفقاته» : أنه ليس لها ذلك، وذكر في «الأصل» : أن لها ذلك وهو الصحيح؛ لأن استدانة المرأة بأمر القاضي، وللقاضي ولاية كاملة بمنزلة استدانة الزوج بنفسه، ولو استدان الزوج بنفسه ثم مات لا يسقط عنه الدين كذا ههنا. هذا إذا استدانت بأمر القاضي، فأما إذا فرض القاضي نفقة الأولاد ولكن يأمرها بالاستدانة فاستدانت ثم مات الزوج قبل أن يُؤدي ذلك إليها ليس لها أن تأخذ من ماله إن ترك مالاً بالإنفاق، وقد مرّ جنس (٣١٤أ١) هذه الفصول في باب نفقة الزوجات، ثم قدّر محمد ﵀ نفقة الصغير وكسوته على المعتبر بالدراهم، وهذا ليس بتقدير لازم، إنما المعتبر ما يحصل به الكفاية لكن إن موسراً يؤمر بأن يوسع على الأولاد في النفقة والكسوة على حسبه لما يرى الحاكم، وقد مرّ نظائره في نفقة الزوجات أيضاً. قال: وأما الذكور من الأولاد إذا بلغوا أحد الكسب ولم يبلغوا في أنفسهم، فأراد الأب أن يشغلهم في عمل ليكسبواوينفق عليهم من ذلك فله ذلك. وكذلك لو أراد الأب أن يؤاجره في عمل أو حرفةٍ فله ذلك؛ لأن فيه منفعة للصغير؛ لأن يتعلم الكسب. أما قبل أن يتعلم أو بعدما تعلّم ولكنه لا يحسن العمل فنفقته على الأب؛ لأنه إذا كان لا يحسن العمل لا يستعمل في الأعمال غالباً وظاهراً، فكأنه لم يتعلم أصلاً. وأما إذاكان الولد من الإناث فليس للأب أن يؤاجرها في عملٍ أو حرفة لأن المستأجر لحلاوتها وذلك منهيٌ في الشرع، ثم في الذكور إذا أشغلهم في عمل واكتسبوا أموالاً فالأب يأخذ كسبهم وينفق عليهم من كسبهم؛ لأن ذلك ملكهم، ونفقة الولد في ماله إذا كان له مال وما فضل من نفقتها فالأب يحفظ ذلك عليهم إلى وقت بلوغهم كسائر أموالهم. فإن كان الأب مبذراً لا يؤمر على ذلك، فالقاضي يخرج ذلك من يده ويجعله في يد أمين ليحفظه لهم، فإذا بلغوا سلم إليهم، وهذا لا يختص بهذا المال، بل هذا الحكم في جميع أموال الصبيان. قال: وإذا جاءت الأمة المشتركة بولد فادعاه الموليان فنفقة الولد عليهما، إذا كبر نفقة كل واحد منهما، وهذا يشكل على أصل أبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀، فإنهما يقولان: الأب أحدهما حتى قالا: لا ينفرد أحدهما بالتصرف، مع هذا استحق كل واحد منهما نفقته أب كامل، إنما كان كذلك؛ لأنا لو أوجبنا نفقة أب واحد ما يصرف إليهما، ولا وجه إليه، إذ الأصل إلى الأب كفايته. وأما أن يُصرف إلى أحدهما ولا وجه إليه، إذ ليس أحدهما بأولى من الآخر، فلم يبق ههنا وجهاً سوى ما قلنا، ولهذا قلنا: لا ينفرد أحدهما بالتصرف حتى لا يكون المتصرف غير الأب يشيء. ومما يتصل بهذا الفصل الكبار الذين أُلحقوا بالصغار.

стр. 1567

قال: الرجل البالغ إذا كان ذمياً أو مقعداً أو أشلَّ اليدين لا ينتفع بهما، أو معتوهاً أو مفلوجاً، فإن كان له مال يجب النفقة في ماله، وإن لم يكن له مال وكان له (ابنة) موسرة أو أب موسر يجب النفقة على الأب لأن الله تعالى أوجب النفقة على الوالد مطلقاً. قال الله تعالى: ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ (البقرة: ٢٣٣) إلا أنه خصّ عن هذا النص من كان له أو من كان قادراً على الكسب، فبقي ما عداه على ظاهر النص. وإذا طلب من القاضي أن يفرض له النفقة فعلى الأب إجابة القاضي إلى ذلك، ويدفع ما فَرَض لهم إليهم؛ لأن ذلك حقهم، ولهم ولاية استيفاء حقوقهم، وكذلك الإناث من الأولاد نفقتهن بعد البلوغ على الأب ما لم يُزوجن إذا لم يكن لهن مال؛ لأن بهن عجز ظاهر عن الاكتساب فتكن بمنزلة الزمنى من الذكور، ثم ما ذكر أن نفقة البالغين من الذكور الزمنى ومن الإناث على الأب فذلك جواب «المبسوط» . وأما على ما ذكر الخصاف في «نفقاته» : يجب على الأب والأم أثلاثاً، ثلثاها على الأب وثلثها على الأم. وجه ما ذكرنا في «المبسوط» : أن البالغ إذا لم يكن من أهل أن ينفق على نفسه صار هو والصغير سواء. وجه ما ذكر الخصاف وهو الفرق بين البالغ الزَّمِنْ والصغير؛ وهو أن للأب على الصغير ولاية كماله على نفسه ولاية، فكان الصغير بمنزلة نفسه. وغير الأب لا يشارك الأب في النفقة على نفسه فكذا في النفقة على الصغير. وأما البالغ فليس للأب عليه ولاية ليصير معني بنفسه فاعتبر كسائر المحارم فتكون نفقته باعتبار ميراثه، وميراثه يكون بينهما أثلاثاً فكذا النفقة. ثم ذكر في «الكتاب» : ما إذا كان الابن البالغ عاجزاً عن الكسب وأراد موسر وأم موسرة وأوجب جميع النفقة على الأب على رواية «المبسوط» ولم يذكر ما إذا كان الأب معسراً إلا أنه قادر على الكسب، والابن الكبير عاجز عن الكسب وله أم موسرة هل تؤمر الأم بالإنفاق على أن ترجع بذلك على الأب؟ فمن مشايخنا من قال على قياس ما ذكر في «الكتاب» : تؤمر الأم بذلك حتى ترجع على الأب فإنه قال في الولد الكبير: إذا كان عاجزاً عن الكسب فهو بمنزلة الصغير. والصغير إذا كان له أب معسرٌ قادرٌ على الكسب وله أم موسرة تؤمر الأم بالإنفاق على أن ترجع على الأب إذا أيسر فكذا ههنا. ومن المشايخ من قال: لا ترجع الأم على الأب ههنا بما أنفقت. وفرّق هذا القائل بين الصغير والكبير الذي لا يقدر على الكسب. هكذا روي عن أبي حنيفة ﵀. ووجه الفرق: وهو أن نفقة الولد الصغير على الأب وإن كان معسراً، إلا أنه لا يمكن جبر الأب على الكسب فتؤمر الأم بالتحمل عنه فكانت الأم قاضية ديناً واجباً على الأب، فترجع بذلك على الأب. فأما نفقة الابن الكبير فليس على الأب إذا كان معسراً فلم تَصِرْ الأم مؤديةً حقاً واجباً على الأب فلا يرجع بذلك على الأب فلهذا افترقا.

стр. 1568

قال: والصحيح الذي به قوة العمل إلا أنه لا يُحْسِنْ العمل فنفقته على الأب إذا كان لا يحسن العمل، والناس لا يأمروه بالعمل، فصار هو كالعاجز عن الكسب. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: الرجل الصحيح قد لا يقدر على الكسب لحرفة أو لكونه من أهل البيوتات فيكون عاجزاً عن الكسب. فإذا كان هكذا كان نفقته على الأب وهكذا قالوا في طالب العلم: إذا كان لا يهتدي إلى الكسب لا تسقط نفقته على الأب بمنزلة الزَّمِنْ والأنثى، هذا الذي ذكرنا كلّه إن كان الأب حاضراً. وإن كان الأب غائباً أو مفقوداً فقد قال في «الكتاب» لا يقضى بالنفقة في مال أحد إذا كان رب المال غائباً إلا للوالدين والوالد (٣١٤ب١) والزوجة إذا كان المتروك من جنس حقهم، وهذا يبنى على أصل معروف أن القضاء على الغائب باطل، وإبقاء حق وجب على الغائب من ماله جائز والقضاء بنفقة الوالدين والمولودين والزوجة..... لما وجب على الغائب، وليس بقضاء على الغائب لأن القضاء إيجاب ما لم يكن واجباً قبل القضاء، ونفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء حتى إذا طعن واحد من هؤلاء يحبس حقهم كان لهم الأخذ من غيرقضاء ولا رضا. فأما نفقه سائر الأقارب لا تجب إلا بالقضاء والرضا حتى لو طعن واحد من الأقارب يحبس حقهم لم يكن لهم الأخذ إلا بقضاء أو برضا فلما كان نفقة الوالدين والمولودين والزوجة واجبة قبل القضاء كان القضاء من القاضي أيضاً لما وجب عليه الإيجاب مبتدأً فأما نفقة سائر الأقارب لما لم تكن واجبة كان القضاء إيجاباً مبتدأ أو القضاء على الغائب باطل. قال في كتاب المفقود: القاضي متى أعطى النفقة لهؤلاء من مال الغائب إن استوثق من الأخذ فحسن لجواز أن هؤلاء أخذوا النفقة من الغائب حال حضرته أو تغيب الغائب بالنفقة إليهم فينظر القاضي للغائب حال عجز الغائب عن النظر لنفسه بنفسه، وإن لم يأخذ منه كفيلاً فهو مستقيم أيضاً، إذا ليس ههنا..... يطلب من القاضي أخذ الكفيل وإنما يجب على القاضي أخذ الكفيل عند طلب الخصم ذلك. ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في شرح كتاب النكاح: أن زوجة الغائب إذا طلبت النفقة من القاقضي وللغائب مال حاضر والقاضي يعلم بذلك كلّه فرض لها القاضي النفقة بعد أن يُحلّفها أنه لم يعطيها النفقة. فإذا حلفت أعطاها النفقة وآخذ منها كفيلاً وهو الصحيح، وقد ذكرنا وجه ذلك في باب نفقة الزوجات. فرع على هذه (المسألة) قال إن كان للغائب عند الوالدين أو الوالد أو الزوجة قال: هو من جنس حقوقهم فأنفقوا على أنفسهم جاز ولم يضمنوا لأنهم ظفروا بجنس حقهم فكان لهم ولاية الأخذ بمقدار حقهم فإن كان عند غيرهم فأعطاهم بأمر القاضي حتى أنفقوا على أنفسهم لم

стр. 1569

يضمن صاحب اليد وإن كان أعطاهم بغير أمر القاضي كان ضامناً له؛ لأن صاحب اليد مأمور بالحفظ ودفعه إلى غيره لينفق على نفسه ليس من الحفظ في شيء فيصير به مخالفاً ضامناً، وهو نظير المودع إذا قضى دين المودع بالوديعة كان ضامناً كذا ههنا، وكان الحاكم الإمام أبي إسحاق..... ﵀ يقول في المودع: إذا قضى دين المودع بالوديعة أنه لا يضمن. والصحيح أنه يضمن، وأشار إليه محمد ﵀ في كتاب الوديعة، هذا إذا كان ما تركه الغائب من جنس حقهم. فأما إذا لم يكن من جنس حقهم فأرادوا أن يبيعوا شيئاً من مال الغائب بنفقتهم أجمعوا على أن سوى الوالد بمحتاج لا يملك بيع عقار الغائب ولا يبيع عروضه بالنفقة. وأما الأب المحتاج يمنع بيع المنقول بالنفقة استحساناً ولا يملك بيع العقار إلا إذا كان الولد الغائب صغيراً، وهذا قول أبي حنيفة ﵀ في كتاب المفقود. وكذلك قياس قوله في المفقود. والقياس: أن لا يملك الأب البيع على ابنه الكبير الغائب في العقار ونحوه كما لا يملك غير الأب، وأجمعوا على أن حال حضرة من يجب عليه النفقة ليس لأحد ممن يستحق النفقة بيعُ العروض والعقار. وجه القياس في ذلك: وهو أن ولاية الأب تنقطع ببلوغ الصبي رشيداً إلا فيما يبيعه تحصيناً لولده الغائب، فإن الابن إذا بلغ وهو غائب فللأب ولوصي الأب بيع عروضه تحصيناً على الغائب، وههنا هو لا يبيع تحصيناً على الغائب، إنما يمنع لنفسه وليس له هذه الولاية. وجه الاستحسان: وهو أن ولاية الأب وإن دلّ بالبلوغ ولكن بقي أثره، ولهذا صح منه الاستيلاد في جارية الابن فلبقاء أثر الولاية أثبتنا له ولاية بيع العروض؛ لأن بيع العروض من الحفظ؛ لأنه يخشى عليه التلف وحفظ الثمن أيسر، وولاية الحفظ ثبتت لمن لا يثبت له ولاية التصرف كما قلنا في الوطء في حق الوارث الكبير الغائب، فكذلك الأب فيعُدُّ بيع بيع الثمن من جنس حقه، فله أن يأخذ منه مقدار النفقة، فأما العقار محصنة بنفسها فلم يكن بيعها بحق الحفظ لو كان بحق الولاية وقد زالت الولاية بالبلوغ عن عقدٍ بخلاف الأم وسائر الأقارب؛ لأنه لم يكن لهم ولاية التصرف حالة الصغر ليبقى أثر تلك الولاية بعد البلوغ فلم يجز بيعهم، أما ههنا بخلافه. فأما إذا أراد القاضي أن يتولى البيع في هذه الصورة بنفسه ليس له ذلك عند الكل لا في العروض ولا في العقار ولا في النفقة ولا في سائر الديون. وقد ذكرنا هذا في نفقة الزوجات. هذا الذي ذكرنا إذا كان الحال معلوماً للقاضي، فأما إذا لم يكن فالقاضي ماذا يصنع فوجوه ذلك قد مرّ في نفقة الزوجات أيضاً. هذا الذي ذكرنا حالة حياة الأب، فإن كان الأب قد مات وترك أموالاً وأولاداً

стр. 1570

صغاراً كان نفقة الأولاد من أنصبائهم لأنهم أغنياء وكذلك كل ما يكون وارثاً فنفقته في نصيبه، وكذلك امرأة الميت تكون نفقتها في حصتها من الميراث حائلاً كانت أو حاملاً. بعد هذا ينظر إن كان الميت قد أوصى إلى رجلٍ، قالوا: ينفق على الصغار من أنصبائهم. فإن كان الميت لم يؤمن إلى أحد فالقاضي يفرض لكل واحد من الصغار في نصيبه بقدر ما يحتاج إليه من النفقة على قدر سعة أموالهم وضعفها، ويشتري للصغير خادماً إن كان يحتاج إلى الخادم؛ لأنه من جملة مصالحه. والقاضي نصب لأقامة مصالح كل من عجز عن الإقامة بنفسه. فكذا كل من كان من المصالح فالقاضي يشتري ذلك للصغير من نصيبه، ولم يذكر في هذه المسألة أن القاضي ينصب لهم وصياً إذا لم يكن الميت أوصى إلى أحدٍ وذكر في المسألة التي تلي هذه المسألة. وذكره في تلك المسألة يكون (٣١٥أ١) ذكراً في هذه المسألة قال: وإن كان الميت لم يوصِ إلى أحد وله أولاد كبار وصغار فنفقة كل واحد منهم يكون في نصيبه لما ذكرنا، وينصب القاضي وصيّاً في ماله، لأن للقاضي أن ينصب الوصي في مال الميت في ثلاث مواضع: أحدها: أن يكون على الميت دين. والثاني: أن يكون الميت أوصى...... والثالث: أن يكون الورثة صغاراً، وههنا في الورثة الصغار. فكان للقاضي أن ينصب وصياً، فإن لم يكن في البلد قاض فأنفق الكبار على الصغار، وأيضاً: الصغار كانوا متطوعين في هذه النفقة لأنه لا ولاية لهم على الصغار في مالهم، وهذا في الحكم، أما فيما بينهم وبين الله تعالى لا ضمان عليهم لأنهم احتسبوا فيما فعلوا. ونظير هذا ما ذكر في كتاب الوديعة: أن للمودع إذا باع اللبن من غير استطلاق رأي القاضي وفي المصر قاضي ضمن، وإن كان..... وذكر في «النوادر» : إذا لم يكن في الموضع يمكنه استطلاق رأي القاضي لا يضمن استحساناً. وكذلك قال مشايخنا في الرجلين في سفر فأغمي على أحدهما، فأنفق الآخر على المغمى عليه من مال المغمى عليه لم يضمن استحساناً. وكذا إذا مات فجهزه صاحبه من ماله لم يضمن استحساناً. وكذا العبيد المأذونون في التجارة إذا كانوا في البلاد فمات مواليهم فأنفقوا في الطريق لم يضموا استحساناً. وكذا روي عن مشايخ بلخ أنهم قالوا: إذا كان للمسجد أوقاف ولم يكن لها متولي فقام واحد من أهل المحلة في جميع غلة الأوقاف وأنفق على المسجد فيما يحتاج إليه من الحصير والحشيش لا يضمن استحساناً فيما بينه وبين الله تعالى. وحكى عن محمد بن الحسن ﵀ أنه مات واحد من تلامذته فباع محمد ﵀ كتبه وأنفق في تجهيزه، فقيل له: ألم..... بذلك فتلا محمد رحمه الله

стр. 1571

قول الله تعالى: ﴿وا يعلم المفسد من المصلح﴾ (البقرة: ٢٢٠) فكان على قياس هذا فلا ضمان عليه فيما بينه وبين الله تعالى استحساناً. أما في الحكم ضامن لما قلنا. قال: لو كان الكبار أنفقوا على الصغار ثم لم يقروا بذلك ببيعه نصيبهم وسعهم ذلك، ولو اختلفوا على ذلك؛ قال في «الكتاب» : رجوت أن لا يكون عليهم شيء. نظير هذا إذا عرف الوصي الدين على الميت فقضاه ولم يقرّ بذلك ولم يعرفه القاضي ولا الورثة لا يأثم فيما فعل وكذلك إذا كان لرجل عند رجل وديعة وعلى المودع مثل تلك الوديعة، والمودع يعلم أنه مات ولم يقبض دينه ليسمح للمودع أن يقضي ذلك الدين بماله ولا يقربه. وكذلك إذا كان على زيد لعمروٍ دين، وعلى عمرو مثل ذلك دين لرجل آخر فمات عمرو، وزيد يعرف أن عمرو لم يقض ليسع لزيد أن يقضي دين عمرو، وبما لعمرو على زيد، ولا تجبر ورثته بذلك. وكذلك إذا مات الرجل ولم يوصِ إلى أحد وله أولاد صغار، وله مال وديعة عند رجل ليس للمودع في الحكم أن ينفق عليهم، ويحتسب بذلك من مال الميت، ولكن إذا فعل وحلف أنه ليس لهم عليه حق رجوت أن لا يكون عليه شيء إن شاء الله؛ لأنه لم يرد بهذا إلا الإصلاح، وإنه موافق لما روينا عن محمد ﵀. النوع الثاني فيما لا يجب على الآباء من نفقة الأولاد قال: وإذا تزوج العبد أو المدبر أو المكاتب امرأة بإذن المولى فولدت امرأته أولاداً لا يجبر على نفقة الأولاد سواء كانت أمهم حرة أو أمة أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة؛ لأن ما يستحق الولد من النفقة صلة محضة، وما كان صلة محضة لا يستحق على هؤلاء، وهذا بخلاف نفقة المرأة؛ لأنها صلة من وجه، عوض من وجه، وما كان صلة من وجه عوضاً من وجه جاز أن يستحق على هؤلاء من حيث إنه عوض. فرّععلى هذا في الكتاب فقال: إذا لم يجب على الأب نفقة الأولاد، على من يجب؟ ففيما إذا كانت المرأة مكاتبة فنفقة الأولاد عليها؛ لأن الولد تابع للأم في كتابتها، فكان كالمملوك لها، ألا ترى أن كسبه لها وأرش الجنابة عليه لها، وميراثه إن مات لها. فإذا كان كالمملوك لها كان نفقته..... عليها إذا كانت المرأة مدبرة أو أم ولد فأولاد..... وتكون نفقتهم على مولاهما وهو مولى أم الولد، والمدبرة فيما إذا كانت أَمَةُ رجل آخر فنفقة الأولاد على مولى الأمة؛ لأن أولادها أَرِقّاء لمولى الأمة، فتكون نفقتهم على مولى الأمة.

стр. 1572

وفيما إذا كانت المرأة حرة فنفقة الأولاد على الأم إن كان للأم مال، وإن لم يكن لها مال فنفقة الأولاد على من يرث الأولاد الأقرب فالأقرب. وكذلك الحر إذا تزوج أمة أو مكاتبة أو أم ولد فالجواب فيه كالجواب في العبد والمدبر والمكاتب على ما ذكرنا. فرع على مسألة الحر فقال: إن كان مولى الأمة وأم الولد والمدبرة، وأب الأولاد غنيٌّ هل يؤمر الأب بالإنفاق، فإن كان الولد من الأمة لا يؤمر الأب بذلك لأن ابنه مملوك مولى الجارية، فأما أن يبيعه مولاه أن ينفق عليه على ما يأتي بعد هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. وإن كان الولد من أم ولد أو مدبرة فإن ههنا يؤمر الأب بالإنفاق عليهم؛ لأن ههنا لا يمكن أن يجبر المولى على بيعهم، فتعين طريق إيصال النفقة إليهم، أمر الأب بذلك. قال: رجل كاتب عبده وأمته فزوجها منه، فولدت ولداً فنفقة الولد على الأم دون الأب؛ لما ذكرنا: أن ولدها كالمملوك لها. هذا بخلاف ما لو وطىء المكاتب أمة نفسه فولدت له ولداً، فإن نفقة ذلك الولد على المكاتب لأنه داخل في كتابته حتى كان كسبه له، وأرش الجنابة عليه له أيضاً، ليس للأم، فكان الولد كالمملوك للمكاتب، فتكون نفقته على المكاتب. قال: وإذا تزوج المكاتب أمة رجل فولدت منه ولداً أو لم تلد حتى اشتراها المكاتب فولدت ولداً فنفقة الأولاد على المكاتب؛ لأن الأمة صارت كسباً للمكاتب، وأولاده من كسبه مكاتبون عليه فصاروا بمنزلة أرقائه. النوع الثالث فيما يجب من نفقات الوالدين قال: ويجبر الرجل الموسر على نفقة أبيه وعلى نفقة أمه. وإذا كانا محتاجين لقوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ . (العنكبوت: ٨) فقد أوجب على الولد الإحسان لوالديه، ورأس الإحسان بوالديه إحيائهما، وذلك بالإنفاق عليهما، وقال ﵇: «إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وإن ولده لمن (٣١٥ب١) كسبه، كلوا من كسب أولادكم إذا احتجتم إليه بالمعروف» ولأن للأب في مال الابن حق الملك، قال ﵇: «أنت ومالك لأبيك» وله كان له فيه حقيقة الملك كانت نفقته في ماله، فكذا إذا كان له حق الملك، إلا أنه إنما يجب عليه إنفاقهما إذا كان موسراً؛ لأن نفقة الأقارب صلة محضة

стр. 1573

والصلات المالية ما شرعت إلا على أهل الثروة واليسار، واعتبره بصدقة الفطر والأضاحي. هكذا ذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ وشمس الأئمة السرخسي ﵀، والخصاف ﵀ في «كتابه» اعتبر القدرة على الإنفاق ولم يعتبر اليسار، حتى إذا كان في كسب الابن فضلٌ عن قوته يجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل وهو موافق (لقوله) ﵇: «كلوا من كسب أولادكم» . قال: فإن كان الأولاد ذكوراً وإناثاً موسرين فنفقة الأبوين عليهم بالسوية في أظهر الروايتين، وروى الحسن عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵏ أن النفقة بين الذكور والإناث أثلاثاً قياساً على الميراث واعتبره بنفقة ذوي الأرحام. وجه الرواية الأخرى وهو الأصح: أن استحقاق الأبوين باعتبار حق الملك لهما في مال الولد لما روينا من الحديث. وفي هذا الذكور والإناث سواء، ولهذا ثبت لهما هذا الاستحقاق مع اختلاف المسألة عندنا وإن انعدم التوارث بسبب اختلاف المسألة، ثم يفرض على الابن نفقة الأب إذا كان محتاجاً والابن موسراً سواء كان الأب قادراً على الكسب أو لم يكن. هكذا ذكر خواهر زاده في «شرح المبسوط» . وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ في «شرح أدب القاضي» للخصاف أن الأب إذا كان كسوباً والابن أيضاً كسوب يجد الابن على الكسب والنفقة على الأب. وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «أدب القاضي» للخصاف أنه لا يجبر الابن على نفقة الأب إذا كان الأب قادراً على الكسب فاعتبره بذي الرحم المحرم، فإنه لا يستحق النفقة في كسب قريبه ولا على قريبه الموسر إذا كان هو كسوباً، وهذا لأن استحقاق النفقة على الأقارب عندنا: الفقر والحاجة، فإذا كان قادراً على الكسب كان غنياً باعتبار الكسب، فلا ضرورة إلى إيجاب النفقة على الغير ثم على ما ذكر خواهر زاده وشمس الأئمة السرخسي رحمهما الله يحتاج إلى الفرق بين نفقة الولد وبين نفقة الوالد، فإن الولد إذا كان ذكراً بالغاً وهو قادر على الكسب لا يجب على الأب نفقته. والفرق: وهو أن استحقاق نفقة الأقارب باعتبار الحاجة، وللأب زيادة فضلة على الولد في الاستحقاق باعتبار الحاجة، فإنه يستحق مال ولده بالحاجة الضرورية، وهي الحاجة إلى النفقة. وبغير الحاجة الضرورية كالاستيلاد، والولد لا يستحق مال الوالد إلا بالحاجة الضرورية وهي الحاجة إلى النفقة. فلو شرط عجز الأب عن الكسب لاستحقاق النفقة على الابن كما شرح في حق الابن لوقعت المساواة بينهما في الاستحقاق بسبب الحاجة. وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه. فالحاصل: أن في نفقة الوالدين يعتبر الفقر لا غير على ما هو «ظاهر الرواية» إلا على قول شمس الأئمة الحلواني ﵀.

стр. 1574

قال: رجل، وله ابنان أحدهما موسر مكثر والآخر متوسط الحال كانت نفقة الأب عليهما، يجعل على الموسر المكثر من ذلك أكثر مما يجعل على الآخر هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» وفي «نفقاته» ، وذكر محمد ﵀ في «المبسوط» وقال: يكون بينهما على السواء لأن العبرة لليسار، وكل واحد منهما موسر، فكانت النفقة عليهما على السواء. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: قال مشايخنا ﵏: إنما تكون النفقة عليهما على السواء إذا تفاوتا في اليسار تفاوتاً يسيراً. أما إذا تفاوتا فاحشاً يجب أن يتفاوتا في قدر النفقة. ثم إذا قضى القاضي بالنفقة عليهما فيأمر أحدهما أن يعطي الأب ما يجب عليه، فالقاضي يأمر الآخر بأن يعطي كلّ النفقة ثم يرجع على الآخر بحصته لأنه لو لم يكن إلا هو كان كل النفقة عليه. فإذا وقع العجز عنها من جهة الأخ يؤخذ كل ذلك منه ثم هو يرجع على الأخ بحصته. قال: وإذا كان للرجل المعسر زوجة ليست أم ابنه الكبير لم يجبر الابن على أن ينفق على امرأة أبيه. وكذلك أم ولده وأمته فلا يجبر الابن على نفقة هؤلاء، وهذا لأن نفقة الأب إنماوجبت بسبب القرابة ولا قرابة بينه وبين امرأة أبيه وبين أم ولده وأمته، فلا يجبر على النفقة عليهما إلا أن يكون بالأب علة لا يقدر على خدمة نفسه، فيحتاج إلى خادم يقوم بشأنه ويخدمه فحينئذ يجبر الابن على نفقة خادمة الأب منكوحة كانت أو أمة؛ لأن الأب لا يستغني عنها فصار ذلك من فروض حاجة الأب، فصار كنفقة الأب، فجاز أن يستحق بقرابة الأب. هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» فعلى هذا لا يحتاج إلى الفرق بين امرأة الأب وبين امرأة الابن، فإن الابن إذا كان معسراً وكان عاجزاً عن خدمة نفسه بأن كان زَمِنَاً أو صغيراً بحيث لا يأكل وحده ولا يشرب وحده يفرض نقد خادمة على الأب، وإن كان صحيح اليدين يمكنه خدمة نفسه لا يفرض كما في الأب. وذكر هشام في «نوادره» عن أبي يوسف رحمهما الله أنه يفرض نفقة امرأة الأب على ابنه إذا كانت المرأة عنده مطلقاً، فعلى هذا يحتاج إلى الفرق بين امرأة الأب وبين امرأة الابن. ووجه الفرق بينهما: وهو أن نفقة الأب تشبه نفقة المرأة من وجه حتى يستحق مع ضرب غنيه بأن كان الأب قادراً على الكسب ثم يفرض نفقة خادم المرأة على الزوج على كل حال، فكذا نفقة خادم الأب. أما نفقة الابن صلة محضة لا تشبه نفقة المرأة بوجهٍ ما، حتى لا يستحق مع ضرب عينيه بأن كان الابن قادراً على الكسب فكانت نفقة الولد نظير نفقة سائر الأقارب، تجب نفقة القريب ولا تجب نفقة الخادم كذا ههنا. قال: ولو أن امرأة معسرة لها ابن موسر ولها زوج معسر، وليس هو أب الابن كان نفقتها على زوجها، ونفقة الزوجة لا تسقط بالعسار على ما مرّ في نفقات الزوجات (٣١٦أ١) إلا أن ههنا يؤمر الابن أن يقرضها على زوجها، فإذا أيسر الزوج رجع عليها

стр. 1575

بما أقرضها؛ لأن الزوجية تسقط النفقة عن ذوي المحارم، ألا ترى أن الأب يفرض عليه نفقة ابنته المراهقة، فإذا زوجها سقطت عنه نفقتها إلا أنه تعذر إيصال النفقة إليها من جهة الزوج بعسرته وتعذر فرض النفقة على الابن كما ذكرنا، فيؤمر الابن بالإقراض؛ لأنه أقرب إليها، وهي محتاجة إلى الاستدانة فيستدين من أقرب الناس إليها. فإن لابن الابن أن يقرضها النفقة. قال الخصاف في «أدب القاضي» : قال الحسن بن زياد ﵀ فرضت على الابن نفقتها وأخذته بذلك. والمراد منه أبى من القرض المذكور هنا هو الجبر على الإقراض لا القرض بطريق الإيجاب كما ذكرنا: أن الزوجية تسقط النفقة عن المحارم، وإنما ذكرنا قول الحسن؛ لأنه لم يحفظ في هذا رواية عن أبي حنيفة ﵀، وذكر الخصاف هذه المسألة في «نفقاته» إلا أن هناك وضع المسألة في الزوج مع الأخ، وفي الزوج مع الأب. وذكر هناك أن الأخ الموسر أو الأب الموسر إذا امتنع عن الإقراض يحبس؛ لأن هذا من المعروف؛ لأن كل نفقة معروف وصلة فيجوز أن يحبس في الأمر بالمعروف. وفي «القدوري» : وضع المسألة في الزوج مع الأخ، وقال أجبرت الأخ على نفقتها، ويرجع على الزوج، ثم الأصل في نفقة الوالدين والمولودين أنه يعتبر القرب والجزئية ولا يعتبر الميراث. وإذا استويا في القرب يجب على من له نوع رحجان، وإذا لم يكن لأحدهما رجحان فحينئذ تجب النفقة بقدر الميراث. بيان هذا الأصل: إذا كان للفقير والد وابنُ ابنٍ موسرين فالنفقة على الوالد لأنه أقرب. وإذا كان له بنت وابنُ ابنٍ فالنفقة على البنت خاصة وإن كان الميراث بينهما لأن البنت أقرب. وإن كان له بنت بنت أو ابن بنت وله أخ لأب وأم فالنفقة على ولد الابنة ذكراً كان أو أنثى وإن كان الميراث للأخ لا لولد الابنة فعلم أن العبرة لقرب القرابة والجزئية وإن سفل، ولد الولد وبنت الولد أو ولد ابن فهم سواء في النفقة عليهم دون الأخ لما قلنا. ولو كان له والد وولد وهما موسران فالنفقة على ولده وإن استويا في القرب الابن يرجح باعتبار تأويل الثالث له في مال ولده، ولو كان جد وابن ابن فالنفقة عليهما على قدر ميراثهما، على الجد السدس والباقي على ابن الابن. ثم استشهد في «الكتاب» لبيان أن العبرة في نفقة الوالدين والمولودين للقرب والجزئية دون الإرث بمسائل: منها إن المعسر المسلم إذا كان له ابنان موسران أحدهما مسلم والآخر ذمي فنفقته عليهما جميعاً بالسوية وإن كان الإرث لا يجري بين المسلم والكافر. وكذلك إذا كان للرجل الفقير ابنة وأخت لأب وأم وهما موسران فالنفقة على البنت وإن كانا تستويان في الميراث.m وإذا كان للفقير ابن نصراني وله أخ مسلم وهما موسران فالنفقة على الابن، وإن كان الميراث للأخ. وكذا إذا كان للفقير ابنة ومولى عتاقه وهما موسران فالنفقة على الابنة وإن كانا يستويان في الميراث. وكذا المعسرة إذا كانت لها ابنة وأخت لأب وأم فالنفقة على ابنتها. وإن كانتا تشتركان في الميراث. قال: الرجل إذا كان محتاجاً وله ابن كبير فطلب الأب منه النفقة ونازعه في ذلك

стр. 1576

إلى القاضي فإن القاضي لا يجبر الابن على نفقة الأب إلا أن يعلم أنه يطيق. وفي بعض النسخ إلى أن يعلم أنه مصطلح لذلك أي قادر عليه. وهذا لأن شرط وجوب الإنفاق والقدرة على الإنفاق فالأب يدعي على الابن النفقة بواسطة شرطه، وهو ينكر، فعلى الأب أن يثبت الشرط بالحجة، فإن قال الأب: إنه يكسب ما يقدر على أن ينفق منه فإن القاضي ينظر في كسب الابن، فإن كان فيه فضل عن قوته يجبر الابن على أن ينفق على أبيه من ذلك الفضل لأن شرط وجوب النفقة على الولد القدرة على الإنفاق وقد وجد، وإن لم يكن في ذلك فضل عنه فلا شيء عليه في الحكم، لكن يؤمر من حيث الديانة أن لا يضيع والده. وقال بعض العلماء يجبر الابن على أن يدخل الأب في قوته إذا كان ما نصب الابن من ذلك القوت يقوم معه بدنه ولا يضره إضراراً يمنعه من الكسب، وروي عن أبي يوسف ﵀ أن على الابن في هذه الصورة أن يضمن الأب إلى نفسه لأنه لو لم يفعل ضاع الأب. ولو فعل لا يخشى الهلاك على الولد والأب إذ لا يملك على نصف يطلبه إلا أن في ظاهر الرواية عن أصحابنا ﵏: لا يجبر على ذلك. لقوله ﵇: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» هذا الذي ذكرنا إذاكان الابن وحده. أمّا إذا كان للابن زوجة وأولاد صغار وباقي المسألة بحالها فالقاضي يجبر الابن على أن يدخل الأب في كسبه ويجعله كأحد العيال الذين ينفق عليهم ولا يجبره أن يعطي له شيئاً على حدة. فرق بين هذا وبينما إذا كان الابن وحده، والفرق: هو أن الابن إذا كان يكتسب مقدار ما يكفي له ولزوجته وأولاده الصغار فإذا دخل الأب في طعامهم يقل الضرر؛ لأن طعام الأربعة إذا فرق على الخمسة لا يتضرر كل واحد منهم إضراراً فاحشاً. أما إذا دخل الواحد في طعام الواحد يتفاحش الضرر. فإن قال الأب: إن ولدي هذا كسوب يقدر على أن يكسب مقدار ما يكفيه ويكفيني، لكنه ذرع العمل عمداً كيلا يفضل منه ما يعطيني شيئاً منه، يريد بذلك عقوقي نظر القاضي فيما قال. وطريق النظر: أن يسأل من أهل حرفته لأن لهم نظراً في هذا الباب فإن ظهر للقاضي أن الأمر على ما قاله الأب أجبر الابن على نفقة أبيه وأخذ بذلك لأنه فضل الإضرار بالأب. وهذا كله إذا لم يكن الأب كسوباً. وأما إذا كان الأب كسوباً هل يجبر الابن على الكسب والنفقة فقد ذكرنا فيه الاختلاف قبل هذا فلا نعيد، فإن كان للأب مسكن أو دابة فالمذهب عندنا أن يفرض النفقة على الابن إلا أن يكون في المسكن فضل عران يكفيه أو يسكن ناحية منه فحينئذ يؤمر الأب ببيع لفضل والإنفاق (٣١٦ب١) على نفسه فإذا آل الأمر إلى الناحية التي يسكنها الأب يفرض نفقته حينئذ على الابن، وكذا إذا كانت للأب دابة نفيسه يؤمر أن يبيع الفضل ويشتري الأَوْكَس وينفق الفضل على نفسه،

стр. 1577

فإذا آل الأمر إلى الأوكس يفرض النفقة على الابن ويستوي في هذا الوالدين والمولودين وسائر المحارم هو الصحيح من المذهب. فإن فرض القاضي نفقة الأب على الابن الموسر كل شهر كذا أو فرض الكسوة للأب على الابن كل سنة فتخرقت الكسوة ولم تبق النفقة قبل مضي الوقت أو بقيت الكسوة وشيء من النفقة بعد مضي الوقت. وقد مرّ هذا في الفرق بين نفقة الأقارب وكسوتهم وبين نفقة الزوجات وكسوتهن في باب نفقة الزوجات فلا نعيد. قال فإن طلب الأب النفقة من ولده فقال الابن: هو غني، وقال الأب: أنا فقير. قال في «المنتقى» روى بشر عن أبي يوسف رحمهما الله: أنه يسأل عن حال الأب، فإن أخبر أنه فقير يجعل عليه النفقة، وإن قالوا: لا ندري لا يجعل على الابن النفقة ما لم يقم الأب البينة أنه فقير فلم يحكم بقبول قول الأب أنه فقير، وإن كان الظاهر شاهداً للأب؛ لأن الأصل في الأدمي هو الفقر إلا أن الأب بهذا الظاهر يريد إثبات الاستحقاق على الابن، والظاهر لا يصلح حجة لإثبات الاستحقاق، وإن أقاما جميعاً البينة فالبينة بينة الأب؛ لأن بينة الأب ثبتت الاستحقاق على الابن وبينة الابن تنفي ذلك، فكانت بينة الأب أولى بالقبول. وذكر في «شرح القدوري» في الأب إذا أنفق من مال الابن حال غيبة الابن ثم خصّ الابن فقال الابن للأب: كنت موسراً وقت الإنفاق من مالي، وقال الأب: كنت معسراً نظر إلى حال الأب وقت الخصومة؛ لأن الحال يصلح دليلاً على الماضي وله أمثلة في الشرع، كمسألة الطاحونة وغيرها. فإن أقاما البينة فالبينة بينة الابن؛ لأن شهود الابن يثبتون الرجوع على الأب بما أنفق، وشهود الأب ينفون ذلك، والإثبات أولى من النفي في باب البينات. النوع الرابع في حق استحقاق النفقة عليه إذا كان الأب ميتاً أو كان الأب حياً فقيراً لأن الفقير يلحق بالميت في حق استحقاق النفقة على الموسر، وفيه كلمات: أنّ من يلحق بالميت ومن لا يلحق سيأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. ويعتبر في حق الحد لاستحقاقه النفقة الفقر لا غير على ما هو ظاهر الرواية كما في حق الأب والجد من قِبَل الأم كالجد من قبل الأب، وكذا يفرض نفقة الجدات من قِبَلِ الأم ونفقة الجدات من قبل الأب، ويعتبر في حق الجدات ما يعتبر في حق الأجداد أيضاً. قال: فإن مات الأب فالنفقة على الجد؛ لأنه قائم مقام الأب فإن كان للصغير أم وجد فالنفقة على الأم والجد على قدر ميراثهما أثلاثاً بخلاف الأب في «ظاهر الرواية» . والفرق: وهو أن إيصال النافلة بالجد بواسطة الأب كاتصاله بالأخ، ثم في الأخ

стр. 1578

والأم النفقة عليهما على قدر ميراثهما أثلاثاً فكذا في الجد والأم، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أن النفقة كلها على الجد، وهذا أليق بمذهب أبي حنيفة ﵀ في الميراث فإنه يلحق الجد بالأب مطلقاً حتى قال: الجد أولى من الأخوة والأخوات. قال: وإن كان للفقير أولاد صغار وجد موسر لم تفرض النفقة على الجد؛ لأن النفقة لا تجب على الجد حال قيام الأب، ولكن يؤمر الجد بالإنفاق صيانة لولد الولد، ويكون ديناً على والد الصغار كأن والد الصغار أمره بذلك كذا ذكَرَ هذه المسألة في «القدوري» . فلم يجعل النفقة على الجد حال عسرة الأب. وقد ذكرنا في أول هذا النوع أب الأب الفقير يلحق بالميت في حق استحقاق النفقة على الجد، وهذا هو الصحيح من المذهب، وما ذكر في «القدوري» فذاك قول الحسن بن صالح. هكذا ذكر ﵀ في شرح «أدب القاضي» للخصاف، قال: وإن كان الأب زَمِنَاً قضى بنفقة الصغار على الجد ولم يرجع على أحد بالإنفاق؛ لأن نفقة الأب في هذه الحالة على الجد، فكذا نفقة الصغار. وروي عن أبي يوسف ﵀: في صغير له والد محتاج وهو زَمِنٌ فرضت نفقته على قرابته من قبل أبيه دون أمه، فكل من يجبر على نفقة الأب يجبر على نفقة الغلام، فإن لم يكن له قرابة من قبل أبيه قضيت بالنفقة على أبيه، وأمرت قرابة الأم بالإنفاق فيكون ذلك ديناً على الأب، هذا لأنّ قرابة الأم لا يجوز أن تجب عليهم نفقة الولد؛ لما عرف أن الأب لا يشاركه غيره في نفقة الصغير، فإن لم يكن للأب قرابة لم يبق ههنا وجهاً سوى أن يقضى بالنفقة على قرابة الأم ويكون ذلك ديناً على الأب كيلاً يشاركه الأب غيره في نفقة الولد، فأما قرابة الأم فما يلزمهم نفقة الأب فجاز أن يلزمهم نفقة الغلام لكون نفقة ولده جارياً مجرى نفقته. هكذا ذكر هذه المسألة في «شرح القدوري» : وهذا الجواب إنما يستقيم إذا لم يكن في قرابة الأم من يكون محرماً للصغير، ويكون أهلاً للإرث، لأن شرط وجوب النفقة في غير قرابة الأولاد المحرمية وأهلية الإرث على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، فأما إذاكان في قرابة الأم من كان محرماً للصغير وهو أهل للإرث، تجب عليه النفقة ويلحق الأب المعسر بالميت لما ذكرنا قبل هذا. النوع الخامسنفقة من سوى الوالدين والمولودين من ذوي الأرحام والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ (البقرة: ٢٣٣) المراد: الوارث الذي هو ذو رحم محرم، وهو قول عبد الله بن مسعود ﵁، وهكذا كان يقرأ، وبه أخذ أصحابنا ﵏ حتى لا تجب النفقة على ابن العم وإن كان وارثاً؛ لأنه ليس بمحرم للصغير، والمراد من الوارث المذكور في هذه الآية كونه أهلاً للإرث لا كونه وارثاً حقيقاً، وبه أخذ أصحابنا ﵏ حتى إنه إذا اجتمع الخال وابن العم فالنفقة على الخال عند علمائنا ﵏ وإن كان الميراث لابن العم؛ لأن الخال ذو رحم محرم وهو أهل

стр. 1579

للإرث، وابن العم وإن كان وارثاً فهو ليس بمحرم للصغير. والحاصل: أن هذه النفقة لا تجب إلا على ذي رحم محرم هو أهل للإرث سواء كان وارثاً في هذه الحالة أو لم يكن، وعندالاستواء في المحرمية وأهلية (٣١٧أ١) الإرث يترجح من كان وارثاً حقيقة في هذه الحالة، حتى إنه إذا كان له عم وخال فالنفقة على العم لأنهما استويا في المحرمية، وترجح العم على الخال في هذه الحالة لكونه وارثاً حقيقة. وكذلك إذا كان له عم وعمة وخالة فالنفقة على العم الموسر لا غير؛ لأنه ساواهما في المحرمية، والعم هو الوارث دونهما فتكون النفقة عليه، ولوكان العم معسراً فالنفقة على العمة والخالة أثلاثاً على قدر ميراثهما، ويجعل العم كالميت. إذا ثبتت هذه الجملة فنقول: هذه النفقة لا تجب إلا على الموسر ولا تجب على الفقير لا قليل ولا كثير؛ لأن هذه النفقة تجب بطريق الصلة، والصلات تجب على الأغنياء، ودون الفقراء لمكان التعارض. ثم لا بد من معرفة حدّ اليسار الذي تعلق به وجوب هذه النفقة. ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف رحمهما الله: أنه اعتبر نصاب الزكاة، وروى هشام عن محمد رحمهما الله إذا كان له نفقة شهر لنفسه وعياله وفضل على ذلك يجبر على نفقة الأقارب، وإن لم يكن له شيء واكتسب كل يوم درهماً ويكفيه أربعة دوانيق ينفق الفضل عليهم. وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀: أن المعتبر بسائر (ما) يحرم الصدقة بأن يملك ما فضل عن حاجته ما يبلغ مائتي درهم فصاعداً وهو الصحيح، وهذا لأنه لم يشترط بوجوب صدقة الفطر غنىً موجباً للزكاة، وإنما شرط غنىً يحرم الصدقة، فكذا في حق إيجاب النفقة لأن النفقة بصدقة الفطر أشبه منه بالزكاة؛ لأن في صدقة الفطر معنى المؤنة، ومعنى الصدقة. فإذا لم يشترط لصدقة الفطر غنىً موجباً للزكاة وهي صدقة من وجد مؤنة من وجه فلأن لا يشترط لوجوب النفقة غنىً موجباً للزكاة وإنها مؤنة من كل وجه كان أولى. قال ولا يقضى بنفقة أحد من ذوي الأرحام إذا كان غنياً والكبار الأصحاء، فلا يقضى لهم بنفقتهم على غيرهم وإن كانوا فقراء إلا الأبوين والجد والجدة مع عدمهما. وقد ذكر هذا فيما تقدم. وتجب نفقة الإناث الكبار من ذوي الأرحام وإن كُنَّ صحيحات البدن إذا كان بهن حاجة إلى النفقة. وقد ذكرنا مثل هذا في نفقة الأولاد. ثم الأصل في نفقته من سوى الوالدين من ذوي الرحم المحرم أنه ينقسم على الميراث؛ لأن الله تعالى أوجب النفقة باسم الوارث. قال الله تعالى: ﴿وعلى الوارث مثل ذلك﴾ (البقرة: ٢٣٣) فقد أوجب باسم الوارث فيجب التقدير به. ولهذا قلنا: إن الرجل إذا أوصى لورثة بني فلان وله بنون وبنات كانت الوصية لهم على قدر الميراث ولو أوصى لولد فلان كان الذكور والأنثى فيه على السواء، على هذا تخرج جنس هذه المسائل. قال: إذا كان للصغير أم وعم أو أم وأخ لأب وأم كل واحد منهما موسر فالنفقة عليهما على قدر الميراث، وكذلك الرضاع عليهما أثلاثاً فالنفقة عليهما؛ لأن الرضاع نفقة

стр. 1580

الولد فتكون عليهما على قدر الميراث كنفقة الولد بعد الفطام. وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله: أن في النفقة بعد الفطام الجواب هكذا، وكذلك فيما يحتاج إليه من النفقة قبل الفطام. فأما الرضاع كله على الأم؛ لأنها موسرة باللبن، والعم معسر في ذلك، ولكن في «ظاهر الرواية» قال: قدرة العم على تحصيل ذلك بماله يجعله موسراً فيه، فلهذا كان عليهما أثلاثاً، وإن كان العم فقيراً والأم غنية فالرضاع والنفقة على الأم؛ لما ذكرنا أن المعسر يجعل كالمعدوم في حق إيجاب النفقة على الموسر. وإن كانت له أم وأخ لأب وأم، أو أخ لأب وعم أغنياء فالرضاع على الأم والأخ أثلاثاً بحسب الميراث، لأن العم ليس بوارث في هذه الحالة، فترجح الأخ على العم لكونه وارثاً حقيقة. قال: وإذا كان للفقير الزمن ابن صغير معسر أو كبير زمن، ولهذا المعسر ثلاثة أخوة متفرقون أهل يسار. فنفقة الرجل على الأخ من الأب والأم وللأخ من الأب أسداساً؛ لأن الابن الصغير أو المعسر يجعل كالعدم في حق إيجاب النفقة على الغير لما ذكرنا: أن نفقة ما عدا الوالدين والمولدين تجب على وارث ذي رحم محرم ولم يجعل الابن كالمعدوم، فلا يصير الأخوة ورثة فينعدم إيجاب النفقة عليهم حال قيام الابن، فيجعل الابن كالمعدوم، وبعد الميراث بين الأخ لأب وأم وبين الأخ لأم أسداساً، فكذا النفقة. ولو كانت مكان الابن ثلاث فنفقة الأب على الأخ لأب وأم خاصة؛ لأنا نحتاج إلى أن نجعل الابنة كالمعدوم في حق إيجاب النفقة على الإخوة؛ لأنه يرث مع الابنة لأخ لأب وأم، لكن تعتبر صفة الوارثة مع بقائها وبعد تعذر إيجاب النفقة على الابنة فتجب على الأخ لأب وأم. فأما نفقة الصغير فعلى العم لأب وأم خاصة، لأن الأب المعسر في حق النفقة جعل كالمعدوم، وبعد الأب ميراث الولد للعم لأب وأم خاصة، فكذا نفقة الولد تجب على العم لأب وأم. قال: فإن كان مكان الإخوة أخوات متفرقات فإن كان الولد ذكراً فنفقة الأب على الأخوات أخماساً؛ لأن أحداًمن الأخوات لا يرث مع الابن لا بُدّ وأن يجعل الابن كالمعدوم لتمكن إيجاب النفقة على الأخوات، وبعد الابن ميراث الأب بين الأخوات أخماساً ثلاثة أخماسه للأخت لأب وأم وخمسه للأخت فرضاً وردّاً فالنفقة عليهم بحساب ذلك، ونفقة الولد على الأخت لأب وأم خاصة عندنا؛ لأن الولد المعسر جعل كالمعدوم، وعند عدم الولد ميراث الولد للعمة لأب وأم عندنا، فالنفقة تكون عليها أيضاً، وإن كان الولد ابنة فنفقة الأب على الأخت لأب وأم خاصة؛ لأنها وارثة مع الابنة، فإن الأخوات مع البنات عصبة فلا تجعل الابنة كالمعدومة ههنا ولكن لو مات الأب كان نصف ميراثه للابنة والباقي للأخت للأب وأم، فكذا النفقة على الأخت لأب وأم ونفقة الابنة على العمة لأب وأم خاصة عندنا؛ لأن الأب المحتاج جعل كالمعذور
следующие страницы →