Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
والصحيح ظاهر مذهب أصحابنا ﵏؛ لأن اليمين باسم الله تعالى ثابت نصاً، قال الله تعالى: ﴿يحلفون با لكم ليرضوكم﴾ (التوبة: ٦٢) وقال ﵇: «فمن كان منكم حالفاً فليحلف بالله أو ليذر» . وإذا كان اليمين باسم الله ثابتاً بالنص، كان اليمين بأسماء أخر ثابتاً بدلالة النص وما (ثبت) بالنص وبدلالة النص لا يراعى في العرف.
ولو قال: بالله لأفعل كذا كسر الهاء في الله أو رفعه أو نصبه فهو يمين في «فتاوى النسفي» ﵀. ولو قال: الله يكون يميناً اتفق على هذا أهل اللغة والنحو وتأيد ذلك بالشرع، فإنه روي أن رسول الله ﷺ حلف ابن ركانة البنه الله ما أردت به إلا واحداً. إلا أن أهل اللغة اختلفوا في إعرابه فعند أهل البصرة إعرابه حذف حرف القسم النصب، وعند أهل الكوفة إعرابه الخفض.
ولو قال: الله يكون يميناً، قال ابن عباس ﵄: دخل آدم الجنة فالله ما غربت الشمس حتى خرج. ولو قال: بالله العظيم كي يدر كرين نام حداب كه افعل كذا، أو قال: لا أفعل كذا إنه يكون يميناً ويتعلق بالفعل فلا يصير قوله: يدركه يداني نام است فاصلاً، وكذلك إذا قال: يدركن أزن سوكن ثبتت، وسئل شمس الإسلام الأوزجندي عمن قال: بالله أكراني كاركنم، قال: اختيار أستاذي أنه لا يكون يميناً، ثم رجع وقال: يكون يميناً وفي «الأجناس» إذا قال: والله إن دخلت الدار، كان يميناً، ولو قال: والحق لا أفعل كذا فهو يمين لأن الحق من أسماء الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ويعلمون أن اهو الحق المبين﴾ . (النور: ٢٥) .
ولو قال: وحق الله لا أفعل كذا، لم يكن يميناً في قول أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵏. هكذا ذكر القدوري في «شرحه» وهو الصحيح؛ لأن الحق إذا ذكر غير مقرون بالألف واللام مضافاً إلى الله تعالى يراد به ما ثبت بحق الله على عباده في العبادات.
سئل رسول الله ﷺ ما حق الله تعالى على عباده. قال: «أن لا تشركوا به شيئاً وتعبدوه وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة» فقد فسر حق الله تعالى بما يستحقه الله على
стр. 1787
عباده من العبادات فصار كأنه قال: والعبادات لا أفعل كذا لا يكون يميناً.
ولو قال: وحقاً لا أفعل كذا لا يكون يميناً. وقد اختلف المشايخ ﵏ فيه بعضهم قالوا: يكون يميناً وبعضهم قالوا: لا يكون يميناً لأنه ذكره منكراً، وأسماء الله تعالى كلها معرفة، ومن له لا بدلالة التنكير إنه لم يرد به اسم الله تعالى وإنما أراد به تحقيق الوعد معناه أفعل هذا لا محالة.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وإذا قال وحرمة الله لا أفعل كذا فهذا نظير قوله: وحق الله لا أفعل كذا.
وفي «فتاوى النسفي» إذا قال:..... شهد الله ولا إله إلا الله أن لا أفعل كذا في تعليل قوله والحق أنه يكون يميناً، ولو قال: بسم الله ذكر الصدر الشهيد في «واقعاته» اختلاف المشايخ فيه، قال ﵀: والمختار أنه لا يكون يميناً، وفي «القدوري» إذا قال: بسم الله فهو ليس بيمين إلا أن ينويه، وفي «المنتقى» رواية ابن رستم عن محمد رحمهما الله إنه يمين مطلقاً فيتأمل عند الفتوى.
ولو قال الطالب الغالب (٣٦٠ب١) بالاسم، وإن لم يتصل به تعارف الناس بقيت الجهتان على السواء وأحدها يوجب أن يكون يميناً، والأخرى توجب أن لا يكون يميناً فلا يكون يميناً بالاحتمال.
إذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى تخريج المسألة إذا قال: ورحمة الله لا أفعل كذا لا يكون يميناً، وكذلك إذا قال: وغضب الله، أو قال: وعذاب الله لا يكون، أو قال: وسخط الله، أو قال: ورضا الله، أو قال: وثواب الله لا يكون يميناً، ولو قال: وقدرة الله يكون يميناً، ولو قال: وسلطان، ذكر في «القدوري» أنه إن أراد به القدرة كان يميناً، وإن أراد به المقدور لا يكون يميناً.
نوع آخر
إذا قال: ودين الله لا أفعل كذا فهذا ليس بيمين، وكذلك إذا قال: وطاعة الله، أو قال: وشرائعه، أو قال: وحدوده، أو قال: وعبادته أو قال: بأنبيائه، أو قال: وملائكته، أو عرش الله، أو قال: وبيت الله، أو قال: والكعبة، أو قال: بالصفا والمروة، أو قال: بالصلاة، أو قال: بالصيام، أو قال: بالقرآن، أو قال: بالمصحف أو سورة من القرآن، فليس ذلك بمين لأن الأصل هو الحلف بأسماء الله تعالى، والحلف بصفاته أطلق بالحلف بأسمائه بالشرط الذي ذكرنا، والحلف بهذه الأشياء الذي يحلف بالله ولا بصفاته فلهذا لا يكون يميناً فعلى هذا تخريج جنس هذه المسائل.
نوع آخر
إذا قال: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي إن فعل كذا أو قال: هو بري من الله
стр. 1788
تعالى، أو قال: هو بريء من الإسلام إن فعل كذا فهذا يمين عندنا، حتى لو فعل ذلك الفعل تلزمه الكفارة، به ورد الأثر عن رسول الله ﷺ والمعنى فيه أن هذا التعليق لو صح حقيقة حرم الدخول من حيث إنه صار تسبيباً للكفر بالتعليق، والكفر حرام فما يكون سبباً له يحرم، فإذا لم يبح التعليق من حيث الحقيقة يجعل كناية عن حكمه لو صح التعليق وهو حرم الدخول فصار قوله: هو يهودي إن دخل الدار نظير قوله دخول الدار علي حرام، ومن قال: دخول الدار علي حرام كان يميناً؛ لأنه حرم الحلال على نفسه، وتحريم الحلال يمين عندنا. قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الك﴾ . (التحريم: ١) قال بعض المفسرين: إن رسول الله صلى الله عليه وسلّمحرم العسل على نفسه، وقال بعضهم: حرم مارية القبطية على نفسه، وكان ذلك يميناً بدليل قوله تعالى: ﴿قد فرض الكم تحلة إيمانكم﴾ (التحريم: ٢) ولأن حرمة الحلال تسبب اليمين فالنص عليه يجعل كالتنصيص على السبب مجازاً، فكأنه قال: والله لا أفعل كذا.
وفي «العيون» إنه إذا قال: هذا الرغيف حرام عليّ كان يميناً، وكذلك إذا قال: كلام فلان عليّ حرام كان يميناً، فعلى هذا إذا قال بالفارسية: حرام آنست ياتوسبي كغين كان يميناً. وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀ إذا قال: كلام فلان وفلان عليَّ حرام فكلم أحدهما يحنث.
ولو قال: هذا الخمر حرام عليَّ ثم شربها اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله فيما بينهما، قال أحدهما: فهو ليس بيمين ولا تلزمه الكفارة، وقال الآخر: هو يمين وتلزمه الكفارة قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : المختار للفتوى أنه إن أراد به التحريم تجب الكفارة وإن أراد به الإخبار أو لم يكن له نية لا تلزمه الكفارة.
وإذا كان في يده دراهم فقال: هذه الدراهم حرام عليَّ ينظر، إن اشترى بها شيئاً يحنث في يمينه وإن وهبها أو تصدق بها لا يحنث في يمينه لأن تحريم الحلال وإن كان يميناً إلا أنه لا بد أن يشهد التحريم تحريم الهبة والصدقة، وإنما يراد به تحريم الشراء، كمن قال: كل حل عليَّ حرام لأنه أراد به تحريم كل حلال ولم ينصرف يميناً إلى كل حلال وإنما ينصرف إلى الطعام والشراب خاصة، حتى لو أكل طعاماً أو شرب شراباً حنث في يمينه. كذا ولو وطىء امرأته أو جاريته أو لبس ثوباً أو ركب دابة لا يحنث في يمينه، كذا هاهنا، وعن أبي يوسف ﵀ في هذه المسألة أنه إذا أنفقها بوجه من الوجوه بأن اشترى بها شيئاً أو وهبها أو تصدق بها أو أعطاها في أجرة بيت، أو ما أشبه ذلك فعليه كفارة يمين، رواه بشر بن الوليد قال: والمخرج منه إن يجيء ذلك رجل من أهله فينفقها.
وفي «البقالي» لو حرم طعاماً أو نحوه فهو يمين على تناول المعتاد أكلاً في المأكول ولبساً في الملبوس إلا أن يعني غيره. قال: وكذلك سائر التصرفات في الأشياء. قال: ولا يعتبر استيفاء من الطعام بالأكل. ولو قال: لا يحل لي أن أفعل كذا فإن نوى تحريمه عليه فهو يمين.
стр. 1789
وفيه أيضاً إذا قال: الخنزير حرام فهو ليس بيمين إلا أن يقول حرام علي إن أكلته. وعلى فتاوى مسألة الخمر يجب أن يكون فيه خلافاً بين أبي حنيفة وأبي يوسف، وعلى ما اختاره الصدر الشهيد ﵏ في مسألة الخمر يجب أن تكون مسألة الخنزير كذلك. وفي «البقالي» أيضاً إذا قال: إن أكلت هذا الطعام فهو عليَّ حرام فهذا ليس بيمين حتى لو أكله لا تلزمه الكفارة، ولو قال: والله لا آكل هذا الطعام فإن أكلته فهو علي حرام، فأكل منه لزمه الكفارة. وفي «المنتقى» إذا قال لغيره: كل طعام أكلته في منزلك فهو علي حرام، وفي القياس: لا يحنث إذا أكله، وهكذا روى ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀ لانه حرمه بعدما أكله. وفي الاستحسان يحنث ويكون هذا على معاني كلام الناس والناس يريدون بهذا إن أكله حرام. وفي «الحيل» إن أكلت عندك طعاماً أبداً فهو علي حرام فأكل لم يحنث، ولو قال: هذا الثوب عليَّ حرام إن لبسته فلبسه ولم ينزعه حنث في يمينه.
امرأة قالت لزوجها: أنت عليَّ حرام أو قالت: حرمتك على نفسي. فهذا يمين، حتى لو طاوعته في الجماع كان عليها الكفارة، وكذلك لو أكرهها على الجماع يلزمها الكفارة بخلاف ما إذا حلف لا يدخل دار فلان فأدخل، جئت إلى أصل المسألة وهو قوله يهودي أو نصراني إن فعل كذا إذاكان يميناً وفعل ذلك الفعل (٣٦١أ١) لا أفعل كذا فهو يمين وهو متعارف أهل بغداد، ولو قال: ووجه الله فهو يمين لأن الوجه يذكر ويراد به الذات قال الله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ . (القصص: ٨٨) معناه: إلا هو.
فروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنها ليست بيمين، وتأويله إذا قصد بذلك الجارحة، ولو قال: لعمر الله فهو يمين لأنه حلف ببقاء الله ، ولو قال: أقسم أو أقسم بالله أو أشهد أو اشهد بالله أو أعزم أو أعزم بالله فهو يمين، ولو قال: عليَّ يمين أو يمين الله فهو يمين، أما إذا قال: عليَّ يمين الله، فلأن معناه عليَّ موجب يمين الله، وأما إذا قال: عليَّ يمين لأن اليمين بغير الله حرام، فكأنه قال: عليَّ يمين الله.
وفي «المنتقى» إذا قال: علي يمين لا كفارة لها يريد به الإيجاب فعليه يمين لها كفارة. رواه عن أبي حنيفة ﵀. وفيه أيضاً عن أبي يوسف إذا قال: لله عليّ يمين وهو يريد أن يوجبها على نفسه ولم يقل: إن فعلت فليس عليه شيء، وكذلك إذا قال: لله على يمين غداً وهو مثل قوله: والله ولم يقل شيئاً، ولو قال: لله علي يمين إن جاء غد فهذا مثل قوله: إن فعلت، ولو قال: إن فعلت كذا فعلي يمين إن شاء فلان ففعل كل ذلك الفعل وشاء فلان لزمته كما قال، ولو قال: إن كلمت فلاناً فعلي من الأيمان ما شاء فلان، أو شاء الرجل من يلزمه من الأيمان ثلاثة أو أقل أو أكثر لم يلزمه ذلك ولا يشبه هذا تسمية الحالف الأيمان، وأشار إلى العرف فقال: إذا سمى الحالف الأيمان فقد جعلها على نفسه وجعل حنثه في مشيئة فلان، وإذا قال: فعلي من الأيمان ما شاء فلان فليس هذا حنثاً بمشيئة فلان، فهذا يمين له رجل، وقال الآخر: عليَّ من الأيمان ما شئت، فقال الآخر شئت يمينان وهناك لا تلزمه
стр. 1790
ولو قال: عليَّ يمين إن شئت، فقال: قد شئت لزمه. هذا مثل قوله: عليَّ يمين إن كلمت فلاناً، وكذلك إذا قال: عليَّ عهد الله أو ميثاقه أو ذمته فهو يمين، وإذا قال: لله فتم يأخذاي كي إن جرية كه يو بيارى ني خورم فقد قيل إنه يكون يميناً إذا نوى اليمين، والأصح أنه يمين بدون النيّة، فإن قوله بدرفتم وعهد كردم سواء وذاك يمين فهذا كذلك، وذكر شمس الأئمة الحلواني ﵀ في «شرحه» أورد في غير رواية الأصول إذا قال: عليَّ يمين محلوفه وبغيره «سوكند خورده كه ابن كاد في كنم» فهو يمين. قال ﵀: وإذا قال: «سوكند خوردم» لا يكون يميناً، ولو قال: مي خودم، ولو قال: حرفي يكون؛ لأن الأول عِدَة، والثاني: إيجاب، ألا ترى أن قول الشاهد بين يدي القاضي كواني دهم لا تكون شهادة، وإذا قال: ني دهم يكون شهادة، وقيل «سوكند خورم» يمين أيضاً لأنه بغير قوله: أحلف وذلك يمين فكذا هذا، مذكور في «فتاوى النسفي» ﵀ وكذلك إذا قال: «سوكند خوردم» يكون يميناً، ولو قال: «سوكند خورده أم» إن كان صادقاً كان يميناً، وإن كان كاذباً فلا شيء.
وفي «الواقعات» في باب: السير إذا قال: «سوكند خوردام يحذاي» إن فعلت كذا فهو يمين لأن الناس تعارفوه يميناً، ولو قال: «ومن سوكند است كي ابن كاريكنم» فهو يمين وهو معنى قوله: عليَّ يمين، ولو قال: «مرا سوكند بطلاق است كي شراب تخورم» فشرب طلقت امرأته، وإن لم يكن حلف ولكن قال: قلت هذا لدفع تعرضهم لا بصدق قضاء وإذا قال: «مراسوكند خانه است كشراب نخورم» وشرب طلقت امرأته؛ لأن أوهام الناس تنصرف. ذكره في «فتاوى النسفي» ولم يشترط فيه نية المرأة، والشيخ الإمام الأجل ظهير الدين المرغيناني ﵀ كان يشترط النية لوقوع الطلاق، والأصح أنه لا يشترط.
وفي «فتاوى الأصل» إذا قال لامرأته: لا تخرجي من الدار بغير إذني فإني قد حلفت بالطلاق فخرجت بغير إذنه لا تطلق لأنه ما أضاف الطلاق إليها، وروي عن محمد ﵀ إذا قال: آليت لا أفعل كذا فهو يمين لأن الألية هي اليمين فكأنه قال: أحلف، ولو قال: لا إله إلا الله أفعل كذا أو سبحان الله أفعل كذا فليس بيمين إلا أن ينويه والله أعلم.
نوع آخر في الحلف به ذات الله تعالى
قال مشايخ العراق ﵏: إذا حلف بصفة من صفات الله تعالى فهو يمين، وإن حلف بصفة من صفات الفعل فليس بيمين، وجعلوا للتفاضل بين صفات الذات، وبين صفات الفعل علامة فقالوا: كل صفة يوصف الله تعالى بها وبضدها فهي من صفات الفعل كأوصاف الغضب والرحمة والسخط فهذه الصفات مما يوصف الله تعالى بها وبضدها كما يقال: الله تعالى يرحم المؤمنين ولا يرحم الكفار، ويرضى عن المتقين ويغضب عن المنافقين، وكل صفة يوصف الله تعالى حمداً ولا يوصف بضدها فهي من صفات الذات كالعظمة والعزة، قالوا: والقياس أن يكون قوله: وعلم الله يميناً لأن العلم من صفات الذات يوصف الله تعالى به ولا توصف (بضده) ، إلا أنا تركنا القياس فيه لأنه
стр. 1791
كثير الاستعمال بهذا اللفظ فيما بين الناس للمعلوم يقول الرجل في دعائه: اللهم اغفر لنا علمك فينا أي معلومك، ويقال: علم أبي حنيفة ﵀ فانصرف مطلق اللفظ إليه وصار كأنه قال: ومعلوم الله، ولو قال هكذا لا يكون يميناً، كذا هاهنا.
ومشايخ ما وراء النهر ﵏ قالوا: إن حلف بصفة تعارف الناس الحلف بها فهو يمين، وإن حلف بصفة لم يتعارف الناس الحلف لا يكون يميناً، بهذا لأن الحلف بالله تعالى إنما عرف يميناً بالشرع والشرع جعل الحلف بالله تعالى يميناً إذا جعل الحلف باسم من أسماء الله تعالى؛ لأن الشرع ورد بالحلف بالله وإنه اسم من أسماء الله تعالى فأما الصفة بين الاسم وغيره على ما قيل صفات الله تعالى لا هو ولا غيره يكون يميناً فكان بين الاسم وغيره فإذا اتصل به تعارف الناس في الحلف به يترجح جانب الاسم فيصير ملحقاً بالاسم فيصير حالفاً (٣٦١ب١) حتى حنث ولزمه الكفارة هل يصير كافراً اختلف المشايخ فيه قال شمس الأئمة السرخسي ﵀، والمختار للفتوى أنه إن كان عنده أنه يكذب حتى أتى بهذا الشرط ومع هذا أتى به يصير كافراً لرضاه بالكفر، وكفارته أن يقول: لا إله إلا الله، وإن كان عنده أنه أتى بالشرط لا يصير كافراً لأنه يكفر، لأن هذه الألفاظ صارت كناية عن اليمين بالله فكأنه قال: والله إن فعلت كذا، ولو قال: والله إن فعلت كذا وفعل لا يصير كافراً كذا هاهنا، وهذا إذا حلف بهذه الألفاظ على أمر في المستقبل.
أما إذا حلف بهذه الألفاظ على أمر في الماضي بأن قال: يهودي أو نصراني أو مجوسي، إن كان فعل كذا أمس وهو يعلم أنه قد كان فعل لا شك أنه لا يلزمه الكفارة عندنا لأنه يمين غموس، وهل: يصير كافراً؟ اختلف المشايخ ﵏ فيه، بعضهم قالوا: يصير كافراً لأنه علق الكفر بما هو موجود والتعليق بما هو موجود للخبر فكأنه قال: هو يهودي.
قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: والمختار للفتوى أنه إن كان عنده أن هذا يمين ولا يكفر متى حلف به لا يكفر، وإن كان عنده أنه يكفر متى حلف بذلك يكفر لرضاه بالكفر.
وأما إذا قال: لعلم الله أنه فعل كذا وهو يعلم أنه لم يفعل، أو قال: بعلم الله أنه لم يفعل كذا وقد علم أنه فعل. اختلف المشايخ ﵏ فيه (عامتهم) أنه يصير كافراً لأنه وصف الله تعالى بما لا يجوز أن يوصف به لأنه وصف بكونه عالماً بوجود الفعل منه في الماضي ولم يوجد منه ذلك الفعل والعلم موجود..... من لم يوجد لا يكون فقد وصف الله تعالى بما لا يوصف به فيكون كفراً كما لو وصف بالجهل أو بالعجز.
ولو قال: هو يأكل الميتة إن فعل كذا لا يكون يميناً. وكذلك إذا قال: هو مستحل الميتة أو يستحل الخمر أو الخنزير لا يكون يميناً، وكان يجب أن يكون يميناً لأن
стр. 1792
استحلال الحرام كفر فقد علق الكفر بالشرط وتعليق الكفر بالشرط يمين، كما لو قال: هو يهودي إن دخل الدار قلت: استحلال هذه الأشياء ليس بكفر لا محالة، فإن في حالة الضرورة تصير هذه الأشياء حلالاً ولا يكون كفراً، أو إذا احتمل أن يكون استحلال هذه الأشياء كفراً كما في غير حال الضرورة فيكون يميناً، واحتمل أن لا يكون كفراً كما في حالة الضرورة فلا يكون يميناً لا يصير يميناً بالشرك بخلاف قوله: هو يهودي إن فعل كذا لأن اليهودي من أنكر رسالة محمد ﵇ وإنكار رسالة محمد ﵇ كفر على كل حال.
والحاصل أن كل شيء هو حرام حرمة مؤبدة بحيث لا تسقط حرمته بحال من الأحوال كالكفر، وأشباهه فاستحلاله معلقاً بالشرط يكون يميناً، وكل شيء هو حرام بحيث تسقط حرمته بحال كالميته والدم والخمر وأشباه ذلك فاستحلاله معلقاً بالشرط لا يكون يميناً.
ولو قال: إن فعلت كذا فاشهدوا عليَّ بالنصرانية فهو يمين. ذكره الفقيه أبو الليث ﵀ في «فتاويه» لأن هذه بمنزلة قوله هو نصراني إن فعل كذا.
وفي «مجموع النوازل» إذا قال: أنا شر من المجوسي إن فعلت كذا أزهر ارفع وتو تبرم إن فعلت كذا كان يميناً، وكذلك إذا قال: أنا شريك النصارى، أو قال: أنا شريك الكفار إن فعلت كذا كان يميناً، ولو قال «اكد من اين ذن نحوا ميم موامغ خوانيد وجمعود خوانيد، وسنك ساركنيد» ثم تزوجها لا يلزمه شيء لأنه أمرهم بالقتل والشتم وما وصف نفسه به.
في «فتاوى النسفي» : ولو قال: «هرج مغان مغى كرده اندو جهودان جهودي كرده اند دركردن من كه من كاربكه دام» وقد كان فعل، وكذلك لا يلزمه شيء، ولو قال: «هرحه سلماني كردام وكافران دادام» إن فعلت كذا لا يكون يميناً، ولو قال: «سلماني نكرادم اكر فلان كاركتم» فهذا ليس بيمين لأنه لغو، إلا إذا عنى إذا ما صام وصلى لم يكن حقاً إن فعلت كذا أو إن ما عملت لم يكن حقاً، إن فعلت كذا فحينئذ يكون يميناً لأن هذا كفر وصار كما لو قال: هو كافر إن فعل كذا فعلى هذا القياس إذا قال بالفارسية: ما قال الله تعالى كذب إن دخلت الدار كان يميناً.
في آخر الباب الأول من أيمان «الواقعات» : إذا قال بالفارسية: «هذا ميدى كه إذ خداى تعالى دادم يومئذم» إن فعلت كذا فهذا يمين لأن اليأس من الله تعالى كفر فهو بمنزلة قوله: هو كافر إن فعل، كذا في أيمان «النوازل» والله أعلم.
نوع آخر
إذا قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الله تعالى فهو يمين لأن البراءه من الله تعالى كفر وتعليق الكفر بالشرط يمين، ولو قال: إن فعلت فأنا بريء من الله ورسوله فهو يمين واحدة، وإذا قال ذلك الفعل يكفيه كفارة واحدة، ولو قال: فأن بريء من الله وبريء من رسوله إن فعلت فقد لزمه كفارتان لأنهما يمينان. هكذا ذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀.
стр. 1793
وفي «فتاوى أهل سمرقند» إذا قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الله ورسوله والله ورسوله بريئان منه ففعل فعليه أربع كفارات؛ لأنهما أربعة أيمان قيل ما ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» ليس بصحيح، وإنما الصحيح ما ذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀ لأنه لا بد وأن يقول: وبريء من رسوله حتى يتعدد اليمين.
ولو قال: أنا بريء من الله إن كنت فعلت كذا أمس، وقد كان فعل وهو يعلم. اختلف المشايخ ﵏ فيه والمختار للفتوى ما ذكرنا في قوله: هو يهودي إن كنت فعلت كذا إنه إن كان في زعمه أن مثل هذا الحلف كفر يكفر، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من القرآن فهو يمين.
ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من المصحف فهذا ليس يمين بخلاف ما إذا قال: فأنا بريء مما في المصحف حتى يكون يميناً لأن الذي في المصحف القرآن. وصار كأنه قال: فأنا بريء من القرآن. ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من كل آية في المصحف فهو يمين واحد. في «العيون» وكذلك إذا قال: «إن ستعد شبست أنه قرآن يزارام» فهو يمين واحدة، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الكتب الأربعة فهو يمين واحدة، وكذلك إذا قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من القرآن والزبور والتوراة والإنجيل فحنث لزمه الكفارة واحدة لأنهما يمين (٣٦٢أ١) واحدة.
ولو قال: فأنا بريء من القرآن وبريء من الزبور وبريء من التوراة وبريء من الإنجيل فهو أربعة أيمان إذا حنث يلزمه أربع كفارات، ولو قال: إن كنت فعلت كذا أمس فأنا بريء من القرآن، وقد كان فعل وعلم به، فالجواب المختار فيه كالجواب فيما إذا قال: فهو بريء من الله تعالى.
ولو دفع كتاب الفقه أو دفتر الحساب فيه مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم، وقال: أنا بريء مما فيه إن فعلت كذا فهذا يمين. إذا قال: «إن خداى تعالى بيزادم وأن لا إله إلا الله تزارم وان شهد الله تزارم» إن فعلت كذا ففعل فعليه ثلاث كفارات، إذا قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من صوم رمضان أو من الصلاة فهو يمين لأن البراءة عن هذه الأشياء كفر.
ولو قال: أنا بريء الثلاثين يوماً يعني شهر رمضان إن فعلت كذا إن نوى البراءة عن فرضيتها يكون يميناً كما لو قال: أنا بريء منه الإيمان إن فعلت كذا وإن نوى البراءة عن آخرهما لا يكون يميناً لأنه غيب، وإن لم يكن له نية لا يكون يميناً في الحكم لمكان الشك، وفي الاحتياط يكون ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من حجي التي حججت أو من صلاتي التي صليت فهذا لا يكون يميناً بخلاف ما إذا قال: إن فعلت كذا بريء من القرآن الذي تعلمت حيث يكون يميناً.
والفرق: أن في المسألة الأولى تبرأ عن فعله الذي فعل لا عن الحجة المشروعة والصلاة المشروعة والتبرؤ عن فعله لا يكون كفراً، أما في المسألة الثانية: تبرأ عن القرآن الذي تعلمه والقرآن قرآن قبل أن يعلمه فيكون التبرؤ منه كفراً حتى إن في المسألة الأولى لو قال: أنا بريء من الحجة، أو قال: من الصلاة كان يميناً، ولو قال: إن فعلت كذا فأنا
стр. 1794
بريء من القبلة ذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀ أنه يمين. وذكر في «فتاوى أهل سمرقند» أنه ليس بيمين والصحيح أنه يمين لأن البراءة عن القبلة كفر. ولو قال أنا بريء المغلظة إن فعلت كذا ليس بيمين. ولو قال: عما في المغلظة فقد قيل: إنه ليس بيمين لأن في المغلظة أيمان وهي تعرف بها فكأنه قال: أنا بريء من الإيمان، وقيل: فإنه يمين لأن في المغلظة اسم الله تعالى فيكون هذا براءة من اسم الله تعالى، والبراءة عن أسماء الله تعالى يمين وصار كدفتر الحساب أو الفقه المكتوب فيه اسم الله تعالى.
ولو قال: إن فعلت كذا فأنا بريء من الشفاعة، ذكر في «مجمع النوازل» أنه يمين وقد قيل: هو ليس بيمين وهو الأصح لأن الشفاعة إن كانت حقاً فمنكره مبتدع، وليس بكافر. وفي «فتاوى ما وراء النهر» إذا قال: إن فعلت كذا لا إله لي في السماء، قال أبو الأسد وعبد الله الكرمنسي أنه يمين عندان ولا يكفر والله أعلم.
نوع خرفي تحليف الغير
ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» : سلطان أخذ رجلاً وحلفه: ما يزد، فقال الرجل مثل ذلك، ثم قال: «كه دوزادنه يناى» فقال الرجل مثل ذلك فلم يأت هذا الرجل يوم الجمعة لا يلزمه شيء لأنه لما قال: ما يزد وسكت ولم يقل قل يا برو إن لم أفعل كذا لم ينعقد اليمين: ويتشعب عن هذه المسألة كثير من المسائل. وفي هذا الموضع: رجل فأراد المرور عليه أن يقوم للمار فقال له المار بالفارسية: «بالله اكرجه في فقام» لا يلزم المار كفارة لأن هذا لغو من كلام.
ذكر عن إبراهيم النخعي ﵁ أنه قال: اليمين على نية الحالف إن كان مظلوماً، وإن كان ظالماً فعلى نية المستحلف وبه أخذ أصحابنا ﵏.
مثال الأول: إذا أكره الرجل على بيع عين في يديه فحلف المكره بالله أنه رفع إلي هذا الشيء فلان يعني به بائعه حتى وقع عنده أن ما في يده ملك غيره فلا يكرهه على بيعه ويكون كما نوى ولا يكون ما حلف يمين غموس لا حقيقة ولا معنى، أما حقيقة فلأنه نوى ما يحتمله لفظه فيجعل ما نوى كالمصرح به، ولو صرح بما نوى كان صادقاً. فكذا إذا أضمر ذلك فعليه دل ما معنى، ولأن يمين الغموس ما ينقطع بها حق أمرىء مسلم ولم يوجد ذلك هاهنا لأن الحالف لم يقطع حق غيره إنما دفع الظلم عن نفسه.
ومثال الثاني: إذا ادعى عيناً في يدي رجل أني اشتريت منك هذا العين بكذا وأنكر الذي في يده الشراء فأراد المدعي أن يُحلّف المدعى عليه بالله ما وجب عليك تسليم هذا العين إلى هذا المدعي فيحلف المدعى عليه على هذا الوجه ويعني التسليم إلى هذا المدعي بالهبة والصدقة لا بالبيع، وهذا إن كان صادقاً فيما حلف فلم يكن بما حلف يمين غموس حقيقة؛ لأنه نوى ما يحتمله لفظه فهو يمين غموس معنى؛ لأنه قطع بهذا اليمين حق امرىء مسلم فلا تعتبر نيته، لهذا كان المعنى في ذلك أن المدعى عليه إذا كان ظالماً فاليمين مشروعة لحق المدعي لمنع المدعى عليه عن اليمين فيصير المدعي إلى حقه، وإن
стр. 1795
حلف كاذباً يهلك بسبب اليمين الكاذبة كما أهلك حقه فيكون إهلاكاً، فإذا أهلك كالقصاص وإن يحصل هذا المعنى إذا اعتبر بنية الحالف المستحلف، أما إذا لم يكن المدعى عليه ظالماً فاليمين مشروعة لحق المدعى عليه حتى ينقطع منازعة المدعى معه من غير حجة فيعتبر نية الحالف في ذلك ولهذا يعتبر في اليمين على الحالف على ما قال ﵇ «من حلف على يمين لا يستثني فالبر والإثم فهما على علمه» يعني إذا حلف وعنده أن الأمر كما حلف عليه ثم تبين خلافه لم يكن، آثما في يمينه ويعتبر فيه ما عند صاحب الحق.
قال الشيخ الإمام الزاهد شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀: وهذا الذي ذكرنا في اليمين بالله، فأما إذا استحلف بالطلاق والعتاق فهو ظالم أو مظلوم فنوى خلاف الظاهر بأن نوى الطلاق عن الوثاق أو نوى العتاق عن عمل كذب أو نوى الإخبار فيه كاذباً فإنه يصدق فيما بينه وبين ربه حتى لا يقع الطلاق ولا العتاق فيما بينه وبين ربه لأنه نوى ما يحتمله لفظه فالله مطلع عليه إلا أنه إن كان مظلوماً لا يأثم الغموس لأنه ما قطع بهذا اليمين حق امرىء مسلم، واذا كان يأثم الغموس، وإن كان ما نوى صدقاً حقيقة لأن هذه اليمين غموس معنى لأنه قطع بها حق امرىء مسلم.
قال القدوري في «كتابه» ما نقل عن إبراهيم أن اليمين على نية المستحلف إن كان الحالف ظالماً فهو صحيح في الاستحلاف على الماض؛ لأن الواجب باليمين كاذباً الإثم فمتى كان ظالماً فهو آثم في يمينه وإن ما يحتمله لفظه لأنه توصل بهذه اليمين إلى ظلم غيره هذا المعنى (٣٦٢ب١) لا يتأتى في اليمين على أمر في المستقبل فيعتبر فيه نية الحالف على كل حال، رجل قال لآخر: والله لا آتي إلى ضيافتك، فقال رجل آخر للحالف ولا تجىء إلى ضيافتي أيضاً، قال: نعم يصير حالفاً في حق الثاني بقوله: نعم حتى لو ذهب إلى آخر ضيافة الأول وإلى ضيافة الثاني حنث في يمينه.
في «مجموع النوازل» إذا قال لآخر: الله لتفعلن كذا، أو قال: والله لتفعلن كذا، فقال الآخر: نعم، وأراد كل واحد منهما أن يكون حالفاً فكل واحد منهما حالف لأن قوله: نعم جواب. والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فكأنه قال: والله لأفعلن كذا فكان يميناً، وإن أراد المبتدىء أن يكون مستحلفاً، وأراد المجيب أن لا يكون عليه يمين وأن يكون قوله نعم على ميعاد من غير يمين فهو كما نوى ولا يمين على واحد منهما لأن المبتدىء والمجيب كل واحد نوى من كلامه ما يحتمله لفظه، وإن لم يكن لواحد منهما نية ففي قوله: الله، الحالف هو المجيب، وفي قوله: والله الحالف هو المبتدىء.
وفي «المنتقى» إذا قال: الله لتفعلن كذا ولا نية له أن يكون هذا حلفاً ولا استحلافاً فهو على الاستحلاف ولا شيء على واحد منهما إن لم ينو المجيب الحلف، وإن نوى القائل بذلك الحلف فهو حلف منه، وإن قال: والله لتفعلن كذا ولا نية له فهذا حلف من
стр. 1796
القابل وإن نوى استحلافاً فهو استحلاف، ولو قال: والله لتفعلن كذا وكذا غداً فقال الآخر: نعم ولا نية لواحد منهما فالحالف هو المجيب.
نوع آخر في تكرار الاسم ما يكون يميناً واحدة أو يمينين
قال محمد ﵀ في «الجامع الكبير» إن قال الرجل: والله والرحمن لا أفعل كذا كان يمينين حتى إذا حنث بأن فعل ذلك الفعل كان عليه كفارتان في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنها يمين واحدة، والأصل في جنس هذه المسائل أن الحالف بالله تعالى إذا ذكر اسمين وبنى عليهما الحالف فإن كان الاسم الثاني صلح نعتاً للاسم الأول ولم يذكر بينهما حرف العطف كانا يميناً واحدة باتفاق الروايات كلها كما في قوله: والله الرحمن لا أفعل كذا؛ لأن الثاني لما صلح نعتاً للأول لا بد وأن يجعل نعتاً كما في قوله مررت بالزيد الصالح كان الصالح نعتاً للزيد. قلنا والنعت مع المنعوت شيء واحد، وإن كان الاسم الثاني يصلح نعتاً للاسم الأول، وذكر بينهما حرف العطف كانا يمينين في ظاهر الرواية. وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵀ أنها يمين واحدة بيانه في قوله: والرحمن والرحيم لا أفعل كذا.
وجه هذه الرواية أن هذه الواو يجوز أن يكون واو العطف فيكون الخبر المذكور للاسم الثاني خبر الأول فيكون يمينين على هذا الاعتبار، ويَجوز (أن يكون) واو القسم لا واو العطف لأن واو القسم غير واو العطف فإن واو القسم مما يبتدأ به وحرف العطف مما لا يبتدأ به، وعلى هذا التقدير يصير تاركاً القسم بالاسم الأول مبتدئاً القسم بالاسم الثاني كأنه قال: والله وسكت، ثم قال: والرحيم لا أفعل كذا فيكون يميناً واحدة وقع الشك في ثبوت ما زاد على اليمين الواحدة فلا تثبت الزيادة بالشك.
وجه ظاهر الرواية أن هذا الواو إذا احتمل أن يكون واو العطف (و) أن يكون واو القسم حمل على واو العطف عند الإطلاق لأن الواو يحتاج إليه للعطف إذ العطف بدونه لا يصح غير محتاج إليه للقسم لأن القسم بدون الواو صحيح فكان جملة ما يحتاج إليه أولى، وإذا حملنا على واو العطف صار الخبر المذكور للاسم الثاني مذكوراً للاسم الأول، فكانا يمينين. هذا إذا كان الاسم الثاني يصلح نعتاً للأول.
فأما إذا كان الاسم الثاني لا يصلح نعتاً للأول إن ذكر بينهما حرف العطف كما في قوله: والله والله لأفعل كذا، كانا يمينين في ظاهر الرواية، وروى ابن سماعة عن محمد أنها يمين واحدة، وهكذا روي عن أبي يوسف في «المنتقى» ، والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية لما قلنا في قوله: والله والرحمن وإن لم يذكر بينهما حرف العطف كانت يميناً واحدة باتفاق الروايات.
هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرحه الجامع» بيانه في قوله: والله والله ويكون ذكر الاسم الثاني على سبيل التكرار والإعادة للأول.
وفي «المنتقى» إذا قال: والله والله والله لا أفعل كذا. قال محمد ﵀ فذلك ثلاثة أيمان في القياس بمنزلة قوله: والله والرحمن والرحيم لا أفعل كذا، وفي
стр. 1797
الاستحسان يكون يميناً واحدة، ولو قال: والله ووالله لا أفعل كذا. القياس أن يكون يمينين، وفي الاستحسان يكون يميناً واحدة، قال: على هذا معاني كلام الناس ومعنى هذا الكلام أن الناس في عرفهم وعاداتهم يريدون بذلك يميناً واحدة إلا أنهم يكررون ذلك للتأكيد.
وفيه أيضاً إذا قال: والله (لا) أفعل كذا، الله لا أفعل كذا، فهما يمينان، وكذلك إذا قال: والله أفعل كذا الله لا أفعل كذا فهما يمينان. وكذلك إذا قال: هو يهودي إن فعل كذا، وهو نصراني إن فعل كذا فهو يمين واحدة.
وعن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهما الله في «القدوري» في من حلف في مقعد واحد بأيمان قال: عليه بكل يمين كفارة والمجلس والمجالس في ذلك سواء. وإن عنى باليمين الثانية الأولى لم يستقم ذلك في اليمين بالله تعالى، لأن وجوب الكفارة في اليمين بالله بذكر الاسم والثاني غير الأول في الذكر، وهو ليس بإخبار عن الأول.
قال: وإن كان حلفاً بحج أو عمرة فهذا يستقيم لأن الصفة صفة إخبار فيستقيم إرادته الإخبار عن الأول وفي أيمان «الأصل» في باب من الأيمان إذا حلف الرجل على أمر لا يفعله أبداً ثم حلف في ذلك المجلس أو في مجلس آخر لا يفعله أبداً إن نوى بالثانية يميناً مبتدأ أو نوى التغليظ والتشديد على نفسه أو لم ينو شيئاً كانتا يمينين حتى إذا حنث كان عليه كفارة يمينين وإن نوى بالثانية الأولى كان عليه كفارة يمين واحدة. وفي «البقالي» عن ابن سلام: إذا قال: أنا أعقد الزنار على نفسي كما يعقده النصارى، وأنا بريء مما أتى به جبريل صلوات الله وسلامه عليه إنهما يمينان والله أعلم.
(الفصل الثالث) في بيان أنواع اليمين وأحكامها
يجب أن يعلم أن اليمين بالله تعالى (٣٦٣أ١) على نوعين:
١ * نوع في الإثبات.
٢ * نوع في النفي.
وكل نوع من ذلك على وجهين:
إما أن يكون مطلقاً أو مؤقتاً. فأما المطلق في الإثبات بأن قال مثلاً: والله لآكلن هذا الطعام والله لأشرب هذا الماء أو هذا الشراب ولم يقل اليوم وما أشبهه فالبر فيه إنما يكون بتحصيل الأكل أو الشرب في العمر، و (يفوت) البر بهلاك الحالف أو المحلوف عليه، حتى إن في هذه المسألة إذا هلك الطعام بأن احترق أو أكله غيره أو ما أشبه ذلك أو مات الحالف يقع الحنث وتلزمه الكفارة؛ لأن شرط الحنث قد وجد واليمين باقية لأن شرط الحنث في هذه المسألة فوات أكل أو شرب غير مقدر بالوقت لأنه لم يذكر ليمينه وقتاً. ألا ترى أنه لو هلك الطعام في ساعته يحنث في يمينه. وهاهنا بهلاك الطعام أو
стр. 1798
الماء فات الأكل والشرب واليمين قائمة لأنها لم تنحل قبل ذلك، وكذلك يهلك الحالف بفوت الأكل واليمين قائمة لأن الأكل يفوت إذا وقع اليأس عن فعله في آخر جزء في آخر حياته، واليمين قائمة فيمكن القول بالحنث وإيجاب الكفارة.
وأما إذا وقت لذلك وقتاً بأن قال مثلاً: والله لآكلن هذا الطعام اليوم، والله لأشربن هذا الشراب اليوم، فالبر فيه إنما يكون بتحصيل الأكل والشرب في اليوم، (ويفوت) البر بمضي اليوم مع بقاء الطعام والشراب، وبقاء الحالف ولا يفوت البر بموت الحالف قبل مضي اليوم حتى لا يحنث في يمينه بالاتفاق، وهل يفوت البر بهلاك الطعام والشراب قبل مضي اليوم؟ أجمعوا على أنه لا يفوت قبل مضي اليوم، حتى لا يلزمه الكفارة قبل مضي اليوم، واختلفوا فيما إذا مضى اليوم. قال أبو يوسف يفوت وتجب الكفارة، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: يفوت ولا تحب الكفارة.
وعلى هذا لاختلاف إذا قال: والله لأقضين حق فلان غداً فقضاه اليوم أو أبرأه الطالب اليوم، ثم جاء الغد فمضى فالمسألة على هذا الاختلاف. وعلى هذا الخلاف إذا حلف ليقضين حق فلان يوم الجمعة، أو قال: إن لم أدفع إليك حقك يوم الجمعة فكذا فمات فلان قبل يوم الجمعة بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله.
وحاصل الخلاف راجع إلى حرف أن بهلاك المحلوف عليه قبل مضي اليوم أو بهلاك الحالف قبل مضي اليوم هل تنحل اليمين؟ عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تنحل لأن بهلاكها يفوت محل اليمين وهو محتمل للصدق والكذب فيحل اليمين عندهما خبر محتمل للصدق والكذب. ألا ترى أن عندهما لا ينعقد اليمين ابتداءً إذا لم يكن الخبر محتملاً للصدق حتى إن من حلف وقال: والله لأشربن الماء الذي في هذا الكوز ولا ماء فيه لا ينعقد اليمين عندهما، وإنما قلنا بأن هلاك الحالف أو المحلوف عليه يفوت الجزاء الذي هو محتمل للصدق لأن تحقيق الصدق فيما أخبر بعد هلاكها لا يتصور، وإذا انحلت اليمين هلاك أحدهما بشرط الحنث وهو عدم الأكل وجد واليمين منحلة فلا يقع الحنث، وعند أبي يوسف بهلاكها لا تنحل اليمين لأن بهلاكها قبل مضي اليوم لا يقوم محل اليمين عنده لأن محل اليمين عنده خبر في المستقبل وكونه محتملاً للصدق. فصل في الباب. ألا ترى أن كون الخبر في المستقبل محتملاً للصدق ليس بشرط لانعقاد اليمين ابتداءً حتى إن في مسألة الكوز ينعقد اليمين عنده، فكذا كون الخبر محتملاً للصدق لا يكون شرطاً لبقاء اليمين فيوجد شرط الحنث واليمين باقية فيقع الحنث.... الكلام إلى الابتداء.
وجه قول أبي يوسف: أن القدرة على تحقيق الصدق ليست بشرط لانعقاد اليمين استدلالاً بمسألة مس السماء وتحويل الحجر ذهباً فإن من حلف فقال: والله لأمسن السماء لأحولن الحجر ذهباً فإنه ينعقد يمينه، وكذلك إذا حلف ليقتلن فلاناً وفلان ميت
стр. 1799
وهو يعلم بموته فإنه ينعقد يمينه إن كان عاجزاً عن تحقيق الصدق، وإذا لم تكن القدرة على تحقيق الصدق فيما أخبر شرطاً الانعقاد اليمين لا يكون كون الخبر محتملاً للصدق شرطاً أيضاً لأن المقصود من كون الخبر محتملاً للصدق هو تحقيق الصدق فيما أخبر، لأن البر به يقع وهو المقصود من اليمين.
وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا: اليمين في الأصل شرعت لإيجاب الصدق في الخبر فيكون محله بحيث يحتمل الصدق لأن محل العقد ما يتصور فيه حكم العقد كمحل البيع فإن محل البيع ما يتصور فيه حكم البيع هو عين هو قال: لأن البيع شرع لإيجاب المال. فكذا اليمين شرع لتحقيق الصدق فيما أخبر وتحقيق الصدق فيما أخبر إنما يكون في خبر يحتمل الصدق، والصدق إنما يتحقق فيما أخبر بالأكل والشرب، والأكل والشرب لا يتحقق، والمأكول والمشروب معدومان فالفعل بدون محله لا بتصور والصدق إنما يتصور بتصور الفعل.
وأما إذا حلف ليقتلن فلاناً وفلان ميت قلنا ذكر محمد ﵀ مسألة القتل. في «الأصل» على التفصيل فقال: إذا كان الحالف يعلم بموته وقت الحلف يحنث بالإجماع.
وإذا كان لا يعلم بموته فعلى قول أبي حنيفة ومحمد لا ينعقد يمينه، وعلى قول أبي يوسف ﵀ ينعقد، وفي مسألة الكوز لم يفصل بينما إذا علم الحالف وقت الحلف ليس في الكوز ماء وبينما إذا لم يعلم، فمن مشايخنا من قال مسألة الكوز على التفصيل أيضاً لأن المعنى لا يوجب الفصل بينهم من فرق بينهما، وإطلاق محمد ﵀ في مسألة الكوز يدل على التفريق، والفرق وهو أن في شأن إزالة الروح والتضييع والجرح فمتى لم يعلم الحالف بموت فلان فقد عقد يمينه على الأمرين على الجرح وانزهاق الروح القائم وقت الحلف وانزهاق الروح القائم وهو ميت مستحيل الكون فلم ينعقد يمينه، وإذا علم موته فقد عقد بيمينه على ما يتأتى فيه وهو الجرح، فإن جرحه فقد بر في يمينه وما لا فلا.
وفي مسألة الكوز ينعقد يمينه على إيجاد الشرب في الماء المشار إليه وإيجاد الشرب في ماء مشار إليه بدون الماء مستحيل الكون، وقد عقد يمينه على ما هو مستحيل الكون فلا ينعقد فلهذا افترقا.
وذكر في طلاق «المنتقى» مسألة القتل على خلاف ما ذكر في «الأصل» . قال: إذا قال الرجل: عبده حر إن لم أقتل فلاناً وفلان ميت، فإن كان يعلم بموته حين حلف فهو بمنزلة يمينه على شرب الماء الذي في هذا الكوز لا ماء فيه فلا يحنث عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله (٣٦٣ب١) لأنه لم يحلف على شيء، فإن كان لا يعلم بموته حين حلف فهو حانث، وقال أبو يوسف: يحنث في الوجهين.
ولو قال: إن لم أشرب الماء الذي في هذا الكوز فعبده حر، أو قال: فامرأته طالق فأريق الماء أو مات الحالف إن لم يؤقت لذلك وقتاً لزمه الحنث وطلقت المرأة وعتق العبد، وإن وقت لذلك وقتاً بأن قال: اليوم إن أُريق الماء قبل مضي اليوم لا يلزمه الحنث قبل مضي اليوم بالإجماع وهل يلزمه الحنث بعد مضي اليوم؟ على قول أبي حنيفة ومحمد
стр. 1800
رحمهما الله: لا يلزمه الحنث. وعلى قول أبي يوسف: يلزمه. وإن مات الحالف قبل مضي اليوم لا يلزمه الحنث بالإجماع، وإن لم يكن في الكوز ماء فهو على الخلاف الذي مر.
وإذا قال: لأفعلن كذا وذكر لذلك وقتاً فإن قال: شهر، أو يوم أو ما أشبه ذلك أو لم يذكر له وقتاً فله أن يفعل ذلك الفعل متى شاء ولا يلزمه الفعل من وقت اليمين وإذا قال: لا أفعل فهو من وقت اليمين.
(الفصل الرابع) في اليمين إذا جعل لها غاية
إذا جعل الحالف ليمينه غاية وفاتت الغاية بطلت اليمين عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله حتى إذا قال لغيره: والله لا أكلمك حتى يأذن لي فلان، أو قال لغريمه: والله لا أفارقك حتى تقضي حقي فمات فلان قبل الإذن برىء من غير المال فاليمين ساقطة في قول أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف ﵏، وعلى هذا إذا حلف ليوفين فلاناً ماله اليوم فأبرأه الطالب. وعلى هذا يخرج جنس هذه المسائل.
إذا قال: إن فعلت كذا ما دمت ببخارى فكذا فخرج من بخارى ثم رجع وفعل ذلك يجب أن يعلم بأن كلمة ما زال وما دام وما كان غاية ينتهي اليمين بها، فإذا حلف لا يفعل كذا ما دام ببخارى فخرج تنتهي يمينه بالخروج، فإذا عاد عاد واليمين منتهية فإذا فعل ذلك الفعل لا يحنث.
في «القدوري» وكذلك إذا حلف لا يشرب النبيذ ما دام ببخارى فخرج وعاد وشرب لا يحنث في يمينه.
في «فتاوى الفضلى» . وعلى هذا إذا حلف لا يصطاد ما دام فلان في هذه البلدة وفلان أمير هذه البلدة فخرج الأمير إلى بلدة أخرى لأمر فاصطاد الحالف قبل رجوعه أو بعد رجوعه لا يحنث في يمينه لأن اليمين انتهى بخروج الأمير.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: وعلى هذا إذا حلف لا يدخل دار فلان ما دام فلان فيها فخرج فلان بأهله ثم عاد ودخل الحالف لا يحنث في يمينه لأن اليمين انتهت بخروجه.
في «العيون» : وعلى هذا إذا حلف لا يكلم فلاناً ما دام في هذه الدار فخرج بمتاعه وأثاثه ثم عاد وكلمه لا يحنث في «القدوري» والمعنى ما ذكرنا.
ثم في بعض هذه المسائل ذكر خروجه بأهله ومتاعه، وفي بعضها ذكر خروجه ولم يذكر إخراج أهله وعياله، ونص في «فتاوى أبي الليث» ﵀ في مسألة أخرى أن إخراج أهله ومتاعه شرط فإنه قال: إذا قال الآخر: والله لا أكلمك ما دمت في هذه الدار فهو على ما كان ساكناً فيها ولا يسقط يمينه إلا بانتقال يبطل السكنى لأن قوله ما دمت في
стр. 1801
هذه الدار عبارة عن قوله ما سكنت فإنما ينتهي اليمين ببطلان السكنى وذلك بانتقال أهله ومتاعه وأثاثه على ما يأتي بيانه في فصل السكنى إن شاء الله تعالى.
ونص الفضلي في «فتاويه» أن نقل أهله ومتاعه ليس بشرط وخروج المحلوف عليه بنفسه يكفي لانتهاء اليمين فإنه قال في مسألة الشرب: لو خرج من بخارى بنفسه لا غير، ثم شرب لا يحنث إلا إذا عنى بقوله: ما دمت ببخارى أن تكون بخارى وطناً له.
وفي «القدوري» إذا قال: والله لا أكلم فلاناً ما دام عليه هذا الثوب أو ما كان عليه أو ما زال عليه فنزعه ثم لبسه فكلمه لا يحنث. ولو قال: لا أكلمه وعليه هذا الثوب فنزعه ثم لبسه وكلمه حنث لأن في هذه الصورة ما جعل اليمين مؤقتاً بوقت بل قيده بصفة فيبقى اليمين ما بقيت تلك الصفة.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال لأبويه: إن تزوجت ما دمتما حيين فكذا، فتزوج امرأة في حياتهما وحنث، لو تزوج امرأة أخرى في حياتهما لا يلزمه الحنث، ولو قال: لكل امرأة أتزوجها ما دمتما حيين، وقال بالفارسية: «هررنى» يلزمه الحنث بكل امرأة يتزوجها ما داما حيين فإن مات أحدهما. روي عن محمد ﵀ أنه سقط اليمين حتى لو تزوج امرأة بعد ذلك لا يلزمه حكم الحنث لأن شرط الحنث التزوج ما داما حيين ولا يتصور ذلك بعد موت أحدهما فيسقط اليمين ضرورة.
وفي «المنتقى» رواية مجهولة إذا قال لأبويه: كل امرأة أتزوجها فهي طالق حتى تموتا فمات أحدهما لا يسقط اليمين، ولو قال: كل امرأة أتزوجها ما دمتما حيين فمات أحدهما لا يسقط اليمين حتى لو تزوج امرأة بعد ذلك لا يلزمه الحنث.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال لامرأته: والله لا أكلمك ما دام أبواك حيين فكلمها بعد (ما) مات أحدهما لا يحنث لأن اليمين قد سقط بموت أحدهما وفي هذا الموضع إذا حلف لا يأكل هذا الطعام ما دام في ملك فلان، فباع فلان بعضه ثم أكل الحالف الباقي لا يحنث لأن اليمين قد انتهى ببيع البعض.
وإذا قال لغيره: إن لم أخبر فلاناً بما صنعت حتى يضربك فعبدي حر أو قال: امرأتي طالق، فأخبر فلاناً بما صنع فلم يضربه حتى مات لا يحنث في يمينه الأصل أن كلمة حتى تجيء في كلام العرب بمعنى الغاية، قال الله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ (البقرة: ١٨٧) وتجيء بمعنى لام السبب قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام ا﴾ (التوبة: ٦) معناه ليسمع كلام الله. وتجيء بمعنى العطف يقال: جاءني القوم حتى زيد، أي: وزيد معهم غير أنها في الأصل للغاية فيحمل على الغاية ما أمكن، وشرط إمكان حملها على الغاية أن يكون ما دخل عليه كلمة حتى قابلاً للامتداد، وأن يكون ما دخل عليه كلمة حتى مقصوداً.... في أنها المحلوف عليه، وفي تركه، فإن تعذر حملها على الغاية تحمل على لام السبب، وشرط
стр. 1802
إمكان حملها على لام السبب أن يكون العقد معقوداً على فعلين أحدهما من جهته والآخر من جهة غيره ليصلح أحدهما خبراً للآخر فإن تعذر حملها على لام السبب تحمل على العطف، ومن حكمة الغاية أن يشترط وجودها للبر، فإن أقلع عن الفعل قبل الغاية يحنث في يمينه، ومن حكم لام السبب أن يشترط وجود ما يصلح سبباً لا وجود المسبب، ومن حكم العطف أن يشترط وجودها للبر.
وإن ثبت هذا جئنا إلى تخريج المسألة فنقول: شرط البر في هذه المسألة إخبار مطلقاً إخبار ينتهي بالضرب، لأن الإخبار مما لا يمتد، ولهذا يضرب له مدة فلا يقال: أخبر به يوماً أو شهراً أو ما أشبه ذلك فلا يمكن (٣٦٤أ١) حمل حتى على الغاية فيحمل على لام السبب ما أمكن ذلك لأن الإخبار يصلح سبباً للضرب لأنه بالإخبار بما صنع أعداه على الضرب فحمل عليه كأنه قال: إن لم أخبر فلاناً بما صنعت ليضربك. وهذا وقوله: إن لم أسبب لضربك ليضربك سواء، فإذا أخبر قد سبب لضربه فيبر في يمينه.
وهو نظير ما لو حلف ليهبن فلاناً ثوباً حتى يلبسه، أو دابة حتى يركبها فوهبه برّ في يمينه لبسه فلان أو لم يلبس، ركبها فلان أو لم يركب، وكذلك لو حلف ليشهدن عليه بكذا بين يدي القاضي حتى يقضي به عليه فشهد عليه، ولم يقض القاضي به بر من يمينه، ولو قال: إن لم أضربك حتى يضربني فكذا، فضربه الحالف بر من يمينه ضرب المحلوف عليه الحالف لا يصلح غاية لما ذكرنا أن غاية الشيء مما يؤثر في إنهائه، وضرب المحلوف عليه الحالف يدعوه إلى زيادة الضرب لا إلى تركه وإنهائه فلا يصلح غاية، أما يصلح خبراً فيحمل عليه.
ولو قال: إن لم أضربك حتى يدخل الليل أو حتى يشفع لك فلان أو حتى يصلح، أو حتى يشتكي فأقلع عن الضرب قبل هذه الأشياء يحنث في يمينه؛ لأن هذه الأشياء تصلح غاية للضرب؛ لأن الإنسان يمتنع عن الضرب بهذه الأمور فصار شرط النية الضرب الممتد إلى هذه الأشياء، فإذا أقلع قبل هذه الأشياء لم يوجد شرط البر يقع الحنث ضرورة.
وكذلك إذا قال لغريمه: إن لم آتك حتى تعطيني حقي فتركه قبل أن يقضيه حنث؛ لأن الملازمة مما يمتد وإنما ينتهي عند وجود القضاء عادة فحمل كلمة (حتى) على الغايه وصار شرط البر ملازمة ممتدة إلى وقت الاستيفاء.
ولو قال: عبده حر إن لم آتك اليوم حتى أتغذى عندك، أو قال: إن لم تأتني اليوم حتى تتفدى عندي، أو قال: إن لم آتك اليوم حتى أعذبك، أو قال: إن لم تأتني اليوم حتى تعذبني، أو قال: إن لم آتك اليوم حتى أجربك كان وجودها شرطاً للبر لأنه لا يمكن حمل حتى على الغاية لأن الإثبات مما لا يمتد، وإنه ظاهر، ولا على لام السبب لأنه عقد اليمين على فعلين من جهة واحدة، وفعل الإنسان لا يصلح حداً لفعله فحمل على العطف وصار تقدير يمينه إن لم آتك فأتغدى عندك، ولو نص على هذا كان وجودهما شرطاً للبر، كذا هاهنا.
стр. 1803
وإن أطلق الكلام إطلاقاً فقال: إن لم آتك حتى أتغدى عندك فكذا فأتاه ولم يتغد عنده ثم تغدى عنده في يوم آخر من غير أن يأتيه بر في يمينه لأنه لما أطلق الكلام إطلاقاً كان شرطاً لبر وجودهما في الجملة سواء اتصل أحدهما بالآخر أو انفصل عنه لتحقق البر أولاً، فرق بين وجود شرطي البر معاً وبين وجودهما على التعاقب هذه الجملة من «الزيادات» .
في «المنتقى» عن ابن سماعة قال: سمعت أبا يوسف ﵀ يقول في رجل قال لغريمه: والله لا أفارقك حتى تعطيني حقي اليوم، ونيته أن لا يترك لزومه حتى يعطيه حقه فمضى اليوم ولم يفارقه ولم يعطه حقه لا يحنث، فإن فارقه بعد مضي اليوم يحنث.
كذلك إذا قال: لا أفارقك حتى أقدمك إلى السلطان اليوم، أو حتى يخلصك السلطان مني فمضى اليوم ولم يفارقه ولم يقدمه إلى السلطان ولم يخلصه السلطان فهو سواء لا يحنث إلا بتركه. ولو قدم اليوم فقال: لا أفارقك اليوم حتى تعطيني حقي بمضي اليوم ولم يفارقه ولم يعطه حقه لم يحنث، وإن فارقه بعد مضي اليوم لا يحنث لأنه وقت للفراق ذلك اليوم.
في «المنتقى» ابن سماعة عن محمد ﵀ إذا قال: والله لا أحج حتى أعتمر. فأحرم بعمرة في حجة وقضى بينهما حتى أنهما لا يحنث في يمينه، قال لأنه اعتمر قبل الحج وإنما يكون حاجاً حين تقف.
وفيه أيضاً: إذا حلف لا يعطي فلاناً ماله حتى يقضي عليه قاض، فقضى القاضي بذلك على وكيله، فهذا قضاء عليه لو أعطاه بعد ذلك لا يحنث.
وفي «نوادر هشام» عن أبي يوسف ﵀ في رجل دعا جاريته إلى فراشه فأبت عليه فقال: إن لم تجيئيء الليل حتى أجامعك مرتين فأنت حرة فجاءته من ساعتها فجامعها مرة لم يزد عليها قال: تعتق. وروى عيسى بن أبان عن محمد ﵀ إذا قال لامرأته: إن لم تجيئي الليل حتى أغشاك فأتت في تلك الليلة فلم يغشاها قال لا حنث عليه، قال: وإنما كانت اليمين على مجيئها إليه، ولم يكن على عشيانه لها، فإذا أتته فقد بر في يمينه، فإن شاء غشاها وإن شاء تركها. قال الفقيه أبو العباس ﵀ قال أبو يوسف في مسألة الجارية إنما تعتق فيحتمل أن يكون في المسألة خلاف بينهما ويحتمل أن هناك مع ذكر الجماع ذكر عدد وليس هناك ذكر عدد.
في «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀ إذا قال الرجل: إن خرجت من هذه الدار حتى أكلم الذي فيه فكذا، وليس فيها أحد فخرج حنث في قول أبي حنيفة ﵀ وفي قول أبي يوسف لا يحنث وهذا الجواب مشكل على القرائن جميعاً.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا حلف الرجل لا يكلم فلاناً إلى قدوم الحاج فقدم واحد منهم انتهت اليمين، وكذلك لو حلف لا يكلم فلاناً إلى الحصاد فحصد واحد من أهل بلده انتهت اليمين، وعلى هذا القياس.... هذه المسائل.
стр. 1804
إذا حلف لا يكلم فلاناً.... يتقيد هذا على وجهين، أما إن نوى حقيقة وقوع الثلج أو نوى وقت وقوع الثلج ففي الوجه الأول لا يقع الحنث ما لم يقع الثلج حقيقة على الأرض وشرطه الوقوع على الأرض وشرط الوقوع على الأرض في البلد الذي الحالف فيه لا في بلد آخر، حتى لو كان الحالف في بلدة لا يقع الثلج هناك كانت اليمين باقية، وإذا نوى وقوع الثلج حقيقة فحقيقته أن يحتاج إلى كبه ولا تعتبروا ظاهر في الهواء فقالا: يستبين على الأرض إلا على لبن حائط أو حشيش وإن نوى وقت وقوع الثلج لا يقع الحنث ما لم يدخل وقت وقوع الثلج وهو أول الشهر الذي يقال له، وإنما ذكره في مسألة أخرى، وقال: يمينه على وقت الوقوع لأنه هو المراد من اليمين عادة، وإذ حلف لا يكلم فلاناً إلى الموسم قال محمد يكلمه إذا أصبح يوم النحر، وقال أبو يوسف: يكلمه إذا زالت الشمس يوم عرفة.m
وفي «فتاوى أهل سمرقند» إذا قال الغريم للطالب: والله لأقضين دينك إلى يوم الخميس فلم يقضه حتى طلع الفجر من يوم الخميس حنث.
ولو قال: إلى خمسة أيام وباقي المسألة بحالها لا يحنث حتى تغرب الشمس من يوم الخامس لأن الغاية في الصورة الأولى يوم الخميس وقد وجد ما طلع الفجر من يوم الخميس، وفي الصورة الثانية الغاية خمسة أيام ولا توجد الأيام الخمسة إلا بغروب الشمس من يوم الخامس.
ولو حلف (لا) يكلم فلاناً عشرة أيام فدخل اليوم العاشر في اليمين. وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال الرجل: إن تزوجت امرأة إلى خمس سنين فتزوج في السنة الخامسة (٣٦٤ب١) تطلق لأن السنة الخامسة داخلة في اليمين على ما ذكرنا. ألا ترى أنه لو استأجر داراً إلى خمس سنين دخلت تحت الإجارة السنة الخامسة كذا هاهنا.
وفي «فتاوى الفضلي» إذا قال: إن أكلت من خبز والدي ما لم أتزوج فاطمة، وكل امرأة أتزوجها فهي طالق، فأكل ثم تزوج فاطمة طلقت لأن عند الأكل قبل التزوج يصير قائلاً: كل امرأة أتزوجها فهي طالق، ولو قال هكذا وتزوج فاطمة طلقت. كذا هاهنا والله أعلم.
ومما يتصل بهذا الفصل: إذا أرادت المرأة الخروج من الدار فقال لها الزوج: إن خرجت فأنت طالق فجلست ساعة ثم خرجت لا تطلق، وكذلك لو أراد رجل أن يضرب عبده فحلف رجل أن (لا) ضربه فهذا على تلك الضربة، حتى لو مكث ساعة ثم ضربه لا يحنث وسمى هذا يمين الفور، وهذا لأن الخرجة التي قصدت والضربة التي قصدت هي المقصود بالمنع عنها عرفاً وعادة فيتعين ذلك بالعرف والعادة.
وإذا دخل على رجل فقال له: تعال تغدّ معي فقال: والله لا أتغدى فذهب إلى بيته وتغدى مع أهله لا يحنث، وكذلك إذا قال الرجل لغيره: كل مع فلان فقال لا آكل. ووجه ذلك أن يمينه عقدت على غداء معين وهو الغداء الذي دعى لأن قوله: والله لا
стр. 1805
أتغدى خرج جواباً لسؤال المخاطب وأمكن جعله جواباً لأنه لم يزد على حرف الجواب فيجعل جواباً، والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال والسؤال وقع عن غداء بعينه بدلالة قوله: تغد معي أي هذا الغداء فيجعل ذلك كالمصرح به في السؤال كأنه قال: تغد معي هذا الغداء، وإذا ثبت هذا في السؤال بدلالة الحال ثبت في جواب لأن الجواب يتضمن إعادة ما في السؤال، وليس كما لو ابتدأ اليمين لأن كلامه لم يخرج جواباً حتى يتقيد بل خرج ابتداءً وهو مطلق عن القيد فينصرف إلى كل غداء، بخلاف مالو قال: والله لا أتغدى معك لأنه زاد على حرف الجواب ومع الزيادة على حرف الجواب لا يمكن أن يجعل جواباً فجعل ابتداءً ولا قيد فيه، وإذا قال لغيره: كلم لي زيداً اليوم في كذا فقال: والله لا أكلمه فهذا التخصيص باليوم لأنه خرج جواباً عن الكلام السابق فتضمن إعادة ذلك.
وعلى هذا إذا قال: ائتني اليوم فقال امرأته طالق إن أتاك، قال القدوري في «شرحه» إلا إذا تخلل بين السؤال والجواب ما يقطع الجواب عنه والله أعلم.
(الفصل الخامس) في الأيمان التي يقع فيها التخيير والتي لا يقع فيها التخيير
قال محمد ﵀ في «الجامع» إذا قال الرجل: والله لا أدخل هذه الدار (أو هذه) فأي الدارين دخلها يحنث.
الأصل في جنس هذه المسائل أن كلمة (أو) إذا دخلت بين اسمين في النفي كانت بمعنى ولا، قال الله تعالى: ﴿فلا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾ (الإنسان: ٢٤) معناه: ولا كفوراً، وكذلك إذا دخلت بين اسم وفعل في النفي كانت لمعنى ولا، قال بعض أهل التفسير: معنى الآية ولا تطع منهم آثماً ولا تطع منهم كفوراً بحكم العطف وكلمة أو من حيث الصورة والظاهر دخلت بين الاسمين وهو الآثم والكفور، ومن حيث المعنى دخلت بين الاسم وهو الآثم والفعل وهو الطاعة ومتى دخل كلمة أو بين إثباتين يكون للتخيير قال الله تعالى: ﴿فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ (المائدة: ٨٩) الآية ومتى دخلت بين إثبات ونفي، إن كان المذكور الثاني تصلح غاية للمذكور أولاً كانت للغاية، وإنما تعرف صلاحيته لكونه غاية للأول إذا لو صرح بكلمة حتى مكان أو يستقيم الكلام ولا يخيل بقول الرجل لغريمه لا أبرح من بابك أو تعطيني حقي، معناه: حتى تعطيني حقي، وإن كان المذكور الثاني لا يصلح للمذكور الأول غاية كانت للتخيير فكان بهذا القائل خير نفسه بين اختيار المذكور الأول وبين اختيار المذكور الثاني.
إذا عرفنا هذا جئنا إلى تخريج المسألة وهي ما إذا قال: والله لا أدخل هذه الدار أو لا أدخل هذه، فنقول كلمة أو دخلت بين اسم وهو الدار وبين فعل وهو الدخول في النفي فكانت لمعنى ولا، كأنه قال: لا أدخل هذه الدار ولا هذه الدار، ولو صرح بذلك إذا دخل في أحدهما يحنث في يمينه. كذا هاهنا.
стр. 1806
ولو قال: والله لأدخلن هذه الدار اليوم أو لأدخلن هذه الدار الأخرى فأيهما دخل بر في يمينه؛ لأن كلمة أو دخلت بين إثباتين فكان للخبر فصار غايتها دخول إحدى الدارين مخيراً نفسه بين دخول هذه أو هذه فإذا دخل إحديهما فقد أتى بما التزم فقد بر في يمينه. وتسقط اليمين ضرورة ولو لم يدخل واحدة منهما حتى مضى اليوم حنث في يمينه.
ولو قال: والله لا أدخل هذه الدار أبداً أو لأدخلن هذه الدار الأخرى اليوم، فإن دخل الأولى حنث في يمينه وإن لم يدخل الأولى ولم يدخل الأخرى حتى مضى اليوم حنث في يمينه، ولكن إنما يحنث في هذا الوجه في يمين الإثبات، وإنما كان هكذا لا بكلمة، أو دخلت بين نفي وإثبات، والمذكور، ثانياً لا يصلح غاية للمذكور أولاً لأن ذكر الأبد في النفي ذكر اليوم في الإثبات، واليوم لا يصلح غاية للأبد؛ لأن غاية الشيء ما ينتهي بها ذلك الشيء، والأبد لا ينتهي بشيء فجعل هاهنا للتخير فقد خير نفسه بين أن يلزم يمين النفي وبين أن يلزم يمين الإثبات، فإن شاء دخل الدار الأخرى حين يسقط يمين الإثبات وإن شاء لم يدخل الدار الأخرى اليوم حتى يسقط يمين النفي.
ولو قال: والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار الأخرى فدخل الأولى حنث في يمينه، وإن لم يدخل الأولى ودخل الأخرى بر في يمينه لأن كلمة أو دخلت بين نفي بين إثبات. والمذكور ثانياً يصلح غاية للمذكور أولاً؛ لأنه لم يذكر في النفي والإثبات ثانياً في الغاية، فجعلنا المذكور غاية المذكور أولاً، وجعلنا المنعقد يميناً واحدة وهي يمين النفي وغايتها دخول الدار الأخرى ألا ترى أنه لو صرح بالغاية بأن قال: والله لا أدخل هذه الدار حتى أدخل هذه الدار الأخرى كان الكلام صحيحاً مستقيماً، فإن دخل الدار الأخرى فقد وجدت الغاية فيسقط يمين النفي، وإن دخل الدار الأولى ولم يدخل الدار الأخرى فقد وجد شرط الحنث في اليمين الأولى قبل وجود الغاية وقبل انتهائها فيجب في اليمين الأولى، ولو قال: والله لا أدخل هذه الدار أو أدخل هذه الدار الأخرى فالمنعقد هاهنا يمين النفي وحدها وغايتها دخول إحدى الدارين (٣٦٥أ١) الأخريين فإن دخل الدار الأولى حنث في يمين النفي، وإن لم يدخل الأولى ودخل إحدى الأخريين بر في يمينه وروي عن محمد ﵀ فمن قال: عبده حر إن لم يدخل هذه الدار اليوم فإن لم يدخل اليوم دخل هذه قال هذا ليس باستثناء واليمين على حالها لأنه لم يوجد لفظ الخبر ههنا ولم تتغير الأولى فإذا لم يدخل الأولى اليوم حنث في يمينه.
وفي «القدوري» عن أبي يوسف: إذا قال لامرأته أنت طالق أو والله لأضربن هذا الخادم اليوم، فضربه في يومه فقد بر في يمينه ولم يقع الطلاق؛ لأن الثابت أحدهما فإذا وجد الضرب ينفي الطلاق وإن مضى اليوم قبل الضرب حنث فالخبر يبرأ ومع الطلاق فيلزم بعد اليمين لأن الثابت بأحدهما والإجمال كان منه وكان التعيين إليه.
ولو قال في ذلك اليوم اخترت أن أوقع الطلاق لزمه وبطلت اليمين ضرورة، ولو قال في ذلك: اخترت التزام اليمين وإبطال الطلاق، فإن الطلاق لا يبطل لأن اليمين لا يلزم الإنسان بالتزامه فلا يتعين بالاختيار، يوضحه: أن الاختيار مما يلزمه من الحكم
стр. 1807
وبعد الحنث الكفارة تلزمه وقبله لا فلا يصح تعيين اليمين قبله.
عاد إلى أول المسألة، فقال: لو مات الخادم قبل الضرب فهو يخير بين الكفارة والطلاق؛ لأن الحنث ثبت في إحدى اليمينين، ولو كان الرجل هو الميت فقد وقع الحنث أو الطلاق وقد مات قبل أن يبين فلا يقع الطلاق ولها الميراث قال: وهذا التخيير من حيث التدين، يعني: فيما إذا مات الخادم ولا يجبره القاضي على ذلك لأنه لما كان مخيراً بين الكفارة والطلاق وأحدهما لا يدخل في الحكم لم يلزمه القاضي بذلك، حتى لو كان مكان الكفارة طلاق امرأة أخرى يخيره القاضي حتى يتبين لأن الواقع طلاق لا محالة وأنه يدخل في الحكم، ولو قال: أنت طالق أو عليَّ حجة لم يخيره القاضي لأن الحج لا يدخل في الحكم ولو قال: أنت طالق ثلاثاً أو فلانة عليّ حرام يعني اليمين لم يجبره القاضي حتى تمضي أربعة أشهر فإذا مضت قبل أن يقربها أجبره القاضي على أن يوقع الطلاق أو الذي تكلم به؛ لأن قبل مضي أربعة أشهر أمكنه أن يسقط ذلك عن نفسه بأن كفر بواسطة القربان فلا كذلك بعد مضي أربعة أشهر.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: إذا قال والله لا أكلمك اليوم أو غداً حنث في الحال؛ لأنه كلمه بعد اليمين بقوله أو غداً، ولو قال: والله لأتركن كلامه اليوم فترك كلامه اليوم وكلمه غداً لا يحنث.
وروى ابن رستم عن محمد ﵀ إذا قال: إن كلمت فلاناً فهذا حر وهذه مكاتبة قال هو مخير في إيقاعه على أيهما شاء لأن هذا معرفة. ولو قال: إن كلمت فلاناً فكل عبد أملكه أو أمة حر، فكلمه قال: هو عليهما يعتق كل عبد يملكه وكل أمة يملكها لأن هذا نكرة. وكذلك قوله: إن كلمت فلاناً فكل مملوك أملكه يوم الجمعة أو يوم الخميس حر، فهو على ما يملكه في اليومين جميعاً. ولو قال: إن كلمت فلاناً فعلي حجة أو عمرة فهو مخير لأنه معرفة والله أعلم.
الفصل السادس في الرجل يحلف فينوي التخصيص
قال محمد في «الجامع الصغير» : إذا قال إن لبست فامرأتي طالق ونوى ثوباً دون ثوب لا تصح نيته في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى وهو قول الشافعي ﵀ وبه أخذ الخصاف من أصحابنا ﵏ وقال: هذا إذا قال: إن شربت فنوى شراباً دون شراب، أو قال: إن أكلت ونوى طعاماً دون طعام لم تصح نيته في القضاء وفيما بينه وبين الله تعالى في ظاهر مذهب أصحابنا ﵏ إلا روايه عن أبي يوسف ﵀ وأخذ بها الخصاف ولو قال: إن لبست ثوباً، أو قال: إن شربت شراباً، إن أكلت طعاماً، فنوى ثوباً بعينه أو شراباً بعينه أو طعاماً بعينه دُّين فيما بينه وبين الله تعالى بلا خلاف.
ووجه رواية أبي يوسف ﵀: أنه نوى تخصيص ما ثبت فيقتضي لفظه لأنه
стр. 1808
نوى تخصيص الملبوس أو المشروب أو المأكول وهذه الأشياء مذكورة تقتضي لفظه؛ لأن ذكر الأكل والشرب واللبس ولا وجود بهذه الأفعال إلا بالمشروب والملبوس والمأكول ذكر لهذه الأشياء، فهو معنى قولنا: نوى تخصيص ما هو مذكور مقتضى لفظه والثابت اقتضاء كالثابت نصاً، ولو ثبت ذكر هذه الأشياء نصاً بأن قال: إن لبست ثوباً وكذلك في نظائره رجح نسبة التخصيص فكذا إذا ثبت ذكرها اقتضاء بهذا الطريق قلنا: إذا قال إن خرجت فعبدي حر فنوى خروجاً دون خروج تصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى ولظاهر رواية علمائنا ﵏ عبارتان.
فإن الأولى: أن النية إنما تعمل في المذكور والملفوظ لأن النية كتعيين ما يحتمله اللفظ مراد باللفظ وبعدما تبين فالحكم يثبت باللفظ فمتى لم يكن اللفظ محتملاً لما نوى لا يتعين ما نوى بلفظ لو تغير تعين نيته، ومجرد النية لا أثر لها في إثبات الحكم.
إذا ثبت هذا فنقول: الملبوس والمشروب والمأكول غير مذكور لا نصاً وهذا ظاهر ولا مقتضى لفظه لأن مقتضى اللفظة ما لا صحة للملفوظ بدونه والملفوظ ههنا صحيح بدون ذكر هذه الأشياء؛ لأن اليمين إنما عقدت لمنع فعل الأكل والشرب واللبس، ولا حاجة عند منع نفسه عن هذه الأفعال إلى وجود هذه الأشياء، إنما يحتاج إلى وجود هذه الأشياء عند مباشرة هذه الأفعال، وإذا لم تصر هذه الأشياء مذكورة أصلاً لو صحت منه التخصيص صحت في غير الملفوظ ولا وجه إليه، ولئن سلمنا أن هذه الأشياء صارت مذكورة اقتضاء، ولكن إنما صارت مذكورة بطريق الضرورة من حيث إن هذه الأفعال لا بد لها من هذه المحال إلا أن الثابت بالضرورة لا يعد واقع منع الضرورة ولا ضرورة في حق التعميم لأن بهذه الأفعال مر التعميم فلم يثبت ذكر هذه الأشياء في حق التعميم فلا يصح نيه التخصيص فيما لا عموم له بأكله.
العبارة الثانية (٣٦٥ب١) : أن نيته لو صحت إما أن تصح في الملفوظ وهو قوله: إن لبست أو شربت أو أكلت، أو فيما ثبت مقتضى الملفوظ وهو الملبوس والمشروب والمأكول لا وجه إلى الأول لأنه لو صحت نيته في قوله: إن لبست إما أن تصح من حيث أنه نوى بخصوص عن العموم ولا وجه إليه؛ لأن قوله إن لبست فعل والفعل لا عموم له إنما العموم للأسماء هكذا حكي عن سيبويه وهذا لأن الاسم مشتمل على أعيان كثيرة فيكون له عموم فأما الفعل إنما يقع على معنى واحد ولا يكون له عموم ولأن الفعل وجوده بالمباشرة فتتغلب بقدر المباشرة وإما أن يصح من حيث أنه أحد نوعي الفعل ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن اللبس غير متنوع لغة وإنما التنوع في محل اللبس ولا وجه أن تصح نيته فيما ثبت مقتضى الملفوظ وهو الملبوس بوجهين على ما بينا في العبارة الأولى وفيما إذا قال: إن لبست ثوباً إن شربت شراباً إن أكلت طعاماً إنما صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى لأن الثوب والطعام والشراب مذكور نصاً على سبيل النكرة في موضع الشرط الذي هو موضع النفي، والنكرة في موضع النفي تعم فإذا نوى شيئاً دون شيء فقد نوى الخصوص من اللفظ العام، وإرادة الخصوص من اللفظ العام جائر، ولكنه خلاف الظاهر
стр. 1809
فلأجل الجواز يدين فيما بينه وبين الله تعالى ولمكان أنه خلاف الظاهر لا يصدقه القاضي.
ومن هذا الجنس ذكر في «الجامع الكبير» وصورتها: قال إن اغتسلت الليلة فعبدي حر، ثم قال: عنيت به الاغتسال عن جنابة لا يصدق ديانة، وعن أبي يوسف يصدق ديانة وإنما لا يصح قضاء وديانة على ظاهر الرواية؛ لأنه لو صحت نيته إما أن تصح في الملفوظ وهو قوله: إن اغتسلت ولا وجه إليه من حيث أنه نوى الخصوص عن العموم؛ لأن قوله: إن اغتسلت فعل والفعل لا عموم له ولا موجب أنه نوى أحد نوعي الفعل لأن الاغتسال غير متنوع لغة لأنه عبارة عن إهدار وإنما التنوع للأسباب التي يقع بها الاغتسال، وإما أن تصح نيته فيما ثبت مقتضى الملفوظ وهو الاغتسال ولا وجه إليه لأن الاغتسال ههنا إنما يثبت ضرورة صحة الفعل؛ لأن الفعل لا بد له من المصدر وهو الفعل ولا ضرورة في حق التعميم، لأن الفعل له بد في التعميم فكان ذكره المصدر عدماً في حق التعميم فلا يصح نية التخصيص فيه.
وفي قوله: إن اغتسلت اغتسالاً، نيته صحت في الاغتسال الذي هو مصدر والاغتسال مذكور نصاً، والمصدر قائم مقام الاسم، والاسم له عموم فتصح نية التخصيص فيه.
وإذا قال: إن خرجت، فقد ذكر هذه المسألة في «الجامع» : وجعلها على وجهين أحدهما: أن يقول: إن خرجت خروجاً، والثاني. أن يقول: إن خرجت (.....) من ذلك على وجوه: إما إن لم ينو شيئاً وفي هذا الوجه يمينه على السفر وما دونه في الوجهين جميعاً لأن الخروج ذكر مطلقاً غير مقيد بالسفر وما دونه وإن نوى السفر إلى مكان كأن نوى السفر إلى بغداد والذي لا تصح نيته لا قضاء ولا ديانة وإن نوى السفر أو ما دون السفر صدق ديانة ولا يصدق قضاء ذكر الجواب هكذا في الوجهين.
وهذا الجواب ظاهر فيما إذا قال: إن خرجت خروجاً لأنه نوى الخصوص عن العموم فيما هو ملفوظه وهو الخروج، فإن قال: خروجاً والخروج مصدر والمصدر يقام مقام الاسم والاسم له عموم ونية الخصوص عن العموم مما هو ملفوظ به صحيحاً ديانة لا قضاء مشكل فيما إذا قال إن خرجت ولم يقل خروجاً؛ لأن الخروج إذا لم يكن مذكوراً قبله خروج دون خروج يكون نية تخصيص ما ليس ملفوظ وذلك لا يصح كما لو قال: إن اغتسلت ونوى اغتسالاً دون اغتسال حكي عن القاضي أبي القاسم ﵀ عن القضاة الثلاثة أنهم كانوا يقولون لا تصح نيته في هذه الصورة وكانوا يقولون ما ذكر محمد من الجواب، جواب قوله إن خرجت خروجاً لا جواب قوله إن خرجت.
ومن المشايخ من قال: ما ذكر من الجواب جواب قوله إن خرجت أيضاً وهذا القائل يفرق بين قوله إن خرجت وبين قوله: إن اغتسلت.
стр. 1810
والفرق: أن الخروج في نفسه متنوع لغة، خروج مديد يسمى سفراً، وخروج قصير (لا) يسمى سفراً (بل) خروجاً فتصح نيته في قوله إن خرجت من حيث أنه نوى أحد نوعي الفعل فأما الاغتسال في نفسه ليس بمتنوع على ما مر.
وفي هذا الجنس إذا قال إن اغتسلت الليلة في هذه الدار فعبدي حر وقال عنيت فلاناً لا تصح نيته لأنه نوى تخصيص الفاعل والفاعل ليس بمذكور.
ولو قال: إن اغتسل هذه الليلة في هذه الدار أحد وقال عنيت فلاناً صحت نيته فيما بينه وبين الله لأن الفاعل مذكور وأنه عام فقد نوى تخصيص العام المذكور فتصح نيته وفي «الأصل» إذا حلف لا يسكن داراً لفلان وهو يعني بأجْر ولم يكن قبل ذلك كلام فسكنها بغير أجر فإنه يحنث ولا تصح نيته لأنه نوى تخصيص السكنى والسكنى الذي هو اسم غير مذكور وإنما المذكور هو الفعل وهو قوله: لا يسكن، فلا تصح نية التخصيص في الاسم، كما لو حلف لا يأكل ثم قال: عنيت طعاماً دون طعام، فإنه لا تصح نيته؛ لأن الطعام غير مذكور إنما المذكور هو فعل الأكل، فرق بين هذا وبين ما إذا حلف لا يسكن داراً يشتريها فلان ثم قال: عنيت داراً يشتريها لنفسه فإنه يكون مصدقاً وقد نوى تخصيص الشراء والشراء ليس في لفظه؛ لأنه ذكر فعل الشراء ولم يذكر الاسم وهذا قال: لا تصح نية التخصيص في السكنى؛ لأن السكنى غير ملفوظ، إنما الملفوظ هو الفعل.
ووجه الفرق بينهما أن نية الشراء ما صحت من حيث إنه نوى التخصيص وإنما صحت من حيث إنه نوى أحد نوعي الشراء فإن الشراء نوعان: ما يوجب الملك له، وما يوجب الملك لغيره، وهما يختلفان حكماً، ولا بد أن يكونا نوعين وبيان النوع جائز، وإن لم يذكر اسم ذلك النوع وإنما ذكر الفعل لا غير كما لو حلف لا يخرج ولم يقل خروجاً ثم قال: عنيت الخروج إلى السفر أو إلى ما دون السفر فإنه يصح وإن لم يذكر اسم هذا الفعل وإنما ذكر الفعل غير لأنه بيان نوع لابيان تخصيص بخلاف السكنى؛ لأن السكنى كله جنس واحد لأن حكم الكل واحدة وهو كينونته في الدار إنما تختلف الصفة لا غير يكون بأجر وبغير أجر، وباختلاف الصفة لا يصير البيت نوعاً آخر وجنساً آخر كالتركي مع الهندي فيكون الجنس واحداً فيكون هذا نية التخصيص ونية التخصيص لا تصح إن لم يكن الاسم ملفوظاً فإن قيل (٣٦٦أ١) لو صحت نية الشراء لنفسه من حيث إنه بيان نوع لا بيان تخصيص كان يجب أن يصدق في القضاء كما في الخروج.
وفي قوله أنت بائن قلنا: نية الشراء لنفسه بيان نوع من وجه وتخصيص عام من وجه في حق الحقوق تخصيص عام؛ لأن الشراء لنفسه ولغيره في حق الحقوق على السواء فيكون من هذا الوجه شيئاً واحداً له عموم، فإذا نوى أحدهما كان تخصيصاً ولكن في حق الملك بيان نوع لأنهما مختلفان في حق الملك توفيراً على الشبهين حظهما فقلنا من حيث إنه بيان نوع يصح هذا البيان فيما بينه وبين الله تعالى وإن لم يكن الاسم ملفوظاً، ومن حيث إنه تخصيص لم يصح في القضاء توفيراً على الشبهين حظهما بخلاف الخروج؛ لأنه بيان نوع من كل وجه وإن كان قبل هذا كلام يدل عليه بأن استأجرها منه أو استعارها
стр. 1811
فأبى فحلف وهو ينوي السكنى بالإجارة فسكن بالعارية أو كان على العكس لا يحنث.
وعن أبي يوسف فيمن قال لرجل قائم: والله لا أكلم هذا الرجل، ينوي ما دام قائماً ولم يتكلم بالقيام، كانت نيته باطلة؛ لأنه ليس في لفظه ولو حلف لا يكلم هذا القائم يعني ما دام قائماً دين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه خص ما في لفظه.
وكذلك لو قال: والله لأضربن فلاناً (.....) وهو ينوي سوطاً بعينه لم تصح نيته ولو قال إن تزوجت فعبدي حر وقال: عنيت به فلانة أو امرأة من أهل الكوفة لا تصح نيته؛ لأن المرأة غير مذكورة. ولو قال: إن تزوجت امرأة وقال: عنيت فلانة صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأن المرأة مذكورة، وقد ذكرت في موضع الشرط الذي هو موضوع النفي فكانت عامة فقد نوى تخصيص المذكور العام فتصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى.
وروي عن محمد ﵀ فيمن حلف لا يتزوج امرأة ونوى فيه أمراة مصرية لم تصح نيته وإن نوى عربية أو حبشية صحت نيته فجوز تخصيص الجنس ولم يجوز تخصيص الوصف وأجرى العربية والحبشية مجرى الجنس.
ولو قال: والله لا أتزوج امرأة على وجه الأرض ينوي امرأة بعينها جرى فيما بينه وبين الله تعالى ولو قال لا اشتري جارية وعنى مولدة أو عنى ومغنية أو حلف لا يشتري عبداً وعنى آبقاً فنيته باطلة لأنها تخصيص وصف لا تخصيص جنس والله أعلم.
وفي أيمان «فتاوى أهل سمرقند» : إذا قال لامرأته إن أعطيت من حنطتي أحداً فأنت طالق وعنى بها أمها صحت نيته ديانة لا قضاء. ولو قال بالفارسية: كركسي وادهي وعنى أمها خاصة لا تصح نيته أصلاً لأن إرادة الخاص من العام بالعربية لا بالفارسية. وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته: اكركس دا أراد من بدمي فنوى أمها خاصة صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى ولو قال: اكرهيح كر أدمتي لا تصح نيته لأن في الوجه الأول ذكر الركس وأنه لفظة خاصة يتناول كل واحد بإطلاقه فإذا نوى الأم فقد نوى الخاص من لفظة الخاص فتصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى، وفي الوجه الثاني ذكر هنج وأنه لفظة عام فإذا نوى الأم فقد نوى الخاص من العام ونية الخاص من العام بالفارسية غير صحيحة.
الفصل الثامن في الأيمان ما يقع على البعض وما يقع على الجماعة
قال محمد ﵀ في «الجامع» : إذا حلف الرجل فقال: طالق أو قال: عبده حر إن تزوج النساء واشترى العبد فتزوج امرأة واحدة واشترى عبداً واحداً حنث في يمينه. وكذلك إذا قال: إن كلم الرجال وكلم رجلاً واحداً حنث في يمينه. الأصل في جنس هذه
стр. 1812
المسائل أن الحكم إذا علق بجمع يتعرف بالألف واللام كما قلنا: العبد والرجال والنساء يتعلق وقوعه بأدنى ما ينطلق عليه ذلك الاسم عند عامة المشايخ إذا لم يكن ثمة معهود؛ لأنه مع الألف واللام يصير للجنس ولا يبقى للجموع، والحكم المتعلق باسم الجنس يتعين وقوعه بأدنى ما ينطلق عليه ذلك الاسم عند عامة المشايخ ﵏ إذا لم يكن ثمة معهود وهذا لأن الألف واللام إنما يدخلان في الكلام للتعريف (.......) للجمع حقيقة ولم يصر للجنس يبطل معنى التعريف من كل وجه إذ ليس للجمع معهود تعرفة ولو صار للجنس ولم يبق للجمع لا يبطل معنى الجمعية من كل وجه، فإن كان من حكم الجنس أن ينصرف إلى الأدنى وهو الواحد عند عامة المشايخ ﵏.
ومن حكم الجمع أن ينصرف إلى الثلاثة على ما يأتي بيانه لأن الواحد من الثلاثة بعضه فكان حمله على (.....) وليس فيه إبطال معنى الجمعية من كل وجه أولى من حمله على الجمع وفيه إبطال معنى التعريف من كل وجه.
وإذا ثبت أن الجمع المعرف بالألف واللام للجنس فنقول: اسم الجنس اسم ينصرف إلى المعهود إذا كان ثمة معهود؛ لأن الصرف إلى المعهود أبلغ في تحصيل ما وضع له الألف واللام، وهو التعريف فإن لم يكن به معهود ينصرف إلى كل الجنس فينصرف إليه إلا إذا تغلب فحينئذ ينصرف إلى الأدنى وعند عامة المشايخ ﵏ صرف إلى أدنى ما ينطلق عليه الاسم؛ لأن اسم الجنس كما هو حقيقة الكل فهو حقيقة للأدنى.
ألا ترى لو عدم ما وراء الأدنى من ذلك الجنس كان الأدنى كل الجنس. ألا ترى أن آدم صلوات الله عليه حين لم يكن إلا هو كل الجنس وإنما صار بعضاً بمزاحمة أمثاله لامن حيث الحقيقة، فعلم أن الاسم حقيقة لها فلأن اسم الجنس اسم فرد فإنه اسم معنى يقوم بالذات به من بين سائر الأجناس، كاسم الرجل، فإن اسم الرجل معنى قام بالذات باعتبار يقع التبيين بينه وبين سائر الأجناس وذلك المعنى واحد وأنه موجود في الواحد وفي الكل فكان اسم الجنس حقيقة للواحد وللكل باعتبار المعنى غير أنه عند الإطلاق ينصرف إلى الأدنى وهو الواحد: أما على العبارة الأولى: فلأنه مثنى، وأما على العبارة الثانية: فلأن الواحد فرد من حيث الذات والمعنى، ولكل فرد من حيث المعنى لا من حيث الذات وهذا الاسم اسم فرد فكان للفرد ذاتاً ومعنى أحق به هذا هو الكلام جمع المعرف بالألف واللام وإنما للنكرة نحو قولنا: عبيد ورجال ونساء فالحكم المعلق به يتعلق وقوعه بأدنى الجمع الصحيح هو الثلاث دون المثنى، لأن الثلاث هو الجمع الصحيح؛ لأن الجمع الصحيح ما يوجد فيه الوحدان والتثنية وأقل ذلك الثلاث.
إذا عرفنا هذه الجملة جئنا إلى تخريج قوله عبده حر إن تزوج النساء فتزوج امرأة واحدة حنث في يمينه بلا خلاف، لأن النساء جمع معرف بالألف واللام فيصير جنساً ولا
стр. 1813
معهود ههنا حتى يصرف إليه، فينصرف إلى أدنى ما ينطلق عليه هذا الاسم وهي الواحدة عند عامة المشايخ ﵏، وإنه ظاهر وكذلك على قول الباقين؛ لأنهم يقولون بصرفه إلى الأدنى عند تعذر صرفه إلى الكل، وههنا تعذر؛ لأن الإنسان إنما يمنع نفسه منعاً مؤكداً باليمين عما في وسعه مباشرته لا عما ليس في وسعه مباشرته وليس في وسعه تزوج نساء العالم بأجمعهن، ولا مكالمة رجال العالم فانصرف إلى واحد لكونه في وسعه وصار تقدير يمينه كأنه قال: لا أتزوج بواحدة من النساء، لا أكلم واحداً من الرجال.
وكذلك إذا حلف لا يكلم بني آدم فكلم واحداً منهم يحنث في يمينه لأن الإضافة للتعريف (٣٦٦ب١) كحرف اللام وكل جواب عرفته في حرف اللام فهو الجواب ههنا وفتوى في هذا إن ذكر الأبد أو لم يذكر الأبد لأن الأبد يذكر لتأكيد ما دخل تحت اليمين ههنا الواحدة فكأنه قال: إن تزوجت امرأة وهنا ذكر الأبد ولا ذكر سواء.
ولو قال: عبده حر إن تزوج نساء إن اشترى عبيداً إن كلم رجالاً لا يحنث في يمينه ما لم يفعل بأشياء ثلاثة من بينها لأن هذا جمع منكر فينصرف إلى نيته لما مر.
وإن قال: عنيت جميع نساء العالم وجميع الرجال وجميع العبيد في المسألة الأولى فتزوج امرأة واحدة وكلم رجلاً واحداً أو اشترى عبداً واحداً لا يحنث في يمينه فقد صحت هذه النية وصدقه فيها أو لم يذكر أنه مصدق في القضاء أو فيما بينه وبين ربه أو فيما وذكر محمد ﵀ هذا النوع من المسائل في «الجامع» وفي «الأصل» وذكر في بعضها أنه يصدق من غير تفصيل، فإنه ذكر فيمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان لا يلبس غزل فلان، وعنى به حقيقة وضع القدم ولبس من الغزل وذكر أنه يصدق ولم يقيد، وذكر محمد ﵀ في بعضها أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى دون القضاء، فإنه ذكر فيمن حلف لا يأكل طعاماً أو شراباً دون شراب، وذكر أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى دون القضاء، وذكر في بعضها أنه يدين فيما بينه وبين الله وفي القضاء، فإنه ذكر فيمن قال: عبدي حر يوم أدخل دار فلان، عبدي حر يوم يقدم فلان، وقال: عنيت بياض النهار يدين فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء وقال في تعليل هذه المسألة: لأنه نوى مفيد كلامه ففي هذا التعليل أنه يصدق في القضاء في مسألتنا أيضاً؛ لأنه نوى حقيقة كلامه.
وإطلاق محمد ﵀ الجواب في الكتاب يدل عليه وكان الفقيه أبو القاسم الصفار البلخي ﵀ يقول في هذه المسألة: إن القاضي لا يصدقه وإن نوى حقيقة كلامه إلا أن هذه حقيقة لا تثبت إلا بالنية، والقاضي لا يقف على نيته، فإذا كان فيما نوى تحقيقاً عليه فالقاضي لا يصدقه.
ألا ترى أن من قال لامرأته: أنت طالق، وقال: عنيت به الطلاق من الوثاق لا يصدقه القاضي وإن نوى حقيقة كلامه؛ لأن هذه حقيقة لا تثبت إلا بالنية وفيه تحقيق.
وجه ما ذكر محمد ﵀: أن المنوي إذا كان حقيقة كلامه لو صدقه القاضي في نيته كان عاملاً بظاهر لفظه لأن ما نوى يدل عليه لفظه حقيقة والقاضي يقف على ظاهر
стр. 1814
لفظه بخلاف مسألة الطلاق لأن ثمة نوى المجاز من كلامه؛ لأن الحقيقة في إزالة قيد الوثاق أطلقه إطلاقاً أنا في إزالة قيد النكاح طلق يطلق تطليقاً وطلاقاً، فإذا قال: عنيت الطلاق عن قيد الوثاق، فكأنه عنى يطلق أطلق وأنه مجاز، وفي نية المجاز القاضي لا يصدقه إذا كان فيه تحقيقاً لأن المجاز إنما يثبت بالنية والإرادة، والقاضي لا يقف على إرادته إلا بخبره فإذا كان فيه تحقيقاً كان متهماً في خبره فلا يصدقه القاضي هذا المعنى في بيان فيما إذا نوى حقيقة كلامه فإن قال عنيت ما زاد على الثلاث في المسألة الثانية هل يصدق قضاء؟ لم يذكر محمد ﵀ هذه الفصل وعلى قياس ما ذكر في المسألة الأولى وينبغي أن يصدق لأنه نوى حقيقة كلامه لأن اسم الجمع لما زاد على الثلاث حقيقة. وعلى قول أبي القاسم الصفار ينبغي أن لا يصدق لأن هذه حقيقة لا تثبت إلا بالنية، وإن قال: عنيت الواحدة في المسألة الثانية ينبغي أن يصدقه القاضي في نيته لأن هذا اسم جمع وليس باسم عدد، فإذا نوى الواحدة فقد نوى الخصوص من اسم العام وأنه جائز لغة وشرعاً أكثر ما فيه أنه مجاز إلا أن دعوى المجاز صحيحة قضاء إذا كان فيه تغليطاً وههنا فيما نوى تغليط فجاز أن يصدقه القاضي.
وإذا قال الرجل: لعبيده أيكم حمل هذه الخشبة فهو حر فحملوها جميعاً ينظر إن كانت الخشبة حقيقة يقدر الواحد على حملها لا يعتقون حتى يحملها واحد بعد واحد وإن كانت الخشبة ثقيلة لا يقدر الواحد على حملها وأما يقدر عليها اثنان أو ثلاثة عتقوا هكذا ذكر المسألة في «الجامع» .
والوجه في ذلك: أن الخشبة اسم بجميعها وقد أضاف حملها إلى كل واحد؛ لأن كلمة أي وإن كانت تتناول واحداً منكراً من جملة ما أضيف إليها هذه الكلمة، إلا أنه وصف ذلك المنكر بصفة عامة وهي الحمل أضيف إلى جميع العبيد الذي أضيف إليهم كلمة أي فأوجبت عموم العبيد سواء كانت الخشبة حقيقة صار المنكر موصوفاً بحمل جميع الخشبة أو بحمل بعضها، فنقول: إذا كانت الخشبة حقيقة لأن العمل حقيقة اسم الخشبة ممكن بأن يجعل شرط العتق في حق كل واحد حمل جميع الخشبة أو يتأتى ذلك من كل واحد وإذا اختار حمل جميع الخشبة شرطاً في حق كل واحد فإذا حملوها حملة لم يوجد الشرط بكماله في حق كل واحد فلا يعتقون.
وهو نظير ما إذا قال لعبيده: أيكم أكل هذا الرغيف فهو حر فأكله اثنان أو أكثر من ذلك لا يعتق واحد منهم سواء كان يقدر الواحد على أكله بدفعة واحدة أو بدفعتين أو بدفعات؛ لأن أكل الرغيف من كل واحد متصور إما بدفعة واحدة أو بدفعات وصار الداخل تحت كلمة أي موصوفاً بأكل جميع الرغيف فإذا أكله اثنان أو ثلاثة لم يوجد من كل واحد أكل جميع الرغيف لا يحنث ذكر مسألة الرغيف في «الجامع» على هذا الوجه.
وذكر في «الأصل» إذا قال لنسائه: أيتكن أكلت من هذا الطعام شيئاً فهي طالق، فأكلن جميعاً طلقن ولو قال: أيتكن أكلت هذا الطعام ولم يقل من الطعام هذا فأكلن ينظر إن كان الطعام كثيراً بحيث لا يقدر الواحد على أكله طلقن، وإن كان الطعام قليلاً بحيث
стр. 1815
يقدر على أكله الواحد لا يقع الطلاق عليهن إذا أكلن فأما إذا كانت الخشبة ثقيلة لا يقدر الواحد على حملها، فالنكرة صارت موصوفة بحمل بعض الخشبة؛ لأن العمل بحقيقة اسم الخشبة متعذر؛ لأن حمل جميع الخشبة في هذه الصورة لا يتأتى من الواحد فيعمل بمجازه ويجعل شرط الحنث في حق كل واحد منهم حمل بعض الخشبة؛ لأنه ذكر الكل، وإرادة البعض بطريق المجاز جائز وصار البعض كالمصرح به كأنه قال: أيكم حمل بعض هذه الخشبة فهو حر فإذا حملوها وقد وجد من كل واحد حمل (٣٦٧أ١) البعض فعتقوا.
وهو نظير ما لو قال لعبيده: أيكم يشرب ماء هذا البحر فهو حر فشرب كل واحد منهم قطرة عتقوا؛ لأن شرب جميع ماء البحر من كل واحد غير متصور العمل بحقيقة هذا الكلام فيعمل بمجازه.
ثم إن محمداً ﵀ يقول في «الكتاب» : إذا كانت الخشبة ثقيلة يقدر على حملها اثنان فحملوها جملة عتقوا؛ لأن الشرط في هذه الصورة حمل بعض الخشبة والبعض من حيث إنه بعض لا يفصل فيه بين قدر وقدر ونقول أيضاً: إذا كانت الخشبة خفيفة يقدر الواحد على حملها إذا حملها واحد عتق وإذا حملها واحد بعد واحد عتقوا، وفيه نوع إشكال؛ لأن هذا اللفظ إن (كان خاصاً) ينبغي أنه إذا حمل الواحد وحكم بعتقه لو حملها آخر بعد ذلك أنه لا يعتق، وإن كان عاماً ينبغي أن لا يعتق واحد منهم ما لم يحملوها جميعاً واحد بعد واحد كما لو قال: إن حملهم هذه الخشبة فأنتم أحرار والجواب: هذا اللفظ خاص بصورته عام معنى فإذا حمل الواحد عتق عملاً بخصوص اللفظ صورة وإذا حمل واحد بعد واحد عتقوا عملاً بالعموم بخلاف قوله إن حملتم هذه الخشبة لأنه عام لفظاً ومعنى فما لم يحملوها لم يعتقوا أما ههنا بخلافه.
ولو قال: إن تغديت برغيفين فعبدي حر فتغدى اليوم برغيف والغد برغيف القياس: أن يحنث عملاً بإطلاق اللفظة كما في المعنيين بأن قال: إن تغديت بهذين الرغيفين وهناك: إن تغدى اليوم بإحدى الرغيفين والغد بالرغيف الآخر يحنث في يمينه وفي الاستحسان لا يحنث في يمينه بمكان العرف فإن الإنسان يستحي من بعد أن يقول ما تغديت برغيفين في عمري وإن تغدى بأرغفة كثيرة في أيام متفرقة ولا يعد كاذباً ومثل هذا الفرق لم يوجد في المعنيين فيعمل فيه بإطلاق اللفظ، فإن نوى التفرق في هذا كان كما نوى؛ لأنه نوى حقيقة كلامه وفيه تغليظ عليه.
ولو قال: إن أكلت رغيفين أو قال: إن أكلت هذين الرغيفين فعبدي حر فأكلهما معاً أو متفرقاً حنث في يمينه قياساً أو استحساناً، فعلى جواب الاستحسان يحتاج إلى الفرق بين التغدي والأكل في غير المعنيين.
والفرق: أن التقيد بالاجتماع في غير المعنيين في فصل بالعرف ولم يوجد مثل ذلك العرف في المعنيين في فعل الأكل بل العرف في فعل والأكل بخلافه فإن الإنسان لا يستحي من نفسه أن يقول ما أكلت رغيفين منذ خلقت إذا أكلهما متفرقاً يعمل بإطلاق اللفظ.
стр. 1816
وفي «الزيادات» إذا حلف الرجل لا يشتري ذهباً ولا فضة فاشترى دراهم بدنانير ودنانير بدراهم لا يحنث في يمينه وعن أبي يوسف أنه يحنث؛ لأنه ذهب وفضة حقيقة ولهذا المعنى يجري فيه الفضل وربا النساء وجه ظاهر الرواية: أنه منع نفسه عن شراء الذهب والفضة وهو لا يوجد إلا ببيع الذهب والفضة، وبائع الدراهم والدنانير لا يسمى بائع الذهب والفضة في العرف، وإنما يسمى صرفياً ولهذا يباع في سوق الصيارفة فمشتريها يكون كذلك فقد جعل عدم الحنث في «الزيادات» جواب ظاهر الرواية.
وفي «القدوري» ذكر أن عدم الحنث قول محمد ﵀ والحنث قول أبي يوسف ﵀، قال: وهو نظير ما لو حلف أن لا يشتري طعاماً فإنه ينصرف إلى الحنطة ودقيقها؛ لأن بائعها يسمى بائع الطعام فمشتريها يكون كذلك، وصار الأصل عند محمد ﵀ أن الشراء يعتبر بالبيع لأنه يتم به ويبنى عليه، لأنه قبول البيع ولا يتصور قبول البائع إلا بالبيع فيعتبر بالبيع لهذا فكل من يسمى بائعه بائعاً لذلك الشيء فمشتريه يسمى مشترياً لذلك الشيء.
وكذلك لو اشترى داراً وفي سقوفها ذهب وفضة فإنه لا يحنث في يمينه، لأن بائعه لا يسمى بائع الذهب والفضة وإنما يسمى بائع الدار فمشتريه أيضاً كذلك.
يوضحه: أن الذهب أو الفضة التي في سقف الدار تبع للدار والبيع لا يضاف إلى التبع فلا يكون هذا بيع الذهب والفضة وإنما يكون بيع الدار فكذا الشراء ولو اشترى نقرة فضة أو سبيكة ذهب أو (.....) مصنوعاً أو طوقاً مصنوعاً أو تبراً فإنه يحنث في يمينه؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى بائع الذهب والفضة فمشتريها أيضاً يكون كذلك.
ولو حلف أن لا يشتري حديداً ولا نية له فاشترى درعاً أو سيفاً أو سكيناً أو رمحاً فإنه لا يحنث في يمينه؛ لأن بائع هذه الأشياء لا يسمى حداداً وإنما يسمى بائع السلاح ولهذا يباع في سوق السلاح فمشتريه يكون كذلك وهذا قول محمد ﵀.
وعند أبي يوسف ﵀ يحنث لأنه يعتبر الحقيقة والأشياء حديد حقيقة وذكر في «الأمالي» أنه لو اشترى درعاً أو نصل سيف أو سكين يحنث؛ وهذا محمول على قول أبي يوسف أو على اختلاف العرف باختلاف البلدان عند محمد ﵀.
ولو اشترى حديداً غير مضروب أو إناء من الحديد أو كانوناً أو أقفالاً فإنه يحنث في يمينه؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى حداداً فمشتريه أيضاً كذلك قال مشايخنا ﵏: يجب أن لا يحنث في الأقفال في بلادنا؛ لأن بائع الأقفال لا يسمى بائع الحديد، وبهذا لا يباع في سوق للحدادين فلا يحنث في يمينه إلا إذا نوى ذلك كله؛ لأنه نوى حقيقة ما تكلم به وفيه تغليظة عليه فيحنث في يمينه والشيخ الإمام الأجل السرخسي حجج ما ذكر في «الكتاب» والصدر الشهيد برهان الأئمة ﵀ حجج قول أولئك المشايخ.
ولو حلف لا يشتري صفراً أو (....) أو نحاساً واشترى آنية من أواني الصفر أو
стр. 1817
النحاس أو أشبه فإنه يحنث في يمينه وهذا بلا خلاف أما عند أبي يوسف فلأنه يعتبر الحقيقة وأما عند محمد ﵀؛ لأن بائع هذه الأشياء يسمى صفاراً فمشتريها أيضاً يسمى صفاراً.
وإن اشترى فلوساً لا يحنث في يمينه وإن كانت هي صفراً حقيقة أو نحاساً أو (....) لأن بائعها لا يسمى صفاراً فكذا مشتريها أيضاً إلا إذا نوى ذلك فحينئذ يحنث في يمينه لأنه نوى حقيقة ما تكلم به وفيه تغليظ عليه وهذا قول محمد ﵀، وعند أبي يوسف يحنث بشراء الفلوس فكذلك إذا كسرت الفلوس ثم أشتراها يحنث في يمينه؛ لأن بائعها الآن يسمى بائع الصفر فمشتريها يكون كذلك.
ولو حلف لا يشتري خزاً ولا نية له فاشترى جلوداً من جلود الخز عليه خز يحنث في يمينه واعلم بأن الخز اسم لدابة في البحر على ظهرها خز فإذا اشترى جلد خز عليها خز أو اشترى ثوباً من خز فإنه يحنث في يمينه وإن لم يكن ذلك خزاً خالصاً لأن بائع هذه الأشياء يسمى خزازاً فمشتريها يكون كذلك أيضاً ولو حلف (٣٦٧ب١) لا يشتري قطناً وكتاناً فاشترى ثوباً من قطن أو من كتان لا يحنث في يمينه لأن بائعهما لا يسمى بائع الكتان والقطن في عرفهم وإنما يسمى كتانياً فمشتريها يكون كذلك أيضاً ولو اشترى غير المعمول من الكتان يحنث في يمينه لأن بائعه يسمى بائع الكتان فمشتريه يكون كذلك أيضاً.
ولو حلف لا يشتري طيناً فاشترى لبناً، أو داراً مبنية بطين فإنه لا يحنث في يمينه، لأن بائعه لا يسمى بائع الطين وإنما يسمى بائع اللبن والدار، فمشتريه كذلك أيضاً ولو حلف لا يشتري لبناً فاشترى شاة في ضرعها لبن، أو حلف لا يشتري صوفاً فاشترى شاة على ظهرها صوف لا يحنث في يمينه؛ لأن بائعها لا يسمى حلاباً ولا يسمى بائع اللبن والصوف وكيف سمي بهذا الاسم وأنه لو باع الصوف على ظهر الشاة أو باع اللبن في ضرع الشاة فإنه لا يجوز العقد فمشتريه كذلك أيضاً.
وكذلك لو اشترى شاة على ظهرها صوف بصوف منفصل أكثر مما على ظهر الشاة لا يحنث في يمينه، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه يحنث في يمينه؛ لأن الصوف ههنا صار مقصوداً بالبيع ولهذا شرط الاعتبار ههنا وهو: أن يكون الصوف المنفصل أكثر من الصوف الذي على ظهر الشاة لجواز هذا البيع.
وجه ظاهر الرواية: أن الصوف ههنا غيره مقصود بالبيع وبهذا وباع الصوف على ظهر الشاة فإنه لا يجوز إلا أنه إنما يشترط الاعتبار باعتبار صورة المعاملة فإن الشبهة ملحقة بالحقيقة في باب الربا، وهذا المعنى معدوم في باب الحنث فلا يحنث في يمينه.
ولو حلف لا يشتري رطباً فاشترى كناسة يبس فيها شيء من الرطب فإنه لا يحنث في يمينه لأن بائعها لا يسمى بائع الرطب وإنما يسمى بائع يبس فمشتريها أيضاً كذلك لا يسمى مشتري الرطب.
стр. 1818
ونظير هذا ما إذا حلف لا يشتري شعيراً فاشترى حنطة فيها حبات شعير لا يحنث في يمينه لما ذكرنا ولو كان عقد اليمين على الأكل يحنث في يمينه لأن الأكل يتناول كل واحد منهم مقصوداً فيصير متناولاً للرطب كما يصير متناولاً لليبس مقصوداً، أما البيع فإنه يتناول الجملة وباعتبار النظر إلى الجملة لا يسمى بائعها بائع الرطب فمشتريها يكون كذلك أيضاً.
ولو حلف لا يشتري قصباً فاشترى بواري من قصب لا يحنث في يمينه لأن بائعه لا يسمى بائع القصب وإنما يسمى حصيرياً فمشتريه كذلك أيضاً، ولو حلف لا يشتري شعراً فاشترى نسجاً أو جوالق من شعر لا يحنث في يمينه لأن بائعه يسمى جوالقياً ولا يسمى بائع الشعر فكذا مشتريه أيضاً، ولو كان عقد يمينه على المس حنث في ذلك لأن المس يتم به وحده وقد وجد مس ما يتناوله الاسم حقيقة لأن فيما يتم به وبغيره وهو البيع والشراء تركت هذه الحقيقة لوجود العرف بخلافه أما فيما يتم به وحده وهو المس لم يوجد العرف فيحب العمل بالحقيقة فيحنث في الفصول كلها إلا في القطن والكتان فإنه لو مس المعمول فإنه لا يحنث في يمينه لأنه بالصيغة التي خلت مما صار به شيئاً آخر وبهذا لا يتصور عودهما إلى الحالة الأولى بالنقض، أما ما عداهما من هذه الأشياء يتصور عودهما كل واحد منهم إلى الحالة الأولى بالنقض فيحنث في يمينه ولأن المسمى يتناول جزءاً واحداً وذلك الجزء يسمى اسم الذي عقد يمينه عليه، أما البيع والشراء يتناول الجملة والجملة غير مسمى باسم الذي عقد يمينه عليه ولهذا لا يحنث في يمينه والله أعلم
d
في الشروط التي تحمل على معناها دون اللفظ التي يعتبر فيها اللفظ
امرأة إذا حملت إلى بيت زوجها وقراً من حطب أو حساء اللحم فقال الزوج، الزمن إراقة ده نواد أنه تخوزم فأنت طالق ثلاثاً فأكل شيئاً من ذلك اللحم تطلق المرأة وإن لم يأكل دانه أزاورده ولم يتقيد اليمين باللفظ واعتبر الغرض.
والأصل في جنس هذه المسائل: اعتبار اللفظ ما أمكن وعند اعتبار اللفظ يعتبر الغرض والمقصود الدليل عليه.
ذكر في «فتاوى الفضلي» ﵀ إذا قال لامرأته: أكركس أدنى خانة سدي أدين ديدان يرسي برون تردير إطلاق فاخرج من ذلك شيئا غير ما سمى لا تطلق المرأة، وكذلك إذا قال لامرأته: أكرترايبكي تي خيري خرم بر إطلاق فاشترى لها شيئاً بالدراهم لا يحنث، واعتبر اللفظ ممكن بينهما فإن الشراء بعلة واحد ممكن وكذلك واخراج ريدان أرين ممكن وكذلك ذكر في باب الخروج من أيمان «الأصل» إذا حلف لا تخرج امرأته من باب هذا الدار فخرجت من غير الباب لا يحنث وكذلك إذا حلف على باب بعينه
стр. 1819
فخرجت من باب آخر لا يحنث، وغرض الحالف المنع عن الخروج وعن الدار وذلك لا يتفاوت واعتبر اللفظ لأن اعتبار اللفظ ممكن وفيما إذا قال أكرد أنه أرااورده بو تخوزم إنما اعتبر الغرض ولم يعتبر اللفظ؛ لأن اعتبار اللفظ غير ممكن لأن اللحم لا يكون له دانة فاعتبر الغرض والمقصود وغرضه المبالغة في امتناعه عن تناول ما أوردته وحملته قليلاً كان أو كثيراً.
وإذا قال: كفلت أحداً بدرهم عدلي أو قال بنصف درهم عدلي فكذا يكفل رجلاً بعشرة دراهم عن طريقته لا يحنث ولم يعتبر الغرض لأن اعتبار اللفظ ممكن وفيما صار اللفظ مجازاً عن غيره لا يعتبر اللفظ. بحقيقته وينصرف إلى المجاز كما وضع القدم في الدار وكما وضع اليد على الدوك إلا إذا وجد دليل يدل على عدم إرادته المجاز فحينئذ تعتبر الحقيقة. ألا ترى إلى ما ذكر في طلاق «الفتاوى» إذا قال الرجل لامرأته: إن ارتقيت هذا السلم أو وضعت رجلك عليه فأنت كذا فوضعت رجلها عليه ولم ترتق فإنه لا يقع الحنث، وإن صار وضع الرجل على السلم مجازاً عن الارتقاء عرفاً ولم ينصرف إلى المجاز لأنه دليل على عدم إرادته المجاز وهو عطف الوضع على الارتقاء؛ لأن المعطوف غير المعطوف عليه فعملنا بدلالة العطف أن الزوج لم يرد به المجاز وإنما أراد به الحقيقة ولو قال: أكر حسم من برزن افتريا فلان كاريكند فكذا وكلم معها ونام في الليل بحيث لم يقع بصره عليها لا تطلق؛ لأن اعتبار اللفظ ممكن ههنا وهذا اللفظ لم يصر مجازاً عن التكلم والنوم معها.
وإذا قال لامرأته: إن لم أبعث نفقتك من كوهته إلى عشرة أيام فكذا فبعث النفقة قبل مضي عشرة أيام (٣٦٨أ١) ولكن من موضع آخر حنث في يمينه لم يعتبر الغرض وهو وصول النفقة إليها لأن اعتبار اللفظ ممكن.
قال في «القدوري» : إذا حلف الرجل ليضربن امرأته حتى يقتلها أو ترفع ميتة فهذا على أشد الضرب.
وفيه أيضاً: عن أبي يوسف ﵀ إذا قال لامرأته إن لم أضربك حتى أتركك لا حياً وميتاً فهذا على الضرب الوجيع.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا قال لامرأته: إن لم أضرب اليوم ولدك على الأرض حتى ينشق نصفين فأنت طالق ثلاثاً، فضربه على الأرض ولم ينشق طلقت امرأته لانعدام شرطه البر وأنه يخالف رواية القدوري في قوله حتى يقتلها أو ترفع ميتة. وفي «البقالي» عن محمد ﵀ إذا قال: لأقتلنك يريد أن يوجعه ضرباً صح وهذا قياس قول أبي حنيفة ﵀ وفي «المنتقى» إذا قال لها: والله لأضربنك بالسياط حتى أقتلك فهذا على الضرب الوجيع ولو قال: لأضربنك بالسيف ضربة حتى تموت فهذا على الموت عرف مراده لقران السيف بالضرب.
ولو حلف ليضربنها حتى يغش عليها أو تبول أو حتى تبكي أو تستغيث فهو على ما قال وعن محمد ﵀ وفي قوله حتى تبول ونحوه أنه وقف ولو حلف ليقتلن فلاناً ألف مرة وقال عنيت به أن آتي على نفسه بالقتل وفي القضاء:
стр. 1820
ولو حلف أنه سمع فلاناً طلق امرأته ألف مرة وقد سمعه طلقها ثلاثاً دين فيما بينه وبين الله لأن حكم الثلاث وحكم الألف واحد، وكذلك لو حلف أنه لقي فلاناً ألف مرة وقد لقيه مرات وأراد كثرة اللقاء دون العدد وبه حلف على امرأته أنها قبلته البارحة ألف مرة ذكر في «مجموع النوازل» أن هذا على المبالغة عرفاً فإن كانت قد قست وأصابه أذى كثير بحيث لم يمكنه الصبر حتى نام على الأرض لا يحنث في يمينه، وعن أبي يوسف فيمن قال لأدقن يد غلامي على رجله إنه على الضرب إلا أن ينوي الكسر وإذا قال دخل لأهل سكة أكر مرد امن أين لويّ تيمارى تركيستان فامرأته طالق ثلاثاً فسلط على أهل السكة عدلاً تراكاً كثيرة فقد يرمي بيمينه على هذا معد في كلام الناس وإذا قال لامرأته أكر لف بأي توبوسة يدهم أين ساعت فأنت طالق ثلاثاً فقبلت باطن كفها وقعد فيها في المكفر تطلق اعتباراً للفظه عند الإمكان.
رجل يستأجر مع أخيه وأخته وقال: أكر شمار احرار موري كينم فامرأته طالق ثلاثاً اختلف المشايخ ﵏ فيه قال بعضهم: تطلق امرأته ما عاشا لأنه متصور فلا يتحقق شرط الحنث إلا بالموت فمنهم من قال تطلق امرأته؛ لأن العجز متحقق عادة إلا إذا نوى القهر والغلبة والتضعيف عليها فتصح نيته فلا يقع الطلاق ما لم يمت الحالف والمحلوف عليها قبل أن يفعل بهما ما نوى وبه كان يفتي الصدر الشهيد ﵀.
إذا قال لامرأته أكر ترا بحوت أتدري كنم فكذا ضر بها على أنفها حتى خرح الدم ويطلع (.....) فإن كان مراده هذا القدر ولم يكن له نية فلا يحنث؛ لأن الظاهر أنه لا يراد بهذا الكمال والله (أعلم) .
الفصل التاسع في العطف على اليمين بعد السكوت
الحالف إذا ألحق باليمين المعقودة بعد سكوته شرطاً إن كان الشرط له لا يلتحق بالإجماع وإن كان الشرط عليه هل يلتحق قال محمد بن سلمة لا يلتحق، وبه أخذ الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» وقال نصر بن يحيى: يلحق وهو المروي عن أبي يوسف.
الرجل إذا عطف على يمينه بعد سكوته ما يوسع على نفسه لم يصح كالاستثناء وإن كان فيه تشديد صح وبيان الأول: إذا قال لامرأته إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فسكت سكتة ثم قال: وهذه الدار الأخرى لم تدخل الدار الثانية في اليمين فإن بدون قوله وهذه الدار الأخرى إذا دخلت الدار الأولى تطلق ومتى دخلت الدار الثانية في اليمين لا تطلق بدخول الدار الأولى وحدها وهو لا يملك تغيير اليمين.
ومثال الثاني إذا قال لها: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فسكت سكتة ثم قال
стр. 1821
وهذه لا امرأتي أخرى دخلت الثانية في اليمين وكذلك إذا قال: وإن دخلت هذه الدار الأخرى دخلت الدار الأخرى في اليمين حتى إن في المسألة الأولى لو دخلت المرأة الأولى الدار طلقتا.
وفي المسألة الثانية: لو دخلت المرأة الدار الأولى أو الدار الأخرى أيتهما دخلت طلقت على رواية أبي يوسف وهو اختيار نصر بن يحيى إذ ليس فيه تغيير اليمين فإن بدون قوله وهذه لامرأة أخرى في المسألة الأولى ولو دخلت المرأة الأولى تطلق وبعد وقوعه وهذه طلقت أيضاً، وفي المسألة الثانية بدون قوله وإن دخلت الدار الأخرى لو دخلت الدار الأولى طلقت، وبعد قوله: إن دخلت هذه الدار الأخرى لو دخلت الدار الأولى طلقت أيضاً ولو نجز فقال: هذه طالق ثم قال: وهذه بعدما سكت طلقت الثانية وكذلك العتق والله أعلم بالصواب.
الفصل العاشر في الحلف على الأقوال
هذا الفصل مشتمل على أنواع:
نوع منه في الكلام: إذا حلف لا يكلم فلاناً أبداً أو لم يقل أبداً فهذا على الأبد أي وقت كلمه حنث وإن نوى شيئاً دون شيء بأن نوى يوماً أو يومين أو ثلاثاً أو نوى بلداً أو منزلاً أو ما أشبه ذلك، لم يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى تخصيص ما ليس بملفوظ ونية التخصيص فيما ليس بملفوظ لا تصح لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يحنث حتى يكلم بكلام مستأنف بعد اليمين منقطع عنها، وإن كان موصولاً لم يحنث نحو أن يقول إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي أو فقومي هكذا ذكر القدوري؛ لأن هذا من تمام الكلام الأول فلا يكون مقصوداً باليمين.
وكذلك إذا قال: وإن هي إلا أن يريد فهذا كلام مستأنف وفي «مجموع النوازل» إذا قال لامرأته إن كلمتك إلى سنة فأنت طالق إذهبي يا عدو الله طلقت لأنه كلمها بعد اليمين فقد ذكر المسألة على هذا التفصيل في كتاب الطلاق من هذا الكتاب. وإن كان في الحال ما يدل على التخصيص كان خاصاً نحو أن يقول: كلم محمداً هذا اليوم في كذا فقال والله لا أكلمه فهذا تخصيص اليوم (٣٦٨٠١) .
ولو حلف لا يكلم فلاناً شهراً تعتبر المدة من وقت الحلف؛ لأن الحاصل على اليمين غبطة لحق الحالف من جهة المحلوف عليه في الحال، فيمنع نفسه عن الكلام معه في الحال ولو حلف لا يتكلم ولا نية له فصلى وقرأ فيها أو سبح أو هلل، لم يحنث استحساناً لأن ما في الصلاة من القراءة والتسبيح والتهليل وإن كان كلاماً حقيقة؛ لأن كلامنا اسم لحروف منظومة بصوت مسموع وقد وجد هذا الحد في التسبيح والتهليل والقراءة إلا أنه ليس بكلام حكماً حتى لا تفسد به الصلاة فكان ما وصى في معنى الكلام
стр. 1822
فلا يدخل تحت مطلق الاسم أو نقول: إن كان هذا كلاماً حقيقة فليس بكلام عرفاً ألا ترى أن الرجل يقول ما كلمت فلاناً اليوم فإن كان قد صلى وقرأ وسبح وهلل فيها وأما إذا قرأ خارج الصلاة وسبح وهلل يحنث في يمينه عند علمائنا ﵏ وأنه يخرج على العبارة الأولى دون العبارة الثانية.
قال الفقيه أبو الليث ﵀: هذا إذا كان عقد يمينه بالعربية فأما إذا عقد يمينه بالفارسية لا يحنث بالقراءة والتسبيح والتهليل خارج الصلاة كما لا يحنث بها في الصلاة لأن العرف أهل الفارسية لا يسمون القارىء والمسبح والمهلل متكلماً.
ولو حلف لا يكلم فلاناً فسلم الحالف على قوم والمحلوف عليه فيهم حنث في يمينه لأنه لما سلم عليهم فقد كلم المحلوف عليه وكلم غيره والزيادة على شرط الحنث لا تمنع وقوع الحنث قال: إلا أن لا يفصل بالسلام فيصدق ديانة ولا يصدق قضاء حتى لا يحنث ديانة ويحنث قضاء عنى التخصيص من كلامه؛ لأنه خاطب الكل وإذا أراد به البعض ونية تخصيص بعض الكلام تصح ديانة لا قضاء.
وفي «مجموع النوازل» إذا سلم على قوم والمحلوف عليه فيهم فقال السلام عليكم إلا على واحد لا يحنث في يمينه، هذا إذا سلم خارج الصلاة فأما إذا سلم وهما في الصلاة يعني الحالف والمحلوف عليه في الصلاة فهذا على وجهين: إن كان الحالف إماماً والمحلوف عليه على يمينه لا يحنث في يمينه؛ لأن التسليمة الأولى كلام حصل في الصلاة لأنه بها يخرج عن الصلاة والكلام في الصلاة مما لا يقع به الحنث وإن كان الحالف على يساره فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه.
منهم من قال: يحنث لأنه تكلم معه خارج الصلاة والكلام خارج الصلاة مما يقع به الحنث ومنهم من قال: لا يحنث لأن التسليمة الثانية كلام حصل في الصلاة من وجه. ألا ترى أنه يأتي بسجود السهو بعد التسليمة الثانية، ولو كانت التسليمة الثانية بمنزلة الكلام خارج الصلاة من كل وجه ما أمكنه الإتيان بها بعد التسليمة الثانية فإذا كانت التسليمة الثانية في الصلاة من وجه لا يقع الحنث بها.
وفي «شرح القدوري» : فيما إذا كان الحالف إماماً وسلم لا يحنث من غير تفصيل وفي «فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي» فيما إذا كان الحالف إماماً أنه يحنث بالسلام إذا نواه وإن كان على يمينه وفي «الشافي» في هذه الصورة أنه يحنث إلا أن ينوي وقت مره من غير فصل بين جانب اليمين واليسار وأما إذا كان الحالف مؤتماً فالجواب عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ كالجواب في الإمام لأن سلام الإمام لا يخرج المؤتم عن الصلاة وعندهما قد ذكرنا في الإمام إذا كان هو الحالف والمؤتم على يمينه لا يحنث بلا خلاف وإن كان على يساره فعلى الخلاف فكذا في حق المؤتم، وعلى قول محمد يحنث في يمينه على كل حال لأنه صار خارجاً عن الصلاة بسلام الإمام عنده فقد تكلم مع المحلوف عليه خارج (الصلاة) فيحنث في يمينه.
ولو كتب إليه كتاباً أو أرسل إليه رسولاً لا يحنث في يمينه لأن الكلام على
стр. 1823
المشافهة.... ألا ترى أن موسى ﵇ كليم الله ولم يسم غيره من الأنبياء بهذا الاسم؛ لأن الكلام مع موسى صلوات الله عليه كان لا بواسطة ومع غيره من الأنبياء كان بواسطة وكذلك إذا أشار إليه بإشارة أو أومأ إليه لم يحنث لأن الكلام عبارة عن حروف منظومة بصوت مسموع ولم يوجد شيء منه في تلك الإشارة والإيماء. ولو حلف لا يكلم فلاناً فناداه من بعيد فإن سمع صوته لو أصغى إليه أذنه يحنث وإن لم يسمع بعارض أو كان مشغولاً بشيء أو كان أصماً وإن كان بحيث لا يسمع لو أصغى إليه أذنه لشدة البعد لا يحنث في يمينه؛ لأن تكليم فلان عبارة عن إسماع نفسه إلا أن إسماع غيره أمر باطن لا يوقف عليه فسقط اعتباره واعتبر السبب الظاهر المؤدي إليه مقامه وهو أن يكون بحيث لو أصغى إليه أذنه ولم يكن مانع سمع كلامه وقد وجد ذلك في الوجه الأول دون الثاني فأما إذا ناداه وهو نائم فأيقظه لا شك أنه يحنث في يمينه لأنه لما أيقظه فقد أسمعه وإن لم ينتبه فعنه روايتان.
وقد ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» : إذا نادى المسلم أهل الحرب بالأمان في موضع يسمعون صوته إلا أن غالب الرأي أنهم لم يسمعوا بأن كانوا نياماً أو كانوا مشغولين بالحرب فذلك أمان، فقد شرط لثبوت الأمان أن يكون النداء بالأمان من موضع يسمع منه الصوت لا حقيقة السماع وما ذكر في «السير» هو أن الصحيح في مسألة الأيمان الحنث وإن لم يوقظه.
ومن المشايخ ﵏ من قال: على قياس قول أبي حنيفة يحنث وعلى قياس قولهما لا يحنث؛ لأن أبا حنيفة يجعل النائم كالمنتبه وهما (لا) يجعلانه كالمتنبه على ما عرف في مسألة الصدر والخلوة.
ولو حلف لا يكلم فلاناً فدق فلان عليه الباب فقال من هذا أو قال من أنت حنث؛ لأنه مكلم له بالاستفهام هكذا القدوري في «شرحه» .
وفي «النوازل» : إذا دق المحلوف عليه باب الحالف فقال الحالف بالفارسية: كيست لا يحنث في يمينه ولو قال كنى بوا يحنث وبه أخذا الفقيه أبو الليث ﵀ إذا حلف لا يكلم فلانا ثم إن المحلوف عليه ناداه فقال لبيك أو قال لبي يحنث في يمينه لأنه أجابه باللفظين جميعاً فصار متكلماً معه.
وفي «القدوري» : إذا حلف لا يكلم امرأته فدخل الدار وليس فيه غيرها فقال: (.........) حنث لأنه تكلم لها بالاستفهام إذا لم يكن هناك غيرها فإن كان في الدار غيرها لم يحنث لأنه يحتمل أن يكون (٣٩٦أ١) استفهم لمن سواها ولو قال: ليت شعري من فعل كذا لا يحنث لأنه وإن لم يكن في الدار غيرها لأن هذا للمخاطب نفسه ولا يكلم امرأته وفي «مجموع النوازل» إذا حلف لا يتكلم فجاءته امرأته وهو يأكل الطعام فقال: ها حنث في يمينه فقال لامرأته اكراس سحن يا فلان بكوى فأنت طالق ثم إن
стр. 1824
المرأة اين سجن بأن فلان لفت ولكن تصارني كني أن فلان بدا نست طلقت امرأته كمن حلف لا يكلم فلاناً فكلمه بعبارة لم يعرفه فلان وهناك يلزمه الحنث كذا ههنا.
حلف لا يكلم فلاناً ثم إن المحلوف عليه أراد أن يشتم إنساناً فأراد الحالف أن يقول: لا تفعل فقال له الحالف بالفارسية بلن ودكه يمينه فلم يقل بعد ذلك شيئاً آخر. فقد قيل لا يحنث في يمينه لأن هذا القدر ليس بكلام مفهوم إلا أن الصلاة تفسد بها لأنه كلام حقيقة وإن لم يكن مفهوماً وفساد الصلاة معلق بمطلق الكلام فأما الداخل تحت اليمين كلام مفهوم. وقيل يحنث في يمينه لأنه كلام حقيقة وإن لم يكن مفهوماً والداخل تحت اليمين مطلق الكلام والدليل عليه مسألة «مجموع النوازل» التي تقدم ذكرها وحكي عن القاضي الإمام أبي سعيد البردعي ما يدل على القول الأول فإنه يقول في الباب الأول من الأيمان: الجامع في تعليل المسألة الأولى الكلام المطلق ينصرف إلى ما يفيد لا إلى ما لا يفيد قلنا وغير المفهوم لا يفيد إذا حلف لا يكلم فلاناً فمر المحلوف عليه بالحالف فقال الحالف اصنع كذا يا حافظ كان كذا لأمر قد وقع وقصد إسماع المحلوف عليه لا يحنث في يمينه.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه حلف لا يكلم عثمان فكان إذا مربه فقال يا حافظ كان كذا ويا حافظ اسمع كذا حلف لا يكلم المساكين أو الفقراء فكلم واحداً منهم يحنث في يمينه بخلاف ما إذا حلف لا يكلم مساكيناً أو فقراء فإنه لا يحنث ما لم يكلم ثلاثة منهم والكلام فيه نظير الكلام فيما إذا حلف أن لا يتزوج النساء وإذا حلف أن لا يتزوج نساء وقد مرت المسألة من قبل.
إذا حلف لا يكلم فلاناً فاقتدى الحالف بالمحلوف عليه فسبح له الحالف أو فتح عليه بالقراءة لم يحنث وعلى ما اختاره الفقيه أبو الليث ﵀ فيما إذا حلف أن لا يتكلم بالفارسية فقرأ القرآن خارج الصلاة أن لا يحنث ينبغي أنه إذا عقد اليمين بالفارسية ههنا أن لا يحنث.
إذا حلف الرجل لا يكلم فلاناً وفلاناً وكلم أحدهما لا يحنث في يمينه فهذا هو المذكور في «الأصل» وفي «القدوري» : وذكر الصدر الشهيد ﵀ هذه المسألة في باب الأول من أيمان «الواقعات» وجعلها على ثلاثة أوجه إما أن ينوي أن يحنث بكلام كل واحد منهما وفي هذا الوجه يحنث بكلام كل واحد منهما وإما أن ينوي أن لا يحنث حتى يكلمهما وفي هذا الوجه لا يحنث ما لم يكلمهما وإما إن لم تكن له نية وفي هذا الوجه اختلف المشايخ ﵏، قال ﵀ والمعتد أنه لا يحنث حتى يكلمهما أما من قال: يحنث قال: المتعارف أن لا يراد بهذا الجمع وأما من قال: لا قال: الجمع متعارف أيضاً إلا أنه دون الأول فلا تترك حقيقة اللفظ وحقيقة الجمع.
وعلى هذا إذا حلف لا يكلم هذا وهذا ولو حلف لا يكلمهما أو حلف بالفارسية ابن دوس سمن نكويم ونوى الحنث بكلام واحد منهما لا تصح نيته وإذا كلم واحداً منهما لا يحنث؛ لأن في قوله فلاناً وفلاناً هذا وهذا أمكن تصحيح نيته بإدخال حرف النفي
стр. 1825
بينهما فيصير تقدير المسألة كأنه قال: لا أكلم فلاناً ولا فلاناً وعند ذلك يحنث بكلام كل واحد منهما لأن كل واحد منهما صار منفياً يبقى على حدة وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه فيما إذا قال: لا أكلمهما فلهذا لا تصح نيته.
ولو قال: إن كلمت فلاناً وإن كلمت فلاناً فعبدي حر فكلم أحدهما لا يعتق عبده ما لم يكلمهما. ولو قال: عبدي حر إن كلمت فلاناً وإن كلمت فلاناً فكلم أحدهما عتق عبده وهذا قول محمد ﵀، وقال أبو يوسف تقديم الجزاء وتأخيره سواء، وإذا كلم أحدهما يعتق عبده في الوجهين جميعاً. وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الطلاق إلا أن هناك وضع المسألة في دخول الدارين وههنا وضعها في كلام الرجلين.
ولو قال إن كلمت فلاناً أو فلاناً وكلم أحدهما يحنث في يمينه لأن كلمة أو إذا دخلت بين الاسمين في الأيمان تناول أحدهما وقد مر هذا فيما تقدم.
قال في «الجامع» : ولو قال: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً وفلاناً فكلم الأول يحنث في يمينه، ولو كلم الثاني أو الثالث لا يحنث في يمينه ما لم يكلمهما لأنه جمع بين الثاني والثالث بحرف الجمع فتعين بما لو جمع بينهما بلفظ الجمع بأن قال: والله لا أكلم فلاناً ولا هذين وهناك كان الجواب كما قلنا.
ولو قال: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً أو فلاناً وكلم الثالث يحنث في يمينه، ولو كلم الأول والثاني لا يحنث ما لم يكلمهما وتقدير هذه المسألة: كأن قال: لا أكلم هذين ولا هذا وهناك الجواب كما قلنا، وذكر في كتاب الطلاق فيمن كان له ثلاث نسوة فقال: هذه طالق وهذه وهذه طلقت الثالثة ويخير الزوج بين الأولى والثانية وعلى قياس ما ذكر في الجامع ينبغي أن يخير الزوج الأولى والثانية.
والثالثة وذكر في كتاب الإقرار فيمن قال لفلان عليّ ألف درهم أو لفلان وفلان، فللثالث نصف الأول ويخير المقر في النصف الآخر بين أن يجعله للأول وبين أن يجعله للثاني، وعلى قياس ما ذكر في «الجامع» ينبغي أن يخير بين أن يجعل الألف للأول وبين أن يجعلها للثاني والثالث وذكر في كتاب العتاق: فيمن له ثلاثة أعبد قال: هذا حر وهذا وهذا عتق الثالث للحال، ويخير المولى بين الأول والثاني وعلى قياس ما ذكر في «الجامع» : ينبغي أن يخير المولى بين الأول وبين الثاني وبين الثالث.
قال مشايخنا ﵏ روى ابن سماعة عن محمد ﵀ في «النوادر» المدار في هذه المسائل الثلاث على قياس ما ذكر ههنا فقال لا تطلق الثالثة ولا يعتق الثالث للحال ويخير الزوج والمولى بين الإيقاع على الأول وبين الإيقاع على الثاني والثالث وقال في فصل الإقرار: يخير المقر بين أن يجعل الألف للأول وبين أن يجعلها للثاني ولثالث فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق وعلى ظاهر الرواية يحتاج.
ووجه الفرق: أن في هذه المسائل الثلاث كلمة أو دخلت بين الأول والثاني في الإثبات فيتناول أحدهما والآخر يكون خارجاً عن اليمين والثالث معطوف على الثابت لا على الخارج وصار كأنه قال للأول والثاني: أحدكما حر وهذه (٣٦٩ب١) الثالث
следующие страницы →