Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
وهذه لا امرأتي أخرى دخلت الثانية في اليمين وكذلك إذا قال: وإن دخلت هذه الدار الأخرى دخلت الدار الأخرى في اليمين حتى إن في المسألة الأولى لو دخلت المرأة الأولى الدار طلقتا.
وفي المسألة الثانية: لو دخلت المرأة الدار الأولى أو الدار الأخرى أيتهما دخلت طلقت على رواية أبي يوسف وهو اختيار نصر بن يحيى إذ ليس فيه تغيير اليمين فإن بدون قوله وهذه لامرأة أخرى في المسألة الأولى ولو دخلت المرأة الأولى تطلق وبعد وقوعه وهذه طلقت أيضاً، وفي المسألة الثانية بدون قوله وإن دخلت الدار الأخرى لو دخلت الدار الأولى طلقت، وبعد قوله: إن دخلت هذه الدار الأخرى لو دخلت الدار الأولى طلقت أيضاً ولو نجز فقال: هذه طالق ثم قال: وهذه بعدما سكت طلقت الثانية وكذلك العتق والله أعلم بالصواب.
الفصل العاشر في الحلف على الأقوال
هذا الفصل مشتمل على أنواع:
نوع منه في الكلام: إذا حلف لا يكلم فلاناً أبداً أو لم يقل أبداً فهذا على الأبد أي وقت كلمه حنث وإن نوى شيئاً دون شيء بأن نوى يوماً أو يومين أو ثلاثاً أو نوى بلداً أو منزلاً أو ما أشبه ذلك، لم يدين في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى تخصيص ما ليس بملفوظ ونية التخصيص فيما ليس بملفوظ لا تصح لا في القضاء ولا فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يحنث حتى يكلم بكلام مستأنف بعد اليمين منقطع عنها، وإن كان موصولاً لم يحنث نحو أن يقول إن كلمتك فأنت طالق فاذهبي أو فقومي هكذا ذكر القدوري؛ لأن هذا من تمام الكلام الأول فلا يكون مقصوداً باليمين.
وكذلك إذا قال: وإن هي إلا أن يريد فهذا كلام مستأنف وفي «مجموع النوازل» إذا قال لامرأته إن كلمتك إلى سنة فأنت طالق إذهبي يا عدو الله طلقت لأنه كلمها بعد اليمين فقد ذكر المسألة على هذا التفصيل في كتاب الطلاق من هذا الكتاب. وإن كان في الحال ما يدل على التخصيص كان خاصاً نحو أن يقول: كلم محمداً هذا اليوم في كذا فقال والله لا أكلمه فهذا تخصيص اليوم (٣٦٨٠١) .
ولو حلف لا يكلم فلاناً شهراً تعتبر المدة من وقت الحلف؛ لأن الحاصل على اليمين غبطة لحق الحالف من جهة المحلوف عليه في الحال، فيمنع نفسه عن الكلام معه في الحال ولو حلف لا يتكلم ولا نية له فصلى وقرأ فيها أو سبح أو هلل، لم يحنث استحساناً لأن ما في الصلاة من القراءة والتسبيح والتهليل وإن كان كلاماً حقيقة؛ لأن كلامنا اسم لحروف منظومة بصوت مسموع وقد وجد هذا الحد في التسبيح والتهليل والقراءة إلا أنه ليس بكلام حكماً حتى لا تفسد به الصلاة فكان ما وصى في معنى الكلام
стр. 1822
فلا يدخل تحت مطلق الاسم أو نقول: إن كان هذا كلاماً حقيقة فليس بكلام عرفاً ألا ترى أن الرجل يقول ما كلمت فلاناً اليوم فإن كان قد صلى وقرأ وسبح وهلل فيها وأما إذا قرأ خارج الصلاة وسبح وهلل يحنث في يمينه عند علمائنا ﵏ وأنه يخرج على العبارة الأولى دون العبارة الثانية.
قال الفقيه أبو الليث ﵀: هذا إذا كان عقد يمينه بالعربية فأما إذا عقد يمينه بالفارسية لا يحنث بالقراءة والتسبيح والتهليل خارج الصلاة كما لا يحنث بها في الصلاة لأن العرف أهل الفارسية لا يسمون القارىء والمسبح والمهلل متكلماً.
ولو حلف لا يكلم فلاناً فسلم الحالف على قوم والمحلوف عليه فيهم حنث في يمينه لأنه لما سلم عليهم فقد كلم المحلوف عليه وكلم غيره والزيادة على شرط الحنث لا تمنع وقوع الحنث قال: إلا أن لا يفصل بالسلام فيصدق ديانة ولا يصدق قضاء حتى لا يحنث ديانة ويحنث قضاء عنى التخصيص من كلامه؛ لأنه خاطب الكل وإذا أراد به البعض ونية تخصيص بعض الكلام تصح ديانة لا قضاء.
وفي «مجموع النوازل» إذا سلم على قوم والمحلوف عليه فيهم فقال السلام عليكم إلا على واحد لا يحنث في يمينه، هذا إذا سلم خارج الصلاة فأما إذا سلم وهما في الصلاة يعني الحالف والمحلوف عليه في الصلاة فهذا على وجهين: إن كان الحالف إماماً والمحلوف عليه على يمينه لا يحنث في يمينه؛ لأن التسليمة الأولى كلام حصل في الصلاة لأنه بها يخرج عن الصلاة والكلام في الصلاة مما لا يقع به الحنث وإن كان الحالف على يساره فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه.
منهم من قال: يحنث لأنه تكلم معه خارج الصلاة والكلام خارج الصلاة مما يقع به الحنث ومنهم من قال: لا يحنث لأن التسليمة الثانية كلام حصل في الصلاة من وجه. ألا ترى أنه يأتي بسجود السهو بعد التسليمة الثانية، ولو كانت التسليمة الثانية بمنزلة الكلام خارج الصلاة من كل وجه ما أمكنه الإتيان بها بعد التسليمة الثانية فإذا كانت التسليمة الثانية في الصلاة من وجه لا يقع الحنث بها.
وفي «شرح القدوري» : فيما إذا كان الحالف إماماً وسلم لا يحنث من غير تفصيل وفي «فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي» فيما إذا كان الحالف إماماً أنه يحنث بالسلام إذا نواه وإن كان على يمينه وفي «الشافي» في هذه الصورة أنه يحنث إلا أن ينوي وقت مره من غير فصل بين جانب اليمين واليسار وأما إذا كان الحالف مؤتماً فالجواب عند أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ كالجواب في الإمام لأن سلام الإمام لا يخرج المؤتم عن الصلاة وعندهما قد ذكرنا في الإمام إذا كان هو الحالف والمؤتم على يمينه لا يحنث بلا خلاف وإن كان على يساره فعلى الخلاف فكذا في حق المؤتم، وعلى قول محمد يحنث في يمينه على كل حال لأنه صار خارجاً عن الصلاة بسلام الإمام عنده فقد تكلم مع المحلوف عليه خارج (الصلاة) فيحنث في يمينه.
ولو كتب إليه كتاباً أو أرسل إليه رسولاً لا يحنث في يمينه لأن الكلام على
стр. 1823
المشافهة.... ألا ترى أن موسى ﵇ كليم الله ولم يسم غيره من الأنبياء بهذا الاسم؛ لأن الكلام مع موسى صلوات الله عليه كان لا بواسطة ومع غيره من الأنبياء كان بواسطة وكذلك إذا أشار إليه بإشارة أو أومأ إليه لم يحنث لأن الكلام عبارة عن حروف منظومة بصوت مسموع ولم يوجد شيء منه في تلك الإشارة والإيماء. ولو حلف لا يكلم فلاناً فناداه من بعيد فإن سمع صوته لو أصغى إليه أذنه يحنث وإن لم يسمع بعارض أو كان مشغولاً بشيء أو كان أصماً وإن كان بحيث لا يسمع لو أصغى إليه أذنه لشدة البعد لا يحنث في يمينه؛ لأن تكليم فلان عبارة عن إسماع نفسه إلا أن إسماع غيره أمر باطن لا يوقف عليه فسقط اعتباره واعتبر السبب الظاهر المؤدي إليه مقامه وهو أن يكون بحيث لو أصغى إليه أذنه ولم يكن مانع سمع كلامه وقد وجد ذلك في الوجه الأول دون الثاني فأما إذا ناداه وهو نائم فأيقظه لا شك أنه يحنث في يمينه لأنه لما أيقظه فقد أسمعه وإن لم ينتبه فعنه روايتان.
وقد ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» : إذا نادى المسلم أهل الحرب بالأمان في موضع يسمعون صوته إلا أن غالب الرأي أنهم لم يسمعوا بأن كانوا نياماً أو كانوا مشغولين بالحرب فذلك أمان، فقد شرط لثبوت الأمان أن يكون النداء بالأمان من موضع يسمع منه الصوت لا حقيقة السماع وما ذكر في «السير» هو أن الصحيح في مسألة الأيمان الحنث وإن لم يوقظه.
ومن المشايخ ﵏ من قال: على قياس قول أبي حنيفة يحنث وعلى قياس قولهما لا يحنث؛ لأن أبا حنيفة يجعل النائم كالمنتبه وهما (لا) يجعلانه كالمتنبه على ما عرف في مسألة الصدر والخلوة.
ولو حلف لا يكلم فلاناً فدق فلان عليه الباب فقال من هذا أو قال من أنت حنث؛ لأنه مكلم له بالاستفهام هكذا القدوري في «شرحه» .
وفي «النوازل» : إذا دق المحلوف عليه باب الحالف فقال الحالف بالفارسية: كيست لا يحنث في يمينه ولو قال كنى بوا يحنث وبه أخذا الفقيه أبو الليث ﵀ إذا حلف لا يكلم فلانا ثم إن المحلوف عليه ناداه فقال لبيك أو قال لبي يحنث في يمينه لأنه أجابه باللفظين جميعاً فصار متكلماً معه.
وفي «القدوري» : إذا حلف لا يكلم امرأته فدخل الدار وليس فيه غيرها فقال: (.........) حنث لأنه تكلم لها بالاستفهام إذا لم يكن هناك غيرها فإن كان في الدار غيرها لم يحنث لأنه يحتمل أن يكون (٣٩٦أ١) استفهم لمن سواها ولو قال: ليت شعري من فعل كذا لا يحنث لأنه وإن لم يكن في الدار غيرها لأن هذا للمخاطب نفسه ولا يكلم امرأته وفي «مجموع النوازل» إذا حلف لا يتكلم فجاءته امرأته وهو يأكل الطعام فقال: ها حنث في يمينه فقال لامرأته اكراس سحن يا فلان بكوى فأنت طالق ثم إن
стр. 1824
المرأة اين سجن بأن فلان لفت ولكن تصارني كني أن فلان بدا نست طلقت امرأته كمن حلف لا يكلم فلاناً فكلمه بعبارة لم يعرفه فلان وهناك يلزمه الحنث كذا ههنا.
حلف لا يكلم فلاناً ثم إن المحلوف عليه أراد أن يشتم إنساناً فأراد الحالف أن يقول: لا تفعل فقال له الحالف بالفارسية بلن ودكه يمينه فلم يقل بعد ذلك شيئاً آخر. فقد قيل لا يحنث في يمينه لأن هذا القدر ليس بكلام مفهوم إلا أن الصلاة تفسد بها لأنه كلام حقيقة وإن لم يكن مفهوماً وفساد الصلاة معلق بمطلق الكلام فأما الداخل تحت اليمين كلام مفهوم. وقيل يحنث في يمينه لأنه كلام حقيقة وإن لم يكن مفهوماً والداخل تحت اليمين مطلق الكلام والدليل عليه مسألة «مجموع النوازل» التي تقدم ذكرها وحكي عن القاضي الإمام أبي سعيد البردعي ما يدل على القول الأول فإنه يقول في الباب الأول من الأيمان: الجامع في تعليل المسألة الأولى الكلام المطلق ينصرف إلى ما يفيد لا إلى ما لا يفيد قلنا وغير المفهوم لا يفيد إذا حلف لا يكلم فلاناً فمر المحلوف عليه بالحالف فقال الحالف اصنع كذا يا حافظ كان كذا لأمر قد وقع وقصد إسماع المحلوف عليه لا يحنث في يمينه.
وروي عن عبد الرحمن بن عوف أنه حلف لا يكلم عثمان فكان إذا مربه فقال يا حافظ كان كذا ويا حافظ اسمع كذا حلف لا يكلم المساكين أو الفقراء فكلم واحداً منهم يحنث في يمينه بخلاف ما إذا حلف لا يكلم مساكيناً أو فقراء فإنه لا يحنث ما لم يكلم ثلاثة منهم والكلام فيه نظير الكلام فيما إذا حلف أن لا يتزوج النساء وإذا حلف أن لا يتزوج نساء وقد مرت المسألة من قبل.
إذا حلف لا يكلم فلاناً فاقتدى الحالف بالمحلوف عليه فسبح له الحالف أو فتح عليه بالقراءة لم يحنث وعلى ما اختاره الفقيه أبو الليث ﵀ فيما إذا حلف أن لا يتكلم بالفارسية فقرأ القرآن خارج الصلاة أن لا يحنث ينبغي أنه إذا عقد اليمين بالفارسية ههنا أن لا يحنث.
إذا حلف الرجل لا يكلم فلاناً وفلاناً وكلم أحدهما لا يحنث في يمينه فهذا هو المذكور في «الأصل» وفي «القدوري» : وذكر الصدر الشهيد ﵀ هذه المسألة في باب الأول من أيمان «الواقعات» وجعلها على ثلاثة أوجه إما أن ينوي أن يحنث بكلام كل واحد منهما وفي هذا الوجه يحنث بكلام كل واحد منهما وإما أن ينوي أن لا يحنث حتى يكلمهما وفي هذا الوجه لا يحنث ما لم يكلمهما وإما إن لم تكن له نية وفي هذا الوجه اختلف المشايخ ﵏، قال ﵀ والمعتد أنه لا يحنث حتى يكلمهما أما من قال: يحنث قال: المتعارف أن لا يراد بهذا الجمع وأما من قال: لا قال: الجمع متعارف أيضاً إلا أنه دون الأول فلا تترك حقيقة اللفظ وحقيقة الجمع.
وعلى هذا إذا حلف لا يكلم هذا وهذا ولو حلف لا يكلمهما أو حلف بالفارسية ابن دوس سمن نكويم ونوى الحنث بكلام واحد منهما لا تصح نيته وإذا كلم واحداً منهما لا يحنث؛ لأن في قوله فلاناً وفلاناً هذا وهذا أمكن تصحيح نيته بإدخال حرف النفي
стр. 1825
بينهما فيصير تقدير المسألة كأنه قال: لا أكلم فلاناً ولا فلاناً وعند ذلك يحنث بكلام كل واحد منهما لأن كل واحد منهما صار منفياً يبقى على حدة وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه فيما إذا قال: لا أكلمهما فلهذا لا تصح نيته.
ولو قال: إن كلمت فلاناً وإن كلمت فلاناً فعبدي حر فكلم أحدهما لا يعتق عبده ما لم يكلمهما. ولو قال: عبدي حر إن كلمت فلاناً وإن كلمت فلاناً فكلم أحدهما عتق عبده وهذا قول محمد ﵀، وقال أبو يوسف تقديم الجزاء وتأخيره سواء، وإذا كلم أحدهما يعتق عبده في الوجهين جميعاً. وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الطلاق إلا أن هناك وضع المسألة في دخول الدارين وههنا وضعها في كلام الرجلين.
ولو قال إن كلمت فلاناً أو فلاناً وكلم أحدهما يحنث في يمينه لأن كلمة أو إذا دخلت بين الاسمين في الأيمان تناول أحدهما وقد مر هذا فيما تقدم.
قال في «الجامع» : ولو قال: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً وفلاناً فكلم الأول يحنث في يمينه، ولو كلم الثاني أو الثالث لا يحنث في يمينه ما لم يكلمهما لأنه جمع بين الثاني والثالث بحرف الجمع فتعين بما لو جمع بينهما بلفظ الجمع بأن قال: والله لا أكلم فلاناً ولا هذين وهناك كان الجواب كما قلنا.
ولو قال: والله لا أكلم فلاناً أو فلاناً أو فلاناً وكلم الثالث يحنث في يمينه، ولو كلم الأول والثاني لا يحنث ما لم يكلمهما وتقدير هذه المسألة: كأن قال: لا أكلم هذين ولا هذا وهناك الجواب كما قلنا، وذكر في كتاب الطلاق فيمن كان له ثلاث نسوة فقال: هذه طالق وهذه وهذه طلقت الثالثة ويخير الزوج بين الأولى والثانية وعلى قياس ما ذكر في الجامع ينبغي أن يخير الزوج الأولى والثانية.
والثالثة وذكر في كتاب الإقرار فيمن قال لفلان عليّ ألف درهم أو لفلان وفلان، فللثالث نصف الأول ويخير المقر في النصف الآخر بين أن يجعله للأول وبين أن يجعله للثاني، وعلى قياس ما ذكر في «الجامع» ينبغي أن يخير بين أن يجعل الألف للأول وبين أن يجعلها للثاني والثالث وذكر في كتاب العتاق: فيمن له ثلاثة أعبد قال: هذا حر وهذا وهذا عتق الثالث للحال، ويخير المولى بين الأول والثاني وعلى قياس ما ذكر في «الجامع» : ينبغي أن يخير المولى بين الأول وبين الثاني وبين الثالث.
قال مشايخنا ﵏ روى ابن سماعة عن محمد ﵀ في «النوادر» المدار في هذه المسائل الثلاث على قياس ما ذكر ههنا فقال لا تطلق الثالثة ولا يعتق الثالث للحال ويخير الزوج والمولى بين الإيقاع على الأول وبين الإيقاع على الثاني والثالث وقال في فصل الإقرار: يخير المقر بين أن يجعل الألف للأول وبين أن يجعلها للثاني ولثالث فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق وعلى ظاهر الرواية يحتاج.
ووجه الفرق: أن في هذه المسائل الثلاث كلمة أو دخلت بين الأول والثاني في الإثبات فيتناول أحدهما والآخر يكون خارجاً عن اليمين والثالث معطوف على الثابت لا على الخارج وصار كأنه قال للأول والثاني: أحدكما حر وهذه (٣٦٩ب١) الثالث
стр. 1826
أحداكما طالق وهذه للثالثة ولو نص على هذا ثبت الحكم في حق الثالث للحال فههنا كذلك أما في مسألة الجامع كلمة أو دخلت بين الأول والثاني في النفي فصارت معنى ولا وصار تقدير كلامه لا أكلم فلاناً ولا فلاناً فيتناول الأول والثاني وثبت فيهما حكم النفي والثالث معطوف على أحدهما، وكل واحد منهما ثابت ويستقيم العطف على كل واحد منهما، غير أن العطف على الثاني أولى لأنه متصل بالثاني وصار تقدير المسألة كأنه قال: لا أكلم فلاناً ولا هذين.
إذا قال لآخر والله لا أكلمك اليوم ولا غداً ولا بعد غد فله أن يكلمه في الليلتين المتخللتين لأن هذه ثلاثة أيمان كل يمين معقودة على يوم واحد كأنه قال والله لا أكلمك اليوم والله لا أكلمك اليوم وغداً وبعد غد لأن ذاك يمين واحد عقدت على ثلاثة أيام كأنه قال: والله لا أكلمك ثلاثة أيام والأيام باسم الجمع مستتبع ما بإزائها من الليالي فدخلت الليلتان المتخللتان في اليمين كما دخلت الأيام فيها. وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه لا تدخل الليلتان في اليمين في هذه الصورة أيضاً؛ لأن اليمين عقدت على بياض النهار ولا ضرورة إلى إدخال الليل فيها.
ولو قال: والله لا أكلمك يوماً ويوماً فهذا وما لو قال لا أكلمك يومين سواء فتدخل فيه الليلة المتخللة ولو قال: لا أكلمك يوماً ويومين تقديره لا أكلمك ثلاثة أيام فتنقضي اليمين بمضي اليوم الثالث.
ولو قال لا أكلمك يوماً ولا يومين فهذه على يومين إن كلمه في اليوم الثالث لم يحنث في رواية «الجامع الكبير» ، والرواية في باب الدور، وذكر القدوري عن أبي يوسف ﵀ أن هذا بمنزلة قوله لا أكلمك ثلاثة أيام حتى لو كلمه في اليوم الثالث يحنث في يمينه على قول أبي يوسف ﵀ فأبو يوسف سوى بين قوله: لا أكلمك يوماً ويومين، وبين قوله: لا أكلمك يوماً ولا يومين من حيث إنه في الصورة جميعاً عطف اليومين على اليوم والمعطوف غير المعطوف (عليه) ، وعلى هذا رواية «الجامع» .
فرق بين الصورتين، والفرق أن في الصورة الثانية نفا المسألة الثانية بنفي على حده فحنث. قال: ولا يومين ولا يحتاج في صحة الكلام الثاني إلى عطفه على الأول بل يجعل قائماً بنفسه في حكم النفي، كأنه أفرد اليمين على كل واحد من اليومين، فقال والله لا أكلم فلاناً يوماً والله لا أكلم فلاناً يومين ألا ترى أن من قال والله لا أكلم زيداً ولا عمراً تقديره: والله لا أكلم زيداً، والله لا أكلم عمراً حتى لو كلم زيداً أو عمراً يحنث في يمينه، والمدة تعتبر من وقت اليمين على ما عرف، فصار اليوم الأول مشتركاً محسوباً من المدتين، واليوم الثاني لليمين الثانية خاصة فينتهي اليمينان بمضي اليوم الثاني، أما في الصورة الثانية ما نفا المدة الثانية بنفي على حدة فمست الضرورة إلى جعلها معطوفة على المدة الأولى ليصير نفي الكلام في المسألة الأولى نفياً له في المدة الثانية تصحيحاً للمدة الثانية، والمعطوف غير المعطوف عليه فقوله: ويومين لا يتناول اليوم الأول، وإنما يتناول يومين بعده، وكأنه قال والله لا أكلمك ثلاثة أيام فالصورة الأولى بالفارسية سحن يكويم
стр. 1827
يا فلان بك دوزود روز، والصورة الثانية بالفارسية: فسحن يكوير يا فلان في بك دوزوني جوروز. ولو قال والله لا أكلم فلاناً يوماً، والله لا أكلمه يومين والله لا أكلمه ثلاثة أيام في اليمين الأولى من حين فرغ وانعقدت على اليوم الأول ثلاثة أيمان، وانعقدت على اليوم الثاني يمينان واليوم الثالث عليه يمين واحدة.
وعن محمد ﵀ فيمن قال: لا أكلم فلاناً يوماً بين يومين ولا نية له فهذا بمنزلة قوله والله لا أكلمه يوماً لأن كل يوم بين يومين فيكون على يوم من ساعة حلف.
وإذا قال الرجل لغيره في بعض النهار: والله لا أكلمك يوماً لم يكلمه ساعة ما حلف حتى تجيء تلك الساعة من الغد، وإن كلمه في شيء من ذلك ليلاً أو نهاراً حنث في يمينه، لأن اليوم اسم لاثنى عشر ساعة من بياض النهار أو أقل أو أكثر على حسب اختلاف الفصول، فيصير كأنه نص على اثني عشر ساعة من بياض النهار، وهذا العدد إنما يتم إذا جاءت تلك الساعة من الغد وتدخل الليلة هكذا ذكر في «الجامع» : وفي «النوازل» إنما لا يدخل؛ لأن الليل لو ههنا إنما يدخل بذكر اليوم ولا وجه؛ إليه لأنه ذكر اليوم مفرداً واليوم المفرد لا يستتبع ما وراءه من الليل.
وجه ما ذكر في «الجامع» أنه لو اقتصر على قوله والله لا أكلم فلاناً وقع يمينه على الأبد فيكون ذكر الوقت لإخراج ما وراءه عن اليمين، فينبغي (أن يكون) الليل داخلاً بمطلق اليمين لأبد اليوم، ولو قال ذلك ليلاً لم يكلمه حتى تغيب الشمس من يوم تلك الليلة لا يذكر اليوم. ولو قال ذلك ليلاً لم يكلمه حتى تغيب الشمس من يوم تلك الليلة لأن اليوم الكامل موجود هنا، فلا حاجة إلى إدخال شيء من اليوم الآخر. واختلف مشايخنا ﵏ أنه لو كلمه بعد اليمين قبل طلوع الفجر والصبح إنه يحنث، وإليه أشار محمد ﵀ في «الكتاب» حيث قال: لم يكلمه حتى تغيب الشمس من الغد معناه لم يكلمه بعد اليمين حتى تغيب الشمس من الغد.
وفي «المنتقى» نص عليه، فقال: إذا قال في نصف الليل والله لا أكلمك يوماً ترك كلامه من ساعته بقية الليل والغد حتى تغرب الشمس ولو قال: لا أكلمك يومين، فعليه أن لا يكلمه يومين بليلتيهما؛ لأن بذكر اليومين يدخل ما بإزائهما من الليل.
وفي «المنتقى» إذا قال في نصف النهار: والله لا أكلمك ليلتين ترك كلامه إلى تلك الساعة من بعد الغد. ولو قال: يوم أكلم فلاناً وامرأته طالق فيمينه على النهار والليل جميعاً، يريد أنه لو كلم فلاناً فامرأته طالق فيمينه على النهار والليل جميعاً يريد به أنه لو كلم فلاناً ليلاً أو نهاراً تطلق امرأته، وهذا لما عرف أن اليوم إذا ذكر مقروناً بفعل لا تختص صحته بالنهار، فجعل عبارة عن الوقت عرفاً وشرعاً إلا أن يريد به التقدير، فحينئذ جعل عبارة عن بياض النهار، وإن كان ما قرن به الفعل لا تختص صحته بالنهار كما لو حلف لا يكلم فلاناً يوماً، فإن اليوم في هذه الصورة يحمل على بياض (٣٧٠أ١) .
وإن ذكر مقروناً بالكلام، والكلام تختص صحته ببياض النهار، لأنه ذكر اليوم لتقدير الحرمة الثابتة باليمين؛ فإنه متى لم يذكر اليوم ثبتت الحرمة، على سبيل التأبيد،
стр. 1828
والتقدير لا يحصل متى صار عبارة عن الوقت، لأن الوقت بنفسه غير مقدّر. وبياض النهار مقدّر، فصار عبارة عن بياض النهار بدلالة التقدير. فأما متى لم يذكر اليوم للتقدير، فإنه يصير عبارة عن الوقت. متى ذكر مقروناً بفعل لا يختص بالنهار؛ وههنا اليوم لم يمكن للتقدير. وقد ذكر مقروناً بفعل لا تختص صحته بالنهار، فصار عبارة عن الوقت. وصار تقدير هذه اليمين وقت أفعل كذا امرأته طالق، ولو خرج بذلك تطلق امرأته، فعل ذلك الفعل ليلاً أو نهاراً، كذا ههنا.
وإن قال: عنيت بياض النهار، ففعل ذلك ليلاً لا يحنث في يمينه، ويصدق قضاء هكذا ذكر في كتاب الأيمان. وذكر في كتاب الطلاق أنه لا يصدق قضاء، فعلى رواية كتاب الطلاق جعله بادئاً للتخصيص، وعلى رواية كتاب الأيمان جعله بادئاً حقيقة كلامه، ولو قال: ليلة أفعل كذا، فهذا على سواد الليل خاصة، حتى لو فعل ذلك نهاراً لم يلزمه الحنث، لأن الليل في حقيقة اللغة عبارة عن سواد الليل، ولم يصر عبارة عن مطلق الوقت.
وفي «المنتقى» في باب الحلف على الكلام: إذا حلف لا يكلم فلاناً ثلاثين يوماً، وكان الحلف ليلاً ترك كلامه من تلك الساعة إلى أن تغيب الشمس من اليوم الثلاثين ولو حلف ليلاً لا يكلم هذا اليوم، فإنه يحنث بالكلام من تلك الليلة إلى أن تغيب الشمس في اليوم، وروي عن محمد ﵀ خلافه، ولو حلف نهاراً لا يكلّم هذه الليلة لم يدخل ما بقي من اليوم في يمينه، إنما حلفه على الليل خاصة.
وذكر هذه المسألة في «المنتقى» في موضع آخر، وذكر فيها تفصيلاً. فقال: إذا قال في أول الليل: لا أكلمك اليوم ولا نيّة له فهذا باطل ولو قال ذلك في آخر الليل، فهو على اليوم المستقبل، وكذلك إذا قال آخر النهار فهو على الليل المستقبل.
وفي «الجامع» إذا قال: والله لا أكلمك في اليوم الذي يقدم فيه فلان، فكلمه في أول يوم قدم فلان في آخر ذلك اليوم حنث في يمينه. ولو قدم فلان في أول يوم وكلمه في آخر ذلك اليوم، وقع في بعض نسخ الزعفراني أنه يحنث، وعامة المشايخ على أنه لا يحنث ولا ذكر لهذه المسألة في «الكتاب» عن محمد ﵀، والوجه في ذلك أن القدوم وإن كان في معنى الشرط من حيث إنه ملفوظ على خطر الوجود إلا أنه ليس بشرط حقيقة وصورة، لأن الحالف ما جعله شرطاً لأنه ما قرنه بحرف الشرط وما عطفه على الشرط بل جعله معرفاً بشرط الحنث وهو الكلام، وإنما يكون معرفاً للشرط إذ وجد الشرط قبله؛ لأن من شرط المعرف للشيء أن يكون ذلك الشيء سابقاً عليه، حتى يحصل التعريف بوجود نفس المعرف، ولم يوجد ذلك ههنا، فعملنا بالمعرفة، فقلنا: إذا وجد القدوم قبل الكلام لا يحنث في يمينه، وعملنا بالشرطية فقلنا: إذا وجد القدوم بعد الكلام وقع الحنث مقصوداً عليه عملاً بالمعنيين جميعاً بقدر الإمكان.
ولو قال: لا أكلم فلاناً في الشهر الذي قبل قدومه، فكلامه في أول الشهر وقدم فلان لتمام الشهر حنث في يمينه، لأن شرط الحنث كلام المحلوف عليه في شهر قبل
стр. 1829
قدوم فلان، وقد وجد فيحنث في يمينه، وإنما يحنث وتجب الكفارة بعد القدوم، لأن قدوم فلان في معنى الشرط على ما ذكرنا، وإذا كان القدوم في معنى الشرط كان كوقوع الحنث ووجوب الكفارة بعد القدوم لا محالة.
ولو قال: والله لا أكلمك شهراً قبل قدوم فلان وشهراً قبل قدوم فلان، فكلّم فلاناً بعد اليمين ثم قدم فلان بعد خمسة أيام لا يحنث في يمينه، لأن شرط الحنث وجود الكلام بعد اليمين في شهر قبل قدوم فلان لم يوجد بعد اليمين، فلم يوجد شرط الحنث، قال في «الكتاب» : ألا ترى أنه لو قال لعبده: أنت حر قبل قدوم فلان بشهر فقدم فلان بعد خمسة أيام وقت لا يعتق العبد، لأن العتق يضاف إلى شهر قبل قدوم فلان ولم يوجد بعد اليمين شهراً قبل القدوم، كذا في مسألتنا.
وإذا حلف لا يكلم فلاناً أبداً، فكلمه بعدما مات لا يحنث في يمينه؛ لأن معنى الكلام لم يوجد وإن وجد صورته؛ لأن معنى الكلام الإفهام يعني به إفهام الغرض وذلك بالإسماع، وإنه لا يتحقق بعد الموت، وهذه المسألة تدل على من حلف لا يكلم فلاناً فكلمه بعبارة لا يعرفها لا يحنث؛ لأن معنى الكلام هو إفهام الغرض ولم يوجد.
إذا حلف الرجل فقال: والله لأكلمن فلاناً أحد يومي أو قال: لأخرجن أحد يومي أو أحد اليومين أو أحد أيامي، فهذا على أقل من عشرة أيام فدخل ذلك الليلُ والنهار، حتى لو كلمه أو خرج قبل مضي العشرة ليلاً أو نهاراً أبرّ في يمينه وإن لم يكلمه أو لم يخرج حتى مضت العشرة يحنث في يمينه، ولو قال: أحد يومي هذين فهذا على يومه ذلك وعلى الغد.
سئل شمس الإسلام الأوزجندي عمن حلف لا يكلم أحداً فجاء كافر يريد الإسلام، قال:.... صفة الإسلام مسلماً ولا يكلمه ولا يحنث في يمينه.
رجل قال لامرأته: اكر غانه فلان روم وباوى سخن كويم فأنت طالق فلم يذهب إلى بيته ولكن كلمه في موضع آخر لا يحنث في يمينه، ولو قال اكريه فانه فلان بني روم وباري سخن بني مويم فأنت طالق وباقي المسألة بحالها حنث في يمينه وطلقت امرأته، هكذا حكى فتوى شمس الأئمة الحلواني وفتوى ركن الإسلام علي السغدي رحمهما الله، لأن في الوجه الأول شرط الحنث شيئان الدعاء إلى بيته والكلام معه، وقد وجد أحدهما دون الآخر فلا يقع الحنث، وفي الوجه الثاني شرط البر شيئان، أن يذهب إلى بيته وأن يكلمه وقد وجد أحدهما فانعدم شرط البر فغاب البر ومن...... بغير الحنث، وقد ذكرنا قبل هذا أن اليمين إذا عقدت على عدم الفعل في مجلس ينظر فيه إلى شرط البر، فهذا بناء على ذلك.
رجل قال لامرأته وقد كانت ذكرت إنساناً بين يديه: إن عدت على ذكر فلان فأنت طالق، فقالت: لا أعيد عليك ذكر فلان لا يحنثُ؛ لأنها ما ذكرت فلاناً إنما وضعت أنها
стр. 1830
منهية عما أمرها أن تنتهي عنه، وكذلك إذا قالت: نهيتني عن ذكر فلان فقد ذكرته فيحنث في «المنتقى» . وفيه أيضاً: إذا (قال) : لا يكلم رجلاً، فكلم رجلاً فقال عنيت غيره لا يحنث بخلاف ما إذا حلف لا يكلم الرجل.
رجل قال لامرأته: إن لم تكلميني الليلة فأنت طالق فأبت (٣٧٠ب١) المرأة الكلام وخاف الزوج وقوع الطلاق فالحيلة له أن يذكر أباها وأمها؟ وأقاربها بين يديه بسوء فيهم فيصير ذلك حاملاً لها على جوابه، وعند ذلك لا يقع الحنث ولا يقع الطلاق. إذا حلف لا يكلم امرأة فكلّم صبية، فقد حكي عن المشايخ ﵏ أنه يحنث، وهذا الجواب بخلاف الرواية، والرواية في «المنتقى» .
وفي «المنتقى» لو قال: والله لا أكلمك شهراً بعد شهر فهو بمنزلة قوله شهرين، وكذلك إذا قال: والله لا أكلمك سنة بعد سنة فهو بمنزلة قوله سنتين. ولو قال: والله لا أكلمك شهراً بعد هذا الشهر فله أن يكلمه في هذا الشهر.
وفيه: إذا قال لقومه: كلامكم علي حرام، فأيهم كلم حنث في يمينه، ولو حلف لا يكلمهم لم يحنث حتى يكلمهم جميعاً.
في «الجامع» : إذا قال الرجل لغيره: إن ابتدأتك بالكلام فعبدي حر، فالتقيا وسلم كل واحد منهما على صاحبه لم يحنث الحالف فيه، لأن شرط الحنث كلام موصوف بصفة البداية، والبداية بالسبق، والحالف إن كلمه بالسلام إلا أنه لم يسبقه، قال: ويسقط اليمين عن الحالف بهذا الكلام حتى لا يحنث أبداً بحكم هذا اليمين لوقوع الناس عن كلامه بصفة البداية؛ لأن كل كلام يوجد من الحالف بعد هذا فإنما يوجد بعد كلام المحلوف عليه، وعن هذه المسألة قلنا: إن الرجل إذا قال لامرأته: إن ابتدأتك بكلام فأنت طالق، وقالت المرأة: إن ابتدأتك بكلام فجاريتي حرة، ثم إن الزوج كلمها بعد ذلك لا يحنث في يمينه، لأن المرأة كلمته بعد يمينه فحنث. قالت: إن ابتدأتك بكلام فلا يكون الزوج متبدئاً لها بالكلام ثم تكلمه المرأة، ولا تحنث في يمينها قضاء، لأنها ما ابتدأت بالكلام، وإن كانت اليمين منهما معاً ينبغي أن يكلم كل واحد منهما صاحبه معاً، ولا يحنث واحد منهما.
وكذلك إذا قال لغيره: إن كلمتك قبل أن تكلمني فعبده حرُ فالتقيا فسلّم كل واحد منهما على صاحبه، وخرج الكلامان معاً لا يحنث في يمينه لأن شرط الحنث كلام موصوف بصفة السبق وكلام الحالف ليس بسابق.
ولو قال: إن كلمتك إلا تكلميني أو حتى تكلمني فتكلما معاً حنث في يمينه، ذكر في «الجامع» هكذا، وذكر القدوري في «شرحه» أن على قول أبي يوسف لا يحنث، وعلى قول محمد رحمه، الله: يحنث بما ذكر القدوري أن ما ذكر في «الجامع» قول محمد ﵀، قال في «القدوري» : وعلى هذا سائر الأعمال نحو: أن يحلف لا يدخل هذه الدار حتى يدخلها فلان فدخلا معاً، وكلام محمد ﵀ في المسألة ظاهر؛ لأن شرط الحنث كلام مطلق ههنا إلا أن الحالف عقد يمينه إلى غاية، وهو كلام المحلوف عليه،
стр. 1831
فقيل: كلام المحلوف عليه معه اليمين باقية وإذا كلم الحالف فقد وجد شرط الحنث حال بقاء اليمين فيحنث في يمينه.
إذا حلف الرجل فقال: إن كلمت فلاناً حتى يقدم فلان، أو قال: إلا أن يقدم فلان، أو قال: حتى يأذن لي فلان، أو قال: إلا أن يأذن لي فلان فعبدي حر، أو قال: فامرأتي طالق، وكلمه قبل القدوم أو قبل الإذن يحنث في يمينه؛ ولو كلمهُ بعد ذلك لا يحنث في يمينه لأنه جعل الإذن والقدوم غاية ليمينه؛ لأن كلمة حتى للغاية وكذلك كلمة الآن، فقد جعلَ غاية يمينهِ القدوم والإذن، وقيل: الإذن والقدوم يكون باليمين قائمة فإذا كلمهُ قبل القدوم والإذن فقد وجد شرط الحنث حال قيام اليمين فيحنث في يمينه، وإذا كلمهُ بعد القدوم والإذن فقد وجد شرط الحنث واليمين منتهية فلا يحنث، والله أعلم.
نوع آخرمن هذا الفصل في القراءة
إذا حلف لا يقرأ القرآن فقرأ القرآن في الصلاة أو خارج الصلاة يحنث في يمينهِ، وإذا (حلف) على هذا الوجه فالحيلة لهُ أن يصلي الفرائض بالجماعة ولا يحنث في يمينهِ، وإذا فاتهُ فلا حيلة في ذلك، وإذا قضاها قضاها بقراءة وحنث في يمينهِ. وفي الوتر ينبغي أن يقتدي بمن يوتر أيضاً، والمرأة إذا حلفت على ذلك تقتدي بزوجها أو بغيره من محارمها، ولو حلف لا يقرأ القرآن فنظر فيه من أوله إلى أخره لا يحنث في يمينهِ بالاتفاق، ولو حلف لا يقرأ كتاباً فنظر فيه حتى أتى إلى آخرهِ لم يحنث عند أبي يوسف، وقال محمد ﵀: يحنث، فأبو يوسف ﵀ اعتبر الحقيقة فقال: القراءة عمل اللسان وذلك في التفكر والنظر لا يوجد، ومحمد ﵀ اعتبر المقصود فقال: المقصود من قراءة الكتاب فهم ما فيه، وهذا المقصود يحصل بالتفكر والنظر بخلاف ما إذا حلف لا يقرأ القرآن فنظر فيه، لأن المقصود من قراءة القرآن الثواب، والثواب لا يحصل بمجرد التفكر. وعن محمد ﵀ أنه توقف فيه بعد ذلك.
ولو حلف لا يقرأ لفلان كتاباً فقرأه حتى أتى على المعاني التي يحتاج إليها وكأنه قرأه فيحنثُ في يمينه، هكذا روي عن محمد ﵀ إذا..... يحنث. ولو حلف لا يقرأ القرآن لا يحنث بالتسمية إلا أن ينوي التي في السورة النمل، وعن محمد ﵀ أنه يحنث إلا أن تذّكر بعد شيء أصابه ولو حلف لا يقرأ سورة من القرآن فترك حرفاً منها حنث، ولو ترك آية طويلة لم يحنث، والله أعلم.
ومما يتصل بهذا النوع
إذا حلف (لا) يتمثل شعراً فتمثل نصف البيت لا يحنث، وإن كان نصف البيت بيتاً من شعر آخر، وعن محمد في رجل فارسي حلف أن لا يقرأ سورة الحمد بالعربية فقرأها
стр. 1832
لا يحنث، ولو كان رجلاً فصيحاً حنث لأن العجمي يريد به موضوع اللغة، وذلك في المعرب، والعربي يريد به اللغة العربية والملحون بعدم العربية، وفي «المنتقى» إذا حلف لا يقرأ كتاباً فهذا على كتاب يتبين في بياض أو غير ذلك، وإن نوى كتاب الناس في القرطاس دين فيما بينه وبين الله تعالى ولم يدين في القضاء، والله أعلم بالصواب.
نوع آخرمن هذا الفصلفي البشارة والخبر والحديث وما يتصل بها
قال في «الجامع» : إذا قال الرجل لغيره إن أخبرتني أن فلاناً قدم فامرأتي طالق أو قال: فعبدي حر، فأخبره بذلك كاذباً حنث في يمينيه وعتق العبد، لأن شرط الحنث مطلق الخبر، ومطلقه يتحقق بالصدق والكذب، ألا ترى أن الناس في عرفهم وفي عاداتهم يقولون: أخبرنا فلان كاذباً، كما يقولون: أخبرنا فلان، وهذا بخلاف ما لو قال: إن أخبرتني بقدوم فلان، وأخبره بذلك كاذباً (لم) يحنث ولا يعتق عبده، لأن شرط الحنث في تلك المسألة إخبار ملصق (٣٧١أ١) بقدومه، لأن حرف الباء لغة للإلصاق، والخبر إذا كان كاذباً لا يكون ملصقاً بالقدوم، فلا يتحقق شرط الحنث. واستشهد في «الكتاب» ، فقال: ألا ترى أنه قال لغيره: إن أخبرتني أن امرأتي في الدار فكذا، فأخبره بذلك كاذباً يحنث في يمينه. ولو قال: إن أخبرتني بمكان امرأتي في الدار لا يحنث في يمينه والفرق ما أشرنا إليه.
ولو قال: إن بشرتني أن فلاناً قد قدم، إذا قال: إن بشرتني بقدوم فلان فكذا، فبشره بذلك كذباً لا يحنث في يمينه، لأن البشارة لغة اسم لخبر سار صرف، وليس عند المبشر له علمه، لأنها مأخوذة من البشرى، وهو ما يظهر في بشرة الوجه من فرح أو حزن، لكن كثر استعماله فيما يظهر في بشرة الوجه في فرح، فصار الاسم لما يظهر في بشرة الوجه من الفرح، حكم عليه الاستعمال كالحقيقة والكلام بحقيقته يقتضيه الأصل، وإنما يظهر الفرح في بشرة الوجه إذا كان الخبر صادقاً، ولا يكون المبشر له علم به.Y
ولو قال: إن علمتني أن فلاناً قد قدم، أو قال: إن أعلمتني بقدوم فلان فكذا، فأخبره بذلك كاذباً لا يحنث لأن شرط الحنث الإعلام، والإعلام إيقاع العلم المنافي للجهل للعبد، وبالخبر الكذب لا يحصل العلم، فلا يتحقق شرط الحنث.
وإن أخبره بذلك صادقاً ولكن بعدما علم الحالف إنه لا يحنث أيضاً، لأن العلم لم يحصل للحالف بهذا الخبر فلا يكون هذا الخبر إعلاماً، بخلاف ما لو قال: إن أخبرتني، فأخبره بعدما علم الحالف به، فإنه يحنث في يمينه، لأن مطلق الإخبار يتحقق وإن كان للمخبر له علم بالمخبر به. وإن عنى بقوله: أعلمني أخبرني حنث الحالف وإن كان الإخبار بعد ما حصل العلم للحالف بما أخبر له، لأنه نوى ما يحتمله كلامه، الإعلام إخبار وزيادة فيجوز إطلاق اسم الإعلام على الإخبار بطريق المجاز. فهو معنى قولنا: نوى ما يحتمله لفظه، وينبغي أن تصح نيته ديانة وقضاءً، لأن فيما نوى تغليظ عليه.
стр. 1833
ولو قال له: إن كتبت إلي أن فلان قد قدم فكذا، فكتب إليه كاذباً يحنث، لأن شرط الحنث ههنا كتابة ملصقة بالقدوم، وذلك لا يكون إلا بعد القدوم، ولو كتب إليه في هذه الصورة أن فلاناً قد قدم وقد كان فلان قدم قبل الكتابة، إلا أن الكتابة لم تعلم بذلك حنث الحالف في يمينه، لأن شرط الحنث في هذه الصورة كتابة ملصقة بالقدوم، لا علم «الكتاب» بالقدوم، وقد وجد ههنا كتابة ملصقة بالقدوم، فتحقق شرط الحنث.
قال في «الزيادات» : إذا حلف الرجل لا يظهر سِرّ فلان لفلان أبداً، فأخبر به بكتاب كتبه إليه أو بكلام أو سأله فلان أكان سرّ فلان كذا، فأشار برأسه أي نعم حنث في يمينه. لأن الإظهار عبارة عن فعل يحصل به الظهور، وقد حصل الظهور بهذه الأشياء، وكذلك لو حلف لا يفشي سر فلان إلى فلان وحلف لا يعلم فلاناً بسرّ فلان أو بمكان فلان ففعل شيئاً مما ذكرنا حنث في يمينه، لوجود شرط الحنث وهو الإفشاء، فإن الإفشاء والإعلام يحصل بهذه الأشياء.
وكذلك لو حلف ليكتمن سره أو أخفينه أو أستر به ففعل شيئاً من ذلك حنث في يمينه، لأن شرط البر الإخفاء والكتمان والستر. فكان شرط الحنث ضد ذلك، وهو الإظهار، وقد تحقق الإظهار بما فعل بتحقق شرط الحنث.
وكذلك إذا حلف لا يدُلّ على فلان ففعل شيئاً من ذلك حنث في يمينه؛ لأن الدلالة بمعنى الإظهار والإعلام. وإن عنى في هذه الوجوه كلها الإخبار بالكلام والكتابة والرسالة دون الإشارة، ذكر في «الكتاب» أنه يدين، ولم يزد على هذا ولا شك أنه يدين فيما بينه وبين الله تعالى. لأن الإظهار والإفشاء والإعلام وإن كان يحصل بالإشارة فهي بالكلام والكتابة. فإذا نوى ذلك فقد نوى ما هو أحد الوجوه من محتملات لفظه، والله تعالى مطلع على ما في ضميره.
وهل يصدق في القضاء؟ ذكر عن الحاكم أبي نصر محمد بن مهرونة أنه يصدق، وعامة المشايخ ﵏ على أنه لا يصدق.
ثم إذا حلف بهذه الأشياء وطلب الحيلة والمخرج عن ذلك، فالحيلة أن يقال: إنا نذكر أماكن وأشياء من التهمة مما ليس بمكان فلا تستره فقل: لا، فإذا تكلمنا بسره أو مكانه فاسكت، فإذا فعل ذلك واستدلوا على سره ومكانه لا يحنث في يمينه، لأن هذا ليس بإظهار ولا إفشاء ولا إعلام ولا دلالة لأن هذه لا بد لها من قول، ولم يوجد منه إلا السكوت وإنه ليس بقول ولا فعل بل هو ترك الفعل، إلا أنهم استدلوا بسكوته على مرادهم واستدلالهم بفعل منهم ولا يصلح سبباً للحنث.
وإذا حلف لا (يستحلف) فلانة فأومأ لها بخدمة فقد استخدم، والاستخدام بالإشارة متعارف خصوصاً في الملوك والأكابر، ويستوي إن خدمته فلانة أو لم تخدمه، لأن اليمين
стр. 1834
عقدت على الاستخدام، والاستخدام طلب الخدمة وقد تحقق طلب الخدمة، وإن لم تخدمه فلانة.
وإذا حلف الحر فلان السر فلاناً أو بمكاني ففعل ذلك بكتاب أو رسالة حنث في يمينه، لوجود الشرط فإن الإخبار كما يكون بالكلام يكون بالكتابة والرسالة. وكذلك لو حلف لا يبشر فلاناً بكذا، ففعل ذلك بكتاب أو رسالة يحنث في يمينه، ولو قيل له: أكان الأمر كذا؟ فلان في موضع كذا؟ فأومأ برأسه أي نعم فهذا ليس بإخبار ولا بشارة ولا يحنث في يمينه. ألا ترى أن بعد هذه الإشارة يتحرر ذلك الرجل أن يقول: ما أخبرنا فلان ولا تسرر به وإنما أشار برأسه. وإن عَبَّر بالإخبار والبشارة الإشارة بالرأس، وغير ذلك صدق ديانة وقضاء. لأنه معنى الإخبار والبشارة وفيه تغليظ وتشديد عليه فيصدق.
وإذا حلف لا يقّر لفلان بمال فقيل له: لفلان عليك كذا وكذا، فأشار برأسه أي نعم لا يحنث في يمينه، لأن الإقرار لا يتحقق (٣٧١ب١) بالإشارة؛ ولأنه إخبار عن كائن سيأتي.
وقد ذكر أن الإخبار لا يفصل بالإشارة، ألا ترى أنه لو قرىء عليه حكي إقرار وقيل أهو هكذا؟ فأشار برأسه أي نعم لا يكون إقراراً حتى لا يحل للشهود أن يشهدوا عليه بذلك المال كذا ههنا. فإن قيل أليس أن الأخرس إذا أقر بالإشارة فإنه يصح ويقضي القاضي به، ولو كان الإقرار مما لا يحصل بالإشارة ينبغي أن لا يصح. قلنا من وجهين: أحدهما: أن شرط جواز القضاء ليس هو الإقرار ولا الإشارة، وإنما الشرط علم القاضي بوجوب الحق، فالعلم حاصل بالإشارة وإن لم يكن إقراراً، أما شرط الحنث غير الإقرار، والإقرار لا يحصل بالإشارة.
والثاني: أن (في) حق الأخرس قامت الإشارة بحكم العجز مقام الإقرار، وجاء القضاء لوجود ما قام مقام الإقرار لا وجود الإقرار، فأما شرط الحنث الإقرار لا ما قام مقام الإقرار، وإن قال: عنيت أن لا أقر بالإشارة فهو كما عنى، لأنه نوى معنى الإقرار، وفيه تغليظ وتشديد عليه، وإذا حلف أن لا يتكلم بسرّ فلان لا يحنث بالكتابة والرسالة والإشارة، لأن الكلام ما يكون مشافهة ببيان يسمى متكلماً، ألا ترى أن موسى صلوات الله وسلامه عليه، كان مخصوصاً من الرسل بكلام الله تعالى مع استوائهم في الكتابة والرسالة.
ولو قيل له: أكان سر فلان كذا، أو قيل له: أفلان بمكان كذا. فقال: نعم يحنث في يمينه، لأن نعم جواب لما سبق من السؤال، والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال، فكأنه قال: نعم سر فلان كذا، فلان في مكان كذا، ولو صرح بهذا ليس إنه يحنث فكذا ههنا، والجواب في قوله: سر فلان نظير الجواب في قوله لا يتكلم سر فلان.
ولو حلف على هذه الأيمان كلها ثم خرس الحالف وصار بحيث لا يقدر على
стр. 1835
التكلم كانت يمينه على الإشارة والكتابة؛ إلا في خصلة واحدة؛ إنه إذا حلف لا يتكلم بسر فلان أو حلف لا يحدث بسرّ فلان لم يحنث بالإشارة والكتابة، وإن كانت الإشارة والكتابة بعد الخرس، وهذا لأن الخرس ينافي الكلام والحديث، ولا ينافي ما سوى ذلك من الإقرار والإخبار والبشارة على حسب ما يليق بحاله، وكل ما ذكرنا أنه يحنث بالإشارة. إذا قال: اشربوا ماء لا لزيد الذي حلفت عليه. فإن كات جواباً لشيء سئل عنه لم يصدق في القضاء، ويصدق فيما بينه وبين الله تعالى، لأن ما يقوله محتمل بأن أراد بالإشارة الابتداء، إلا أنه خلاف الظاهر؛ لأن الجواب يتقيد بالسؤال فلما كان الاحتمال يدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولما أنه خلاف الظاهر لا يصدق في القضاء، وإذا قال: لا أقول لفلان كذا، لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة في «الجامع» ، ولا في «الزيادات» .
وروي عنه في «النوادر» : أنه مثل الخبر والبشارة، حتى الحنث بالكتاب والرسالة قال: ألا ترى أنك تقول: قال الله لنا كذا. ولا تقول: كلمنا، ولو حلف لا يدعو فلاناً فدعاهُ بكتابة أو رسالة روى هشام عن أبي يوسف أنه لا يحنث، وفي ظاهر الرواية يحنث، لأن في العرف الدعاء بالرسالة والكتابة كالدعاء بالمشافهة، يقال: دعا السلطان أمير بلدة كذا إلى بابه، وإن كتب إليه كتاباً أو أرسل إليه رسولاً. والرسول صلى الله عليه وسلّمبعث داعياً للكل إلى الله تعالى، وقد دعا البعض بالمشافهة والبعض بالكتابة والرسالة، وكان داعياً في حق الكل.
وروي عن محمد ﵀ في «النوادر» : أن التبليغ بمنزلة الإخبار يحصل بالكتابة والرسول، وكذلك الذكر يحصل بالكتابة والرسول. ولو قال: أي عبد بشرني بكذا فهو حر فبشروهُ معاً عتقوا، ولو بشره واحد بعد واحد عتق الأول خاصة، ولو أرسل إليه أحدٌ منهم رسولاً فإن أضاف الرسول الخبر إلى المرسل عتق المرسل، ولو أخبره الرسول ولم يضف إلى العبد لم يعتق.
نوع آخر من هذا الفصل فيالشتم والسب وأشباهما
قال محمد ﵀ في «الجامع» : إذا قال الرجل لغيره: إن شتمتك في المسجد فعبدي حر، فشتمهُ والشاتم في المسجد والمشتوم خارج المسجد يحنث، ولو كان على العكس لا يحنث، لأن غرض الحالف من هذه اليمين صيانة نفسه عن مباشرة ما لا يحل مباشرتهُ في المسجد، وهو الفحش واللغو، وهذا المقصود إنما يحصل بما قلنا.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: رجل جرى بينه وبين والدته تشاجر، وقال الرجل لوالدتهِ: اكر مرأ تركي فامرأتي طالق وخرج من المنزل، وقالت والدتهُ مه بوتاش ومردون بو فسمع الرجل هذه المقالة طلقت امرأتهُ. قال لأن هذا....كبدل.
стр. 1836
وفيه أيضاً: إذا حلف لا يشتم أحداً. فقذف أو شتم مثنى يحنث في يمينهِ، لأنه قذف وشتم. قال لامرأتهِ: إن شتمت أمي أو ذكرت سرها فأنت طالق، فقالت له: كانت أمك..... طلقت.
وفي عتاق «فتاوى أبي الليث» ﵀، إذا قال لعبده: إن شتمتك فأنت حر، قال له: لا بارك الله فيه لا يعتق؛ لأن هذا ليس بشتم بل هذا دعاء عليه، وهكذا ذكر في أيمان «الجامع الصغير» .
فيه أيضاً: إذا قال لغيره: لا أنت ولا أهلك ولا مالك إن هذا شتم، وعلل فقال: لأن هذا لعن، واللعن شتم فيما بين الناس (٣٧٢أ١) .
وإذا حلف لا يقذف فلاناً. ثم قال له:..... في المشايخ رحمهم فيه. قال الصدر الشهيد ﵀: والمختار أنه يحنث لأن هذا قذف له في حكم العرف والعادة.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀: رجل قال لامرأته: إن لم.... أو قال: إن لم أسرك فأنت طالق ثلاثاً، فغاب عنها أشهراً لم ينفق عليها وتزوج عليها، قال لها أهلها: قد أساءك زوجك..... فقالت ما ساءني وما.... .
فالقول قول المرأة ولا يحنث، وعليه لو قال إن ضاررتك ولو قال: إن أسأتك فأنت طالق ففعل ذلك فأضر لإضررارها ... لإضرارها حنث.
امرأة كانت تمن على زوجها بشيء صنعت في حقه فقال الزوج: اكرموايتس يسرزني فامتنعت عن ذلك في وجه الزواج، ولكن كانت تركد عند غيبته مع غيره فلا حنث إذا كان مراده وكرها ذلك بين يديه هكذا حكى فتوى نجم الدين النسفي.
رجل لامرأته: بابراده دشنام ندهي مرامن يكي دشنام نذهم ترا، وحلف عليه ثم إنها شتمت زوجها عشر مرات، وهو لم يشتمها أو شتمها، ثم إن الزوج شتمها في وقت آخر، لم تشتمه في ذلك الوقت لم يحنث في يمينه، لأنه جعل ليمينه على شتمها غاية، وهو شتمها إياه عشر مرات حنث.
قال: يا توده وشنام ندهي مرا، فإذا شتمته عشر مرات فقد انتهت يمينه، فلا يحنث متى شتمها بعد ذلك، ولو قال: ميركاه كي تومرا دثنام وهي من ترايك وشنام ندهم فكذا مع أي وقت شتمها ولم تكن هي شتمته سابقاً على شتمه عشر مرات طلقت، لأن هذه الصورة ما فعل ليمينه غاية بل جعل شرط الحنث في يمينه شتمه في عموم الأوقات قبل شتمها إياه.
ولو قال: هركاه تراب صحاح سود باتو امراده شنام ندهي من ترابك وشنام ندهم فههنا لا ينتهي يمين الزوج بوجود الشتم منها مرة، وإن ذكر حرف الغاية وهو قوله بالآية، إنما ذكر الغاية بكل وقت ومع فيه إلحاح فينتهي اليمين في كل وقت وقع فيه اللجاج بوجود الشرط فيها، ويبقى اليمين على وقت آخر يقع اللجاج فيه لعموم اللفظ. هكذا حكى فتوى نجم الدين النسفي ﵀، وهذا إشارة إلى أن قوله: هركاه يقع على كل مرة وقد ذكرنا اختيار الصدر الشهيد ﵀، فيه أنه يقع على مرة واحدة، والله أعلم.
стр. 1837
الفصل الحادي عشر في الحلف على العقود
هذا الفصل مشتمل على أنواع.
نوع منه في النكاح
بعض مسائل هذا النوع قد تقدم ذكره في آخر كتابه، وبعضها تقدم ذكره في كتاب الطلاق، جملة ما لم يتقدم ذكره ثمة ما قال في «الجامع» : إذا حلف الرجل أن لا يتزوج اليوم امرأة، فتزوج امرأة نكاحاً فاسداً لم يحنث في يمينه، لأن مطلق الاسم ينصرف إلى الكامل والتام. وتمام السبب في الوكالة وكماله بإفادته الحكم المختص به المقصود منه، والحكم المقصود المختص بالنكاح الحل، والنكاح الفاسد لا يفيد الحل ما لم يكن تاماً، فلا يوجد شرط الحنث، ولأن السبب إنما ينعقد بصفة التمام إذا لم يكن في المحل ما ينافيه، وفي المحل ما ينافي النكاح من وجه، لأن النكاح نقيض المملوكية، والحرية تنافي المملوكية فلا يكون محلاً، وكان محلاً من وجه دون وجه، وإنما سقط باعتبار المنافي باعتبار الحاجة تندفع بالجائز، فلا حاجة إلى الفاسد كيف وإنّ الحاجة لا تُدْفع بالفاسد..... لأنه لا يفيد الحل، ثم هذا التعليل إشارة إلى أن النكاح الفاسد منعقد ولكن لا بصفة التمام.
وهذا فصل اختلف فيه المشايخ ﵏، قالوا بعضهم: ينعقد ولكن لا بصفة التمام، وبعضهم قال: لا ينعقد أصلاً؛ لأن في المحل ما ينافيه. وإنما سقط اعتبار المنافي لحاجة ولا حاجة إلى النكاح الفاسد، أو لا تندفع الحاجة بالنكاح الفاسد فلا يسقط اعتبار المنافي في حق النكاح الفاسد، والنكاح الفاسد لم يصادف محله فلم ينعقد أصلاً.
ومنهم من قال: ينعقد مقتضى الإقدام على الوطء ضرورة أن لا يمتنع ما للزوج ولا ضرورة في حق الحنث فلا يظهر الانعقاد في حق الحنث، هذا إذا عقد يمينه على المستقبل، ولو عقد يمينه على الماضي بأن قال: إن كنت تزوجت أمس فكذا، وكان تزوج امرأة نكاحاً فاسداً حنث، واسم النكاح مطلقاً في المستقبل ينصرف إلى الجائز دون الفاسد، وفي الماضي ينصرف إلى الجائز والفاسد جميعاً، والقياس في الماضي أن ينصرف إلى الجائز أيضاً لما ذكرنا أن مطلق الاسم ينصرف إلى الكامل والتام، لكن تركنا القياس في الماضي بحكم العرف، فإن في العرف يراد بالإخبار عن أمر ماضى الحكاية عن الموجود ولا يراد به الحكم ولا المقصود الذي شرع له.
قلنا: والصحيح والفاسد في حق صحة الحكاية عنه سواء، ومثل هذا العرف لم
стр. 1838
يوجد في المستقبل فيعمل فيه بقضية القياس، ولأن مطلق الاسم لما انصرف إلى الجائز بالدليل الذي قلنا صار الجواز كالمنصوص عليه في الماضي والمستقبل، إلا أنه لو صرّح بالجواز الماضي يحنث بالفاسد، لأن النكاح في الماضي صار عيناً بالأداء، والصفة في العتق لغو، ولو صرح في الجواز في المستقبل لا يحنث بالفاسد، لأن النكاح في المستقبل لم يصر عيناً، والصفة في غير المعين معتبرة، وإن نوى الجائز في الماضي، أو نوى الفاسد في المستقبل دين فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء.
وروى ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف ﵀ إذا قال: إن كنت تزوجت اليوم امرأة فعبدي حر، وقد كان تزوجها نكاحاً فاسداً لا يحنث في يمينه، ولو حلف لا يتزوج امرأة فتزوج امرأة بغير أمرها بأن زوجها منه فضولي لا يحنث في يمينه. فرق بين نكاح (٣٧٢با) الفضولي وبين بيع الفضولي ولا فرق بينهما من حيث الصورة، لأن نكاح الفضولي يفيد الحكم في الجملة، فإنه يفيد الحل عند إجازة المرأة، كما أن بيع الفضولي يفيد الحكم وهو الملك عند إجازة المالك، وكان كاملاً كالبيع فيتناول مطلق اسم الزواج، ومع هذا فرق بينهما فقال: في النكاح لا يحنث. وقال: في البيع يحنث.
والفرق أن نكاح الفضولي ليس بمنعقد على سبيل التمام، لأن في المحل ما ينافيه على ما مرّ فلا يكون تاماً، فلا يتناول مطلق الاسم إلا أن الشرع أسقط اعتبار المنافي في حالة مخصوصة، وهي حالة رضاها، في باب النكاح، وفيما عدا هذه الحالة لا يسقط اعتباره فلا يتم الانعقاد والتقريب ما مرّ، بخلاف بيع الفضولي؛ لأن بيع الفضولي تام؛ إذ ليس في المحل ما ينافيه.
فإن قيل: الحكم في حق الأمة نظير الحكم في حق الحرة، وليس في الأمة ما ينافي الانعقاد، قلنا: لا بل في الأمة ما ينافي الانعقاد، لأن بالرق ذهب نصف وبقي النصف، كما كان قبل الرق بقي الباقي الجواز باعتبار الحرية، وبهذا استحق القسم كما قبل الرق، فلو أن المرأة أجازت النكاح حنث في يمينه، لأن بالإجازة ينعقد العقد بصفة التمام فتم السبب، ولذلك إن أجازت في العقد يحنث في يمينه، وكان ينبغي أن لا يحنث، لأن النكاح إنما تم في العقد وشرط الحنث نكاح تام اليوم، والجواب: النكاح وإن تم في الغد إلا أن التمام صفة النكاح، والصفة تقوم بالموصوف وتستند إلى وقت النكاح ولهذا شرطت الشهادة وقت النكاح لا وقت الإجازة، وإذا استند التمام إلى وقت النكاح كان النكاح تاماً في اليوم، فلهذا حنث في يمينه.
قال في «الكتاب» : ألا ترى أن من حلف أن لا يتزوج امرأة بالكوفة، فتزوج امرأة بغير رضاها فبلغها الخبر وهي بالبصرة، فأجازت نكاحها حنث في يمينه، وإن كان تمام النكاح بالإجازة، والإجازة وجدت بالبصرة، ولكن قيل: بأن التمام مستند إلى وقت العقد، والعقد وجد بالكوفة وبهاتين المسألتين يستدل بعض مشايخنا ﵏ فيمن حلف بطلاق امرأة أتزوجها، فزوجه رجل تلك المرأة بغير أمره، وأجاز قولاً أو فعلاً إنها لا تطلق؛ لأنه عقد يمينه على التزوج، والإجازة ليست بتزوج ولا بتزويج ألا ترى أن
стр. 1839
محمداً ﵀، لم يجعل الإجازة تزويجاً في هاتين المسألتين؛ إذ لو جعلها تزويجاً كان لا يحنث، إذا أجازت في الغد وإذا أجازت بالبصرة كما لو تزوجها، وكما لو تزوجها في الغد وكما لو تزوجها بالبصرة، فعرفنا أن الإجازة ليست بتزويج ولا تزوج، فهذا فصل اختلف المشايخ فيه، وقد ذكرنا اختلاف المشايخ ﵏ في تلك المسألة أنها تطلق أجاز الزوج نكاحها قولاً أو فعلاً يصدر عن هاتين المسألتين. ويقول: بأن طريق الحنث في تلك المسألة أن الإجازة في الانتهاء كالإذن في الابتداء من حيث إن العاقد بالإجازة يصير نائباً عنه من ذلك الوقت ويعد النائب كفعل المنوب عنه فيصير متزوجاً من ذلك الوقت.
إذا ثبت هذا فنقول: المرأة بالإجازة في هاتين المسألتين صارت من وجه..... من ذلك الوقت الذي عقد الفضولي العقد عليها بفعل الفضولي، كما لو أذنت بذلك في الابتداء، فلهذا حنث في المسألتين.
وفي «المنتقى» : إذا قال الرجل: لأتزوجن بالكوفة فزوجه رجل وليته الكبيرة ببغداد وبلغها الخبر فأجازت وهي بالكوفة، فقد بر في يمينه قال: لأنه إنما صار متزوجاً يوم أجازت النكاح، وعلى هذا إذا قال: لأتزوجن يوم الجمعة، فزوجه رجل ابنته يوم الخميس وأجازت يوم الجمعة وعلى قياس المسألة المتقدمة ينبغي أن لا يبر ههنا لأن عمل الإجازة في إتمام النكاح، والتمام مستند إلى وقت المباشرة فيصير متزوجاً ببغداد ويوم الخميس فلا يبر.
وفي «العيون» : إذا حلف الرجل لأتزوجن سراً فأشهد بشاهدين فهو يبرُّ في يمينه؛ لأن النكاح لا تصور له بدون الشاهدين.
ولو أشهد ثلاثاً يحنث، لأن هذا علانية لأن النكاح يتصور بدون الثلاث فيصير علانية.
إذا حلف بالفارسية اكرزن كنم أو قال: اكرزن خواتيم أو قال: اكرزن لدام، فقوله: اكرزن كنم، وقوله اكرزن لدام، فقوله: اكرزن كنم، قوله إن تزوجت فيقع يمينه على العقد.
وقوله اكرزن لدام، فقوله: اكرزن كنم، اختلف المشايخ ﵏ فيه، بعضهم قالوا: هو على العقد وقال بعضهم هو على الفعل ... وهو الأظهر وأشبه، وإذا حلف لا أتزوج امرأة فوكل رجلاً حتى يزوجها منه، فزوجها منه حنث في يمينه.
وكذلك إذا وكل رجلاً أن يزوج له امرأة ثم حلف أن لا يتزوج فزوجه الوكيل تلك المرأة يحنث في يمينه، لأن الوكيل في باب النكاح، سفير ومفسر فتصير عبارته إلى الموكل وكأن الموكل تزوجها بعد اليمين، ولأجل هذا المعنى كانت العهدة على الموكل دون الوكيل ذكره في «الزيادات» .
стр. 1840
وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يتزوج امرأة فتزوج خنثى حنث. وفيه أيضاً إذا حلف الرجل وهو ببغداد أن لا يتزوج من نساء بغداد فبعث إلى واسطية بواسط ليتزوجها، فحضرت الواسطية بغداد وتزوجها.d
قال: إن كانت الواسطية حين دخلت بغداد وطئت بغداد ثم تزوجها الحالف يحنث، لأنها صارت من نساء بغداد وإن كانت حين دخلت بغداد. قالت: إن تزوجني فلان أقمت ببغداد وإلا انصرفت إلى واسط فهذه ليست من نساء بغداد فلا يحنث بتزوجها. قال: ألا ترى أنها تصلي صلاة المسافرين في هذه الصورة، وفي الصورة الأولى تصلي صلاة المقيمين، إذا حلف الرجل أن (٣٧٣أ١) لا يتزوج بجن فزوجه لبؤه لا يحنث، هكذا ذكر في «الفتاوى» .
وفي «القدوري» : إذا حلف لا يتزوج امرأة فصار معتوهاً فزوجه أبوه امرأة يحنث في يمينه، قال: لأن الحقوق تعود إليه فكان هو المتزوج. عبد حلف أن لا يتزوج امرأة فزوجه المولى امرأة على كره منه لا يحنث في يمينه، لأنه لم يتزوج ولو أكرهه المولى حتى تزوج بنفسه يحنث، لأنه قد تزوج.
وفي «العيون» : إذا حلف الرجل لا يتزوج من نساء أهل البصرة، فتزوج جارية قد ولدت بالبصرة ونشأت بالكوفة وأوطنت بها يحنث عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنه يعتبر الولادة، فبهذه المسألة تبين أن ما تقدم من مسألة الواسطية، إذا وطنت ببغداد قولهما، لا قول أبي حنيفة ﵀ وإذا حلف لا يزوج قروية فقد قيل: من كان خارج المصر فهو قروي، وهذا الجواب لا يستقيم فيمن سكن في المصر. ألا ترى أن من سكن ببخارى في بكستان قوط أو في رباط وليان لا يسمى قروياً. ولو ذهبت امرأة مِصرية إلى قرية فولدت ثمة ولداً فالولد قروي على قياس قول أبي حنيفة ﵀. وإن ذهبت إلى كرم وولدت ثمة ولداً فالولد لا يكون قروياً.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا حلف لا يتزوج من بنات فلان فتزوج ابنه ابنته حنث. ولو قال: من أهل بيته فتزوج ابنة ابنته يحنث، لأن البنت من..... ما ليست من أهل بيته. لأن المراد من هذا البيت بيت ابنته والبنت...... إذا قال لامرأة: إن جلست في نكاحك فامرأته طالق فتزوجها لا تطلق، لأن المفهوم من هذا الكلام، جلوسه في نكاهما مع غيره لا مع نفسه.
إذا قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق إن تزوجتك فتزوجها لا تطلق لأن المعلق بتزوجها طلاق معلّق بتزوجها فعند تزوجها يصير قائلاً لها أنت طالق إن تزوجتك، فإن طلقها ثم تزوجها ثانياً فقد تحقق الشرط، فيقع الطلاق فحينئذ يحكم اليمين. وما لا فلا، وعن أبي يوسف ﵀؛ فيمن حلف لا يزوج ابنته الصغيرة فأمر رجلاً فتزوجها فهو حانث، وكذلك لو زوجها فضولي فأجاز فهو حانث لأن حقوق العقد لا تتعلق بالعاقد فانصرفت اليمين إلى الإجازة، ويتقيد الحكم، وقد وجد عن أبي يوسف أيضاً في الرجل
стр. 1841
حلف لا يزوج عبده امرأة فتزوجها فضولي غيره، وأجاز هو أنه حنث. وعن محمد ﵀ في فصل الفضولي أنه لا يحنث على الأب، لأن الإجازة ليست بتزويج، وإذا حلف لا يزوج ابناً له كبيراً فأمر رجلاً فزوجه وأجاز الابن لا يحنث، لأنه لم يوجد منه العقد ولا الإجازة.
وعن محمد ﵀ في امرأة حلفت لا تزوج نفسها فزوجها رجل بأمرها أو بغير أمرها فأجازت حنثت. وهذه الرواية في الإجازة مخالفة للرواية المتقدمة، وكذلك البكر إذا حلفت لا تزوج نفسها فزوجها رجل بغير أمرها فبلغها الخبر فسكتت فهي حانثه. ولو حلفت البكر لا تأذن أحداً حتى يزوجها فزوجها رجل وبلغها الخبر فسكتت فلا رواية في هذا الفصل عن محمد ﵀، وأما الرواية في الرجل حلف لا يأذن لعبده في التجارة فرآه يبيع ويشتري فسكت فهو حانث. وعن أبي يوسف ﵀: أنه لا يحنث في المسألتين، لأن الإذن تصرف قولي لا يوجد إلا باللسان. وذكر في «النوادر» عن أبي يوسف ﵀: أنه لا يحنث.
إذا حلف لا يتزوج فلانة، فأمر رجلاً فزوجه يحنث. رجل تزوج امرأة وقد دخل بها ثم قال: قد كنت حلفت بطلاق كل امرأة ثيب أتزوجها، فتزوجت بهذه ولم أعلم كونها ثيباً حتى دخلت بها فوجدتها ثيباً وقع الطلاق عليه للحال، لأنه أقر بطلاقها ومالك إنشاء الطلاق فيملك إقراره به، بعد ذلك المسألة على وجهين إن صدقته المرأة فيما قال، فلها مهر ونصف المهر، نصف المهر بالطلاق قبل الدخول، ومهر آخر بالدخول بها بعدما وقع الطلاق عليها، وعليها العدة وليس لها نفقة العدة ولا السكنى ولا يجب عليها الحداد؟ وإن كذبته المرأة فيما قال فلها مهر واحد، وعليها العدة ولها نفقة العدة والسكنى، وعليها الحداد قيل: إنما يقع الطلاق في الصورة إذا صارت ثيباً بالإصابة، فأما إذا صارت ثيبتاً بالوثبة أو بالطفرة..... السلام لا يقع.
رجل قال: إن تزوجت امرأة كان لها زوج فهي طالق، وطلق امرأته بطلقة بائنة ثم تزوجها لا تطلق، لأن اليمين وقعت على غيرها ولاية، وكذلك إذا قال: إن تزوجت امرأة ثيباً، أو قال: بالفارسية اكرزن روى شحاده تطلق امرأته التي دخل بها تطليقة بائنة، ثم تزوجها لا تطلق، لأن اليمين وقعت على غيرها، لأن غرضه الامتناع عن نكاح ممسوسة الغير، وقد قيل: وقوع الطلاق في هذه الفصول كلها، فالقول الأول راجع إلى اعتبار اللفظ. وهو قول أبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀، وأصل المسألة في «الجامع» :
امرأة قالت لزوجها: إن تزوجت عليّ امرأة فهي طالق ثلاثاً. فقال الزوج: بره طلاق فتزوج تطلق، لأن كلامه خرج جواباً، والجواب يتضمن إعادة ما في السؤال فكأنه قال: إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق عشر تطليقات.
إذا حلف لا يتزوج بالزيادة على دينار فتزوج على فضة هي أكثر من دينار قيمته فلا
стр. 1842
حنث عليه، لأن الزيادة إنما تكون من جنس المزيد عليه ولم يوجد، ولو حلف ليتزوجن هذه المرأة اليوم ولها زوج فهذا على النكاح الفاسد، إذ لا يتصور العقد الصحيح فيها، اليوم فينصرف يمينه إلى النكاح الفاسد (٣٧٣ب١) حتى لو أطلق الكلام ولم يقيده باليوم فحلف ليتزوجن هذه المرأة كانت يمينه على النكاح الصحيح، لأنه إذا لم يقيد يمينه باليوم كان يمينه على الزواج في العمر، والتزوج الصحيح فيها في العمر متصور فلا ينصرف يمينه إلى النكاح الفاسد.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : إذا قال الرجل لأجنبية: إن نكحتك فأنت طالق، ينصرف يمينه إلى العقد، ولو قال ذلك لامرأته أو لجاريته ينصرف إلى الوطء، حتى لو طلق امرأته وأعتق جاريته ثم تزوجها لا يحنث في يمينه، والفرق أن النكاح للوطء حقيقة وللعقد مجازاً لهما إذ أمكن العمل بالحقيقة لا يصار إلى المجاز وفي الأجنبية العمل بالحقيقة غير ممكن فينصرف يمينه إلى المجاز، وهو نظيره لو قال: إن راجعتك فكذا كانت يمينه على العقد، ولو قال لمنكوحته: إن راجعتك فكذا. كان يمينه على المراجعة الحقيقية، حتى لو طلقها ثم راجعها يحنث في يمينه، ولو تزوجها لا يحنث لأن في الأجنبيّة العمل بحقيقة المراجعة غير ممكن فانصرف يمينه إلى المجاز، وفي المنكوحة العمل بحقيقة المراجعة ممكن فلا ضرورة إلى صرف يمينه إلى المجاز.
قال في أيمان «الجامع» : إذا قال لامرأة لا تحل له وهو يعرف ذلك: إن نكحتك فعبدي حر، وهذا على صورة النكاح، وهو النكاح اللغوي لأنه هو المتصور، ولو قال: إن تزوجت الجدار أو تزوجت الحمار فعبدي حر. لا ينعقد اليمين، لا أصلاً لأن هناك لا تصور للزوج أصلاً لا لغة ولا شرعاً، ولا يسمى ذلك تزوجاً لغةً، ولهذا لا تصح إضافة التزوج إلى الجدار والحمار لغة، والتعليق بما لا يكون نصاً للحكم، أما في المرأة التي لا يحلّ التزوج متصور لغة وبهذا صح إضافة التزوج إليه فانعقد اليمين عليه والله أعلم.
نوع آخرمن هذا الفصل في البيع والشراء
قال محمد ﵀ في «الجامع» : وإذا حلف الرجل أن لا يبيع، فباع بيعاً فاسداً يحنث في يمينه، هكذا ذكر في «ظاهر الرواية» ، وفي «النوادر» عن أبي يوسف ﵀: أنه لا يحنث، والصحيح ما ذكر في «ظاهر الرواية» ، ووجه ذلك أن البيع الفاسد بيع تام؛ إذ ليس في المحل ما ينافي انعقاده، إلا أنه ينافي حكمهُ وهو الملك، وأنه لا يدل على نقصان فيه، كالبيع بشرط الخيار، يبقى هذا القدر لا يفيده الحل لا في الحال ولا في الثاني، قلنا: نعم إلا أن الحل ليس بحكم مقصود من البيع وإنما المقصود منه والمختص به الملك، والبيع الفاسد يفيد الملك في الجملة، وكمال السبب بإفادة الحكم المختص به، والمقصود منهُ لا بإفادته الحكم الزائد، فلو حلف لا يشتري اليوم فاشترى خمراً أو خنزير يحنث في يمينهِ، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحنث، هكذا ذكر المسألة في «الجامع» .
стр. 1843
وذكر مسألة الشراء في موضع آخر، وذكر فيها القياس والاستحسان، وذكر القياس والاستحسان في مسألة الشراء، ذكر في مسألة البيع: ولو اشترى بميتةٍ أو دم لا يحنث، لأن الشراء مبادلة المال بالمال والميتة والدم ليسا بمال، وكذلك إذا حلف لا يبيع وباع بالميتة أو الدم لا يحنث لما ذكرنا، ولو حلف لا يشتري فاشترى مكاتباً أو مدبراً أو أم ولد لا يحنث في يمينهِ، وكان ينبغي أن يحنث، لأن يشتري هو لا يفيد الملك في الجملة بأن يجبر المكاتب ببيع نفسه، والقاضي يقضي بجواز بيع المدبر وأم الولد في رواية فيكون نظير البيع الفاسد، والبيع بشرط الخيار للمشتري، والبيع من الفضولي.
والجواب: السبب إنما ينعقد بصفة التمام إذا لم يكن في المحل ما ينافي الانعقاد كما في المسائل التي هو ذكرها، فإن في تلك المسائل ليس في المحل ما ينافي انعقاد البيع، لأن المحل مال متقوم من كل وجه فانعقد البيع بصفة التمام، وإن تراخى حكمهُ إلى القبض والإجازة هناك في ثبوت الحكم لا في إزالة المنافي عن السبب، وفي المكاتب والمدبر وأم الولد ما ينافي انعقاد السبب وهو الحرية من والوجه الذي يعبرُ عنها حق الحرية، فلم يكن الإنعقاد ثابتاً بصفة التمام إن سلَّمنا إن بيعهُ يجوز برضاه في إزالة المنافي عن السبب لا في إثبات الحكم وإذا وجدت الإجازة والقضاء زال المنافي عن السبب فينعقد بصفة التمام، ويقع الحنث حينئذ، أما قبل ذلك فلا يحنث، فإن قيل: أليس محمد ﵀ ذكر في كتاب البيوع إذا جمع الرجل بين مدبر وقن في البيع، والبيع ينعقد في حق القن صحيحاً، ولو لم ينعقد العقد في حق المدبر لما انعقد العقد في حق القن، لأن بيع القن حينئذ يكون بيعاً بالحصة. قلنا: نحن لا ننكر انعقاد العقد في حق هؤلاء أصلاً، وإنما ننكر انعقاده في حقهم بصفة التمام، وهذا لأن امتناع العقد في حق المدبر سببٌ منافي وهو الحرية، والحريه في حقه ثابتةٌ من وجه دون وجه فكان المنافي قائماً من وجه دون وجه فيمتنع الانعقاد من وجه دون وجه، والانعقاد من وجه في حق المدبر يكفي للانعقاد في حق القن بصفة الصحة، لأن الانعقاد في حق القن حينئذ لا يكون بالحصة، هذا إن اشترى هذه الأشياء. ولو اشترى (٣٧٤١) شيئاً بهذه الأشياء، لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل.
وحكي عن بعض مشايخنا ﵏ أنه يحنث، كما لو اشترى بالخمر والخنزير، وذكر شيخ الإسلام خواهر زاده ﵀ في شرح كتاب المأذون: أن من حلف لا يبيع فباع المدبر لا يحنث في يمينه، علّل فقال: لأن بيعه غير منعقد. ولو اشترى عبداً من رجل قد علم المشتري أن العبد لغير البائع وأنه فضولي في البيع لم يأمره صاحب العبد به حنث في يمينهِ لوجود شرط الحنث وهو الشراء بصفة التمام. فإن الشراء من الفضولي منعقد بصفة التمام، إذ ليس في المحل ما ينافي انعقاده، وأنه يفيد الحكم في الجملة، فصار بمنزلة الشراء الفاسد. فإن كان عقد يمينه على المنافي بأن قالت: إن كنت اشتريت اليوم، أو قال: إن كنت بعت اليوم، وقد كان اشترى شراءً فاسداً، وباع بيعاً فاسداً يحنث في يمينه أيضاً. لأنه لما وقع الحنث بالفاسد والمستقبل، فلأن يقع الحنث في الماضي أولى.
стр. 1844
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : إذا قال: إن لم أبع هذا العبد فكذا. فاعتقه أو دبره حنث في يمنيه، لأن الحنث معلق بترك البيع. وقد ثبت الترك بالإعتاق والتدبير فصار كموت الحالف أو موت العبد قبل البيع، ولو كانت هذهِ المقاله للجارية، وباقي المسألة بحالها فمن مشايخنا ﵏ من قال: لا يحنث لأن احتمال البيع قائم بأن يرتد ويلتجىء بدار الحرب فيبرّ فلا يحنث في يمينه، والصحيح أنه يحنث لأنه عقد يمينه على البيع باعتبار الملك، وقد امتنع ذلك بالإعتاق والتدبير، وفي «نوادره» عن أبي يوسف ﵀ إذا قال لأمته: إن لم أبعك فأنت حرّة، عتقت في قول أبي حنيفة ﵀، وكان أبو يوسف ﵀ يقول أولاً: لا يعتق لأني (لا) أدري لعلّه يعتقها ثم يرتد وينسى فيسريها ويبيعها، ثم رجع وقال بقول أبي حنيفة ﵀.
وفي «القدوري» : إذا حلف الرجل ليبيعن أم ولد أو هذه المرأة الحرة المسلمة فباعهم برّ في يمينه عند أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف: في الحر المسلم كذلك، فأما في أم الولد والحرة فاليمين على الحقيقة أن يريد أو يسبا فيبيع، وقول محمد ﵀ يجب أن يكون كقول أبي يوسف.
وهذه المسألة فرع لمسألة أخرى ذكرها محمد ﵀ في «الجامع» إذا قال لحرة: إذا ملكتك فأنت حرة، أو قال لها: إذا اشتريتك فأنت حرّة، فارتدت ولحقت بدار الحرب وسُبيت فملكها الحالف عتقت عندهما، وعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا تعتق، وأبو يوسف ومحمد رحمهما الله جعلا الردة واللحاق والسبي مذكوراً صحيحاً لا يجاب الحرية. وأبو حنيفة يقول تصرف العاقل إنما يصح بطريق العلم إن وجد الصحة بذلك الطريق، ونحن نعلم ببديهة العقل أن العاقل لا يقصد الصحة بالطريق الذي قلتم؟ وبدونه لا يمكن تصحيح تصرفه؛ لأن تعليق العقد إنما يصح إذا حصل في الملك، أو مضافاً إلى ملك يوجب تيقن الجزاء عند وجوده، ولم يوجد كلاهما. أما التعليق بالملك فظاهر، وأما مضافاً إلى ملك يوجب تيقن الجزاء عند وجوده؛ لأنه أضافها إلى ملكها مطلقاً، وهو تملكها بالإجازة والنكاح. وهذا النوع من الملك لا يفيد العتق، ويملكها بعد وجود الوسائط التي ذكرتم، وإنه يفيد العتق وهو ما غير هذا النوع فلا يمكن تصحيح هذا اليمين إذا بينّه هذا.
جئناً إلى مسألتنا فنقول في مسألتنا: إذا عقد يمينه على أم ولده أو على الحرة أمكن حمله على البيع حقيقة بواسطة من الوسائط التي ذكرنا، فلا يحمل على البيع صورة وفيه لا يمكن جعله على الحقيقة، لأن الرجل لا يسبى فيحمل على البيع صورة، وعند أبي حنيفة ﵀ لا يلتفت إلى هذه الوسائط، وبدونها لا يمكن جعله على البيع حقيقة فيحمل على البيع صورة.
وإذا حلف لا يشتري حمّاً فاشترى رأساً لا يحنث في يمينه، وهذا بناءً على ما قلنا قبل هذا إذ الشراء معتبر بالبيع، وبائع الرأس لا يسمى بائع اللحم، فمشتريه أيضاً لا يكون مشتري اللحم، وهذا الخلاف ما لو حلف أن يأكل لحماً فأكل رأساً حنث في يمينه، لأن
стр. 1845
الأكل يصادف ما على الرأس، وما على الرأس لحم حقيقة، فأما البيع والشراء يتناول الجملة، وباعتبار الجملة بائع الرأس لا يسمى بائع اللحم فمشتريه أيضاً لا يسمى مشتري اللحم.
ولو حلف لا يشتري رأساً فهو على رأس البقر والغنم عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما على رؤوس الغنم، وهذا اختلاف عصر وزمان فكان أبو حنيفة ﵀ يقول أولاً هذا على رؤس البقر والغنم والإبل، لما أنه رأى عادة أهل الكوفة أنهم كانوا يبيعون الرؤوس في الأسواق، ثم لما تركوا ذلك في رؤوس الإبل رجع عن ذلك فقال: يمينه على رؤوس البقر والغنم خاصة، ثم إنهما لما شاهدا عادة أهل بغداد وسائر البلدان أنهم يبيعون في الأسواق رأس الغنم خاصة، وهذا إذا لم يكن له نيّة فإن نوى الرؤوس جميعاً فهو على ما نوى، لأنه ما نوى حقيقة كلامه وفيه تشديد عليه.
وإذا حلف لا يشتري شحماً واشترى شحم البطن يحنث، ولو اشترى شحم الظهر فهو الشحم الذي يخالطه اللحم لم يذكر محمد ﵀ هذه المسألة في الأصل، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنه لا يحنث، ومن المشايخ ﵏ من ذكر في «شرح الجامع الصغير» ﵀، أنه على الخلاف الذي في قصد الأكل..... حقيقة وصاحبته، على قول أبي حنيفة ﵀ يحنث بأكل شحم البطن، وعلى قولهما لا يحنث، ويحنث بأكل شحم بلا خلاف. وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يشتري امرأة، فاشترى عجوزاً أو مرضعة يحنث، وفيه أيضاً إذا حلف لا يشتري غلاماً من نرويه أو من الهند فهو على ذلك الجنس حيث ما اشتراه، ولو قال غلاماً من خراسان.
فاشترى غلاماً خراسانياً بغير خراسان لا يحنث. متى اشتراه من خراسان، روى المعلالى عن أبي يوسف ﵀ إذا حلف الرجل لا يبيع صاعه إلا ببائع كثير فباعه ببائع فسأل التجار الذين يعالجون ذلك المتاع عنه فإن قالوا: هذا البائع في هذا المتاع كثير لا يحنثُ، وإن قالوا: كثير قليل يحنث.
وفي «المنتقى» أيضاً قال في «الجامع (٣٧٤ب١) الصغير» : وإذا قال الرجل: هذا العبد حر إن بعته فباعه على أنه بالخيار عتق العبد؛ لأن البيع قد وجد بصفة التمام، لوجود حدّه وهو الإيجاب والقبول مضافاً إلى الجمل قابلاً للملك، إلا أن الملك غير بائن ولكن الملك حكم بالبيع وشرط الحنث نفس البيع لا حكمه، فإذا وجد البيع وجد شرط الحنث، والعبد في ملكه والمعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمرسل. فصار كأنه قال بعد البيع: هذا العبد حر، ومن باع عبداً بشرط الخيار لنفسه ثم أعتق يعتق العبد وينفسخ البيع كذا ههنا.
وكذلك لو قال المشتري: إن اشتريته فهو حر، فاشتراه على أنه بالخيار ثلاثة أيام فإنه يعتق، ولو كان المشتري قال: إن اشتريته فهو حر ثم اشتراه على أن البائع بالخيار لا
стр. 1846
يعتق العبد؛ لأن شرط العتق وإن وجد إلا أن العبد ليس في ملكه، وليس له ولاية اسقاط الخيار ليسقطه الخيار ويثبت الملك له مقتضى بزوال العتق، بخلاف ما إذا اشترى بشرط الخيار لنفسه.
وذكر القدوري في «شرحه» أن من حلف أن لا يبيع فباع بيعاً فيه خيار البائع أو المشتري حنث في قول محمد ﵀ ولم يحنث في قول أبي يوسف ﵀، لأن شرط الحنث البيع المطلق والبيع بشرط الخيار بيع مقيد، وتبين مما ذكر القدوري أن ثمّ ذكر في «الجامع الصغير» قول محمد ﵀ وإذا حلف لا يشتري صوفاً فاشترى شاة على ظهرها صوف لم يحنث.
الأصل في جنس هذه المسائل أن المحلوف عليه إذا دخل في الشراء تبعاً بغير المحلوف عليه لا يقع له الحنث، وإن دخل مقصوداً يقع الحنث، وإن دخل مقصوداً خرج على هذا مسألة الشاة لأن الصوف الذي على ظهرها يدخل في البيع تبعاً لأجل. ولو اشترى شاة حيّة على ظهرها صوف بصوف يحنث، لأن الصوف الذي على ظهر الشاة؛ في هذه الصورة مقصوداً بالبيع ويأخذ قسطاً من اليمين، ولهذا شرط الاعتبار في هذا العقد هكذا ذكر من روى «ورق أرمن جاه ذكر است ما اتجاه كه ديكر ورق است غلط اقتاده است أرجهت فسعت» أصلٌ لأجل الخبر وزوج هو إليه الخبر وقال: لا يحنث.
وذكر (في) شهادات «القدوري» ما يؤكد ما ذكر في «مجموع النوازل» ، فقال: لا يبيع لمن عاين ذلك إن شهد على البيع بل يشهد على التعاطي.
باع من رجل عبداً وسلمه إليه، ثم حلف البائع أن لا يشتري منه، ثم أقاله المشتري قيل لا يحنث في يمينه، ولو أقاله بمائة دينار وقد اشتراه بألف يحنث في يمينه وهو الجواب إنما يتأتى على قول أبي يوسف ﵀ ومحمد، لا على قول أبي حنيفة ﵀، يعرف بالتأمّل.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : في باب المساومة، رجل ساوم رجلاً بثوب وأبى البائع أن ينقصه من اثني عشر، فقال المشتري: عبده حر إن اشتراه باثني عشر، ثم اشتراه بعد ذلك بثلاثة عشر يحنث في يمينه، وإنه مشكل من وجهين «أحدهما» : لأن شرط الحنث الشراء باثني عشر والثاني باثني عشر لما اشترى الكل بثلاثة عشر، قلنا: أما الأول قوله إن اشتريت باثني عشر جعل مجازاً عن قوله إن التزمت اثنا عشر لسبب هذا الشراء حتى ينقضه البائع لا نفس الشراء، ولكن أن يجعل الشراء مجاز عن الالتزام لأن في الشراء شيئان: عقد والتزام الثمن، فإذا جعلنا الشراء مجازاً عن التزام الثمن فقد خصصنا منه العقد وبعثنا الالتزام داخلاً تحت اليمين، ويكون هذا إثبات التخصيص فيما يلفظ بدلالة العرف، وذلك جائز وصار تقدير يمينه إن التزمت اثني عشر درهماً بسبب هذا الشراء فعبدي حر، وهناك إذا اشتراه بثلاثة عشر يحنث في يمينه، كذا ههنا.
وأما «الاشكال الثاني» قلنا: المشتري اليوم اثنا عشر درهماً بأداء كل الثوب لا بأداء بعض الثوب لأنه قابل ثلاثة عشر بالثوب، واسم الثوب اسم للكل فيصير كل جزء من
стр. 1847
أجزاء الثمن بمقابلة جميع الثوب، وإنها تظهر الإيقام عند استحقاق بعض الأجزاء بطريق الضرورة حتى لا يلزم المشتري جميع الثمن بأداء بعض الثوب وهو لم يرض به، أما في غير حالة الاستحقاق لا ضرورة تحصل كل جزء من أجزاء الثمن مقابلاً بجميع البيع.
وكذلك لو اشتراه باثني عشر درهماً وديناراً، أو اشتراه بإثني عشر درهماً وثوباً يحنث في يمينه لما قلنا، ولو اشتراه بأحد عشر درهماً وديناراً لا يحنث في يمينه، وإنه أيضاً؛ لأن قوله: إن اشتريته بإثني عشر درهماً جعل مجازاً عن قوله: إن التزمت بسبب هدا الشراء اثني عشر درهماً أو ما يبلغ قيمته اثنا عشر درهماً عرفاً وعادة لا نفس الشراء على حسب ما قلتم في المسألة المتقدمة، وقد التزم بسبب هذا الشراء اثنا عشر درهماً وزيادة، قلنا ما ذكر من الجواب جواب القياس أما على جواب الاستحسان ينبغي أن يحنث لأن الدراهم والدنانير جعلا جنساً واحداً فيما عدا حكم الربا استحساناً.
ذكر في «المنتقى» في موضع، وذكر في موضع آخر: إذا حلف لا يشتري صوفاً فاشترى إهاباً عليه صوف لم يحنث، وكذلك اشترى شاة بصوف، وصار في مسألة بيع الشاة التي على ظهرها صوف بالصوف المنفصل روايتان.
وفي «المنتقى» أيضاً: إذا حلف لا يشتري لبناً فاشترى شاة في ضرعها لبن لا يحنث، ولو اشتراه بلبن آخر قال أبو يوسف ﵀: كان أبو حنيفة ﵀ يقول: اللبن والصوف سواء. (٣٧٥أ١) وقال أبو يوسف: لو باع القياس في اللبن ولا أجعل له حصة من الثمن لأنه مغيب ولا يحنث في يمينه. ولو حلف لا يشتري آجرّاً أو حلف لا يشتري جصاً فاشترى دار مبنية بذلك لا يحنث في يمينه، لأن هذه الأشياء دخلت في البيع تبعاً.
ولو حلف لا يشتري تمرة، فاشترى نخلة فيها تمر وشرط التمر يحنث، ولذلك لو حلف لا يشتري بقلاً فاشترى أرضاً فيها بقل وشرط البقل يحنث في يمينه؛ لأن التمر والبقل دخلا في البيع في هذه الصورة مقصوداً بالذكر لا تبعاً، ألا ترى أن بدون الذكر لا يدخلان في البيع.
وإذا حلف لا يشتري لحماً فاشترى شاة حيّه لا يحنث، وكذلك إذا حلف لا يشتري زيتاً فاشترى زيتوناً، أو حلف لا يشتري قصباً فاشترى بواري أو حلف لا يشتري جدياً فاشترى شاة حاملاً، أو حلف لا يشتري شعيراً فاشترى حنطة فيها حبّات الشعير لم يحنث، وعلى هذا جميع ما يدخل في البيع تبعاً، هذه الجملة من القدوري.
وفي «المنتقى» إذا حلف لا يشتري فضة فاشترى خاتماً فيه فضة يحنث في يمينه. ولو اشترى سيفاً مفضضاً لا يحنث في يمينه، ولو حلف لا يشتري فصّاً فاشترى خاتماً فيه فصّ يحنث في القياس في المنتقى.
وذكر في «المنتقى» المسألة تماثل إذا حلف لا يشتري فصاً فاشترى خاتماً فيه فص يحنث بإمكان ما ذكر بعد هذه المسألة..... الاستحسان، قال ثمة يحنث وإن كان ثمن
стр. 1848
الفصّ أقل من ثمن الحلقة. وفيه أيضاً إذا قال: إن بعت غلامي هذا أحداً من الناس فكذا، فباعه من رجلين يحنث، وكذلك إذا قال: إن أكل هذا الرغيف أحد فأكله اثنان حنث في يمينه، وفي «نوادر هشام» عن محمد ﵀: فيمن حلف لا يشتري قميصاً فاشترى قميصاً مقطّعاً غير مخيط لا يحنث، لأنه اشترى خرقاً.
وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يشتري حديداً فاشترى باباً فيه ساتر حديد لا يحنث، ولو اشترى بابه بحديد منفصل إن كان الحديد المنفصل أقل لم يحنث، وإن كان أكثر جاز الشراء ويقع به الحنث.
إذا حلف وقال: والله ما اشتريت اليوم شيئاً وقد كان اشترى أشياء في ذلك اليوم بالتعاطي فقد قيل: يحنث في يمينه.
وفي مجموع «النوازل» وضّح المسألة في طرق البيع فقال: إذا حلف الرجل أن لا يبيع الخبز فجاء رجل وأعطاه دراهم لأجل الخبز وهذه مكتوبة قبل هذه الورق بثلاثة أوجه أوراق. فصار كأنه باع باثني عشر درهماً وزيادة، ذكر القياس والاستحسان في مثل هذه المسألة في آخر الباب.
وصورتها: إذا قال: صاحب عبده حر إن باعه بعشرة دراهم إلا بأكثر أو قال: إلا بأزيد فباعه بتسع ودينار لا يحنث في يمينه استحساناً، لأن الدراهم والدينار جعلا جنساً واحداً فيما عدا حكم الربا استحساناً، فتكثر الدراهم بالدينار فكان هذا بيعاً بأكثر من عشرة.
قال مشايخنا ﵏: ذكر القياس والاستحسان في آخر الباب، ذكر ههنا، قال: ولو كان صاحب الثوب حلف فقال: عبده حرّ إن باع هذا الثوب بعشرة دراهم فباعه بأحد عشر درهماً أو بعشرة دراهم ودينار أو ثوب لا يحنث في يمينه، وكان ينبغي أن يحنث ويجعل البيع بأحد عشر عدّ بيعاً بعشرة وهو شرط الحنث، ألا ترى في جانب المشتري جعلنا الشراء بثلاثة عشر شراء باثني عشر، وجعلنا الشراء باثني عشر وثوباً باثني عشر. قلنا: في الفرق بين جانب البائع وبين جانب المشتري: أن حقيقة البيع والشراء للعقد، وفي جانب البائع العبرة للحقيقة وهو العقد لا للمجاز وهو التزام؛ إذ ليس في..... العقد التزام من حصة البائع، وباعتبار الحقيقة البيع بأحد عشر غير البيع بعشرة فلم يكن بشرط الحنث. أما في جانب المشتري العين للالتزام على ما مرّ في الملتزم لأحد عشر ملتزم للعشرة في......، فلهذا افترقا. ولو كان صاحب الثوب باعه بتسعة دراهم لا يحنث في يمينه، كان ينبغي أن يحنث لأن البائع إنما منع نفسه عن البيع بعشرة لما فيه من النقصان، والنقصان في التسعة أكثر فصار البيع بتسعة شرط الحنث كالبيع بعشرة، قلنا: لو حنث في يمينه بالبيع بتسعة إنما يحنث إذا أراد ما في يمينه أو بتسعة، ولو لمجرد العرف إلا بلفظه، لأن لفظه لا يحتمل تسعة لأن لفظه عشرة واسم
стр. 1849
العشرة لا يتناول ما دونهما، والزيادة على لفظ الحالف بالعرف لا تجوز لأن العرف ليس لإيراد الجملة، واليمين لا يثبت لمجرد إرادة الحالف لا تزاد على اليمين، لأن العرف ولو حلف لا يبيعه منه بعشرة حتى يزيده فباعه بأحد عشر أو بعشرة ودينار لا
يحنث في يمينه، لأن البائع بيمينه أثبت بيعاً مؤقتاً إلى غاية. وهو أن يزيد المشتري على العشرة، فإذا أزاد فقد وجدت الغاية فلا يبقى اليمين فكيف يحنث بعد ذلك؟ ولو باعه بتسعة لا يحنث أيضاً، لأن البيع بتسعة ليس بشرط الحنث على ما ورد.
ولو قال: عبده حر إن اشتراه بعشرة إلا بأقل فباعه بتسعة ودينار حنث استحساناً، لأن الدراهم والدنانير فيما عدا ذلك حكم الربا جنس واحد استحساناً فتكثر الدراهم بالدنانير ويصير ميسّر بالعشرة أو أكثر.
وإذا ساوم الرجل رجلاً بعبد فأراد البائع (٣٧٥ب١) ألفاً وسأله المشتري بخمسمائة. فقال البائع: هو حر إن حططت عنك من الألف شيئاً، ثم قال بعد ذلك: بعتك العبد بخمسمائة فقبل المشتري البيع ولم يقبل حنث البائع، وعتق العبد، وإنه مشكل لأن شرط الحنث الحط، والحط الاسقاط وإنه يعتمد سامعه الوجوب.
والجواب عنه: أن البائع وإن ذكر الحط إلا أنه ما أراد به الاسقاط، وإنما أراد به التبعيض الذي يشتمل عليه الحط، لأنه ذكر الحط معرفاً بالألف واللام لتعريف المعهود، والألف المذكور عند المساومة والحط عن الألف المذكور عند المساومة لا يكون إلا بطريق التبعيض فانصرف يمينه إليه، فإذا باعه بخمسمائة فقد نقص عن الألف المسمى عند المساومة، وإن حططت عن يمينه شيئاً فهو حر، وباقي المسألة بحالها لا يعتق العبد. لأن الثمن اسم للواجب بالعقد، ولم يحط عن الواجب بالعقد شيء، ولو حط عن يمينه شيئاً بعد ذلك انحلت اليمين لوجود شرطه، ولكن لا يعتق العبد لأنه زائل عن ملكه حتى لو كان المعلق طلاق امرأته أو عتق عبدا آخر، تطلق المرأة ويعتق العبد. وكذلك لو وهب له بعض الثمن في هذه الصورة قبل قبض الثمن أو بعده حنث في يمينه، لأن هنا نقص الثمن والحط سواء وهذا الجواب مشكل في هذه، الثمن بعد القبض، لأن بعد القبض الثمن لا يبقى في ذمة المشري فلا يتصور اسقاط.
والجواب أن الثمن باق في ذمة المشتري بعد القبض، لأن ما قبصه البائع من المشتري ليس غير حقه، إلا أنه لا يظهر في حق المطالبة، لأنه لا يفيد لأن البائع إن طالبه به فللمشتري أن يطالب البائع بما قبض منه، فأما إظهاره في حق الهبة مقيّد «ما طهرياه ولو حط عنه جميع الثمن ووهب منه جميع الثمن لا يحنث، لأن هذه اليمين ليس بحط، ولو أبرأه عن بعض الثمن إن كان قبل قبض الثمن حنث في يمينه، وإن كان بعد قبض الثمن لا يحنث في يمينه. والإبراء قبل القبض لا يفارق الحط والهبة، والإبراء بعد القبض يفارق الحط والهبة.
حلف الرجل لا يبيع داره فإن أعطاها في صداق امرأته حنث في يمينه، هكذا ذكر في «النوازل» قال الصدر الشهيد ﵀: يجب أن يكون الجواب فيه على التفصيل إن
стр. 1850
تزوجها على الدار لا يحنث في يمينه لأن هذا ليس ببيع وإن تزوجها على دراهم أو دنانير وأعطاها الدار عوضاً عن الدراهم والدنانير حنث، لأن هذا بيع.
رجل حلف بعتق جاريته على بيعها بهذا اللفظ: إن لم أبع هذه الجارية اليوم فهي حرّة فباعها على أنه بالخيار، ثم فسخ البيع لم يحنث في يمينه، ولم تعتق الجارية لأن شرطها الحنث، وهو عدم البيع في اليوم لم يتحقق لأن البيع شرط الخيار لأن شرطها الحنث بيعٌ في «النوازل» أيضاً، وفيه أيضاً: إذا وكل الرجل رجلاً أن يبيع عبده فباعه، ثم إن الآمر خاصم المشتري وقدم إلى القاضي وطالبه بالثمن وسع المشتري أن يحلف بالله ما له عليه كذا ويريد به ليس عليه تسليم كذا، ويكون صادقاً فيه لأنه لا يجب على المشتري تسليم الثمن إلى الوكيل.
حلف الرجل أن لا يشتري لفلان ثوباً فأمره فلان أن يشتري لابنه الصغير ثوباً فاشتراه لا يحنث، وكذا لعبده فاشتراه لا يحنث.
إذا قال: إن اشتريت هذا العبد بإذني فهو حر، ثم أذن له في التجارة، فاشترى هذا العبد يحنث؛ لأن الإذن بالتجارة مطلقاً إذن شراء هذا العبد وغيره، ولو كان إذن له بشراء الطعام فاشترى هذا العبد لا يلزمه الحنث، لأنه ما أمره بشراء هذا العبد لا نصاً ولا حكماً لإطلاق اللفظ أكثر ما في الباب أن الأذن في نوع أذن في الأنواع كلها إلا أن ذلك أمر حكمي بخلاف فريضة اللفظ فلا يظهر في حقه وقوع الحنث.
نوع آخر في الهبة والصدقة والإجارة والاستئجار والعاريةوالشركة والقبض والاستقراض والكفالة والوصية
قال محمد ﵀ في «الجامع» : حلف لا يهب لفلان شيئاً فوهبه شيئاً حنث في يمينهِ استحساناً، وهو قول علمائنا الثلاثة ﵏، وعلى هذا الصدقة والهبة والتخلي. ووجه ذلك وهو أن الهبه عبارة عن التملك بغير شيء لأنه لا تمليك فيه إلا من الواهب، وذلك في قولهِ وهبت لا يعلق به بالقبول، وإنما القبول لثبوت الملك والملك حكم الهبة، وشرط الحنث بغير الهبة لا حكمها، ولأن غرض الواهب من هذه اليمين منع النفس عن إظهار الجود وبنفس الإيجاب يحصل إظهار الجود فكان الحنث متعلقاً بالإيجاب من هذا الوجه. إذا ثبت هذا في الهبة ثبت في التخلي والصدقة، لأن كل ذلك في معنى الهبة لأنه تمليك بغير شيء كالهبة ويبنى على هذا.
أما إذا قال: وهب لي فلان ألف درهم فسكت، ثم قال: لم أقبل الهبة صدق لأن الهبة إذا كانت هبة بدون القبول لا يكون الإقرار بالهبة إقراراً بالقبول فيصح منه دعوى عدم القبول، والعارية بدون القبول عارية، فإذا حلف لا يعير فلاناً شيئاً فأعاره ولم يقبل منه حنث عند علمائنا الثلاثة ﵏.
وأما القرض فليس بقرض بدون القبول، في قول محمد ﵀، وإحدى
стр. 1851
الروايتين عن أبي يوسف ﵀ لأنه تمليك بعوض يجب في الثاني، فصار نظير البيع. وفي رواية أخرى عن أبي يوسف ﵀ أن القبول فيه ليس بشرط، فإذا حلف لا يقرض فأقرض ولم يقبل المقرض لا يحنث عند محمد ﵀، واحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀، وفي رواية أخرى عنه أنه يحنث.
والاستقراض بدون الإقراض استقراض، فإذا حلف لا يستقرض من فلان شيئاً فاستقرض ولم يقرضه فلان يحنث في يمينه. والإجارة بدون القبول ليس بإجارة في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف ﵀ أنه إجارة.
والحاصل: أن كل عقد فيه بدل مالي، فالحلف عليه لا يوجب الحنث بدون القبول وما لا بدل فيه...... فالحلف عليه يوجب الحنث بدون القبول، وما ليس فيه بدل ما لي فالحلف عليه يوجب الحنث بدون القبول في قول محمد ﵀، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀، وفي رواية أخرى (٣٧٦أ١) عنه لا يوجب.
والرهن بدون القبول ليس برهن وإذا قال: اقرضني فلان ولم أقبل لا يصدق، وهذا إنما يتأتى على قول من يقول بأن القرض بدون القبول ليس بقرض. وإذا حلف لا يهب عنده من فلان فوهب رجلاً عند الحالف من ذلك الرجل بغير أمره، وأجاز الحالف ذلك حنث في يمينه، هكذا رواه ابن سماعة عن محمد ﵀.
ولو حلف لا يهب عبده لفلان، ثم وهب له على عوض حنث في يمينه، وفي نوادر بشر عن أبي يوسف ﵀ إذا قال الرجل: إن وهب لي فلان هذا العبد فهو حر، فقال فلان: وهبته لك قال بثلاثة وقبضت لم يعتق.
رجل أكره أمرأته على مهرها فوهبهُ منها ثم ادعى الزوج عليها الهبة هل يسعها أن تحلف بالله ما وهبت.
قال الصدر الشهيد ﵀: المختار ما قال الفقيه أبو الليث ﵀، أنه ينبغي لها أن تقول للقاضي: سله يدعي هبته بالطوع أو بالكره. فإن قال: ادعى هبته بالطوع كان لها أن تحلف بالله ما وهبته لأنها صادقة فيه.
رجل قال لآخر: والله لأهبنك هذا اليوم مائة درهم فوهبه، كان له على رجل وأمره بقبضها في يمينها، ولو مات الواهب ولم يقبض الموهوب له المائة لا يتمكن من أحدها لأنها صارت ملك الورثة.
في «مجموع النوازل» ، وفي «نوادر» بشر عن أبي يوسف، إذا حلف يأخذ ما في الدار من فلان، وقد كان آخرها قبل الثمن في يده وجعل بيعاً آخر كل شهر قد سكنها لا يحنث. لأنها على الإجارة التي كانت قبل اليمين لأن بحكم الإجازة الأولى لا يملك مطالبته بآخر شهر لم يسكنه فتكون هذه إجازة مسداة.
سئل شيخ الإسلام ﵀ عن رجل له مستقلاً إن حلف بطلاق امرأته «كي من
стр. 1852
مستقلها دايعد نده ما حرترا» امرأته المستقلان وقبضت الأجرة وأنفقتها أو أعطت زوجها لا يحنث، لأن شرط الحنث عقد الإجارة، وهو لم يعقد الإجارة قبل. أليس إنه موضع المسألة في المستقلان والمستقل ما يكون معداً للاستقلال فتركه في أيديهم لما رأى لا يقع الحنث، قال: لأن اليمين عقدت على العقد ولم يوجد منه العقد، بأن كان الزوج قال للمستأجرين: يقعدوا في هذه المنازل فهذا الفصل لم يُنقل عن شيخ الإسلام.
وقيل: ينبغي أن تكون هذه إجارة ويحنث في يمينه، ولذلك إذا تقاضيا منهم أجرة شهر قد سكنوا فيها فهذا ليس بإجارة فلا يحنث في يمينه. رجل حلف لا يستعير من فلان شيئاً فأردفه على دابته لا يحنث، وإذا حلف لا يعير ثوبه من فلان فبعث المحلوف عليه وكيلاً المستعار فأعاره، اختلف زفر رحمهما الله على قول أحدهما يحنث. قال الصدر الشهيد ﵀: وعليه الفتوى، لأن الوكيل في باب الاستعارة رسول وهذا إذا خرج الوكيل لكلامه تخرج الرسالة بأن قال: إن فلاناً يستعير منك كذا فأما إذا لم يقل ذلك لا يحنث. وإذا حلف لا يستدين ديناً وتزوج امرأة وإن أخّر دراهم في سلم يحنث.
وسئل شمس الإسلام الأوزجندي ﵀ عمن وهب من آخر شيئاً في حالة السكر، وحلف أن لا يرجع في هذه الهبة ولا يأخذ منه، ثم إن كان الموهوب له وهب ذلك الشيء من آخر فأخذه الواهب الحالف منه، قال: لا يحنث في يمينه، وإنما كان كذلك لأن شرط الحنث الرجوع والأخذ بطريق الرجوع وبعدما وهب الموهوب له الموهوب لا يبقى للواهب حق الرجوع، فلا يكون هذا الأخذ بطريق الرجوع بل يكون بطريق التعصيب فلا يحنث في يمينه.
إذا حلف لا يستعير من فلان شيئاً ينصرف إلى كل موجود تصح إعارته، وذلك عين ينتفع به مع بقاء عينه فإن دخل دار المحلوف عليه ليبقى في سره فاستعار منه الرشاء والدلو. واختلف المشايخ ﵏ فيه: منهم من قال: يحنث، ومنهم من قال: لا يحنثُ، لأنه لم تثبت يده عليها، لأنهما في يد صاحب الدار فلا يكون مستعيراً، وهذا إشارة إلى أنّ الإعارة لا تتم إلا بالتسليم، وهذا هو الطريق فيما إذا أردفه على دابته فعلى قياس هذا التعليل إذا استعار منه الرشاء والدلو من بئر ليس في ملك المحلوف عليه يحنث. ذكره الصدر الشهيد ﵀ في «شرح الكافي» في باب اليمين في الأكل: إذا حلف لا يشاركه فلان ثم إن الحالف شاركه بمال لابنه الصغير، قال:..... هو الابن دون الأب لأنه لا ربح للأب في المال.
إذا حلف الرجل: والله لا يشاركه فلان فهذا على ما عليه كلام الناس من الشركة في التجارة، فإن اشتريا عبداً لم يحنث، ولو قال: والله لا يكون بيني وبينه شركة في شيء فاشتريا عبداً لم يحنث، ولو قال: والله لا يكون بيني وبينه شركة في شيء فاشتريا عبداً أو ما أشبهه حنث، وكذلك إذا قال: والله لا يشاركه فلان في شيء ثم اشتريا داراً أو عبداً بينهما حنث، وإن.... وقد حلف لا يشاركه في شيء لم يحنث، لأنه لم يشاركه إنما
стр. 1853
ألزمه هذا أحب أو كره هذه الجملة في أيمان «المنتقى» .
إذا حلف لا يشاركه فلان في هذه البلدة فخرجا عن حدِّ البلدة وتشاركا ثم دخلا البلدة وعملا فإن أراد باليمين عقد الشركة لا يحنث، وإن أراد به العمل بشركته يحنث، وإذا وقع أحدهما صاحبه مالاً مضاربة فكذلك لأن المضاربة نوع من أنوع الشركة في الباب الأول من أيمان الواقعات.
وإذا حلف لا يعمل مع فلان شيئاً في القصارة أو غيرها فعمل مع شريكه يحنث، ولو عمل مع عبده المأذون لا يحنث، ولو حلف لا يشاركه أخاه ثم بدا له فالحيلة في ذلك إذا كان للحالف أب كبير أن يدفع الحالف ماله إلى أبيه مضاربة بنصيب (٣٧٦ب١) قليل ويأذن له بعمل فيه بداية. ثم أن لا يشارك..... عملاً كان الربح للابن على ما اشترطا لأن الحالف لم يشاركه أخاه فلا يحنث، ويحصل مقصود الحالف وهو الربح.
رجل حلف لا يوصي بوصية فوهب في..... المؤمن شيئاً لا يحنث؛ لأن ذلك ليس بوصية، لكن أعطى الشرع لها حكم الوصية فلا يظهر في حق حكم الميّت.
رجل قال: «أكرمن ابن جيرر ان كس دمم يعني تعاريت» فكذا أعطى بعض الناس ومنع البعض لا تطلق امرأته، لأنه ما أعطى هركسي.
رجل حلف أن يكفل أو نذر، وقال: إن كفلت بمال أو نفس فللَّه علي أن أتصدق بفلس وكفل لزمه الوفاء به؛ لأن هذا النذر معلق بالشرط فيصير مرسلاً عند الشرط وهذا هو الحيلة. من أراد أن لا يكفل إن تعلق النذر بشيء يسير بالكفالة. ويقول: إني..... لا أكفل رمز بالنذر ولا يلحقه كبير. صدر في «النوازل» المكفول له بالمال إذا حلف الكفيل به.
ابن لقطة «كي رن نواربون كي روى» فحلف ثم إن الكفيل أو الأصيل أدى الدين، بطل اليمين في «فتاوى النسفي» ﵀.
وذكر في أيمان الأصل إذا حلف زيد أن لا يكفل عن عمرو وأحمد وعلى زيد دين فاحتال عمرو وبذاك خالداً على زيد وقبل زيد الحوالة، إن كان لخالد على عمرو، وهو المحلوف عليه دين حنث زيد لأنه لمّا قبل الحوالة عن عمرو وعلى عمرو دين صار كفيلاً عن عمرو وزيادة لأن في الحوالة ما في الكفالة وزيادة، لأن التزام مال عن: المحيل وهو عمرو.....، وإن لم يكن لخالد على عمرو دين لم يحنث زيد لأنه ما كفل عن عمرو، والله أعلم.
نوع آخر في اليمين على اليمين
قال محمد ﵀: وإذا حلف الرجل أن لا يحلف بيمين أبداً ثم قال لامرأته: إن قمت أو قعدت فكذا، إن أكلت أو شربت فكذا، وأضاف ذلك إلى نفسه. فقال: إن
стр. 1854
قمت أو قعدت فكذا حنث في يمينه، وعتق عبده.
وعلم أن مطلق اسم اليمين بغير الله تعالى يقع على جزاء مطلق، ويعني به أن يكون..... للمنع وعلى شرط مطلق ويعني به ما يصلح شرطاً في حق جميع الأشخاص في جميع الأفعال، وهذا لأن مطلق الاسم ينصرف إلى الثابت من كل وجه وما يصلح شرطاً في بعض الأشخاص، وفي بعض الأوقات فهو شرط من وجه دون وجه، فلا يتناول مطلق اسم اليمين، ويشترط مع ذلك أن لا يكون الشرط سبباً لزوال الجزاء من غير تعليق الجزاء به لأن التعليق بالشرط يمنع بزوال الجزاء قبل الشرط فما يكون سبباً لزوال الجزاء بدون التعليق، كيف يصلح مانعاً بزواله قبل وجوده؟ ويشترط مع ذلك كلّه أن لا يكون الشرط مع الحدّ لمجموعها بغير الجملة لو أرسلها لا يكون يميناً، لأن ذكر التفسير كذلك المفسّر.p
فإذا كان المفسر لا يكون يميناً، فكذا إذا ذكر التفسير جئنا إلى تخريج المسألة.
فنقول: قوله لامرأته أنت طالق إن قمت أو قعدت وأشباه ذلك يمين، لأنه شرط في جزاء مطلق، أما الجزاء فلأنه يصلح مانعاً، وأما الشرط فلأن شرط من يشرط في حق جميع الأشخاص، فإنه إن أضاف القعود إلى المرأة أو إلى الأخير أو إلى نفسه كان شرطاً، أو يصلح شرطاً في الأوقات كلها في المجلس وبعد قيامه عن المجلس إذا كانت اليمين مطلقة عن الوقت، ولا يصلح سبباً للوقوع بغير تعليق، وكان شرطاً مطلقاً فالجزاء مع الشرط بمجموعها ليس بتفسير الجملة لو أرسلها لا يكون يميناً فقد وجد الحلف فيحنث في يمينه.
ولو قال لها: أنت طالق إن شئت أو هويت أو أحببت أو رضيت أو أردت؛ أضاف هذه الأشياء إلى المرأة أو إلى نفسه فهو سواء ولا يكون يميناً ولا يحنث في يمينه الأولى، لأن هذه الأشياء ليست بشرط مطلق لأنه ليست بشرط في حق جميع الأشخاص.
أما المشيئة فلأن المشيئة في حق المرأة تفويض وتخيير، ولهذا تقتصر على المجلس وكذلك لا يصلح شرطاً في الأوقات كلها، فإن المشيئة إذا أضيفت إلى المرأة وشاءت بعد القيام عن المجلس لا يكون ذلك شرطاً حتى لا يقع الطلاق، ويصلح سبباً لوقوع الطلاق أيضاً، فإن الزوج لو قال لها: شئت طلاقك يقع الطلاق نصّ عليه في «الأصل» وصح أن المشيئة ليست بشرط مطلق فهو تفسير جملة، أو أرسلها لا يكون يميناً، فإن قوله: إن شئت تفسير لقوله اختاري؛ وقوله اختاري ليس بيمين، فقد باشره رسول الله صلى الله عليه وسلّممباشرة المكروه، ولو كان يمنياً ما باشره، فالحلف بالطلاق مكروه ولا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلّممباشرة المكروه، وإذا عرفت الكلام في شئت، فكذلك في قوله: إن هويت وأشباهه لأنها بمعنى المشيئة فإنها صفة من صفات القلب كالمشيئة.
стр. 1855
ولو قال لها: أنت طالق غداً فهذا ليس بيمين لأنه لم يذكر الشرط والجزاء. ولو قال: إذا جاء غد فأنت طالق فهذا يمين، لأنه ذكر الشرط والجزاء فإن قيل مجيء الغد كيف يكون شرطاً وإنه متيقن، والشرط ما في وجوده خطر، قلنا: مجيء الغد وإن كان منتظما فكونه شرطاً ليس بمتيقن، فإنهما إذا ماتا قبل مجيء الغد لا يكون مجيء الغد شرطاً، لأن الشرط شرط لكونه علماً على نزول الجزاء أو إنه لا يتصور بدون نزول الجزاء.
ولو قال لها: أنت طالق للسنة فهذا ليس بيمين. وكذلك إذا قال لها: إن حضت حيضة، أو قال لها: إذا حضت وطهرت فهذا ليس بيمين بل هو تفسير الطلاق السني ولو قال: إذا حضت فأنت طالق فهذا يمين حتى يحنث في يمينه الأولى لأنه ذكر الشرط والجزاء إلا عدلنا عن لفظة الصيغة في الفعلين الأولين؛ لأن معناها (٣٧٧أ١) إيقاع الطلاق على السنّة، وهذا المعنى لا يمكن تحقيقه ههنا، فإن الطلاق في حال الحيض يقع لا على وجه السنة. ولو قال لها: أنت طالق إذا حضت حيضتين فهذا ليس بيمين؛ لأنه لا يمكن أن يجعل هذا تفسير الطلاق السنّي، لأن ما بعد الحيضتين وقت وقوع الطلاق السنّي.
ولو قال لها: إذا حضت ثلاث حيضات فأنت طالق لم يذكر هذا الفصل في.... من الكتب.
قال مشايخنا ﵏: ينبغي أن لا يكون يميناً، لأن بعد الحيضة الثالثة وقت وقوع الطلاق السني، فأمكن أن يجعل هذا تفسيراً لقوله: أنت طالق للسنة.
ولو قال لها: إذا حضت أربع حيض لم يذكر هذا الفصل في الكتب أيضاً، وحكى الجصاص عن الكرخي ﵀ أنه يمين ويحنث في يمينه الأولى (لأن) ما بعد الحيضة الرابعة ليس وقت وقوع الطلاق السنّي، فلا يمكن أن يجعل تفسيراً للطلاق السنّي، فتعتبر الصيغة والصيغة صيغة يمين، وغيره من المشايخ ﵏ قالوا: هذا ليس بيمين ولا يحنث في يمينه الأولى لأن ما بعد أربع حيض وقت وقوع الطلاق السنّي في الجملة، فإن من قال لامرأته: أنت طالق للسنة هي طاهرة من غير جماع يقع عليها واحدة للحال، ولو راجعها ثم حاضت بعد ذلك أربع حيض أو عشر حيض ثم قال لها: أنت طالق للسنّة يقع تطليقة أخرى للسنة فما بعد الحيضة الرابعة والعاشرة يحل وقوع الطلاق السنّي، فأمكن أن يجعل تفسيراً للطلاق السنّي، فلا يكون يميناً.
ولو قال لها وطلاق سنتها بالشهور بأن كانت آيسة أو صغيرة: أنت طالق إذا أهلّ الهلال، أو قال لها: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، فهذا ليس بيمين، وهو تفسير
стр. 1856
الطلاق السني في حقها. ولو كانت من ذوات الحيض، فقال لها: أنت طالق رأس الشهر فهذا ليس بيمين، ولو قال لها: أنت طالق إذا جاء رأس الشهر فهو يمين.
والكلام فيه نظير الكلام في قوله: أنت طالق غداً أنت طالق إذا جاء الغد. وروي عن أبي يوسف. إذا قال لها: أنت طالق في نفير الحاج أو..... الناس كان يميناً. ولو قال: في الأضحى لا يكون يميناً لأن في الصورة الأولى دخل حرف الظرف على الفعل فصار بمعنى الشرط إذ الفعل يصلح شرطاً، في الصورة الثانية دخل حرف على الوقت، والوقت لا يصلح شرطاً فكان إضافة لا تعليقاً.
و «في المنتقى» : عن محمد ﵀ برواية ابن سماعة: إذا قال: يوم طريق فأنت طالق فهذا يمين، وتعليق القيد. وفيه أيضاً: إذا حلف أن لا يطلق امرأته، ثم أراد أن يفارقها فالحيلة أن يتزوج رضيعة فترضعها المحلوف بطلاقها فتبين منه، ولا يحنث في يمين الزوج، لأنه لم يطلقها.
وفيه أيضاً: إذا قال: إن حلفت بالعتق فكذا، ثم قال لأمته: إن مت فأنت حرة، فهذا تدبير وليس بحلف فلا يحنث في يمينه، ولو قال: كل مملوك أملكه فهو حر فقد حلف بالعتق. قال أبو الفضل ﵀: يحتمل أن يكون تأويله على ملك في مستقبل، هذا الماضي قبل هذا، لأن قوله: أملكه للحال، وإيجاب العتق في الملك القائم لا يكون تعليقاً ويميناً بما ذكره من التأويل فهو صحيح.
وفي «الجامع: إذا قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق وكرر ثلاثاً وقعت تطليقتان، إن كانت مدخولاً بها. وإن أعاد القول مرة أخرى وقعت الثالثة وقد ذكرنا جنس هذه المسائل في كتاب الطلاق، والله أعلم.
نوع آخر في الطلاق والعتاق
من حق هذا النوع أن يقدم على فصل العقود؛ لأنه من جملة الأقوال لا من جملة العقود.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : إن تزوج الرجل امرأة لا تحل له، ثم قال إن طلقتك فعبدي حر، فهذا على التكلم بالطلاق، ولو قال لامرأت لا تحل له: إن طلقتك فعبدي حر، فقال لها في الحال: أنت طالق لا يعتق عبده عند أبي حنيفة ﵀. وإنما يعتق إذا تزوجها ثم طلقها، لأن عند أبي حنيفة ﵀ النكاح ينعقد على المحارم على سبيل الشبهة، فيتصور في هذا المحل طلاق يقطع النكاح على سبيل الشبهة، ولا ضرورة إلى صرفه إلى التكلم بالطلاق.
ولو قال لامرأة تحل له: إذا طلقتك فعبدي حر لا يحنث في يمينه ما لم يتزوجها
стр. 1857
نكاحاً صحيحاً ثم يطلقها؛ لأن عنده حقيقة الطلاق ههنا متصور لغة وشرعاً بأن تزوجها نكاحاً صحيحاً ثم طلقها فانصرف يمينه إليه عملاً بالحقيقة، وصار تقدير يمينه: إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : إذا حلف الرجل أن لا يطلق امرأته ولا يعتق عبده، فوكل رجلاً بالطلاق أو العتاق فطلق الوكيل أو أعتق يحنث في يمينه، وكذلك لو وكل رجلاً أن يعتق عبده أو يطلق امرأته، ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق ثم طلق الوكيل أو أعتق حنث في يمينه، لأن عبارة الوكيل في هذه العقود منقولة إلى الموكل. لكونه سفيراً فكأن الموكل أعتق بنفسه أو طلق بنفسه فتحقق شرط الحنث، فلهذا حنث في يمينه.
ولو قال: عبده حر إن دخلت هذه الدار، أو قال: امرأتهُ طالق إن دخل هذه الدار، ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق، ثم دخل عبده أو امرأتهُ الدار حتى وقع الطلاق والعتاق حنث في يمينه قياساً، وفي الاستحسان لا يحنث لأن شرط الحنث تطليق وإعتاق بعد اليمين لما عرف أن الأيمان تقتضي شروطاً في المستقبل، والتطليق والإعتاق ههنا وجدا قبل اليمين لوجود كلمة الإيجاب قبل اليمين، وهذا لأن الإعتاق ليس إلا التلفظ بلفظ يقع به العتق، والتطليق ليس إلا التلفظ بلفظ يقع به الطلاق وهو قوله: أنت حر، وقوله: أنت طالق، وقد وجد هذا اللفظ من الحالف قبل اليمين، فلا يصح شرطاً للحنث. ولو وجد الإعتاق والتطليق بعد اليمين، ولكن بكلام أنشأه قبل اليمين وشرط الحنث تطليق وإعتاق نفذ اليمين بكلام أنشأه بعد اليمين لتمكنه الامتناع عنه، فلهذا لم يحنث في يمينه.
ولو حلف ألا يطلق امرأته ولا يعتق عبده. ثم قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر أو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم دخل العبد أو المرأة الدار حتى وقع العتق أو الطلاق يحنث في يمينه (٣٧٧ب١) ، لوجود الإعتاق والتطليق بعد اليمين لوجود كلمة الإيجاب بعد اليمين على العبارة الأولى، ولوجود التطليق والإعتاق بعد اليمين بكلام أنشأه بعد اليمين على العبارة الثانية.
ولو قال لامرأتهِ: طلقي نفسك، أو قال لعبده: أعتق نفسك، ثم حلف ألا يطلق ولا يعتق ثم إنها طلقت نفسها في المجلس أو أعتق العبد في المجلس نفسه حنث الحالف في يمينه. وروي عن محمد ﵀ أنه لا يحنث، والصحيح ظاهر الرواية؛ لأن شرط الحنث التطليق والإعتاق بعد اليمين وقد وجد لوجود كلمة الإيجاب من الزوج والمولى بعد اليمين.
بيانه: أن وقوع الطلاق والعتاق ههنا ليس بقوله: طلقي نفسك، أعتق نفسك، لأن ذلك تفويض وبمجرد التفويض لا يثبت الوقوع، وإنما الوقوع بطريق أن المفوض يصير متكلماً بكلام المفوض إليه إذا تكلم المفوض إليه وجد بعد اليمين، فصار الحالف متكلماً بذلك الكلام بعد اليمين، فصار معتقاً ومطلقاً بعد اليمين فحنث. بخلاف المسألة المتقدمة لأن وقوع الطلاق والعتاق هناك بغير الكلام السابق الذي أنشأه قبل اليمين، وهذا لا يصلح داخلاً تحت اليمين.
стр. 1858
وفي «المنتقى» أن محمداَ ﵀ كان يقول أولاً في هذه المسألة: إنه لا يحنث، ثم رجع فقال: يحنث. وكذلك لو قال لامرأتهِ: أمرك بيدك في الطلاق، أو قال لعبده: أمرك بيدك في العتاق ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق، فطلقت المرأة نفسها أو أعتق العبد نفسه حنث في يمينه، لوجود التطليق والإعتاق بعد اليمين، لوجود كلمة الإيجاب بعد اليمين.
ولو قال لامرأتهِ: أنت طالق إن شئت، أو قال لعبده: أنت حر إن شئت، ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق، ثم شاءا فعل إليها حتى الطلاق والعتاق وحنث؛ لأن كلمة الإيقاع وجدت قبل اليمين إلا أن الوقوع تعلق بالمشيئة، فعند المشيئة يثبت الوقوع بالإيقاع السابق، ولهذا يثبت الوقوع بالإيقاع السابق، ولهذا يثبت عند المشيئة من غير أن يلتفظا بلفظة الإيقاع.
إذا حلف الرجل لا يعتق في هذه السنة، فأدى مكاتب إليه مكاتبة وعتق، فإن كانت المكاتبة قبل اليمين لا يحنث، وإن كانت الكتابة بعد اليمين حنث.
رجل قال لامرأتهِ: إن طلقتك فكذا فآلى منها فمضت مدة الإيلاء من غير..... حتى وقع عليها تطليقة بحكم الإيلاء حنث الزوج في يمينهِ، ولو حلف وهو عنين وفرق القاضي بينهما بحكم العنة لا يحنث في يمينه، والعرف أن في فصل الايلاء الزوج صار مطلقاً بعد اليمين؛ لأن تقدير الإيلاء: ان لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق، وفي العنين لم يصر مطلقاً وقوع الطلاق ما كان بفعل الزوج بل القاضي ألزمه حكم الطلاق وجعله مطلقاً حكماً، هكذا ذكر في «النوازل» .
وفي «المنتقى» : إذا آلى منها وبانت بالإيلاء لو كان عنيناً فخاصمته إلى القاضي، وفرق بينهما وكل شيء من ذلك يكون طلاقاً، فإنه يحنث به الزوج الحالف، فهذا إلى.... فصل العنة يقع الحنث أيضاً. فإن الفرقة في فصل العنين طلاق وقد عرفت المسألة في كتاب الطلاق في فصل المتفرقات.
رجل قال لامرأتهِ: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله لا يحنث في يمينه، لأن الاستثناء أبطل الجزاء فأبطل اليمين، ألا ترى أنه لو قال: إن أقررت لفلان بعشرة دراهم فامرأته طالق، ثم قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا درهم لا يحنث، وطريقه ما قلنا.
حلف أن لا يطلق امرأته فطلقها عنه رجل لغير أمره وعلمه فبلغهُ الخبر فأجاز فقد قيل: يحنث على كل حال، وقد قيل: لا يحنث على كل حال، وقيل: إن أجاز القول يحنث وإن أجاز الفعل بأن أخذ بدل الخلع لا يحنث، وهذا ومسألة النكاح سواء.
وفي عتاق «النوازل» إذا قال لامرأته: إن تكلمت بطلاقك فعبدي حر، ثم قال لها: إن شئت فأنت طالق، فقالت لا أشاء ثمة لا تعتق، لأنه لم تتكلم بالإيقاع. إذا قال لها:
стр. 1859
إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: أنت طالق إن شاء الله، فعلى قول أبي يوسف تطلق، لأنه لا توقف على مشيئة الله تعالى.
الفصل الثاني عشر في الحلف على الأفعال
المحيط البرهانى
هذا الفصل يشتمل على أنواع منه أيضاً في الصلاة والصوم والحج:
إذا حلف لا يصلي فصلى صلاة فاسدة بأن صلى بغير طهارة مثلاً لا يحنث في يمينه استحساناً، لأن مطلق الاسم ينصرف إلى الكامل، والكامل من التصرفات والأفعال ما يفيد حكمها. وحكم الصلاة سقوط الفرض وحصول الثواب، وكل ذلك لا يحصل بالصلاة الفاسدة، ولو نوى الفاسد صدق ديانة وقضاء؛ لأن الصلاة الفاسدة صلاة صورة لا معنى. وإطلاق الشيء على صورته جائز مجازاً، فقد نوى ما يحتملهُ لفظهُ وفيه تغليظ عليه؛ لأن مع هذه النية يحنث بالجائز والفاسد جميعاً. في هذه الصورة الجمع بين الحقيقة والمجاز، وإنما طريقه أنه وجد في الصحيح ما في الفاسد وزيادة، والزيادة على شرط الحنث لا يمنع الحنث.
ولو كان عقد يمينه على الماضي بأن قال: إن كنت صليت فهذا على الجائز والفاسد جميعاً، وإن نوى الجائز في الماضي خاصة صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء.
ولو قال: عبده حر إن صلى اليوم صلاة، فصلى ركعة قطعها (٣٧٨ب١) لا يحنث في يمينه، لأن المنفي باليمين فعل الصلاة وأن يكون المفعول صلاة فمطلق الاسم ينصرف إلى الكامل، والركعة الواحدة ليست بصلاة كاملة، لأنها لا تفيد حكم الصلاة لأنها بترة فإن «النبي صلى الله عليه وسلّمنهى عن البتيراء والبتيراء ركعة واحدة» .
ولو قال: عبده حر إن صلى اليوم، ولم يقل: صلاة فصلى ركعة واحدة حنث في يمينه؛ لأن المنفي باليمين ههنا فعل الصلاة وكون المفعول صلاة، وإذا صلى ركعة واحدة فقد فَعَلَ فِعْلَ الصلاة فوجد شرط الحنث فيحنث، إلا أنه إذا قطعها بعد ذلك فقد انتقض فعل الصلاة ولكن بعد صحته، والانتقاض إنما يظهر في حق حكم يفيد الانتقاض، والحنث بعد تحققه لا يفيد الانتقاض.
فإن قيل: شرط الحنث فعل الصلاة وبالركعة الواحدة لا يصير فاعلاً فعل الصلاة؛ لأن الصلاة اسم لأفعال مجموعة من جملة ذلك القعدة، ولا قعدة في الركعة الأولى. قلنا: لا بدّ فيه (من) قعدة فإن بعد ما رفع رأسه من السجدة الأخيرة يقعد لا محالة إلا أن هذه القعدة لا تجزىء عن فعل الصلاة، لكن المنفي باليمين الإتيان بفعل الصلاة لا الإتيان بفعل يجزىء عن فعل الصلاة.
стр. 1860
فإن قيل: هذا المعنى ليس بصحيح فإن بنفس السجود يقع الحنث وإن لم يرفع رأسه، قلنا: لا رواية في هذا الفصل عن أصحابنا ﵏، وقد اختلف المشايخ ﵏ فيه بعضهم قالوا: لا بدّ للحنث من رفع الرأس من السجود ليصير إتياناً بالقعود، فيصير إتياناً بجميع أفعال الصلاة. وقال بعضهم: لا يشترط رفع الرأس؛ لأن الساجد ساجد وقاعد والسجود سجدة وقعدة، ولكن بصفة أخرى. فقد اتفق المشايخ على اشتراط القعدة، وإن اختلفوا في كيفيته.
ولو كان حلف أن لا يصلي ولم يقل صلاة فإنما يحنث إذا قيّد الركعة، حتى إنه إذا افتتح الصلاة وركع ولم يسجد لا يحنثُ في يمينه؛ لأن ما دون ... ... ولهذا لا يقال: صلى قياماً صلى ركوعاً صلى سجوداً هذه الجملة من «الجامع» .
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف ﵀ إذا قال الرجل لعبده: إن صليت ركعة فأنت حر فصلى ركعة بسجود ثم تكلم قال: لا يعتق، لأنها ليست بصلاة، وإن صلى ركعتين وقعد مقدار التشهد عتق بتمام الركعة، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» . فأبو يوسف لم يجعل الركعة بانفرادها صلاة، وتبين برواية ابن سماعة أن المذكور في «الجامع» قول محمد ﵀.
وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يصلي خلف فلان فأم فلان وقام الحالف عن يمينيه فهو حانث إن لم يكن له نية، وإن نوى أن يكون خلفه لم يدين في القضاء. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل قال: والله لا أصلي معك فصليا خلف إمام لم يحنث إلا أن يكون نوى أن يصلي معه ليس معهما غيره، وإذا حلف لا يصلي صلاة فصلى ركعتين ولم يقعد قدر التشهد فقد قيل: يحنث في يمينهِ، وقد قيل: لا يحنث، لأن المنفي فعل الصلاة وكون المفعول صلاة ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل، والركعتان بدون القعدة ليست بصلاة كاملة على ما ذكرنا في الركعة الواحدة. وقيل: إن عقد يمينه على فعل لا يحنث في يمينهِ، وإن عقد يمينه على الفرض وهي من ذوات المثنى فكذلك، وإن عقد يمينه على الفرض وهي من ذوات الأربع يحنث في يمينه، وهو الأظهر والأشهر.
ولو حلف لا يصلي فقام وركع وسجد ولم يقرأ فقد قيل: لا يحنث، وقد قيل يحنث. وهكذا ذكر في «المنتقى» .
ولو حلف لا يصلي الظهر لم يحنث حتى يتشهد بعد الأربع، وكذلك إذا حلف لا يصلي الفجر لم يحنث حتى يتشهد بعد الركعتين، وكذلك إذا حلف لا يصلي المغرب لم يحنث (إلا) بتشهد بعد الثلث. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀ في رجل قال: والله ما صليت اليوم صلاة يعني بجماعة، وإن الصلاة بغير جماعة ليست بصلاة كانت بنية على هذا، قال: يسعه فيما بينهم وبين الله تعالى، وكذلك إذا قال: ما صليت اليوم ظهراً يعني ظهر أمس، أو أول من أمس فإنه يسعهُ فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قال: والله ما
следующие страницы →