Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
الطلاق السني في حقها. ولو كانت من ذوات الحيض، فقال لها: أنت طالق رأس الشهر فهذا ليس بيمين، ولو قال لها: أنت طالق إذا جاء رأس الشهر فهو يمين.
والكلام فيه نظير الكلام في قوله: أنت طالق غداً أنت طالق إذا جاء الغد. وروي عن أبي يوسف. إذا قال لها: أنت طالق في نفير الحاج أو..... الناس كان يميناً. ولو قال: في الأضحى لا يكون يميناً لأن في الصورة الأولى دخل حرف الظرف على الفعل فصار بمعنى الشرط إذ الفعل يصلح شرطاً، في الصورة الثانية دخل حرف على الوقت، والوقت لا يصلح شرطاً فكان إضافة لا تعليقاً.
و «في المنتقى» : عن محمد ﵀ برواية ابن سماعة: إذا قال: يوم طريق فأنت طالق فهذا يمين، وتعليق القيد. وفيه أيضاً: إذا حلف أن لا يطلق امرأته، ثم أراد أن يفارقها فالحيلة أن يتزوج رضيعة فترضعها المحلوف بطلاقها فتبين منه، ولا يحنث في يمين الزوج، لأنه لم يطلقها.
وفيه أيضاً: إذا قال: إن حلفت بالعتق فكذا، ثم قال لأمته: إن مت فأنت حرة، فهذا تدبير وليس بحلف فلا يحنث في يمينه، ولو قال: كل مملوك أملكه فهو حر فقد حلف بالعتق. قال أبو الفضل ﵀: يحتمل أن يكون تأويله على ملك في مستقبل، هذا الماضي قبل هذا، لأن قوله: أملكه للحال، وإيجاب العتق في الملك القائم لا يكون تعليقاً ويميناً بما ذكره من التأويل فهو صحيح.
وفي «الجامع: إذا قال لها: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق وكرر ثلاثاً وقعت تطليقتان، إن كانت مدخولاً بها. وإن أعاد القول مرة أخرى وقعت الثالثة وقد ذكرنا جنس هذه المسائل في كتاب الطلاق، والله أعلم.
نوع آخر في الطلاق والعتاق
من حق هذا النوع أن يقدم على فصل العقود؛ لأنه من جملة الأقوال لا من جملة العقود.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : إن تزوج الرجل امرأة لا تحل له، ثم قال إن طلقتك فعبدي حر، فهذا على التكلم بالطلاق، ولو قال لامرأت لا تحل له: إن طلقتك فعبدي حر، فقال لها في الحال: أنت طالق لا يعتق عبده عند أبي حنيفة ﵀. وإنما يعتق إذا تزوجها ثم طلقها، لأن عند أبي حنيفة ﵀ النكاح ينعقد على المحارم على سبيل الشبهة، فيتصور في هذا المحل طلاق يقطع النكاح على سبيل الشبهة، ولا ضرورة إلى صرفه إلى التكلم بالطلاق.
ولو قال لامرأة تحل له: إذا طلقتك فعبدي حر لا يحنث في يمينه ما لم يتزوجها
стр. 1857
نكاحاً صحيحاً ثم يطلقها؛ لأن عنده حقيقة الطلاق ههنا متصور لغة وشرعاً بأن تزوجها نكاحاً صحيحاً ثم طلقها فانصرف يمينه إليه عملاً بالحقيقة، وصار تقدير يمينه: إن تزوجتك وطلقتك فعبدي حر.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : إذا حلف الرجل أن لا يطلق امرأته ولا يعتق عبده، فوكل رجلاً بالطلاق أو العتاق فطلق الوكيل أو أعتق يحنث في يمينه، وكذلك لو وكل رجلاً أن يعتق عبده أو يطلق امرأته، ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق ثم طلق الوكيل أو أعتق حنث في يمينه، لأن عبارة الوكيل في هذه العقود منقولة إلى الموكل. لكونه سفيراً فكأن الموكل أعتق بنفسه أو طلق بنفسه فتحقق شرط الحنث، فلهذا حنث في يمينه.
ولو قال: عبده حر إن دخلت هذه الدار، أو قال: امرأتهُ طالق إن دخل هذه الدار، ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق، ثم دخل عبده أو امرأتهُ الدار حتى وقع الطلاق والعتاق حنث في يمينه قياساً، وفي الاستحسان لا يحنث لأن شرط الحنث تطليق وإعتاق بعد اليمين لما عرف أن الأيمان تقتضي شروطاً في المستقبل، والتطليق والإعتاق ههنا وجدا قبل اليمين لوجود كلمة الإيجاب قبل اليمين، وهذا لأن الإعتاق ليس إلا التلفظ بلفظ يقع به العتق، والتطليق ليس إلا التلفظ بلفظ يقع به الطلاق وهو قوله: أنت حر، وقوله: أنت طالق، وقد وجد هذا اللفظ من الحالف قبل اليمين، فلا يصح شرطاً للحنث. ولو وجد الإعتاق والتطليق بعد اليمين، ولكن بكلام أنشأه قبل اليمين وشرط الحنث تطليق وإعتاق نفذ اليمين بكلام أنشأه بعد اليمين لتمكنه الامتناع عنه، فلهذا لم يحنث في يمينه.
ولو حلف ألا يطلق امرأته ولا يعتق عبده. ثم قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر أو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، ثم دخل العبد أو المرأة الدار حتى وقع العتق أو الطلاق يحنث في يمينه (٣٧٧ب١) ، لوجود الإعتاق والتطليق بعد اليمين لوجود كلمة الإيجاب بعد اليمين على العبارة الأولى، ولوجود التطليق والإعتاق بعد اليمين بكلام أنشأه بعد اليمين على العبارة الثانية.
ولو قال لامرأتهِ: طلقي نفسك، أو قال لعبده: أعتق نفسك، ثم حلف ألا يطلق ولا يعتق ثم إنها طلقت نفسها في المجلس أو أعتق العبد في المجلس نفسه حنث الحالف في يمينه. وروي عن محمد ﵀ أنه لا يحنث، والصحيح ظاهر الرواية؛ لأن شرط الحنث التطليق والإعتاق بعد اليمين وقد وجد لوجود كلمة الإيجاب من الزوج والمولى بعد اليمين.
بيانه: أن وقوع الطلاق والعتاق ههنا ليس بقوله: طلقي نفسك، أعتق نفسك، لأن ذلك تفويض وبمجرد التفويض لا يثبت الوقوع، وإنما الوقوع بطريق أن المفوض يصير متكلماً بكلام المفوض إليه إذا تكلم المفوض إليه وجد بعد اليمين، فصار الحالف متكلماً بذلك الكلام بعد اليمين، فصار معتقاً ومطلقاً بعد اليمين فحنث. بخلاف المسألة المتقدمة لأن وقوع الطلاق والعتاق هناك بغير الكلام السابق الذي أنشأه قبل اليمين، وهذا لا يصلح داخلاً تحت اليمين.
стр. 1858
وفي «المنتقى» أن محمداَ ﵀ كان يقول أولاً في هذه المسألة: إنه لا يحنث، ثم رجع فقال: يحنث. وكذلك لو قال لامرأتهِ: أمرك بيدك في الطلاق، أو قال لعبده: أمرك بيدك في العتاق ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق، فطلقت المرأة نفسها أو أعتق العبد نفسه حنث في يمينه، لوجود التطليق والإعتاق بعد اليمين، لوجود كلمة الإيجاب بعد اليمين.
ولو قال لامرأتهِ: أنت طالق إن شئت، أو قال لعبده: أنت حر إن شئت، ثم حلف أن لا يطلق ولا يعتق، ثم شاءا فعل إليها حتى الطلاق والعتاق وحنث؛ لأن كلمة الإيقاع وجدت قبل اليمين إلا أن الوقوع تعلق بالمشيئة، فعند المشيئة يثبت الوقوع بالإيقاع السابق، ولهذا يثبت الوقوع بالإيقاع السابق، ولهذا يثبت عند المشيئة من غير أن يلتفظا بلفظة الإيقاع.
إذا حلف الرجل لا يعتق في هذه السنة، فأدى مكاتب إليه مكاتبة وعتق، فإن كانت المكاتبة قبل اليمين لا يحنث، وإن كانت الكتابة بعد اليمين حنث.
رجل قال لامرأتهِ: إن طلقتك فكذا فآلى منها فمضت مدة الإيلاء من غير..... حتى وقع عليها تطليقة بحكم الإيلاء حنث الزوج في يمينهِ، ولو حلف وهو عنين وفرق القاضي بينهما بحكم العنة لا يحنث في يمينه، والعرف أن في فصل الايلاء الزوج صار مطلقاً بعد اليمين؛ لأن تقدير الإيلاء: ان لم أقربك أربعة أشهر فأنت طالق، وفي العنين لم يصر مطلقاً وقوع الطلاق ما كان بفعل الزوج بل القاضي ألزمه حكم الطلاق وجعله مطلقاً حكماً، هكذا ذكر في «النوازل» .
وفي «المنتقى» : إذا آلى منها وبانت بالإيلاء لو كان عنيناً فخاصمته إلى القاضي، وفرق بينهما وكل شيء من ذلك يكون طلاقاً، فإنه يحنث به الزوج الحالف، فهذا إلى.... فصل العنة يقع الحنث أيضاً. فإن الفرقة في فصل العنين طلاق وقد عرفت المسألة في كتاب الطلاق في فصل المتفرقات.
رجل قال لامرأتهِ: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله لا يحنث في يمينه، لأن الاستثناء أبطل الجزاء فأبطل اليمين، ألا ترى أنه لو قال: إن أقررت لفلان بعشرة دراهم فامرأته طالق، ثم قال: لفلان عليَّ عشرة دراهم إلا درهم لا يحنث، وطريقه ما قلنا.
حلف أن لا يطلق امرأته فطلقها عنه رجل لغير أمره وعلمه فبلغهُ الخبر فأجاز فقد قيل: يحنث على كل حال، وقد قيل: لا يحنث على كل حال، وقيل: إن أجاز القول يحنث وإن أجاز الفعل بأن أخذ بدل الخلع لا يحنث، وهذا ومسألة النكاح سواء.
وفي عتاق «النوازل» إذا قال لامرأته: إن تكلمت بطلاقك فعبدي حر، ثم قال لها: إن شئت فأنت طالق، فقالت لا أشاء ثمة لا تعتق، لأنه لم تتكلم بالإيقاع. إذا قال لها:
стр. 1859
إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، ثم قال لها: أنت طالق إن شاء الله، فعلى قول أبي يوسف تطلق، لأنه لا توقف على مشيئة الله تعالى.
الفصل الثاني عشر في الحلف على الأفعال
المحيط البرهانى
هذا الفصل يشتمل على أنواع منه أيضاً في الصلاة والصوم والحج:
إذا حلف لا يصلي فصلى صلاة فاسدة بأن صلى بغير طهارة مثلاً لا يحنث في يمينه استحساناً، لأن مطلق الاسم ينصرف إلى الكامل، والكامل من التصرفات والأفعال ما يفيد حكمها. وحكم الصلاة سقوط الفرض وحصول الثواب، وكل ذلك لا يحصل بالصلاة الفاسدة، ولو نوى الفاسد صدق ديانة وقضاء؛ لأن الصلاة الفاسدة صلاة صورة لا معنى. وإطلاق الشيء على صورته جائز مجازاً، فقد نوى ما يحتملهُ لفظهُ وفيه تغليظ عليه؛ لأن مع هذه النية يحنث بالجائز والفاسد جميعاً. في هذه الصورة الجمع بين الحقيقة والمجاز، وإنما طريقه أنه وجد في الصحيح ما في الفاسد وزيادة، والزيادة على شرط الحنث لا يمنع الحنث.
ولو كان عقد يمينه على الماضي بأن قال: إن كنت صليت فهذا على الجائز والفاسد جميعاً، وإن نوى الجائز في الماضي خاصة صحت نيته فيما بينه وبين الله تعالى وفي القضاء.
ولو قال: عبده حر إن صلى اليوم صلاة، فصلى ركعة قطعها (٣٧٨ب١) لا يحنث في يمينه، لأن المنفي باليمين فعل الصلاة وأن يكون المفعول صلاة فمطلق الاسم ينصرف إلى الكامل، والركعة الواحدة ليست بصلاة كاملة، لأنها لا تفيد حكم الصلاة لأنها بترة فإن «النبي صلى الله عليه وسلّمنهى عن البتيراء والبتيراء ركعة واحدة» .
ولو قال: عبده حر إن صلى اليوم، ولم يقل: صلاة فصلى ركعة واحدة حنث في يمينه؛ لأن المنفي باليمين ههنا فعل الصلاة وكون المفعول صلاة، وإذا صلى ركعة واحدة فقد فَعَلَ فِعْلَ الصلاة فوجد شرط الحنث فيحنث، إلا أنه إذا قطعها بعد ذلك فقد انتقض فعل الصلاة ولكن بعد صحته، والانتقاض إنما يظهر في حق حكم يفيد الانتقاض، والحنث بعد تحققه لا يفيد الانتقاض.
فإن قيل: شرط الحنث فعل الصلاة وبالركعة الواحدة لا يصير فاعلاً فعل الصلاة؛ لأن الصلاة اسم لأفعال مجموعة من جملة ذلك القعدة، ولا قعدة في الركعة الأولى. قلنا: لا بدّ فيه (من) قعدة فإن بعد ما رفع رأسه من السجدة الأخيرة يقعد لا محالة إلا أن هذه القعدة لا تجزىء عن فعل الصلاة، لكن المنفي باليمين الإتيان بفعل الصلاة لا الإتيان بفعل يجزىء عن فعل الصلاة.
стр. 1860
فإن قيل: هذا المعنى ليس بصحيح فإن بنفس السجود يقع الحنث وإن لم يرفع رأسه، قلنا: لا رواية في هذا الفصل عن أصحابنا ﵏، وقد اختلف المشايخ ﵏ فيه بعضهم قالوا: لا بدّ للحنث من رفع الرأس من السجود ليصير إتياناً بالقعود، فيصير إتياناً بجميع أفعال الصلاة. وقال بعضهم: لا يشترط رفع الرأس؛ لأن الساجد ساجد وقاعد والسجود سجدة وقعدة، ولكن بصفة أخرى. فقد اتفق المشايخ على اشتراط القعدة، وإن اختلفوا في كيفيته.
ولو كان حلف أن لا يصلي ولم يقل صلاة فإنما يحنث إذا قيّد الركعة، حتى إنه إذا افتتح الصلاة وركع ولم يسجد لا يحنثُ في يمينه؛ لأن ما دون ... ... ولهذا لا يقال: صلى قياماً صلى ركوعاً صلى سجوداً هذه الجملة من «الجامع» .
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف ﵀ إذا قال الرجل لعبده: إن صليت ركعة فأنت حر فصلى ركعة بسجود ثم تكلم قال: لا يعتق، لأنها ليست بصلاة، وإن صلى ركعتين وقعد مقدار التشهد عتق بتمام الركعة، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» . فأبو يوسف لم يجعل الركعة بانفرادها صلاة، وتبين برواية ابن سماعة أن المذكور في «الجامع» قول محمد ﵀.
وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يصلي خلف فلان فأم فلان وقام الحالف عن يمينيه فهو حانث إن لم يكن له نية، وإن نوى أن يكون خلفه لم يدين في القضاء. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل قال: والله لا أصلي معك فصليا خلف إمام لم يحنث إلا أن يكون نوى أن يصلي معه ليس معهما غيره، وإذا حلف لا يصلي صلاة فصلى ركعتين ولم يقعد قدر التشهد فقد قيل: يحنث في يمينهِ، وقد قيل: لا يحنث، لأن المنفي فعل الصلاة وكون المفعول صلاة ومطلق الاسم ينصرف إلى الكامل، والركعتان بدون القعدة ليست بصلاة كاملة على ما ذكرنا في الركعة الواحدة. وقيل: إن عقد يمينه على فعل لا يحنث في يمينهِ، وإن عقد يمينه على الفرض وهي من ذوات المثنى فكذلك، وإن عقد يمينه على الفرض وهي من ذوات الأربع يحنث في يمينه، وهو الأظهر والأشهر.
ولو حلف لا يصلي فقام وركع وسجد ولم يقرأ فقد قيل: لا يحنث، وقد قيل يحنث. وهكذا ذكر في «المنتقى» .
ولو حلف لا يصلي الظهر لم يحنث حتى يتشهد بعد الأربع، وكذلك إذا حلف لا يصلي الفجر لم يحنث حتى يتشهد بعد الركعتين، وكذلك إذا حلف لا يصلي المغرب لم يحنث (إلا) بتشهد بعد الثلث. وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀ في رجل قال: والله ما صليت اليوم صلاة يعني بجماعة، وإن الصلاة بغير جماعة ليست بصلاة كانت بنية على هذا، قال: يسعه فيما بينهم وبين الله تعالى، وكذلك إذا قال: ما صليت اليوم ظهراً يعني ظهر أمس، أو أول من أمس فإنه يسعهُ فيما بينه وبين الله تعالى، ولو قال: والله ما
стр. 1861
صليت الظهر يعني في جماعة لم تسعهُ النية عندي في هذا، ولو على الظهر في السفر، ثم قال: والله ما صليت ظهراً يعني ظهر مقيم، فان النية تسعه في هذا فيما بينهُ وبين الله تعالى.
وروى المعلى عن محمد ﵀ إذا قال: ما صليت الظهر يعني وحده، وقد صلاها في جماعة لم يدين. وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف إذا قال الرجل لغيره: إن لم أصل الظهر معك اليوم فامرأتي طالق، فأدرك منهما ثلاث ركعات وسبقه بركعة لزمه الطلاق، ولو كان قال: إن صليت الظهر اليوم إلا معك لم يحنث، وإنما يحنث إذا صلى كلها وحده.
ولو حلف لا يصلي الظهر خلف فلان أو معه، فأدرك معه أول الصلاة فأحدث وذهب وتوضأ ورجع وقد فرغ الإمام فصلاها بعده لا يحنث. ولو كان حلف أن لا يصلي الظهر صلاة فلان حنث، ولو حلف لا يصلي معه أو خلفه وكبر معه ثم نعس في الركعة الأولى حتى فرغ الإمام منها ثم أتبعهُ فيها وصلى ما بقي معه حنث في يمينه.
ولو حلف لا يصلي معه الجمعة ثم إن الإمام أحدث وقدم الحالف وصلى بهم الجمعة لا يحنث، ولو كان حلف لا يصلي بصلاته وباقي المسألة بحالها حنث في يمينه، لأنه صلى بصلاته أما لم يصلي معه. وعن أبي يوسف رواية مجهولة إذا حلف الرجل لا يؤم أحداً فافتتح الصلاة بنفسه لا يريد أن يؤم واحداً (٣٧٨ب١) ، فجاء قوم واقتدوا به ولم ينو أن يؤمهم حنث قضاءً ولا يحنث ديانة، لأنه أمهم ظاهراً إلا أنه لم يقصد، (و) ذلك أمر بينهُ وبين ربه، فيلزمه الحنث قضاء لا ديانة. فإن كان هذا الذي حلف أشهد قبل الدخول أنه لا يؤم أحداً، فجاؤوا وائتموا لا يحنث قضاءً وديانة. لأن على صدق نيته علامة يقف القاضي عليها وهي الإشهاد.
ولو كان هذا الحالف شرع في صلاة غيره فأحدث الإمام بعد ما صلى الرابعة وتشهد وقدّم الحالفَ وانصرف فسلم بهم الحالف فهو إمام لهم فيما بقي عليهم. ولو كان صلى هذا الحالف بالناس الجمعة فنوى أن يصلي لنفسه الجمعة ولا يؤم، لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى، ويحنث في القضاء. قال: وكان ينبغي أن تكون الجمعة فاسدة، ولكني أستحسن مؤداها تامة له ولهم، ولو أمهم في صلاة جنازة أو سجدة تلاوة لا يحنث في يمينه إنما يمينه على الصلاة المعهودة المكتوبة والنافلة، إذا حلف الرجل لا يصلي بهم لم يحنث حتى يركع ويسجد. قال أبو يوسف: هكذا قال أبو حنيفة.
قال أبو يوسف ﵀: وأما الذي حلف أن لا يصلي فلا أحفظ عنه فيه. وإذا قال: عبده حر إن صليت الجمعة مع الإمام وقد كان أدرك الإمام في الركعة الثانية وصلاها مع الإمام، فلما فرغ الإمام قام وقضى الركعة الأولى (لم) يحنث في يمينه؛ لأنه ما صلى الجمعة مع الإمام لأن المسبوق فيما يقضي منفرد، ولو كان أدرك الإمام في الركعة الأولى وصلى معه حنث في يمينه.g
ولو افتتح الصلاة مع الإمام ثم قام حتى سلم الإمام، ثم قام فصلى حنث في يمينه؛ لأنه صلى معهُ لأنه خلف الإمام حكماً وكلمة معه وإن كان للمقارنة ولم تقع أفعال صلاته
стр. 1862
مقارنة لأفعال صلاة الإمام إلا أن العمل بحقيقة القرآن وأفعال الصلاة بحيث لا يتقدم ولا يتأخر متعذر فسقط اعتبار حقيقة القران وحمل على الاقتداء والمتابعة عرفاً. وقد وجدها هنا فإن من سبقه الحدث مقتد بالإمام متابعة له على ما عرف قال إلا أن يعني شيئاً فهو على ما عنى يريد به إذا نوى المتابعة والاقتداء به على سبيل المقارنة لا غير، أو نوى المتابعة والاقتداء على سبيل المقارنة لا غير فإنه بدون النية ينصرف إلى الاقتداء والمتابعة المطلقة سواء كان على سبيل المقارنة، أو لا على سبيل المقارنة، فإذا نوى أحدهما على الخصوص يدين فيها بينهُ وبين الله تعالى. وهل يدين قضاء؟ لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» ، ولا شك أنه لا يصدق فيما إذا نوى المتابعة لا على سبيل المقارنة، فإذا نوى المتابعة على سبيل المقارنة فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه بعضهم قالوا: يصدق وإن كان فيه تخفيفاً لأنه نوى حقيقة كلامه، وبعضهم قالوا: لا يصدق لأن هذه الحقيقة مهجورة في مسألتنا، ألا ترى أن هذه الحقيقة لم تتعين لصرف اليمين إليها من غير نية، فكانت بمنزلة المجاز وفيه تخفيف فلا يصدق.
ولو حلف لا يصلي الظهر خلف فلان أو معه، فأدرك معه أول الصلاة فأحدث وذهب وتوضأ ورجع وقد فرغ الإمام فصلاها بعده لا يحنث. ولو كان حلف أن لا يصلي الظهر صلاة فلان حنث، ولو حلف لا يصلي معه أو خلفه وكبر معه ثم نعس في الركعة الأولى حتى فرغ الإمام منها ثم أتبعهُ فيها وصلى ما بقي معه حنث في يمينه.
ولو حلف لا يصلي معه الجمعة ثم إن الإمام أحدث وقدم الحالف وصلى بهم الجمعة لا يحنث، ولو كان حلف لا يصلي بصلاته وباقي المسألة بحالها حنث في يمينه، لأنه صلى بصلاته أما لم يصلي معه. وعن أبي يوسف رواية مجهولة إذا حلف الرجل لا يؤم أحداً فافتتح الصلاة بنفسه لا يريد أن يؤم واحداً (٣٧٨ب١) ، فجاء قوم واقتدوا به ولم ينو أن يؤمهم حنث قضاءً ولا يحنث ديانة، لأنه أمهم ظاهراً إلا أنه لم يقصد، (و) ذلك أمر بينهُ وبين ربه، فيلزمه الحنث قضاء لا ديانة. فإن كان هذا الذي حلف أشهد قبل الدخول أنه لا يؤم أحداً، فجاؤوا وائتموا لا يحنث قضاءً وديانة. لأن على صدق نيته علامة يقف القاضي عليها وهي الإشهاد.
ولو كان هذا الحالف شرع في صلاة غيره فأحدث الإمام بعد ما صلى الرابعة وتشهد وقدّم الحالفَ وانصرف فسلم بهم الحالف فهو إمام لهم فيما بقي عليهم. ولو كان صلى هذا الحالف بالناس الجمعة فنوى أن يصلي لنفسه الجمعة ولا يؤم، لم يحنث فيما بينه وبين الله تعالى، ويحنث في القضاء. قال: وكان ينبغي أن تكون الجمعة فاسدة، ولكني أستحسن مؤداها تامة له ولهم، ولو أمهم في صلاة جنازة أو سجدة تلاوة لا يحنث في يمينه إنما يمينه على الصلاة المعهودة المكتوبة والنافلة، إذا حلف الرجل لا يصلي بهم لم يحنث حتى يركع ويسجد. قال أبو يوسف: هكذا قال أبو حنيفة.
قال أبو يوسف ﵀: وأما الذي حلف أن لا يصلي فلا أحفظ عنه فيه. وإذا قال: عبده حر إن صليت الجمعة مع الإمام وقد كان أدرك الإمام في الركعة الثانية وصلاها مع الإمام، فلما فرغ الإمام قام وقضى الركعة الأولى (لم) يحنث في يمينه؛ لأنه ما صلى الجمعة مع الإمام لأن المسبوق فيما يقضي منفرد، ولو كان أدرك الإمام في الركعة الأولى وصلى معه حنث في يمينه.g
ولو افتتح الصلاة مع الإمام ثم قام حتى سلم الإمام، ثم قام فصلى حنث في يمينه؛ لأنه صلى معهُ لأنه خلف الإمام حكماً وكلمة معه وإن كان للمقارنة ولم تقع أفعال صلاته مقارنة لأفعال صلاة الإمام إلا أن العمل بحقيقة القرآن وأفعال الصلاة بحيث لا يتقدم ولا يتأخر متعذر فسقط اعتبار حقيقة القران وحمل على الاقتداء والمتابعة عرفاً. وقد وجدها هنا فإن من سبقه الحدث مقتد بالإمام متابعة له على ما عرف قال إلا أن يعني شيئاً فهو على ما عنى يريد به إذا نوى المتابعة والاقتداء به على سبيل المقارنة لا غير، أو نوى المتابعة والاقتداء على سبيل المقارنة لا غير فإنه بدون النية ينصرف إلى الاقتداء والمتابعة المطلقة سواء كان على سبيل المقارنة، أو لا على سبيل المقارنة، فإذا نوى أحدهما على الخصوص يدين فيها بينهُ وبين الله تعالى. وهل يدين قضاء؟ لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» ، ولا شك أنه لا يصدق فيما إذا نوى المتابعة لا على سبيل المقارنة، فإذا نوى المتابعة على سبيل المقارنة فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه بعضهم قالوا: يصدق وإن كان فيه تخفيفاً لأنه نوى حقيقة كلامه، وبعضهم قالوا: لا يصدق لأن هذه الحقيقة مهجورة في مسألتنا، ألا ترى أن هذه الحقيقة لم تتعين لصرف اليمين إليها من غير نية، فكانت بمنزلة المجاز وفيه تخفيف فلا يصدق.
ولو قال: عبده حر إن أدرك الظهر مع الإمام اليوم فأدركهُ في التشهد ودخل معهُ حنث، لأن إدراك الشيء بإدراك آخره وبلحوق الجزء الآخر منهُ فقال: فلان أدرك من رسول الله ﷺ ويراد به لحوقه آخر وقد لحق بآخره.
رجل حلف ليصلين هذا اليوم خمس صلوات بالجماعة، ويجامع امرأته فلا يغتسل ينبغي أن يصلي الفجر والظهر والعصر بالجماعة ثم يجامع امرأتهُ ثم يغتسل لما غربت الشمس ويصلي المغرب والعشاء بالجماعة ولا يحنث.
وإذا حلف الرجل فقال: والله ما أخرج صلاة عن وقتها، وقد كان نام عن صلاة حتى خرج وقتها وصلاها فقد قيل يحنث، وقيل: لا يحنث لأن ذلك وقتها «قال رسول الله صلى الله عليه وسلّممن نام عن صلاة أو نسيها فليصها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» . وإن حلف لا يصلي بأهل هذا المبنى ما دام فلان يصلي فيه فمرض فلان ثلاثة أيام ولم يصلِّ فيه إن كان فلان صحيحاً فلم يصل فيه فصلى الحالف بعد ذلك فيه لا يحنث.
حلف لا يصلي في هذا المسجد فزيد فيه فصلى في موضع الزيادة لا يحنث، ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان فزيد فيه فصلى في موضع الزيادة حنث هكذا قيل. وقيس هذه المسألة على ما إذا حلف لا يدخل هذا المسجد فريد فيه فدخل في موضع الزيادة لا يحنث. ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان فريد فيه فدخل في موضع الزيادة حنث ومسألة الدخول في «القدوري» .
رجل قال لامرأته: إن لم تصل الساعة ركعتين فأنت وطالق، فقامت وكبرت فحاضت أو قال لها: أن لم تصومي غداً، فأنت طالق، فصامت من الغد فحاضت حنث
стр. 1863
في يمينهِ، قيل: هذا الجواب مستقيم وعلى قول أبي يوسف ﵀ غير مستقيم، على قولهما كما في مسألة الكوز، وقيل: لا.... هذا الجواب مستقيم على قول الكل لأن شرع الصوم مع الحيض متصور، فصار كمسألة مس السماء.
رجل قال لامرأتهِ: إن لم تصبحي غداً ولم تصلي فأنت طالق، فأصبحت وشرعت في الصلاة فطلعت الشمس أفتى شمس الأئمة الحلواني ﵀ بعدم الوقوع، وأفتى ركن الإسلام السغدي ﵀ بالوقوع، وقول ركن الإسلام أظهر، لأن هذا طلاق معلق بعدم الفصل في مجلس، فينظر فيه إلى شرط البر وشرط البر أن تصلب وتصلي وقد أصبحت ولم تصل ففات شرط البر فيتعين الحنث، وقد ذكرنا هذا الفصل بتمامه في كتاب الطلاق.
وإذا حلف لا يصوم اليوم، يعني: اليوم..... فأصبح صائماً ثم أفطر لا يحنث في يمينه، لأن الصوم فعل ممتد وقد أضيف إلى وقت الفعل الممتد إذا أضيف إلى وقت كان الوقت معياراً له، وإنما اليوم معيار للصوم إذا وجد الصوم في جميع اليوم أما إذا وجد الصوم في بعض اليوم كان المعيار بعض اليوم، فصار شرط الحنث الصوم الموجود في جميع اليوم ولم يوجد الصوم في جميع اليوم. وكذلك إذا حلف أن لا يصوم يوماً فأصبح صائماً ثم أفطر لا يحنث في يمينه، لأن شرط الحنث صومه ولم يوجد صومه، ولو حلف لا يصوم يوماً فأصبح صائماً ثم أفطر لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في كتبهِ، وذكر الكرخي ﵀ في «كتابهِ» : أنه لا يحنث (٣٧٩أ١) في يمينه لأنه ذكر الصوم مطلقاً فينصرف إلى الكامل وهو الصوم المفيد لحكمه وهو الصوم في أول اليوم إلى آخره.
وحُكي عن القاضي أبي الهاشم ﵀: أنه إذا نوى المصدر يحنث في يمينه، وإن لم ينو المصدر (يحنث أيضاً) لأن صوم ساعة مما يتقرب به إلى الله تعالى في الجملة، ألا ترى أن العلماء قالوا: لا يستحب للرجل أن يصوم يوم العيد حتى يصلي صلاة العيد، فكان صوماً كاملاً فينطلق عليه مطلق اسم الصوم.
ولو حلف لا يصوم فأصبح صائماً ثم أفطر يحنث في يمينه، لأن شرط الحنث ههنا فعل الصوم، فبهذا القدر يصير فاعلاً فعل الصوم؛ لأن الصوم في اللغة عبارة عن الإمساك المجرّد، وفي الشرع عبارة عن الإمساك مع النية. وكما شرع في الصوم بنيّة الصوم فقد وجد ذلك، وما زاد عليه تكرار للمحلوف عليه، وتكرار المحلوف عليه ليس بشرط لوقوع الحنث، وإذا حلف لا يحج فحمد على الصحيح دون الفاسد، وإذا حلف لا يحج ولا يحج حجه فأحرم بالحج لم يحنث حتى يقف عرفة، رواه ابن سماعة عن محمد ﵀، وروى بشر عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحنث حتى يطوف أكثر طواف الزيارة. ولو حلف لا يعتمر أو لا يعتمر عمرة لم يحنث حتى يُحْرِم بالعمرة ويطوف أربعة أشواط رواه بشر عن أبي يوسف ﵀، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 1864
نوعمنه في الوضوء والغسل
إذا حلف لا يتوضأ من الرعاف فرعف ثم بال ثم توضأ أو بال ثم رعف وتوضأ. فالوضوء منهما جميعاً ويحنث في يمينه، هكذا ذكر في «المنتقى» .
وفيه أيضاً: إذا حلف الرجل لا يغتسل من امرأته هذه من جنابة فأصابها ثم أصاب امرأة أخرى له أوأصاب امرأة أخرى له ثم أصاب المحلوف عليها واغتسل، فهذا اغتسال منها يحنث في يمينه، وكذلك المرأة إذا حلفت أن لا تغتسل من جنابة أو من حيض فأصابها زوجها وحاضت، واغتسلت فهو اغتسال منهما فتحنث في يمينها. هذه الجملة من «المنتقى» ، وروي عن أبي حنيفة ﵀ فيمن قال: إن اغتسلت من زينب فهي طالق أو اغتسلت من عمرة فهي طالق، فجامع زينب ثم جامع عمرة واغتسل فهذا الاغتسال منهما ويقع الطلاق عليهما.
وذكر الشيخ الإمام الزاهد عبد الرحيم الكرميني في «شرح كتاب الصلاة» في باب الغسل والجنابة: أن الحائض إذا أجنبت لا يجب عليها الغسل حتى تطهر من الحيض، وإذا طهرت واغتسلت فظاهر الجواب أنّ الاغتسال منهما. وقال أبو عبد الله الجرجاني: يكون من الأول دون الثاني، وكذلك الرجل إذا رعف ثم بال فالوضوء يكون من الأول عند أبي عبد الله الجرجاني.
فالحاصل: أنّ على قول أبي عبد الله الجرجاني إذا اجتمع الحدثان فالوضوء بعدهما يكون (من) الأول اتحد الجنس أو اختلف. وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: إن اتحد الجنس بأن بال ثم بال أو رعف ثم رعف وأشباه ذلك فالوضوء من الأوّل وإن اختلف الجنس بأن بال ثم رعف فالوضوء يكون منهما.
وقال الشيخ الإمام الزاهد عبد الرحيم: ... أن الوضوء من الحدثين إذا استويا في الغلظة والخفة، وإذا كان أحدهما أغلظ فالوضوء من أغلظهما كما إذا رعف أو بال ثم أجنب وقد وجدنا الرواية عن أبي حنيفة ﵀ أن الوضوء يكون منهما، ورجعنا إلى قوله.
وفائدة هذه الاختلاف إنما تظهر في مسألة الحلف التي ذكرناها، فإذا حلف أن لا يتوضأ من الرعاف ورعف ثم بال وتوضأ حنث في يمينه بلا خلاف، أمّا على قول أبي عبد الله الجرجاني فلأنه يعتبر الوضوء من أول الحدثين، والأول الرعاف، وعلى قول أبي جعفر الوضوء منهما عند اختلاف الجنس، وقد اختلف الجنس، وعلى ظاهر الجواب الوضوء من الحدثين جميعاً في الأحوال كلها ينصرف، فيصير متوضئأ من الرعاف وهو شرط الحنث، وإن بال أولاً ثم رعف وتوضأ، فعلى قول أبي عبد الله لا يحنث في يمينه، لأن الوضوء عنده وقع عن البول لا عن الرعاف؛ لأن البول أولهما، وعلى ظاهر الجواب
стр. 1865
يحنث في يمينه، لأن الوضوء عنهما، وكذلك على قول الفقيه يحنث لأن الوضوء عنهما لما اختلف الجنس.
وإذا حلف لا يغتسل من امرأته هذه فأصابها ثم أصاب امرأة أخرى ثم اغتسل حنث بلا خلاف، أما على قول الفقيه أبي عبد الله الجرجاني ﵀ لأن الاغتسال عن المرأة المحلوف عليها عنده أيضاً لأن الجنس متحد وأما على ظاهر الرواية الجواب فلأن الاغتسال وقع عنهما فوجد شرط الحنث وزيادة وعلى هذا الأصل يخرج جنس هذه المسائل.
نوع آخر منه فى الأكل
إذا حلف الرجل لا يأكل والأكل أن يوصل إلى جوفه ... في فيه المضغ.. سواء مضغه ثم.... غير ممنوع حتى.... حلف أن لا يأكل هذه البيضة أو هذه الجوزة فابتلعها كذلك حنث في يمينه. لأن المضغ ليس بشرط وإنما الشرط أن يكون بحيث ينافي فيه المضغ. ولو حلف على أكل شيء لا ينافي فيه المضغ بنفسه فأكل مع غيره فإن كان مما يؤكل كذلك حنث في يمينه.
وإن حلف أن لا يأكل هذا اللبن فأكله سمن أو ... حلف لا يأكل هذا العسل فأكله كذلك يحنث في يمينه لأن هذا يسمى آكلاً في العادة وإن.... على ذلك ماء فشرب لا يحنث في يمينه لأن هذا شرب، وليس كذلك لو حلف (٣٧٩ب١) لا يأكل هذا السويق فشربه شرباً لا يحنث، لأن هذا ليس بأكل، وإذا عقد يمينه على أكل ما هو مأكول بعينه ينصرف يمينه إلى أكل عينه، وإذا عقد يمينه على أكل ما هو ليس بمأكول بعينه، أو عقد يمينه إلى ما يتخذ منه مجازاً والأصل في جنس هذه المسائل العمل بالحقيقة عند الإمكان، وعند تعذر العمل بالحقيقة أو عند وجود العرف بخلاف الحقيقة ترك الحقيقة، ألا ترى إن باع شيئاً بدراهم ينصرف إلى نقد البلد بدلالة العرف، وفي الصرف إلى نقد البلد ترك حقيقية اسم الدراهم من وجه يعلم أنه كما ترك الحقيقة للتعذر تركه لأجل العرف إذا ثبت هذا فنقول فيما إذا عقد يمينه على أكل ما هو مأكول بعينه العمل بالحقيقة ممكن فينصرف يمينه إلى أكل عينه وإذا عقد يمينه على ما ليس بمأكول بعينه إلا أنه لا يؤكل لذلك عادة فالعمل بالحقيقة غير ممكن فينصرف يمينه إلى ما يتخذ منه مجازاً.
بيان هذا الأصل الأصل من المسائل. إذا حلف لا يأكل من هذه الشاة شيئاً فأكل من لبنها وسمنها لا يحنث، لأنه أكل غير الشاة فتنعقد اليمين بالعين لا بما يتولد من العين، وكذلك إذا حلف لا يأكل من هذا العنب فأكل من ذبيبه أو عصيره لا يحنث، لأن العنب مأكول ما يعقد يمينه على أكل منه باسمه. ولذلك لو حلف لا يأكل من هذا اللبن فأكل من شيرازه لا يحنث، لأنّ عينه مأكول فلا ينعقد اليمين على ما يتخذ منه، ولذلك
стр. 1866
إذا جعل اللبن جبناً أو أقِطَاً وأكل منه لا يحنث لما قلنا.
وكذلك إذا حلف لا يذوق من هذا الخمر فذاقه بعد ما صار خلاً لا يحنث، وكذلك لو حلف لا يأكل من هذه الحنطة فزرعها فأكل مما خرج منها لا يحنث، والمعنى في الكل ما ذكرنا.
وقال في «الجامع» : إذا حلف لا يأكل من هذه النخل شيئاً، فأكل التمر أو طلعها أو بسرها أو دبسها حنث؛ لأن عين النخلة غير مأكول فينصرف يمينه إلى ما يخرج منه مجازاً وأراد بالدبس ما يُسْتَلّ من الرطب وإن اتخذ من الدبس ناطفاً أو نبيذاً لا يحنث في يمينه، لأن يمينه انصرف إلى ما يخرج من النخلة، والنبيذ والناطف لم يخرجا من النخلة كذلك فلا يحنث بأكله. وكذلك إذا حلف لا يأكل من هذا الكرم شيئاً فأكل من عنبه أو زبيبه أو عصيره حنث في يمينه، لأن عين الكرم ليس بمأكول لأنه شجرة العنب فينصرف يمينه إلى ما يخرج منه، كما في النخلة. وهذه الأشياء خارج من النخلة. أمّا العنب والزبيب فظاهر، وأما العصير فلأنه ماء العنب إلا أنه كان متمكناً بالعصر، ولو أكل من خله لا يحنث لأنه ليس بخارج منه بهذه الصفة.
وإذا حلف لا يأكل من هذا الدقيق فأكل من خبزه يحنث، لأن الدقيق وإن كان مأكولاً بعينه إلا أنه لا يؤكل كذلك عادة، فينصرف يمينه إلى ما يتخذ منه مجازاً.
وفي «النوادر» : لو اتخذ منه أن يحنث، يكون كذلك وإن أكل عين الدقيق هذا، يحنث ولم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في شيء من الكتب. وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: لا يحنث لأن المجاز وهو ما يتخذ منه صار مراداً فلا تبقى الحقيقة مرادة ولو كان حين حلف غيرته عين الدقيق لا يحنث، بأكل لأنه نوى غير ما يقتضيه حقيقة كلامه وظاهره، فيتقيد اليمين.
وإذا حلف أن لا يأكل من هذه الحنطة وهو ينوي أن لا يأكلها حبة حبة صحت نيّتُه حتى لو أكل من خبزها لا يحنث في يمينه، لأنه نوى حقيقة كلامه والعمل بالحقيقة ممكن لأن الحنطة مأكول عينها فتتقيد اليمين بالحقيقة، وإن نوى أن لا يأكل مما يتخذ منها صحت نيتُه أيضاً حتى لا يحنث بأكل عينها، وإن لم تكن له نيّة فأكل من خبزها لم يحنث عند أبي حنيفة ﵀ وعندهما يحنث، ولو أكل عينها يحنث عند أبي حنيفة ﵀، وأمّا عندهما هل يحنث؟ أشار في أيمان «الأصل» : إلى أنه لا يحنث، فإنه قال: في «أيمان الأصل» : إذا أكل من خبزها حنث، إلا أن ينوي الخبز بعينه فإنما صرف يمينه إلى العين بالنية، فدلّ على أنه من غير النية ينصرف إلى الخبز.
وأشار في «الجامع الصغير» : إلى أنه يحنث فإن قال ثمة إذا حلف لا يأكل من هذه الحنطة فأكل من خبزها لا يحنث عند أبي حنيفة ﵀. وإن قضمها حبة حبة حنث في يمينه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يحنث إذا أكل من خبزها أيضاً، فهذه إشارة
стр. 1867
إلى أنه متى أكل الخبز يحنث، وأما آكل العين يحنث والصحيح ما ذكر في أيمان «الأصل» .
فوجه قولهما أن الحنطة متى ذكرت مقرونة بالأكل يراد به في عرف الاستعمال خبزها، يقال: فلان يأكل الحنطة وأهل بلد كذا يأكلون الحنطة، ويريدون خبزها ومطلق الاسم من غير نيّة ينصرف إلى المتعارف وصار تقدير يمينه لا أكل من خبز هذه الحنطة.
ولو قال هكذا إذا أكل خبزها يحنث، وإذا أكل من غيرها لا يحنثُ كذا ههنا. وعند أبي حنيفة ﵀ أن الحنطة عينها مأكول ... فيؤكل ويتخذ منها الهريسة فقد عقد يمينه على ما هو مأكول، فلا ينصرف يمينه إلى ما يتخذ منه وما يقول بأن الحنطة إذا ذكرت مقرونة بالأكل يراد بها ما يتخذ منها في العرف، قلنا: هذا العرف موجود في الحنطة بغير عينها لا في حنطة بعينها، والخلاف في «أيمان الأصل» وفي «الجامع الصغير» ،.....في حنطة بعينها، وإذا كان غير الحنطة مأكولاً أمكن العمل بالحقيقة فلا يُعدل عنها إلا بالنية أو بالعرف ولم يوجد فعلى قوّة هذا (٣٨٠أ١) التعليل.
إذا حلف على أكل حنطة لا بعينها يجب أن يكون الجواب فيه عند أبي حنيفة كالجواب عندهما هكذا ذكر شيخ الإسلام في «أيمان الأصل» . وإذا أكل من سويقها ذكر في بعض الروايات أنه لا يحنث في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله. وذكر في بعض الروايات أنه لا يحنث ولم يذكر فيه خلافاً.
وفي «المنتقى» عن أبي يوسف أنه يحنث بأكل السويق.
وإذا حلف لا يأكل خبزاً ولا نية له فهذا على خبز الحنطة والشعير، وعلى ما يتعارف في ذلك البلد.... الخبز منه وإنما يقع اليمين على خبز الحنطة والشعير لأن الذي يُعتاد أكله من الخبز في جميع البلدان خبز الحنطة والشعير في مطلق اليمين، ينصرف إلى المعتاد حتى لو تصور موضعاً لا يأكل أهله خبز الشعير لا يحنث بأكله غير الشعير أيضاً، ولو أكل خبز الأرز فإن كان من أهل بلد خبزهم ذلك ينصرف يمينه إليه وما لا فلا، وإذا حلف لا يأكل خبزاً ولا نية له فأكل كليجة أو حورية.... أو توالية....، قال محمد بن سلمة ﵀: لا يحنث في الوجوه كلها، قال الفقيه أبو الليث ﵀: المختار أنه يحنث إذا أكل الكليجة أو التوالة المقطوعة، أما الكليجة فلأنها خبز حقيقة وعرفاً واختصاصها باسمها خاص للزيادة لأنها النقصان فلا يمنع دخولها تحت مطلق الاسم، وأما التوالة المقطوعة فلأنها خبز انضم إليه أشياء أخر، وأما الحور.... فلا يحنث بأكله لأنه لا يسمى خبزاً مطلقاً بل يسمى خبزاً مقيداً وكذا لو أكل القطايف لا يحنث لا يسمى خبزاً يسمى بل قطايفاً ويقال لا يسمى خبزاً مطلقاً بل يسمى خبزاً مقيداً، يقال خبز الحورينج كما يقال بالفارسية باى رد الودانا.
حلف لا يأكل هذا الخبز فخفقه ودقه ثم شربه بالماء لم يحنث، لأن هذا شرب
стр. 1868
وليس بأكل ولو أكله مبلولاً حنث لأنه وُجد الأكل حقيقة.
ولو حلف لا يأكل لحماً ولا نية له فأكل لحم سمك لا يحنث في يمينه، هكذا ذكر في «الأصل» وفي «الجامع الصغير» ، والأصل في خبز هذه المسائل أن مطلق الاسم ينصرف إلى الكامل من المسمى الاسم صورة ومعنى ولا ينصرف إلى الناقص منه معنى إلا بالدليل وإنما كان كذلك لأن الكامل من المسمى معنى مع الناقص من المسمى معنى بدل من له المجاز مع الحقيقة؛ لأن حد المجاز أن يوجد فيه بعض معاني الحقيقة.
قلنا: ومطلق الاسم ينصرف إلى الحقيقة ولا ينصرف إلى المجاز إلا بدليل، إذا ثبت هذا فنقول بأن لحم السمك ناقص في معنى اللحمية، ألا ترى أنه لا يستعمل استعمال اللحم وألا ترى أنه لا يجنى منه المرق كما يُجنى من سائر اللحوم، وهذا لأن اللحم يتولد من الدم والسمك يتولد من الماء والدم في إتيان القوة فوق الماء. فكذا المتولد منه فكان ناقصاً في معنى اللحمية وهو التقوي والتعذي، ولو أكل لحم خنزير أو لحم.... يحنث في يمينه، لأنه لحم حقيقة لأنه ينشأ من الدم لا أنه حرم أكله ولكن الحل والحرمة من أحكام الشرع والاسم حقيقة لا يتغير بأحكام الشرع وكذلك لو أكل لحم البقر أو لحم الغنم أو لحم الإبل يحنث في يمينه. لأن جميع ذلك لحم حقيقة.
والحاصل: أن اسم اللحم اسم جنس فيتناول اللحوم كلها وإذا كانت اللحوم أجناساً مختلفة.
وفي «القدوري» : إذا حلف لا يأكل لحماً فهذا على الحيوان الذي يعيش في البر محرمة كانت أو غير محرمة، وهو إشارة إلى ما قلنا أنّ الحل والحرمة أحكام الشرع فلا يتغير به الاسم حقيقة. ألا ترى أن من حلف لا يشرب شراباً ولا نية له فشرب الخمر إنه يحنث في يمينه، لأنه شراب حقيقة وإن كان حراماً كذا ههنا.
قال في «القدوري» : وأما لحم ما يعيش في الماء كالسمك وغيره فإنه لا يحنث بأكله ثم ينوي إن أكل هذه اللحوم مطبوخاً أو مشوياً أو قديداً ولو أكل.... لم يذكر هذا الفصل في شيء من الكتب نصاً. قال شيخ الإسلام: في «شرح الأيمان» الأصل ينبغي أن لا يحنث في يمينه. قال وأشار إليه محمد ﵀ في «الأصل» فقد ذكر في «الأصل» ، إذا حلف لا يأكل لحماً ولا نية له فأي لحم أكل بقر أو لحم غنم أو لحم طير مشوّياً كان أو طبيخاً أو قديداً يحنث في يمينه، فهذا من محمد ﵀ إشارة إلى أنه لا يحنث بأكل النيء.
وذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀ عن أبي بكر الإسكاف: أنه لا يحنث في يمينه. وقال الفقيه أبو الليث: عندي إنه يحنث والأشهر والأظهر أنه لا يحنث لأنه عقد يمينه على ما لا يؤكل كذلك عادة فينصرف يمينه إلى الأكل المعتاد، والأكل المعتاد لحم الأكل بعد الطبخ ولو أكل ما يكون في الجوف من الكرش والكبد والطحال يحنث في
стр. 1869
يمينه. وهذا بناء على عرف أهل الكوفة فإن هذه الأشياء في عرفهم كانت تباع مع اللحم وتستعمل استعمال اللحم فأما في عرفنا لا يحنث في يمينه، لأن هذه الأشياء لا تسمى لحماً ولا تباع مع اللحم ولا تستعمل استعمال اللحم ولو أكل شحم البطن لا يحنث، لأنه لا يسمى لحماً فلا يستعمل استعمال اللحم وكذلك إذا أكل الألية لا يحنث، فهذه العلة.
ولو أكل شحم الظهر يحنث في يمينه، لأنه يسمى لحماً يقال لحم سمين ويستعمل استعمال اللحم ويباع مع اللحم ولا كذلك شحم البطن والآلية. ولو أكل رؤوس الحيوان يحنث في يمينه، لأن ما على رؤوس الحيوان لحم حقيقة ولو حلف لا يأكل لحم شاة فأكل لحم عنز يحنث في يمينه. هكذا ذكر في «الجامع» ، وعن بعض مشايخ بلخ إذا كان الحالف مصرياً لا يحنث لأنهم يفرقون بينهما وإن كان قروياً يحنث لأنهم لا يفرقون بينهما.
وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «فتاويه» : أنه لا يحنث سواء كان الحالف قروياً أو مصرياً، قال الصدر الشهيد ﵀: وعليه الفتوى لأنهم يفرقون بينهما عادة.a
ولو حلف لا يأكل شحمة فأكل شحم البطن حنث في يمينه بلا خلاف، ولو أكل شحم الظهر وهو الذي يخالطه لحم على قول أبي حنيفة ﵀ لا يحنث في يمينه، وعلى قولهما يحنث والصحيح مذهب أبي حنيفة ﵀ لأن شحم الظهر ليس بشحم بل هو لحم، ألا ترى أن من حلف لا يأكل لحماً فأكل شحم الظهر يحنث في يمينه، وإذا كان لحماً لا يكون شحماً لأنهما اسمان مختلفان لا يتناولان مسمى واحداً ولو عزل شحم الظهر وأكله لا رواية في (٣٨٠ب١) هذا عن أبي حنيفة ﵀. ولقائل أن يقول لا يحنث عنده.
ولو حلف لا يأكل طعاماً مَلِحَاً أو خلاً أو...... أو زيتاً يحنث في يمينه. هكذا رواه ابن رستم عن محمد رحمهما الله وقال: كل شيء يؤكل فهو طعام فقد جعل محمد ﵀ الخل طعاماً، وقال أبو يوسف ﵀: الخل ليس بطعام وكذلك النبيذ ليس بطعام.
قال القدوري في «كتابه» : وحقيقة الطعام ما يستطعم ولكن يختص في العرف ببعض الأشياء فإن السقمونيا وما أشبه ذلك لا تسمى طعاماً.
وفي «فتاوى أبي الليث» إذا حلف لا يأكل طعاماً وأكل دواء من الدواء الذي يكون..... ولا يكون.... ولا يصير غذاءً لا يحنث وإن كان له حلاوة ويصير غذاءً يحنث.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : إذا حلف الرجل لا يأكل لحم دجاج فأكل لحم الديك يحنث في يمينه.
стр. 1870
الأصل في جنس هذه المسائل أن اليمين إذا أضيف إلى اسم جنس يدخل تحت اليمين الذكر والأنثى من ذلك الجنس، ومتى أضيف إلى ذكر على الخصوص لا يدخل تحت اليمين الأنثى، ولذلك إذا أضيف إلى اسم أنثى على الخصوص لا يدخل تحت اليمين الذكر، وكون الاسم خاصاً للأنثى لا تعرف بعلامة الهاء لا محالة لأن ذلك مشترك، قد تكون الهاء للتأنيث وقد تكون الهاء للإفراد وإنما يعتبر فيه الوضع وإنه ينتفي من قبل النقل ومحمد ﵀ إمام مقلّد مقبول القول في اللغات إذا ثبت هذا جئنا إلى تخريج المسألة فنقول: الدجاج اسم جنس فيدخل تحت اليمين الذكر والأنثى ولو حلف لا يأكل لحم دجاجة فأكل لحم ديك لا يحنث، لأن الدجاجة مع الهاء للأنثى خاصة وكذلك إذا حلف لا يأكل لحم ديك فأكل لحم دجاجة لا يحنث، لأن اسم الديك اسم الذكر خاصة.
قال: وإذا حلف لا يأكل لحم جَمَلٍ أو حلف لا يأكل لحم بعير أو حلف لا يأكل لحم إبل أو حلف لا يأكل لحم جزور دخل تحت اليمين الذكر والأنثى لأن هذه الأشياء من أسماء الأجناس، وكذلك يدخل تحت اليمين البختي وهو ما تكون أمه عربياً وأبوه غير العربي، ويدخل تحت اليمين أيضاً العربي لما ذكرنا أن هذه الأشياء في أسماء الأجناس فيدخل تحتها الأنواع كلها. ولو حلف لا يأكل لحم بختي فأكل لحم عربي أو حلف لا يأكل لحم عربي فأكل لحم بختي لا يحنث في يمينه، ولأن كل واحد من هذين الاسمين اسم خاص لصنف خاص فلا يدخل تحته الصنف الأخرى.
ولو حلف لا يأكل لحم ناقة فأكل لحم الذكر من العراب أو البخت لا يحنث، لأن الناقة اسم خاص للأنثى والهاء فيها للتأنيث فلا يتناول الذكر.
ولو حلف لا يأكل لحم بقر فأكل لحم الأثنى منه أو أكل لحم الذكر يحنث في يمينه، لأن البقر اسم جنس وكذلك إذا حلف لا يأكل لحم بقرة فأكل لحم بقر يحنث في يمينه، لأن البقرة اسم جنس والهاء فيها للأفراد الدليل عليه أن البقرة المذكورة في قصة موسى صلوات وسلامه عليه كان ذكراً ألا ترى أن الله تعالى قال في شأنها ﴿لا ذلول تثير الأرض﴾ (البقرة: ٧١) والثور هو الذي يوصف به.
ولو حلف لا يأكل لحم ثور فأكل لحم جاموس لا يحنث في يمينه، هكذا ذكر محمد ﵀ في «الجامع» ، وفي «الحاوي» : أنه يحنث بخلاف ما لو حلف لا يأكل لحم جاموس فأكل لحم البقر لا يحنث، لأن البقر اسم جنس والجاموس اسم نوع والصحيح ما ذكر في «الجامع» ؛ لأن الجاموس، وإن كان نوع ثور إلا أنه لا يكون يؤكل عادة، وهو إنما ذكر البقر مقروناً بالأكل فيتناول نوعاً يؤكل عادة. ألا ترى أن من حلف لا يشتري رأساً فاشترى رأس طير لا يحنث، وإن كان رأساً حقيقة لأن لا يُشترى عادة، وهو إنما ذكر الرأس مقروناً بالشراء فيتناول رأساً يشترى عادة. كذا في مسألتنا والشاة اسم جنس فيدخل تحتها الذكر والأنثى، والكبش اسم خاص للذكر فلا يدخل تحته الأنثى، والنعجة اسم خاص للأنثى فلا يدخل تحته الذكر والله أعلم.
стр. 1871
ولو حلف لا يأكل من هذا الحم شيئاً فأكل من هو فيه لا يحنث، إذا لم يكن له نيّة المرقة لأنه لم يأكل شيئاً من اللحم.
وإذا حلف الرجل لا يأكل فاكهة، ولا نيّة له أجمعوا على أنه إذا أكل تيناً ومشمشاً أو خوخاً أو سفرجلاً أو إجاصاً أو كمثرى أو تفاحاً يحنث في يمينه، وأجمعوا على أنه ما أكل خياراً أو قثاء أو جزراً إنه لا يحنث في يمينه.... وأما إذا أكل عنباً أو.... أو رطباً فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يخنث في يمينه وعلى قولهما يحنث.
وفي «القدوري» : ثمرة الشجر كلها فاكهة إلا الرمّان والعنب والرطب في قول أبي حنيفة ﵀. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله، كل ذلك فاكهة فمن المشايخ رحمهما الله من قال ﵀، هذا اختلاف عصر وزمان كان الناس في زمن أبي حنيفة ﵀ لا يتفكهون بهذه الأشياء ويعدون بهذه الأشياء من الفواكه فأفتى كل واحد منهم على حسب ما شاهد في زمانهم، ومنهم من قال: هذا اختلاف حجة فوجد قولهما أن الفاكهة اسم لما يتفكه به أي يؤكل على سبيل التلهي وذهاب الملالة وهذه الأشياء بهذه المثابة فكانت فاكهة والدليل عليه إذا نوى هذه الأشياء صحت نيته بلا خلاف، وتدخل هذه الأشياء تحت اليمين، ولولا أنها فاكهة وإلا لما دخلت تحت اليمين. ولأبي حنيفة ﵀ أن الفاكهة اسم لما يؤكل على سبيل التهلي والذهاب للملالة وهذه الأشياء كما في كل على سبيل التلهي تؤكل لغرض آخر فالعنب والرطب يؤكلان للشبع وقد يكتي فيها في بعض الأماكن، وفي بعض الأزمنة والرمان تؤكل للتداوي فكان هذه الأشياء ناقصاً في معنى التفكه بها فلا تدخل تحت مطلق اسم الفاكهة، والدليل عليه أنه إذا أكل الناس من هذه الأشياء لا يحنث، لأنه ناقص في معنى التفكة فلا تدخل تحت مطلق الاسم كذا ههنا.
وإذا أكل خياراً أو جزراً أو قثاءً إنما لا يحنث (٣٨١أ١) في يمينه، لأن هذه الأشياء ليست بفاكهة إنها هي من البقول والتوابل بعضها يوضع على المائدة مع البقول وبعضها يجعل في القدر مع التوابل.
قال محمد ﵀، في «الأصل» : والتوت فاكهة، وهكذا ذكر الكرخي ﵀ في «كتابه» لأنه يسمى فاكهة في العرف ويؤكل على سبيل التلهي وذهاب الملالة لا لغرض آخر، وعن أبي يوسف ﵀ أن اللوز والعناب فاكهة وكل ذلك مستفاداً من قول القدوري ﵀ ثمر الشجرة كلها فاكهة إلا الرمان والعنب والرطب، فإنما استثنى الأشياء الثلاثة لا غير على قول أبي حنيفة ﵀ وعن محمد ﵀ أن الجوز اليابس ليس بفاكهة، وهو لطر العنب والرمان والرطب، وإن رطب هذه الأشياء فاكهة واليابس منهما ليس بفاكهة، والبطيخ من الفواكه. هكذا ذكر القدوري ورواه الحاكم الشهيد ﵀ في «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀. وذكر شمس الأئمة السرخي
стр. 1872
رحمه الله في شرحه أن البطيخ ليس من الفواكه، فإنه ذكر أن ما لا يكون من فاكهة.... ورطبه لا يكون فاكهة كالبطيخ، وهذا القياس غير مستقيم فإن الرطب من العنب والرمان فاكهة عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، واليابس منهما ليس بفاكهة. والرطب من الجوز فاكهة بلا خلاف، واليابس منه ليس بفاكهة..... فاكهة أيضاً. قيل: كل ما يكون نضيجة فاكهة منه إنما يكون فاكهة.
وفي «المنتقى» : وقال أبي حنيفة ﵀: ليس الباقلى ولا السمسم من الثمار، والحاصل أن العبرة، في جميع ذلك العرف والعادة، فما يؤكل على سبيل التفكه عادة ويعد فاكهة في العرف يدخل تحت اليمين، وما لا فلا. وعن محمد ﵀ إذا حلف لا يأكل من فاكهة العام أو ثمار العام فإن كان في أيام الفاكهة الرطبة فهذا على الرطب وإن أكل اليابس لم يحنث، وإن كان في غير وقتها، فهذا على اليابس وهذا استحسان المتعارف وهذا لما ذكرنا أن اليمين ينصرف إلى المتعارف والمعتاد والمعتاد التفكه. فالرطب في أيام الرطب والتفكه باليابس في أيام اليابس فمطلق اليمين ينصرف إليه. ولو حلف لا يأكل بقلاً.... من أكل فما سمي بقلاً يحنث، وإن أكل بصلاً لم يحنث. هكذا ذكر القدوري وذكر فصل البصل في «المنتقى» . وقال: لا يحنث إلا أن يكون بقلاً عندهم أشار إلى أن العبرة في ذلك للعرف.
ولو حلف بالفارسية لرهاع خورد محه خورد أو على العكس فقد قيل يحنث وقد قيل لا يحنث، وقد قيل: إن قال كرم لى خورد محه خورد يحنث وإن قال: كرمحه في خورد ولو خورد لا يحنث، لأن كرمحه كرم مقيد والمقيد يدخل تحت اسم المطلق وأما المطلق، لا يدخل تحت اسم المقيد وإذا حلف لانا ندم ولا نية له لإدام يأتي في فصل الاستثناء إن شاء الله تعالى.
واختلف المشايخ في البقل فقيل: إنه ليس بإدام بلا خلاف، وقيل: إنه إدام عند محمد ﵀ واحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀، والأول أصح فقد ذكر هشام في «نوادره» عن محمد ﵀ أن البقل ليس بإدام. قال محمد ﵀: الخبر إنما أبرم الذي يتردد في المرق وغيره حتى يصير مائعاً له، وأن يرد في الماء فليس بادوم.
وإذا حلف لا يأكل ثمراً فأي نوع من الثمر أكله حنث لأنه الثمر اسم جنس يتناول الأنواع كلها ولو أكل حيساً يحنث لأن الحيس اسم لثمر يلقي في اللبن حتى ينفسخ فيؤكل، وإنما حنث بأكلهُ لأنه هو الثمر بعينه، ولم يقلد عليه غيره ولذلك إذا أكل عصيرة الحرب من التمر يحنث، وكان ينبغي أن لا يحنث بأكل العصيرة لأن اسم الثمر مدرا.... منه فبطل اليمين، ألا ترى أنه لو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكله بعدما صار تمراً لا يحنث في يمينه، وإنما لا يحنث لما قلنا والجواب الاسم الأول لم يراه إنما حدث اسم أخر مع بقاء اسم الأول ألا ترى يقال عصيره وما بخلاف بها إذا حلف لا
стр. 1873
يأكل هذا الرطب فأكله بعدما صار تمراً، لأن هناك الاسم الأول دال من كل وجه، ألا ترى أنه لا يقال: رطب تمر والاسم إذا زال يزول اليمين.
وفي «المنتقى» رواية هشام عن محمد ﵀ فيما إذا حلف لا يأكل هذا الثمر فأكله بعدما جعله عصيرة أنه لا يحنث في يمينه، وإذا حلف لا يأكل شواءً فإن كان ينوي كل شواء فهو ما نوى ويحنث بأكل شواء كل مشوي لأنه نوى حقيقة كلامه، وإن لم يكن له نية ينصرف يمينه إلى اللحم المشوي ولا يدخل فيه السمك المشوي لأن الشواء في العرف إذا أطلق يراد به اللحم المشوي ولا يراد به كل مشوي فينصرف بمطلق اليمين إليه. وإذا حلف..... فقد ذكرنا تفسير الطائحة في كتاب الطلاق، ولم يذكر تفسير الجابرة والجابرة هي التي ينصرف الخبز في النقور دون التي يعجنه ويهيهُ.
وإذا حلف لا يأكل طبيخاً وهو ينوي كل مطبوخ فهو كما نوى، وإن لم يكن له نية فهو على اللحم خاصة. هكذا ذكر في «الأصل» ، وذكر في «القدوري» : أنه هذا الاسم ينطلق على اللحم الذي يجعل في الماء ويطبخ ليسهل أكله ولا ينطلق على غيره إلا إذا نوى ولو أكل طينة يابسة ولو.... الألوان لا مرق فيه فليس بطبخ، ولو طبخ اللحم في الماء وأكل من المرقه يحنث في يمينه، لأن أجزاء اللحم قائمة في مرقه. ولو طبخ أرزاً أو عدساً بودك فهو طبيخ وإن كان بسمن أو زيت فليس بطبخ. وقال ابن سماعة ﵀: الطبخ على الشحم أيضاً.
ولو حلف لا يأكل من طبخ فلان فيستحب له قدر طبخها غيرها لم يحنث، وإذا حلف بالفارسية الراودبك محبه نخورم فكذا ماسكان جوشيده خودر هكذا لا يحنث لأنه في العرف لا يسمى هذا ديث بحه ولو قال اكراردتك مرده نونخورم فكذا فيستحب قداراً اطبخها غيرها لا يحنث لأن قوله كرده يفرادبه عرفاً تحته.
وإذا حلف لا يأكل شيئاً من الحلوى فأي شيء من الحلوى أكله من عسل أو سكر أو خبيص أو ناطف يحنث في يمينه، واعلم بأن الحلوى عندهم كل حلو ليس في جنسه حامض كالخبيص والعسل والسكر والفانيد والناطف. وأما (٣٨١ب١) العنب والرمان والإجاص فليس بحلوى وهذا لأن الحلو مشتق من الحلاوة، وكل ما يوجد في جنسه غير حلو لا يخلص معنى الحلو فيه.
قال محمد ﵀: لو اشترى بدرهم غصبه طعاماً وأكله لم يحنث. و «في واقعات الناطفي» ولو أكل خبزاً أو لحماً غصبه يحنث ولو باع الخبز المغصوب بشيء وأكل ذلك الشيء لا يحنث، لأن الأول حرام مطلقاً، والثاني لا لأنه ملكه ولو غصب برّاً أو طحينه إن أعطى مثله قبل أن يأكله لم يحنث بأكله، وإن أكله قبل أن يعطي مثله يحنث لأنه وإنّ ملكه بكسب خبيث والخبيث باقي من كل وجه قبل أداء البدل وإذا أدى البدل يزول الخبث أو بعد. وهذه المسائل بتمامها تأتي في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى.
стр. 1874
قال القدوري ﵀، في «كتابه» : والحرام ما كان محرماً لعينه لا لحق الآدمي وفي أيمان «الجامع الأصغر» قال الفقيه أبو الليث ﵀: كل شيء في أكله اختلاف لا يحنث بأكله.
قال صاحب «الجامع الأصغر» : ما أحسن ما قاله أبو الليث ﵀ لأن ما في أكله اختلاف فليس بحرام مطلق فلا يحنث له لا بالنية لأن الحالف ذكر في يمينه الحرام مطلقاً ولو حلف بأكل هذا العنب أو هذه الرمانة وجعل يمصه ويرمي بتفله ويبتلع ماءه ويبتلع لم يحنث، لأن هذا لا يسمى أكلاً وإنما سمّى مصّاً. ولو عصر ماء العنب أو ماء الرمان ولم يشربه وأكل..... وحصرمه حنث في يمينه، لأن العنب نفسه مأكول والرمان كذلك لو مضغه وابتلعه كذلك يصير أكلاً، وإنما يصير أكلاً ثانياً العنبة والحصرم لا باتباع الماء. ذكر القدوري ﵀ المسألة على هذا الوجه في شرحه، وإنه مشكل لأن العنب اسم للكل فإذا أكل العنبة والحصرم دون الماء إنما أكل بعض ما عقد عليه اليمين فينبغي أن لا يحنث، ألا ترى أنه لو حلف أن لا يأكل هذا العنب فأكل بعدما صار زبيباً، أو حلف لا يأكل هذا الرطب فأكل بعدما صار تمراً لا يحنث في يمينه، وإنما لا يحنثُ لما قلنا.
وفي «العيون» ذكر هذه المسألة بصورة أخرى، فقال: إذا حلف لا يأكل هذا العنب فلاكَهُ ورمى قشره وحبّه وابتلع ماؤه لم يحنث، ولو رمى بقشره وابتلع ماءه وحبه حنث، وعلل الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» فقال: لأن العنب اسم لهذه الأشياء الثلاثة ففي الوجه الأوّل أكل الأقل فلا يكون أكلاً للعنب، وفي الوجه الثاني أكل الأكثر وللأكثر حكم الكل. وعن محمد ﵀ فيمن حلف لا يأكل رمّانة فمصّ رمّانة لم يحنث، وكذلك إذا حلف لا يأكل سكّراً ففعل في فيه حتى ذاب وابتلع ماؤه لم يحنث، لأن هذا ليس بأكل فقد أوصل إلى جوفه ماءً لا يتأتى فيه المضغ وإذا حلف لا يأكل هذه الرمانة فأكلها إلا حبة أو حبتين حنث استحساناً، لأن ما أكل الرمانة هكذا يكون لأنه لا يمكن أكلها على وجه لا تسقط بشيء منها، ولأن العادة فيما بين الناس إن عند أكل الرمان من كون الحبة والحبتين وإن ترك أكثر من ذلك مما لم يجر العرف أن يتركه الأكل لم يحنث. وهكذا لو حلف لا يأكل هذا السويق فأكله إلا حبة أو حبتين تركهما يحنث في يمينه لما ذكرنا في الرمانة.
ولو حلف لا يأكل لحم هذا الجزور فهذا على بعضه لو أكل بعضه يحنث في يمينه بخلاف ما إذا حلف لا يبيع لحم هذا الجزور فباع بعضه حيث، لا يحنث لأن الأكل لا يتأتى على الكل بدفعة واحدة فينعقد اليمين على بعضه، فأما البيع يتأتى على الكل بدفعة واحدة فينعقد اليمين على كله.
وإذا حلف لا يأكل هذا الطعام فإن كان يقدر على أكله بدفعة واحدة لم يحنث بأكله
стр. 1875
بعضه، وكذلك إذا عقد يمينه على شرب مشروب بعينه وهو يقدر على شربه بدفعة واحدة لم يحنث بشرب بعضه، وإن كان لا يقدر على شربه بدفعة واحدة فيمينه على شرب بعضه لأن المقصود من اليمين في الصورة الأولى الامتناع عن جميعه، والمقصود منها في الصورة الثانية الامتناع عن أصله، لا عن جميعه لأن ما يمتنع فعله في العادة والغالب لا يقصد في اليمين. وفي «المنتقى» : إذا قال: ليأكلن هذا التمر اليوم فأكل بعضه، وإن كان التمر لا يستطاع أكل كله في يوم بر بأكل بعضه وما لا فلا، فلو حلف لا يأكل هذه البيضة لا يحنث بأكل بعضها، لأنه لو أكل كلها بدفعة واحدة فينعقد اليمين على الكل وكذلك، لو حلف لا يأكل هاتين البيضتين لم يحنث حتى يأكلهما جميعاً.
وفي «المنتقى» : لو حلف لا يأكل من هذه الخابية من الزيت فأكل بعضه يحنث لأنه لا يؤكل كلة بدفعة واحدة فينعقد اليمين على البعض ولو كان مكان الأكل يباع فباع بعض الخابية لا يحنث، لأنه تباع كلها فلا ينعقد اليمين على البعض. وفي «المنتقى» أيضاً: إذا حلف لا يشرب لبن هذه الشاة فشرب شيئاً منه يحنث في يمينه. ولو قال: لا آكل من لبن هاتين الشاتين، أو من ثمر هاتين النخلتين، أو من هذين الرغيفين فأكل من أحدهما يحنث. وكذلك لو حلف لا يأكل من لبن هذا الغنم فأكل من لبن شاة واحدة وكذلك لو حلف لا يشرب من ماء هذه الأنهار فشرب من ماء نهر واحد يحنث، لأن من للتبعيض فكانت اليمين متناولة بعض المذكور وقد وجد.
ولو قال: لا أشرب لبن هاتين الشاتين لم يحنث حتى يشرب من لبن كل شاة، لأن عقد اليمين عليهما فلا يحنث بشرب أحدهما، ولو كان اللبن.... بالحلف لا يشربه فهذا على بعضه إذا كان لا يقدر على شربه بدفعة واحدة وقد مرّ هذا.
ولو قال: لا يشتري من هذين الرجلين لم يحنث حتى يشتري منهما ولا يشبه قوله لا أكل من هذين الرغيفين لأن في مسألة الأكل أمكن باعتبار حقيقة كلمة من في التبعيض، وفي مسألة الشراء لا يمكن لأن البائع لا يتبعّض فكان كلمة من في وصل الشراء أصله من الكلام.
وإذا حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل الكل للأشياء قليلاً يحنث في يمينه. وإن نوى أكل الكل دُيِّن فيما بينه وبين الله تعالى، وهل يصدق قضاء فيه روايتان.
ولو قال إن أكلت هذا الرغيف فامرأته طالق، ثم قال: إن لم آكله فعبده حر فالحيلة في ذلك حتى لا يعتق عبده ولا تطلق امرأته أن يأكل النصف ويترك النصف.
وإذا حلف لا يأكل سمناً وأكل سويقاً ملتوتاً بالسمن فإن كان يُرى فيه لون السمن ويوجد طمعه يحنث، وكذلك كل شيء (٣٨٢أ١) أكله وفيه سمن وإن كان لا يوجد طمعه ولا يُرى لونه لا يحنث، وكذلك إذا كان يوجد طعمه ولا يُرى لونه لا يحنث. وصار الأصل متى أكل المحلوف عليه بعدما خلطه بخلاف جنسه ينظر إن صار المحلوف
стр. 1876
عليه هالكاً من كل وجه أو من وجه لا يحنث في يمينه، وإن لم يصير هالكاً أصلاً وكان قائماً من كل وجه يحنث، إلا أنه أثبت القيام في السمن.... دون اللون وأثبت الهلاك بزوال دون اللون. وإذا حلف على حنطهٍ لا يأكلها فأكلها مع غيرها من الحبّات، أو حلف على شعير لا يأكله فأكله مع غيره من الحبات إن أكل.... فإن كانت الغلبة للمحلوف عليه يحنث، وإن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه يحنث، وإن كان سواء القياس أن يحنث وفي الاستحسان لا يحنث، وإن أكل حبة حنث على كلِّ حال وذكر مسألة السمن.
وفي «النوادر» ويشترط للحنث شرطان ... على ما ذكرنا فقال: إن كان يرى لون السمن ويوجد طعمه وكان لو عصر سال السمن يحنث في يمينه.
وفي «المنتقى» رواية هشام عن محمد ﵀: إذا حلف لا يأكل هذا السمن فجعله خبيصاً إلا أنه يرى فيه لون السمن ويوجد طعمه إنه يحنث في يمينه، فإذا حلف لا يأكل ملحاً وأكل طعاماً فيه ملح إن لم يكن بالحساء، ويقال بالفارسية سور لا يحنث في يمينه، وإن كان مالحاً يحنث في يمينه. وصار كما لو حلف لا يأكل فلفلاً وأكل طعاماً فيه فلفل إن كان يوجد فيه طعم الفلفل يحنث في يمينه، وإن كان لا يوجد لا يحنث هكذا ذكر المسألة في «العيون» ، وكان الفقيه أبو الليث ﵀ يقول: في الملح لا يحنث في يمينه ما لم يأكل عينه مع الخبز أو مع شيء أخر إلا إذا كان وقّت اليمين دلالة على ذلك، لأن غير الملح مأكول وغير الفلفل لا، وكان الصدر الشهيد ﵀ يختار هذا القول.
وإذا حلف على لبن لا يأكله فطبخ اللبن مع الأرز وأكله لا يحنث، وإن لم يجعل فيه الماء ويرى عين اللبن، وهو نظير ما لو حلف على خل لا يأكله فاتخذ منه.... لا يحنث في يمينه، وعلى قياس ما إذا حلف على تمر لا يأكله فاتخذ منه عصيره وأكلها يحنث في يمينه ينبغي أن يحنث في يمينه، في مسألة اللبن إذا طبخ مع الأرز لأن اسم اللبن بهذا الصنع لم يزل، إنما حدث له اسم آخر مع بقاء الاسم الأول ألا ترى أنه يقال بالفارسية سته كرمح وخرج على هذا مسألة الخل لأن هناك اسم الخل يزول.f
.... أما ههنا بخلافه. وإذا حلف بالفارسية عفران نخودر بان كاك كي يردوى أي عفران است كنجد خوده يحنث في يمينه لأن عين المحلوف عليه قائم فإنه يرى ويوجد طعمه، حلف بالفارسية كل ى خورم كل فحى خوده كندا نكردى حلف لا يأكل هذا الرغيف فأكل بعضه لا يحنث إذا كان بحال يؤكل الكل في مجلس واحد، ولو قال هذا الرغيف حرام عليّ وأكل لقمة منه يحنث، حلف لا يأكل دهناً فأكل دهن الكراع يحنث في يمينه، ولو قال: كلّما أكلت لحماً فعبد من عبيدي حر فأكل لزمه بكل لقمة عتق عبد، وإذا قال: إن أكلت من بُرَ لهذه.... فعبدي حر فأكل من مجمعها ويقال: بالفارسية دوغ زده يحنث لأنه من.... ولو اتخذ منه مرقة ويقال بالفارسية دوغ ما لا يحنث والأول مشكل وبليغ أن
стр. 1877
لا يحنث لأنه لم يخرج من..... كذلك.
وعن أبي يوسف ﵀ فيمن حلف لا يأكل هذه الدراهم فاشترى بها طعاماً وأكله حنث لأن الدراهم لا تؤكل عينها فينصرف يمينه إلى ما يشتري منه، ولو أبدلها بغيرها واشترى بالبدل طعاماً وأكله لا يحنث، وعلى هذا إذا حلف لا يأكل من ثمر هذا العبد.
وروى هشام عن محمد ﵀ في رجل له دراهم، فحلف أن لا يأكلها فاشترى بها دنانيراً وفلوساً ثم اشترى بالدنانير والفلوس فاكهة وأكل حنث، ولو اشترى بالدراهم غرضاً واشترى بذلك الغرض طعاماً وأكل لا يحنث في يمينه، كذلك لو اشترى بالدراهم شعيراً ثم اشترى بذلك الشعير طعاماً وأكله لا يحنث في يمينه.
وفي «المنتقى» : إذا حلف على ما يؤكل أن لا يأكله ثم اشترى ما يؤكل وأكله لم يحنث في يمينه، بخلاف ما لو حلف على ما لا يؤكل لا يأكله فاشترى به ما يؤكل وأكله حنث في يمينه.
إذا حلف لا يأكل من ميراث أبيه شيئاً فاشترى بما ورث طعاماً وأكله حنث، ولو اشترى بالميراث شيئاً واشترى بذلك الشيء طعاماً وأكله لم يحنث، وعن أبي يوسف ﵀ إذا لم.... الميراث. لو قال: لا آكل ميراثاً يكون لفلان...... وأكله يحنث؛ لأنه في العادة يقال لما في أيدي الإنسان إنه ميراثاً وإن غيرّه.
روى ابن سماعة هذه الرواية مفسرة فقال: إذا حلف والله لا آكل من ميراثك شيئاً فورَّثه دراهم فاشترى بالدراهم طعاماً وأكله يحنث، وكذلك لو اشترى بالدراهم متاعاً فباع المتاع بالدراهم واشترى بالدراهم متاعاً وأكله حنث، وفي رواية أخرى عنه في هذه الصورة أنه لا يحنث.
عن أبي يوسف ﵀ أيضاً فيمن حلف لا يطعم فلاناً بما ورث من أبيه فورث دراهم واشترى بها طعاماً فأطعمه يحنث، فإن ورث طعاماً فأطعمه حنث وإن اشترى به طعاماً فأطعمه لا يحنث، لأنه أمكن اعتبار الحقيقة فيه وهذا الذي اشترى ليس بمورث حقيقة.
ولو حلف لا يأكل من كسب فلان فأُعلم أن الكسب ما صار له بفعله فأخذ المباحات أو في القعود وأما الميراث فلا يكون كسباً لأن الملك في الميراث يثبت حكماً من غير منع فلا يضاف إلى كسبه.
وإذا حلف لا يأكل من كسب فلان فورث المحلوف عليه شيئاً وأكله الحالف لا يحنث، ولو اشترى شيئاً أو وهب...... وتصدق عليه بشيء وقبل وأكله الحالف حنث في يمينه، ولو حلف لا يأكل من كسب فلان فاشترى الحالف شيئاً من (٣٨٢ب١) المحلوف عليه بما اكتسبه المحلوف عليه أو وهب المحلوف عليه ذلك من الحالف وأكل
стр. 1878
لا يحنث في يمينه؛ لأن شرط الحنث أكل مكسوب فلان، وهذا أكل مكسوب نفسه فلا يحنث. رواه إبراهيم عن محمد ﵀.
وقال هشام: سمعت محمداً ﵀ يقول فيمن خلف لا يأكل من كسب فلان فوهب المحلوف عليه شيئاً من كسبه من الحالف أو تصدق عليه وأكل حنث في يمينه، ولو حلف من كسب فلان فاكتسب المحلوف عليه مالاً، ومات وورثه رجل وأكله الحالف يحنث في يمينه، لأن الثابت للوارث غير ما كان ثابتاً للمورث وكذلك لو ورثه الحالف وأكل يحنث في يمينه، بخلاف ما لو ينقل إلى غيره بغير الميراث بشراء أو وصية حيث لا يحنث لأنه صار كسباً للثاني، لأن المشتري والموصى له لا يملك على حكم ملك الأول، وقد مرّ شيء من هذا الجنس في كتاب الطلاق.
وإذا حلف لا يأكل من ملك فلان، أو مما يملك فلان يخرج شيء من ملكه إلى ملك غيره وأكله الحالف لا يحنث، لأن شرط الحنث أكل ما هو مضاف إلى فلان بالملك وقت ولو يوجد.
وكذلك على هذا إذا حلف لا يأكل طعام فلان ولو حلف لا يأكل ميراث فلان فمات المحلوف عليه ثم مات وارثه وورثه غيره وأكله الحالف لم يحنث، لأن بالإرث الثاني ينفسخ حكم الإرث الأول فلا يصير أكلاً من ميراث المحلوف عليه.
وإذا حلف لا يأكل مما اشترى فلان فاشترى لنفسه أو لغيره وأكله الحالف يحنث، ولو أن المحلوف عليه باع ما اشترى لنفسه أو باع ما اشترى لغيره بأمر المشتري له ثم أكل الحالف لا يحنث، لأن الشراء الثاني نسخ الشراء الأول.
ولو حلف لا يأكل مما زرع فلان وباع فلان زرعه وأكله الحالف يحنث؛ لأن الزراعة لا ينسخها الشراء فإن بذر المشتري وزرعه الحالف، فأكل الحالف من ذلك الزرع يحنث؛ لأن الأول قد انعدم بالثاني.
وكذلك إذا حلف لا يأكل من طعام يصنعه فلان أو من خبز يخبزه فلان وصنعه وباعه وأكل الحالف منه يحنث في يمينه.
وكذلك إذا حلف لا يلبس ثوباً نسجه فلان فنسجه ثم باعه لم ينسخ نسجه بالبيع إلا إذا أُنقض وغُزل ثانياً.
وكذلك إذا حلف لا يلبس ثوباً مسّه فلان فلبس ثوباً قد مسّه فلان وباعه يحنث في يمينه.
ولو حلف لا يأكل من طعام فلان، وفلان باع الطعام فاشترى وأكل حنث. ولو قال: لا آكل طعامك هذا وأهداه له وأكله لم يحنث في قياس قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀ يحنث، وهذه المسألة فرع مسألة أخرى تأتي بعد هذا؛ وهو ما إذا حلف لا يدخل دار فلان هذه فباعها فلان فدخلها الحالف.
وإذا حلف لا يأكل من غلة أرض فلان فأكل من ثمن الغلة حنث لأن هذا في العرف يسمى أكل غلة أرضه، وإن نوى أكل نفس ما يخرج منها دين في القضاء وفيما بينه
стр. 1879
وبين الله تعالى، لأنه نوى حقيقة كلامه، وإذا حلف الرجل لا يأكل لحماً اشتراه فلان فاشترى فلان سخلة فذبحها فأكل الحالف لم يحنث لأنه لم يأكل لحماً اشتراه فلان، وإذا حلف لا يأكل من طعام يشتريه فلان فأكل من طعام اشتراه فلان وآخر يحنث في يمينه. فرّق بين هذا وبين ما إذا حلف لا يدخل داراً اشتراه فلان وغيره فإنه لا يحنث، أو حلف لا يلبس ثوباً اشتراه فلان، فاقترض ثوباً اشتراه فلان وغيره لا يحنث في يمينه، والفرق أن اسم الطعام ينطلق على القليل والكثير فالقدر الذي اشتراه فلان يسمى طعاماً فقد أكل طعاماً اشتراه فلان، أما اسم الدار واسم الثوب لا يقع على البعض فإذا دخلها أو لبسه فما دخل داراً. أما (إذا) لبس ثوباً اشتراه فلان فلا يحنث في يمينه، وعلى هذا إذا حلف لا يأكل من طعام فلان فأكل من طعام مشترك بينه وبين غيره حنث في يمينه.
ولو حلف لا يأكل من خبز فلان فأكل من خبز بينه وبين آخر يحنث في يمينه، بخلاف ما إذا حلف لا يأكل من رغيف فلان فأكل من رغيف بينه وبين آخر لا يحنث في يمينه، لأن اسم الخبز ينطلق على القليل والكثير ولا كذلك اسم الرغيف.
ولو حلف لا يأكل من طعام فلان فأكل من طعام مشترك بين الحالف وبين فلان لا يحنث في يمينه، لأن ما أكل الحالف هو من حصته، ألا ترى أن يأخذ حصته هكذا ذكر في «المنتقى» .
وإذا حلف لا يزرع أرض فلان فزرع أرضاً بينه وبين غيره حنث لأن كل جزء من الأرض يسمى أرضاً، ولا كذلك الدار والثوب، فإن كل جزء من الدار لا يسمى داراً وكذلك كل جزء من الثوب لا يسمى ثوباً.
إذا حلف لا يأكل من هذه الشجرة فأخذ غصناً من أغصانها وركبها على شجرة أخرى فأدرك ذلك الغصن وأثمر وأكل من ذلك الثمرة رأيت هذه المسألة في «شرح السير الكبير» فيه اختلاف المشايخ، قال بعضهم: يحنث لأن هذا غصن الشجرة المحلوف عليها لو كان على تلك الشجرة وأثمر وأكل منه يحنث هكذا إذا ركبه على غيرها، وقال بعضهم: لا يحنث لأنه لمّا ركب على الشجرة الأخرى واتصل بها صار تبعاً للشجرة الأخرى، ألا ترى أنه يحيى بحياة أصل تلك الشجرة وييبس إذا يبس أصل تلك الشجرة.
ولو حلف لا يأكل من هذه الشجرة فوصل بها غصن شجرة أخرى بأن حلف على شجرة التفاح فوصل بها غصن شجرة الكمثرى، ينظر إن سمى الشجرة باسم ثمرها الإشارة في اليمين بأن قال: لا آكل من هذه لشجرة التفاح، أو قال بالفارسية: اذين درخت سيب نخورم لا يحنث في يمينه، وإن اقتصر على الإشارة (٣٨٣أ١) وتسمية الشجرة ولم يسم الشجرة باسم ثمرها بأن قال: لا آكل من هذه الشجرة وباقي المسألة بحالها يحنث، هكذا سمعت من.... وهو يقول الرواية هكذا، وعلى قياس مسألة الأولى ينبغي أن يكون فيه اختلاف لأن تلك المسألة ذكرت مطلقة من غير فصل بينهما إذا
стр. 1880
اتحد الثمر، واختلف على قياس هذه المسألة..... يكون تأويل تلك المسألة أن تكون الثمرة تتخذ.
إذا حلف لا يأكل من مال فلان.... وفارسيته سحريراخكن وحذى مريرير وحورند لا يحنث في يمينه، لأن في العرف يسمى آكلاً مال نفسه هكذا ذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀ وفيه نظر.
وإذا حلف لا يأكل من مال أبيه وكان بين الابن وبين الحالف..... فأكل منه يحنث لأنه أكل من مال الابن وهذه المسألة تخالف مسألة الطعام التي تقدم ذكرها. وفيه أيضاً إذا قال لوالديه: إن أكلت من مالكما فأكل بعد موتهما لم يحنث من مالهما، ولو قال: إن أكلت من مالكما بعد موتكما وباقي المسألة بحالها يحنث في يمينه، لأنه لمّا نصّ على ما بعد موتهما علمنا أنه أراد به الميراث وأراد بالنسبة المجاز.
وفي «فتاوى الفضلي» إذا قال: إن أكلت شيئاً من مال والدي فكذا ثم وجد كسيرة خبز في بيت والده وأكلها.... لا يحنث لأن اليمين يعقد للمنع والإنسان لا يمنع نفسه عن مثل هذا.
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا حلف بالفارسية لا يأكل من خبز فلان فتناول من..... فلان لا يحنث، لأن أوهام الناس لا تسبق إلى هذا، ألا ترى أنه لو أكل من قشر بطيخة أو أكل من كسرة خبزة وجدها على باب داره لا يحنث في يمينه، وفيه أيضاً إذا حلف لا يأكل من كسب فلان فشرب من الذي وضعه على الطريق ليشرب الناس أخاف أن يحنث، ولو أكل كسرة مطروحة في بيت المحلوف عليه فإن كانت الكسرة بحال لا يُعطى مثلها الفقير لا يحنث. وإن كان بحال يُعطى مثلها الفقير يحنث، وفيه أيضاً إذا حلف أن..... وفلان فأكل من.... حمله فلان ينبغي أن يحنث، لأن الأوهام تسبق إلى هذا إذا كانت اليمين معقودة على أورده.
في «واقعات الناطفي» : إذا اغترف الرجل من قدر في وصفه ثم حلف لا يأكل من هذا القدر فأكل من ماء القصعة لا يحنث، لأن يمينه على ما بقي في القدر.
رجلٌ قال لامرأته: إن أكلتْ والدتك من مالي فأنت طالق ثلاثاً فطبخت امرأته قدراً فجاءها وجعلت فيه شيئاً من الحوائج من مال الزوج فأكلت والدة المرأة من ذلك فقد قيل: إن فعلت المرأة ذلك برضا صاحب القدر في هذه الصورة، وقد قيل لا يحنث على كل حال، لأن الحوائج صارت ملكاً للمرأة لجعلها إياه في القدر فكانت الوالدة أكلت من مال ابنتها، لا من مال زوجها.
إذا قال: إن أكلت من مال والدي قبل أن أتزوج فاطمة كل امرأة أتزوجها فهي طالق فالحالُّ من مال والده قبل أن يتزوج فاطمة، ثم تزوج فاطمة طلقت هي لأن عند الأكل يصير قائلاً كل امرأة أتزوجها فهي طالق.
стр. 1881
إذا حلفت المرأة أن لا تأكل من أطعمة ابنها وقد كان الابن بعث إليها من الأطعمة قبل اليمين فأكلت ذلك لا يلزمها الحنث لأنها أكلت طعام نفسها قبل هذا إذا لم يكن له نيّة، فإن نوى ذلك الطعام الذي بعثه قبل اليمين يحنث بأكله، لأنه نوى الإضافة باعتبار ما قد كان حلف لعيره، وقال: لاطعمتك غداً حتى تشبع فاطمة ولم تشبع حنث في يمينه، حلف لا يأكل من طعام امرأته فأدخلت عليه الطعام، وقالت له: داروكو فأكل لا يحنث، ولو لم يقل داروكو وباقي المسألة بحالها يحنث، لأن بقولها داروكور يصير الطعام ملكاً للزوج وقبل ذلك هو ملك للمرأة.
وإذا حلف لا يأكل من طعام صهره فبعث الصهر ابنه الذي في عياله في أمر ودفع إليه شيئاً من الأطعمة فأكل الحالف من ذلك فقد قيل: يحنث، وقيل: لا يحنث، لأن بالدفع إلى الابن يصير الطعام ملكاً للابن فلا يكون آكلاً طعام الصهر.
وإذا حلف لا يأكل مع فلان طعاماً فأكل هذا من إناء وفلان من إناء آخر في ذلك المجلس لا يحنث، هكذا ذكر في «شرح مختصر عاصم» في باب كفارة اليمين في الشراب. وفي «شرح الكافي» للصدر الشهيد ﵀ في باب اليمين في الشراب أنهما إذا أكلا من مائدة واحدة حنث. وإذا اختلف..... وطعامهما فيتأمل عند الفتوى.
إذا حلف لا يأكل بُسراً فأكل بسراً قريباً وهو الذي عامته بُسر حنث بالإجماع، ولذلك إذا حلف لا يأكل رطباً فأكل رطباً فيه بُسر يسير حنث بالإجماع، ولو حلف لا يأكل رطباً فيه بسر يسير حنث في قول أبي حنيفة ﵀ ومحمد ﵀، وقال أبو يوسف ﵀ لا يحنث، لأن ما عقد يمينه عليه مغلوب بغيره فلم يظهر بمقابلته، وهما يقولان الحر والذي يتناوله اليمين لو أكله بانفراده يحنث فكذلك إذا أكل مع غيره.
نوع آخرمن هذا الفصل في الشرب
قال القدوري في «شرحه» : الشرب بأن يوصل إلى جوفه ما لا ينافي فيه.... في حال، وقوله مثل الماء والنبيذ واللبن، فإذا حلف لا يشرب من هذا اللبن فأكله لا يحنث ولو شربه يحنث، وأكل اللبن أن يرد فيه الخبز ويؤكل، وشربه أن يشرب كما هو. ولو حلف لا يشرب هذا العسل فأكله كذلك لا يحنث، لأنه يسمى أكلاً ويسمى شرباً، ولو صب عليه ماءً وشربه حنث، لأنه يشرب حقيقة.
إذا حلف أن لا يشرب من دار فلان فأكل منها شيئاً قال محمد بن سلمة ﵀: يحنث في يمينه لأنه قصده المنع حداً عن جميع المأكولات. يقال بالفارسية من اب نجورم ان خاته.
قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : المختار عندي أنه لا يحنث إلا أن
стр. 1882
ينوي جميع المأكولات، لأن اللفظ في باب الأيمان مراعى، وإذا نوى (٣٨٣ب١) جميع المأكولات حينئذ لأنه نوى ما يراد به في العرف فتصح نيته، وقد قيل: إن كانت اليمين بالعربية لا يحنث بأكل المأكولات، وإن كانت اليمين بالفارسية يحنث؛ لأن فارسية الأكل والشرب واحد وهو نظيرما قيل فيما إذا حلف لا يأكل هذا السويق فشربه شرباً إنه إن كانت اليمين بالعربية لا يحنث، وإن كانت اليمين بالفارسية يحنث، وطريقه ما قلنا.
ولو حلف لا يشرب مع فلان فشربا في مجلس واحد حنث في يمينه، وإن كان الإناء الذي يشربان منه مختلفاً، وكذا إن شرب الحالف من شراب والآخر من شراب، وإذا حلف لا يشرب شراباً ولا نية له فأي شراب يشرب من ماء أو غيره يحنث هكذا ذكر في أيمان «الأصل» .
وفي «الأصل» : إذا حلف لا يشرب الشراب، ولا نيه له فهو على الخمر. قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: فإذا في المسألة روايتان، وفي «فتاوى أهل سمرقند» أنه لا يحنث بشرب الماء لأنه لا يسمى شراباً عرفاً، وحكي عن شمس الأئمة السرخسي ﵀ ما هو قريب من هذا، فإنه قال: في عرف الفارسية من حلف شراب نمن خمرم لا يقع ذلك على الماء واللبن.
وإذا حلف لا يشرب لبناً فصب الماء في اللبن فالأصل في هذه المسألة، وأجناسها أن الحالف إذا عقد يمينه على ما يقع فاختلط بمائع آخر من خلاف جنسه إن كانت الغلبة لغير المحلوف عليه لا يحنث، وإن كان سواء فالقياس أن يحنث، وفي الاستحسان لا يحنث، وفسر أبو يوسف ﵀ الغلبة فقال: أن يستبين لون المحلوف عليه ويوجد طعمهُ.
وقال محمد ﵀: تعتبر الغلبة من حيث القلة والكثرة بالأجزاء. وإذا حلف لا يشرب اللبن فصب فيه الماء وإن كان يوجد طعم اللبن ويرى لونه فهو غالب فيحنث عند أبي يوسف ﵀، وبدون ذلك لا يحنث. وأما إذا اختلط بمائع آخر من جنسه كاللبن إذا اختلط بلبن آخر فعند أبي يوسف ﵀ هذا والأول سواء يعني يعتبر الغالب غير أن الغلبة من حيث اللون والطعم لا يمكنه اعتبارها ههنا فيعتبر بالقدر، وعند محمد ﵀ يحنث ههنا لكل حال؛ لأن الشيء لا يصير مستهلكاً بجنسه وإنما يصير مستهلكاً خلاف الجنس، فإذا لم يصر مستهلكاً..... يلزمه الحنث، قالوا: وهذا الاختلاف فيما يمتزج ويختلط بالمزج والخلط أما ما لا يمتزج بالخلط كالدهن وكان الحلف على الدهن يحنث بالاتفاق لأن الدهن يكون منفصلاً فيصير بشرب المخلوط شارباً المحلوف عليه على كل حال فيحنث في يمينه.
وفي «القدوري» : إذا حلف على قدر من ماء زمزم لا يشرب منه شيئاً وصبه في ماء آخر حتى صار مغلوباً وشرب منه يحنث عند محمد ﵀ لما بيننا في «أصله» ، أن الشي لا يصير مستهلكاً بجنسه، ولو صبه في بئر أو حوض عظيم وشرب منه لا يحنث
стр. 1883
لأنه لا يدري لعل البئر تغور بما صب، والحوض إذا عظم ولعل ذلك القدر من الماء يختلط بالكل.
ولو حلف لا يشرب هذا الماء العذب فصبه في ماء مالح فغلب عليه وشرب لم يحنث. لأنه قيده بوصف ولم يبق ذلك الوصف بعد الخلط فعلم أنه صار مستهلكاً بالخلط. وكذلك لو حلف لا يشرب لبن ضأن فخلط بلبن معز. ولو حلف لا يشرب لبن هذه الشاة وهي ضأن فخلطها بلبن معز حنث، ولا يعتبر لأن في هذه المسألة اليمين وقعت على لبن الضأن. وإذا حلف شراب نحووم فشرب البكي للأخس أولاد فعلى قياس ما ذكر في الحيل لا يحنث في يمينه، وهو موافق للعرف وإذا حلف لا يشرب نبيذاً فاعلم أن النبيذ اسم لما ألقي فيه التمر أو الزبيب أو السكر أو الفانيد وغلى واشتد ولو شرب العصير الذي صار خمراً أو السكر لا يحنث هكذا ذكر في «الأصل» .
وفي «فتاوى الفضلي» : أن يمينه على النيء من ماء العنب قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : المختار للفتوى أن يمينه على المسكر من ماء العنب ماء كان أو مطبوخاً لأن اسم النبيذ في العرف يقع على هذا ويسمى لمن شرب هذا نبيذ حرارة، ولا يسمى بهذا الاسم غيره، وكان شمس الأئمة السرخسي ﵀ يقول: اسم النبيذ بالفارسية يقع على كل مسكر، وإذا حلف سكبي مخورد فيمينه على كل مسكر لكن من ماء العنب. سبكي خورد وفي «فتاوى النسفي» أن اسم السبكي يقع على كل مسكر سواء كان من ماء العنب أو غيره كاليكني والأجسمه ونحوهما. قال: أو كبه حلالاً كان ذلك أو حراماً حتى لو شرب المثلث الذي يجوز شربه يحنث في يمينه، والصحيح أن اسم السيكي يقع على المسكر من ماء العنب لا غير نيئاً كان أو مطبوخاً، وأما اسم الخمر وفارسيته حى وبعض مشايخ سمرقند ﵏ جعل هذا بمنزلة اسم قول السبكي.
وبعضهم قالوا: إن نوى المسكر فيمينه على النيء والمطبوخ جميعاً، والصحيح أن هذا على النيء من ماء العنب لا غير وإذا قال: مسكره تخوزم فقد قيل إن يمينه لا تقع على المتخذ من الحبوب لأن شرب ذلك حلال عند أبي حنيفة ﵀ والسكر منه ليس بسكر حقيقية بمنزلة السكر في البنج ولبن الرمكة وأشباه ذلك ولهذا لو سكر منه لا يحل ولو طلق في السكر منه لا يقع طلاقه هكذا ذكر الصدر الشهيد ﵀ فصل الحد والطلاق. فعلى قياس ما ذكر في عدم وجوب الحد وعن عدم وقوع الطلاق بناء على أن السكر الحاصل من هذه الأشربة ليس بسكر على الحقيقة ينبغي أن لا يحنث في يمينه، وقوله مسكره أي خورم، وبعض المشايخ قالوا: يحنث في يمينه، والصحيح أنه يعتبر فيه العرف إن كان في العرف يسمى الشراب المتخذ في هذه الأشياء مسكرة يحنث في يمينه، ومالا فلا.
إذا حلف لا يشرب نبيذ زبيب فشرب نبيذ كشمش يحنث في يمينه لأن الكشمش نوع من الزبيب.
стр. 1884
وإذا حلف بالفارسية يران كه كيبتي را نبيذ بني دهم فسقى رجلاً نبيذاً إن كان له نية وقت الحلف فهو على ما نوى إن نوى السقي لا يحنث (٣٨٤أ١) بالإهداء، وإن نوى الإهداء لا يحنث بالسقي لأنه نوى ما يحتمل لفظة، وإن لم يكن له نية فيمينه على السقي والإهداء جميعاً لأنه يتحقق شرط الحنث في كل واحدة منهما، وهو إعطاء النبيذ.
في «فتاوى أبي الليث» ﵀: وإذا حلف لا يشرب شراباً يسكر منه فصب شراباً سكر منه في شراب لا يسكر منه فشرب منه ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» ﵏ أن هذا المحلوف عليه إن كان بحال لو شرب منه الكثير لسكر يحنث، لأنه شراباً مسكراً.
وإذا عقد يمينه على شرب ما لا يشرب ويخرج منه ما يشرب فيمينه على شرب ما يخرج.
بيانه: فيما ذكر في «المنتقى» : إذا حلف لا يشرب من هذا التمر فشرب من نبيذه يحنث في يمينه، وهذا هو الأصل في مخرج جنس هذه المسائل.
وإذا حلف لا يشرب المسكر فصب المسكر في حلقه فإن دخل حلقه بغير فعله لا يحنث، ولو شرب، ذلك يحنث؛ لأن اليمين لم تنحل بعد، ولو دخل حلقه بفعله يحنث في يمينه، لأنه قد شرب هكذا قيل، وعلى قياس ما ذكر الرستغفني في طلاقه: أن الأكل والشرب عبارة عن عمل الشفاه حتى قال: من حلف لا يأكل وفي فمه شيء ما فبلعه لا يحنث، لأنه لم تعمل الشفاه في ذلك ينبغي أن لا يحنث، وفي هذه المسألة وإن دخل المسكر حلقه بفعله لأنه لم يعمل الشفاه فيه، وكذلك إذا حلف لا يشرب وفي فمه رمانة فمضغها وابتلع ماءها لم يحنث، لأنه لم يعمل الشفاه في ذلك فعلى قياس هذه المسألة ينبغي أن لا يحنث في مسألة المسكر، وإن وصل إلى حلقه بفعله.
حلف لا يشرب من قدح فلان فصب الحالف الماء من قدح فلان على يده وشرب لم يحنث، لأنه لم يشرب من قدح فلان.
حلف لا يشرب من ماء فلان فكان الحالف في مجلس في حانوت المحلوف عليه فاشترى الحالف كوزاً ووضعه في حانوت المحلوف عليه واستسقى أجير المحلوف عليه الماء من النهر بذلك الكوز ووضعه في حانوت المحلوف عليه ليلاً، فلما أصبح الحالف دعا بالكوز وشرب الماء، فإن كان الحالف اشترى الكوز لهذا حتيالاً منه كيلا يحنث أن لا يحنث لأنه حينئذ يصير الأجير عاملاً للحالف، فيصير الحالف شارباً ماء نفسه.
ذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀: حلف لا يشرب في هذه القرية فشرب في كرومها لا يحنث في «فتاوى الأصل» ، وفي «فتاوى شمس الإسلام» ، لأن القرية اسم للعمران وقد ذكرنا في كتاب الطلاق، مسائل شتى على أن القرية اسم للعمران حتى لو كانت الكروم في العمران يحنث أيضاً.
إذا قال: إن شربت الخمر قبل أن أرى الورد الأحمر فكذا، ورأى ورد الأحمر في الشتاء، فقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الطلاق إذا حلف بالفارسية خمر تخو ردويدست
стр. 1885
نكيرد الشرب يحنث، لوجود شرط الحنث وهو الأخذ حقيقة، وقد قيل: لا يحنث، لأن الشرط هو الأخذ والشرب فلا يحنث بأحدهما، والصحيح أن يحنث؛ لأن كل واحد منهما يبقى على حدة فصار كل واحد شرطاً على حدة، وقد مر جنس هذا في كتاب الطلاق.
وفي أيمان «المنتقى» : رجل عوتب على شرب الخمر فحلف أن لا يشرب ما يخرج في هذا الكرم فشرب من خمره يحنث، لأنه معاني كلام الناس. رجل قال: إن شربت المسكر تصير امرأتي مطلقة يصير عبدي حراً، فشرب المسكر بعد ذلك تطلق امرأتهُ وعتق عبده، ولا يصدق بأنه لم يرد به الطلاق والعتاق، وإنما أراد منع أصحابه عن نفسه. حلف أن لا يشرب المسكر ثلاثة أشهر، فقالت له امرأته: أربعة أشهر، فقال: الزوج أربعة أشهر كثير فقد قيل: تصير المدة أربعة أشهر، وقد قيل: لا تصير المدة أربعة أشهر، وهذا بناء على أن الحالف إذا عطف على يمينه بعد سكوته ما يشدد على نفسه أنه يلتحق بيمينه عند أبي يوسف ﵀. وإذا عطف على يمينه بعد سكوته ما يوسع على نفسه لا تلتحق بيمينه ثم اختلف المشايخ ﵏ في هذة الصورة، أن في ذكر المدة الثانية تشديد عليه أو توسعة عليه فقيل: تشديد من حيث إنه يقع الطلاق بالشرب في الشهر الرابع وهو الأصح.
قال محمد ﵀ في «الجامع الكبير» : إذا حلف الرجل أن لا يشرب من الفرات أبداً فشرب منه اغترافاً أو من إناء لا يحنث في يمينه عند أبي حنيفة ﵀ حتى يكرع في الفرات كرعاً، وعندهما يحنث والوجه في ذلك: أن الشرب من الفرات حقيقة هو الشرب منه كرعاً، فإن الشرب من الشيء حقيقة أن يضع فاه عليه فيشرب منه بغير واسطة وهذه حقيقة مستعملة في العرف مقدرة في الشرع فإنه روي أن رسول صلى الله عليه وسلّممر بفناء قوم، وقال: «هل عندكم ماء فإن في شن وإلا كرعنا في الوادي كرعاً» إلا أن في الغالب يراد به الشرب باليد أو الإناء وأنه مجاز فالحقيقة في هذا الباب مستعمل، والمجاز إنما يستعمل إلا إن المجاز أغلب استعمالاً.
والأصل أن الحقيقة إذا كانت مستعملة والمجاز غير مستعمل، أو كان المجاز مستعملاً أيضاً إلا أن الحقيقة أغلب استعمالاً، أو كانا في الاستعمال على السواء فالعبرة للحقيقة، وإن كان المجاز أغلب استعمالاً، فعند أبي حنيفة ﵀ العبرة للحقيقة، وعندهما العبرة للمجاز فانصرف يمينه إلى الكرع عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن الكرع حقيقة مستعملة، وعندهما انصرف يمينه إلى الشرب باليد أو بالإناء، وإن كان مجازاً لأنه أغلب استعمالاً (٣٤٨ب١) ثم على قولهما إذا شرب كرعاً هل يحنث في يمينه؟ لم يذكر هذه المسألة في «الكتاب» ، وقد اختلف المشايخ ﵏ فيه بعضهم قالوا: لا يحنث
стр. 1886
لأن المجاز صار مراداً ههنا بالإجماع فلا تبقى الحقيقة مراداً لتعذر والجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد.
وبعضهم قالوا: يحنث في يمينه، وهذا القائل ظن جواز الجمع بين الحقيقة والمجاز عندهما، وليس الأمر كما ظن وليس طريق الحنث عندهما في هذه الصورة لو صح من مذهبهما الحنث الجمع بين الحقيقة والمجاز في لفظ واحد، وإنما الطريق العمل بعموم المجاز.
بيانه: وهو أن المنصوص عليه الشرب من الفرات والشرب من الفرات لا يتصور لأنه اسم المكان يجري فيه الماء فيُجعل مجازاً عن شرب الماء الذي يجري في الفرات لكون الفرات محلاً له، ولقيام المجاورة بينهما حال كونه فيه غالباً، ولشرب الماء الذي يجري في الفرات، ومجاورة الفرات طريقان أحدهما: الكرع، والثاني: الاغتراف باليد أو بالإناء فبأي طريق شرب حنث في يمينه، لعموم معنى المجاز لا للجمع بين الحقيقة والمجاز، وهذا كله إذا لم يكن له نيّة فإن نوى الكرع صحت نيته على قولهما في القضاء، وفيما بينه وبين الله تعالى لأنه نوى حقيقة كلام، وإن نوى الاغتراف صحت نيته على قول أبي حنيفة ﵀ فيما بينه وبين ربه، ولكن لا يصدقه القاضي لأنه نوى المجاز من كلامه، هذا إذا شرب من الفرات كرعاً أو اغترافاً فأما إذا شرب من نهر آخر يأخذ الماء من الفرات كرعاً أو اغترافاً لا يحنث في يمينه عندهم جميعاً.
أما عند أبي حنيفة ﵀؛ فلأن يمينه انصرف إلى الحقيقة وهو الشرب من الفرات كرعاً، وأما عندهما فلأنهما إنما عدلا عن الحقيقة لمكان العرف فإن الشرب من الفرات يراد به في العرف الاغتراف من الفرات، أما لا يراد به الشرب من نهر مُتخذ من الفرات فلا يكون الشرب من نهر آخر داخلاً في اليمين.
ولو حلف لا يشرب من ماء الفرات فشرب من الفرات كرعاً أو اغترافاً بيد أو آنية يحنث في يمينه عندهم جميعاً، وكذلك لو شرب من نهر آخر يأخذ الماء من الفرات يحنث عندهم جميعاً في ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف ﵀ في غير رواية الأصول أنه إذا شرب من نهر آخر يأخذ الماء من الفرات لا يحنث، فإن كان نوى في قوله لا يشرب من الفرات لا أشرب من ماء الفرات هل تصح نيته حتى لو شرب من نهر آخر يأخذ الماء من الفرات يحنث. لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل.
وحكي عن الفقيه أبي بكر الأعمش أنه قال: تصح نيته لأنه نوى ما يحتمله لفظه وغيره من المشايخ قالوا: لا تصح نيته لأن الماء غير مذكور نصاً، بهذا الطريق لم تصح نية الثلاث في قوله: أنت طالق وإن صار الطلاق مذكوراً لأنه غير مذكور نصاً.
وإذا حلف لا يشرب من ماء الفرات فصب ماء الفرات في واد لم يتخذ من الفرات إن كان ماء الفرات غالباً يحنث، وإن كان ماء الفرات مغلوباً لم يحنث. هكذا ذكر المسألة في «الجامع» من غير ذكر خلاف، وذكرنا في أول هذا النوع أن المحلوف عليه إذا اختلط بجنسه فعلى قول أبي يوسف ﵀ هو كالجنس يعتبر الغالب في ذلك، وقد
стр. 1887
قال محمد ﵀: يحنث وإن كان مغلوباً فيحمل ما ذكرنا في «الجامع» على أنه قول أبي يوسف ﵀، أو على رجوع محمد إلى قول أبي يوسف رحمهما الله.
ولو حلف لا يشرب من ماء فرات أو حلف لا يشرب ماءً فراتاً فأي ماء عذب شرب حنث في يمينه، لأنه جعل الماء صفة للفرات ههنا حيث ذكر الفرات منكراً كما ذكر الماء منكراً والفرات إذا صار صفة للماء يراد به العذب، قال الله تعالى ﴿وأسقيناكم ماء فراتاً﴾ (المرسلات: ٢٧) أي: ماءً عذباً. فصار كأنه نص، قال: لا أشرب ماء عذباً بخلاف قوله لا أشرب من ماء الفرات؛ لأن هناك ما جعل الفرات صفة للماء، ألا ترى أنه ذكر الفرات مورياً بالكلام، وذكر الماء منكراً بل أضاف الماء إلى نهر مسمى بالفرات، فإن الفرات إذا ذكر مع الألف واللام يراد به نهر الفرات فقد عقد يمينه على شرب ماء نهر الفرات فلا يحنث بشرب ماء نهر آخر.
ولو حلف لا يشرب من هذا الكوز أبداً، وصب الماء الذي في الكوز في كوز آخر وشرب منه لا يحنث في يمينه بالإجماع. ولو قال: لا أشرب من هذا الكوز وصب الماء الذي في الكوز في كوز آخر فشرب منه يحنث في يمينه، لأنه عقد يمينه على الماء الذي في الكوز وإن صب في كوز آخر لا يخرج من أن يكون ذلك الماء بخلاف قوله لا أشرب في هذا الكوز؛ لأن هناك عقد يمينه على الشرب من الكوز ولم يشرب من ذلك الكوز.
وفي «القدوري» : ولو حلف لا يشرب من ماء دجلة لم يحنث عند أبي حنيفة ﵀ حتى يكرع منه كرعاً بمنزلة قوله: لا أشرب من الدجلة. لأنه نصّ على الشرب من النهر، لأن قوله من دجلة، قوله لا أشرب. ولو حلف لا يشرب من هذا الجُب وفي هذا البئر. ذكر في القدوري مسألة الجب وذكر أنه لا يحنث عند أبي حنيفة ﵀ حتى يكرع منه كرعاً، أو ذكر مسألة البئر وذكر أنه إذا استسقى وشرب يحنث.
وحكي عن أبي سهل.... ﵀ أنه كان يقول: إن كان الجب والبئر ملآناً يمكن الكرع منه فيمينه على الكرع، وعند أبي حنيفة ﵀ وعندهما على الاغتراف، وفي الكرع اختلاف المشايخ ﵏ على قولهما على حسب ما ذكرنا في الفرات.
قال: وإن لم يكن ملآناً فيمينه على الاغتراف، أما عندهما فظاهر، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فلأن العمل بالحقيقة غير ممكن ههنا بوجه من الوجوه فكانت الحقيقة مهجورة فينصرف يمينه إلى المجاز، فإنه لو نزل في هذه الصورة وكرع في أسفل البئر أو من أسفل الجب، اختلف المشايخ فيه والصحيح أنه لا يحنث؛ لأن الحقيقة إنما كانت مهجورة وقت اليمين فانصرف يمينه إلى المجاز (٣٨٥أ١) وقت وجودها، فلا ينصرف إلى الحقيقة بعد ذلك، لو حلف من ماء المطر.... الرحلة من ماء المطر فشرب لا يحنث، وإذا حلف لا يشرب من ماء وادي سال المطر لم يكن فيه ماء قبل ذلك، وشرب من ماء المطر.... يحنث.
стр. 1888
وإذا حلف لا يشرب بغير إذن فلان فأعطاه فلان بيده ناول، ولم يأذن له باللسان وشرب ينبغي أن يحنث، وهذا ليس بإذن بل هو دليل الرضا.
نوع آخر في الذوق
إذا حلف الرجل لا يذوق طعاماً فأكل شيئاً من الطعام يحنث، وكذلك إذا حلف لا يذوق شراباً، فشرب شيئاً من ذلك يحنث، ولو حلف لا يأكل طعام أو حلف يشرب شراباً فذاق شيئاً من ذلك لا يحنث، والفرق أن في الفصل الأول عقد يمينه على الذوق، وفي الأكل والشرب ذزق وزيادة، وفي الفصل الثاني: عقد يمينه على الأكل والشرب، ولا يتحقق بالذوق بيانه: أن الأكل والشرب لا يتحقق إلا بالإيصال إلى الجوف، والذوق يتحقق بدون الإيصال إلى الجوف، لأن الذوق إدخال الشيء في فمه لاستبانة طعمه، والإدخال في الجوف لازم فيه.
وإذا حلف لا يذوق طعاماً وعنى بالذوق الطعام، وحلف لا يذوق شراباً وعنى بالذوق الشرب ذكر في «الأصل» أنه لا يحنث حتى يأكل أو يشرب، وذكر «القدوري» أنه تصح نيته فيما بينه وبين ربه ولا تصح نيته في القضاء؛ لأنه نوى خلاف الحقيقة.
وروى هشام عن محمد ﵀: أن من حلف لا يذوق.... طعاماً ولا شراباً فذاق منه شيئاً أدخله فمه ولم يصل إلى جوفه حنث في يمينه على الذوق حقيقة لا أن.... كلام.
وتفسير ذلك: أن يقول له غيره تعال تغدى عندي اليوم فحلف لا يذوق في منزله طعاماً ولا شراباً فهذا على الأكل والشرب.
وعن محمد فيمن حلف لا يذوق الماء فمضمض للصلاة لا يحنث، وهذا لما ذكرنا أن الذوق إدخال الشيء في فيه لاستبانة طعمه، والمضمضة إدخال الماء في الماء للتطهير لا لاستبانة طعمه.
وإذا قال: لا أذوق طعاماً ولا شراباً فذاق أحدهما حنث، وكذلك إذا قال: لا آكل كذا وكذا فأكل أحدهما، وكذلك إذا قال: لا أشرب كذا وكذا فشرب أحدهما.
ولو قال: لا أذوق طعاماً ولا شراباً فذاق أحدهما لم يحنث، وكان أبو القاسم الصفار يقول: يحنث إذا ذاق أحدهما، وكان يقول: يعتبر العرف في هذا، وفي العرف يراد به نفي كل واحد منهما، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل ﵀ بنية الحالف، وإن لم تكن له نية فالجواب كما في الكتاب وعد من جنس هذا فيما تقدم.
نوع آخر في الغداء والعشاء والسحور
إذا حلف لا يتغدى فاعلم بأن التغدي عبارة عن الأكل الذي يقصد به إذا الشبع،
стр. 1889
والتعشي كذلك، والمعتبر في ذلك العادة في كل بلد، حتى أن المصري في العادة إذا حلف على ترك الغداء فشرب اللبن لا يحنث، والبدوي بخلافه؛ لأنه غداء في البادية.
قال في «القدوري» : ولو أكل غير الخبز من أرز وتمر حتى سبع لم يحنث، وقال أبو يوسف ﵀ ومحمد ﵀: الغداء في مثل الكوفة والبصرة على الخبز، وكذلك والهرشة والفالوذج تعتبر في ذلك عادة الحالف. والغداء من طلوع الفجر إلى الزوال، والعشاء من الزوال إلى نصف الليل، والسحور ما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر.
فإذا حلف لا يتغدى فأكل بعد الزوال لا يحنث، وإذا حلف لا يتعشى فأكل بعد نصف الليل لا يحنث؛ لأنه تسحر وما تعشى، ومقدار الغداء والعشاء أن يأكل أكثر من نصف الشبع، فإذا حلف أنه لم يتغدَ، قد كان أكل شيئاً يسيراً أقل من نصف الشبع لا يحنث.
وإذا حلف ليغدينه بألف درهم فاشترى رغيفاً بأف درهم وغداه به فقد برّ في يمينه، وهو نظير ما لو حلف أن يعتق عبداً بألف درهماً فأعتق عبداً قليل القيمة وقد اشتراه بألف درهم فقد برّ في يمينه. وإذا حلف لا يذوق من هذا التمر فشرب من نبيذه لا يحنث. لا التمس عقدت على ما.... فيه الذوق تعينه فلا ينصرف إلى ما يتخذ منه، وقد ذكرنا نظير هذا في الأكل والشرب.
نوع آخر في الجماع وما يتصل به في المضاجعة وغيرها
إذا حلف الرجل لا يقرب امرأته فاستلقى على قفاه، فجاءت المرأة وفضت ... منه لا يحنث في يمينه هكذا ذكر في أيمان «النوازل» في حدود «النوازل» أنه يحنث في يمينه، قال الصدر الشهيد ﵀: والفتوى على الحنث، ولو كان نائماً فلا يحنث.
وفي «نوادر بشر» : عن أبي يوسف ﵀: إذا حلف الرجل لا يغشى هذه المرأة وهو يغشاها، فإن أقام على حاله فلا يحنث، وإن أخرج الميل ثم أدخله يحنث.
وفي «النوازل» إذا قال الرجل: امرأته طالق إن لم يكن جامع فلانة ألف مرة فهذا على كثرة العدد لا على كمال الألف؛ لأن الألف يذكر ويراد به الكثرة ولا تقدير فيه، قالوا أو استغفر كثيراً، قال تعالى: ﴿أن تستغفر لهم مرة﴾ وأراد به الكثرة.
وفي كتاب «الحيل» : المقيم إن حلف على امرأته في شهر رمضان أن يجامعها في يومه ذلك، فالحيلة في ذلك أن يخرج الزوج مع امرأته من البلدة يقصدان مسيرة ثلاثة أيام، فإذا خرجا جامعها، ثم يرجعان ولا يضره الرجوع، وإذا كان حين خرج قصد مسيرة سفر.
стр. 1890
وفي آخر «القدوري» : إذا حلف لا يرتكب حراماً فهذا على الروايات كان الحالف خصياً أو محبوباً فهو على القبلة الحرام وما أشبهها دخل ... أمر امرأته بالحرام فقال الزوج: أكثر ما (٣٨٥ب١) مكسال حرام كنم فأنت طالق فلها أن تُمكِّن نفسها منه ما لم تعاني نفس الجماع بتداخل الفرجين، ويعرف أنها ليست بزوجة له، ولا مملوكة له بملك اليمين أو يشهد عندهما أربعة من العدول على ذلك؛ لأن في العرف يراد بهذا الزنا، والزنا لا يثبت إلا بأحد هذين الأمرين وإن اتهمته بأن وقع عندهما ريبة حلفته عند الحاكم فإن حلف وسعها المقام معه، ولو أقرّ بالزنا مرة يلزمه الحنث ولا يسعها المقام معه.
قال لا مرأته: أكربا لسي خرام كنى بر اطلاق ثم إن هذا الرجل طلقها واحدة بائنة وجامعها في عدتها فعلى قياس قول أبي حنيفة ﵀ لا يقع بناء على أن عند أبي يوسف ﵀ العبرة في باب الأيمان للغرض والغرض من هذه اليمين فعلها مع غيره، والحامل عليه هذا وهما يعتبران عموم اللفظ قيل: وينبغي أن لا يقع الطلاق في هذه الصورة بالاتفاق؛ لأن الطلاق معلّق بالحرام، والحرام إذا ذكر مطلقاً ينصرف إلى الزنا، ووطء الزوج في العدة ليس بزنا.
وفي «عيون المسائل» : امرأة اتهمت زوجها بالغلمان فحلفته أن لا يأتي حراماً فقبل غلاماً له أو لمسه بشهوة لا يحنث، ولو جامعه فيما دون الفرج يحنث وإن لم ينزل لأنه يراد بالحرام ههنا الجماع عرفاً في الفرج، وقيل: ينبغي أن لا يحنث ههنا، لأن مثل هذه الأفعال مع غلامه مباح عند مالك فتتمكن الشبهة ومع الشبهة لا يتمحض حراماً.
وفي «فتاوى الفضلي» : إذا قال لامرأته: أكر حرام كرده وتراسه طلاق وقد كانت قبلّت رجلاً غير محرم أو جامعها فيما دون الفرج لا تطلق امرأته، لأنه يراد بهذا الجماع في الفرج عادة، وهذه الرواية بخلاف رواية «العيون» . وإذا قال لامرأته: إن جامعتك فكذا فيمينه على الجماع في الفرج، حتى لو جامعها فيما دون الفرج لا يحنث في يمينه، هكذا ذكر في أيمان «الجامع» ، وهذا لأنه غلب استعمال الجماع المضاف إلى المرأة في الجماع في الفرج فصار الجماع المضاف إلى المرأة بحكم غلبة الاستعمال صريحاً في الجماع في الفرج، فمطلقه ينصرف إليه. وإن قال: عنيت الجماع فيما دون الفرج صدقه القاضي في إدخال الجماع فيما دون الفرج بحنث اليمين ولا يصدقه في إخراج (الجماع) في الفرج عن اليمين، وكان ينبغي أن يصدقه القاضي في خروج الجماع في الفرج عن اليمين، لأنه نوى حقيقة كلامه لأن الجماع مأخوذ من الجمع، وقد وجد معنى الجمع في الجماع فيما دون الفرج، ومن نوى حقيقة كلامه يصدق ديانة وقضاءً، وإن كان ما نوى خلاف الظاهر.
ألا ترى أن من قال لعبده: أنت حرّ يوم يقدم فلان وعنى ببياض النهار صدق قضاءً، وطريقه ما قلنا.
стр. 1891
والجواب وهو الأصل في جنس هذه المسائل: أن الكلام إذا كان له حقيقة ومجاز، وهو ينصرف إلى المجاز عند الاطلاق بحكم غلبة الاستعمال فنوى المتكلم حقيقته فالقاضي يصدقه كما في مسألة القدوم. فإن اليوم في حقيقة اللغة لبياض النهار وللوقت مجاز يعرف الاستعمال متى ذكر مقروناً بفعل لا يتقيد باليوم فإذا نوى بياض النهار فقد نوى حقيقة كلامه فيصدقه القاضي. فأما إذا كان الكلام حقيقتين وهو ينصرف إلى أحديهما بحكم غلبة الاستعمال، فنوى المتكلم الحقيقة الأخرى فالقاضي لا يصدقه؛ لأن الحقيقة التي انصرف إليها الكلام عند الإطلاق ترجحت على الأخرى بحكم غلبة الاستعمال يسقط اعتبار الأخرى وصارت الأخرى، كالمجاز من حيث الاعتبار، ولو كان مجازاً حقيقة لا يصدقه القاضي في دعواه فكذا إذا صار مجازاً من حيث الاعتبار.
وفي آخر أيمان «القدوري» : إذا حلف لا يطأ امرأة وطئاً حراماً فوطىء امرأته وهي حائض، أو كان ظاهر منها لم يحنث إلا أن ينوي ذلك؛ لأن الوطىء في نفسه ليس بحرام، وإنما ثبتت الحرمة بعارض وفي أيمان «المنتقى» رواية مجهولة إذا حلف لا يرتكب من فلانة محرماً فجامعها أو قبلها بشهوة أو غير شهوة إنه يحنث في يمينه، وإن لمسها إن كان بشهوة يحنث، وإن كان بغير شهوة لا يحنث.
إذا قال لها: إن حللت الليلة بالحرام..... امرأتي فأنت طالق وقد كان أخذها رجل قبل ذلك ووطئها على كره منها. قال: إن كان الإكراه بحال لا تقدر على الامتناع منه تطلق لأنه وجد منها الفعل، هكذا روي في «النوازل» .
وفيه أيضاً: إذا حلف المرأة بهذه العبارة بالله كه حرام ني كرد ستم وعيب إنها لم تحرم الزنا إنما الله هو الذي حرم الزنا، وقد كانت فعلت ذلك لا يحنث لأنه نوى ما يحتمله. وإن كان الحالف رجلاً وحلفت بالله فكذلك الجواب، وإن حلف بالطلاق والعتاق صدق ديانة لا قضاء.
وفي «فتاوى الفضلي» ﵀: إذا قال لها: إن فعلت حراماً فأنت طالق، ثم إنها أجرت كلمة الكفر بلسانها ولم يعلما بوقوع الفرقة حتى أقاما على ذلك لم يحنث الزوج لأن يمينه انصرف إلى الزنا وهما أقاما على تأويل النكاح فلم يكن زنا.r
وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال: إن اغتسلتُ من الحرام فامرأته طالق فعانق أجنبية وأنزل لا يحنث، لأن هذا يقع على الجماع.
وفي «العيون» : إذا قال لامرأته: إن اغتسلت منك من جنابة فأنت طالق، فجامعها وقع الطلاق، وإن لم يغتسل لأن هذا اللفظ صار كناية عن الجماع حكاية.
قال: إن جامعتك فأنت طالق، وفي موضع آخر إذا قال لها: إن اغتسلت منك إلى شهر فكذا جامعها في المفازة فحينئذ يمينه يقع على الجماع.
وفي «النوازل» : سكران دعا (امرأته) إلى فراشه فقال: السكران إن امتثلت أمري
стр. 1892
وساعدتني وإلا فكانت طالق ثلاثاً فإن ساعدته بعد أن دعاها في المستقبل لم يحنث، وإن لم تساعده بعد أن دعاها في المستقبل حنث، لأن قوله إن امتثلت (٣٨٦أ١) أمري يمين واليمين يقتضي شرطاً في المستقبل، فكان شرط وقوع الطلاق ترك الامتثال لأمر يوجد منه في المستقبل. قال لامرأته بالفارسية: أكر من بامكسال ديب حرار كنم ينو فكذا لم يجامعها فيما دون الفرج لا يحنث لأنه يراد بهذا الجماع عادة، وقد مرّت هذه المسألة في كتاب الطلاق في فصل الإيلاء.
وفي «فتاوى الفضلي» ﵀: إذا حلف لا يفتح السراويل على امرأته، فإن أراد الجماع فيمينه على الجماع، وإن لم يرد الجماع، إن فتح السراويل لأجل البول فجامعها لا يحنث، لأنه لم يفتح السراويل عليها لأن فتح السراويل عليها أن يفتح ليجامعها.
إذا قال لامرأته وهي في بيت أمها: إن لم تجيئي بيتي الليلة حتى أجامعك فكذا، فجاءت بيته ولم يجامعها، قال أبو يوسف ﵀: يحنث، وقال محمد ﵀، لا يحنث: وقد مرّ جنس هذه المسائل في كتاب الطلاق.
حلف أن لا يحل التكة في....... فجامع من غير حل التكة ينظر إن نوى غير حل التكة لا يحنث، ويصدق ديانة وقضاءً لأنه نوى حقيقة كلامه. وإن نوى الجماع يحنث......
وفي «فتاوى أهل سمرقند» ﵏: دخل إليهم بصبي فقال بالفارسية، أكر من با أربا حفاضي فامرأته كذا وقد كان قبله طلقت امرأته.
حلف أن لا يفعل حراماً فتزوج امرأة نكاحاً فاسداً ودخل بها لا يحنث. لأنه ليس بحرام مطلق.
وفي «العيون» : إذا حلف بطلاق امرأته أن لا ينظر إلى حرام فنظر إلى وجه امرأة أجنبية لا يحنث، لأن النظر إلى وجه الأجنبية ليس بحرام. ولو قال: إن أتيت حراماً فكذا، فأتى بهيمة فلا حنث عليه، إلا أن يكون ثمة دليل يدل على إرادته ذلك. إذا حلف لا يقبل فلاناً فقبل يدهُ أو رجلهُ، فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه منهم من قال: لا يحنث، وهو على الوجه خاصة، ومنهم من فصّل بين الملتحي وغير الملتحي فقال: إن عقد يمينه على ملتحي يحنث، وإن عقد يمينه على غير الملتحي لا يحنث، ومنهم من قال: إن عقد يمينه بالفارسية لا يحنث، إلا بالتقبيل على الوجه؛ لأنه لا يتفاهم منه الناس بالفارسية إلا التقبيل على الوجه، وإن عقد يمينه على العربية فهو على التفصيل بين الملتحي وغير الملتحي، والأول أظهر وأصح؛ لأن من قبّل يد إنسان لا يقال قبلَّه.
قال لامرأته: إن قبلت أحداً فأنت طالق فقبلته تطلق.
رجل حلف رجلاً أن يطعه في كل ما يأمره وينهاه نهى ذلك عن جماع امرأته فجامع لم يحنث، إذا لم يكن هناك سبب يدل عليه؛ لأن الجماع لا يراد هذا اليمين عادةً.
стр. 1893
رجل قال لامرأته: أكر من انحبرار نفر أرتواكس بكارا مدة باشد فأنت طالق ثلاثاً فهذا على الوطء حلالاً كان أو حراماً حتى لو كان زنى بامرأة أو وطئها بنكاح طلقت امرأته.
رجل قال لآخر أكر بخايد ان توايد دخنانت كنم فكذا ثم إن ذلك الرجل طلقت امرأته، ثم إن الحالف. فارقها حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي ﵀: إن فعل ذلك قبل انقضاء العدّة يحنث، وإن فعل ذلك بعد انقضاء العدة لا يحنث، سئل شمس الإسلام هذا ﵀ عن رجل دعا امرأته إلى الفراش فأبت فقال الزوج إن نمت معك إلى الخريف فأنت طالق فنام معها قبل الخريف، قال: إن نام معها وجامعها طلقت، وإن لم يجامعها لا تطلق، وهذا بناء على أن يمينه وقعت على الجماع عرفاً فإن عاد فقد ذكرنا في مسائل الإيلاء: أنّ من قال لامرأته: أكرنا بوا حسم فأنت طالق ثلاثاً ولم ينو نفس اليوم أنه مولى حلف أنه لم يلط وقد كان لاط في صغيرة يحنث في يمينه قيل إنك تفعل بامرأة فلان كذا وكذا وكانت امرأة فلان على السطح وامرأة أخرى على سطح آخر والسطوح متصلة بعضها ببعض، فقال الرجل: إن فعلت بتلك المرأة كذا وكذا فامرأته طالق وأشار بأصبعه إلى المرأة الأخرى، وكان ذلك في ليلة مظلمة فلم ير أصحابه ذلك وقد كان الحالف فعل بامرأة فلان ذلك الفعل طلقت امرأته قضاءً؛ لأن كلامه انصرف إلى تلك المرأة ظاهراً لخروجه عقيب ذكر تلك المرأة. وبعض مسائل هذا النوع مذكورة في كتاب الطلاق، وسيأتي شيء منه في المتفرقات.
نوع آخر في اللبس
وفيه مسائل الغزل والنسج والكسوة والخياطة والقطع:
إذا حلف الرجل لا يلبس ثوباً أو حلف لا يشتري ثوباً فيمينه على كل ملبوس يستر العورة وتجوز الصلاة فيه، وهذا لأن الثوب لغة اسم لما يلبس، إلا أنه إذا أطلق هذا الاسم يراد به ملبوس يستر العورة وتجوز الصلاة معه، وكل ملبوس هو بهذه الصفة كان داخلاً تحت اليمين حتى لو اشترى منسجاً أو بساطاً أو طنفسة ولبسها لا يحنث في يمينه لأن البساط والمنسج يُفرش ولا يُلبس فلا يدخل تحت اسم الثوب. ولو اشترى..... أو طيلسان ولبسهما يحنث في يمينه لأنه مما يلبس فيدخل تحت اسم الثوب هكذا ذكر المسألة في «الأصل» .
وذكر في «المنتقى» : إذا حلف لا يشتري ثوباً أو حلف لا يلبس ثوباً فاشترى منسجاً أو طنفسة أو وسادة ولبسها يحنث في المشترى ولا يحنث في اللبس ورواية «المنتقى» في فصل الشراء تخالف رواية «الأصل» . ولو اشترى فرواً أو لبس فرواً يحنث في يمينه فاسم الثوب ينطلق على الفرو ذكره في «الأصل» .
стр. 1894
وفي «السّير الكبير» في باب الاستثناء في النقل ولو اشترى قلنسوة أو لبس قلنسوة لا يحنث في يمينه لأن اسم الثوب لا ينطلق عليه، ولو اشترى ثوباً..... يحنث في يمينه هكذا ذكر في «الأصل» . قالوا: إن أراد بهذا أن يكون يستر العورة أو لا تستر وتجوز الصلاة، وكذا إذا اشترى خرقة ولا تكون نصف ثوب لا يحنث، لأنه لا يستر العورة وإن اشترى أكثر من نصف الثوب يحنث لأن اسم الثوب ينطلق على أكثر من نصف الثوب ولأنه يستر به العورة. وفي «القدوري» : إذا حلف الرجل لا يلبس ثوباً من غزل فلانة فقطع بعضه وإن بلغ ما قطع إزاراً أو رداءً أو سراويلاً حنث في يمينه بلبسه، وإن كان بخلافه فلا حنث والمعنى (٣٨٦ب١) ما ذكرنا.
قال ثمة: وكذلك المرأة إذا حلفت أن لا تلبس ثوباً فلبست خماراً أو مقنعة لم تحنث إذا لم يبلغ مقدار الإزار وإن بلغ حنثت وإن لم يستر به العورة.
وعلى هذا: إذا حلف لا يشتري لامرأته ثوباً أو حلف بالفارسية دن حاقة تجر فاشترى لها خماراً أو مقنعة لا يحنث في يمينه.
وإذا حلف لا يلبس ثوباً فلبس لفافة لا يحنث في يمينه لأن اللفافة لا تسمى ثوباً، وعلى قياس الخمار ينبغي أن يحنث إذا كانت اللفافة تباع مقدار الإزار. وإن لبس عمامة روى ابن سماعة عن محمد ﵀ أنه لا يحنث، ولا يجري في الكفارة، وروى بشر عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحنث إلا أن تكون عمامة إن فلتها كانت إزاراً أو رداءً أو يقطع من مثلها سراويلاً فهذا يحنث ويجري في الكفارة، وهكذا ذكر القدوري في «كتابه» .
وروى هشام عن أبي يوسف ﵀ الحنث في العمامة من غير فصل، ويجوز أن تكون رواية هشام محمولة على عمامة تبلغ إزاراً ورداءً أو رواية ابن سماعة عن محمد ﵀ محمولة على عمامة لا تبلغ إزاراً ورداءً.
وفي «السير الكبير» في باب الاستثناء في النقل أن اسم الثوب لا ينطلق على العمامة والقلنسوة والخف، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» أن هذا الجواب في العمائم في عمائم العرب لأنها متغيرة لا يجيء منها ثوب كامل، فأما في عمامتنا فبخلافه.
إذا حلف لا يلبس قميصاً فاتزر بقميص أو ارتدى بقميص لا يحنث في يمينه.
الأصل في جنس هذه المسائل أن من حلف على لبس ثوب لا بعينه لا يحنث ما لم يوجد منه اللبس المعتاد فيه، وإن حلف على لبس ثوب بعينه فعلى أي حال لبسهُ يحنث في يمينه، وهذا بناءً على أصل معروف يأتي في مسائل بعد هذا أن الوصف في غير المعين معتبر وفي المعين غير معتبر ولبس القميص بصفة مخصوصة متعارف والمتعارف كالمنصوص عليه، فإذا لم يعين قميصاً انصرف يمينه إلى اللبس المعتاد اعتباراً للصفة في غير المعين، فما لم يوجد اللبس المعتاد لا يحنث في يمينه، وإذا عين القميص انصرف يمينه إلى اللبس المطلق إلغاء للوصف في المعين فعلى أي حال لبسه يحنث في يمينه.
وعلى هذا إذا حلف لا يلبس هذه العمامة فألقاها على عاتقه يحنث، ولو كانت
стр. 1895
العمامة بغير عينها لا يحنث ذكر مسألة العمامة والقميص في «الجامع» .
وفي «الأصل» : إذا حلف لا يلبس ثوباً فوضعه على عاتقه يريد حمله لا يحنث لأنه حامل وليس بلابس، وهذه المسألة تخالف رواية «الجامع» في مسألة القميص.
وإذا حلف لا يلبس خباء أو هذا الخباء فوضعه على كتفه ولم يدخل يديه فيه:
ففي الوجه الأول اختلف المشايخ بعضهم قالوا: لا يحنث على قياس ما ذكر في المناسك أن المحرم إذا فعل هكذا لا كفارة عليه.
ووجه الاستدلال به: أن محمد ﵀ لم يجعلهُ لابساً إذ لو جعله لابساً لأوجب عليه الكفارة وبعضهم قالوا: يحنث في يمينه، لأن الخباء هكذا يلبس أيضاً.
وفي الوجة الثاني: يحنث بلا خلاف لأن اللبس المعتاد في المشار إليه غير معتبر على ما مرَّ.
وإذا حلف لا يلبس خباء أو حلف لا يلبس هذا الخباء فوضعه على اللحاف حالة النوم لا يحنث هكذا حكى ظهير الدين ﵀ فتوى عمه شمس الإسلام ﵀ وروايته في المعين يخالف الرواية. وإذا حلف لا يلبس ثوباً جديداً فالمروي عن محمد ﵀ أن الجديد مالم ينكسر حتى يصير يشبه الخلق.
وذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : أن الثوب مثل العسل يحب أن يكون جديداً وبعده لا اعتبار للعرف. وإذا حلف لا يلبس قميصاً يلبس قميصاً ليس له كمان ولم تكن له نية حين حلف فإنه يحنث في يمينه، وكان يجب أن لا يحنث لأن الكم صفة من أوصاف القميص والصفة في الفائت معتبرة حتى أن من حلف لا يدخل داراً فدخل داراً مهدومة لا يحنث في يمينه؛ لأن البناء صفة من أوصاف الدار.
ووجه الفرق بينهما: أن اسم القميص يثبت للثوب وإن لم يكن له كمان الأصل بأن يقال: قميص ذو كمين، وقميص لا كم له، ويقال: اشترى للقميص كماً يسميه قميصاً وإن لم يكن له كم من الأصل فإذا لم يكن وجود الكم في القميص شرطاً لثبوت هذا الاسم في الابتداء فزواله لا يوجب زوال الاسم بوجه ما كان الاسم بدون الكم قائماً من كل وجه فيحنث في يمينه بخلاف الدار، وذلك لأن اسم الدار للأرض لا يثبت بدون البناء فإن الأرض الذي لم يكن عليه بناء الدار في الأصل لا يسمى داراً وإنما يسمى أرضاً، فإذا كان وجود البناء شرطاً لثبوت اسم الدار فزواله يوجب نقصاناً في الاسم فلا يدخل فلا يجب بحسب مطلق الاسم.
فإذا حلف لا يلبس من غزل فلانة ولا نية له فلبس ثوباً نسج من غزل فلانة يحنث في يمينه؛ لأنه عقد يمينه باللبس على عين غير ملبوس فينصرف يمينه إلى ما يصنع منه مجازاً، فإن كان نوى عين الغزل لا يحنث بلبس الثوب لأنه نوى حقيقة كلامه فصحت نيته وصارت الحقيقة مراداً فلا يبقى المجاز مراداً ولبس غير الغزل لا يحنث إلا أن يعينه لأن اليمين انصرف إلى غزل منسوج إذا لم يكن له نية.
وعلى هذا إذا حلف لا يلبس قطناً ولا نيّة له فلبس ثوب قطن يحنث في يمينه، ولو
следующие страницы →