← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

والجواب وهو الأصل في جنس هذه المسائل: أن الكلام إذا كان له حقيقة ومجاز، وهو ينصرف إلى المجاز عند الاطلاق بحكم غلبة الاستعمال فنوى المتكلم حقيقته فالقاضي يصدقه كما في مسألة القدوم. فإن اليوم في حقيقة اللغة لبياض النهار وللوقت مجاز يعرف الاستعمال متى ذكر مقروناً بفعل لا يتقيد باليوم فإذا نوى بياض النهار فقد نوى حقيقة كلامه فيصدقه القاضي. فأما إذا كان الكلام حقيقتين وهو ينصرف إلى أحديهما بحكم غلبة الاستعمال، فنوى المتكلم الحقيقة الأخرى فالقاضي لا يصدقه؛ لأن الحقيقة التي انصرف إليها الكلام عند الإطلاق ترجحت على الأخرى بحكم غلبة الاستعمال يسقط اعتبار الأخرى وصارت الأخرى، كالمجاز من حيث الاعتبار، ولو كان مجازاً حقيقة لا يصدقه القاضي في دعواه فكذا إذا صار مجازاً من حيث الاعتبار. وفي آخر أيمان «القدوري» : إذا حلف لا يطأ امرأة وطئاً حراماً فوطىء امرأته وهي حائض، أو كان ظاهر منها لم يحنث إلا أن ينوي ذلك؛ لأن الوطىء في نفسه ليس بحرام، وإنما ثبتت الحرمة بعارض وفي أيمان «المنتقى» رواية مجهولة إذا حلف لا يرتكب من فلانة محرماً فجامعها أو قبلها بشهوة أو غير شهوة إنه يحنث في يمينه، وإن لمسها إن كان بشهوة يحنث، وإن كان بغير شهوة لا يحنث. إذا قال لها: إن حللت الليلة بالحرام..... امرأتي فأنت طالق وقد كان أخذها رجل قبل ذلك ووطئها على كره منها. قال: إن كان الإكراه بحال لا تقدر على الامتناع منه تطلق لأنه وجد منها الفعل، هكذا روي في «النوازل» . وفيه أيضاً: إذا حلف المرأة بهذه العبارة بالله كه حرام ني كرد ستم وعيب إنها لم تحرم الزنا إنما الله هو الذي حرم الزنا، وقد كانت فعلت ذلك لا يحنث لأنه نوى ما يحتمله. وإن كان الحالف رجلاً وحلفت بالله فكذلك الجواب، وإن حلف بالطلاق والعتاق صدق ديانة لا قضاء. وفي «فتاوى الفضلي» ﵀: إذا قال لها: إن فعلت حراماً فأنت طالق، ثم إنها أجرت كلمة الكفر بلسانها ولم يعلما بوقوع الفرقة حتى أقاما على ذلك لم يحنث الزوج لأن يمينه انصرف إلى الزنا وهما أقاما على تأويل النكاح فلم يكن زنا.r وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀ إذا قال: إن اغتسلتُ من الحرام فامرأته طالق فعانق أجنبية وأنزل لا يحنث، لأن هذا يقع على الجماع. وفي «العيون» : إذا قال لامرأته: إن اغتسلت منك من جنابة فأنت طالق، فجامعها وقع الطلاق، وإن لم يغتسل لأن هذا اللفظ صار كناية عن الجماع حكاية. قال: إن جامعتك فأنت طالق، وفي موضع آخر إذا قال لها: إن اغتسلت منك إلى شهر فكذا جامعها في المفازة فحينئذ يمينه يقع على الجماع. وفي «النوازل» : سكران دعا (امرأته) إلى فراشه فقال: السكران إن امتثلت أمري

стр. 1892

وساعدتني وإلا فكانت طالق ثلاثاً فإن ساعدته بعد أن دعاها في المستقبل لم يحنث، وإن لم تساعده بعد أن دعاها في المستقبل حنث، لأن قوله إن امتثلت (٣٨٦أ١) أمري يمين واليمين يقتضي شرطاً في المستقبل، فكان شرط وقوع الطلاق ترك الامتثال لأمر يوجد منه في المستقبل. قال لامرأته بالفارسية: أكر من بامكسال ديب حرار كنم ينو فكذا لم يجامعها فيما دون الفرج لا يحنث لأنه يراد بهذا الجماع عادة، وقد مرّت هذه المسألة في كتاب الطلاق في فصل الإيلاء. وفي «فتاوى الفضلي» ﵀: إذا حلف لا يفتح السراويل على امرأته، فإن أراد الجماع فيمينه على الجماع، وإن لم يرد الجماع، إن فتح السراويل لأجل البول فجامعها لا يحنث، لأنه لم يفتح السراويل عليها لأن فتح السراويل عليها أن يفتح ليجامعها. إذا قال لامرأته وهي في بيت أمها: إن لم تجيئي بيتي الليلة حتى أجامعك فكذا، فجاءت بيته ولم يجامعها، قال أبو يوسف ﵀: يحنث، وقال محمد ﵀، لا يحنث: وقد مرّ جنس هذه المسائل في كتاب الطلاق. حلف أن لا يحل التكة في....... فجامع من غير حل التكة ينظر إن نوى غير حل التكة لا يحنث، ويصدق ديانة وقضاءً لأنه نوى حقيقة كلامه. وإن نوى الجماع يحنث...... وفي «فتاوى أهل سمرقند» ﵏: دخل إليهم بصبي فقال بالفارسية، أكر من با أربا حفاضي فامرأته كذا وقد كان قبله طلقت امرأته. حلف أن لا يفعل حراماً فتزوج امرأة نكاحاً فاسداً ودخل بها لا يحنث. لأنه ليس بحرام مطلق. وفي «العيون» : إذا حلف بطلاق امرأته أن لا ينظر إلى حرام فنظر إلى وجه امرأة أجنبية لا يحنث، لأن النظر إلى وجه الأجنبية ليس بحرام. ولو قال: إن أتيت حراماً فكذا، فأتى بهيمة فلا حنث عليه، إلا أن يكون ثمة دليل يدل على إرادته ذلك. إذا حلف لا يقبل فلاناً فقبل يدهُ أو رجلهُ، فقد اختلف المشايخ ﵏ فيه منهم من قال: لا يحنث، وهو على الوجه خاصة، ومنهم من فصّل بين الملتحي وغير الملتحي فقال: إن عقد يمينه على ملتحي يحنث، وإن عقد يمينه على غير الملتحي لا يحنث، ومنهم من قال: إن عقد يمينه بالفارسية لا يحنث، إلا بالتقبيل على الوجه؛ لأنه لا يتفاهم منه الناس بالفارسية إلا التقبيل على الوجه، وإن عقد يمينه على العربية فهو على التفصيل بين الملتحي وغير الملتحي، والأول أظهر وأصح؛ لأن من قبّل يد إنسان لا يقال قبلَّه. قال لامرأته: إن قبلت أحداً فأنت طالق فقبلته تطلق. رجل حلف رجلاً أن يطعه في كل ما يأمره وينهاه نهى ذلك عن جماع امرأته فجامع لم يحنث، إذا لم يكن هناك سبب يدل عليه؛ لأن الجماع لا يراد هذا اليمين عادةً.

стр. 1893

رجل قال لامرأته: أكر من انحبرار نفر أرتواكس بكارا مدة باشد فأنت طالق ثلاثاً فهذا على الوطء حلالاً كان أو حراماً حتى لو كان زنى بامرأة أو وطئها بنكاح طلقت امرأته. رجل قال لآخر أكر بخايد ان توايد دخنانت كنم فكذا ثم إن ذلك الرجل طلقت امرأته، ثم إن الحالف. فارقها حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي ﵀: إن فعل ذلك قبل انقضاء العدّة يحنث، وإن فعل ذلك بعد انقضاء العدة لا يحنث، سئل شمس الإسلام هذا ﵀ عن رجل دعا امرأته إلى الفراش فأبت فقال الزوج إن نمت معك إلى الخريف فأنت طالق فنام معها قبل الخريف، قال: إن نام معها وجامعها طلقت، وإن لم يجامعها لا تطلق، وهذا بناء على أن يمينه وقعت على الجماع عرفاً فإن عاد فقد ذكرنا في مسائل الإيلاء: أنّ من قال لامرأته: أكرنا بوا حسم فأنت طالق ثلاثاً ولم ينو نفس اليوم أنه مولى حلف أنه لم يلط وقد كان لاط في صغيرة يحنث في يمينه قيل إنك تفعل بامرأة فلان كذا وكذا وكانت امرأة فلان على السطح وامرأة أخرى على سطح آخر والسطوح متصلة بعضها ببعض، فقال الرجل: إن فعلت بتلك المرأة كذا وكذا فامرأته طالق وأشار بأصبعه إلى المرأة الأخرى، وكان ذلك في ليلة مظلمة فلم ير أصحابه ذلك وقد كان الحالف فعل بامرأة فلان ذلك الفعل طلقت امرأته قضاءً؛ لأن كلامه انصرف إلى تلك المرأة ظاهراً لخروجه عقيب ذكر تلك المرأة. وبعض مسائل هذا النوع مذكورة في كتاب الطلاق، وسيأتي شيء منه في المتفرقات. نوع آخر في اللبس وفيه مسائل الغزل والنسج والكسوة والخياطة والقطع: إذا حلف الرجل لا يلبس ثوباً أو حلف لا يشتري ثوباً فيمينه على كل ملبوس يستر العورة وتجوز الصلاة فيه، وهذا لأن الثوب لغة اسم لما يلبس، إلا أنه إذا أطلق هذا الاسم يراد به ملبوس يستر العورة وتجوز الصلاة معه، وكل ملبوس هو بهذه الصفة كان داخلاً تحت اليمين حتى لو اشترى منسجاً أو بساطاً أو طنفسة ولبسها لا يحنث في يمينه لأن البساط والمنسج يُفرش ولا يُلبس فلا يدخل تحت اسم الثوب. ولو اشترى..... أو طيلسان ولبسهما يحنث في يمينه لأنه مما يلبس فيدخل تحت اسم الثوب هكذا ذكر المسألة في «الأصل» . وذكر في «المنتقى» : إذا حلف لا يشتري ثوباً أو حلف لا يلبس ثوباً فاشترى منسجاً أو طنفسة أو وسادة ولبسها يحنث في المشترى ولا يحنث في اللبس ورواية «المنتقى» في فصل الشراء تخالف رواية «الأصل» . ولو اشترى فرواً أو لبس فرواً يحنث في يمينه فاسم الثوب ينطلق على الفرو ذكره في «الأصل» .

стр. 1894

وفي «السّير الكبير» في باب الاستثناء في النقل ولو اشترى قلنسوة أو لبس قلنسوة لا يحنث في يمينه لأن اسم الثوب لا ينطلق عليه، ولو اشترى ثوباً..... يحنث في يمينه هكذا ذكر في «الأصل» . قالوا: إن أراد بهذا أن يكون يستر العورة أو لا تستر وتجوز الصلاة، وكذا إذا اشترى خرقة ولا تكون نصف ثوب لا يحنث، لأنه لا يستر العورة وإن اشترى أكثر من نصف الثوب يحنث لأن اسم الثوب ينطلق على أكثر من نصف الثوب ولأنه يستر به العورة. وفي «القدوري» : إذا حلف الرجل لا يلبس ثوباً من غزل فلانة فقطع بعضه وإن بلغ ما قطع إزاراً أو رداءً أو سراويلاً حنث في يمينه بلبسه، وإن كان بخلافه فلا حنث والمعنى (٣٨٦ب١) ما ذكرنا. قال ثمة: وكذلك المرأة إذا حلفت أن لا تلبس ثوباً فلبست خماراً أو مقنعة لم تحنث إذا لم يبلغ مقدار الإزار وإن بلغ حنثت وإن لم يستر به العورة. وعلى هذا: إذا حلف لا يشتري لامرأته ثوباً أو حلف بالفارسية دن حاقة تجر فاشترى لها خماراً أو مقنعة لا يحنث في يمينه. وإذا حلف لا يلبس ثوباً فلبس لفافة لا يحنث في يمينه لأن اللفافة لا تسمى ثوباً، وعلى قياس الخمار ينبغي أن يحنث إذا كانت اللفافة تباع مقدار الإزار. وإن لبس عمامة روى ابن سماعة عن محمد ﵀ أنه لا يحنث، ولا يجري في الكفارة، وروى بشر عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحنث إلا أن تكون عمامة إن فلتها كانت إزاراً أو رداءً أو يقطع من مثلها سراويلاً فهذا يحنث ويجري في الكفارة، وهكذا ذكر القدوري في «كتابه» . وروى هشام عن أبي يوسف ﵀ الحنث في العمامة من غير فصل، ويجوز أن تكون رواية هشام محمولة على عمامة تبلغ إزاراً ورداءً أو رواية ابن سماعة عن محمد ﵀ محمولة على عمامة لا تبلغ إزاراً ورداءً. وفي «السير الكبير» في باب الاستثناء في النقل أن اسم الثوب لا ينطلق على العمامة والقلنسوة والخف، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» أن هذا الجواب في العمائم في عمائم العرب لأنها متغيرة لا يجيء منها ثوب كامل، فأما في عمامتنا فبخلافه. إذا حلف لا يلبس قميصاً فاتزر بقميص أو ارتدى بقميص لا يحنث في يمينه. الأصل في جنس هذه المسائل أن من حلف على لبس ثوب لا بعينه لا يحنث ما لم يوجد منه اللبس المعتاد فيه، وإن حلف على لبس ثوب بعينه فعلى أي حال لبسهُ يحنث في يمينه، وهذا بناءً على أصل معروف يأتي في مسائل بعد هذا أن الوصف في غير المعين معتبر وفي المعين غير معتبر ولبس القميص بصفة مخصوصة متعارف والمتعارف كالمنصوص عليه، فإذا لم يعين قميصاً انصرف يمينه إلى اللبس المعتاد اعتباراً للصفة في غير المعين، فما لم يوجد اللبس المعتاد لا يحنث في يمينه، وإذا عين القميص انصرف يمينه إلى اللبس المطلق إلغاء للوصف في المعين فعلى أي حال لبسه يحنث في يمينه. وعلى هذا إذا حلف لا يلبس هذه العمامة فألقاها على عاتقه يحنث، ولو كانت

стр. 1895

العمامة بغير عينها لا يحنث ذكر مسألة العمامة والقميص في «الجامع» . وفي «الأصل» : إذا حلف لا يلبس ثوباً فوضعه على عاتقه يريد حمله لا يحنث لأنه حامل وليس بلابس، وهذه المسألة تخالف رواية «الجامع» في مسألة القميص. وإذا حلف لا يلبس خباء أو هذا الخباء فوضعه على كتفه ولم يدخل يديه فيه: ففي الوجه الأول اختلف المشايخ بعضهم قالوا: لا يحنث على قياس ما ذكر في المناسك أن المحرم إذا فعل هكذا لا كفارة عليه. ووجه الاستدلال به: أن محمد ﵀ لم يجعلهُ لابساً إذ لو جعله لابساً لأوجب عليه الكفارة وبعضهم قالوا: يحنث في يمينه، لأن الخباء هكذا يلبس أيضاً. وفي الوجة الثاني: يحنث بلا خلاف لأن اللبس المعتاد في المشار إليه غير معتبر على ما مرَّ. وإذا حلف لا يلبس خباء أو حلف لا يلبس هذا الخباء فوضعه على اللحاف حالة النوم لا يحنث هكذا حكى ظهير الدين ﵀ فتوى عمه شمس الإسلام ﵀ وروايته في المعين يخالف الرواية. وإذا حلف لا يلبس ثوباً جديداً فالمروي عن محمد ﵀ أن الجديد مالم ينكسر حتى يصير يشبه الخلق. وذكر الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : أن الثوب مثل العسل يحب أن يكون جديداً وبعده لا اعتبار للعرف. وإذا حلف لا يلبس قميصاً يلبس قميصاً ليس له كمان ولم تكن له نية حين حلف فإنه يحنث في يمينه، وكان يجب أن لا يحنث لأن الكم صفة من أوصاف القميص والصفة في الفائت معتبرة حتى أن من حلف لا يدخل داراً فدخل داراً مهدومة لا يحنث في يمينه؛ لأن البناء صفة من أوصاف الدار. ووجه الفرق بينهما: أن اسم القميص يثبت للثوب وإن لم يكن له كمان الأصل بأن يقال: قميص ذو كمين، وقميص لا كم له، ويقال: اشترى للقميص كماً يسميه قميصاً وإن لم يكن له كم من الأصل فإذا لم يكن وجود الكم في القميص شرطاً لثبوت هذا الاسم في الابتداء فزواله لا يوجب زوال الاسم بوجه ما كان الاسم بدون الكم قائماً من كل وجه فيحنث في يمينه بخلاف الدار، وذلك لأن اسم الدار للأرض لا يثبت بدون البناء فإن الأرض الذي لم يكن عليه بناء الدار في الأصل لا يسمى داراً وإنما يسمى أرضاً، فإذا كان وجود البناء شرطاً لثبوت اسم الدار فزواله يوجب نقصاناً في الاسم فلا يدخل فلا يجب بحسب مطلق الاسم. فإذا حلف لا يلبس من غزل فلانة ولا نية له فلبس ثوباً نسج من غزل فلانة يحنث في يمينه؛ لأنه عقد يمينه باللبس على عين غير ملبوس فينصرف يمينه إلى ما يصنع منه مجازاً، فإن كان نوى عين الغزل لا يحنث بلبس الثوب لأنه نوى حقيقة كلامه فصحت نيته وصارت الحقيقة مراداً فلا يبقى المجاز مراداً ولبس غير الغزل لا يحنث إلا أن يعينه لأن اليمين انصرف إلى غزل منسوج إذا لم يكن له نية. وعلى هذا إذا حلف لا يلبس قطناً ولا نيّة له فلبس ثوب قطن يحنث في يمينه، ولو

стр. 1896

لبس قباء ليس بقطن وحشوه قطن لم يحنث إلا أن ينويه لأن اليمين انصرف إلى قطن منسوج (٣٨٧ب١) وما في الكتاب ليس بمنسوج، فلا يحنث به؛ إلا أن ينوي عين القطن، فحينئذ يحنث كما في مسألة الغزل. ولو حلف لا يلبس (ثوباً من) غزل فلانة، فلبس ثوباً من غزل فلانة وغزل غيرها حيث لا يحنث في يمينه. والفرق: أن في قوله: لا ألبس غزل فلانة شرط الحنث أن يلبس من غزلها، وقد لبس من غزلها؛ لأن اسم الغزل ينطلق على القليل، كما ينطلق على الكثير، وفي قوله: لا ألبس ثوباً من غزل فلانة، شرط الحنث لبس ثوب من غزل فلانة، ولم يلبس ثوباً من غزل فلانة إنما يلبس ثوباً بعضه من غزل فلانة، فلهذا لم يحنث. وفي «المنتقى» : بالغ في بيان هاتين المسألتين، فروي عن محمد ﵀: أنه إذا حلف لا يلبس من غزل فلانة، فخلط غزلها بغزل غيرها في ثوب ولبسه قال: يحنث وإن لم يكن فيه من غزلها جزء من مائة جزء. ولو قال: لا ألبس ثوباً من غزل فلانة لم يحنث، وإن كان فيه من غزل غيرها. وعن أبي يوسف ﵀: إذا حلف لا يلبس ثوباً من غزل فلانة، فلبس ثوباً من غزل فلانة فيه رقعة من غزل غيرها حنث، وكذلك لو لبس قميصاً من غزل فلانة فيه لبة من غزل غيرها أو أزراره من غزل غيرها، وكذلك لو لبس ثوباً من غزلها، وعليه علم من غزل غيرها، ولم يُنسج ثوب من غزلها وغزل غيرها إلا أن غزل غيرها في آخر الثوب وفي.... فقطع غزلها من ذلك، ولبس القطعة التي من غزل المحلوف عليها فإن كانت تباع إزاراً أورداء حنث، وإن كانت لا تباع ذلك لا يحنث وإن قطعه سراويلاً ولبسه يحنث، وإن لبس ذلك الثوب قبل أن يقطع منه ما نسج من غزل غيرها، فإنه لا يحنث، قال: ولا يشبه هذا العلم، وإذا حلف لا يلبس من غزل فلانة، فلبس ثوباً خيطه من غزل فلانة، لا يحنث في يمينه، وكذلك لو لبس ثوباً فيه مسلكة من غزل فلانة، لا يحنث في يمينه. ولو لبس تكّة من غزلها، لم يحنث عند محمد ﵀، وعند أبي يوسف ﵀ يحنث، قال الصدر الشهيد ﵀: وبقول محمد ﵀ يفتى لأنه لا يُعد لابساً بلبس التكة، ورأيت في «المنتقى» رواية إبراهيم عن محمد ﵀: أنه يحنث في يمينه في التكة، وفي الزود والعروة ويقال بالفارسية ازكه وسا مكحه، لا يحنث، وكذلك في الزيق واللبة ويقال بالفارسية حشك وره كدينار، لا يحنث، هكذا في «فتاوى أبي الليث» ﵀. وذكر القدوري ﵀ فصل اللبة، كما ذكره الفقيه أبو الليث ﵀، ورواه عن محمد ﵀، وذكر في «المنتقى» رواية مجهولة أن في اللبة يحنث، وفي الزيق لا

стр. 1897

يحنث، وروي عن محمد ﵀..... ويقال بالفارسية نشنان أنه، إذا كان من غزلها يحنث في يمينه، والصدر الشهيد رحمه في «واقعاته» اختار الحنث في الزيق واللبة لأنه لابس لهما، قاسه على مسألة الرقعة. وذكر شيخ الإسلام ﵏ في شرح أيمان «الأصل» أن في، الدخريص واللبة يحنث في يمينه لأن في الدخريص يصير ملبوساً بلبس القميص، واللبة كذلك فأما الزر والعروة لا يصير ملبوساً بلبس القميص، فلهذا افترقا، وعن أبي يوسف ﵀ إذا رقع في ثوبه من غزل فلانة شبراً في شبر حنث. وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا أخذ الحالف من غزل فلانة خرقة، قدر شبرين، ووضع على عورته لا يحنث؛ لأنه بهذا الاسم لا يسمى لابساً، ولو لبس قلنسوة يحنث، لأنه يُسَّمى لابساً لهما. إذا حلف لا يلبس من غزل فلانة، فلبس ثوباً من غزلها فباع الذيل إلى السرة، ولم يدخل يديه في كُميه، ورجلاً تحت اللحاف حنث في يمينه. في «فتاوى أبي الليث» ﵀: وإذا حلف الرجل لا يلبس خزاً، أو حلف لا يلبس ثوباً من خز، فلبس ثوباًمن هذا الذي يسميه الناس خزاً يريد به ثوباً لحمتة خز سداه ليس بخز، أو على العكس، يحنث في يمينه، وهذا الجواب ظاهر في قوله لا ألبس خزاً مُشكل في قوله لا ألبس ثوباً من خز، لأن شرط الحنث في هذه الصورة، لبس ثوب من خز، وإذا لم يكن خزاً خالصاً، فإنما لبس ثوباً بعضه من خز، ألا ترى لو حلف لا يلبس ثوباً من كتّان، فلبس ثوباً من قطن وكتان، لا يحنث في يمينه، وإنما لا يحنث لما قلنا، والوجه في ذلك: أن الحنث في مسألة الخز لمكان العرف، فإن هذا الثوب يسمى خزّاً في العرف، وإن كان بعضه غير خز، ولا عُرف في مسألة الكتّان بأن الثوب الذي بعضه من قطن في العرف لا يسمى كتاناً، فالفارق بين الفصلين. وإذا حلف لا يلبس حريراً، فلبس قميصاً فالعبرة للحمة دون السدى. وإذا حلف لا يلبس كتاناً، فلبس ثوباً من قطن وكتان يحنث، لأن شرط الحنث لبس الكتان، وقد وجد ويستوي أن يكون الكتان سدى أو لحمة، فرق بين هذا وبينما إذا حلف لا يلبس إبريسماً، فلبس ثوباً لحمته خز، وسداه إبريسم، فإنه لا يحنث في يمينه. والفرق: أن الكتان لا يصير مستهلكاً بالقطن، ولا القطن بالكتان، فإن كان أحدهما سدى والآخر لحمة، لأنه لا يصير السدى عديم الرؤية، إذا كان السدى كتاناً واللحمة قطناً، لأنهما في الدقة سواء، فأما الإبريسم يصير مستمسكاً بالخز، إذا كان الإبريسم سدى، والخز لحمته لأن الإبريسم دقيق والخز ثخين، فيصير الإبريسم عديم الرؤية. ولو حلف لا يلبس ثوب كتان فلبس ثوباً من قطن وكتان، لا يحنث في يمينه سواء كان الكتان سدى أو لحمه، فرّق بين هذا وبينما إذا حلف لا يلبس ثوب إبريسم، فلبس ثوباً من إبريسم وقطن، فإنه يحنث في يمينه إذا كان لحمته إبريسم، والفرق أنّ في

стр. 1898

الإبريسم مع القطن الثوب ينسب إلى الإبريسم لا القطن فغلب (٣٨٧ب١) الإبريسم على القطن في نسبة الثوب إليه، فصار وجود القطن في ذلك المسألة وعدمه بمنزلة، فأما في القطن مع الكتان، ينسب الثوب إليهما يقال: ثوب قطن وكتان، وإذا نسب إليهما، صار لابساً ثوباً بعضه من قطن وبعضه من كتان، والبعض من الثوب لا يسمى ثوباً. وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يلبس ثوباً من غزل فلانة فلبس كساءً من غزلها حنث، ولو حلف لا يلبس ثوباً من غزل فلانة، فلبس كساءً من غزلها، سداه قطن من غزل غيرها، فإن كان هذا الثوب ينسب إلى غزلها يحنث، كالخز. وفيه أيضاً: إبراهيم عن محمد ﵀: إذا حلف لا يلبس من ثياب فلان، وفلان يبيع الثياب فاشترى منه ثوباً ولبس يحنث في يمينه. وإذا حلف الرجل لا يلبس ثوب كذا وهو لابسه، ولا نية له، فتركهُ بعد الحلف ساعة أو يوماً حنث في يمينه، لأن اللبس مستدام، وما يستدام فدوامه يسمى باسم الابتداء، وإذا حلف لا يلبس هذا الثوب، فألقي عليه وهو نائم قال محمد ﵀: أخشى أن يحنث. قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» والمختار أنه لا يحنث لا بلبس، واللبس ملابس، وهو نظير ما لو حلف لا يدخل دار فلان فدخل وهو نائم انتبه فوجد جداره الثوب إن ألقاه كما انتبه لا يحنث في يمينه وإن تركه فاستقر عليه بعد الانتباه حنث علم أنه الثوب المحلوف عليه أو لم يعلم، وكذا ألقي عليه وهو منتبه إن القاه عن نفسه، كما ألقي عليه، لا يحنث، وإن تركه يحنث، علم أنه الثوب المحلوف، أو لم يعلم، وإذا حلف لا يلبس السروايل، أو حلف لا يلبس الخفين، فأدخل إحدى رجليه في الخف أو في السراويل لا يحنث، لأنه لا يسمى لابس الخفين، ولا لابس السراويل بإدخال إحدى الرجلين فيه. في «الجامع الصغير» : إذا قال لامرأته: كل ثوب ألبسه من غزلك فهو هدي، فاشترى قطناً فغزلته ثم نسجته فلبسه فعليه أن يهديه، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: ليس عليه أن يهديه إلا أن يكون من قطن كان يملكهُ يوم حلف، ولا خلاف أن القطن والغزل إذا كان في ملكهِ يوم اليمين أنه يحنث، وإذا لم يكن في ملكه وقت اليمين، وإنما اشتراه بعد ذلك ففيه خلاف. ووجه قولهما: أن..... إنما يصح إما في الملك أو مضافاً إلى سبب الملك، ولم يوجد ههنا ملك، ولا إضافة إلى سبب الملك، لأن الغزل واللبن ليسا من أسباب الملك، ولأبي حنيفة ﵀: إن النذر أضيف إلى سبب الملك، لأن الغزل سبب لوقوع الملك للزوج، لأن العادة أن المرأة تغزل من قطن زوجها، وما تغزل المرأة من قطن الزوج يصير ملكاً للزوج، ومطلق اليمين ينصرف إلى المعتاد، فهو معنى قولنا إن النذر أضيف إلى سبب ملك الزوج.

стр. 1899

سئل نجم الدين النسفي عمن قال: عمن قال: الردشية زن خوشن بوشم زن آر من بطلاق بيدة زن زابو سربست قال: إن فعل ذلك على وجه العمامة حنث؛ لأنه ليس غزلها فقد قيل: لا يحنث لأن لبس الغزل على هذا الوجه ليس بمعتاد واليمين عقدت على غزل غير مشار إليه فينصرف إلى اللبس المعتاد.l إذا قال لامرأته بالفارسية: الحوشية نوبية من أيد رايد وقال سر من جرائد فكذا فوضع يده على غزلها أو خاط به ثوباً لا يحنث في يمينه. في «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قال لامرأته بالفارسية الردر ابو شايم أركار كرد خويش فأنت طالق، ثم أن المرأة رقعت كرباساً إلى زوجها لينسجها بآخر فنسج ولبست المرأة لا يحنث؛ لأن اليمين وقعت على مكسوب الزوج وهذا مكسوب المرأة، وكذلك لو كان القطن من جهة الزوج وقد لبست بغير أمر لا يحنث؛ لأنه شرط الإلباس وهو لم يلبسها ولم يأمرها باللبس إنما لبست بنفسها في غير أمره. وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يلبس من نسج فلان فلبس ثوباً نسجهُ فلان مع غيره يحنث، ولو قال: ثوباً من نسج فلان ولبس ثوباً نسجه فلان مع غيره لا يحنث، إذا كان الثوب مما نسجه واحد فإن كان لا ينسجه إلا اثنان يحنث. وفيه أيضاً: ولو حلف لا يلبس ثوباً من نسج فلان فلبس ثوباً نسجه غلمانه وفلان هذا هو..... عليهم، فإن كان فلان يعمل بيده لا يحنث إلا أن يلبس من عمله، وإن كان فلان لا يعمل بيده يحنث وكذلك هذه الأعمال كلها، ووقعت في زماننا أن رجلاً حلف أن لا يلبس من غزل فلان، فلبس من غزل وامرأة أخرى أمرها فلان بالغزل فأفتى بعض مشايخنا بالحنث مطلقاً، وأفتى البعض بالحنث على التفصيل الذي في مسألة النسج وهو الصحيح، وما ذكر في «المنتقى» عقيب مسألة النسج، وكذلك على الأعمال كلها يدل عليه إذا حلف بالفارسية أكرر رسمان يومه كار يوم بايكارأ بدمر فكذا فاستبدل غزلها بغزل آخر لا يحنث، ولو لبس ثوباً من غزلها إن كان قال: الرز سمان نورا كاريوم كينث وإن قال: أكرر بسمان يوما زايد فرا يحنث. في طلاق «فتاوى أبي الليث» ﵀. ولو قال: أكرحامه تويكارايد مر ذكر الإمام النسفي ﵀، أنه على اللبس وعلى الانتفاع بقيمته، ومن المشايخ من قال: ينوي الزوج إن قال يوم اللبس فيمينه على اللبس، وإن قال: نويت الانتفاع بثمنيه فيمينه على ذلك. وفي «فتاوى الفضلي» : إذا قال لها بالفارسية، أكرربسمان يؤمر إيكاد إيديانه سود وريان من أندزايد فكذا فباعت غزلها واشترت بثمنها المتاع من غير علم الزوج،..... الزوج لا يحنث لأنه لم يدخل عين الغزل في سودت مائة ولا يدله عين الغزل بكارنيا مدرواً الرمكا أمر بدل بكار أمر فلا يحنث فكذا في جميع هذا (٣٨٨أ١) النوع من المسائل.

стр. 1900

وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قال إنها بالفارسية أكورشته ماكا ركرد يويسور وريان من أندرايه فكذا فغزلت المرأة، ولبست نفسها في مسائها لا يحنث، لأن الدخول في سودريان، الدخول في الملك، ولم يوجد وإن قضت ديناً، على الزوج لا تطلق أيضاً لأنه لم يدخل في ملك الزوج أيضاً. وإذا حلف لا يدخل لمن غزلها في سود ريان، فباع ثوباً لها، فاشترى بثمنه كسوة لابنته الصغيرة، إن اشترى ثوباً يقضي بذلك حقاً عليه حنث، سواء اشترى الثوب بإذنها، أو بغير إذنها لأن شراءه كان واجباً عليه وصار كأنه اشترى لنفسه والمشترى عوض عن الثوب الأول معنى لأنه عوض عن عوضه وإن اشترى فضل من كسوة مثله فإن اشترى بإذنها لا يحنث؛ لأن الشراء يقع للمرأة حقيقة وتقديراً، وإن اشترى بغير إذنها حنث، لأن الشراء يقع لنفسه حقيقة ومعنى ذلك المسألة هكذا في «فتاوى الفضلي» ﵀. قال الصدر الشهيد ﵀ في «واقعاته» : وفي المسألة إشكال إذا حلف لا يأكل من غزل فلانة، فباعت غزلها ووهبت الثمن لابنها، ثم إن الابن وهبه للحالف، فاشترى به الحالف شيئاً، وأكل لا يحنث، وإن اشترى شيء قبل أن تمت فأكل الحالف ثمة يحنث. في «فتاوى أهل سمرقند» ﵏ امرأة تريد أن تقطع خباء لزوجها، فقال الزوج: بالفارسية الراين فباي كه برى يوسم فكذا فقطعت هذا ألبسه ولبس الحالف لزمه الحنث، لأن هذا لبس ما دامت في بيتي كونها في بيته، فإذا خرجت عن البيت سقطت اليمين وإن أراد بقوله ما دامت في بيتي كونها في نكاحه فما لم تقع الفرقة بينهما لا يرتفع اليمين. حلفت المرأة أن لا تلبس المكعب، فلبست اللالك، فقد قيل: إن كان يسمى اللالك في العرف والعادة مكعباً يلزمها الحنث، وما لا. حلف لا تلبس من ثوبها، ثم إن الزوج اشترى قطناً وغزلت المرأة القطن، ودفع الزوج الغزل إلى النساج حتى ينسجه بأجر، أعطاه الزوج ثم لبسه الزوج، فقد قيل: ينوى الزوج إن كان أراد بقوله من ثوبها من ثوب رشيه وي وساحيه وي يلزمه الحنث، وما لا فلا. وفي «فتاوى ما وراء النهر» إذا حلف الرجل لا يلبس من غزل امرأته فلبس قماطها رقه من غزلها وبطانية من غزل غيرها يحنث في يمينه وهذا ظاهر. وفي «مجموع النوازل» : إذا حلف مراكندرن بريفكند فرا كنررا بنفسا نديد واشرفرا كندبرا فنكبلى إبره وبي حشو سوكند بكردن نيا بدو في «الجامع» إذا قال: إن لبستُ قميصين فكذا ولا نية له فلبس قميصاً فنزعه ثم لبس قميصاً آخر لا يحنث في يمينه، وهذا استحسان والقياس: أن يحنث، عملاً بإطلاق اللفظ، ألا ترى أنهما لو كان معينين يقع الحنث بما فعل، فكذا ههنا وجه الاستحسان: أن اللفظ وإن كان مطلقاً، إلا أنه تقيد بالعرف فإن العرف فيما بين الناس أن اللبس إذا أضيف إلى قميصين بغير أعيانهما أن يراد به المظاهرة بينها ولبسهما معاً لا مفترقاً، ألا ترى أن الرجل من نفسه أن يقول: ما لبست

стр. 1901

قميصين منذ حلفت، وإن كان قد لبس قميص كثير، فإذا لم يظاهر بينهما لصورة أو لمعنى من المعاني، ومثل هذا العرف لم يوجد في المعين، لأن لا يستجيز من نفسه أن يقول ما لبست هذين القميصين منذ خلقت، إذا كان لبسهما على التعاقب، فنعمل في المعينين بإطلاق اللفظ. وفي «المنتقى» : إذا حلف لا يلبس هذا الثوب، فاتخذها قلنسوة ولبسها لا يحنث في يمينه، لأن اسم الثوب لا يبقى، ولو قطع منه قميصاً ففضل منه فضلة غير القميص قدر لبسه، ولبس القميص يحنث لأن اسم الثوب باق، وما بقي لا يقيد به، فكان لابساً جميع الثوب، وصار كما لو حلف لا يأكل رُمّانة فأكلها إلا حبة أو حبتين حنث استحساناً، وطريقه ما قلنا. وفي «القدوري» ذكر هذه المسألة فزاد عليها فقال: ولو اتخذه جوارب ولبسها لا يحنث، لأن اسم الثوب ليس بباق، وإذا قال لامرأته رسته ثوبه بوشم وله ثيابٌ اتخذ من غزلها قبل الحلف، وثياب اتخذ من غزلها بعد الحلف فيمينه عليهما الإطلاق اللفظ. وفي «الزيادات» إذا قال عبده حر إن لا يجعل من هذا الثوب خباء وسراويلاً، وجعله خباء ثم نقضه وجعله سراويلاً بر؛ لأن شرط البر أن يجعل من هذا الثوب خباء وسراويلاً مطلقاً غير مقيد بالدفعة والجمع والتفريق وقد وجد؛ لأن اسم الثوب لا يزول بجعله خباءً، ألا ترى أنه لو حلف لا يلبس هذا الثوب فخاطه خباء ولبسه يحنث، وإذا لم يزل اسم الثوب بجعله خباء فإنما جعل السراويل من ذلك الثوب وجعل الخباء منه أيضاً، فوجد شرط البر إلا أن يعني أن يجعل من بعضه الخباء ومن بعضه السراويل فحينئذ إذا فعل كما قلنا يحنث في يمينه، لأنه نوى أن يجعل ذلك بدفعة واحدة، فكان ناوياً المقيد من المطلق وإنه جائز، وفيه تغليظ عليه فيصدق في ذلك. وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ أنه قال: ينظر إلى سابقة كلامه، إن دلت سابقة كلامه على أنه أراد بهذا أن يجعلهما معاً بأن ذكر حذاقة الخياطة، أو سعة الثوب، فهو أن يجعلهما دفعة واحدة، وإن لم يدل فهو على الجملة والتعاقب. وكان أبو القاسم الصفار يقول: إذا لم يجعل من بعضه خباء، ومن بعضه سراويلاً يحنث على كل حال، لأنه ذكر بكلمة من وكلمة من للتبعيض، إلا أنا نقول من تذكر للتمييز يقال: هذا الخاتم من الحديد، والمراد تمييز هذا الثوب من سائر الثياب. ولو قال: إن لم يجعل من هذه الملحفة، أو من هذا الإزار أو من هذا الرداء سراويلاً وخباء فكذا فجعلها خباء ثم نقضها فجعلها سراويلاً حنث في يمينه، لأن اسم الملحفة زال بجعلها خباء، فإنما جعل السراويل من الخباء لا من الملحفة، وشرط بره أن يجعله من الملحفة ولم يوجد، وإن كانت الملحفة (٣٨٨ب١) . لا تسع لهما حنث للحال؛ لأن البر مأيوس الوجود. وإذا حلف ليقطعنّ من هذا الثوب قميصين، فقطعه قميصاً وخاطه ثم فتقه وقطعه

стр. 1902

قميصاً آخر على غير ذلك التقطيع، وعن محمد ﵀ فيه روايتان، وعن أبي يوسف ﵀ أنه لا يحنث. ولو حلف ليخيطنّ من هذا الثوب قميصين فقطعه وخاطه قميصاً ثم فتقه وخاطه قميصاً آخر لا يحنث بلا خلاف. وعن محمد ﵀ فيمن حلف لا يلبس هذا الثوب فقطعه سراويلاً فلبس سراويلاً بعد سراويل لا يحنث في يمينه. وإذا حلف لا يلبس حُليّاً فلبس خاتم فضة لا يحنث في يمينه. علل في الكتاب فقال: لأنه ليس بحلي معناه ليس بحلي كامل أو ما هو حُلي ناقص؛ لأن الحلي ما يستعمل للتزين لا محالة والخاتم إذا كان من فضة كما يستعمل للتزين يستعمل لغيره، وهو إقامة السَّنة وإذا كان يستعمل للتزين وغيره كان ناقصاً في معنى الحلي، فلا يدخل تحت مطلق اسم الحلي ولو لبس خاتم ذهب يحنث، لأنه لا يستعمل إلا للتزين، فكان كاملاً في معنى الحلي. وكذلك لو حلفت المرأة أن لا تلبس حُلياً فلبست خاتماً من ذهب تحنث، ولو لبست خاتم فضة لم تحنث هذا هو ظاهر الرواية قالوا: وهذا إذا كان مصنوعاً على هيئة خاتم الرجال، أما إذا كان مصنوعاً على هيئة خاتم النساء مما له فصّ يحنث، وقال بعضهم: لا يحنث على كل حال. قال: والأول أصح. وفي «البقالي» عن محمد ﵀ أن خاتم الفضة حلي مطلقاً. وفي «المنتقى» : رواية إبراهيم عن محمد ﵀ أن المنطقة المفضضة والسيف المحلى ليس بحلي. قال: والحلي ما تلبسه النساء. والخلخال والد ملوج والسوالت حلي، لأنه لا يستعمل إلا للتزين، وإذا حلفت امرأة أن لا تلبس حليّاً، فلبست عقد لؤلؤة لا تحنث في قول أبي حنيفة ﵀ إلا أن يكون معه ذهب، وقال أبو يوسف ﵀ ومحمد ﵀ تحنث ولا خلاف بينهم أنه إذا كان مُرصعاً بشيء من الذهب والفضة إنه تحنث لأن ذلك حلي. وإنما الخلاف فيما إذا لم يكن مرصعاً. وعلى هذا الخلاف إذا لبست عقد زبرجد أو زمرد غير مرصع هما يقولان اسم الحلي يتناول اللؤلؤ الخالص، قال الله تعالى: ﴿تستخرجون حلية تلبسونها﴾ (النحل: ١٤، فاطر: ١٢) ولا يستخرج من البحر المرصع إنما يستخرج اللؤلؤ الخالص. ولأبي حنيفة ﵀ أن العادة لم تجر بالحلي إلا مرصعاً بذهب أو فضة فأمّا وحده فلا. قال بعض مشايخنا: على قول أبي حنيفة ﵀: لا بأس بأن يلبس الغلمان اللؤلؤ، وكذلك الرجال وكذلك قياس قوله في اللؤلؤ أن الذهب والفضة لا يكون حلياً إلا أن يصاغ، كما أن اللؤلؤ لا يكون حلياً إلا (أن) يصاغ ولا يصاغ اللؤلؤ إلا بالترصيع، حتى إن المرأة إذا علقت في عنقها شيئاً من الذهب والفضة غير مصنوع يجب أن لا تحنث على قياس قوله، وقد قيل الاختلاف في هذه المسألة اختلاف عصر وزمان، ففي زمان أبي حنيفة ﵀ لم يتعارف النساء لبس اللؤلؤ على الانفراد، ولم يعده الناس حلياً، فأفتى

стр. 1903

بما عاين في زمانه، وفي زمن أبي يوسف ﵀ ومحمد ﵀ تعارف النساء لبسه على الانفراد، وكان الناس يعدون ذلك حلياً فأفتيا بما عاينا في زمانهما، وقولهما أقرب إلى عرف ديارنا. وإذا حلف الرجل لا يلبس شيئاً من السواد فلبس قلنسوة سوداء وخفين أسودين أو نعلين أسودين أو فرواً أسود حنث في يمينه. ولو قال: لا ألبس السواد فهذا على الثياب، ولا يحنث في الخفين والنعلين والفرو. روى بشر عن أبي يوسف ﵀ في هذه المجلدة......... ﵀. وإذا حلف لا يلبس سلاحاً فتقلّد سيفاً أو.... قوساً أو فرساً لم يحنث، قال: إذا كانت اليمين بالفارسية بأن قال سلاح في توشم يحنث بهذه الأشياء، ولو لبس درعاً من حديد يحنث، ولو حلف لا يلبس شيئاً فلبس درعاً من حديد أو خفين أو قلنسوة يحنث في يمينه. وأن لا يكسو فلاناً شيئاً ولا نية له فأعطاه دراهم يشتري بها ثوباً لا يحنث، ولو أرسل إليه بثوب كسوة حنث، ولو كساه قلنسوة أو خفين أو جوربين حنث. وعن محمد ﵀ أن الكسوة عبارة عما يجري في كفارة اليمين. ولو حلف لا يكسو فلاناً فكساه قلنسوة أو خفين لا يحنث بلا خلاف. نوع آخر في الدخول بسم الله الرحمن الرحيم: رجل قال: إن دخلت هذه الدار فكذا وهو داخل فيها فدام على ذلك لم يحنث استحساناً، والقياس أن يحنث، لأن اسم الدخول يقع على دوامه، ألا ترى أنه لو نوى بالدخول الدوام صحت نيتّه، عليه محمد ﵀ في «الأصل» . وجه الاستحسان: أن الدخول فعل لا يمتد فلا يُعطى لدوامه حكم الابتداء، وهذا هو الأصل في جنس الأفعال: أن ما لا يمتد من الأفعال لا يُعطى لدوامه حكم الابتداء، وما يمتد من الأفعال يعطى لدوامه حكم الابتداء. والفارق بين الممتد وغير الممتد من الأفعال صحة قرار المدة وعدم صحته. فكل فعل يصح قرار المدة به فهو مما يمتد وذلك كالسكنى والركوب واللبس والنظر والقيام والعقود، فإنه يصح أن يقال: سكن في الدار يوماً ونظر إلى فلان يوماً، وقعد في مكان كذا يوماً، وقام يوماً فكل فعل لا يصح قرار المدة به فهو مما لا يمتد. وذلك كالدخول والخروج فإنه لا يستقيم أن يقال: خرج يوماً من الدار ودخل يوماً في الدار، والدليل عليه أنه لا يستقيم أن يقال للداخل في الدار: ادخل، ولا يستقيم أن يقال للخارج منها اخرج منها. وإذا حلف لا يدخل هذه الدار فأدخل إحدى رجليه في الدار ولم يُدخل الأخرى لا يحنث في يمينه، هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» . بعض مشايخنا قالوا هذا إذا

стр. 1904

كان الجانبان مستويين فأما إذا كان (٣٨٩أ١) الداخل أسفل يحنث في يمينه، وبعضهم قالوا: العبرة للاعتماد إن كان الاعتماد على الرجل الداخلة، وإن كان الاعتماد على الرجل الخارجة لا يحنث. إلا أن في ظاهر رواية أصحابنا لا يصير داخلاً بإدخال أحد الرجلين، وبه (أفتى) الحلواني ﵀ وشمس الأئمة السرخسي ﵀، هذا إذا كان يدخل قائماً. وأما إذا كان مستلقياً على ظهره أو بطنه أو جنبه فقد خرج حتى صار بعض بدنه داخل الدار، إن صار الأكثر داخل، الدار يصير داخلاً وإن كان ساقاه خارج الدار هكذا روي عن محمد ﵀. ولو أدخل رأسه دون قدميه لم يحنث. وكذلك لو تناول شيئاً بيده. وإذا حلف لا يدخل دار فلان فاحتمله إنسان وأدخله وهو كاره لم يحنث. قالوا: وهذا على وجهين: إما أن يكون بحال لا يمكنه الامتناع عنه، أو يمكنه الامتناع، فإن كان لا يمكنه الامتناع عنه لا يحنث في يمينه، لأن شرط الحنث وهو دخوله لم يوجد لا حقيقة ولا اعتباراً، وإن كان يمكنه الامتناع فقد اختلف المشايخ فيه، وينبغي على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يحنث لما نبين بعد هذا إن شاء الله. هذا إذا احتمله إنسان فأدخله مكرهاً. فأما إذا هدده بالدخول فدخل بقدميه فقد اختلف المشايخ فيه أيضاً، بعضهم قالوا: لا يحنث، وبعضهم قالوا: يحنث، وبعضهم قالوا: إن أمكنه الامتناع عن الدخول مع هذا دخل يحنث، وإن لم يمكنه الامتناع عنه لا يحنث، ولو احتمله إنسان وأدخله وهو راض عليه إلا أنه لم يأمره بذلك فقد اختلف المشايخ فيه، ووجدت في «المنتقى» عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يحنث، فعلى قياس هذه المسألة فحينئذ يجب أن يكون قولهما فيما إذا دخل مكرهاً أن لا يحنث. وإن كان أمره بذلك يحنث، لأنه وجد الدخول فيه اعتباراً وإن كان يمر بين يدي الدار فزلق رجله فحصل في الدار لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في شيء من الكتب. وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: يحنث لأن حصوله في الدار مضاف إلى فعله، وقال بعضهم: لا يحنث لأنه حصل في الدار مكرهاً لا باختياره، وصار كما لو احتمله إنسان وأدخله في الدار مكرهاً. وإن دخلها على دابة حنث، إلا أن تكون الدابة قد انقلبت وهو راكبها ولا يستطيع إمساكها فدخلت الدار فإنه لا يحنث في يمينه، لأنه صار مسلوب الاختيار لما انقلبت ولم يمكنه إمساكها. وإذا حلف لا يدخل بيتاً فدخل المسجد أو الكعبة لا يحنث، وإن سمى الله تعالى الكعبة بيتاً في قوله: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة﴾ (آل عمران: ٩٦) وتُسمى سائر المساجد بيوتاً في قوله: ﴿في بيوت أذن اأن ترفع﴾ (النور: ٣٦) لأن اسم البيت للمساجد مجاز، لأن البيت اسم لما اتخذ للبيتوتة، والمسجد ناقص في معنى للبيتوتة فإنه لا يبات (فيه) ، ومطلق الاسم ينصرف إلى الحقيقة. ولذلك لو دخل بيعة أو كنيسة لم يحنث، لأن الكفار إنما بنوا البيعة والكنيسة للصلاة، لا للبيتوتة فلا يكون بيتاً مطلقاً، وإن دخل دهليزاً لم يحنث لأن الدهليز ما بني للبيتوتة فيه.

стр. 1905

قال مشايخنا: هذا إذا كان الدهليز بحال لو أغلق الباب يبقى خارج البيت، فأمّا إذا بقي داخل البيت وهو مسقف يجب أن يحنث في يمينه، لأنه يصلح للبيتوتة، وإن دخل صفة يحنث وهذا على عرف أهل الكوفة، لأن صفتهم على هيأة البيوت؛ لأنها ذات حوائط أربعة عندهم، فيكون بيتاً. وفي عرفنا الصفة لا تكون على هيأة البيوت، لأنها ذات حوائط ثلاثة فلا تكون بيتاً، ولو دخل ظلة على باب الدار ولا يكون فوقه بناء إلا أن مفتحه إلى الطريق الأعظم أو إلى السكة لا يحنث إذا كان عقد يمينه على بيت شخص بعينه، لأنه ليس من جملة بيته. وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا قال الرجل: إن دخلت دار فلان فكذا فمات فلان فدخل داره، فهذا على وجهين إن لم يكن على صاحب الدار دين أصلاً أو كان عليه دين مستغرق فإنه لا يحنث بلا خلاف، لأن الدار تصير ملكاً للوارث بلا خلاف، وإن كان عليه دين مستغرق، قال محمد بن سلمة: يحنث، وقال الفقيه أبو الليث: لا يحنث. قال الصدر الشهيد: والفتوى على قول أبي الليث؛ لأن التركة المستغرقة بالدين إن لم تملكها الورثة لا تبقى على ملك الميت حقيقة، لأن الميت ليس من أهل الملك، لو بقي على ملكه يبقى حكماً فلم يدخل دار فلان مطلقاً فلم يتحقق شرط الحنث. إذا قال: إن وضعت قدمي في دار فلان فكذا، فوضع إحدى رجليه في داره لا يحنث على ما هو جواب ظاهر الرواية، لأن وضع القدم في هذه الصورة صار مجازاً عن الدخول، فكأنه قال: إن دخلت دار فلان فكذا، وهناك إذا أدخل إحدى رجليه في دار فلان لا يحنث في يمينه كذا ها هنا. وإذا حلف لا يدخل دار فلانة، فدخل دارها وزوجها ساكن فيها لا يحنث لأن الدار تنسب إلى الساكن، والساكن هو..... في «فتاوى أهل سمرقند» . وفي «المنتقى» : إذا قال: والله لا أدخل دار فلان، فدخل دار فلان، (وفلان) ساكن فيها مع امرأته والدار لها حنث. وكذلك لو قال: والله لا أدخل دار فلانة فدخل عليها وهي في دار زوجها ساكنة معه يحنث. فهذه الرواية تخالف ما ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» . وفي «فتاوى الفضلي» : إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دار فلان (وفلان) فيها ساكن والدار لامرأته، وذكر فيها تفصيلاً فقال: إن لم تكن لفلان دار تُنسب إليه سوى هذه الدار يحنث؛ لأن الحالف (٣٨٩ب١) أراد هذه الدار. وإن كان له دار أخرى تنسب إليه لا يحنث، وهذا الجواب بخلاف ما ذكر في «المنتقى» ، فإنه ذكر المسألة في «المنتقى» من غير تفصيل، ورأيت في موضع آخر إذا حلف لا يدخل داراً لفلانة فدخل داراً لزوج فلانة وهي ساكنة معه إنه إن لم تكن لفلانة دار أخرى تنسب إليها يحنث، وإلا فلا يحنث، ولم يذكر هذا التفصيل في «المنتقى» .

стр. 1906

وإذا حلف لا يدخل دار فلان وفلان يسكن مع أبيه في الدار بالعلية. والأب هو الذي استأجر الدار، فقد قيل: إنه لا يحنث، وعلى قياس ما ذكر في «المنتقى» ينبغي أن يحنث بلا تفصيل، وعلى قياس ما ذكر في «فتاوى الفضلي» يجب أن تكون المسألة على التفصيل، إن كان للابن دار أخرى تنسب إليه سوى هذه لا يحنث، وإلا فيحنث. ولو حلف لا يدخل من باب هذه الدار فدخل من غير الباب لم يحنث؛ لأن اليمين انعقدت على دخول موصوف بصفة، ولا يحنث ما لم توجد تلك الصفة، وإن ثقب باباً آخر فدخله حنث، لأن اليمين انعقدت على الباب المنسوب إلى الدار، فيستوي فيه القديم والحديث، ولو عيّن ذلك الباب في اليمين لم يحنث في غيره وهذا ظاهر.m ولو لم يعينه ولكن نوى ذلك لا يُدين في القضاء لأنه خلاف الظاهر. وإذا حلف لا يدخل بيتاً لفلان، ولم يسمّ بيتاً بعينه، ولم ينوه فدخل بيتاً يسكنه فلان بإجارة أو عارية فيحنث في يمينه عند علمائنا ﵏، خلافاً للشافعي. وإذا حلف لا يركب دابة فلان أو حلف لا يستخدم عبد فلان فركب دابة أو استخدم عبداً هو في يد فلان بإجارة أو عارية لا يحنث في يمينه بلا خلاف. والوجه لعلمائنا أنه عقد يمينه على بيت مضاف إلى فلان إضافة مطلقة فينصرف يمينه إلى الدار المضافة إلى فلان بملك الرقبة وبملك المنفعة جميعاً إذ إضافة العقار بملك المنفعة حقيقة، كما أن إضافته بملك الرقبة حقيقة لأن إضافة العقار بملك المنفعة ثابتة شرعاً وعرفاً. فأما شرعاً فلما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلّممر..... فأعجبه فقال «لمن هذا» ؟ فقال رافع * يريد (ابن) خديج * لي استأجرته، فرافع أضاف إلى نفسه ولم ينكر رسول الله ﷺ وأما عرفاً فإن في العُرف يقال: هذا منزل فلان، وإن كان فلان يسكن فيها بإجارة أو عارية، وإذا كان إضافة العقار بملك ثابتة شرعاً وعرفاً كانت حقيقة كالاسم، متى ثبت الشيء عرفاً وشرعاً كان حقيقة كاسم الصلاة فثبت أن هذه الإضافة في العقار فينصرف اليمين إليها ولا كذلك العبد والدابة؛ لأن إضافة العبد والدابة بملك المنفعة ليست بحقيقة بل هي مجاز لأنها غير ثابتة شرعاً وعرفاً. ولو حلف لا يدخل بيتاً لفلان فدخل بيتاً قد آجره من غيره، ذكر بعض مشايخنا في «شرحه» أن فيه اختلاف المشايخ، وذكر بعضهم أن عن أصحابنا فيه روايتين، في رواية يحنث من غير نيّة، وفي رواية لا يحنث (إلا) بالنيّة. فقيل: ما روي أنه لا يحنث إلا بالنّية قول أبي حنيفة ﵀ وأبي يوسف ﵀، وما روي أنه يحنث من غير نيّة قول محمد، وذكر في «القدوري» روايتان عن محمد ﵀، ولم يذكر قول غيره. ولو كان للمحلوف عليه (دار) يسكنها ودار غلة، فدخل دار الغلة لا يحنث، إذا لم يدل الدليل على دار الغلة؛ لأن داره مطلقاً دار يسكنها.

стр. 1907

في «فتاوى أبي الليث» : وإذا حلف الرجل لا يسكن حانوتاً لفلان فسكن حانوتاً قد أجره من غيره، فإن كان المحلوف عليه ممن يسكن حانوتاً لم يحنث بسكنى هذا الحانوت على إحدى الروايتين كما في البيت، وإن كان ممن لا يسكن حانوتاً لما عرف من مقصود الحالف، فإنّ من حلف لا يسكن حانوت الأمير يعلم كل واحد مراده حانوت هو ملك الأمير. وفي «القدوري» : إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل داراً مشتركاً بينه وبين غيره، فإن كان المحلوف عليه ممن يسكن الدار يحنث، وإن كان لا يسكنها لا يحنث؛ لأنه إذا كان لا يسكنها فالإضافة باعتبار الملك، والملك في الكل غير.....إليه، وإن كان الدار مشتركاً بين المحلوف عليه وبين غيره، وكل واحد منهما يسكن بيتاً منها على حدة فدخل الحالف صحن الدار أو دهليزاً لا يحنث في يمينه، هكذا قيل. وفي «المنتقى» عن محمد ﵀: إذا قال لغيره: والله لا أدخل دارك، وللمحلوف عليه دار ملك يسكنها، والحالف لم ينوِ هذه الدار بعينها، ثم إن المحلوف عليه تحول من هذه الدار إلى دار أخرى وسكنها بإجارة أو عارية فدخل الحالف عليه يحنث. وإن كان نية الحالف على دار هي ملك المحلوف عليه وباقي المسألة بحالها لا يحنث. وفيه عن أبي يوسف إذا قال لغيره: لا أدخل منزلك فهذا على المنزل الذي هو فيه، فإن تحوّل إلى منزل آخر فدخل عليه لم يحنث. وإذا دخل داراً للمحلوف عليه غير الدار التي المحلوف ساكن فيها يوم حلف لم يحنث. وفيه أيضاً: إذا حلف الرجل لا يدخل منزل فلان، ثم إن الحالف مع المحلوف عليه اكتريا منزلاً فيها أبيات، والحالف في أبيات منها على حدة، والمحلوف عليه في أبيات منها على حدة، والساحة واحدة، فالحالف حانث وكل واحد منهما داخل في منزل صاحبه؛ لأن الساحة بينهما، وهذا بخلاف مسألة الدار المشتركة التي تقدّم ذكرها، وهي ما إذا دخل الحالف صحن الدار المشتركة التي يسكن الحالف في بيت منها، وشريكه في بيت منها؛ لأن هناك عقد اليمين باسم الدار واسم الدار لا ينطلق على بعضه، ها هنا عقد اليمين باسم المنزل والمنزل مشتق من النزول والنزول يأتي في البعض كما يأتي في الكل. سُئِل الفقيه أبو القاسم عمن حلف (٣٩٠أ١) وقال: إن أدخلت فلاناً بيتي فهذا على أن يدخل فلان بيته بأمره، وبغير أمره، بعلمه وبغير علمه، ولو قال: إن تركت فلاناً يدخل بيتي فهذا (على) أن يدخل بعلمه، ولا يمنعه. وسئل أبو نصر عمن قال لامرأته: إن دخل فلان دارك ودخلت دار فلان فأنت طالق، فدخلت دار فلان ولم يدخل فلان دارها، ولم تدخل هي دار فلان، قال: طلقت امرأته لأنه لا يراد بهذا الجمع وإنما يراد به أن لا يفعل ذلك واحد منهما، لأن الغرض هو المنع عن المخالطة بالكلية.

стр. 1908

حلف لا يدخل دار امرأته فباعت المرأة الدار من رجل واستأجرها الحالف من المشتري ثم دخلها؛ فإن كان كراهة الدخول لأجل الدار يحنث، لأن اليمين انعقدت على عين الدار، وذكر المرأة للتعريف، وإن (كان) كراهة الدخول لأجل المرأة لا يحنث، لأن اليمين انعقدت لأجل النسبة، وقد انقطعت النسبة، وستأتي هذه المسألة بعد هذا في فصل الحلف ما يقع على الملك القائم وما يقع على الملك الحادث. إذا قال لامرأته: إن دخلت الدار فنسائي طوالق، فدخلت الدار طلقت هي وغيرها، لأن عند الدخول يصير قائلاً نسائي طوالق، وإذا قال: إن وضعت قدمي دار فلان فكذا فدخلها راكباً أو ماشياً بحذاء أو بغير حذاء يحنث في يمينه لأن وضع القدم في عرف الاستعمال صار عبارة عن الدخول مجازاً، وإذا صار عبارة عن الدخول مجازاً، كأَنه قال: والله لا أدخل فهناك بأي طريق دخل يحنث في يمينه، كذا ههنا. وإن نوى حين حلف أن لا يضع قدمه فيها ماشياً صحت نيّته، وإذا دخلها راكباً لا يحنث في يمينه لأنه نوى حقيقة كلامه، ومن نوى حقيقة كلامه يصدق ديانة وقضاءً. وإذا حلف (لا يدخل) دار فلان، فقام على حائط من حيطانها حنث في يمينه، لأن الحائط من الدار ألا ترى أنه يصير مبيعاً ببيع الدار. قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل ﵀: وهذا إذا كان الحائط كله لصاحب (الدار) ، فأما إذاكان مشتركاً بينه وبين الجار لا يحنث في يمينه، كما لو دخل داراً مشتركاً قال الفقيه أبو الليث: ما ذكر من الجواب فيما إذا كان الحالف من بلاد العرب، فأما إذا كان من بلاد العجم لا يحنث في يمينه بالقيام على حيطان الدار وعليه الفتوى. وكذلك لو حلف لا يدخل هذه الدار فقام على سطحها فجواب «الكتاب» أنه يحنث، واختيار الفقيه أبي الليث ﵀ فيما إذا كان الحالف من بلاد العجم أنه لا يحنث وعليه الفتوى. ولو قام على إسكفة الباب فإن كان الباب إذا أغلق كانت الإسكفة خارجة منه لم يحنث، وإن كان داخل الباب حنث. وإذا حلف لا يدخل بيت فلان ولا نيّة له فدخل في صحن داره لا يحنث حتى يدخل البيت، لأن شرط الحنث الدخول في البيت، وهو لم يدخل البيت هكذا ذكر في «الأصل» . قالوا: وهذا على عرف ديارهم فأما في عرف ديارنا الدار والبيت واحدة، فإذا دخل صحن الدار يحنث وعليه الفتوى. وفي «فتاوى الفضلي» : إذا حلف الرجل وهو جالس في بيت من المنزل إن دخلت هذا البيت فكذا، فاليمين على دخول البيت حتى لو دخل في صحن الدار وفي صحن المنزل لا يحنث، قال: وهذا إذا كان اليمين بالعربية، فأما إذا كان في يمينه بالفارسية بأن قال: اكرمن به ابن خانة ايدراتم فكذا فاليمين على دخول المنزل، فإن قال: عنيت دخول ذلك البيت صدق ديانة لا قضاءً، لأن اسم خانة بالفارسية لجميع المنزل وكذلك البيت اسم خاص، أما كان بيانه وانا رمستاني وهذا كله إذا لم يشر إلى بيت بعينه، فإن أشار فالحكم كذلك. وفي «فتاوى أبي الليث» : شجرة أغصانها في دار رجل فحلف رجل أن لا يدخل

стр. 1909

دار ذلك الرجل فارتقى تلك الشجرة، فإن ارتقى غصناً لو سقط، سقط في الدار يحنث إذا كان الحالف من بلاد العرب، وإن كان من بلاد العجم لا يحنث، بمنزلة ما لو قام على سطح الدار أو على حائط من حيطانها وعليها الفتوى. إذا حلف لا يدخل في هذه السكة، فدخل داراً في تلك السكة من طريق السطح ولم يخرج إلى السكة، قال الفقيه أبو بكر الإسكاف: هذا إلى عدم الحنث أقرب. وإذا حلف لا يدخل سكة فلان فدخل مسجداً في السكة ولم يدخل السكة ذكر هذه المسألة في «فتاوى أبي الليث» ، وقال: لا يحنث، ولم يذكر فيها الخلاف كما ذكر في المسألة الأولى، وهكذا ذكر المسألة من غير ذكر الخلاف في «فتاوى الفضلي» ، وذكرنا في متفرقات كتاب الطلاق أنه إذا كان للدار التي دخل فيها باب في السكة المحلوف عليها إنه يحنث في يمينه. وذكر في «واقعات الناطقين» مسألة تؤيد ما ذكرنا في متفرقات الطلاق، وصورة ما ذكر ثمة إذا حلف لا يدخل محلة أردان فدخل داراً لها بابان أحد بابيها مفتوح إلى محلة أردان والباب الآخر مفتوح إلى محلة رود يحنث في يمينه لأن الدار تنسب إلى المجلس جميعاً، ولمسألة السكة تفريعات تنظر في متفرقات الطلاق. إذا حلف لا يدع فلاناً يدخل هذه الدار، فإن كان يملك هذه الدار، فمنعه بالقول والفعل، وإن كان لا يملك فمنعه بالقول لا غير، في الباب الأول من أيمان «الواقعات» ، وقد ذكرنا من هذا الجنس في آخر فصل المتفرقات من كتاب الطلاق. وفي «نوادر (ابن) سماعة» عن محمد إذا حلف لا يدخل هذا المسجد فزيد فيه طائفة من دار الحصبة فدخل الموضع الذي زيد فيه لا يحنث. ولو حلف لا يدخل مسجد بني فلان وباقي المسألة بحالها فدخل الموضع الذي زيد فيه يحنث، قال: وكذلك في الدار إذا قال: هذه الدار، أو قال: دار فلان، إذا قال: لا يدخل دار فلان إلا خبري سكفني إن نزلت بهم بلية أو قتل أو موت فدخل لا يحنث، لأنه يراد بقوله سكفني هذه الأشياء. في «النوازل» وفيه أيضاً: إذا حلف لا يدخل رياً أو مدينة ري أو حلف لا يدخل بلخ أو قال مدينة بلخاً أو حلف لا يدخل قرية كذا فهذا على العمران، وكذلك إذا حلف لا يشرب الخمر في هذه القرية، فهو على العمران حتى لو شرب في ضياعها أو في كرومها لا يحنث في يمينه. قال ثمة: وهذا بخلاف ما لو حلف لا يدخل كورة كذا، أو رستاق كذا فدخل في أراضيها حيث يحنث. وقد قيل: بأن الكورة (٣٩٠ب١) اسم للعمران أيضاً، وهو الأظهر فالبلدة اسم للعمران أيضاً، واختلف المشايخ في بخارى والفتوى في زماننا على أنه اسم العمران. وأما شام اسم للولاية وكذلك اسم خراسان وكذلك الأرمينية حتى لو حلف على واحد من هذه المواضع لا يدخلها فدخل قرية من قراها يحنث، وكذلك فرغانة وسعد وتركستان فهو اسم للولاية. وفي «القدوري» : لو حلف لا يدخل دار فلان وهي من الدور المشهورة بأربابها مثل دار عمرو بن حريب فدخلها؛ لأن الإضافة إلى الأرباب على طريق النسبة دون الملك،

стр. 1910

والنسبة قائمة. وفيه أيضاً: لو حلف لا يدخل هذه الحجرة فدخلها بعد ما كسرت لا يحنث، وليست الحجرة كالدار لأن الحجرة اسم لما حجر بالبناء فصار نظير البيت. وفيه أيضاً لو حلف لا يدخل هذه الدار إلا مجتازاً فدخلها وهو لا يريد الجلوس لا يحنث، لأنه دخل على الوصف المستثنى، ولو دخل يعود مريضاً ومن رأيه الجلوس عنده حنث؛ لأنه دخل على غير الوصف المستثنى، وإن دخل لا يريد الجلوس ثم بدا له بعد ما دخل فجلس لم يحنث أيضاً؛ لأن الدخول وجد على الوصف المستثنى وبعد ذلك هو مُكث والمكث ليس من الدخول. قال: وكذلك لو حلف لا يدخل هذه الدار إلا عابر سبيل إلا أن ينوي لا يدخلها يريد النزول فيها، لأنه يقال: رجل عابر سبيل إذا لم يستقر. وفي «المنتقى» : من هذا الجنس: إذا حلف لا يدخل السوق إلا مجتازاً، فدخل ومن رأيه أن يشتري شيئاً من غير أن يجلس لم يحنث، وإن بدا له فجلس لا يحنث أيضاً، وإن دخل ومن رأيه الجلوس حنث. ولو حلف لا يدخل دار فلان فأشرع المحلوف عليه بيتاً من داره واتخذه حانوتاً، وليس له باب في الدار، فدخله الحالف يحنث، لأنه من جملة ما أحاطت به الدار. وعن أبي يوسف فيمن حلف لا يدخل دار فلان فدخل بيتاً من هذه الدار قد أشرع إلى الطريق وليس له باب إلى الدار لا يحنث. ولو حفر تحت تلك الدار شرباً أو قناة فدخلها الحالف لم يحنث، إلا أن يكون من هذه القناة مكان مكشوف إلى الدار يستقي منه أهل الدار، فإذا بلغ ذلك المكان المكشوف حنث، وإن لم يبلغ ذلك المكان المكشوف لا يحنث. ولو كان المكشوف شيئاً قليلاً لا ينتفع به أهل الدار وإنما هو للضوء، فبلغ الحالف ذلك الموضع لا يحنث. لأن القناة تحت الدار إذا لم يكن لها منفذ لا تعد من الدار، وإن كان لها منفذ تعد من مرافق الدار بمنزلة بئر الماء، ومتى كان للضوء فليس ذلك من مرافق الدار فلا يعد داخله داخلاً في الدار. وفي «القدوري» : إذا قال: عبده حر إن دخل هذه الدار إلا أن ينسى فدخلها ناسياً ثم دخلها ذاكراً لا يحنث في يمينه، لأن كلمة إلا كلمة عامة ككلمة حتى فينتهي اليمين بالدخول ناسياً فإذا دخلها بعد ذلك دخلها واليمين منتهية. ولو قال: عبده حر إن دخل هذه الدار إلا ناسياً، فدخلها ناسياً ثم دخلها ذاكراً يحنث، لأن اليمين مطلق لا غاية لها والمستثنى منها دخول بصفة النسيان، فالدخول متعمداً يكون مستثنىً منه. إذا حلف لا يدخل دار فلان فعمد فلان إلى بيت فسدّ بابه من قبل داره وجعله إلى دار الحالف فدخله الحالف لا يحنث في يمينه، لأنه صار منسوباً إلى الأخرى. ومن هذا الجنس: إذا حلف لا يدخل هذه الدار فاشترى صاحب الدار بيتاً إلى جنبها وفتح باب البيت إلى هذه الدار، وجعل طريقه فيها وسدّ باب البيت الذي كان في الدار الأخرى، فدخل الحالف هذا البيت من غير أن يدخل الدار التي حلف عليها حنث

стр. 1911

في يمينه، لأنه لما أضاف البيت إلى الدار صار من جملة الدار. ذكر المسألة في «المنتقى» وقد ذكر رواية ابن سماعة قبل هذا عن محمد في مسألة الزيادة في الدار إنه لا يحنث. وفي «القدوري» : الشرب إذا كان بابه في دار ومحتفره في دار أخرى، فهو من الدار التي مدخله إليها لأنها بيت من بيوتها. إذا حلف لا يدخل بغداد، فمن أي جانب دخلها يحنث، ولو حلف لا يدخل مدينة السلام ذكر في «المنتقى» أن مدينة السلام هي مدينة أبي جعفر خاصة، وهي التي من ناحية الكوفة، والواقعة عن الرفع، فما لم يدخل من ناحية الكوفة لا يحنث، بخلاف ما إذا حلف لا يدخل بغداد؛ لأن اسم بغداد يتناول الجانبين. ولو حلف لا يدخل بغداد فانحدر من موضع في السفينة ومر بالدجلة لم يحنث في قول أبي يوسف وقال محمد يحنث. قال الصدر الشهيد: الفتوى على قول أبي يوسف لأن دجلة وإن كانت من بغداد حتى إن البغدادي إذا جاء من موصل حتى دخل بغداد في السفينة يتم الصلاة إلا أن في باب اليمين يراد ببغداد الحد عرفاً. وإذا حلف لا يدخل الفرات فدخل سفينة في الفرات أو جسراً لا يحنث، حتى يدخل الماء لأن بدون الدخول في الماء؛ لا يسمى داخلاً في الفرات. إذا حلف لا يدخل دار فلان فاستعار المحلوف عليه داراً لاتخاذ الوليمة فيها فدخلها الحالف لا يحنث، إلا أن ينتقل المُعير من تلك الدار ويسلمها إلى المستعير والمستعير ينقل متاعه إليها فإذا دخلها الحالف حينئذ يحنث في يمينه هكذا ذكر في «فتاوى النسفي» . وإذا قال: والله لا أدخل دار فلان فدخل بستان فلان، ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» أنه إذا كان البستان من الدار يحنث، وإن لم يكن من الدار لا يحنث، وأمارة كون البستان من الدار أن يكون بحال إذا ذكرت الدار عرفت ببستانها، ومعناه أن يفهم البستان بذكر الدار، وإذا خرجت المرأة إلى البستان فالزوج لا يكره ذلك فإن وُجد هاتان العلامتان كان البستان من الدار. وفي «نوادر هشام» : قال: سألت أبا يوسف عن رجل حلف بطلاق أو غيره أن لا يدخل دار فلان، فدخل بستاناً في تلك الدار قال لا يحنث، قلت: فإن باع الدار ولم يسمّ البستان قال: البستان منها وإن لم يسم، قلت: فإن كان للبستان بابان أحدهما داخل الدار والآخر خارج، قال: هو منها، قال هشام: وقد سمعت أبا يوسف يقول: البستان ليس من الدار إلا أن يسميه (٣٩١أ١) أو يكون وسط الدار. قال هشام: وسألت محمداً عن رجل حلف لا يدخل هذه الدار فدخل بستانها، وباب البستان إلى بيوت في هذه الدار وليس للبستان طريق غيره وعلى الدار والبستان حائط واحد محيط بهما فدخل البستان، قال: يحنث، وكذلك إن كان البستان أصغر من الدار أو أكبر منها، ولو كان البستان وسط الدار ومعناه أن تكون الدار محدقة بالبستان يحنث.

стр. 1912

وفي «القدوري» : إذا دخل بستاناً في تلك الدار فإن كان متصلاً بها لا يحنث وإن كان في وسطها حنث، وسيأتي من هذا الجنس في نوع الخروج. وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا حلف لا يدخل الحمام إز نهر شيش فدخل الحمام لا لهذا بل ليسلم على الحمامي ثم غسل رأسه لم يحنث، لأنه لم يدخل لهذا. إذا قال لأخ امرأته: إن لم تدخل بيتي كما كنت تدخل فامرأتي طالق، فإن كان بينهما كلام يدل على الفور، فهو على الفور وإلا فهو على الأبد ويقع اليمين على الدخول المعتاد قبل اليمين حتى لو امتنع الأخ مرّة مما كان معتاداً يحنث، لأن اليمين مطلقة فينصرف إلى الأبد. وإذا حلف لا يدخل هذا الخباء، فالعبرة للعيدان أو اللبد فقد قيل: العبرة للعيدان وقيل العبرة للبد، فعلى القول الأول إذا استبدل اللبد والعيدان على حاله فدخله يحنث، ولو كان على العكس لا يحنث، وعلى القول الثاني إذا استبدل اللبد والعيدان على حاله لا يحنث، ولو كان على العكس يحنث والأول أصح. وفي «فتاوى الصغرى» : إذا قال لامرأته: ادخلي الدار فأنت طالق، فهذا وقوله: إذا دخلت الدار فأنت طالق سواء. رجل قال لامرأته: اكربوكرد بترامن أستانه فلان كردي فأنت طالق، وقال: عنيت به الدخول وهي تحوم حومهما، ولا تدخل طلقت المرأة؛ لأن اللفظ حقيقة لهذا لا للدخول. وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف إذا حلف لا يدخل هذه الدار اليوم وغداً، أو قال: لا أدخلها اليوم ولا غداً فهو كما قال، ولا يدخل الليلة التي بين اليومين. وفيه أيضاً: إذا حلف لا يدخل دار فلان وهما في سفر فهذا على الفسطاط والقبة والخيمة وكل منزل ينزلانه، فإن عنى به واحداً من هذه الثلاثة يُدين فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يدين في القضاء. وفيه أيضاً: العلو إذا لم يكن طريقه في سفله. وإنما كان في دار أخرى بجنب بسفله فهو من الدار التي طريقه فيها. وإذا حلف لا يدخل على فلان فقد ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» : أن الدخول على فلان متى أُطلق يراد به في العرف الدخول على فلان لأجل الزيارة والتعظيم له في مكان يزار فيه يعني مكان يجلس فيه لدخول الزائرين عليه، وإلى هذا أشار القدوري في «كتابه» فإنه قال: لو دخل عليه في مسجد أو ظلة أو دهليز لم يحنث، وكذلك لو دخل عليه في فسطاط أو خيمة إلا أن يكون من أهل البادية، والمعتبر في ذلك العادة، فأما في عرفنا إذا دخل عليه في مسجد يحنث في يمينه؛ لأنه جرّت العادة في ديارنا بالجلوس في المساجد لدخول الزائرين. ولو دخل ولم يعضده بالدخول أو لم يعلم أنه فيه لم يحنث، لأن شرط حنثه الدخول على وجه الزيارة والتعظيم، والدخول على هذا الوجه لا يتحقق على ما لم يقصد بالدخول مما هو شرط الحنث لا يتحقق فلا يحنث في يمينه. وفي «القدوري» : إذا دخل على قوم وهو فيهم ولم يقصده لم يحنث فيما بينه وبين

стр. 1913

الله تعالى، إلا أنه لا يصدق في القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر لأن الظاهر دخوله على الجملة. وفيه أيضاً: الدخول عليه أن يقصده بالدخول سواء كان بيته أو بيت غيره. ولو حلف لا يدخل على فلان في هذه الدار فدخل الدار وفلان في بيت منها لا يحنث، وإن كان في صحن الدار حنث، لأنه لا يكون داخلاً عليه إلا إذا شاهده، وكذلك إذا حلف لا يدخل على فلان في هذه القرية لم يحنث، إلا إذا دخل بيته، وهذا لأن تخصيص القرية لنفي اليمين عن غير القرية، وكثير من مسائل الدخول قد مرّ في كتاب الطلاق.

стр. 1914

كتاب الاستحسان والكراهية هذا الكتاب يشتمل على اثنين وثلاثين فصلاً: ١ * في العمل بخبر الواحد ٢ * في العمل بغالب الرأي ٣ * في الرجل رأى رجلاً يقتل أباه، وما يتصل به ٤ * في الصلاة، والتسبيح، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء ورفع الصوت عند قراءة القرآن والذكر والدعاء ٥ * في المسجد والقبلة والمصحف وما كتب فيه شيء من القرآن، نحو الدراهم والقرطاس، أو كتب فيه ذكر الله تعالى ٦ * في سجدة الشكر ٧ * في المسابقة ٨ * في السلام، وتشميت العاطس ٩ * فيما يحل للرجل النظر إليه، وما لا يحل، وما يحل له مسه، وما لا يحل ١٠ * في اللبس؛ ما يكره من ذلك، وما لا يكره ١١ * في استعمال الذهب والفضة ١٢ * في الكراهية في الأكل ١٣ * في الهبة، ونثر الدراهم، والسكر، وما رماه صاحبه ١٤ * في الكسب ١٥ * في نقل الميت ١٦ * في معاملة أهل الذمة ١٧ * في الهدايا والضيافات ١٨ * في الغناء، واللهو، وسائر المعاصي، والأمر بالمعروف

стр. 1915

١٩ * في التداوي والمعالجات، وفيه العزل، وإسقاط الولد ٢٠ * في الختان والخصاء وقلم الأظافير، وقص الشوارب، وحلق المرأة شعرها، ووصلها شعر غيرها بشعرها. ٢١ * في الزينة، واتخاذ الخادم للخدمة ٢٢ * في قتل المسلم والده المشرك، ومن بمعناه، وقتله سائر محارمه. ٢٣ * فيما يسع من الجراحات في بني آدم والحيوانات، وقتل الحيوانات، وما لا يسع من ذلك. ٢٤ * في تسمية الأولاد وكناهم ٢٥ * في الغيبة والحسد ٢٦ * في دخول النساء الحمام، وفي ركوبهن على السروج ٢٧ * في البيع، والاستيام على سوم الغير ٢٨ * في الرجل يخرج إلى السفر ويمنعه أبواه، أو أحدهما أو غيرهما من الأقارب أو يمنعه الدائن، والعبد يخرج ويمنعه المولى والمرأة ٢٩ * في القرض ما يكره من ذلك، وما لا يكره ٣٠ * في ملاقاة الملوك، والتواضع لهم، وتقبيل أيديهم، أو يد غيرهم، وتقبيل الرجل وجه غيره، وما يتصل بذلك. ٣١ * في الانتفاع بالأشياء المشتركة ٣٢ * في المتفرقات

стр. 1916

الفصل الأول في العمل بخبر الواحد هذا الفصل يشتمل على أنواع: الأول: في الإخبار عن أمر ديني؛ نحو الإخبار عن نجاسة الماء وطهارته، والإخبار عن حرمة المحل وإباحته وما يتصل بذلك، قال محمد ﵀: وإذا حضر المسافر الصلاة، فلم يجد ماءً إلا في إناء أخبره رجل أنه قذر، وهو عنده مسلم مرضي؛ لم يتوضأ به؛ لأنه أخبر بأمرٍ من أمور الدين، وهو حرمة استعمال الماء، ووجوب التيمم عليه. وخبر الواحد حجة في أمور الدين إذا كان المخبر مسلماً عدلاً بالآثار والمعقول، أما الآثار فمن جملة ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ بعث دحية الكلبي إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وعبد الله بن أنيس إلى كسرى، ومع كل واحد منهما كتاب، (لو) لم يكن خبر الواحد حجة لما اكتفى ببعث الواحد، وعن عمر ﵁ أنه حين ورد ماء الحياض قال عمرو بن عاص: ارحل مراد.... أخبرنا عن السباع أترد ماءكم، فقال عمر ﵁: لا تخبرنا عن شيء منهما....؛ لولا أن هذا ... عده خبره خبراً وإلا ما نهاه عن ذلك. وأما المعقول: وهو أنا لو لم نعمل بالخبر الواحد.... أمور الدين الأخرى الكذب احتجنا إلى أن نعمل باستصحاب الحال متى أخبر بنجاسته، أو بهلال رمضان، أو بالقياس متى روي خبر في أحكام تخالف القياس. والعمل بالخبر الواحد إذا كان مسلماً عدلاً؛ أولى من العمل باستصحاب الحال والقياس، أما استصحاب الحال؛ فلأنه عمل بعدم الدليل، وخبر المسلم العدل حجة من حيث إن الصدق فيه رآه إن لم يكن حجة، من حيث إن احتمال الكذب باق، وأما القياس فلأن ما يدل على الخطأ منه في القياس راجح على ما يدل على الصواب؛ لأنه من الجائز أن يكون الحكم في الأصل معلولاً بعلة أخرى غير ما علله المعلل، ومن الجائز أن يكون مصيباً فيما علل، إلا أنه ورد النص بخلافه لكن لم يبلغه، فكان ذلك الخطأ راجحاً على دليل الصواب، وما يدل على الصدق في الخبر الواحد المسلم العدل راجح على ما يدل على الكذب؛ لأن دليل الكذب ثابت من وجه واحد، وهو أنه غير معصوم عن الكذب، ودليل الصدق ثابت من وجهين؛ أحدهما: عقله ودينه، والثاني: عدالته، فكان العمل

стр. 1917

بخبر الواحد أولى، وكذلك إذا كان المخبر عبداً أو أمة، أو امرأة حرة؛ لأن العمل بخبر الواحد إذا كان مسلماً عدلاً؛ إنما وجب لترجيح دليل الصدق على دليل الكذب؛ باعتبار عقله ودينه وعدالته، وهذا المعنى موجود في حق العبد والأمة والمرأة الحرة إذا كانوا عدولاً مسلمين، والدليل عليه أن كثيراً من العبيد رووا أخباراً عن النبي ﵇؛ كبلال وغيره ﵁، وكذلك أزواج النبي ﵇ روين أخباراً عن النبي ﵇؛ حتى عدّت عائشة ﵂ من كبار الصحابة رأياً ورواية، وإذا ثبت هذا في رواية الأخبار من النبي ﵇ ثبت فيما يخبر من أمور الدين؛ هذا إذا كان المخبر عدلاً. وإن كان المخبر غير ثقة، أو كان لا يدرى أنه ثقة أو غير ثقة، يريد أن المخبر إذا كان فاسقاً أو مستوراً نظر فيه؛ لأنه استوى دليل الصدق والكذب في حقه؛ لأن عقله ودينه إن كانا يدلان على الصدق ففسقه وكونه غير معصوم عن الكذب يدلان على الكذب، فلابد من الترجيح، وليس ههنا دليل على الترجيح سوى التحري، وأكثر الرأي، فإن كان أكثر رأيه أنه صادق تيمم، ولم يتوضأ بترجيح جانب الصدق على جانب الكذب بالتحري، وإن أراقه ثم تيمم بعد ذلك كان أحوط، ولم يذكر مثل هذا في الخبر الواحد إذا كان عدلاً؛ لأن هناك رجحان الصدق بالعدالة ثابت بدليل لا بمجرد الظن؛ لأن العدالة عبارة عن انزجاره عن المعاصي، وإنه دليل ظاهر في نفسه، فسقط اعتبار جري الكذب أصلاً، وأما ههنا رجحان الصدق بالتحري ثابت بمجرد الظن، فبقي شبهة اعتبار جري الكذب، فكان إراقة الماء حتى يصير عارٍ عن الماء الطاهر من كل وجه أحوط، وإن كان أكثر رأيه أنه كاذب توضأ به، ولم يلتفت إلى قوله، وأجزأه ذلك، ولا يتيمم عليه؛ (لأنه) أرجح جهة الكذب بالتحري، فلم تثبت نجاسته، فبقي الماء على الطهارة؛ هذا هو جواب الحكم. فأما في.... والاحتياط: فالأفضل له أن يتيمم بعد الوضوء؛ لأن جانب الكذب إنما ترجح بمجرد الظن، فلم يسقط اعتبار جري الصدق فلا يجب الجمع بينهما بالأخرى؛ لكن يندب إلى ذلك؛ كإراقة الماء في الفصل الأول؛ لا يجب جبراً بل يندب إليه. ثم إن محمداً ﵀ ألحق المستور بالفاسق، وهذا جواب ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵄: أن المستور في هذا الحكم كالعدل، وهذا ظاهر على مذهبه، فإنه يجوز القضاء بشهادة المستورين إذا لم يطعن الخصم، وسيأتي هذا الفصل إن شاء الله تعالى، وهذا إذا كان المخبر مسلماً. فإن كان المخبر بنجاسة الماء ذمياً لا تثبت نجاسة الماء بقوله؛ لأن المخبر لو كان مسلماً فاسقاً لا يثبت نجاسة الماء؛ لأنه فاسق فعلاً، فلأن لا تثبت النجاسة بقول الذمي، وإنه فاسق فعلاً واعتقاداً كان أولى.

стр. 1918

فرق بين الذمي وبين الفاسق من وجهين: أحدهما: أن الفاسق أوجب التحري، وفي الذمي لا يوجب التحري، والفرق أن الفاسق استوى دليل الصدق، ودليل الكذب، فوجب الترجيح بالتحري، وفي حق الذمي ترجح جانب الكذب من غير تحر؛ لأن عقله ودينه الذي هو دليل الصدق في حق المسلم يحمله على الكذب في حق المسلم؛ لأنه يعتقده على دين باطل فيقصد الإضرار به بكل ما أمكنه، وإليه وقعت الإشارة، في قوله تعالى: ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ (آل عمران:١٨) أي: إنما يقصدون في إفساد أموركم، فإذا ترجح جانب الكذب في حقه بدون التحري؛ لا يجب التحري؛ لأن التحري إنما يجب لترجيح أحد الدليلين على الآخر، ولكن يستحب التحري؛ لأن احتمال الصدق باق؛ لأن ترجح جانب الكذب في حق الذمي ما كان بدليل يوجب علم اليقين، فيبقى (٧٧أ٢) احتمال الصدق، فلبقاء احتمال الصدق يستحب له التحري، ولترجيح جهة الكذب بنوع دليل لم يجب التحري، فإن تحرى ووقع في قلبه أنه صادق فيما يخبر لا يجب عليه التيمم؛ لأن هذا التحري يستحب وليس بواجب، فالعمل به يكون مستحباً لا واجباً، فإن تيمم لا يجزئه ما لم يرق الماء أولاً، بخلاف ما لو أخبره فاسق وتحرى، ووقع تحريه أنه صادق فيما أخبر من نجاسة الماء، فتيمم قبل إراقة الماء، فإنه يجزئه، وهو الفرق الثاني. والوجه في ذلك: أن هذا التحري إذا كان مستحباً لا واجباً ثبتت النجاسة بهذا التحري في الاستحباب دون الحكم، فإذا لم تثبت النجاسة في حق الحكم كان الثابت في حق الحكم الطهارة، فإذا تيمم قبل الإراقة، فقد تيمم مع وجود الماء الطاهر في حق الحكم فلا يجوز، أما في حق الفاسق التحري واجب، فثبتت النجاسة بالتحري من حيث الحكم، فيصير الماء نجساً من حيث الحكم، ولكن احتمال الطهارة من وجه؛ لأن الصدق ترجح بمجرد الظن لا بدليل، فتستحب الإراقة ولا تجب. والذي ذكرنا من الجواب في الذمي: إذا أخبر بنجاسة الماء؛ فهو الجواب في الصبي العاقل والمعتوه؛ لأن دليل الكذب فيها راجح على دليل الصدق؛ لأن الصبي ناقص العقل، والمعتوه كذلك، فيكون عقله دليلاً على الصدق من وجه دون وجه، ودينه كذلك؛ لأن الدين إنما يصير مانعاً بالعقل، وإذا كان عقلهما ودينهما دليلاً على الصدق من وجه دون وجه؛ كان دليلا الصدق والكذب في حقهما على السواء، وترجح جانب الكذب لكونه غير معصوم عن الكذب، فصار الجواب في حقهما كالجواب في حق الذمي من هذا الوجه. رجل اشترى لحماً فلما قبضه أخبره مسلم ثقة أنه ذبيحة المجوسي، لم ينبغ له أن يأكله؛ لأن المشهود به حرمة التناول، وإنه حق الله تعالى، وإثباتها لا يتضمن زوال الملك، فإن حرمة الانتفاع مع قيام الملك يجتمعان في الجملة، والمشهود به إذا كان بهذه الصفة يثبت بقول الواحد، فرق بين هذه المسألة وبين مسألتين: إحداهما: رجل تزوج امرأة، فجاء مسلم ثقة أو امرأة، وأخبر أنهما ارتضعا من

стр. 1919

امرأة واحدة، فأحبُّ إليَّ أن يتنزه عنها فيطلقها، ويعطيها نصف الصداق إن لم يكن دخل بها، وإن لم يفعل فذلك له واسع. المسألة الثانية: رجل اشترى جارية، فأخبره مسلم ثقة أنها حرة الأصل، أو أنها أخت المشتري من الرضاعة، فإنه يتنزه عن وطئها، فذلك له أفضل، وإن لم يفعل، فذلك له واسع. والفرق: أن في أبضاع الحرائر؛ لا يمكن إثبات الحرمة في المحل على سبيل التأبيد إلا بزوال الملك، والملك من حقوق العبد، فلا يثبت زواله إلا بما هو حجة في حق العباد، وهي شهادة رجلين، أو رجل وامرأتين، فأما فيما عدا أبضاع الحرائر يمكن إثبات حرمة الانتفاع مع قيام الملك في الجملة، فلم يكن ثبوت الحرمة متضمناً زوال الملك، فكان هذا إخباراً عن محض الحرمة، وإنها حق الله تعالى، فجاز أن يثبت بخبر الواحد. قال في مسألة اللحم: ولا يرده على البائع؛ لأن في الرد على البائع إزالة ملك البائع عن الثمن؛ لأنه استوجب الثمن بالعقد قبل هذا الخبر، وقول الواحد ليس بحجة في إبطال ملك الغير. فإن لم يبعه هذا الرجل، ولكن أذن له في التناول، وأخبره ثقة مسلم أنه ذبيحة مجوسي لم يحل أكله لما قلنا، فإن اشترى بعد ذلك كان على الحالة التي كان عليها قبل الشراء؛ لأن حرمة العين في حقه ثبتت بالخبر الواحد، والبيع لا أثر له في إزالة الحرمة الثابتة في العين، والميراث والوصية والهبة بمنزلة الشراء في الأكل والشرب والوطء وغير ذلك. قال: ولو أن رجلاً اشترى طعاماً أو جارية أو ملك ذلك بميراث فجاء مسلم ثقة، وشهد أن هذا لفلان الفلاني؛ غصبه البائع أو الواهب أو الميت، فأحب إلينا أن يتنزه عن أكله ووطئها، وإن لم يتنزه كان في سعة. فرق بين هذا وبينما إذا اشترى لحماً، فأخبره مسلم أنه ذبيحة المجوسي، فإنه يحرم أكلها، وكذلك لو أخبره مسلم ثقة أن هذا الماء نجس، فإنه يحرم استعماله، والفرق: أن في ذبيحة المجوسي، ونجاسة الماء المشهود به حرمة العين، وإنه من حق الله تعالى؛ لأن حق العبد حق لا يزول بإباحة العين، وقد أمكن إثباتها بدون إزالة الملك لما ذكرنا أنه قد يحرم الانتفاع بالعين مع بقاء الملك، فإن العصير إذا تخمر، والدهن إذا وقعت فيه النجاسة يحرم الانتفاع، ولا يزول العصير والدهن عن ملكه، ولما كان هكذا كان المشهود به حرمته هي خالص حق الله تعالى فجاز أن يثبت بالخبر الواحد، أما ههنا المشهود به حرمة ثبتت حقاً للمالك؛ لأن المشهود به كون ما في يد البائع مغصوباً، وشراء المغصوب حرام حقاً للمالك، وكان المشهود به حقاً من حقوق العباد، وشهادة الواحد في حقوق العباد اعتبر حجة في حق التنزه؛ لا في حق الحكم كما في مسألة الرضاع التي ذكرناها.

стр. 1920

وكذلك طعام أو شراب في يدي رجل أذن لغيره في أكله أو شربه أو التوضؤ به، فأخبره مسلم ثقة أن هذا غصب في يديه من فلان، فأحب إلي أن يتنزه، فإن لم يتنزه وأكله أو شربه أو توضأ به، فهو في سعة من ذلك، وإن لم يجد وضوءاً غيره، وهو في سفر توضأ به، ولم يتيمم. نوع آخر في تعارض الخبرين في نجاسة الماء وطهارته، أو في حرمة العين وإباحته رجل دخل على قوم من المسلمين يأكلون طعاماً، ويشربون شراباً، فدعوه إليه، فقال رجل مسلم ثقة قد عرفه: هذا اللحم ذبيحة المجوسي، أو قال: خالط لحم خنزير، وهذا الشراب خالط الخمر، وقال الذين يدعون إلى ذلك: ليس الأمر كما قال؛ بل هو حلال، وبينوا الوجه فيه قال: ينظر في حالهم، فإن كانوا عدولاً ثقات لم يلتفت إلى قول ذلك الرجل الواحد بمقابلة قولهم. فرق بين الخبر وبين الشهادة، فإن المدعيين لعين واحد إذا أقام أحدهما شاهدين، وأقام الآخر جماعة، فإنه لا يترجح الجماعة على المثنى إذا استووا في العدالة، والفرق وهو أن الشهادة إن كانت إخباراً حقيقة فهي من الشاهد لو رجع يضمن، وبدليل أنه شرط لفظة الشهادة والعدد، وإنما شرط ذلك؛ لأنه لما جعل هذا إيجاباً حكماً كان هذا أمراً ثابتاً بخلاف الحقيقة، فوجب مراعاة جميع ما ورد الشرع من الشرائط، قلنا: وما يكون إيجاباً وإثباتاً حقيقة يستوي فيه المثنى والجماعة (٧٧ب٢) فأما الإخبار بنجاسة الماء وطهارته، والإخبار عن الحل والحرمة؛ إخبار عن حقيقة ذلك، ولهذا لم يشترط لفظ الشهادة والعدد، والخبر إنما يترجح بزيادة عدد في المخبر؛ لأنهما كرجل في حد العيان، أو يقرب منه. وإن كانوا متهمين، أخذ بقوله ولم يسعه أن يقرب شيئاً من ذلك الطعام والشراب، ولا تقوم زيادة العدد مقام العدالة. فإن قيل: أليس أن الفاسقين إذا شهدا أن فلاناً طلق امرأته واحدة بائنة، أو أعتق أمته، فإن القاضي يحول بين المشهود عليه، وبين المرأة والعبد؛ كما لو شهد بذلك واحد عدل، وأقيم زيادة العدد مقام العدالة، قلنا: في هذه المسألة روايتان فعلى إحدى الروايتين لا يحال، ولا يقام زيادة العدد مقام العدالة، فعلى هذه الرواية يحتاج إلى الفرق، والفرق أن في تلك المسألة ليس لمعارضة قول الفاسقين قول عدل بخلافه فجاز أن يقام العدد مقام العدالة. قال: ويستوي أن يكون المخبر مسلماً أو مسلمة، حراً أو عبداً، ذكراً أو أنثى بعد أن يكون عدلاً ثقة؛ لأن هذا من أمور الدين، فإن كان في القوم رجلان ثقتان أخذ بقولهما؛ لأن الخبر يترجح بزيادة العدد على ما مر، وإن كان فيهم واحد ثقة عمل فيه على أكثر رأيه؛ لأن الخبرين استويا في الحجة، فلابد من الترجيح، وذلك بالتحري، فإن لم يكن له فيه رأي، واستوى الحالان عنده، فلا بأس بأكل ذلك وشربه، وكذلك الوضوء

стр. 1921

منه في جميع ذلك، يريد به إذا أخبره واحد بنجاسة الماء، وجماعة بطهارته، وفيهم واحد ثقة، فإنه يتحرى، وإن لم يقع تحريه على شيء فلا بأس بالتوضؤ به. فرق بين هذا وبينما إذا عدّل الشاهد واحد وجرحه واحد، فإنه يؤخذ بقول الجارح، ولايبقى ما كان على ما كان. والفرق: أن الجارح فيما جرح اعتمد العيان بارتكاب المحظور، وارتكاب المحظور مما يعاين، فأما المعدل اعتبر استصحاب الحال؛ لأنه نفى أسباب الحرج ما لم يعلم حقيقة، فكان خبر من اعتمد الدليل أولى، وأما ههنا كل واحد منهما فيما أخبر اعتمد دليلاً؛ لأن طهارة الماء ونجاسته تعلم حقيقة بالدليل في الجملة، وكذلك حل الطعام وحرمته، فإذا وقع التعارض والاستواء، وأحدهما كاذب بيقين، والآخر صادق؛ تساقط الخبران، ووجب التمسك بالأصل. فإن قيل: وجب أن يترجح قول من يخبر بالنجاسة والحرمة كما في رواية الإخبار؛ قلنا: في رواية الإخبار إنما يؤخذ برواية الحرمة؛ لأنه لما جعل التاريخ جعل كأن الخبرين كانا، وصار أحدهما ناسخاً للآخر، وإنه ممكن أو يجوز أن يكون الشيء حلالاً، ثم يصير حراماً، وكذا يجوز أن يكون حراماً، ثم يصير حلالاً، إلا إن جعل الخبر المحرم ناسخاً أولى لما فيه من تعليل النسخ؛ لأنه ينسخ به الإباحة الثانية بالخبر المبيح لا غير، ولو جعل الخبر المبيح ناسخاً بنسخ الحرمة الثانية بالخبر المحرم بعد انتساخ الإباحة الأصلية بالخبر المحرم، وكان جعل الخبر المحرم ناسخاً، وفيه تعليل الفسخ أولى؛ أما ههنا لا يمكننا أن نجعل كلا الأمرين كأنهما كانا، فإنه متى ذبح هذه الشاة مجوسي، أو وقع في الماء نجاسة لا يتصور أن يكون الماء طاهراً، وتكون ذبيحة مسلم، فكان الثابت أحدهما، ولا يدرى ذلك لمكان التعارض فتساقطا. فإن كان الذي أخبره بالحل مملوكين ثقتين، والذي أخبره بالحرمة حر واحد، فلا بأس بأكله؛ لأن في الخبر الديني الحر والمملوك سواء، ولا يقع التعارض بين الواحد وبين الاثنين في الصدق على ما بينا. وإن كان الذي أخبره بأحد الأمرين عبد ثقة، والذي أخبره بالأمر الآخر ثقة؛ عمل بأكثر رأيه؛ لأن الخبرين استويا، فلابد من التحري لإمكان العمل، فإن أخبره بأحد الأمرين مملوكان ثقتان، وبأمر أخر حران ثقتان أخذ بقول الحرين؛ لأن الخبرين استويا في دليل الصدق، فلابد من الترجيح لإمكان العمل، وطريقه إما التحري أو حرية المخبرين، فحرية المخبرين صالحة للترجيح، والترجيح بها أولى؛ لأن خبر الحرين حجة في الأحكام، وخبر المملوكين ليس بحجة في حق الأحكام، والترجيح بما هو حجة في حق الأحكام ترجيح بما هو دليل، والترجيح بالتحري ترجيح بمجرد الظن، ولا شك أن الترجيح بما هو دليل أولى من الترجيح بمجرد الظن. وهذا بخلاف ما إذا كان من أحد الجانبين حران، ومن الجانب الآخر ثلاثة أعبد، فإنه يؤخذ بقول العبيد، والفرق وهو الأصل في جنس هذه المسائل: أن الترجيح أولاً

стр. 1922

يطلب من حيث العدد؛ لأنه بالعدد يدخل في حد العيان، أو يقرب منه، وبكونه حجة في حق الأحكام لا يدخل في حد العيان ولا يقرب منه، فكان الترجيح حجة في الأحكام بزيادة العدد أولى، وبعد الاستواء في العدد يطلب الترجيح بكونه حجة في الأحكام لا بالتحري؛ لأنه صار حجة في حق الأحكام بالشرع؛ لا بمجرد الظن، وبعد الاستواء في الحجة في الأحكام يطلب الترجيح بالتحري، فعلى هذا إذا كان المخبر من أحد الجانبين حرين عدلين، ومن الجانب الآخر أربعة، يترجح خبر الأربعة، وكذلك إذا أخبر بأحد الأمرين رجلان، وبالآخر رجل وامرأتان يؤخذ بخبر رجل وامرأتين لما فيه من زيادة العدد، فعلى هذا الأصل يخرج جنس هذه المسائل. وإذا كان في يدي رجل طعام أو شراب أذن لغيره في أكله أو شربه، فأخبره مسلم ثقة أن هذا غصب في يديه من فلان، والذي في يديه يكذبه، ويقول: إنه ملكي، وصاحب اليد متهم غير ثقة، فأحب إلي أن يتنزه، وإن أكله أو شربه أو توضأ به فلا بأس؛ لأن قول الفاسق بمقابلة قول العدل غير معتبر، فصار وجوده والعدم بمنزلة، ولو عدم قوله كان قول الواحد حجة في حق التنزه دون الحكم، وكذا ههنا. ولم يذكر محمد ﵀ في «الأصل» ما إذا كان صاحب اليد ثقة عدلاً، وقد أخبر أنه ملكه لم يغصبه من أحد، وقد اختلف المشايخ فيه، قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: لا يتنزه؛ لأن الخبرين تساقطا بحكم التعارض، فبقيت الإباحة الأصلية بخلاف ما إذا كان فاسقاً، وغيره من المشايخ قال: يتنزه وهو الصحيح؛ لأن صاحب اليد بخبره يشهد لنفسه؛ لأن الغصب في حق التنزه ثبت بقول الواحد، فيمتنع الناس عن شرائه تارة فهو كقوله: أي مالك يرغب الناس في الشراء، فكان في معنى الشاهد لنفسه، فلا يعارض خبر ذي اليد خبر المخبر عن الغصب، فبقي الغصب في حق التنزه (٧٨أ٢) ثابتاً كما كان.m ويقع الفرق على قول هؤلاء المشايخ بين هذه المسألة، وبين مسألة ذكرناها قبل هذا أن جماعة يأكلون الطعام ويشربون الشراب، فدخل عليهم مسلم، فدعوه إلى الأكل، فقال له عدل: إنه ذبيحة مجوسي، وقال واحد عدل من الآكلين: إنه حلال، فإنه يتحرى، فإن لم يقع تحريه على شيء لا بأس بأكله، ولم يذكر التنزه. والفرق: أن هناك صاحب اليد بقوله: هذا مباح فكله؛ ليس يجر إلى نفسه منفعة، ولا يدفع عن نفسه مضرة، فكان خبر الخارج وخبر ذي اليد في حق السامع على السواء؛ أما ههنا صاحب اليد بخبره يدفع عن نفسه مضرة؛ لأن الغصب في حق التنزه ثبت بخبر العدل الخارج، وذلك يضر بصاحب اليد؛ لأن السامع يتنزه عن شرائه على ما ذكرها. فعلى هذا إذا أراد أن يشتري لحماً، فقال له خارج عدل: لا تشتره، فإنه ذبيحة مجوسي، وقال القصاب: اشتره فإنه ذبيحة مسلم، والقصاب عدل، فإنه تزول الكراهة بقول القصاب على قول الفقيه أبي جعفر، وعلى قول غيره من المشايخ لا تزول.

стр. 1923

نوع آخر في العمل بخبر الواحد في المعاملات يجب أن يعلم بأن قول الواحد العدل حجة في المعاملات استحساناً، والقياس: أن لا يكون حجة؛ لأن المعاملة من حقوق العباد؛ لأنها شرعت لمصالحهم، وما يكون من حقوق العباد لا يثبت بقول الواحد كإثبات الملك وإزالته وغير ذلك، لكن استحسنا ذلك بالآثار وبنوع من الضرورة. أما الآثار: فمنها ما روي أن رسول الله ﷺ وكّلَ عروة في شراء الأضحية فجاء عروة، وأخبر بالشراء، فصدقه رسول الله ﷺ فيما أخبر، ولم يكلفه إقامة البينة على ما أخبر، وروي أن سلمان الفارسي ﵁ أهدى إلى رسول الله ﷺ رطباً، فقال ﵇: «أصدقة أم هدية» ؟ فقال سلمان: لا بل هدية، فأكل رسول الله ﷺ وأكل أصحابه، فقد صدق رسول الله ﵇ سلمان فيما قال: هدية، حتى لم يحلفه عليه، وروي أن بريدة كان يتصدق عليها، وكانت تهدي ذلك إلى رسول الله ﵇؛ كان يصدقها فيما تقول وكان يقول: «هي لها صدقة ولنا هدية» ، وكان لا يكلفها إقامة البينة. وأما الضرورة: وهو أن المعاملة لابد للناس منها، ويكثر وقوعها فيما بين الناس، ويتكرر في كل يوم مرة بعد أخرى، فلو أمر المخبر في كل معاملة يباشرها بإقامة البينة لضاق الأمر على الناس، واحتاج كل بائع أن يستصحب مع نفسه شاهدين عدلين أناء الليل والنهار حتى يشهدا أن المبيع ملك البائع، أو أن صاحب العين وكله ببيع هذا العين، وهذا مما لا يمكن أو فيه حرج، وما لا يدخل في إمكاننا، أو فيه حرج فهو موضوع، فلهذه الضرورة صار خبر الواحد حجة في المعاملات، إلا أنه يشترط أن يكون المخبر عدلاً؛ لأنه متى كان فاسقاً يتعارض في خبره دليل الصدق ودليل الكذب، فيقع الشك في زوال ما كان ثابتاً، والثابت لا يزول بالشك، ويجب أن لا ينازع فيما قال؛ لأنه متى نوزع يندفع خبره بخبر المنازع، فيبقى ما كان على ما كان، وإذا ثبت أن خبر الواحد العدل حجة في المعاملات إذا لم ينازع في خبره كالثابت معاينة، ولو ثبت ما أخبره معاينة إن أفاد إباحة المعاملة تثبت الإباحة بخبره، وإن لم تفد إباحة المعاملة؛ لا تثبت الإباحة بإخباره؛ لأن الخبر لا تربو درجته على المعاينة. إذا عرفنا هذا فنقول: إذا كانت الجارية لرجل، فأخذها رجل آخر، وأراد أن

стр. 1924

يبيعها، فإنه يكره لمن عرفها للأول أن يشتريها من هذا ما لم يعلم أنه ملكها من جهة المالك بسبب من الأسباب، أو أذن له ببيعها؛ لأنه اجتمع ما يوجب الإباحة، وما يوجب الحظر عليه بأنها كانت مملوكة الغير، يوجب الحظر قبل إذن المالك، وقبل أن يملكه صاحب اليد من جهة ذلك الغير، وكونها في يد ذي اليد، واليد تدل على الملك من حيث الظاهر يدل على الإباحة، فهو معنى قولنا: إنه اجتمع ما يوجب الحظر وما يوجب الإباحة، فثبتت الكراهة؛ لأن حد المكروه ما يجتمع فيه دليل الحظر والإباحة كما في...... وإن اشترى جاز ويكون مكروهاً؛ وهذا لأنا متى حرمنا الشراء عطلنا ما يدل على الإباحة وهو ظاهر اليد، ومتى حكمنا بالجواز مطلقاً من غير كراهة عطلنا سبب الحظر، وهو علمه بأنها ملك الغير، وملك الغير حرام الشراء قبل الإذن فأثبتنا الكراهة عملاً بالأمرين، وإن علم أن المالك أذن له بالبيع، أو ملكه بوجه من الوجوه، فلا بأس بأن يشتريها منه، ويكون الشراء جائزاً من غير كراهة؛ لأنه زال سبب الحظر، فإن ملك الغير سبب الحظر إلى غاية الإذن، أو التملك من جهة ذلك الغير. وإن قال الذي في يديه: إني اشتريتها أو وهبها لي أو تصدق علي بها، أو وكلني ببيعها؛ جاز له أن يشتري منه إذا كان عدلاً مسلماً لما ذكرنا أن قول الواحد العدل حجة في الديانات إذا لم ينازع في قوله، والمخبر هنا لم ينازع في خبره، فصار خبره حجة، وصار الثابت بخبره كالثابت معاينة، ولو عاين ما قال أفاد إباحة المعاملة معه؛ فكذا إذا ثبت بخبره، وهو عدل. ثم إن محمداً ﵀ شرط في هذه المسألة: أن يكون صاحب اليد مسلماً عدلاً والعدالة شرط، أما الإسلام ليس بشرط، فإن قول الذمي إذا كان عدلاً حجة في المعاملات على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى، والحاكم الشهيد ذكر في «مختصر العدالة» ، ولم يذكر الإسلام، وتبين بما ذكر الحاكم أن ذكر الإسلام من محمد ﵀ اتفاقي لا أن يكون شرطاً. وإن كان الذي في يديه الجارية فاسقاً لا تثبت إباحة المعاملة معه بنفس الخبر؛ بل يتحرى في ذلك، فإن وقع تحريه على أنه صادق حلَّ له الشراء منه، وإن وقع تحريه على أنه كاذب لا يحل له أن يشتريها منه، وإن لم يكن له رأي يبقى ما كان في الديانات. وكذلك لو أن هذا الرجل لم يعرف كون هذه الجارية لغير صاحب اليد حتى أخبره الذي في يديه الجارية أن هذه الجارية ملك فلان، وأن فلاناً وكله ببيعها لا يسعه أن يشتري منه ما لم يعلم أن فلاناً ملكه من صاحب اليد، أو أذن له ببيعها؛ لأن إقرار صاحب اليد لغيره بما في يده حجة شرعاً، والثابت بالحجة الشرعية كالثابت عياناً، ولو عاين المريد للشراء (٧٨ب٢) كون الجارية لغير صاحب اليد بالعيان، لا يسعه أن

стр. 1925

يشتريها منه ما لم يعلم أن ذلك الغير ملكه من صاحب اليد، أو أذن صاحب اليد بالبيع؛ كذا ههنا، وإن لم يعلم هو أن الجارية ملك الغير، ولم يخبر صاحب اليد بذلك؛ لا بأس بأن يشتري من ذي اليد وإن كان ذو اليد فاسقاً. فرق بين هذا وبينما إذا علم أن ما في يده كان لغيره؛ لا يسعه أن يشتري منه ما لم يعلم أن ذلك الغير ملكها من صاحب اليد، وأذن له ببيعها. والفرق: أن المريد للشراء إذا علم أن الجارية كانت لغير ذي اليد، فإنما يباح له المعاملة مع ذي اليد إذا ثبت الانتقال إلى ذي اليد وتثبت الوكالة، أو لم يثبت ذلك بقول صاحب اليد إذا كان فاسقاً؛ لأن خبر الفاسق محتمل للصدق والكذب، ولم يثبت ذلك أيضاً بظاهر يده؛ لأن يده محتملة بين أن تكون يد ملك أو يد وكالة، وبين أن تكون يد غصب، فلا تثبت يد ملكه، ولا يد وكالته بالاحتمال، وإذا لم يثبت الانتقال ولا الوكالة لم تثبت إباحة المعاملة. فأما إذا لم يعلم المريد للشراء كون الجارية ملك الغير لا بالمعاينة، ولا بإقرار ذي اليد يمكن تجويز هذه المعاملة مع ذي اليد بناءاً على أولية الملك لذي اليد في هذا العين بإثبات يده عليه؛ لأن الانتقال إلى ذي اليد، أو الوكالة من جهة الغير إن تعذر إثباته إذا لم يعلم كون الجارية ملكاً للغير؛ أمكن إثبات أولية الملك له؛ لأن الملك يثبت للفاسق من الابتداء في العين بإثبات اليد علىه كما ثبت للعدل، واستوى فيه العدل والفاسق. قال: إلا أن يكون مثله لا يملك ذلك الشيء في الغالب، وذلك كدرة نفيسة في يد فقير لا يملك قوت يومه؛ يعلم بدلالة الحال أن مثله لا يملك ذلك، وككتاب في يد جاهل لم يكن في آبائه من هو أهل لذلك، فحينئذٍ يستحب له أن يتنزه، ولا يتعرض له بشراء، ولا قبول هدية ولا صدقة؛ لأنه ثبت كون ما في يده لغيره بدلالة الحال، ولو ثبت كون ما في يده لغيره بالعيان، أو بإخبار صاحب اليد يكره الشراء ما لم يثبت الانتقال أو الوكالة، فإذا ثبت ذلك بدلالة الحال إن لم تثبت الكراهية؛ لأن دلالة الحال دون ذلك وجب التنزه. وإن كان الذي أتاه بذلك امرأة حرة؛ كان الجواب فيها كالجواب في الرجل؛ لأن قول الرجل إنما صار حجة في المعاملات للضرورة، والضرورة متحققة في حق المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى المعاملة كالرجل، فصار قولها حجة كقول الرجل. وإن كان الذي أتى به عبداً أو أمة، فليس ينبغي أن يشتري منه شيئاً، وكذلك لا ينبغي أن يقبل منه هبة، ولا صدقة حتى يسأله عن ذلك؛ لأنه علم يقيناً أن ما في يده ملك غيره، فكان بمنزلة ما لو كان المال في يد حر علم أنه كان لغيره، وهناك كان الجواب على نحو ما ذكرنا. فإن سأله عن ذلك، فأخبر العبد أن مولاه أذن له في بيعه وهبته وصدقته فإن كان العبد ثقة؛ لا بأس بأن يشتري ذلك منه؛ لأن قول العبد في المعاملات إذا كان العبد ثقة كقول المرأة قوله حجة؛ لأن للناس ضرورة في المعاملات مع العبيد، فإن الإذن في

стр. 1926

التجارة مشروعة، وكذلك الكتابة مشروعة، فمتى لم يقبل قول العبد على ذلك يحتاج إلى أن يقيم شاهدين على الإذن في التجارة أو على الكتابة وفيه حرج، فصار قول العبد حجة في المعاملات لهذا. وأما إذا كان فاسقاً، فإنه يتحرى في ذلك؛ لأن العبد في المعاملات كالحر، والحر لو كان فاسقاً، وقد أخبر أن صاحب العين ملك العين منه، أو وكله ببيع العين، فإن المريد للشراء يتحرى، فكذلك ههنا، فإن لم يقع تحريه على شيء بقي ما كان على ما كان (عليه) كما في الحر. ولو كان الذي أتى به غلاماً صغيراً، أو جارية صغيرة حراً أو مملوكاً، لم يسعه أن يشتري منه قبل السؤال؛ لأن الحجر ثابت بيقين لوجود سببه وهو الصغر، فما لم يعلم بزوال الحجر لا تجوز المعاملة معه، فإن قال: إنه مأذون له في التجارة فإنه يتحرى، وإن كان الصبي عدلاً، وهذا لأن الصبي وإن كان عدلاً فهو ناقص العقل، ونقصان العقل سبب الإقدام على الكذب لقلة المبالاة، فكان الصغير كالفاسق، فإن لم يقع تحريه على شيء يبقى ما كان على ما كان (عليه) قبل التحري. وكذلك لو أن هذا الصغير أراد أن يهب ما أتى به من رجل، أو يتصدق به عليه، فينبغي لذلك الرجل أن لا يقبل هديته، ولا صدقته حتى يسأل عنه، فإن قال: إنه مأذون له في الهبة والصدقة، فالقابض يتحرى، ويبني الحكم على ما يقع تحريه عليه، وإن لم يقع تحريه على شيء يبقى ما كان على ما كان (عليه) قبل التحري. قال محمد ﵀: وإنما يصدق الصغير فيما يخبر بعدما تحرى، ووقع تحريه أنه صادق إذا قال: هذا المال مال أبي أو مال فلان الأجنبي أو مال مولاي، وقد بعث به إليك هبة أو صدقة، فأما إذا قال: هو مالنا، وقد أذن لنا أبونا أن نتصدق به عليك أو نهبه لك؛ لا ينبغي له أن يقبل؛ لأن الثابت بخبره لا يكون أعلى حالاً من الثابت معاينة، ولو عاين السامع أن الأب أذن له أن يهب مال نفسه، أو يتصدق بمال نفسه؛ لا يحل له أن يقبل ذلك منه؛ كذا ههنا. وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: الصبي إذا أتى بقالاً بفلوس يشتري منه شيئاً، وأخبره أن أمه أمرته بذلك، فإن طلب الصابون ونحوه فلا بأس بأن يبيعه منه، وإن طلب الزبيب، وما يأكله الصبيان عادة، فينبغي أن لا يبيعه منه؛ لأن الظاهر أنه كاذب فيما يقول، وقد عثر على فلوس أمه، فأراد أن يشتري بها حاجة نفسه؛ قال: وكذلك الفقير إذا أتاه عبد أو أمة بصدقة من مولاه يتحرى لما قلنا. قال: ولو أن رجلاً قد علم أن جارية لرجل يدعيها، فرآها في يدي رجل يبيعها، وقال للذي في يديه الجارية: قد علمت أنها كانت لفلان يدعيها، فقال الذي في يديه: قد كانت كما ذكرت في يده يدعيها أنها له، إلا أنها كانت لي، وقد كنت أمرته بذلك تلجئة لأمر خفته، وصدقته الجارية في ذلك، فإن كان الرجل مسلماً ثقة، فلا بأس بأن يشتري أمته؛ لأن قول العدل حجة في المعاملات إذا لم ينازعه أحد فيما أخبر، ولا منازع له ههنا من حيث الحقيقة، وهذا ظاهر، وكذلك لم يعرف له منازع بإقراره؛ لأنه أقر بكونه

стр. 1927

وديعة عنده لفلان، والمودع لا ينازع المالك فيما كان وديعة عنده. وإن كان الذي في يديه الجارية فاسقاً يتحرى، (فإن تحرى) ووقع تحريه على أنه كاذب (٧٩أ٢) لا ينبغي له أن يشتريها منه، وإن وقع تحريه على أنه صادق، فلا بأس بأن يشتريها منه، وإن لم يقع تحريه على شيء يبقى ما كان على ما كان. ولو أن صاحب اليد لم يقل هذا القول الذي وصفت لك ولكن قال: إن فلاناً قد كان ظلمني وغصبني الجارية، فأخذتها منه، فلا ينبغي له أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأنه قد ثبت له المنازعة بإقراره؛ لأنه قد أقر أن صاحب اليد غصبها منه، والغاصب منازع للمالك ما لم يرجع عن غصبه بخلاف الفصل الأول؛ لأن ثمة لم يقر بالمنازع؛ لأنه أقر بالوديعة، والمودع لا ينازع المالك في الوديعة؛ لأنه أخذها للحفظ للمالك لا لنفسه. وإن كان قال: إنه قد ظلمني وغصبني، ثم إنه رجع عن غصبه، وأقر بها لي ودفعها لي، فإن كان ثقة، فلا بأس بأن يشتري منه؛ لأن في هذه الصورة ما أقر بالمنازع، فإنه قال: رجع عن غصبه، وأقر بها لي ودفعها إليَّ، والغاصب بعدما رجع عن الغصب، ودفع المغصوب إلى المغصوب منه لا يبقى منازعاً للمغصوب منه، فلم تثبت المنازع ههنا لا من حيث الحقيقة ولا بإقراره، وقول العدل في المعاملات حجة إذا لم ينازعه فيه أحد، وإن كان الرجل فاسقاً تحرى في ذلك لما قلنا في الفصل الأول. وإن كان قال: لم يقر بها لي، ولكن خاصمته إلى القاضي، فقامت عليه بينة، فقضى القاضي عليه بذلك، أو استحلفته فنكل، فقضي عليه بهذا، فهذا والأول سواء، وإن كان عدلاً يشتري منه، وإن كان فاسقاً يتحرى؛ لأنه ما أقر بالمنازع ههنا لما قال قضى القاضي بالجارية لي؛ لأن الغاصب لا يبقى منازعاً بعد القضاء ما لم يجحد القضاء، ولم يذكر أنه جحد القضاء. وكذلك إذا قال: قضى القاضي لي بالجارية، وأمرني فأخذتها من منزله، أو قال: قضى القاضي بالجارية لي، وأخذها منه ودفعها إليَّ، فلا بأس بأن يشتريها منه إذا كان عدلاً؛ لأنه لم يقر بالمنازع، وإن قال: قضى بها القاضي لي فجحد لي قضاءه، فأخذتها منه، فلا ينبغي له أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأنه أقر بالمنازع لما أقر أنه جحد القضاء، فالجاحد يكون منازعاً لا محالة. قال محمد ﵀ في «الكتاب» : وهذا بمنزلة ما لو قال الذي في يديه الجارية: اشتريتها من فلان الذي كان يدعيها، ونقدته الثمن، وأخذتها، فإنه حل له الشراء منه إذا كان عدلاً؛ لأنه لا يقر بالمنازع، وإن قال: جحد لي الشراء؛ لا ينبغي أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأنه أقر بالمنازع ههنا. قال محمد ﵀ في «الكتاب» أيضاً: وهذا بمنزلة ما لو قال: اشتريتها من فلان، وقبضتها بأمره، ونقدته الثمن، وهو عدل ثقة، فقال له رجل آخر: إن فلاناً جحد هذا الشراء، وزعم أنه لم يبع شيئاً منه، وهذا الثاني عدل ثقة عنده، لا ينبغي له أن يشتريها منه؛ لأنه قد ثبت المنازع بقول الثاني لما كان عدلاً لا فرق بين مسألة

стр. 1928

الاستشهاد، وبينما إذا أخبره واحد بنجاسة الماء، وأخبره واحد بطهارة الماء، وهما عدلان، فإن هناك يتحرى وتثبت المعارضة بين الخبرين حتى أمر بالتحري. وكذلك إذا أخبر أحدهما أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، وأخبر الآخر أنه ذبيحة المسلم، وهما عدلان، فإنه يتحرى وتثبت المعارضة بين الخبرين، وفي مسألة الاستشهاد، وما أثبت المعارضة بين الخبرين؛ بل قال: يأخذ بقول الثاني. والفرق: وهو أن التحري إنما يجب حال مساواة الخبرين، وفي مسألة الاستشهاد لا مساواة؛ لأن الخارج فيما أخبر اعتمد دليلاً حادثاً يعرف من حيث الحقيقة والعيان، وهو جحود البائع، وذو اليد فيما أخبر من الشراء، وإقرار البائع بذلك لم يعتمد دليلاً جارياً على عدم الجحود، وإنما اعتمد استصحاب الحال، وهو إقراره بالشراء، وإقراره بالشراء لا يوجب عدم الجحود؛ بل عدم الجحود يكون ثابتاً باستصحاب الحال؛ لأن الأصل هو العدم، وقد ذكرنا أنه لا مساواة بين خبرين أحدهما ثابت بالدليل الحادث، والآخر ثابت بناءً على استصحاب الحال كما في الجرح مع التعديل، فأما في طهارة الماء ونجاسته تتحقق المساواة بين الخبرين؛ لأنه يمكن بناء كل واحد منهما على دليل يوجب العلم بما أخبر خبر النجاسة على معاينة وقوع النجاسة، وخبر الطهارة على معاينة اغتراف الماء من نهر عظيم يكون طاهراً واستصحاب الماء مع نفسه إلى وقت الخبر، وكذلك المخبر عن ذبيحة المسلم، وعن ذبيحة المجوسي؛ لأن كل واحد من الذبيحتين مما يشاهد ويعاين، فيكون كل واحد من الخبرين بناءً على دليل يوجب ما قال لا بناءً على عدم الدليل فاستويا، وعند استواء الخبرين يجب التحري، وإن كان المخبر عن الجحود فاسقاً قال: يتحرى في خبره. فرق بين هذا وبينما إذا أخبره رجل بطهارة الماء، وأخبر آخر بنجاسة الماء وأحدهما فاسق، فإنه يأخذ بقول العدل، وههنا لم يقل: إنه يأخذ بقول العدل؛ بل قال يتحرى. وجه الفرق: أن في مسألتنا الخبرين قد استويا، فإن كان المخبر عن الجحود فاسقاً، وصاحب اليد عدلاً؛ لأن خبر كل واحد منهما حجة من وجه دون وجه، أما خبر صاحب اليد فلأنه اعتمد استصحاب الحال، واستصحاب الحال حجة من وجه دون وجه، فإنه حجة في الدفع لا في إثبات الاستحقاق. وخبر الفاسق حجة من وجه دون وجه أيضاً، لاحتمال الصدق والكذب في خبره احتمالاً على السواء، ولما استويا وجب التحري، فأما في نجاسة الماء وطهارته، فخبر الفاسق لا يساوي خبر العدل؛ لأن خبرهما وإن استويا من حيث إن كل واحد منهما حصل من دليل حادث؛ إلا أن لخبر العدل رجحاناً من وجه آخر من حيث إنه حجة من كل وجه لرجحان الصدق في خبره، وخبر الفاسق حجة من وجه دون وجه لاحتمال الصدق والكذب في خبره احتمالاً على السواء، وإن كانا جميعاً فاسقين، فإن صدق القائل الثاني بقوله وعلى ذلك أكثر رأيه لم يقبل من ذلك شيئاً، فقد أمر بالتحري متى كانا

стр. 1929

فاسقين، ويجب أن لا يتحرى؛ لأن (خبر) صاحب اليد لا يساوي خبر الخارج إذا كانا فاسقين؛ لأنهما في الفسق على السواء، والخارج يخبر عن دليل حادث، وذو اليد يخبر عن عدم الدليل، فيترجح خبر الخارج؛ كما لو كانا عدلين، والجواب قد ترجح خبر الخارج على خبر ذي اليد بالطريق الذي (٧٩ب٢) قلتم، فلا جرم يسقط اعتبار خبر ذي اليد بمقابلة خبر الخارج، ويلتحق بالعدم، إلا أن الخارج فاسق، وقد أخبر بما يوجب كراهة الشراء فيجب التحري، كما لو أخبر فاسق بنجاسة الماء. وإذا كانت الجارية في يدي رجل يدعي أنه اشتراها من فلان وهو ثقة مسلم، وسع للذي يسمع مقالته أن يشتريها؛ وهذا لأن الإقرار بالشراء إقرار بالملك للبائع دلالة، ولو أقر بالملك للبائع صريحاً، ثم ادعى الانتقال إلى نفسه جاز الشراء منه إذا كان ثقة، وإن كان فاسقاً يتحرى، فههنا كذلك. وكذلك إذا لم تكن الجارية في يده؛ ولكنها كانت في منزل مولاها، فقال: إن فلاناً أمرني ببيعها، ودفعها إلى من اشتراها وهو ثقة، فلا بأس بشرائها منه، والقبض من منزل مولاها من الذي باعها (بأمر مولاها) أو بغير أمره؛ لأن هذا عدل أخبر بما هو من جملة المعاملات، ولم ينازعه في ذلك أحد، فيقبل قوله. وإن كان هذا الذي (في يديه الجارية) فاسقاً يجب التحري، فإن تحرى ووقع في قلبه أنه صادق، فاشتراها وقبضها، ثم وقع تحريه على أنه كاذب فيما قال، فإنه يعتزل عن وطئها حتى يسأل مولاها، أو يخبره بذلك عدل؛ وهذا لأنه إنما اشتراها بغالب الرأي، والعامل بغالب الرأي إذا تحول رأيه إلى شيء آخر يلزمه العمل برأيه الثاني في المستقبل لا في الماضي، فلهذا قال: يعتزل عن وطئها. ثم قال محمد ﵀: وهكذا أمر الناس ما لم يجىء التجاحد والتشاجر من الذي كان يملك، فأما إذا جاءت المشاجرة والإنكار من المالك لا يبقى خبر المخبر حجة؛ سواء كان المالك فاسقاً أو عدلاً؛ وهذا لأن قول الواحد إنما جعل حجة في إباحة المعاملات مع الناس للضرورة بخلاف القياس، ففيما وراء إباحة المعاملة من إبطال ملك الغير بغير رضاه؛ لا ضرورة فيه لإباحة المعاملات؛ لأن كل موكل لا ينكر الوكالة، وإذا لم يبق قوله حجة حال منازعة الملك لم يثبت الانتقال إليه ولا الوكالة، فكان بائعاً مال الغير بغير إذنه، فكان للمالك أن يأخذها من المشتري، ويضمن المشتري لمولى الجارية عقر الجارية إن كان قد وطىء الجارية؛ لأنه وطىء ملك الغير، وقد سقط الحد لمكان الشبهة، فيجب العقر. ولو شهد شاهدان عدلان عند البيع أن مولاها قد أمر البائع ببيعها، فاشتراها بقولهما، ونقد الثمن وقبضهما، وحضر مولاها، فأنكر الوكالة؛ كان المشتري في سعة من إمساكها؛ لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي؛ أطلق القاضي للمشتري إمساكها، فكذا إذا شهدا به عند المشتري يحل للمشتري إمساكها بخلاف ما لو كان المخبر واحداً؛ لأن الواحد لو شهد بذلك عند القاضي والمالك منكر، فالقاضي لا يطلق للمشتري الإمساك،

стр. 1930

فكذا إذا شهد الواحد بذلك عند المشتري لايسع المشتري إمساكه إذا أنكر المالك الوكالة. قال: إلا أن يكون خاصمه عند القاضي، وقضى القاضي بالملك للمالك، فإن استحلف المالك على الوكالة فحلف، فإنه لا يسعه إمساكها ما لم يجدد الشاهدان الشهادة على الوكالة بين يدي القاضي حتى يقضي القاضي بالوكالة، وإنما لا يسع للمشتري إمساكها قبل تجديد الشاهدين الشهادة لما أشار محمد ﵀ في «الكتاب» : أن القضاء أنفذ من الشهادة. ومعنى هذا الكلام: أنه يجمع ما يبيح الإمساك وهو الشهادة، وما يحرم الإمساك وهو قضاء القاضي بالملك للمالك، والرجحان لدليل الحظر وهو القضاء؛ لأن القضاء صدر عن حجة، وهو إقرار المشتري بالملك للموكل، والوكالة بالبيع لم تثبت عند المشتري بما هو حجة؛ لأن الشهادة لا تكون حجة ما لم يتصل بها القضاء، فكان العمل بالقضاء أولى من العمل بالشهادة، فإذا جدد الشاهدان الشهادة على الوكالة عند القاضي؛ وقضى القاضي بالوكالة فحينئذٍ يحل للمشتري إمساكها؛ لأن الوكالة ثبتت بما هو حجة، فصار كالثابت معاينة. نوع آخر في العمل بخبر الواحد بارتداد أحد الزوجين وبالرضاع والطلاق والموت وفساد النكاح قال محمد ﵀: ولو أن رجلاً تزوج امرأة، فلم يدخل بها حتى غاب عنها، فأخبره مخبر أنها قد ارتدت عن الإسلام * والعياذ بالله، فإن كان المخبر بذلك عدلاً وسعه أن يصدقه، وأن يتزوج بأختها، أو أربع سواها، وإن كان فاسقاً تحرى في ذلك؛ هكذا ذكر المسألة في كتاب الاستحسان. وذكر في «السير الكبير» : أنه لا يسعه أن يتزوج بأختها أو أربع سواها ما لم يشهد عنده رجلان، أو رجل وامرأتان. وجه ما ذكر في «السير» : أن قول الواحد العدل في إباحة المعاملات إنما يكون حجة إذا لم ينازع في خبره، وقد أقر بالمنازع حين أخبر عن ردتها؛ لأن الظاهر أن المرأة لا ترتد؛ لأنها قد أقرت ببطلانها حين أقرت بالإسلام، فكان الظاهر منها إنكار الردة، والأحكام مبنية على الظاهر، فكان بمنزلة ما لو كانت حاضرة، وأنكرت الردة حقيقة. وجه ما ذكر في الاستحسان: أنه لا منازع لهذا المخبر فيما أخبر من حيث الحقيقة وهذا ظاهر، ولم يثبت المنازع بإقراره؛ لأن إنكارها الردة وإن كان ثابتاً من حيث الظاهر إلا أن المخبر رجع عن هذا الإنكار، وأقر بردتها، فهو بمنزلة ما لو قال ذو اليد: هذا الشيء ملكي لكن قد كان غصبه فلان، ثم رجع عن ظلمه ودفعها إليَّ، وهناك يصدق ذو اليد في إخباره كذا ههنا.
следующие страницы →