Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
التجارة مشروعة، وكذلك الكتابة مشروعة، فمتى لم يقبل قول العبد على ذلك يحتاج إلى أن يقيم شاهدين على الإذن في التجارة أو على الكتابة وفيه حرج، فصار قول العبد حجة في المعاملات لهذا.
وأما إذا كان فاسقاً، فإنه يتحرى في ذلك؛ لأن العبد في المعاملات كالحر، والحر لو كان فاسقاً، وقد أخبر أن صاحب العين ملك العين منه، أو وكله ببيع العين، فإن المريد للشراء يتحرى، فكذلك ههنا، فإن لم يقع تحريه على شيء بقي ما كان على ما كان (عليه) كما في الحر.
ولو كان الذي أتى به غلاماً صغيراً، أو جارية صغيرة حراً أو مملوكاً، لم يسعه أن يشتري منه قبل السؤال؛ لأن الحجر ثابت بيقين لوجود سببه وهو الصغر، فما لم يعلم بزوال الحجر لا تجوز المعاملة معه، فإن قال: إنه مأذون له في التجارة فإنه يتحرى، وإن كان الصبي عدلاً، وهذا لأن الصبي وإن كان عدلاً فهو ناقص العقل، ونقصان العقل سبب الإقدام على الكذب لقلة المبالاة، فكان الصغير كالفاسق، فإن لم يقع تحريه على شيء يبقى ما كان على ما كان (عليه) قبل التحري.
وكذلك لو أن هذا الصغير أراد أن يهب ما أتى به من رجل، أو يتصدق به عليه، فينبغي لذلك الرجل أن لا يقبل هديته، ولا صدقته حتى يسأل عنه، فإن قال: إنه مأذون له في الهبة والصدقة، فالقابض يتحرى، ويبني الحكم على ما يقع تحريه عليه، وإن لم يقع تحريه على شيء يبقى ما كان على ما كان (عليه) قبل التحري. قال محمد ﵀: وإنما يصدق الصغير فيما يخبر بعدما تحرى، ووقع تحريه أنه صادق إذا قال: هذا المال مال أبي أو مال فلان الأجنبي أو مال مولاي، وقد بعث به إليك هبة أو صدقة، فأما إذا قال: هو مالنا، وقد أذن لنا أبونا أن نتصدق به عليك أو نهبه لك؛ لا ينبغي له أن يقبل؛ لأن الثابت بخبره لا يكون أعلى حالاً من الثابت معاينة، ولو عاين السامع أن الأب أذن له أن يهب مال نفسه، أو يتصدق بمال نفسه؛ لا يحل له أن يقبل ذلك منه؛ كذا ههنا.
وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: الصبي إذا أتى بقالاً بفلوس يشتري منه شيئاً، وأخبره أن أمه أمرته بذلك، فإن طلب الصابون ونحوه فلا بأس بأن يبيعه منه، وإن طلب الزبيب، وما يأكله الصبيان عادة، فينبغي أن لا يبيعه منه؛ لأن الظاهر أنه كاذب فيما يقول، وقد عثر على فلوس أمه، فأراد أن يشتري بها حاجة نفسه؛ قال: وكذلك الفقير إذا أتاه عبد أو أمة بصدقة من مولاه يتحرى لما قلنا.
قال: ولو أن رجلاً قد علم أن جارية لرجل يدعيها، فرآها في يدي رجل يبيعها، وقال للذي في يديه الجارية: قد علمت أنها كانت لفلان يدعيها، فقال الذي في يديه: قد كانت كما ذكرت في يده يدعيها أنها له، إلا أنها كانت لي، وقد كنت أمرته بذلك تلجئة لأمر خفته، وصدقته الجارية في ذلك، فإن كان الرجل مسلماً ثقة، فلا بأس بأن يشتري أمته؛ لأن قول العدل حجة في المعاملات إذا لم ينازعه أحد فيما أخبر، ولا منازع له ههنا من حيث الحقيقة، وهذا ظاهر، وكذلك لم يعرف له منازع بإقراره؛ لأنه أقر بكونه
стр. 1927
وديعة عنده لفلان، والمودع لا ينازع المالك فيما كان وديعة عنده.
وإن كان الذي في يديه الجارية فاسقاً يتحرى، (فإن تحرى) ووقع تحريه على أنه كاذب (٧٩أ٢) لا ينبغي له أن يشتريها منه، وإن وقع تحريه على أنه صادق، فلا بأس بأن يشتريها منه، وإن لم يقع تحريه على شيء يبقى ما كان على ما كان.
ولو أن صاحب اليد لم يقل هذا القول الذي وصفت لك ولكن قال: إن فلاناً قد كان ظلمني وغصبني الجارية، فأخذتها منه، فلا ينبغي له أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأنه قد ثبت له المنازعة بإقراره؛ لأنه قد أقر أن صاحب اليد غصبها منه، والغاصب منازع للمالك ما لم يرجع عن غصبه بخلاف الفصل الأول؛ لأن ثمة لم يقر بالمنازع؛ لأنه أقر بالوديعة، والمودع لا ينازع المالك في الوديعة؛ لأنه أخذها للحفظ للمالك لا لنفسه.
وإن كان قال: إنه قد ظلمني وغصبني، ثم إنه رجع عن غصبه، وأقر بها لي ودفعها لي، فإن كان ثقة، فلا بأس بأن يشتري منه؛ لأن في هذه الصورة ما أقر بالمنازع، فإنه قال: رجع عن غصبه، وأقر بها لي ودفعها إليَّ، والغاصب بعدما رجع عن الغصب، ودفع المغصوب إلى المغصوب منه لا يبقى منازعاً للمغصوب منه، فلم تثبت المنازع ههنا لا من حيث الحقيقة ولا بإقراره، وقول العدل في المعاملات حجة إذا لم ينازعه فيه أحد، وإن كان الرجل فاسقاً تحرى في ذلك لما قلنا في الفصل الأول.
وإن كان قال: لم يقر بها لي، ولكن خاصمته إلى القاضي، فقامت عليه بينة، فقضى القاضي عليه بذلك، أو استحلفته فنكل، فقضي عليه بهذا، فهذا والأول سواء، وإن كان عدلاً يشتري منه، وإن كان فاسقاً يتحرى؛ لأنه ما أقر بالمنازع ههنا لما قال قضى القاضي بالجارية لي؛ لأن الغاصب لا يبقى منازعاً بعد القضاء ما لم يجحد القضاء، ولم يذكر أنه جحد القضاء.
وكذلك إذا قال: قضى القاضي لي بالجارية، وأمرني فأخذتها من منزله، أو قال: قضى القاضي بالجارية لي، وأخذها منه ودفعها إليَّ، فلا بأس بأن يشتريها منه إذا كان عدلاً؛ لأنه لم يقر بالمنازع، وإن قال: قضى بها القاضي لي فجحد لي قضاءه، فأخذتها منه، فلا ينبغي له أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأنه أقر بالمنازع لما أقر أنه جحد القضاء، فالجاحد يكون منازعاً لا محالة.
قال محمد ﵀ في «الكتاب» : وهذا بمنزلة ما لو قال الذي في يديه الجارية: اشتريتها من فلان الذي كان يدعيها، ونقدته الثمن، وأخذتها، فإنه حل له الشراء منه إذا كان عدلاً؛ لأنه لا يقر بالمنازع، وإن قال: جحد لي الشراء؛ لا ينبغي أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأنه أقر بالمنازع ههنا.
قال محمد ﵀ في «الكتاب» أيضاً: وهذا بمنزلة ما لو قال: اشتريتها من فلان، وقبضتها بأمره، ونقدته الثمن، وهو عدل ثقة، فقال له رجل آخر: إن فلاناً جحد هذا الشراء، وزعم أنه لم يبع شيئاً منه، وهذا الثاني عدل ثقة عنده، لا ينبغي له أن يشتريها منه؛ لأنه قد ثبت المنازع بقول الثاني لما كان عدلاً لا فرق بين مسألة
стр. 1928
الاستشهاد، وبينما إذا أخبره واحد بنجاسة الماء، وأخبره واحد بطهارة الماء، وهما عدلان، فإن هناك يتحرى وتثبت المعارضة بين الخبرين حتى أمر بالتحري.
وكذلك إذا أخبر أحدهما أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي، وأخبر الآخر أنه ذبيحة المسلم، وهما عدلان، فإنه يتحرى وتثبت المعارضة بين الخبرين، وفي مسألة الاستشهاد، وما أثبت المعارضة بين الخبرين؛ بل قال: يأخذ بقول الثاني.
والفرق: وهو أن التحري إنما يجب حال مساواة الخبرين، وفي مسألة الاستشهاد لا مساواة؛ لأن الخارج فيما أخبر اعتمد دليلاً حادثاً يعرف من حيث الحقيقة والعيان، وهو جحود البائع، وذو اليد فيما أخبر من الشراء، وإقرار البائع بذلك لم يعتمد دليلاً جارياً على عدم الجحود، وإنما اعتمد استصحاب الحال، وهو إقراره بالشراء، وإقراره بالشراء لا يوجب عدم الجحود؛ بل عدم الجحود يكون ثابتاً باستصحاب الحال؛ لأن الأصل هو العدم، وقد ذكرنا أنه لا مساواة بين خبرين أحدهما ثابت بالدليل الحادث، والآخر ثابت بناءً على استصحاب الحال كما في الجرح مع التعديل، فأما في طهارة الماء ونجاسته تتحقق المساواة بين الخبرين؛ لأنه يمكن بناء كل واحد منهما على دليل يوجب العلم بما أخبر خبر النجاسة على معاينة وقوع النجاسة، وخبر الطهارة على معاينة اغتراف الماء من نهر عظيم يكون طاهراً واستصحاب الماء مع نفسه إلى وقت الخبر، وكذلك المخبر عن ذبيحة المسلم، وعن ذبيحة المجوسي؛ لأن كل واحد من الذبيحتين مما يشاهد ويعاين، فيكون كل واحد من الخبرين بناءً على دليل يوجب ما قال لا بناءً على عدم الدليل فاستويا، وعند استواء الخبرين يجب التحري، وإن كان المخبر عن الجحود فاسقاً قال: يتحرى في خبره.
فرق بين هذا وبينما إذا أخبره رجل بطهارة الماء، وأخبر آخر بنجاسة الماء وأحدهما فاسق، فإنه يأخذ بقول العدل، وههنا لم يقل: إنه يأخذ بقول العدل؛ بل قال يتحرى.
وجه الفرق: أن في مسألتنا الخبرين قد استويا، فإن كان المخبر عن الجحود فاسقاً، وصاحب اليد عدلاً؛ لأن خبر كل واحد منهما حجة من وجه دون وجه، أما خبر صاحب اليد فلأنه اعتمد استصحاب الحال، واستصحاب الحال حجة من وجه دون وجه، فإنه حجة في الدفع لا في إثبات الاستحقاق.
وخبر الفاسق حجة من وجه دون وجه أيضاً، لاحتمال الصدق والكذب في خبره احتمالاً على السواء، ولما استويا وجب التحري، فأما في نجاسة الماء وطهارته، فخبر الفاسق لا يساوي خبر العدل؛ لأن خبرهما وإن استويا من حيث إن كل واحد منهما حصل من دليل حادث؛ إلا أن لخبر العدل رجحاناً من وجه آخر من حيث إنه حجة من كل وجه لرجحان الصدق في خبره، وخبر الفاسق حجة من وجه دون وجه لاحتمال الصدق والكذب في خبره احتمالاً على السواء، وإن كانا جميعاً فاسقين، فإن صدق القائل الثاني بقوله وعلى ذلك أكثر رأيه لم يقبل من ذلك شيئاً، فقد أمر بالتحري متى كانا
стр. 1929
فاسقين، ويجب أن لا يتحرى؛ لأن (خبر) صاحب اليد لا يساوي خبر الخارج إذا كانا فاسقين؛ لأنهما في الفسق على السواء، والخارج يخبر عن دليل حادث، وذو اليد يخبر عن عدم الدليل، فيترجح خبر الخارج؛ كما لو كانا عدلين، والجواب قد ترجح خبر الخارج على خبر ذي اليد بالطريق الذي (٧٩ب٢) قلتم، فلا جرم يسقط اعتبار خبر ذي اليد بمقابلة خبر الخارج، ويلتحق بالعدم، إلا أن الخارج فاسق، وقد أخبر بما يوجب كراهة الشراء فيجب التحري، كما لو أخبر فاسق بنجاسة الماء.
وإذا كانت الجارية في يدي رجل يدعي أنه اشتراها من فلان وهو ثقة مسلم، وسع للذي يسمع مقالته أن يشتريها؛ وهذا لأن الإقرار بالشراء إقرار بالملك للبائع دلالة، ولو أقر بالملك للبائع صريحاً، ثم ادعى الانتقال إلى نفسه جاز الشراء منه إذا كان ثقة، وإن كان فاسقاً يتحرى، فههنا كذلك.
وكذلك إذا لم تكن الجارية في يده؛ ولكنها كانت في منزل مولاها، فقال: إن فلاناً أمرني ببيعها، ودفعها إلى من اشتراها وهو ثقة، فلا بأس بشرائها منه، والقبض من منزل مولاها من الذي باعها (بأمر مولاها) أو بغير أمره؛ لأن هذا عدل أخبر بما هو من جملة المعاملات، ولم ينازعه في ذلك أحد، فيقبل قوله.
وإن كان هذا الذي (في يديه الجارية) فاسقاً يجب التحري، فإن تحرى ووقع في قلبه أنه صادق، فاشتراها وقبضها، ثم وقع تحريه على أنه كاذب فيما قال، فإنه يعتزل عن وطئها حتى يسأل مولاها، أو يخبره بذلك عدل؛ وهذا لأنه إنما اشتراها بغالب الرأي، والعامل بغالب الرأي إذا تحول رأيه إلى شيء آخر يلزمه العمل برأيه الثاني في المستقبل لا في الماضي، فلهذا قال: يعتزل عن وطئها.
ثم قال محمد ﵀: وهكذا أمر الناس ما لم يجىء التجاحد والتشاجر من الذي كان يملك، فأما إذا جاءت المشاجرة والإنكار من المالك لا يبقى خبر المخبر حجة؛ سواء كان المالك فاسقاً أو عدلاً؛ وهذا لأن قول الواحد إنما جعل حجة في إباحة المعاملات مع الناس للضرورة بخلاف القياس، ففيما وراء إباحة المعاملة من إبطال ملك الغير بغير رضاه؛ لا ضرورة فيه لإباحة المعاملات؛ لأن كل موكل لا ينكر الوكالة، وإذا لم يبق قوله حجة حال منازعة الملك لم يثبت الانتقال إليه ولا الوكالة، فكان بائعاً مال الغير بغير إذنه، فكان للمالك أن يأخذها من المشتري، ويضمن المشتري لمولى الجارية عقر الجارية إن كان قد وطىء الجارية؛ لأنه وطىء ملك الغير، وقد سقط الحد لمكان الشبهة، فيجب العقر.
ولو شهد شاهدان عدلان عند البيع أن مولاها قد أمر البائع ببيعها، فاشتراها بقولهما، ونقد الثمن وقبضهما، وحضر مولاها، فأنكر الوكالة؛ كان المشتري في سعة من إمساكها؛ لأنهما لو شهدا بذلك عند القاضي؛ أطلق القاضي للمشتري إمساكها، فكذا إذا شهدا به عند المشتري يحل للمشتري إمساكها بخلاف ما لو كان المخبر واحداً؛ لأن الواحد لو شهد بذلك عند القاضي والمالك منكر، فالقاضي لا يطلق للمشتري الإمساك،
стр. 1930
فكذا إذا شهد الواحد بذلك عند المشتري لايسع المشتري إمساكه إذا أنكر المالك الوكالة.
قال: إلا أن يكون خاصمه عند القاضي، وقضى القاضي بالملك للمالك، فإن استحلف المالك على الوكالة فحلف، فإنه لا يسعه إمساكها ما لم يجدد الشاهدان الشهادة على الوكالة بين يدي القاضي حتى يقضي القاضي بالوكالة، وإنما لا يسع للمشتري إمساكها قبل تجديد الشاهدين الشهادة لما أشار محمد ﵀ في «الكتاب» : أن القضاء أنفذ من الشهادة.
ومعنى هذا الكلام: أنه يجمع ما يبيح الإمساك وهو الشهادة، وما يحرم الإمساك وهو قضاء القاضي بالملك للمالك، والرجحان لدليل الحظر وهو القضاء؛ لأن القضاء صدر عن حجة، وهو إقرار المشتري بالملك للموكل، والوكالة بالبيع لم تثبت عند المشتري بما هو حجة؛ لأن الشهادة لا تكون حجة ما لم يتصل بها القضاء، فكان العمل بالقضاء أولى من العمل بالشهادة، فإذا جدد الشاهدان الشهادة على الوكالة عند القاضي؛ وقضى القاضي بالوكالة فحينئذٍ يحل للمشتري إمساكها؛ لأن الوكالة ثبتت بما هو حجة، فصار كالثابت معاينة.
نوع آخر في العمل بخبر الواحد بارتداد أحد الزوجين وبالرضاع والطلاق والموت وفساد النكاح
قال محمد ﵀: ولو أن رجلاً تزوج امرأة، فلم يدخل بها حتى غاب عنها، فأخبره مخبر أنها قد ارتدت عن الإسلام * والعياذ بالله، فإن كان المخبر بذلك عدلاً وسعه أن يصدقه، وأن يتزوج بأختها، أو أربع سواها، وإن كان فاسقاً تحرى في ذلك؛ هكذا ذكر المسألة في كتاب الاستحسان.
وذكر في «السير الكبير» : أنه لا يسعه أن يتزوج بأختها أو أربع سواها ما لم يشهد عنده رجلان، أو رجل وامرأتان. وجه ما ذكر في «السير» : أن قول الواحد العدل في إباحة المعاملات إنما يكون حجة إذا لم ينازع في خبره، وقد أقر بالمنازع حين أخبر عن ردتها؛ لأن الظاهر أن المرأة لا ترتد؛ لأنها قد أقرت ببطلانها حين أقرت بالإسلام، فكان الظاهر منها إنكار الردة، والأحكام مبنية على الظاهر، فكان بمنزلة ما لو كانت حاضرة، وأنكرت الردة حقيقة.
وجه ما ذكر في الاستحسان: أنه لا منازع لهذا المخبر فيما أخبر من حيث الحقيقة وهذا ظاهر، ولم يثبت المنازع بإقراره؛ لأن إنكارها الردة وإن كان ثابتاً من حيث الظاهر إلا أن المخبر رجع عن هذا الإنكار، وأقر بردتها، فهو بمنزلة ما لو قال ذو اليد: هذا الشيء ملكي لكن قد كان غصبه فلان، ثم رجع عن ظلمه ودفعها إليَّ، وهناك يصدق ذو اليد في إخباره كذا ههنا.
стр. 1931
ذكر شيخ الإسلام ﵀ في شرح كتاب «الاستحسان» اختلاف الروايتين في ردة المرأة، ولم يذكر ردة الرجل، ذكر شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الاستحسان اختلاف الروايتين في ردة الرجل، وذكر أن ردة الرجل لا تثبت عند المرأة إلا بشهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين على رواية «السير» ، وردة المرأة تثبت عند الزوج بخبر الواحد باتفاق الروايات.
قال شمس الأئمة الحلواني: والصحيح في المسألتين روايتان؛ على رواية «السير» : لا تثبت ردة المرأة عند الزوج، ولاردة الزوج عند المرأة إلا بشهادة رجلين، أو شهادة رجل وامرأتين، ثم فرق على رواية كتاب الاستحسان بين هذا وبينما إذا قال للزوج: تزوجتها يوم تزوجتها وهي مرتدة، فإنه لا يسعه أن يأخذ بقوله وإن كان عدلاً، ومتى أخبر عن ردتها بعد النكاح وسعه أن يصدقه فيما قال، ويتزوج بأختها، أو أربع سواها إذا كان عدلاً (٨٠أ٢) .
والفرق: وهو أنه متى أقر بردة مقارنة للنكاح، فقد أقر بالمنازع فيما أخبر؛ لأن إقدامها على النكاح إنكار منها لا يمنع صحة النكاح دلالة، والردة تمنع صحة النكاح، وإذا ثبت إنكارها صار مقراً بالمنازع، فلا يبقى خبره حجة بخلاف ما لو أخبر عن ردةٍ جاريةٍ بعد صحة النكاح؛ لأنه لم يقر بالمنازع؛ لأن إقدام المرأة على النكاح لا يكون إنكاراً لما يقطع النكاح في المستقبل، فلم يجعل مقراً بالمنازع، ولا كذلك الإقرار بردة مقارنة.
وكذلك لو أن رجلاً تزوج جارية رضيعة ثم غاب عنها، فأتاه رجل فأخبره أن أمه أو ابنته أو أخته أرضعت امرأته الصغيرة، فإن كان المخبر عدلاً وسعه أن يصدقه، ويتزوج بأختها أو أربع سواها، وإن كان فاسقاً يتحرى في ذلك لما ذكرنا. قال شيخ الإسلام: فعلى رواية «السير» يحتاج إلى الفرق بين الرضاع وبين الردة.
وإن لم يقل هكذا ولكنه قال: كنت تزوجتها وهي أختك من الرضاعة، فإنه لا يسعه أن يتزوج أختها ولا أربعاً سواها، وإن كان المخبر عدلاً؛ لأنه أقر بالمنازع؛ لأن إقدامها على النكاح إنكار منها للرضاع، فقد ثبت المنازع بإقراره، فيعتبر بما لو كان ثابتاً حقيقة بأن كانت المرأة حاضرة، وأنكرت الرضاع؛ بخلاف ما إذا أخبر برضاع طارىء؛ لأن هناك لم يثبت المنازع بإقراره على نحو ما بينا في فصل الردة، أو نقول: أخبر بفساد العقد الذي باشره غيره، وقول الواحد في باب المعاملات إذا كان فيه فساد عقد باشره الغير لا يعقل؛ لأن ذلك الغير ينازعه في فساد العقد؛ لأن الجواز أصل في العقود.
وإذا غاب الرجل عن امرأة، فأتاها مسلم عدل، وأخبرها أن زوجها طلقها ثلاثاً أو مات عنها، فلها أن تعتد وتتزوج بزوج آخر؛ لأنه أخبر عن إباحة معاملة، ولم يقر بالمنازع، فثبتت الإباحة. وإن كان المخبر فاسقاً تتحرى.
وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا شهد شاهدان عند المرأة بالطلاق، فإن كان الزوج غائباً وسعها أن تعتد وتتزوج بزوج آخر، وإن كان حاضراً ليس لها ذلك، ولكن ليس لها
стр. 1932
أن تمكن زوجها (من نفسها) ؛ وهذا لأن المشهود قبل القضاء ثابت من وجه دون وجه، فمن حيث إنه ثابت لا تقيم مع الزوج، ومن حيث إنه ليس بثابت لا يسعها التزوج بزوج آخر، أكثر ما فيه أنها تبقى معلقة مظلومة، ولكن يمكنها دفع الظلم عن نفسها إذا كان الزوج حاضراً بأن تأمر الشاهدين حتى يشهدا عند القاضي، فيقضي القاضي بالفرقة بينهما؛ بخلاف ما إذا كان الزوج غائباً؛ لأن هناك لا يمكنها دفع الظلم عن نفسها بالمرافعة إلى القاضي، فتعين القول بحل تزوج آخر.
وكذلك إن سمعته أنه طلقها، وجحد الزوج ذلك وحلف، فردها القاضي لم يسعها المقام معه، وينبغي لها أن تفتدي بمالها أو تهرب منه، وإن لم تقدر على ذلك قتلته، وقد ذكرنا هذا الفصل، وما فيه من اختلاف المشايخ في آخر كتاب النكاح.
قال في كتاب «الاستحسان» : وإذا هربت منه لم يسعها أن تعتد، وتتزوج بزوج آخر؛ قال شمس الأئمة السرخسي: ما ذكر أنها إذا هربت ليس لها أن تعتد، وتتزوج بزوج آخر جواب القضاء، أما فيما بينها وبين ربها فلها أن تتزوج بعدما اعتدت، ثم إذا أخبرها عدل مسلم أنه مات زوجها إنما تعتمد على خبره إذا قال: عاينه ميتاً، وقال: شهدت جنازته، أما إذا قال: أخبرني مخبر؛ لا يعتمد على خبره.
وإن أخبر واحد بموته، ورجلان آخران أخبرا بحياته، فإن كان الذي أخبرها بموته قال: عاينته ميتاً، أو شهدت جنازته حل لها أن تتزوج، وإن كان اللذان أخبراها بحياته........ لاحقاً فقولهما أولى.
في «فتاوى الفضلي» : ولو شهد اثنان بموته أو قتله، وشهد آخران أنه حي، فشهادة الموت أولى، وجنس هذا في آخر باب الشهادة من «وصايا عصام» .
ولو أن امرأة قالت لرجل: إن زوجي طلقني ثلاثاً، وانقضت عدتي، فإن كانت عدلة وسعه أن يتزوجها، وإن كانت فاسقة تحرى، وعمل ما وقع تحريه عليه. ولو أخبرت أن أصل نكاحها كان فاسداً، أو أن زوجها أخوها من الرضاعة، فإنه لا يسعه أن يتزوجها، وإن كانت عدلة.
قال محمد ﵀: وإنما هذه بمنزلة رجل في يديه جارية يدعي رقبتها، وهي تقر له بالملك، فوجدها في يدي رجلٍ، رجلٌ قد علم بحالها، فأراد شراءها، فسأله عنها، فقال: الجارية جاريتي، وقد كان الذي كانت في يديه كاذباً فيما ادعى من ملكها؛ لا ينبغي لهذا الرجل أن يشتريها منه وإن كان عدلاً؛ لأن هذا الرجل عرف للمخبر منازعاً فيما أخبر؛ لأنه سمع من الذي كانت في يديه أنه كان يدعيها لنفسه، فيكون منكراً الملك للثاني، فقد ثبت له المنازع فيما أخبر عند المريد للشراء، فلا ينبغي له أن يشتريها، ولو قال: كنت اشتريتها منه، وسعه أن يشتريها منه؛ لأن دعواه ملك الجارية لا يكون إنكاراً لما يقطع ملكه في المستقبل، فلم يثبت له المنازع فيما أخبر.
стр. 1933
وكذلك جارية في يدي رجل تدعي أنها جاريته، وهي صغيرة لا تعبر عن نفسها بجحود ولا إقرار فكبرت، فلقيها رجل.. في بلد آخر، فأراد أن يتزوجها، فقالت له: أنا حرة الأصل، ولم أكن أمة للذي كنت في يديه؛ لا يسعه أن يتزوجها؛ لأنه ثبت المنازع عند المريد للتزوج، فإنه سمع الذي كانت في يديه يدعي ملك رقبتها لنفسه، ولو قالت: كنت أمة للذي كنت في يديه فأعتقني، وسعه أن يتزوجها إن كانت عدلة.
ولو أن حرة تزوجت رجلاً، ثم أتت غيره وقالت: إن نكاحها الأول كان فاسداً لما أن الزوج كان على غير الإسلام لا ينبغي لهذا الرجل أن يصدقها وأن يتزوجها. ولو قالت: إنه طلقني بعد ذلك، أو قالت: ارتد عن الإسلام، فبنت منه؛ وسعه أن يصدقها وأن يتزوجها إذا كانت عدلة. قال: وكذلك لو أقرت بعد النكاح أنه كان مرتداً؛ وسع السامع أن يتزوجها إذا كانت عدلة.
اعلم بأنه اختلفت الروايات في هذا الفصل؛ ذكر في بعض الروايات لو أقر بعد النكاح أنه كان مرتداً وقت النكاح يعني أقر الزوج بعد النكاح أنه كان مرتداً وقت النكاح، وهكذا (٨٠ب٢) أثبت الحاكم الشهيد في «المختصر» ، وإن كان هذا من الزوج إقراراً بردة مقارنة للنكاح، والزوج غير مصدق في ذلك؛ إلا أن الزوج يملك قطع النكاح في المستقبل، والردة قاطعة للنكاح، فجعل هذا إقراراً منه بما يقطع النكاح؛ إلا أن يجعل إقراراً بما يقطع النكاح بعد الصحة؛ كأنه طلقها، ولهذا يجب للمرأة نصف المهر، فإذا جعل هذا إقراراً بالطلاق صار كأن الزوج قال: طلقتها بعدما تزوجها، وهناك يسع السامع أن يتزوجها كذا ههنا.
وقد وقع في بعض الروايات لو أقرت بعد النكاح، يعني أقرت المرأة بعد النكاح أن الزوج كان مرتداً، وتأويل هذه الرواية أن المرأة أقرت أن الزوج أقر أنه كان مرتداً يوم تزوجها؛ لأن الثابت من إقرار الزوج بإقرارها؛ كالثابت عياناً، ولو عاينّا إقرار الزوج أنه كان مرتداً وقت النكاح؛ يسع السامع أن يتزوجها.
والدليل على أن المراد هذا، فإن محمداً ﵀ ذكر قبل هذه المسألة إقرار المرأة بكون الزوج مرتداً وقت النكاح، وذكر ثمة أنه لا يسع السامع أن يتزوجها، فهذا يبين لك أن المراد من هذه المسألة ما قلنا.
ثم فرق بينما إذا أقر الزوج أنه كان مرتداً وقت النكاح، وبينما إذا أخبر أجنبي أن الزوج كان مرتداً وقت النكاح، فقال في فصل الأجنبي: لا يسع السامع أن يتزوجها، وفي الزوج قال: يسع السامع أن يتزوجها.
والفرق: أن الزوج إن كان لا يملك الإقرار بفسخ النكاح من الأصل يملك الإقرار بحرمة طارئة بعد النكاح، فيجعل إقراراً منه بحرمة طارئة، وغير الزوج لا يملك الإقرار بحرمة طارئة، فلا يمكننا أن نجعل هذا من غير الزوج إقراراً بحرمة طارئة، فيجعل إقراراً بفسخ النكاح من الأصل، وإنه غير مصدق في ذلك؛ لأنه إقرار بالمنازع.
стр. 1934
وفي «الجامع الصغير» : جارية لرجل قالت لرجل آخر: بعثني إليك مولاي هدية وسعه أن يأخذها بناءً على ما قلنا: إن إقرار الواحد العدل في باب المعاملات حجة؛ حراً كان أو عبداً.
الفصل الثاني في العمل بغالب الرأي
يجب أن تعلم بأن العمل بغالب الرأي جائز في باب الديانات وفي باب المعاملات، وقد ذكرنا ذلك في الفصل المتقدم، وكذلك العمل بغالب الرأي في الدماء جائز، حتى إن من دخل على رجل منزله شاهراً سيفه، ولا يدري صاحب المنزل ما حاله أهارب هو من اللصوص والتجأ إلى داره، أو لص دخل عليه ليأخذ ماله، ويقتله إن منعه، فإنه يتحرى في ذلك؛ لأنه استوى دليل الحظر، ودليل الإباحة؛ لأن الدخول قد يكون للالتجاء، وإنه يحرم التعرض له، وقد يكون لأخذ المال وقتل صاحب البيت إن منعه، وإنه يفيد إباحة التعرض له، فلابد من ترجيح أحد الدليلين على الآخر، وذلك بالتحري، فتحرى في ذلك، وعمل بتحريه، فإن وقع تحريه؛ أنه دخل منزله للالتجاء لا يقتل، وإن وقع تحريه أنه لص دخل منزله ليأخذ ماله ويقتله وخاف أنه إن زجره، أو صاح به أن يبادر فيقتله، فلا بأس بقتله.
وقالوا فيمن استقبل المسلمين جماعة في دار الحرب، فأشكل على المسلمين حالهم أنهم عدو أو مسلمون، فإنهم يتحرون؛ لأنه استوى دليل الحظر والإباحة؛ لأنه قد يكون في دار الحرب أهل الإسلام دخلوا فيها للتجارة، وقد يكون فيها أهل الحرب، فيتحرى.
وقد روى الفقيه أبو جعفر الهندواني، والحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵁ فيمن رأى رجلاً في داره شاهراً سيفه، فوقع في غالب رأيه أنه يريد ماله، فإنه يحل له قتله من غير أن يصيح، وإن كان يعلم أنه لا يريد نفسه، فهذه الرواية إشارة إلى أنه متى وقع تحريه على أنه قصد الشر إنه يباح قتله، ولا يلزمه التحري مرة أخرى ليعلم أنه هل يزجر بدون القتل أو لا يزجر، وأشار محمد ﵀ في كتاب الاستحسان إلى أن بعدما وقع في غالب رأيه أنه دخل للشر؛ أنه يتحرى ثانياً ليعلم أنه يزجر بدون القتل، أو لا يزجر؛ لأنه قال: وخاف إن زجره أو صاح به أن يبادر فيقتله حل له أن يقتله، فإنما أباح له القتل بشرط أن يعلم أنه يبادر بقتله متى صاح به وزجره.
وجه ما روي عن أبي حنيفة ﵁: أن قصد الشر قد تحقق منه، فمتى أمرناه بالتحري مرة أخرى ربما لا يمكنه دفع ما قصد من الشر، فيباح قتله.
وجه ما ذكره محمد ﵀: أن الشر واجب الدفع، فإذا أمكنه الدفع بما دون القتل لا يميل إلى القتل، ولكن بعدما ثبت الشر؛ الحالة محتملة بين أن يدفع الشر بقتل أو بما دونه فيتحرى.
стр. 1935
وسئل الفقيه أبو جعفر: عن رجل وجد رجلاً مع امرأته أيحل له قتله؟ قال: إن كان يعلم أنه يزجر عن الزنا بالصياح أو بالصرف بما دون السلاح، فإنه لا يقتله، ولا يقاتل معه بالسلاح، وإن علم أنه لا يزجر إلا بالقتل والمقاتلة معه بالسلاح؛ حل له القتل، فكأنه إنما أخذ هذا من قول محمد ﵀، فإن محمداً ﵀ أمره بالتحري مرة أخرى بعدما تحقق الشر بالتحري ليعلم أنه هل يزجر بما دون القتل، أو لا ينزجر، وقد مر بعض هذه المسائل في كتاب السرقة.
الفصل الثالث في الرجل رأى رجلاً يقتل أباه، وما يتصل به
قال محمد ﵀ في كتاب الاستحسان: وإذا رأى الرجل رجلاً يقتل أباه متعمداً، ثم أنكر القاتل أن يكون قتله، أو قال للابن في السر: إني قتلت أباك؛ لأنه قتل فلاناً عمداً، أو قال له: إن أباك ارتد عن الإسلام، فاستحللت قتله لذلك، ولم يعلم الابن شيئاً مما قال، كان الابن في سعة من قتله؛ لأن الوارث عاين السبب المبيح لقتله، وهو قتل الأب عمداً؛ إلا أن القاتل ينكر أو يدعي ما يسقطه، فلا يثبت ما ادعى من السقوط إلا بالبينة، وكان بمنزلة ما لو قال لغيره: أخذت مالك بإذنك، أكلت طعامك بإذنك، فإن دعوى الإذن لا تثبت بالبينة، وكذلك من عاين هذا القتل كان له أن يعين الابن على استيفاء القصاص؛ لأنه علم بوجوب هذا الحق للابن متى عاين قتل وليه، وكان عليه أن يعينه على استيفاء حقه كما في سائر الحقوق، (٨١أ٢) وكذلك إذا لم يعاين الابن القتل، ولكن أقر القاتل بين يديه بالقتل، ثم ادعى ما يسقط القتل؛ لأن الثابت بالإقرار كالثابت معاينة؛ لأن البيّنة منعه عن الإقرار؛ لأن الإنسان لا يقر على نفسه كاذباً بالقتل، فصار الثابت بالإقرار كالثابت معاينة من هذا الوجه، ولو عاين الابن القتل وسعه قتل القاتل؛ كذا ههنا.
فرق بين الإقرار وبين الشهادة، فإنه لو شهد عنده عدلان أن فلاناً قتل أباك عمداً، والابن عرفهما بالعدالة، لا يسع الابن قتله ما لم يشهدا بذلك عند القاضي، ويقضي القاضي بشهادتهما، وفي الإقرار بالقتل قال: وسعه أن يقتله.
والفرق بينهما: أن الشهادة إنما عرفت حجة بخلاف القياس؛ لأنها إقرار على الغير، والإنسان فيما يقر على غيره قد يكذب، فيجب أن لا يكون حجة كالإقرار؛ إلا أنا جعلناها حجة شرعاً؛ بخلاف القياس عند اتصال القضاء بها، فقبل اتصال القضاء لا تكون حجة أصلاً، فلا يثبت المشهود به قبل القضاء من كل وجه، وإنما يثبت من وجه دون وجه، وبدونه لا يحل الاستيفاء، فأما الإقرار فإنما صار حجة موافقاً للقياس؛ لانتفاء تهمة الكذب عنه؛ لأن الإنسان لا يقر على نفسه كاذباً خصوصاً بالقتل، فإذا انتفت التهمة عن الإقرار التحق الإقرار بالمعاينة.
стр. 1936
وفرق بين القتل وبين الطلاق في فصل الشهادة، فإنه إذا شهد شاهدان عند المرأة أن زوجها طلقها ثلاثاً؛ حل لها أن تعتد، وتتزوج بزوج آخر، فقد ألحق الشهادة قبل اتصال القضاء بها بالمعاينة، والإقرار في باب الطلاق، وما ألحقها بالمعاينة، والإقرار في باب القتل والمال، وإنما فعل كذلك؛ لأن في باب القتل دفع الشك في وجوب القصاص من وجهين:
أحدهما: من حيث تهمة الكذب وإن كان الشاهد عدلاً؛ لأنه غير معصوم عن الكذب، وباعتبار الكذب لا يكون المشهود به ثابتاً أصلاً.
والثاني: من حيث إن القتل قد يكون بحق فلا يوجب القصاص، وقد يكون بغير حق، فيوجب القصاص، فلابد من قضاء القاضي حتى تنتفي تهمة الكذب وشبهة الحقية عن القتل به شرعاً.
وكذلك بباب المال يمكن الشك في وجوب الضمان على المشهود عليه من وجهين من حيث تهمة الكذب، ومن حيث إن أخذ مال الغير وإتلافه قد لا يوجب الضمان بأن يكون ذلك بحق، وفي الإقرار الشبهة تمكنت من وجه واحد من حيث إن القتل قد يكون حقاً، وقد يكون غير حق، وإتلاف المال كذلك، أما ما تمكنت فيه الشبهة من حيث الكذب؛ لأن الإنسان لا يقر على نفسه كاذباً، وإذا كان تمكن الشبهة في الإقرار في هذين الفصلين من وجه واحد، وفي الشهادة من وجهين لا يمكن إلحاق الشهادة بالإقرار، وأما في فصل الطلاق تمكنت التهمة في ثبوت الحرمة من وجه، وهو تهمة الكذب، أما ما تمكنت الشبهة من حيث إن الطلاق بعد وقوعه قد يوجب الحرمة وقد لا يوجب، فإن الطلقات الثلاث توجب الحرمة على كل حال، فيمكن إلحاق الشهادة بالإقرار في فصل الطلاق وألحقاها به.
وإن عاين الابن رجلاً قتل أباه عمداً، أو كان الرجل مقراً بذلك سراً عند الابن، ثم شهد عند الابن شاهدان أن أباه قد كان قتل أب هذا الرجل القاتل عمداً، فقتله به، فإنه لا ينبغي للابن أن يقتله.
الأصل في هذا أن كل شهادة لو قامت عند القاضي بعدما ثبت القصاص عند القاضي؛ يقضي القاضي بسقوط القصاص، فإذا قامت عند القاضي، وقضى القاضي بها ثبتت حقيقة السقوط، فإذا لم يتصل بها القضاء، وقد تمت الحجة ثبتت شبهة السقوط إن لم تثبت حقيقة السقوط وإنها مانعة من الاستيفاء، وكل شهادة لو قامت عند القاضي بعدما ثبت القصاص عنده وسع القاضي أن يطلق ولي القصاص في الاستيفاء، وإن تأنى ولبث كان أفضل، فكذا إذا قامت عند الوارث كان الوارث في سعة من الاستيفاء، وإن تأنى ولبث فهو أفضل؛ لأن القتل مما لا يمكن تداركه وتلافيه متى وقع فيه الخطأ، فقد أثبت المشهود به شهادة شاهدين من وجه حتى قال: لا ينبغي للوارث أن يقتله.
وقد قال في كتاب الحدود: إذا شهد أربعة على رجل بالزنا، وهو محصن، والشهود عدول، فقتله رجل قبل القضاء عليه بالرجم كان على القاتل القصاص، ولم يثبت
стр. 1937
المشهود به قبل القضاء بوجه ما، وإنما كان كذلك؛ لأن المشهود به في باب الزنا الحد، والحد مما يدرأ بالشبهات، فلا يمكن إيجابها بوجه دون وجه مع الشبهات، والمشهود به ههنا سقوط القصاص، وإنه مما يثبت مع الشبهات، فإنه يثبت بشهادة رجل وامرأتين، فأمكننا الإثبات من وجه دون وجه.I
وكل جواب عرفته في القتل، فهو الجواب في المال في كل موضع يسع الابن استيفاء القصاص إذا عاين الابن القتل، أو أقر القاتل بين يديه، فكذا إذا عاين أخذ المال، أو أقر بين يديه بأخذ المال كان له استيفاء المال.
وفي كل موضع لا يكون للابن استيفاء القصاص بأن شهد عنده عدلان بالقتل، فكذا إذا شهد عنده عدلان بأخذ المال لا يكون له ولاية استيفاء المال، وكل من عاين مع الابن ذلك وسعه إعانة الابن إذا امتنع منه، وإن أبى ذلك على نفسه إذا كان في موضع لا يقدر فيه على السلطان يأخذ بحقه؛ لأنه يمنع ماله بغير حق، فيعتبر بما لو أراد أخذ ماله في الابتداء بغير حق، وهناك كان لصاحب الحق، فإن عاين ذلك المقاتلة معه كذا ههنا.
الفصل الرابع في الصلاة، والتسبيح، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء ورفع الصوت عند قراءة القرآن والذكر والدعاء
الزيادة على الثمان في صلاة الليل بتسليمة مكروهه، والزيادة على الأربع في صلاة النهار بتسليمة مكروهه؛ لأن السنة في صلاة الليل وردت إلى الثمان، وفي صلاة النهار (٨١ب٢) إلى الأربع، وما وردت بالزيادة، فيكره الزيادة لعدم ورود السنة.
السنة في ركعتي الفجر: أن يأتي بها الرجل في بيته، فإن لم يفعل فعند باب المسجد إذا كان الإمام يصلي في المسجد، وإن لم يمكنه ففي المسجد الداخل إذا كان الإمام في المسجد الخارج، وفي مسجد الخارج إذا كان الإمام في المسجد الداخل، وإن كان المسجد واحداً فخلف أسطوانة أو نحو ذلك، ويكره أن يصلي خلف الصفوف بلا حائل، وأشدها كراهة أن يصلي في الصف مخالطاً للقوم.
وأما السنن التي بعد الفرائض، فلا بأس بالإتيان بها في المسجد، والمكان الذي يصلي الفريضة، والأفضل أن يمشي خطوة أو خطوتين، والإمام يتأخر عن المكان الذي صلى الفريضة فيه لا محالة.
وفي «الجامع الأصغر» : إذا صلى الرجل المغرب في المسجد إن كان يخاف أنه لو رجع إلى بيته يشتغل بشيء (فالأفضل أن يصلي في المسجد) ، وإن كان لا يخاف، فالأفضل أن يصلي في بيته لقوله ﵇: «خير صلاة الرجل في المنزل إلا المكتوبة» وفي
стр. 1938
«شرح الآثار» للطحاوي: إن الركعتين بعد الظهر، والركعتين بعد المغرب يؤتى بهما في المسجد، وأما سواهما فلا ينبغي أن يؤتى بها في المسجد، وهذا قول البعض، وبعضهم قالوا: التطوع في المساجد حسن، وفي البيت أفضل، وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب «الصلاة» : أن من فرغ من الفريضة في المسجد في الظهر والمغرب والعشاء، فإن شاء صلى التطوع في المسجد، وإن شاء رجع، فتطوع في منزله.
قال محمد ﵀ في «الأصل» : وليس قبل العيدين صلاة، وإن شاء تطوع بعد الفراغ من الخطبة، قال القاضي الإمام أبو جعفر.....: كان شيخنا أبو بكر الرازي يقول: معنى قول أصحابنا: وليس قبل العيدين صلاة؛ ليس قبل العيدين صلاة مسنونة؛ لأن الصلاة قبلها مكروهة، وقد نص الكرخي على الكراهة في كتابه، فقال: ويكره إن حضر المصلي يوم العيد التنفل قبل الصلاة.
الصلاة على الجنازة في المسجد الذي تقام فيه الجماعة مكروهة، والأصل فيه ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له» ، وفي رواية: «لا أجر» ، وقد صح أن رسول الله ﷺ أوصى أن يصلى عليه في بيت عائشة ﵂ مع قرب المسجد، ولو لم تكن الصلاة على الجنازة في المسجد مكروهة ما أوصى بالصلاة في بيت عائشة ﵂؛ ولأن مساجد الجماعة أعدت لأداء المكتوبات، فلا يقام غيرها فيها، وجرى التوارث في الأمصار بإيجاد مكان على حدة لأداء صلاة الجنازة، وإنه دليل على كراهية أداء صلاة الجنازة في مسجد الجماعات، ولأن تنزيه المساجد عن التلوث واجب، وفي إدخال الميت في المسجد احتمال تلويث المسجد بأن يسيل من الميت شيء.
ثم هذه المسألة على أربعة أوجه؛ إن كانت الجنازة والإمام والقوم في المسجد فالصلاة مكروهة بالاتفاق.
وإن كان الإمام مع بعض القوم، والجنازة خارج المسجد وباقي القوم في المسجد؛ ذكر نجم الدين النسفي في «فتاويه» : أن الصلاة غير مكروهة بالاتفاق، وكثير من مشايخنا ذكروا في هذه الصورة اختلاف المشايخ؛ بعضهم قالوا: يكره، وإليه مال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، والشيخ الإمام الزاهد ركن الإسلام الصفار رحمهما الله، وحكي أن هذه الواقعة وقعت في زمن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، فجلس ولم يصل، وتابعه من كان معه في مسجد الأنباء، ثم زجر الناس على المنبر أشد الزجر، وقال: هذه بدعة، وكان هذا القائل يعتمد المعنى الأول في الوجه الأول. وبعض مشايخنا قالوا: لا تكره الصلاة في هذه الصورة، وكان هذا القائل اعتمد المعنى الثالث في الوجه الأول.
وإن كانت الجنازة وحدها خارج المسجد، والقوم مع الإمام في المسجد فمن اعتبر المعنى الأول يقول بالكراهية ههنا، ومن اعتبر المعنى الثالث لا يقول بالكراهية ههنا.
стр. 1939
وإن كانت الجنازة وحدها في المسجد والإمام والقوم خارج المسجد، فمن اعتمد المعنى الأول لا يقول بالكراهية ههنا، ومن اعتمد المعنى الثالث يقول بالكراهة ههنا.
ويكره للإنسان أن يدخل في الصلاة وبه غائط أو بول؛ لأنه عسى يشغله ذلك عن أفعال الصلاة، فإن دخل في الصلاة مع ذلك وشغله عن الصلاة قطعها؛ لأنه قطع بعذر، وإن مضى في صلاته جاز، وقد أساء؛ وسواء كان ذلك به قبل افتتاح الصلاة، أو حدث بعد افتتاح الصلاة، ففي الحالين جميعاً يقطع الصلاة إذا شغله ذلك عن بعض أفعال صلاته، وإن مضى على صلاته جاز، وقد أساء.
الصلاة في الحمام مكروهة: إذا كان هناك تماثيل، وإن لم يكن والموضع الذي يصلى فيه طاهر؛ اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: يكره، وأكثرهم على أنه لا يكره، وكثير من أئمة بخارى كانوا يفعلون ذلك، حكي عن الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد ﵀: أنه كان يصلي الفريضة في الحمام بالجماعة مع الخادم وغيره.
وأما الصلاة في موضع جلوس الحمامي فلا شك أن على قول من يقول بعدم الكراهة داخل الحمام لا يكره في موضع جلوس الحمامي، ومن قال بالكراهية داخل الحمام اختلفوا فيما بينهم في الكراهية في موضع جلوس الحمامي؛ وإنما اختلفوا لاختلافهم في علة الكراهية داخل الحمام.
(إذا) صلى وهو مشدود الوسط لا يكره، ذكره في «مجموع النوازل» . ويكره أن يصلي مواجهاً لإنسان؛ لأنه يصير كالمعظم له، ولا بأس بأن يصلي إلى ظهر رجل قاعد يحدث، ومعه قوم يتحدثون؛ لأن الكراهة في الفصل الأول لمعنى التعظيم، ولا تعظيم ههنا، ولأن الناس يصلون الفرائض بالجماعات صفاً صفاً، فتقع صلاة بعض القوم إلى ظهر من قبله، قالوا: وهذا إذا كان حديثهم لا يشوش عليه أمره، فأما إذا كان يشوش فهو مكروه، وعليه يحمل النهي الوارد في هذا الباب.
ولا بأس أن يصلي وبين يديه في القبلة مصحف معلق، أو سيف معلق إذ ليس فيه شبهة العبادة، فإن أحداً لا يعبد المصحف والسلاح، وقد صح أن (٨٢أ٢) رسول الله ﷺ صلى إلى عنزته، ولو كان فيه شبهة العبادة ما صلى إليها.
وتكره الصلاة إلى كانون أو تنور فيه (نار) تتوقد؛ لأنه تشبه بالمجوسي، ولا تكره الصلاة إلى قنديل أو سراج أو شمع إذ ليس فيه تشبه بالمجوس؛ لأنهم لا يعبدون إلا ناراً متوقداً. ثم من المشايخ من سوى بين أن يكون التنور مفتوح الرأس أو مخبوء، ومنهم من فرق بينهما.
وتكره الصلاة فوق الكعبة؛ قيل: في معنى الكراهة: إن الظهور على سطح الكعبة
стр. 1940
استخفاف بالكعبة؛ ألا ترى أنه يكره الظهور على سطح سائر المساجد، وسقوفها فما ظنك بالكعبة.
وفي «الجامع الصغير» : لو صلى على بساط وفيه تصاوير، ولم يقع سجوده على الصورة لا يكره، ولو وقع سجوده على الصورة يكره؛ لأنه إذا وقع سجوده على الصورة صار المصلي كالمتعبد للصورة، ولا كذلك ما إذا لم يقع سجوده على الصورة، وذكر هذه المسألة في «الأصل» وذكر الكراهية مطلقاً من غير فصل؛ لأن البساط الذي يصلي عليه معظم من بين سائر البسط، فيؤدي إلى تعظيم الصورة، وإذا كانت التصاوير على السقف أو فوق رأس المصلي، أو بين يديه، أو بحذائه على الحائط، أو على الستر أو على الوسادة، والوسادة قائمة أو معلقة يكره، وإن كان التمثال مقطوع الرأس، فليس بتمثال.
يجب أن يعلم بأن الصورة نوعان؛ صورة جماد كالشجر ونحوه، وصورة حيوان، فصورة الجماد لا يكره اتخاذها والصلاة إليها صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأن الصلاة إلى مثل هذه الصورة لا تشبه التعبد؛ لأن مثل هذه لا تعبد.
وصورة الحيوان إن كانت صغيرة بحيث لا تبدو للناظر من بعيد لا يكره اتخاذها والصلاة إليها؛ لأن هذا مما لا يعبد، وقد صح أنه كان على خاتم أبي هريرة ﵁ ذبابتان، وكان على خاتم أبي موسى الأشعري كركيان، وكان على خاتم دانيال صلوات الله عليه صورة الأسد، وإن كانت الصورة كبيرة بحيث تبدو للناظر من بعد؛ يكره إمساكها والصلاة إليها؛ لأن إمساك الصورة تشبه بمن يعبد الصنم، والصلاة إليها يشبه تعظيمها وعبادتها فتكره، إلا إذا كانت مقطوعة الرأس، فحينئذٍ لا تكره؛ لأن بدون الرأس لا تعبد، وتفيسر قطع الرأس في هذا الباب أن يمحي رأس الصورة بخيط يخاط عليها، بحيث لا يبقي للأصل أثراً أصلاً، أو يطلي على رأسه شيئاً بحيث لا يبقي للرأس أثراً أصلاً.
وأما إذا خيط ما بين الرأس والجسد، فلا عبرة له، ولا تخرج الصورة به من أن تكون صورة؛ لأنه يصير شبه الطوق، ومن الطيور ما هو مطوق، فلا يخرج به من أن يكون صورة، واختلف المشايخ في رأس الصورة بلا جثة أنه هل يكره اتخاذه والصلاة عنده؟.
ثم الكراهة في الصورة في حق المصلي على التفاوت بعضها فوق بعض، فأشدها كراهة ما يكون على القبلة أمام المصلي، ودونه في الكراهة ما يكون فوق رأس المصلي، ودونه ما يكون خلفه على الحائط، أو على الستر أو على الوسادة، واتخاذ الصورة في البيوت.
والنبات في غير حالة الصلاة على نوعين؛ نوع يرجع إلى تعظيمها فيكره، ونوع يرجع إلى تحقيرها فلا يكره، وعن هذا قلنا: إذا كانت الصورة على البساط مفروشاً لا يكره، وإذا كان البساط منصوباً يكره، وقلنا في حق المصلي على البساط الذي فيه صورة؛ إن كانت الصورة في موضع القدم لا تكره، وإن كانت في موضع السجود تكره.
стр. 1941
مع هذا إذا صلى في هذه الوجوه لا يحكم بفساد صلاته لاستجماع شرائطها وأركانها، ولكن ينبغي أن يقال: تجب بالإعادة على غير وجه الكراهة، وكذلك الحكم في كل صلاة أديت مع الكراهة؛ هكذا ذكره القاضي الإمام صدر الإسلام ﵀، وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ نحو ما ذكره صدر الإسلام في مسألة أخرى.
وصورتها: إذا صلى خلف إمام يلحن في القراءة؛ ينبغي أن يعيد الصلاة، وكان يروى ذلك عن عمر ﵁، وكثير من هذا النوع مذكور في كتاب الصلاة، وكان يروى: أنه لو صلى مكشوف الرأس، وهو يجد ما يستر به الرأس؛ إن كان تهاوناً بالصلاة يكره؛ وللتضرع يستحب.
مسائل التسبيح
رجل ذكر الله تعالى في مجلس الفسق، فإن كان من نيته أن الفساق يشتغلون بالفسق، وأنا أشتغل بالتسبيح، فهو أحسن وأفضل؛ كمن سبح الله تعالى في السوق، فكان من نيته أن الناس يشتغلون بأمر الدنيا، وأنا أسبح الله تعالى في مثل هذا الموضع؛ كان أفضل من أن يسبح الله تعالى وحده في السوق، وإن سبح على وجه الاعتبار كان حسناً، ويؤجر على ذلك أيضاً؛ أما إذا سبح على أنه يعمل عمل الفسق يأثم؛ كمن جاء إلى آخر يشتري منه ثوباً، فلما فتح التاجر الثوب سبح الله تعالى، أو صلى على النبي ﵇؛ أراد به إعلام المشتري جودة توبه وذلك مكروه، فهذا كذلك.
حارس يقول: لا إله إلا الله، أو قال فقاعي عند فتح الفقاع: لا إله إلا الله، أو قال: صلى الله على محمد يأثم؛ لأنه يأخذ لذلك ثمناً بخلاف العالم إذا قال في مجلس العلم: صلوا على النبي، أو قال الغازي للقوم: كبروا، حيث يثاب.
رجل يسمع اسم الله تعالى يجب عليه أن يعظمه، ويقول: سبحان الله، أو تبارك الله؛ لأن تعظيم اسم الله واجب في كل زمان.
مسائل قراءة القرآن
قال محمد ﵀ في كتاب «العلل» : لا بأس بقراءة القرآن في الحمام، وهو قول أبي حنيفة ﵁، وكره النخعي قال مشايخنا: ولا خلاف في الحقيقة؛ لأن النخعي إنما كره ذلك إذا كان يرفع صوته بالقراءة؛ لأنه يقرأ القرآن عند قوم مشاغيل، فلا يسمعون له، فيكون استخفافاً بالقرآن، وعندنا يكره إذا كانت الحالة هذه، وعن هذا كره بعض مشايخنا التصدق على ... الذي يقرأ القرآن في السوق زجراً له عن ذلك؛ لأنه يقرأ عند قوم مشاغيل، فكره التصدق عليه زجراً وتأديباً له، والتسبيح والتحميد نظير القراءة، ورأيت في «فوائد الفقيه أبي جعفر» : أن قراءة القرآن في الحمام، أو في
стр. 1942
المغتسل، أو في موضع ينصب فيه الماء الذي غسل به النجاسة مكروه؛ سواء كان خفية أو جهراً؛ لأن هذا يؤدي إلى الاستخفاف بالقرآن؛ أما إذا قرأ القرآن خارج الحمام في موضع ليس فيه غسالة الناس؛ نحو مجلس صاحب الحمام أو الثيابي فقد اختلف علماؤنا فيه قال أبو حنيفة: لا يكره ذلك، وقال محمد: يكره، وليس عن أبي يوسف رواية (٨٢ب٢) منصوصة.
وفي «الواقعات» : لا يقرأ القرآن في المخرج والمغتسل والحمام إلا حرفاً حرفاً، وفي «النوازل» : أنه يكره حرفاً حرفاً، والأول أصح.
وفي «الفتاوى» : قراءة القرآن في القبور عند أبي حنيفة ﵁ تكره، وعند محمد لا تكره، قال الصدر الشهيد ﵀: ومشايخنا أخذوا بقول محمد، وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀: أن القراءة على المقابر إذا أخفى، ولم يجهر لا تكره، ولا بأس به، وإنما كره قراءة القرآن في المقبرة جهراً، وأما المخافتة، فلا بأس به وإن ختم، وقيل إن نوى أن يؤنسه بصوته يقرأ، وكان الفقيه أبو إسحاق الحافظ ﵀ حكى عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن إبراهيم أنه قال: لا بأس بأن يقرأ على المقابر سورة الملك؛ سواء أخفى أو جهر، وأما غيرها، فإنه لا يقرأ في المقابر، ولم يفرق بين الجهر والخفية؛ لأن الأثر فيه ورد، وحكي عن أبي بكر بن أبي سعيد أنه قال: يستحب عند زيارة القبر قراءة سورة الإخلاص: ﴿قل هو الله أحد﴾ (الإخلاص:١) سبع مرات، فإنه بلغني أنه من قرأها سبع مرات إن كان ذلك غير مغفور له يغفر له، وإن كان مغفوراً له غفر لهذا القارىء، ووهب ذنوبه من الميت.
ولا بأس بقراءة القرآن إذا وضع جنبه على الأرض لقوله تعالى: ﴿وعلى جنوبهم﴾ (آل عمران:١٩١) ، ولكن ينبغي أن يضم رجله عند القراءة، ويكره أن يتخذ شيئاً من القرآن حتماً لشيء من الصلاة؛ لا يتجاوز عنه إلى غيره؛ لكن هذا إذا اعتقد أن غيره لا يجوز، أما إذا عرف أنه يجوز لكن هذا أيسر علىه، وقرأ متبركاً بقراءة رسول الله ﵇، فلا بأس.
في كراهية «شرح الطحاوي» : قراءة القرآن من الأسباع جائزة، والقراءة من المصحف أحب؛ لأن الأسباع محدثة، والصحابة كانوا يقرؤون من المصاحف. رجل يقرأ القرآن كله في يوم واحد، ورجل آخر يقرأ سورة الإخلاص في يوم واحد خمسة آلاف مرة، فإن كان الرجل قارئاً فقراءة القرآن أفضل؛ لأنه جاء في الختم ما لم يجىء في غيره.
إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وأراد به قراءة القرآن يتعوذ قبله، وإن أراد به افتتاح القرآن كما يقرأ التلميذ على الأستاذ لا يتعوذ، فعلى هذا لا ينبغي للجنب أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم إذا أراد قراءة القرآن، وإن أراد به التسمية أو افتتاح القراءة لا بأس به.
عن محمد بن مقاتل فيمن أراد قراءة سورة أو قراءة آية، فعليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويتبع ذلك بسم الله الرحمن الرحيم، فإن استعاذ لسورة الأنفال وسمى،
стр. 1943
ومر في قراءته إلى سورة التوبة وقرأها كفاه ما تقدم من الاستعاذة والتسمية، ولا ينبغي له أن يخالف الذين ألفوا وكتبوا المصاحف التي في أيدي الناس، فإن اقتصر على ختم سورة الأنفال، فقطع القراءة، ثم أراد أن يبتدىء سورة التوبة كان كإرادته ابتداء قراءة آية من الأنفال، فيستعيذ ويسمي.
وكذلك سائر السور المعلمة في حالة الحيض تعلم الصبيان حرفاً حرفاً، أي: كلمة كلمة، ولا تعلمهم آية تامة؛ لأن الضرورة تندفع بالأول، والمسقط هي الضرورة. قراءة الفاتحة بعد المكتوبة لأجل المهمات مخافته أو جهراً مع الجمع مكروهة، وكذلك قراءة الكافرون مع الجمع مكروهة؛ لأنها بدعة لم ينقل عن الصحابة، وعن التابعين رضوان الله عليهم أجمعين. القارىء إذا سمع النداء، فالأفضل له أن يمسك ويستمع النداء.
القارىء إذا سمع اسم النبي ﷺ ؛ لا تجب عليه الصلاة؛ لأن قراءة القرآن على نظمه وتأليفه أفضل من الصلاة على النبي ﵇، فإذا فرغ من قراءته، إن صلى على النبي ﵇ فحسن، وإن لم يصلِّ فلا شيء عليه.
في «فتاوى أهل سمرقند» : ورأيت في «فوائد الفقيه أبي جعفر» : أن الرجل إذا كان يقرأ القرآن ويؤذن المؤذن؛ روي عن أبي حنيفة ﵁: أنه يرد جواب المؤذن بقلبه، وعن محمد: أنه يمضي على القراءة، ولا يلتفت إليه ولا يشغل قلبه، كما لا يشغل لسانه.
مسائل الدعاء
روي عن أبي حنيفة ﵁ أنه قال: يكره للرجل أن يقول في دعائه: اللهم إني أسألك بمقعد العز من عرشك يروى هذا اللفظ بروايتين: بمقعد العز من عرشك عن العقد، وبمقعد العز من عرشك من القعود، فبالرواية الثانية لا شك في الكراهة؛ لأنه وصف الله تعالى بما لا يليق به، وهو القعود والتمكن على العرش، وهو قول المجسمة. وأما في اللفظ الأول؛ فلأنه يوهم تعلق عزه بالعرش، وأن عزه حادث إذا تعلق بالحادث، والله تعالى متعالٍ عن صفة الحدث، وعن أبي يوسف أنه لا يكره؛ قال الفقيه أبو الليث ﵀: وبه نأخذ، فقد جاء في الحديث عن رسول الله ﵇ أنه كان يقول: «اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك، واسمك الأعظم وجدك الأعلى، وكلماتك التامة» .
ويكره أيضاً: أن يقول الرجل في دعائه: اللهم إني أسألك بحق أنبيائك ورسلك؛ لأنه لا حق لأحد من المخلوقين على الله تعالى. وفي «المنتقى» : عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. ويكره أن يقول: أدعوك بمقعد العز من
стр. 1944
عرشك قال ثمة: والدعاء المأذون فيه، والمأثور به ما استفيد من قوله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ (الأعراف: ١٠) ، وإنما كره بمقعد العز من عرشك؛ لأنه لا يدعوه به.
قال ثمة أيضاً: وقال أبو حنيفة ﵁: لا يصلي أحد على أحد إلا على النبي، وهو قول محمد ﵀، وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس به، وإن ذكر غير النبي على أثر النبي في الصلاة، فلا بأس به بلا خلاف، ويكره الدعاء عند ختم القرآن في شهر رمضان، وعند ختم القرآن بجماعة؛ لأن هذا لم ينقل عن النبي ﵇ وأصحابه؛ قال الفقيه أبو القاسم الصفار: لولا أن أهل هذه البلدة قالوا: إنه يمنعنا من الدعاء، وإلا لمنعتهم عنه.
المصلي لا يدعو بما يحضره من الدعاء، بل ينبغي أن يدعو في صلاته بدعاء محفوظ؛ لأنه يخاف أن يجري على لسانه ما يشبه كلام الناس، فتفسد به صلاته؛ أما في غير حالة الصلاة ينبغي أن يدعو بما يحضره، ولا يستظهر الدعاء؛ لأن حفظ الدعاء يذهب برقة القلب.
رجل يدعو وهو ساه، فإن كان دعاؤه على الرقة، فهو أفضل، وإن لم يمكنه أن يدعو إلا وهو ساه، فالدعاء له أفضل من تركه؛ (٨٣أ٢) لأن وسعه ذلك.
إذا دعى المذكر على المنبر دعاءً مأثوراً، والقوم يدعون معه كذلك، فإن كان ليعلم القوم فلا بأس، ولو لم يكن ليعلم القوم فهو مكروه؛ لأنه بدعة.
الكافر إذا دعا هل يجوز أن يقال يستجاب دعاؤه؟ ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» : فيه اختلاف المشايخ؛ بعضهم قالوا منهم أبو الحسن..... إنه لا يجوز؛ لأنه لا يدعو الله تعالى؛ لأنه لا يعرفه؛ وهذا لأنه وإن أقر به، إلا أنه لما وصفه بما لا يليق به فقد رفض إقراره، والذي روي في الحديث «أن دعوة المظلوم وإن كان كافراً تستجاب» ؛ معناه إن صح: كافر النعمة؛ لا كافر الديانة، هذا كقوله ﵇: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» معناه: كفر كفران النعمة؛ لا كفران الديانة، وبعضهم قالوا: منهم أبو القاسم الحكيم، وأبو نصر الدبوسي: يجوز، واستدلوا بقوله تعالى حكاية عن إبليس: ﴿قال رب أنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين﴾ (الأعراف:١٤ ١٥) وهذه إجابة، قال الصدر الشهيد: وهو الصحيح.٩
ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» عن الحسن ﵁: أن رسول الله ﷺ «كان يكره رفع الصوت عند قراءة القرآن وعند الجنائز» ، وعن قيس بن عباد،
стр. 1945
ويروي عبادة أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يكرهون رفع الصوت عند الجنائز والذكر، ففي حديث الحسن ذكر قراءة القرآن مقام الذكر، ولا تنافي بينهما، فاسم الذكر اسم عام يتناول الدعاء والتسبيح والتهليل، ويتناول الوعظ وقراءة القرآن فإن قراءة القرآن ذكر، بل هو أشرف الأذكار، قال الله تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ (العنكبوت:٤٥) قال ابن عباس أي: ولتلاوة القرآن أكبر.
فأما رفع الصوت عند الجنائز فيحمل: أن المراد منه النوح وتمزيق الثياب، وخشن الوجوه، وذلك مكروه، ويحتمل أن المراد منه: أن يقوم رجلُ، بعدما اجتمع القوم للصلاة، ويدعو للميت، ويرفع صوته، وذلك مكروه؛ لأن السنة في الأدعية الخفية، ويحتمل: أن المراد منه ما كان عليه أهل الجاهلية من الإفراط في مدح الميت عند جنازته حتى كانوا يذكرون ما هو سببه المحال، وأما رفع الصوت عند الذكر، فإن كان المراد من الذكر الدعاء، فإنما كره ذلك؛ لأن الأصل في الأدعية الخفية، ولأن فيه رياء، ولأجل هذا كره رفع الصوت بالتسبيح والتهليل.
وإن كان المراد منه الوعظ، فليس المراد رفع الواعظ صوته عند الوعظ، وإنما المراد رفع بعض القوم صوته بالتهليل والصلاة على النبي عند ذكره. وقد صح (أنه) قيل لابن مسعود ﵁: إن قوماً اجتمعوا في مسجد يهللون ويصلون على النبي ﵇، ويرفعون أصواتهم، فذهب إليهم ابن مسعود، وقال: ما عهدنا هذا على عهد رسول الله، وما أراكم إلا مبتدعين، فما زال يذكر ذلك حتى أخرجهم من المسجد.
وإن كان المراد قراءة القرآن، فإنما كره رفع الصوت بها؛ لأنه ينافي الخشوع، ولأن فيه رياءً، ولأن فيه منع غيره عن شغله، فإنه يلزمه الاستماع، وقيل: المراد منه المستمع؛ يعني أن المستمع إذا سمع آية فيها ذكر النار، فتعوذ بالله من النار، ورفع صوته، وذلك مكروه، أو القارىء ينقل ذلك، ويرفع بها صوته، وذلك مكروه لما ذكرنا أن السنة في الأدعية الخفية، ومن قال من المشايخ: إن ختم القرآن بالجماعة جهراً يسمى بالفارسية؛ «سي ياره خواندن» مكروه، تمسك بالحديث الذي رواه الحسن، ولما روى قيس عن أصحاب رسول الله ﵇؛ إن كان المراد من الذكر قراءة القرآن، والمعنى ما ذكرنا.
المسائل المتفرقات من هذا الفصل: إذا أراد أن يصلي أو يقرأ القرآن، ويخاف أن يدخل عليه الرياء؛ لا يترك القراءة والصلاة لأجل ذلك، وكذا في جميع الفرائض، ولو افتتح الصلاة يريد بها وجه الله، ثم دخل الرياء بعد ذلك في قلبه، فالصلاة على ما أسس؛ لأن التحرز عن هذا غير ممكن.
ولا بأس للجنب أن يكتب القرآن إذا كانت الصحيفة على الأرض، ولا يضع يده عليها. وقال محمد ﵀: أحب إلي أن لا يكتب إن كانت الصحيفة على الأرض، ولا يضع يده عليها، والآية وما دونها في تحريم الكتابة سواء على رواية محمد؛ لأن الكتابة بمنزلة القراءة، والآية وما دونها في تحريم القراءة سواء على رواية محمد، فكذا الكتابة.
стр. 1946
رجل تعلم بعض القرآن، ثم وجد فراغاً فتعلم باقي القرآن، أفضل من صلاة التطوع، وتعلم الفقه أفضل من تعلم باقي القرآن. الرجل إذا أمكنه أن يصلي بالليل، وينظر في النهار في العلم فعل ذلك، وإن لم يمكنه، فإن كان له ذهن يعقل الزيادة وتعلم، فالنظر في العلم أفضل، فقد جاء في الحديث عن النبي ﵇؛ قال: «مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة» .
المرأة إذا أرادت تعلم القرآن من الأعمى جاز، ولكن التعلم من المرأة أولى؛ لأن صوتها عورة.
قالوا: من أراد أن يقرأ القرآن ينبغي أن يكون على أحسن أحواله، يلبس أحسن ثيابه ويتعمم، ويستقبل القبلة، تعظيماً للقرآن، وكذا العالم يجب أن يعظم العلم.
وسئل شمس الأئمة الأوزجندي ﵀؛ أن الاشتغال بالدعاء بعد الفريضة أولى، أو الاشتغال بالسنة؟ قال: الاشتغال بالسنة.
رجل يصلي على الأرض، ويسجد على خرقة وضعها بين يديه يتقي به الحر لا بأس به، وقد روي أن أبا حنيفة ﵁ فعل ذلك، فمر به رجل فقال: يا شيخ لا تفعل مثل هذا فإنه مكروه، فقال أبو حنيفة: أفي مساجدكم حشيش قال: نعم، قال: أتجوز السجدة على الحشيش، ولا تجوز على الخرقة.
رجل أم قوماً وهم له كارهون؛ إن كانت الكراهية لفساد فيه، أو لأنهم أحق بالإمامة منه كره له أن يؤمهم، هكذا روى الحسن البصري عن أصحاب رسول الله ﵇، وإن كان هو أحق بالإمامة منهم ولا فساد فيه، مع هذا يكرهون إمامته لا يكره له أن يؤمهم.
الترجيع بقراءة القرآن هل يكره؟ تكلم المشايخ فيه قال بعضهم: لا بأس به لقوله ﵇: «زينوا القرآن بأصواتكم» ، وقال ﵇: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» ، وقال أكثرهم: هو مكروه، ولا يحل الاستماع إليه؛ لأن فيه تشبهاً بفعل الفسقة في حال فسقهم، ولهذا كره هذا النوع في الأذان.
رجل قرأ القرآن ويلحن في قراءته، فسمع إنسان إن علم أنه لو لقنه الصواب لا تدخل عليه الوحشة يلقنه.
قالوا: يجب على المولى أن يعلم مملوكه من القرآن قدر ما يحتاج إليه. إذا سال الدم من أنف إنسان، فكتب فاتحة الكتاب (٨٣ب٢) .
بالدم على أنفه، وجبهته جاز للاستشفاء والمعالجة، و (لو) أراد أن يكتب ذلك بالبول؛ لم ينقل ذلك عن
стр. 1947
المتقدمين، وقد قيل: لا بأس به إذا علم أن فيه شفاء؛ وهذا لأن الحرمة تسقط عند الاستشفاء على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وإذا أراد المصلي التعوذ، فالذي هو موافق للقرآن أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولو قال: أعوذ بالله العظيم، أعوذ بالله السميع العليم؛ لأنه يصير فاصلاً بين التعوذ، وبين القراءة، وينبغي أن تكون القراءة متصلة بالتعوذ.
الفصل الخامس في المسجد والقبلة والمصحف وما كتب فيه شيء من القرآن، نحو الدراهم والقرطاس، أو كتب فيه ذكر الله تعالى
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : ولا بأس بأن ينقش المسجد بالجص والساج وماء الذهب؛ قوله لا بأس يدل على (أن) المستحب غيره، وهو الصرف إلى الفقراء؛ إلا أنه إن فعل لا يأثم ولا يزجر عليه، ومن العلماء من قال: إن نقش المسجد قربة حسنة، ومن العلماء من قال: هو مكروه.
حجة من قال: إنه مكروه قوله ﵇: «من أشراط الساعة نقوش المساجد» ، وعن علي ﵁ أنه مر بمسجد مزخرف، فقال: لمن هذه البيعة. وعن عمر بن عبد العزيز أنه لما رأى مالاً ينقل إلى مسجد المدينة قال: المساكين أحوج إلى هذا من الأساطين.
وجه من قال إنه قربة، ما روي أن داود ﵇ بنى مسجد بيت المقدس، ثم سليمان صلوات الله عليه أتمه بعده وزينه حتى نصب الكبريت الأحمر على رأس القبة، وكان ذلك من أعز ما يوجد في ذلك الوقت، ولأن فيه ترغيب الناس في الاعتكاف والجماعة، وفيه تعظيم بيت الله تعالى.
والأصح على قول علمائنا ﵏ أنه ليس بقربة؛ إلا أنه لا يكره؛ أما ليس بقربة فإن مسجد رسول الله بالمدينة كان مسقفاً من جريدة النخل حيطانه من الحجر، فقيل لرسول الله: ألا نزيد لك، فقال: «لا بل عريش كعريش موسى صلوات الله عليه» ، وكان يكف إذا حل به المطر، قال أبو سعيد الخدري ﵁: رأيته يسجد في ماء وطين، فدل أنه ليس بقربه، إلا أنه لا بأس به لما روينا من الأحاديث، ولما روي أن عثمان ﵁ رفع بناء مسجد رسول الله ﵇، وزاد فيه وزينه، وفرش الحصا فيه على هداية القوم فدل أنه لا بأس به، وكره بعض مشايخنا القوس على المحراب وحائط القبلة؛ لأن ذلك يشغل قلب المصلي إذا نظر فيه، وروي أنه أهدي إلى رسول الله ﵇ ثوب معلم فصلى فيه، ثم نزعه فقال: «كان يشغلني علمه عن
стр. 1948
بعض صلاتي» ، وذكر الفقيه أبو جعفر في «شرح السير الكبير» : أن تنقيش الحيطان مكروه، قل ذلك أو كثر، وأما تنقيش السقف، فالقليل منه يرخص والكثير مكروه.
قال محمد ﵀: وأكره أن تكون قبلة المسجد إلى المخرج أو الحمام أو القبر. يجب أن تعلم بأن جهة القبلة جهة يجب تعظيمها، والتحرز عن الاستخفاف بها، جاء عن النبي ﵇ «نهى أن يبزق الرجل في جهة القبلة» ، وإذا كان يقرب القبلة أنجاس وأرجاس فذلك استخفاف بالقبلة، وعن هذا قلنا إن من صلى وقدامه عذرة أو بول يكره.
ثم تكلم المشايخ في معنى قول محمد: أكره أن تكون قبلة المسجد إلى الحمام؛ قال بعضهم: لم يرد به حائط الحمام، وإنما أراد به المستحم هو الموضع الذي نصب فيه الحميم، وهو الماء الحار؛ لأن ذلك موضع الأنجاس، واستقبال الأنجاس في الصلاة مكروه على ما تقدم ذكره، فأما إذا استقبل حائط الحمام فلم يستقبل الأنجاس، وإنما استقبل الحجر والمدر، فلا يكره.
وكذلك تكلموا في معنى قوله: أكره أن تكون قبلة المسجد إلى المخرج، قال بعضهم: أراد به نفس المخرج، وقال بعضهم: أراد به حائط المخرج، وتكلموا أيضاً في معنى الكراهة إلى القبر، قال بعضهم: لأن فيه تشبهاً باليهود، وقال بعضهم: لأن في المقبرة عظام الموتى، وعظام الموتى أنجاس وأرجاس هذا كله إذا لم يكن بين المصلي وبين هذه المواضع حائط أو سترة، أما إذا كان لا يكره، ويصير الحائط فاصلاً، وإذا لم يكن بين المصلي وبين هذه المواضع سترة، فإنما يكره استقبال هذه المواضع في مسجد الجماعات أما في مساجد البيوت لا يكره إذ ليس لمساجد البيوت حكم المساجد على الإطلاق؛ ألا ترى أنه يدخله الجنب من غير كراهة، ويأتي فيه أهله ويبيع ويشتري من غير كراهة.
قال محمد ﵀: وتكره المجامعة والبول فوق المسجد؛ لأن لسطح المسجد حكم المسجد، وهذا لما عرف أن حكم المسجد ثابت في الهواء والعرصة جميعاً، ولهذا قلنا: من قام على سطح المسجد مقتدياً بإمام في المسجد، وهو خلف الإمام يجوز، والمعتكف إذا صعد سطح المسجد لا ينتقض اعتكافه، ولا يحل للجنب والحائض والنفساء صعود سطح المسجد، فعلم أن لسطح المسجد حكم المسجد، ثم لا تجوز المجامعة والبول في المسجد، فكذا فوقه.
قال محمد ﵀: ولا بأس بالبول فوق بيت فيه مسجد، يريد المكان المعد للصلاة؛ وهذا لأن كل مسلم مندوب إلى أن يتخذ في بيته مسجداً، ليصلي فيه النوافل والسنن، وقد فعل رسول الله ﵇ ذلك في بيت جماعة، وقال الله تعالى في قصة
стр. 1949
موسى ﵇: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ (يونس:٨٧) وقال ﵇: «لا تتخذوا بيوتكم قبوراً» ، وأراد به أن لا يكون فيه مكان الصلاة، فثبت أن كل مسلم مندوب إلى أن يعد في بيته مكاناً يصلي فيه؛ إلا أن هذا المكان لا يأخذ حكم المسجد على الإطلاق؛ لأنه باق على ملكه له أن يبيعه، فهو كما لو بال على سطح بيت فيه مصحف، وذلك لا يكره، فكذا ههنا.
والمجامعة والبول في الموضع المعد لصلاة الجنازة لا ذكر له في الكتب، وقد اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: يكره؛ لأنه موضع أعد لإقامة الصلاة فيه بجماعة، فيكره البول والمجامعة فيه، كما في الجامع والمساجد التي على قوارع الطرق عند الحياض، وبعضهم قالوا: لا يكره، وإليه مال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، ألا ترى أنه لابأس بإدخال الميت، وقد أمرنا بتجنيب المساجد الموتى بخلاف الجامع؛ لأنه أعظم المساجد، والمساجد على القوارع لها حرمة المسجد على الإطلاق.
وفي «فتاوى أبي الليث» مصلى الجنازة له حكم المسجد في حق جواز الاقتداء عند انفصال الصفوف، وحرمة دخول الجنب فيه (٨٤أ٢) وبعض مشايخنا قالوا: الجواب في حق جواز الاقتداء صحيح، أما في حق دخول الجنب والمرتد فيه لا يعطى له حكم المسجد رفقاً بالناس.
قال: ويكره لأهل المسجد أن يغلقوا باب المسجد؛ لأن المسجد أعد لذكر الله تعالى فيه قال الله تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكر فيها اسمه﴾ (النور:٣٦) ، فإذا أغلقوا باب المسجد فقد منعوا عن الصلاة والذكر فيه، فدخلوا تحت قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾ (البقرة:١١٤) قال مشايخنا: وهذا في زمانهم، أما في زماننا، فلا بأس بإغلاق أبواب المساجد في غير أوان الصلاة؛ لأنه لا يؤمن على متاع المسجد وبنائه وحصره من قبل السارق؛ لأن الغلبة في زماننا لأهل الفسق والحكم يختلف باختلاف أحوال الناس، ألا ترى أن النساء كن يحضرن الجماعة في عهد رسول الله ﷺ ، ثم منعن ذلك لفساد أحوال الناس، وهو الصواب كذا في مسألتنا.
وفي «الأجناس» : رجل بنى مسجداً في أرض غصب؛ لا بأس بالصلاة فيه، وفي «أمالي أبي يوسف» : لا ينبغي لأحد أن يصلي فيه، ولو جعله طريقاً لا يمر فيه، ولو بنى حانوتاً أو حماماً لا يستأجر الحمام والحانوت وله أن يدخل فيه لشراء المتاع.
الطريق إذا كان واسعاً، فبنى فيه أهل المسجد مسجداً للعامة، ولا يضر ذلك بالطريق، فلا بأس به، وإن أراد أهل المحلة أن يدخلوا في دورهم شيئاً من الطريق ولا يضر ذلك بالعامة ليس لهم ذلك، نص عليه في «العيون» . وفي «فتاوى أبي الليث:» مسجد بني على سور المدينة، فلا ينبغي أن يصلى فيه. علل الصدر الشهيد ﵀ فقال:؛ لأن السور للعامة، فصار كما لو بنى مسجداً في أرض الغصب، وإنه يخالف ما حكيناه عن «الأجناس» .
стр. 1950
وفي «الأجناس:» لا بأس بالنوم في المسجد، وفي «الأصل» : لا بأس للمعتكف أن يبيت في المسجد. وفي صلاة «الأثر» قال: سأل محمداً عن دكان اتخذ للمسجد من المسجد وبينه طريق وهو بادٍ من المسجد اتخذ ليصلى عليه في الحر، أيضاعف الأجر بالصلاة عليه كما يضاعف بالصلاة في المسجد؟ قال: نعم.
في «فتاوى أهل سمرقند» : لا بأس بمسح الرجل في التراب الذي في المسجد إذا كان مجتمعاً، وكذا بالحصير المحرق والحشيش المجتمع، وأما إذا كان التراب منبسطاً قال الصدر الشهيد: المختار ما قاله أبو القاسم الصفار؛ لأنه لا.... ذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصلاة في باب الوضوء والغسل بقريب من آخره ما يفعل في زماننا من وضع البواري في المسجد ومسح الأقدام عليها فهو مكروه عند الأئمة أجمع.
البزاق في المسجد لا يلقى فوق البواري ولا تحت البواري للحديث: «إن المسجد ... من النخامة» الحديث، وينبغي أن يأخذ النخامة بكمه أو بشيء من ثيابه، وإن اضطر إلى ذلك كان الإلقاء فوق البواري أولى من الإلقاء تحت البواري؛ لأن البواري ليست من المسجد حقيقة، وإن كان لها حكمه، وما تحت البواري من المسجد حقيقة.
وفي كراهية «العيون» : إذا كان في المسجد عش الخطاف ويقذر المسجد لا بأس بأن يرمى بما فيه؛ لأن فيه تنقية المسجد.
وفي «النوازل» : لا يتخذ في المسجد بئر الماء، وما كان قديماً كبئر زمزم يترك، كذلك إذا ضاق المسجد على أهله، وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه منه بالقيمة كرهاً، هكذا روي عن الصحابة أنهم فعلوا بالمسجد الحرام.
الخياط إذا كان يخيط الثوب في المسجد يكره ذلك لما روي عن عثمان ﵁ أنه رأى خياطاً يخيط في المسجد، فأمر به فأخرج من المسجد، وكذا الوراق إذا كان يكتب في المسجد بأجر يكره، فعلى هذا الفقهاء إذا كانوا يكتبون الفقه بالأجر في المسجد يكره، وإن كان بغير أجر لا؛ لأنه إذا كان بأجر، فهو عمل العبد، والمسجد ما بني لذلك؛ لأنه بيت الله تعالى، هذه الجملة من «فتاوى أبي الليث» .
وفي كراهية «العيون» : معلم جلس في المسجد، أو وراق كتب في المسجد، فإن كان المعلم يعلم بأجر، والوراق يكتب لغيره بأجر يكره إلا أن تقع لهما الضرورة، ويكره أن يجعل.... في كاغد فيه اسم الله تعالى؛ بخلاف الكيس يكتب فيه اسم الله؛ لأن الكيس يعظم أما الكاغد، والقرطاس فيستهان.
стр. 1951
معلم معه خريطة فيها كتب من أخبار النبي ﷺ ، أو كتب أبي حنيفة ﵁ أو غيره، فتوسد بالخريطة، إن قصد الحفظ لا يكره، إذ ليس فيه ترك التعظيم، وإن لم يقصد الحفظ يكره؛ لأن فيه ترك التعظيم.
روي عن إبراهيم النخعي ﵁ أنه قال: المصحف لا يورث، إنما هو للقارىء من الورثة، وعندنا يورث كسائر الأموال، إلا أنه لا قطع فيه؛ لأن المقصود ما فيه وهو القرآن.
سئل الفقيه أبو جعفر عمن كان في كمه كتاب، فجلس يبول؛ أيكره ذلك؟ قال: إن أدخله مع نفسه المخرج يكره، وإن اختار لنفسه مبالاً طاهراً في مكان طاهر؛ لا يكره، وعلى هذا إذا كان في بيته دراهم مكتوب فيها اسم الله تعالى، أو شيء من القرآن، أو كان في هميانه دنانير كتب فيها اسم الله تعالى، أو شيء من القرآن، فأدخلها مع نفسه المخرج يكره، وإن أعد لنفسه مبالاً طاهراً في مكان طاهر لا يكره، وعلى هذا إذا كان عليه خاتم، وعليه شيء من القرآن مكتوب، أو كتب عليه اسم الله تعالى، فدخل المخرج معه أو أعد لنفسه مبالاً في مكان طاهر.
وعنه أيضاً: فيمن غرس الأشجار في المسجد؛ إن كان يفعل ذلك للظل؛ لا بأس، وإن كان يفعل ذلك لبيع الأوراق أو لمنفعة أخرى يكره إذا كانت تضيق على الناس مسجدهم لصلاتهم، أو يقع فيه تفريق الصفوف، قال: بلغنا أن عمر ﵁ قطع شجرة كانت في قرب الكعبة، وكانت تضيق على القوم في طوافهم، ورأيت مسألة الأغراس في المسجد في موضع آخر، وكان جواب المسألة ثمة أنه إن كان للمسجد فيها نفع لا بأس به، وما لا فلا، ونفع المسجد أن يكون المسجد إذا ترك وأساطينه لا يستقر، فيغرس الأشجار ليجذب ذلك عروقها، وإن كان كذلك تجوز، وما لا فلا؛ وهذا لأن غرس الأشجار في المسجد تشبيه له بالبيعة، فلا يجوز ذلك إلا لحاجة، قالوا: ومشايخ بخارى إنما جوزوا ذلك في جامع بخارى لهذه الحاجة.
ولا يمس الجنب المصحف، ولا اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن، والحائض كالجنب، والمحدث يساويهما في حكم المسح، ويفارقهما في القراءة.
والوجه في ذلك: أن الجنابة تشمل الفم واليد والحيض كذلك، ولهذا يجب إيصال الماء إلى الفم في الغسل عن الحيض والجنابة، فلا يجوز (٨٤ب٢) المس له (كما لا) يجوز لهما القراءة، وأما الحدث يحل باليد أما لا يحل بالفم، ولهذا لا يجب إيصال الماء إلى الفم في الوضوء عن الحدث، فيقرأ ولا يمس، فإن غسل الجنب الفم أو اليد، وأراد أن يقرأ القرآن، أو يمس المصحف لا يحل له ذلك، وكذلك المحدث إذا غسل اليد، وأراد أن يأخذ المصحف ليس له ذلك؛ لأن الجنابة لا تتجزأ ثبوتاً وزوالاً، والحدث كذلك. وكما لا يحل لهؤلاء مس الكتابة، لا يحل لهم مس البياض.
وإن مس المصحف بغلافه لا بأس به، والغلاف الجلد الذي عليه؛ المتصل به عند بعض المشايخ، وعند بعضهم المنفصل عنه كالخريطة ونحوها؛ لأن المتصل بالمصحف
стр. 1952
من المصحف؛ ألا ترى أنه يدخل تحت بيع المصحف من غير ذكر، وإن مس المصحف بكمه أو ذيله لا يجوز عند بعض المشايخ؛ لأن ثيابه تبع لبدنه، ألا ترى أنه لو قام على النجاسة في الصلاة وفي رجليه نعلان أو جوربان لا تجوز صلاته، ولو فرش نعليه، وقام عليهما جاز، وعن هذا قالوا: إذا بسط الرجل كمه على النجاسة، وسجد عليه لا يجوز، وأكثر المشايخ على أنه لا يكره؛ لأن المحرم هو المس، وإنه اسم للمباشرة باليد من غير حائل، ألا ترى أن المرأة إذا وقعت في طين وردغة حل للرجل الأجنبي أن يأخذ بيدها من غير حائل ثوب، وكذا لا تثبت حرمة المصاهرة بالمس بحائل.
ويكره للجنب ومن بمنعاه مس كتب التفاسير، وكذا يكره مس كتب الفقه، وما هو من كتب الشريعة؛ لأنها لا تخلو عن آيات القرآن، أو إن لم يكن فيها آيات القرآن فيها معنى القرآن، والمشايخ المتأخرون توسعوا في مس كتب الفقه للمحدث بالحكم للضرورة والبلوى، وكره بعض مشايخنا دفع المصحف واللوح الذي عليه القرآن إلى الصبيان، وعامة المشايخ لم يروا به باساً؛ لأنهم غير مخاطبين بالوضوء، وفي التأخير تضييع حفظ القرآن.
وإذا صار المصحف خلقاً بحيث لا يقرأ منه لا يحرق؛ إليه أشار محمد ﵀ في «السير» في باب ما يوجد من الغنيمة، فيكره قسمته، وبه نأخذ، ولا يكره دفنه، ومن أراد دفنه ينبغي أن يلفه بخرقة طاهرة، ويحفر لها حفرة ويلحد ولا يشق؛ لأنه متى شق ودفن يحتاج إلى إهالة التراب عليه، وفي ذلك نوع تحقير واستخفاف بكتاب الله تعالى، وإن شاء غسله بالماء حتى يذهب ما به، وإن شاء وضعه في موضع طاهر لا تصل إليه يد المحدثين، ولا تصل إليه النجاسة تعظيماً لكلام الله تعالى، تصغير المصحف حجماً وأن يكتب بقلم دقيق مكروه.
في كراهية «واقعات الناطفي» : ويكره مد الرجلين إلى القبلة في النوم وغيره عمداً، وكذلك يكره مد الرجلين إلى المصحف، وإلى كتب الفقه لما فيه من ترك تعظيم جهة القبلة، وكلام الله تعالى، ومعاني كلام الله تعالى، وإذا كان للرجل جوالق، وفيها مراسم مكتوب فيها شيء من القرآن، أو كان في الجوالق كتب الفقه، أو كتب التفسير أو المصحف، فجلس عليها أو نام، فإن كان من قصده الحفظ فلا بأس، وقد مر جنس هذا فيما تقدم، وإذا كتب اسم الله تعالى على كاغدة، ووضع تحت.... يجلسون عليها، فقد قيل: يكره، وقد قيل: لا يكره؛ قال: ألا ترى أنه لو وضع في البيت لا بأس بالنوم على سطحه؛ كذا ههنا، وإذا حمل المصحف أو شيء من كتب الشريعة على دابة في جوالق، وركب صاحب الجوالق على الجوالق؛ لا يكره.
ومما يتصل بهذا الفصل
المجاورة بمكة وقد كرهها أبو حنيفة ﵁؛ روى هشام عنه: أنه كره الجوار بمكة، قال:؛ لأنها ليست بأرض هجرة، وروى الحسن عنه: أنه كره الجوار بمكة
стр. 1953
والمقام بها، وكان يقول: هاجر رسول الله ﵇ منها. ذكر هشام في «نوادره» عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵃؛ قال: أكره إجارة بيوت مكة في أيام الموسم، وأرخص فيها في غير أيام الموسم، وهكذا روى هشام عن محمد عن أبي حنيفة ﵃ قال: وكان يقول لهم أن ينزلوا عليهم في دورهم إذا كان لهم فضل، وإذا لم يكن فلا، قال هشام: وإنما قال: لهم أن ينزلوا في دورهم لقوله تعالى: ﴿سواء العاكف فيه والباد﴾ (الحج:٢٥) ، وإنما فرق أبو حنيفة ﵁ بين أيام الموسم، وغيرها في كراهية الإجارة؛ لأن في أيام الموسم يزدحم الخلق، وتقع الضرورة في النزول في مساكنهم، فأنزل منازلهم كالمملوك للنازلين من وجه نظراً ومرحمة لهم، وبعد أيام الموسم ترتفع الضرورة، فيعاد إلى الأصل.
ثم هذه المسألة دليل على صحة أمر إجارة البناء بدون الأرض؛ لأن الإجارة ههنا لا ترد على الأرض عند أبي حنيفة ﵁ كالبيع، وإنما ترد على البناء، وقد رخص فيها في غير أيام الموسم.
الفصل السادس في سجدة الشكر
روي عن إبراهيم النخعي ﵁: أنه كان يكره سجدة الشكر، وعن محمد أن أبا حنيفة كان لا يراها شيئاً، ويستحبها قال محمد: وقد جاء فيها غير حديث، وتكلم المتقدمون في معنى قول محمد، وكان أبو حنيفة ﵁ لا يراها شيئاً؛ بعضهم قالوا: معناه لا يراها قربة، وهكذا ذكر الطحاوي في اختلاف العلماء، وفي «القدوري» معناه كان لا يراها مسنوناً، وهو قريب من الأول، وبعضهم قالوا: معناه لا يراها شكراً تاماً، فتمام الشكر أن يصلي ركعتين كما فعل رسول الله ﷺ يوم فتح مكة، ولم يذكر محمد ﵀ قول أبي يوسف في شيء من الكتب وذكر القاضي الإمام الزاهد ركن الإسلام علي السغدي ﵀ في «شرح كتاب السير» قول أبي يوسف ﵀ مع محمد ﵀، احتج بما روي أن رسول الله ﷺ مر برجل به زمانة فسجد، وأمر أبا بكر وعمر ﵄ فسجدا، وعن أبي بكر ﵁ أنه لما أتاه فتح اليمامة سجد، وأبو حنيفة ﵁ يقول: السجود ركن من أركان الصلاة مفرداً، فلا يتقرب بها إلى الله تعالى على الانفراد تطوعاً قياساً على القيام المفرد، والركوع المفرد، وأما ما روي من الأحاديث قلنا: يحتمل أن المراد من السجدة المذكورة فيها الصلاة، فأهل الحجاز يسمون الصلاة سجدة، قال الله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي﴾ (آل عمران:٤٣) أي صلي، وإذا جاز تسمية الصلاة سجدة احتمل أن يكون المراد من الحديث الصلاة، فلا يكون حجة مع الاحتمال.
وبعض المتأخرين من مشايخنا قالوا: لم يرد محمد ﵀ بقوله، وأما أبو حنيفة: فكان لا يراها شيئاً، نفي شرعيتها قربة، وإنما أراد به نفي وجوبه كذا ههنا، فعلى
стр. 1954
قوله ههنا يرتفع الخلاف. ولو أتى بها إنسان لا يكون مكروهاً.
وجه الكراهة على قول النخعي وأبي حنيفة ﵄ على ما ذكره «القدوري» : أنه لو فعلها من كان منظوراً إليه، وظن ظان أنه واجب (٨٥أ٢) أو سنة متبعة عند حدوث نعمة فقد أدخل في الدين ما ليس منه، وقد قال ﵇: «من أدخل في الدين ما ليس منه فهو مكروه» .
الفصل السابع في المسابقة
قال محمد ﵀: ولا بأس بالمسابقة بالأفراس ما لم يبلغ غاية لا يحتملها الفرس؛ جاء في الحديث: تسابق رسول الله ﷺ ، وأبو بكر وعمر ﵄، فسبق رسول الله، وصلى أبو بكر وثلث عمر، معنى قوله صلى أبو بكر: أنه كان راش دابة أبي بكر عند صلاة دابة رسول الله وهو الذنب، وكذلك لا بأس بالمسابقة بالإبل والرمي لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﵇ أنه قال: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر» ، والمراد بالحافر الفرس، والمراد بالنصل الرمي، والمراد من الخف الإبل.
فإن شرطوا لذلك جعلاً، فإن شرطوا الجعل من الجانبين فهو حرام.
وصورة ذلك: أن يقول الرجل لغيره: تعال حتى نتسابق، فإن سبق فرسك، أو قال: إبلك أو قال: سهمك أعطيك كذا، وإن سبق فرسي، أو قال: إبلي، أو قال: سهمي أعطني كذا، وهذا هو القمار بعينه؛ وهذا لأن القمار مشتق من القمر الذي يزداد وينقص، سمي القمار قماراً؛ لأن كل واحد من المقامرين ممن يجوز أن يذهب ماله إلى صاحبه، ويستفيد مال صاحبه، فيزداد مال كل واحد منهما مرة وينتقص أخرى، فإذا كان المال مشروطاً من الجانبين كان قماراً، والقمار حرام، ولأن فيه تعليق تمليك المال بالخطر، وإنه لا يجوز.
وإن شرطوا الجعل من أحد الجانبين، وصورته: أن يقول أحدهما لصاحبه إن سبقتني أعطيك كذا، وإن سبقتك فلا شيء لي عليك، فهذا جائز استحساناً، والقياس أن لا يجوز.
وجه القياس: أن المال إذا كان مشروطاً من أحد الجانبين؛ إن كان لا يتمكن فيه معنى القمار؛ لأن المشروط له المال لا يذهب ماله بحال من الأحوال، والقمار أن يكون واحد من المقامرين بحال يجوز أن يذهب ماله، ويجوز أن يستفيد مال صاحبه لما ذكرنا
стр. 1955
من اشتقاق القمر، إلا أن فيه تعليق تمليك المال بالخطر، وإنه لا يجوز، ألا ترى أن الاستباق فيما عدا هذه الأشياء الثلاثة نحو البغال والحمير لا يجوز، وإن كان المال مشروطاً من أحد الجانبين إنما لم يجز؛ لأن فيه تعليق تمليك المال بالخطر.
وجه الاستحسان: ما روينا من حديث أبي هريرة؛ ووجه الاستدلال به: أن النبي ﵇ نفى السباق عاماً بقوله: «لا سبق» ، واستثنى الأشياء (الثلاثة) بقوله: «إلا في خف أو نصل أو حافر» ، والاستثناء من النفي إثبات، ومن التحريم إباحة، وليس المراد من الحديث ما إذا لم يكن المال مشروطاً أصلاً، فإن الاستباق بدون شرط المال جائز في الأشياء كلها، وليس المراد ما إذا كان المال مشروطاً من الجانبين؛ لأن ذلك قمار، والقمار حرام بالإجماع وبنص التنزيل، فكان المراد ما إذا كان المال مشروطاً من أحد الجانبين، والنص الوارد في الأشياء الثلاثة إذا كان مشروطاً من أحد الجانبين لا يكون وارداً فيما عدا الأشياء الثلاثة؛ لأن فيما عدا الأشياء الثلاثة نص آخر بخلافه، وهو قوله: «لا سبق» نفى السبق عاماً، واستثنى الأشياء الثلاثة ففيما عدا الأشياء الثلاثة ينتفي السبق بالنفي العام، ولأن الأشياء الثلاثة من آلات الحراب، وللناس إلى المخاطرة والرهان (في) حاجة حتى يتعلموا الفروسية والرمي، فأما ما عدا الأشياء الثلاثة فليس من آلات الحراب، ولا حاجة إلى الرهان في ذلك، وكذلك النص الوارد في الأشياء الثلاثة إذا كان المال مشروطاً من أحد الجانبين لا يعتبر وارداً فيما إذا كان المال مشروطاً من الجانبين، فالمانع فيه شيئان: القمار، وتمليك المال بالخطر، وإذا كان المال مشروطاً من أحد الجانبين، فالمانع فيه شيء واحد، وهو تمليك المال بالخطر، والجواز عند قلة المانع لا يدل على الجواز عند كثرة المانع.
ثم إذا كان المال مشروطاً من الجانبين، فأدخلا بينهما ثالثاً، وقالا للثالث: إن سبقتنا فالمالان، وإن سبقناك فلا شيء لنا، يجوز استحساناً لانتفاء معنى القمار في حق الثالث، وهو مروي عن سعيد بن المسيب.
ثم إذا أدخلا ثالثاً، فإن سبقهما الثالث استحق المالين، وإن سبقا الثالث إن سبقاه معاً فلا شيء لواحد منهما على صاحبه؛ لانعدام شرط وجوب المال فيما بينهما، وهو سبق أحدهما على صاحبه، وإن سبقاه على التعاقب، فالذي سبق صاحبه يستحق المال على صاحبه لوجود الشرط في حقه، وصاحبه لا يستحق المال عليه، لانعدام الشرط في حق صاحبه.
قال محمد ﵀ في «الكتاب» : إدخال الثالث إنما يكون حيلة للجواز إذا كان الثالث يتوهم أن يكون سابقاً ومسبوقاً، فأما إذا كان يتيقن بأنه يسبقهما لا محالة، أو يتيقن أنه يصير مسبوقاً لا يجوز؛ لأن القياس أن لا يجوز، وإن انتفى معنى القمار في حقه لما فيه من تعليق تمليك المال بالخطر؛ إلا أنا جوزناه بخلاف القياس بالنص، وهو ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «من أدخل فرساً بين فرسين، فإن كان يأمن أن يسبق، فلا خير فيه، وإن كان لا يأمن أن يسبق، فلا بأس به» ، فالحديث أفاد الجواز
стр. 1956
بشرط أن يتوهم أن يكون الثالث سابقاً ومسبوقاً، وما ثبت نصاً بخلاف القياس يراعى فيه جميع الشرائط التي ورد بها النص.
ولم يذكر محمد في «الكتاب» المخاطرة في الاستباق على الأقدام، ولا شك أن المال إذا كان مشروطاً من الجانبين فإنه لا يجوز، وإن كان مشروطاً من أحد الجانبين يجب أن يجوز لحديث الترمذي فإن كانت المسابقة من أصحاب رسول الله ﷺ في الخيل والركاب والأرجل، ولأن الغزاة يحتاجون إلى رياضة الجسم كما يحتاجون إلى رياضة الدواب.
وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل أنه إذا وقع الاختلاف بين المتفقهين في مسألة، فأراد الرجوع إلى الأستاذ، ويشترط أحدهما لصاحبه إن كان الجواب كما قلت؛ أعطيتك كذا، وإن كان الجواب كما قلت فلا آخذ منك شيئاً؛ ينبغي أن يجوز على قياس الاستباق على الأفراس.
وكذلك إذا قال واحد من المتفقهة لمثله: تعال حتى نطارح المسائل، فإذا أصبتَ وأخطأتُ أعطيك كذا، وإن أصبتُ وأخطأتَ، فلا آخذ منك شيئاً يجب أن يجوز؛ لأن في الأفراس إنما جوز ذلك حثاً على تعلم الفروسية، فيجوز ههنا أيضاً حثاً على تعلم الفقه؛ لأن كل ذلك (٨٥ب٢) يرجع إلى تقوية الدين وإعلاء كلمة الله تعالى، وبه أخذ الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀.
الفصل الثامن في السلام، وتشميت العاطس
ذكر في «النوازل» : إذا أتى إنسان باب دار غيره، يجب أن يستأذنه، ثم إذا دخل يسلم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ (النور:٢٧) والمراد بالاستئناس الاستئذان (لأمر) الله تعالى به، أما الاستئذان قبل السلام، وهذا في البيوت، أما في الفضاء يسلم أولاً ثم يتكلم لقوله ﵇: «من كلم قبل السلام فلا تجيبوه» .
وإذا قال السائل على الباب: السلام عليكم لا يجب رد السلام؛ لأن هذا ليس بسلام تحية بل هو شعار لسؤالهم، قال الفقيه أبو الليث ﵀: إذا مررت على قوم، فسلم عليهم، وإذا سلمت عليهم وجب عليهم رد السلام، والأصل في وجوب رد السلام قول الله تعالى: ﴿فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ (النساء:٨٦) .
واختلفوا في أن أيهما أفضل أجراً؟ قال بعضهم: الراد أفضل أجراً؛ لأن رد السلام
стр. 1957
واجب، والسلام ابتداءً ليس بواجب، ولا شك أن الآتي بالواجب أفضل أجراً، وقال بعضهم: المسلم أفضل أجراً؛ لأنه سابق، فالسابق له فضل السبق، والأفضل للمسلم أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والمجيب كذلك يرد، ولا ينبغي أن يزاد على البركات شيء، قال ابن عباس ﵄: «لكل شيء منتهى، ومنتهى السلام البركات» .
ويسلم الماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والراكب على الماشي، ويسلم الذي يأتيك من خلفك، وإذا التقى الرجلان ابتدرا بالسلام؛ نقل ذلك عن عطاء ﵁. قال الحسن: قوم يستقبلون قوماً، يبدأ الأقل بالأكثر، وقد قيل: ابتدروا، وفي حديث يزيد بن وهب عن النبي ﵇ قال: «يسلم الراكب على الماشي، ويسلم الذي يأتيك من خلفك، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير» .
قال الفقيه أبو الليث ﵀: إذا دخل جماعة على قوم، فإن تركوا السلام، فكلهم آثمون في ذلك، وإن سلم واحد منهم جاز عنهم جميعاً، وإن سلم كلهم، فهو أفضل، وإن تركوا الجواب فكلهم آثمون وإن رد واحد منهم أجزأهم، به ورود الأثر، وهو اختيار الفقيه أبو الليث، وإن أجاب كلهم، فهو أفضل، وقال بعض المشايخ: يجب الرد على الكل، ولا نأخذ به، وينبغي للمجيب إذا رد جواب السلام أن يُسمع المسلم؛ حتى لو لم يسمعه لا يكون جواباً، ولا يخرج عن العهدة، ألا ترى أن المسلِّم إذا سلم ولم يسمع لا يكون جواباً، فإن كان المسلم أصم ينبغي أن يريه تحريك شفتيه، وكذلك في جواب العطسة.
وينبغي للمسلم إذا سلم على غيره أن يسلم بلفظ الجماعة؛ لأن المخاطب (لا) تكون معه الملائكة، وكذلك المجيب إذا رد الجواب ينبغي أن يذكر بلفظ الجماعة؛ لما قلنا.
وفي «النوازل» : رجل جالس مع قوم؛ سلم عليه رجل، وقال: السلام عليك، فرده بعض القوم ينوب ذلك عن الذي سلم عليه المسلم، ويسقط عنه الجواب، يريد به ما إذا أشار ولم يسم؛ علل فقال:؛ لأن قصده التسليم على الكل، ويجوز أن يشار إلى الجماعة بخطاب الواحد؛ هذا إذا لم يسم ذلك الرجل، فأما إذا سماه، فقال: السلام عليك يا زيد، فأجابه غير زيد، لا يسقط الفرض عن زيد، وإن لم يسم، فأشار إلى زيد يسقط؛ لأن قصده التسليم على الكل ولكن يريده زيادة.
في «فتاوى أهل سمرقند» : حكي عن الفقيه أبي جعفر أن بعضاً من العلماء من أصحاب أبي يوسف ﵀ كان إذا مر في السوق لم يقل: السلام عليكم، ولكن قال: سلام الله عليكم، فقيل له في ذلك، فقال: التسليم تحية، وإجابة التحية فرض، قال الله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ (النساء:٨٦) فإذا لم يجيبوني
стр. 1958
لزمني الأمر بالمعروف، فأما سلام الله تعالى عليهم دعاء ليس بتسليم فلا يلزمهم شيء، ولا يلزمني الأمر بالمعروف، فأختار سلام الله تعالى، لهذا اختلف المشايخ في التسليم على الصبيان، قال بعضهم: لا يسلم عليهم، وهو قول الحسن؛ وهذا لأن رد السلام فرض، والصبي لا تلزمه الفرائض، فلا يلزمه رد السلام، فلا يسلم عليه لهذا، وقال بعضهم: التسليم عليهم أفضل، وهو قول شريح، قال الفقيه: وبه نأخذ، وقد روي عن أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ أنه قال: كنت مع الصبيان إذ جاء رسول الله، وسلم علينا.
وأما التسليم على أهل الذمة، فقد اختلفوا فيه أيضاً؛ قال بعضهم: لا بأس به لما روي عن أبي إمامة الباهلي ﵁ أنه قال: «أمرنا رسول الله ﵇ بإفشاء السلام على كل مسلم ومعاهد» ، وقال بعضهم: لا يسلم عليهم لما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالتسليم» ، وعن علي ﵁ أنه قال: لا يسلم على اليهود والنصارى والمجوس، وهذا إذا لم يكن للمسلم حاجة إلى الذمي، وإن كان له حاجة، فلا بأس بالسلام عليه؛ لأن النهي عن السلام عليه لتوقيره، ولا توقير للذمي إذا كان السلام لحاجة. ويكره مصافحة الذمي؛ لأن فيه توقير الذمي، ولا بأس برد السلام على أهل الذمة، ولكن لا يزاد على قوله: وعليكم، روى ابن عمر ﵄ عن النبي ﵇ أنه قال: «إن اليهود إذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم» ، قال الفقيه أبو الليث: إذا مررت بقوم وفيهم كفار؛ فأنت بالخيار؛ إن شئت قلت: السلام عليكم، وتريد به المسلمين، وإن شئت قلت: السلام على من اتبع الهدى، قال مجاهد: إذا كتبت إلى اليهودي، وإلى النصراني في حاجة، فاكتب: السلام على من اتبع الهدى.
وإذا دخل الرجل بيته يسلم على أهل بيته، وإن لم يكن في البيت أحد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، رواه سعيد عن قتادة.
وإذا مر الرجل بالقارىء، فلا ينبغي أن يسلم عليه؛ لأنه يشغله عن قراءة القرآن، فإن سلم مع ذلك تكلموا فيه، واختار الصدر الشهيد ﵀ أنه يجب عليه الرد، وهكذا حكى اختيار الفقيه أبي الليث؛ بخلاف السلام وقت الخطبة، هكذا ذكر ﵀ في «واقعاته» ، ورأيت في «فوائد» الفقيه أبي جعفر: إذا سلم رجل على الذي يصلي، أو يقرأ القرآن؛ روي عن أبي حنيفة أنه يرد السلام بقلبه، وعن محمد أنه يمضي على
стр. 1959
القراءة، ولا يشغل قلبه كما لا يشتغل لسانه.
وفي «الأصل» : لا ينبغي للقوم أن يشمتوا العاطس ولا أن يردوا السلام (٨٦أ٢) يعني وقت الخطبة، وفي صلاة «الأثر» روى محمد عن أبي يوسف: أنهم يردون السلام، ويشمتون العاطس، وتبين بما ذكر في صلاة «الأثر» ، أن ما ذكر في «الأصل» قول محمد.
قالوا: الخلاف بين أبي يوسف ومحمد في هذا بناءً على أنه إذا لم يرد السلام في الحال؛ هل يرد بعد الفراغ من الخطبة؟ على قول محمد: يرد، وعلى قول أبي يوسف: لا يرد، ولما كان من مذهب محمد الرد بعد الفراغ لو اشتغل برد السلام يفوته الاستماع، ولو اشتغل بالسماع يتأخر رد السلام ولا يفوت، والتأخير أهون من التفويت، وعند أبي يوسف لما كان يمكنه الرد بعد الفراغ لو لم يرد السلام في الحال يفوته الرد أصلاً، ولو رد يفوته الاستماع في البعض، ولا شك أن تفويت البعض أهون من تفويت الكل.
وإذا دخل القاضي المسجد، فلا ينبغي له أن يسلم على أحد الخصمين، ولو سلم على الخصوم تسليماً عاماً، فقد اختلف المشايخ فيه؛ بعضهم قالوا: له ذلك، وبه أخذ الخصاف؛ لأن السلام سنة متبعة، ولا يجوز ترك السنة بسبب تقلد العمل، وهذا القائل يقول بأن الأمير أو الوالي إذا دخل المسجد ينبغي أن يسلم، لا يسعه تركه للمعنى الذي ذكرنا، ومنهم من قال: الأولى أن لا يسلم، وهذا القائل يقول في الوالي والأمير أيضاً: إن الأولى لهما إذا دخلا المسجد أن لا يسلما؛ وهذا لأنهم إذا سلموا ترتفع الهيبة وتقل الخشية، ومبنى أمر هؤلاء على الهيبة والخشية، فلا يسلموا حتى تبقى الهيبة والخشية، هذا هو الكلام في وقت دخول المسجد، فأما إذا دخل القاضي المسجد، وجلس ناحية منه لفصل الخصومات؛ لا ينبغي له أن يسلم على الخصوم، ولا ينبغي للخصوم أن يسلموا عليه، أما القاضي؛ لأنه جلس لفصل الخصومة، فلا يشتغل بغيره، فأما الخصوم لا يسلمون؛ لأن السلام تحية الزائرين، والخصوم ما أتوه لأجل الزيارة، إنما أتوه لأجل الخصومة، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» .
بعض مشايخنا قاسوا الولاة والأمراء على القاضي، فقالوا: إذا جلس الوالي والأمير في المسجد أو في بيته، فلا يسلم على الرعية، والرعية لا يسلمون عليه؛ قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي: الصحيح هو الفرق بين القضاة، وبين الأمراء والولاة، فالرعية يسلمون على الأمراء والولاة، والخصوم لا يسلمون على القضاة.
والفرق: أن السلام تحية الزائرين، والخصوم ما تقدموا إلى القاضي زائرين، فأما الرعية تقدموا إلى الأمير والوالي زائرين.
فعلى قول هذا الفرق لو جلس القاضي للزيارة، فالخصوم يسلمون عليه، ولو جلس الأمير لفصل الخصومة، فالخصوم لا يسلمون عليه، ولو سلم الخصوم على القاضي بعدما جلس ناحية من المسجد للقضاء، فلا بأس بأن يرد ﵈، وهذا إشارة إلى أنه لا يجب عليه رد السلام؛ وهذا لأن الرد جواب السلام، والسلام إنما يستحق الجواب إذا كان في أوانه، أما إذا كان في غير أوانه فلا؛ ألا ترى أن من سلم على المصلي لا
стр. 1960
يستحق الجواب؟ وإنما لا يستحق الجواب لما قلنا.
حكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل البخاري ﵀ أنه كان يقول: من جلس لتعليم تلامذته، فدخل عليه داخل وسلم، وسعه أن لا يرد؛ لأنه جلس للتعليم لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه، وكذلك كان يقول فيمن جلس للذكر، أي ذكر كان فدخل عليه داخل وسلم عليه، وسعه أن لا يرد؛ لأنه جلس للذكر لا لرد السلام، فلا يكون السلام في أوانه.Y
قال في كتاب «العلل» : ولا بأس بالسلام على أهل الحمام؛ وإن كانوا عراة؛ لأن ظاهر قوله ﵇: «وأفشوا السلام» مطلق لا فصل فيه بين شخص وشخص، وإن ترك ذلك بطريق التأديب، والزجر لهم حتى لا يفعلوا مثل ذلك، فلا بأس به. وكذلك على هذا السلام على الذي يلعب بالشطرنج، وهذا إذا كان اللعب بالشطرنج للتلهي؛ أما إذا كان لشحذ الخاطر لا بأس بالتسليم عليه؛ لأن من التابعين من لعب به، وهو الشعبي هكذا قالوا، وكتب في..... لم يرَ أبو حنيفة ﵁ بالتسليم على من يلعب بالشطرنج بأساً ليشغله ذلك عما هو فيه، وكره أبو يوسف ذلك تحقيراً لهم.
ذكر محمد ﵀ في باب الجعائل من «السير» حديثاً يدل على أن من بلغ إنساناً سلاماً عن غائب كان عليه أن يرد الجواب على المبلغ أولاً، ثم على ذلك الغائب؛ وهذا لأن المبلغ هو المسبب لوصول السلام إليه، والمسبب إلى الخير كالمباشر له، ولو أنه باشر السلام عليه استحق الرد، فكذا إذا سبب، أو نقول: الغائب محسن إليه بالسلام، والمبلغ بالتبليغ، فكان عليه أن يجازيهما. وفي «البقالي» عمن قال لآخر: أقرىء فلاناً السلام؛ يجب عليه أن يفعل.
تشميت العاطس
إذا عطس الرجل خارج (السلام) ، فينبغي أن يحمد الله تعالى، فيقول: الحمد لله رب العالمين، أو يقول: الحمد لله على كل حال، ولا يقول غير ذلك، وينبغي لمن حضره أن يقول: يرحمك الله، ويقول له العاطس: يغفر الله لنا ولكم، أو يقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، ولا يقول غير ذلك، وقد عرف في كتاب الصلاة أن المصلي إذا قال عند عطسة غير المصلي: الحمد لله، لا تفسد صلاته وإن أراد به الجواب، ولو قال: يرحمك الله؛ تفسد صلاته.
ولو عطس ثلاث مرات ينبغي أن يحمد الله في كل مرة، ولمن حضره أن يشمته ما بينه وبين ثلاث مرات، فإن زاد على الثلاث فالعاطس يحمد الله؛ أما من حضره، فبالخيار؛ إن شاء شمته، وإن شاء لم يشمته كل ذلك حسن، وعن محمد أن من عطس
стр. 1961
مراراً يشمت في كل مرة، فإن أخر يكفيه مرة واحدة، فإذا عطست المرأة فلا بأس بتشميتها؛ إلا أن تكون شابة، وإذا عطس الرجل فشمتته المرأة، فإن كانت عجوزاً يرد الرجل عليها، وإن كانت شابة يرد في نفسه، والجواب في هذا كالجواب في السلام.
الفصل التاسع فيما يحل للرجل النظر إليه، وما لا يحل، وما يحل له مسه، وما لا يحل
يجب أن تعلم بأن مسائل النظر تنقسم إلى أربعة أقسام: نظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى المرأة (٨٦ب٢) .
أما بيان القسم الأول فنقول: يجوز أن ينظر الرجل إلى الرجل، إلا إلى عورته، وعورته ما بين سرته حتى يجاوز ركبته، والأصل فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عورة الرجل ما دون سرته حتى تجاوز ركبته» ، والتعامل في الحمام في إزار واحد من غير نكير منكر، ومثل هذا التعامل حجة في الشرع.
وكان أبو عصمة سعد بن معاذ المروزي يقول: إن السرة عورة؛ لأنها إحدى حدي العورة فتكون عورة كالركبة، بل أولى؛ لأنها في معنى الاشتهاء فوق الركبة، وحجتنا في ذلك حديث عمرو بن شعيب على ما روينا عن عمر ﵁: أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، والتعامل الظاهر فيما بين الناس: أنهم إذا دخلوا الحمام، أبدوا عن سرتهم عند الاتزار من غير نكير منكر، ومثل هذا التعامل حجة، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل يقول: ما دون السرة إلى موضع نبات الشعر ليس بعورة، لتعامل بعض الناس في الإبداء عن ذلك الموضع عند الإتزار، ولكن هذا بعيد، فإن التعامل إنما يعتبر فيما لا نص فيه، دون السرة نص على ما روينا، وما جاز النظر إليه جاز مسه؛ لأن ما ليس بعورة فمسه والنظر إليه على السواء، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما بيان القسم الثاني: فنقول: نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل؛ لأن المرأة لا تشتهي المرأة؛ كما لا يشتهي الرجل الرجل، فكما جاز للرجل النظر إلى الرجل؛ فكذا يجوز للمرأة النظر إلى المرأة.
وأما بيان القسم الثالث: فنقول: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي تنظر إلى جميع جسده إلا ما بين سرته حتى تجاوز ركبته؛ لأن السرة فما فوقها وما تحت الركبة من الرجل ليس بعورة، وما ليس بعورة فالنظر إليه مبلغ الرجال والنساء جميعاً.
стр. 1962
وأشار في «الكتاب» إلى أنها لا تنظر إلى ظهره وبطنه؛ لأن لهم النظر عند اختلاف الجنس، ألا ترى أنه لا يحل للمرأة غسل الرجل الأجنبي بعد موته، ويحل للرجل ذلك، وما ذكرنا من الجواب فيما إذا كانت المرأة تعلم يقيناً أنها لو نظرت إلى بعض ما ذكرنا من الرجل لا يقع في قلبها شهوة، فأما إذا علمت أنه يقع في قلبها شهوة أو شكت، ومعنى الشك استواء الظن، فأحب إليَّ أن تغض بصرها منه؛ هكذا ذكر محمد في «الأصل» ؛ وهذا لأن النظر عن شهوة نوع زنا، قال ﵇: «العينان تزنيان وزناهما النظر» ، والزنا حرام بجميع أنواعه، فقد ذكر الاستحسان فيما إذا كان الناظر إلى الرجل الأجنبي هي المرأة.
وفيما إذا كان الناظر إلى المرأة الأجنبية هو الرجل، قال: يجتنب بجهده على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، وهو دليل الحرمة، وهو الصحيح في الفعلين جميعاً، ولا تمس شيئاً إذا كان أحدهما شاباً في حد الشهوة، وإن أمنا على أنفسهما الشهوة فقد حرم المس، وإن أمنا على أنفسهما الشهوة إذا كان أحدهما في حد الشهوة، فلم يحرم النظر إذا أمنت على نفسها الشهوة؛ لأن حكم المس أغلظ من حكم النظر حتى إن من مس سائر الأعضاء يوجب حرمة المصاهرة إن كان المس عن شهوة، والنظر إلى سائر الأعضاء سوى عين الفرج لا يوجب حرمة المصاهرة، وإن كان عن شهوة، والصوم يفسد بالمس عن شهوة، إذا اتصل به الإنزال، ولا يفسد بالنظر عن شهوة وإن اتصل به الإنزال والبلوى الذي تتحقق في النظر لا تتحقق في المس، فالرخصة في النظر عند الأمن عن الشهوة لا توجب الرخصة في المس.
فأما الأمة فيحل لها النظر إلى جميع أعضاء الرجل الأجنبي سوى ما بين سرته حتى تجاوز ركبته، وتمس جميع ذلك إذا أمنا على أنفسهما الشهوة؛ ألا ترى أنه جرت العادة فيما بين الناس أن الأمة تغمز رجل زوج مولاتها من غير نكير منكر، وإنه يدل على جواز المس.
وأما بيان القسم الرابع: فنقول: نظر الرجل إلى المرأة ينقسم أقساماً أربعة؛ نظر الزوج إلى زوجته ومملوكته، ونظر الرجل إلى ذوات محارمه، ونظر الرجل إلى الحرة الأجنبية، ونظر الرجل إلى إماء الغير.
أما نظر الرجل إلى زوجته ومملوكته: فهو حلال من فرقها إلى قدمها، عن شهوة وبغير شهوة، وهذا ظاهر؛ إلا أن الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، قالت عائشة ﵂: ما رأيت من رسول الله ﷺ ، ولا رأى مني مع طول صحبتي إياه، وقال ﵇: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع، ولا يتجردان تجرد
стр. 1963
البعير» ، وكان ابن عمر ﵄ يقول: الأولى أن ينظر الرجل إلى فرج امرأته وقت الوقاع ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة، وعن أبي يوسف في «الأمالي» قال: سألت أبا حنيفة ﵁ عن الرجل يمس فرج امرأته، أو تمس هي فرجه ليتحرك عليها؛ هل ترى بذلك بأساً؟ قال: أرجو أن يعظم الأجر.
وأما النظر إلى ذوات محارمه فنقول: يباح النظر إلى موضع زينة الظاهرة والباطنة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ (النور:٣١) الآية، فالاستدلال بالآية أنه ليس المراد من الزينة المذكورة في الآية عين الزينة تباع في الأسواق ويراها الأجانب، وإنما المراد مواضع الزينة، والثاني: أن الله تعالى أباح لهن إبداء الزينة للمحارم، وهي على مواضع الزينة؛ لأن إبداء الزينة، وهي على غير مواضع الزينة تباح للأجانب، وأثر الزينة وهي على موضع الزينة لا يتصور إلا بإبداء موضع الزينة، فيدل ذلك على إباحة إبداء مواضع الزينة.
ومواضع الزينة: الرأس والأذن العنق والصدر والعضد والساعد والكف والساق والرجل والوجه، فالرأس موضع التاج والإكليل، والشعر موضع العقاص، والعنق موضع القلادة، والصدر كذلك، فالقلادة قد تنتهي إلى الصدر وكذلك الوشاح، والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم والخضاب، والساق موضع الخلخال والخضاب، والقدم موضع الخضاب، ولأن المحارم يدخل بعضهم على بعض من غير استئذان ولا حشمة، والمرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها، ولا تكون مستترة، فلو أمرناها بالستر من محارمها أدى إلى الحرج.
وما يحل النظر إليه حل مسه، وغمزه من غير حائل، (٧٨أ٢) والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ كان يقبل رأس فاطمة، وأبو بكر ﵁ قبل رأس عائشة ﵂، وقال ﵇: «من قبل رجل أمه، فكأنما قبل عتبة الجنة» ، ولكن إنما يباح النظر إذا كان يأمن على نفسه الشهوة، فأما إذا كان يخاف على نفسه الشهوة، فلا يحل له النظر لما بينا قبل هذا، وكذلك المس إنما يباح له إذا أمن على نفسه وعليها الشهوة؛ أما إذا خاف على نفسه أو عليها الشهوة، فلا يحل المس له، ولا يحل أن ينظر إلى بطنها، ولا إلى ظهرها، ولا إلى جنبها، ولا يمس شيئاً من ذلك، والوجه في ذلك: أن الله تعالى سمى الظهار في كتابه منكراً من القول وزوراً، وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي لولا أن ظهرها محرم عليه نظراً
стр. 1964
ومساً، وكل شيء وإلا لما سمى الظهار منكراً من القول وزوراً، وإذا ثبت هذا في الظهر ثبت في البطن والجنبين.
وذوات المحارم من (يحرم) عليه نكاحهن بالنسب نحو الأمهات والبنات والجدات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، أو ما يحرم بالرضاع، وقد صح أن عائشة ﵂ سألت عنه رسول الله ﷺ ، وقالت: إن أفلح يدخل علي وأنا في ثياب فضل، قال ﵇: «ليلج عليك أفلح، فإنه عمك من الرضاعة» ، وكذلك الحرمة بالمصاهرة، إذا كانت بالنكاح بلا خلاف.
واختلفوا فيما إذا كانت بالزنا فبعض المشايخ؛ قالوا: لا يثبت بها حل النظر والمس؛ لأن ثبوت الحرمة على الزاني بطريق العقوبة لا بطريق النعمة؛ ولأنه قد جرب مرة وظهرت جناية فلا يؤتمن ثانياً، قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح أنه لا بأس بذلك، وقاسه على ما إذا كانت هذه الحرمة بسبب النكاح.
قال محمد ﵀: ويجوز له أن يسافر بها، وأن يخلو بها يعني لمحارمه إذا أمن على نفسه، وهذا لقوله ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها، أو ذي رحم محرم» ، فقد أباح للمرأة المسافرة مع ذي الرحم المحرم، وإنه يوجب إباحة المسافرة للمحرم معها، ولأن حرمة المسافرة والخلوة بالأجنبيات لخوف الفتنة بواسطة الشهوة، والإنسان لا يشتهي محارمه غالباً، فصار من هذا الوجه كالخلوة والمسافرة مع الجنس، فإن علم أنه يشتهيها، أو تشتهيه لو سافر بها أو خلا بها، أو كان أكثر رأيه ذلك أو شك، فلا يباح له ذلك لما ذكرنا، وإن احتاج إلى حملها، وإنزالها في السفر، فلا بأس بأن يأخذ ببطنها وظهرها من وراء الثياب؛ لأن المس من فوق الثياب لا يفضي إلى الشهوة غالباً، فصار كالنظر، وقد صح أن ابن عمر ﵄: رأى رجلاً حمل أمه على عاتقه يطوف بها، ولم ينكر عليه، فإن خاف الشهوة على نفسه أو عليها، فليجتنب بجهده، وذلك بأن يجتنب أصلاً متى أمكنها الركوب والنزول بنفسها، وإن لم يمكنها ذلك تكلف المحرم في ذلك زيادة تكلف بالثياب حتى لا تصل إليه حرارة بدنها، وإن لم يمكنه ذلك؛ تكلف لدفع الشهوة عن قلبه يعني: لا يقصد بما فعل قضاء الشهوة.
وأما النظر إلى إماء الغير، والمدبرات وأمهات الأولاد، فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه، والأصل في ذلك ما روي عن أنس ﵁ أنه قال: كن جواري عمر ﵁ يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس مظهرات اليدين، ولأن الأمة تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها، وإنما تخرج في ثياب مهنتها، فحالها مع جميع الرجال في معنى
стр. 1965
البلوى؛ كحال المرأة مع ذوي محارمها، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: يجوز النظر إلى بطنها وظهرها وجنبها، ويروى في ذلك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من أراد أن يشتري جارية، فلينظر إليها، إلا إلى موضع المئزر، وهذا القول ليس بصحيح. تأويل الحديث: أن المرأة قد تتزر على الصدر، فهو مراد ابن عباس ﵁، قال: وكل ما يباح النظر إليه منها يباح مسه إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها، والأصل في ذلك ما روي عن عمر ﵁ أنه مر بجارية تباع، فضرب يده على صدرها، ومس ذراعيها وقال: اشتروا فإنها رخصة، والمعنى أن المسح للنظر الحاجة، وكما مست الحاجة إلى النظر مست الحاجة إلى اللمس ليعرف أن يشتريها.
ولم يذكر محمد ﵀ في شيء من الكتب الخلوة، والمسافرة بإماء الغير، وقد اختلف المشايخ فيه؛ منهم من قال: يحل، وإليه مال الحاكم الشهيد، ومنهم من قال: (لا) يحل، وبه كان يفتي الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، والذين قالوا بالحل اختلفوا فيما بينهم؛ بعضهم قالوا: ليس له أن يعالجها في الإنزال والإركاب؛ لأنه يشتهيها، وبعضهم قالوا: له ذلك إذا أمن على نفسه الشهوة وعليها؛ وهذا لأن المولى قد يبعثها إلى بلدة أخرى في حاجته، وعسى تحتاج إلى من يركبها وينزلها، ولأجل الحاجة جوز النظر والمس في سائر المواضع.
وأما النظر إلى الأجنبيات: فنقول: يجوز النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منهن، وذلك الوجه والكف في ظاهر الرواية، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا يبديين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ (النور:٣١) قال علي وابن عباس ﵃: ما ظهر منها الكف والخاتم، وروي: أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله ﷺ ، فنظر إلى وجهها، فلم يرَ فيها رغبة، ورأى رسول الله ﵇ كف امرأة غير مخضوبة فقال: «أكف رجل هذا» ؟ ولما ناول فاطمة أحد ولديها بلالاً أو أنساً، قال: «رأيت كفها كأنها فِلْقَة قمر» ؛ ولأنها تحتاج إلى إبداء وجهها في المعاملات لتحل الشهادة عليها، وتحتاج إلى إبداء كفها عند الأخذ والإعطاء.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵄: أنه يجوز النظر إلى قدمها أيضاً؛ لأنها تحتاج إلى إبداء قدمها إذا مشت حافية أو متنعلة، فإنها لا تجد الخف في كل وقت، وفي رواية أخرى عنه قال: لا يجوز النظر إلى قدمها.
وفي «جامع البرامكة» عن أبي يوسف: أنه يجوز النظر إلى ذراعيها أيضاً؛ لأنها تصير مبتلياً بإبداء ذراعيها عند الغسل والطبخ، قيل: فكذلك يباح النظر إلى ثناياها؛ لأن ذلك يبدوا منها عند التحدث مع الرجال في المعاملات، وذلك كله إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان يعلم أنه لو نظر (٨٧ب٢) اشتهى، أو كان أكثر رأيه ذلك، فليجتنب
следующие страницы →