Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
مراراً يشمت في كل مرة، فإن أخر يكفيه مرة واحدة، فإذا عطست المرأة فلا بأس بتشميتها؛ إلا أن تكون شابة، وإذا عطس الرجل فشمتته المرأة، فإن كانت عجوزاً يرد الرجل عليها، وإن كانت شابة يرد في نفسه، والجواب في هذا كالجواب في السلام.
الفصل التاسع فيما يحل للرجل النظر إليه، وما لا يحل، وما يحل له مسه، وما لا يحل
يجب أن تعلم بأن مسائل النظر تنقسم إلى أربعة أقسام: نظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة، ونظر المرأة إلى الرجل، ونظر الرجل إلى المرأة (٨٦ب٢) .
أما بيان القسم الأول فنقول: يجوز أن ينظر الرجل إلى الرجل، إلا إلى عورته، وعورته ما بين سرته حتى يجاوز ركبته، والأصل فيه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «عورة الرجل ما دون سرته حتى تجاوز ركبته» ، والتعامل في الحمام في إزار واحد من غير نكير منكر، ومثل هذا التعامل حجة في الشرع.
وكان أبو عصمة سعد بن معاذ المروزي يقول: إن السرة عورة؛ لأنها إحدى حدي العورة فتكون عورة كالركبة، بل أولى؛ لأنها في معنى الاشتهاء فوق الركبة، وحجتنا في ذلك حديث عمرو بن شعيب على ما روينا عن عمر ﵁: أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، والتعامل الظاهر فيما بين الناس: أنهم إذا دخلوا الحمام، أبدوا عن سرتهم عند الاتزار من غير نكير منكر، ومثل هذا التعامل حجة، وكان الشيخ الإمام الجليل أبو بكر محمد بن الفضل يقول: ما دون السرة إلى موضع نبات الشعر ليس بعورة، لتعامل بعض الناس في الإبداء عن ذلك الموضع عند الإتزار، ولكن هذا بعيد، فإن التعامل إنما يعتبر فيما لا نص فيه، دون السرة نص على ما روينا، وما جاز النظر إليه جاز مسه؛ لأن ما ليس بعورة فمسه والنظر إليه على السواء، وسيأتي الكلام فيه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
وأما بيان القسم الثاني: فنقول: نظر المرأة إلى المرأة كنظر الرجل إلى الرجل؛ لأن المرأة لا تشتهي المرأة؛ كما لا يشتهي الرجل الرجل، فكما جاز للرجل النظر إلى الرجل؛ فكذا يجوز للمرأة النظر إلى المرأة.
وأما بيان القسم الثالث: فنقول: نظر المرأة إلى الرجل الأجنبي تنظر إلى جميع جسده إلا ما بين سرته حتى تجاوز ركبته؛ لأن السرة فما فوقها وما تحت الركبة من الرجل ليس بعورة، وما ليس بعورة فالنظر إليه مبلغ الرجال والنساء جميعاً.
стр. 1962
وأشار في «الكتاب» إلى أنها لا تنظر إلى ظهره وبطنه؛ لأن لهم النظر عند اختلاف الجنس، ألا ترى أنه لا يحل للمرأة غسل الرجل الأجنبي بعد موته، ويحل للرجل ذلك، وما ذكرنا من الجواب فيما إذا كانت المرأة تعلم يقيناً أنها لو نظرت إلى بعض ما ذكرنا من الرجل لا يقع في قلبها شهوة، فأما إذا علمت أنه يقع في قلبها شهوة أو شكت، ومعنى الشك استواء الظن، فأحب إليَّ أن تغض بصرها منه؛ هكذا ذكر محمد في «الأصل» ؛ وهذا لأن النظر عن شهوة نوع زنا، قال ﵇: «العينان تزنيان وزناهما النظر» ، والزنا حرام بجميع أنواعه، فقد ذكر الاستحسان فيما إذا كان الناظر إلى الرجل الأجنبي هي المرأة.
وفيما إذا كان الناظر إلى المرأة الأجنبية هو الرجل، قال: يجتنب بجهده على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله، وهو دليل الحرمة، وهو الصحيح في الفعلين جميعاً، ولا تمس شيئاً إذا كان أحدهما شاباً في حد الشهوة، وإن أمنا على أنفسهما الشهوة فقد حرم المس، وإن أمنا على أنفسهما الشهوة إذا كان أحدهما في حد الشهوة، فلم يحرم النظر إذا أمنت على نفسها الشهوة؛ لأن حكم المس أغلظ من حكم النظر حتى إن من مس سائر الأعضاء يوجب حرمة المصاهرة إن كان المس عن شهوة، والنظر إلى سائر الأعضاء سوى عين الفرج لا يوجب حرمة المصاهرة، وإن كان عن شهوة، والصوم يفسد بالمس عن شهوة، إذا اتصل به الإنزال، ولا يفسد بالنظر عن شهوة وإن اتصل به الإنزال والبلوى الذي تتحقق في النظر لا تتحقق في المس، فالرخصة في النظر عند الأمن عن الشهوة لا توجب الرخصة في المس.
فأما الأمة فيحل لها النظر إلى جميع أعضاء الرجل الأجنبي سوى ما بين سرته حتى تجاوز ركبته، وتمس جميع ذلك إذا أمنا على أنفسهما الشهوة؛ ألا ترى أنه جرت العادة فيما بين الناس أن الأمة تغمز رجل زوج مولاتها من غير نكير منكر، وإنه يدل على جواز المس.
وأما بيان القسم الرابع: فنقول: نظر الرجل إلى المرأة ينقسم أقساماً أربعة؛ نظر الزوج إلى زوجته ومملوكته، ونظر الرجل إلى ذوات محارمه، ونظر الرجل إلى الحرة الأجنبية، ونظر الرجل إلى إماء الغير.
أما نظر الرجل إلى زوجته ومملوكته: فهو حلال من فرقها إلى قدمها، عن شهوة وبغير شهوة، وهذا ظاهر؛ إلا أن الأولى أن لا ينظر كل واحد منهما إلى عورة صاحبه، قالت عائشة ﵂: ما رأيت من رسول الله ﷺ ، ولا رأى مني مع طول صحبتي إياه، وقال ﵇: «إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ما استطاع، ولا يتجردان تجرد
стр. 1963
البعير» ، وكان ابن عمر ﵄ يقول: الأولى أن ينظر الرجل إلى فرج امرأته وقت الوقاع ليكون أبلغ في تحصيل معنى اللذة، وعن أبي يوسف في «الأمالي» قال: سألت أبا حنيفة ﵁ عن الرجل يمس فرج امرأته، أو تمس هي فرجه ليتحرك عليها؛ هل ترى بذلك بأساً؟ قال: أرجو أن يعظم الأجر.
وأما النظر إلى ذوات محارمه فنقول: يباح النظر إلى موضع زينة الظاهرة والباطنة، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن﴾ (النور:٣١) الآية، فالاستدلال بالآية أنه ليس المراد من الزينة المذكورة في الآية عين الزينة تباع في الأسواق ويراها الأجانب، وإنما المراد مواضع الزينة، والثاني: أن الله تعالى أباح لهن إبداء الزينة للمحارم، وهي على مواضع الزينة؛ لأن إبداء الزينة، وهي على غير مواضع الزينة تباح للأجانب، وأثر الزينة وهي على موضع الزينة لا يتصور إلا بإبداء موضع الزينة، فيدل ذلك على إباحة إبداء مواضع الزينة.
ومواضع الزينة: الرأس والأذن العنق والصدر والعضد والساعد والكف والساق والرجل والوجه، فالرأس موضع التاج والإكليل، والشعر موضع العقاص، والعنق موضع القلادة، والصدر كذلك، فالقلادة قد تنتهي إلى الصدر وكذلك الوشاح، والأذن موضع القرط، والعضد موضع الدملج، والساعد موضع السوار، والكف موضع الخاتم والخضاب، والساق موضع الخلخال والخضاب، والقدم موضع الخضاب، ولأن المحارم يدخل بعضهم على بعض من غير استئذان ولا حشمة، والمرأة في بيتها تكون في ثياب مهنتها، ولا تكون مستترة، فلو أمرناها بالستر من محارمها أدى إلى الحرج.
وما يحل النظر إليه حل مسه، وغمزه من غير حائل، (٧٨أ٢) والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ كان يقبل رأس فاطمة، وأبو بكر ﵁ قبل رأس عائشة ﵂، وقال ﵇: «من قبل رجل أمه، فكأنما قبل عتبة الجنة» ، ولكن إنما يباح النظر إذا كان يأمن على نفسه الشهوة، فأما إذا كان يخاف على نفسه الشهوة، فلا يحل له النظر لما بينا قبل هذا، وكذلك المس إنما يباح له إذا أمن على نفسه وعليها الشهوة؛ أما إذا خاف على نفسه أو عليها الشهوة، فلا يحل المس له، ولا يحل أن ينظر إلى بطنها، ولا إلى ظهرها، ولا إلى جنبها، ولا يمس شيئاً من ذلك، والوجه في ذلك: أن الله تعالى سمى الظهار في كتابه منكراً من القول وزوراً، وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي لولا أن ظهرها محرم عليه نظراً
стр. 1964
ومساً، وكل شيء وإلا لما سمى الظهار منكراً من القول وزوراً، وإذا ثبت هذا في الظهر ثبت في البطن والجنبين.
وذوات المحارم من (يحرم) عليه نكاحهن بالنسب نحو الأمهات والبنات والجدات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، أو ما يحرم بالرضاع، وقد صح أن عائشة ﵂ سألت عنه رسول الله ﷺ ، وقالت: إن أفلح يدخل علي وأنا في ثياب فضل، قال ﵇: «ليلج عليك أفلح، فإنه عمك من الرضاعة» ، وكذلك الحرمة بالمصاهرة، إذا كانت بالنكاح بلا خلاف.
واختلفوا فيما إذا كانت بالزنا فبعض المشايخ؛ قالوا: لا يثبت بها حل النظر والمس؛ لأن ثبوت الحرمة على الزاني بطريق العقوبة لا بطريق النعمة؛ ولأنه قد جرب مرة وظهرت جناية فلا يؤتمن ثانياً، قال شمس الأئمة السرخسي: والأصح أنه لا بأس بذلك، وقاسه على ما إذا كانت هذه الحرمة بسبب النكاح.
قال محمد ﵀: ويجوز له أن يسافر بها، وأن يخلو بها يعني لمحارمه إذا أمن على نفسه، وهذا لقوله ﵇: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها، أو ذي رحم محرم» ، فقد أباح للمرأة المسافرة مع ذي الرحم المحرم، وإنه يوجب إباحة المسافرة للمحرم معها، ولأن حرمة المسافرة والخلوة بالأجنبيات لخوف الفتنة بواسطة الشهوة، والإنسان لا يشتهي محارمه غالباً، فصار من هذا الوجه كالخلوة والمسافرة مع الجنس، فإن علم أنه يشتهيها، أو تشتهيه لو سافر بها أو خلا بها، أو كان أكثر رأيه ذلك أو شك، فلا يباح له ذلك لما ذكرنا، وإن احتاج إلى حملها، وإنزالها في السفر، فلا بأس بأن يأخذ ببطنها وظهرها من وراء الثياب؛ لأن المس من فوق الثياب لا يفضي إلى الشهوة غالباً، فصار كالنظر، وقد صح أن ابن عمر ﵄: رأى رجلاً حمل أمه على عاتقه يطوف بها، ولم ينكر عليه، فإن خاف الشهوة على نفسه أو عليها، فليجتنب بجهده، وذلك بأن يجتنب أصلاً متى أمكنها الركوب والنزول بنفسها، وإن لم يمكنها ذلك تكلف المحرم في ذلك زيادة تكلف بالثياب حتى لا تصل إليه حرارة بدنها، وإن لم يمكنه ذلك؛ تكلف لدفع الشهوة عن قلبه يعني: لا يقصد بما فعل قضاء الشهوة.
وأما النظر إلى إماء الغير، والمدبرات وأمهات الأولاد، فهو كنظر الرجل إلى ذوات محارمه، والأصل في ذلك ما روي عن أنس ﵁ أنه قال: كن جواري عمر ﵁ يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس مظهرات اليدين، ولأن الأمة تحتاج إلى الخروج لحوائج مولاها، وإنما تخرج في ثياب مهنتها، فحالها مع جميع الرجال في معنى
стр. 1965
البلوى؛ كحال المرأة مع ذوي محارمها، وكان محمد بن مقاتل الرازي يقول: يجوز النظر إلى بطنها وظهرها وجنبها، ويروى في ذلك عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من أراد أن يشتري جارية، فلينظر إليها، إلا إلى موضع المئزر، وهذا القول ليس بصحيح. تأويل الحديث: أن المرأة قد تتزر على الصدر، فهو مراد ابن عباس ﵁، قال: وكل ما يباح النظر إليه منها يباح مسه إذا أمن الشهوة على نفسه وعليها، والأصل في ذلك ما روي عن عمر ﵁ أنه مر بجارية تباع، فضرب يده على صدرها، ومس ذراعيها وقال: اشتروا فإنها رخصة، والمعنى أن المسح للنظر الحاجة، وكما مست الحاجة إلى النظر مست الحاجة إلى اللمس ليعرف أن يشتريها.
ولم يذكر محمد ﵀ في شيء من الكتب الخلوة، والمسافرة بإماء الغير، وقد اختلف المشايخ فيه؛ منهم من قال: يحل، وإليه مال الحاكم الشهيد، ومنهم من قال: (لا) يحل، وبه كان يفتي الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، والذين قالوا بالحل اختلفوا فيما بينهم؛ بعضهم قالوا: ليس له أن يعالجها في الإنزال والإركاب؛ لأنه يشتهيها، وبعضهم قالوا: له ذلك إذا أمن على نفسه الشهوة وعليها؛ وهذا لأن المولى قد يبعثها إلى بلدة أخرى في حاجته، وعسى تحتاج إلى من يركبها وينزلها، ولأجل الحاجة جوز النظر والمس في سائر المواضع.
وأما النظر إلى الأجنبيات: فنقول: يجوز النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة منهن، وذلك الوجه والكف في ظاهر الرواية، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا يبديين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ (النور:٣١) قال علي وابن عباس ﵃: ما ظهر منها الكف والخاتم، وروي: أن امرأة عرضت نفسها على رسول الله ﷺ ، فنظر إلى وجهها، فلم يرَ فيها رغبة، ورأى رسول الله ﵇ كف امرأة غير مخضوبة فقال: «أكف رجل هذا» ؟ ولما ناول فاطمة أحد ولديها بلالاً أو أنساً، قال: «رأيت كفها كأنها فِلْقَة قمر» ؛ ولأنها تحتاج إلى إبداء وجهها في المعاملات لتحل الشهادة عليها، وتحتاج إلى إبداء كفها عند الأخذ والإعطاء.
وروى الحسن عن أبي حنيفة ﵄: أنه يجوز النظر إلى قدمها أيضاً؛ لأنها تحتاج إلى إبداء قدمها إذا مشت حافية أو متنعلة، فإنها لا تجد الخف في كل وقت، وفي رواية أخرى عنه قال: لا يجوز النظر إلى قدمها.
وفي «جامع البرامكة» عن أبي يوسف: أنه يجوز النظر إلى ذراعيها أيضاً؛ لأنها تصير مبتلياً بإبداء ذراعيها عند الغسل والطبخ، قيل: فكذلك يباح النظر إلى ثناياها؛ لأن ذلك يبدوا منها عند التحدث مع الرجال في المعاملات، وذلك كله إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان يعلم أنه لو نظر (٨٧ب٢) اشتهى، أو كان أكثر رأيه ذلك، فليجتنب
стр. 1966
بجهده ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفها، وإن كان يأمن الشهوة بخلاف النظر؛ وهذا لأن حكم المس أغلظ من حكم النظر، والضرورة في المس قاصرة فلا يلحق المس بالنظر؛ هذا إذا كانت شابة تشتهى.
فإن كانت عجوزاً لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها، ومس يدها، والأصل في ذلك ما روي أن رسول الله ﷺ كان يصافح العجائز في البيعة، ولا يصافح الشواب، ولأن الحرمة في الشواب لخوف الفتنة، ولا خوف في العجائز، وكذلك إذا كان شيخاً يأمن على نفسه وعليها فلا بأس بأن يصافحها، وإن كان لا يأمن على نفسه أو عليها، فليجتنب لما مر من قبل هذا.
ثم إن محمداً ﵀ أباح المس للرجال إذا كانت المرأة عجوزاً، ولم يشترط كون الرجل بحال لا يجامع مثله فيما إذا كان الماس هي المرأة، قال: إذا كانا كبيرين لا يجامع مثله، ولا يجامع مثلها، فلا بأس بالمصافحة، فليأمل عند الفتوى.
وإن كان عليها ثياب، فلا بأس بأن يتأمل جسدها؛ لأن نظره إلى ثيابها لا إلى جسدها، فهو كما لو كانت في بيت فنظر إلى جدارها، وهذا إذا لم تكن ثيابها ملتزقة بها، بحيث تصف ما تحتها،...... .... ولم يكن رقيقاً بحيث يصف ما تحته، وإن كانت بخلاف ذلك فينبغي له أن يغض بصره؛ لأن هذا الثوب من حيث إنه لا يسترها بمنزلة شبكة عليها، والأصل فيه ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: لا تلبسوا نساءكم الكتان والقباطي، فإنها إن تشف تصف، وهذا إذا كانت في حد الشهوة، وإن كانت صغيرة لا يشتهى مثلها، فلا بأس بالنظر إليها ومن مسها؛ لأنه ليس لبدنها حكم العورة، ولا في النظر والمس معنى خوف الفتنة، والأصل فيه ما روي أن رسول الله ﷺ «كان يقبل زب الحسن والحسين في صغرهما» ، وروي: أنه كان يأخذ ذلك من أحدهما، فيجره والصبي يضحك.
ثم النظر إلى الحرة الأجنبية قد يصير مرخصاً عند الضرورة لما عرف: أن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع، ومن مواضع الضرورة إذا دعي الرجل إلى شهادة يعني أداء الشهادة عليها، وأراد الحاكم أن ينظر إليها ليجيز إقراره عليها، وكان إذا نظر اشتهى، أو كان أكثر رأيه ذلك، فلا بأس بالنظر إليها؛ لأن الشاهد لا يجد بداً من النظر إلى المشهود عليه في أداء الشهادة، ليكون الأداء عن علم، وكذلك القاضي لا يجد بداً من النظر وقت الحكم حتى لا يقع الحكم على غير المستحق عليه.
وكذلك لو أراد أن يتزوجها؛ لا بأس بالنظر إليها وإن كان فيه شهوة، قال ﵇ للمغيرة بن شعبة حين أراد أن يتزوج امرأة: «انظرها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما» ، ولكن
стр. 1967
عند النظر ينبغي أن لا يقصد قضاء الشهوة، وإنما يقصد أداء الشهادة والحكم عليها.
واختلف المشايخ فيما إذا دعي إلى تحمل الشهادة عليها، وهو يعلم أنه لو نظر إليها اشتهى، فمنهم من جوز ذلك، بشرط أن يقصد تحمل الشهادة لا قضاء الشهوة، قال شيخ الإسلام ﵀: والأصح أنه لا يباح ذلك؛ إذ لا ضرورة في تحمل الشهادة، فقد يوجد من لا يشتهيها بالنظر إليها؛ بخلاف حالة الأداء؛ لأن الشاهد التزم تلك الأمانة، وهو متعين لأدائها.
وكذلك إذا اشترى جارية، فلا بأس بأن ينظر إلى شعرها وصدرها وساقها وإن اشتهى؛ لأن المالية مطلوبة بالشراء، ولا يصير مقدارها معلوماً إلا بالنظر إلى هذه المواضع، فلأجل الحاجة جاز النظر، ولا يحل له أن يمس شيئاً منها إن اشتهى، أو كان عليه أكثر رأيه، فقد ذكرنا أن حكم المس أغلظ من حكم النظر.
قال: ولا يحل النظر إلى العورة، إلا عند الضرورة؛ قال سلمان الفارسي ﵁:؛ لأن أخرّ من السماء، فأنقطع نصفين؛ أحب إلي من أن أنظر إلى عورة أحد، أو ينظر أحد إلى عورتي، مع هذا إذا جاء العذر، فلا بأس بالنظر إليها، فمن جملة الأعذار الختان، والختان ينظر عند ذلك الفعل، وكذلك الخافضة تنظر؛ وهذا لأن الختان سنة، وهو من جملة الفطرة في حق الرجل لا يمكن تركه، ومن ذلك عند الولادة، والمرأة تنظر إلى موضع الفرج من المرأة وغيره؛ لأنه لابد من قابلة تقبل الولد وتعالجه، وبدونها تخاف الهلاك على الولد، وعند قبول الولد ومعالجته يحتاج إلى النظر فأبيح لأجل الحاجة، وقد صح أن رسول الله ﷺ جوز شهادة القابلة على الولادة، فذلك دليل على أنه يباح لها النظر.
وكذلك ينظر الرجل من الرجل إلى موضع الاحتقان عند الحاجة إليه؛ بأن كان مريضاً؛ لأن الضرورة قد تحققت، والاحتقان من المداواة، قال ﵇: «تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يخلق داءً إلا وخلق له الدواء، إلا السام والهرم» ، وقد روي عن أبي يوسف: أنه إذا كان به هزال، فاحتقن؛ قيل له: إن الحقنة تزيل ما بك من الهزال، فلا بأس بأن يبدي ذلك الموضع للمحتقن، وهذا صحيح، فإن الهزال الفاحش نوع مرض يكون آخره.... والسل، وحكي عن الشافعي قال: إذا قيل له: إن الحقنة تقويك على المجامعة، فلا بأس بذلك، وهذا ضعيف؛ لأن الضرورة لا تتحقق بهذا. وكشف العورة من غير ضرورة لمعنى الشهوة لا يجوز.
وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصوم أن الحقنة إنما تجوز عند الضرورة، وإذا لم يكن ثمة ضرورة، ولكن فيها منفعة ظاهرة بأن كان يتقوى بسببها على
стр. 1968
الجماع لا يحل عندنا، وإن كان به هزال، فإن كان هزالاً يخشى منه التلف يحل، وما لا فلا، وذكر الفقيه أبو الليث ﵀ في «فتاويه» في باب الطهارات؛ قال محمد بن مقاتل الرازي: لا بأس بأن يتولى صاحب الحمام عورة إنسان بيده عند التنوير إذا كان يغض بصره كما أنه لا بأس به إذا كان يداوي جرحاً أو قرحاً، قال الفقيه: وهذا في حالة الضرورة لا في غيرها؛ لأن كل موضع لا يجوز النظر إليه لا يجوز مسه، إلا من فوق الثياب، وينبغي لكل أحد أن يتولى عانته بيده إذا تنور، فإنه روي عن النبي ﵇ كان يتولى ذلك بنفسه.f
وإذا أصابت المرأة قرحة في موضع لا يحل للرجل أن ينظر إليه، علم امرأة دواءها لتداويها؛ لأن نظر الجنس إلى الجنس أخف وكذا في امرأة العنين تنظر إليها النساء، فإن قلن: هي بكر (٨٨أ٢) فرق القاضي بينهما، وكذا لو اشترى جارية على أنها بكر، فقبضها فقال: وجدتها ثيباً؛ تنظر إليها النساء للحاجة إلى فصل الخصومة، وإن لم يجدوا امرأة تداوي تلك القرحة، ولم يقدروا على امرأة تعلم ذلك، وخافوا أنها تهلك، أو يصيبها بلاء أو وجع، فلا بأس بأن يستر منها كل شيء إلا موضع تلك القرحة، ثم يداويها رجل، ويغض بصره ما استطاع إلا عن ذلك الموضع؛ لأن نظر الجنس إلى غير الجنس أغلظ، فيعتبر فيه تحقق الضرورة، وذلك عند خوف الهلاك، وذوات المحارم والأجنبيات في هذا على السواء؛ لأن النظر إلى العورة لا يحل بسبب المحرمية.
والعبد فيما ينظر إلى مولاته كالحر الأجنبي حتى لا يحل له أن ينظر إلا إلى وجهها وكفها، وهذا مذهبنا، وقال مالك: نظره إليها كنظر الرجل إلى ذوات محارمه لقوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ (المؤمنين:٦) ، ولا يجوز أن يحل ذلك على الإماء؛ لأن الإماء دخلن في قوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ (النور:٣١) ؛ ولأن هذا مما لا يشكل أن الأمة تنظر إلى مولاتها، وإنما يحمل البيان على موضع الإشكال، ولأن إباحة النظر إلى ذوات المحارم لأجل الحاجة، وهو دخول البعض من غير استئذان ولا حشمة، وهذا يتحقق فيما بين العبد ومولاته.
حجتنا في ذلك حديث سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير فإنهما قالا: لا تغرنكم سورة النور، فإنها في الإناث دون الذكور، ومرادهما قوله تعالى: ﴿وما ملكت أيمانهن﴾ (المؤمنون: ٦) والموضع موضع الإشكال؛ لأن حالة الأمة تقرب من حال الرجال؛ حتى تسافر بغير محرم، فكان يشكل أنه هل يباح لها الكشف بين يدي أمتها؟ ولم يزل هذا الإشكال، بقوله تعالى: ﴿أو نسائهن﴾ (النور: ٣١) ؛ لأن مطلق هذا اللفظ يتناول الحرائر دون الإماء، والمعنى فيه: أنه ليس بينهما زوجية ولا محرمية. وحل النظر إلى مواضع الزينة الباطنة؛ يبنى على هذا السبب؛ وهذا لأن حرمة النظر إلى مواضع الزينة الباطنة لمعنى خوف الفتنة، وخوف الفتنة ينعدم بالمحرمية؛ لأن الحرمة المؤبدة تقلل الشهوة، فأما الملك لا يقلل الشهوة، بل يحملها على رفع الحشمة، ومعنى البلوى لا يتحقق أيضاً؛ لأن العبد إنما يتخذ لخدمة خارج البيت؛ لا يخدم داخل البيت على ما قيل من الحد عند الخدمة داخل البيت،
стр. 1969
فهو كسجّان
ويستوي في ذلك الخصي والفحل؛ قالت عائشة ﵂: الخصي مثله، فلا يبيح ما كان حراماً قبله، ولأن معنى الفتنة لا تنعدم بالخصي، فالخصي قد يجامع، وقيل: هو أشد الناس جماعاً، وكذلك المجبوب الذي لم يجف ماؤه؛ لأنه ينزل بالسحق فلا ينعدم معنى الفتنة، وإن كان مجبوباً قد جف ماؤه، فقد رخص بعض مشايخنا في حقه بالاختلاط بالنساء؛ لوقوع الأمن من الفتنة، والأصح أنه لا يحل ذلك، ومن رخص فيه تأول قول الله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال﴾ (النور:٣١) الآية وبين أهل التفسير كلاماً في معنى هذا، فقيل: هو المجبوب الذي جف ماؤه، وقيل: هو المخنث الذي لا يشتهي النساء، والكلام في المخنث عندنا أنه إن كان مخنثاً في الرديء من الأفعال، فهو كغيره من الرجال، هو من.... وينحى عن النساء، فأما إذا كان في أعضائه لين، أو في لسانه تكسر بأصل الخلقة، ولا يشتهي النساء، ولا يكون مخنثاً في الرديء من الأفعال، فقد رخص بعض مشايخنا في ترك مثله مع النساء لما روي أن مخنثاً كان يدخل بعض بيوت رسول الله ﷺ سمع منه رسول الله ﵇ كلمة فاحشة، فإنه قال: لعمر بن أبي سلمة: إن فتح الله تعالى على رسوله الطائف لأدلنك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع، وتدبر بثمان فقال: «ما كنت أعلم أنه يعرف مثل هذا، أخرجوه» ، وقيل: المراد بقوله: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة﴾ الذي لا يدري ما يصنع بالنساء، إنما همته بطنه، وفي هذا كلام أيضاً عندنا إذا كان شاباً ينحى عن النساء، وإنما ذلك إذا كان شيخاً كبيراً قد ماتت شهوته، فحينئذٍ يرخص في ذلك، والأصح أن يقول قوله تعالى: ﴿أوالتابعين﴾ من المتشابه، وقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ (النور:٣) محكم فنأخذ بالمحكم، فنقول: كل من كان من الرجال لا يحل لها أن تبدي موضع الزينة الباطنة بين يديه، ولا يحل له أن ينظر إليها إلا أن يكون صغيراً، فحينئذٍ لا بأس بذلك، بقوله تعالى:
﴿أو الطفل الذين﴾ (النور:٣١) الآية ولا بأس بدخول الصبي على النسوان ما لم يبلغ حد الحلم، وذلك خمس عشر سنة؛ لأنه لا يحتلم.
ومما يتصل بهذا الفصل
جماع الحائض في الفرج: وإنه حرام بالنص، يكفر مستحله ويفسق مباشرة لقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (البقرة:٢٢٢) ، وفي قوله تعالى: ﴿ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن﴾ (البقرة: ٢٢٢) ، دليل على أن الحرمة تمتد إلى الطهر، وقال ﵇: «من أتى امرأته في غير مأتاها أو أتاها في حالة الحيض، أو أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد» ، ولكن لا يلزمه بالوطء سوى الاستغفار والتوبة، ومن العلماء من
стр. 1970
يقول: إن وطئها في أول الحيض فعليه أن يتصدق بدينار، وإن وطئها في آخر الحيض فعليه أن يتصدق بنصف دينار، ورووا فيه حديثاً شاذاً، ولكن الكفارة لا تثبت بمثله.
وحجتنا في ذلك: ما روي أن رجلاً جاء إلى الصديق ﵁، فقال: إني رأيت في منامي كأني أبول دماً، فقال: أتصدقني؟ فقال: نعم، فقال: إنك تأتي امرأتك في حالة الحيض، فاعترف بذلك فقال: استغفر الله ولا تعدْ، ولم يلزمه الكفارة.
واختلفوا فيما سوى الجماع، فقال أبو حنيفة ﵁: له أن يستمتع بها فوق المئزر وليس له ما تحته، وقال محمد ﵀: يتجنب شفار الدم وله ما سوى ذلك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵄، وذكر الطحاوي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، وذكر الكرخي مع محمد.
وجه قوله الاستدلال بقوله تعالى: ﴿قل هو أذى﴾ (البقرة:٢٢٢) ففيه بيان أن الحرمة لمعنى استعمال الأذى، وذلك في محل مخصوص، وروي في «الكتاب» عن الصلت بن دينار، وعن معاوية بن مرة قال: سألت عائشة ﵂ ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض، قالت: يتجنب شفار الدم، وله ما سوى ذلك، وفي حديث آخر عن عائشة ﵂ قالت: للرجل من امرأته الحائض كل شيء إلا النكاح يعني الجماع، والمعنى فيه أن ملك النكاح باقٍ زمان الحيض، وحرمة الفعل لمعنى استعمال الأذى، وذلك فعل لا يكون فيه معنى استعمال الأذى، فهو حلال مطلق كما كان قبل الحيض، وقاسه بالاستمتاع (٨٨ب٢) فوق المئزر.
وحجة أبي حنيفة ﵁ قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ (البقرة:٢٢٢) فظاهره يقتضي تحريم الاستمتاع بكل عضو منها فيما اتفق عليه الآثار صار مخصوصاً من هذا الظاهر، وبقي ما سواه على الظاهر، وروي أن وفداً سألوا عمر ﵁ عما يحل للرجل من امرأته الحائض، فقال: سألت عنه رسول الله ﷺ ، فقال: «للرجل من امرأته الحائض ما فوق المئزر، وليس له ما تحته» ، والمعنى فيه: أن الاستمتاع في موضع الفرج يحرم عليه، وإذا قرب من ذلك الموضع لا يأمن على نفسه أن يقع في الحرام، فليجتنب من ذلك بالاكتفاء بما فوق المئزر.
ولا ينبغي أن يعتزل فراشها، فإن ذلك تشبه باليهود، وقد نهينا عن التشبه بهم؛ روي أن ابن عباس ﵄ فعل ذلك، فبلغ ميمونة ﵄، فأنكرت عليه وقالت: أترغب عن سنة رسول الله ﵇ تضاجعنا في فراش واحد في حالة الحيض.
ذكر في «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة ﵁: إذا حاضت الأمة لم تعرض في إزار واحد ترتديه مكشوف البطن والظهر؛ لأنها إذا حاضت فقد بلغت، وثبت لأعضائها حكم العورة، فلا يحل للأجنبي النظر إلى بطنها وظهرها، وإنما يحل النظر إلى مواضع الزينة الظاهرة والباطنة كما في المحارم.
стр. 1971
الفصل العاشر في اللبس؛ ما يكره من ذلك، وما لا يكره
ذكر محمد ﵀ في «السير» في باب العمائم حديثاً يدل على أن لبس السواد مستحب، وأن من أراد أن يجدد اللف بعمامته ينبغي أن ينقضها كوراً كوراً، وإن ذلك أحسن من رفعها عن رأسه وإلقائها في الأرض دفعة واحدة، وإن المستحب إرسال ذنب العمامة بين الكتفين، واختلفوا في مقدار ما ينبغي أن من يكون من ذنب العمامة، منهم من قدره بشبر، ومنهم من قال: إلى وسط الظهر، ومنهم من قال: إلى موضع الجلوس.
وذكر فيه أيضاً: أنه لا بأس بلبس القلانيس، فقد صح أنه كان لرسول الله ﵇ قلانيس يلبسها.
ذكر في «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة: أنه كان يكره لبس الحرير والديباج، وكان لا يرى بالتوسد به والنوم عليه بأساً، وقال محمد ﵀: يكره التوسد والنوم كما يكره اللبس، وقول أبي يوسف ﵀ مثل قول محمد.
يجب أن تعلم بأن لبس الحرير وهو ما كان لحمته حريراً وسداه حريراً حرام على الرجال في جميع الأحوال عند أبي حنيفة ﵁، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: لا يكره في حالة الحرب، ويكره في غير حالة الحرب، ومن العلماء من قال: لا يكره ذلك في الأحوال كلها. وفي «شرح القاضي الإمام الإسبيجابي» ﵀: أن عند أبي يوسف ومحمد إنما لا يكره لبس الحرير للرجال في حالة الحرب إذا كان صفيقاً يدفع مضرة السلاح.
والكلام في موضعين: في حالة الحرب، وفي غير حالة الحرب:
أما في حالة الحرب: فحجة قول من قال بعدم الكراهية ما روى عقبة بن عامر أن النبي ﵇ صلى وعليه حرير.
وجه قول عامة العلماء: ما روي عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن لبس الحرير والديباج، وقال: «إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة» ، وعنه ﵇ أنه نهى عن لبس الحرير والديباج إلا قدر إصبعين، أو ثلاثة، أو أربعة، وأراد به الأعلام،
стр. 1972
وعن عمر ﵁: أنه بعث جيشاً وغنموا غنائم، فلما رجعوا فلبسوا الحرير والديباج، فلما رآهم أعرض عنهم، وقال: انزعوا عنكم ثياب أهل النار، فنزعوا.
وما رواه الخصم محمول على ما قبل التحريم؛ الدليل عليه ما روى أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ لبس جبة حرير، وذلك قبل أن ينهى عنه، ولأن هذا من زي الأعاجم وتشبه بالأكاسرة، وذلك منهي. قال عمر ﵁: «إياكم وزي الأعاجم» ، وهذا إذا لم تقع الحاجة إليه، فأما إذا وقعت الحاجة إليه فلا بأس بلبسه؛ لما روي عن عبد الرحمن بن عوف، والزبير ﵄ أنه كان بهما جرب كثيرة، فاستأذنا رسول الله ﵇ في لبس الحرير فأذن لهما فيه.
وكما يكره لبس ما كان لحمته حريراً وسداه حريراً في غير حالة الحرب، فكذلك يكره لبس ما كان لحمته حريراً وسداه غير حرير، وأما ما كان سداه حريراً ولحمته غير حرير فلا بأس بلبسه بلا خلاف بين العلماء، وإنما كان كذلك؛ لأن الثوب إنما يصير ثوباً بالنسج، والنسج إنما يتأتى باللحمة والسدى، واللحمة آخرهما فيضاف صيرورته ثوباً على اللحمة، فإذا كانت اللحمة من الحرير فكأن الكل من الحرير حكماً، وإذا كانت اللحمة غير حرير، فكأن الكل غير حرير، فقد اعتبر اللحمة في هذه المسائل، فقيل: هذا إذا كانت اللحمة غالبة على السدى، وقيل: لا بل العبرة للحمة على كل حال وهو الصحيح، وعليه عامة المشايخ.
وذكر شيخ الإسلام في شرح «السير» في باب الثوب: إذا كان لحمته من قطن أو كتان، وسداه من إبريسم، فإن كان الإبريسم يرى كره للرجال لبسه، وإن كان لا يرى لا يكره لهم لبسه، فعلى هذا يكره للرجال لبس العتابي، وإليه أشار محمد ﵀ في هذا الباب أيضاً؛ هذا هو الكلام في غير الحرب.
جئنا إلى حالة الحرب، فنقول: لا شك أن ما كان لحمته غير حرير وسداه حرير يباح لبسه في حالة غير الحرب، فلأن يباح لبسه في حالة الحرب والأمر فيه واسع كان أولى. وأما ما كان لحمته حريراً وسداه غير حرير، فإنه يباح لبسه في حالة الحرب بالإجماع، وإنما يباح لنوع ضرورة وحاجة تختص بحالة الحرب؛ وذلك لأن في لبسه يهيب بصورته، وبريقه، ولمعانه، ولونه، وبمعناه يحصل دفع حضور السلاح كان القز يدفع مضرة السلاح، وقد جاءت السنة في الإطلاق عند الحاجة، فإن النبي ﵇ أطلق للزبير، وعبد الرحمن بن عوف لبس الحرير على ما روينا، وأما ما كان لحمته حريراً وسداه حريراً، ففي لبسه حالة الحرب خلاف بين علمائنا على ما مر.
стр. 1973
حجتهما: حديث الشعبي أن النبي ﵇ رخص في لبس الحرير والديباج في الحرب، ولأن الحاجة مست إلى ذلك؛ لأن الخالص أدفع لمضرة السلاح، وأهيب في عين الناظرين.
واحتج أبو حنيفة ﵁ بعموم النهي، ورد عن الحسن وعكرمة أنهما قالا: التولي عن الحرام في حالة التعرض للشهادة أولى، ولأن الحرام لا يحل إلا عند الضرورة، والضرورة اندفعت بالمخلوط؛ لأن المخلوط ما لحمته حرير أو سداه حرير، والذي سداه حرير ولحمته غير حرير ليس له حكم الحرير بالإجماع، والذي لحمته حرير، وإن كان (٨٩أ٢) حريراً في الحكم، ففيه شبهة الغزل؛ لأنه موجود وإن لم ينسب إليه، فصار هذا حريراً ناقصاً، والمهابة تحصل بظاهره، والدفع بمعناه يحصل أيضاً؛ لأنه إن كان للخالص من الحرير مزية الخلوص، فلهذا مزية القوة والثخانة فاستويا، فيجب أن يكتفى بالأدنى عن الأعلى، فيباح الأدنى ويبقى الأعلى على أصل الحرمة، وحديث الزبير وعبد الرحمن بن عوف، فإنما أطلق لهما؛ لأن ضرر الحكة كان لا يندفع إلا بالدقيق الخالص، وأمر الحرب على ضد ذلك، أو نقول: كان ذلك قبل النهي والتحريم.
هذا هو الكلام في حق الرجال، بقي الكلام في حق النساء؛ قال عامة العلماء: يحل لهن لبس الحرير الخالص، وبعضهم قالوا: لا يحل، وهذا القائل يحتج بعموم النهي، وعامة العلماء احتجوا بما روى علي وابن عمر وأبو موسى الأشعري، وعقبة بن عامر ﵃؛ أن النبي ﵇ خرج يوماً وبإحدى يديه حرير وبالأخرى ذهب، فقال: «هذان حرام على ذكور أمتي حلّ لإناثهن» . وأعطى رسول الله ﵇ حريراً لعلي ﵁ فكره ذلك عليه، وأمره أن يقطعه خُمراً للفواطم الأربع، وهي: أمه، وفاطمة الزهراء زوجته، وفاطمة حمزة، وفاطمة أخرى ﵅، وأما لبس ما علمه حرير أو مكفوف به فمطلق عند عامة الفقهاء خلافاً لبعض الناس بعموم النهي.
ولعامة العلماء حديث عائشة ﵂ في لبس رسول الله ﵇ قطيفة علمها حرير، وفي حديث أسماء: أن النبي ﵇ كان يلبس جبة مكفوفة بالحرير؛ لأن القليل من الفضة وهو الخاتم يحل للرجال ترغيباً في نعيم الآخرة، فكذلك العلم. وذكر «القدوري» في «شرحه» :: أن النبي ﵇ لبس خوذة أطرافها من الديباج، فهذا دليل على أنه لا بأس بمثل هذا الثوب، وعن هشام عن أبي حنيفة
стр. 1974
رضي الله عنهما أنه لم يرَ بأساً بالعلم في الثوب قدر أربعة أصابع؛ قال: لأن العلم يكون تابعاً للثوب، فلا يكون لابساً له.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا لبس قميصه حريراً، أو عروة أو إزراراً لم يكن عندي بذلك بأس، وهو كالعلم يكون في الثوب، ومعه غيره (فلا) بأس به، وإن كان وحده كرهه، وأكره تكة الحرير؛ لأنها تلبس وحدها؛ وهذا لأنه إذا كان مع غيره فاللبس لا يكون مضافاً إليه؛ بل يكون هو تبعاً في اللبس، والمحرم لبس الحرير.
وفي شرح «الجامع الصغير» لبعض المشايخ؛ لا بأس بتكة الحرير للرجل عند أبي حنيفة ﵁، وذكر الصدر الشهيد ﵀ في أيمان «الواقعات» أنه يكره عند أبي يوسف ومحمد، وفي حاشية شرح «الجامع الصغير» للصدر الشهيد مكتوب بخطه أن في تكة الحرير اختلاف بين أصحابنا.
ويكره لبس الثوب المعصفر للرجال، روي عن ابن عمر ﵄ أنه قال: نهاني رسول الله ﷺ عن لبس المعصفر وقال: «إياكم والحمرة فإنها زي الشيطان» ، وفي «المنتقى» : وكان أبو حنيفة ﵁ يكره للرجال أن يلبسوا الثوب المصبغ بالمعصفر أو بالورس أو بالزعفران للأثر الوارد فيه، وذكر هشام عن محمد أنه لم يرَ باللباس المرتفع جداً بأساً، وكذا لم يرَ باللبد الأحمر للسرج بأساً.
وفي «مجموع النوازل» وسئل عن الزينة والتجمل في الدنيا، قال: خرج رسول الله ﵇ ذات يوم وعليه رداء قيمته ألف درهم، وربما قام إلى الصلاة وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم، ودخل عليه رجل يوماً من أصحابه وعليه خز، فقال ﵇: «إن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة يحب أن يرى آثار نعمته عليه» وأبو حنيفة ﵁ كان يرتدي رداء قيمته أربع مائة دينار، وأباح الله تعالى الزينة لقوله: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ (الأعراف: ٣٢) ، وكان أبو حنيفة ﵁ يقول لنا بكوفة: إذا رجعتم إلى أوطانكم فعليكم بالثياب النفيسة، وإياكم والثياب الخسيسة فإن الناس ينظرون إليكم بعين الرحمة، فهو مع زهادته وورعه كان يوصيهم بهذا.
ومحمد بن الحسن ﵀ كان يلبس الثياب النفيسة، فقيل له في ذلك، فقال: لي نساء وجوار فأزين نفسي كيلا ينظرون إلى غيري، ومحمد بن الحسن كان يتعمم بعمامة سوداء، فدخلت عليه يوماً مستغنية وقفت متحيرة تنظر في وجهه، فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أتعجب من بياض وجهك تحت سواد عمامتك، فوضعها عن رأسه ولم يتعمم بعمامة سوداء بعد ذلك.
قيل للشيخ: أليس روي عن عمر ﵁ أنه كان يلبس قميصاً عليه كذا كذا
стр. 1975
رقعة، قال: إنما فعل عمر ﵁ لنوع من الحكمة، وهو أنه كان أمير المؤمنين، فلو لبس ثياباً نفيسة واتخذ لنفسه ألواناً من الأطعمة، فعماله وحشمه يقتدون به، وربما لا يكون لهم مال فيأخذون من المسلمين، فإنما اختار ذلك لهذه المصلحة. وحكي أن حاتم الأصم ﵀ خرج حاجاً فدخل المدينة، وقصد زيارة مالك بن أنس، فلما انتهى إلى باب داره استأذن فلم يؤذن له، وقيل له: اجلس حتى يخرج إلى الصلاة، فخرج وصلى ودخل عليه حاتم، فرأى داراً مرتفعة مفروشة بألوان الفرش، ورأى خدماً وغلماناً، فسلم عليه حاتم وجلس فقال: أخبرني ماذا يجب على العباد بعد التوحيد؟ فقال: الفرائض، قال: ثم ماذا؟ قال: السنن والآداب، فقال: أخبرني عن دورك هذه، وغلمانك هؤلاء من الفرائض ومن السنن؟ قال: يا حاتم؛ إن الله تعالى قسم هذا قسماً حلالاً، ثم قال: يا حاتم؛ إن لنا رباً يعرف المؤمن تحت الخز والبز كما يعرف الكافر تحت العبادة واللبد، فلما خرج من عنده قال: لو لم أشهد هذا المشهد؛ خفت على نفسي أن أخرج من الدنيا على غير دين الإسلام لكثرة ما أوقع في الفقهاء وأغنى بهم.
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: اتقوا الشهرتين في اللباس؛ معناه لا ينبغي للإنسان أن يختار لنفسه اللبسة المحصورة التي ترجع إلى الإهانة، ولا اللبسة المشهورة التي تجعل اللابس نفسه أعجوبة للخلق ينظر إليه كل ناظر، بل يختار فيما بين ذلك، فالوسط محمود في كل شيء.
ذكر الحاكم في «المنتقى» : لا بأس بلبس الخز، والخز اسم لدابة يكون على جلدها خز، وإنه ليس (من) جملة الحرير، والمحرم على الرجال لبس الحرير لا لبس غيره. قال شمس الأئمة السرخسي في شرح كتاب الكسب: ينبغي أن يلبس عامة الأوقات الغسيل ويلبس أحسن ما يجد في بعض الأوقات إظهاراً لنعم الله، فإن ذلك مندوب إليه، ولا يلبس أحسن ما يجد في جميع الأوقات؛ لأن ذلك يؤذي المحتاجين.
وكذلك لا ينبغي في زمن الشتاء أن يظاهر بين جبتين أو ثلاثة إذا كان يكفيه لدفع البرد جبة (٨٩ب٢) واحدة؛ لأن ذلك يؤذي المحتاجين، وهو منهي عن اكتساب سبب أذى الغير.
وأما التوسد بالحرير والديباج والنوم عليه حرام عند محمد ﵀، وهو قول أبي يوسف، وعند أبي حنيفة لا بأس به، وعلى هذا الاختلاف نشر الخز، وتعليقه على الأبواب لحماً لما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: لأن أتوسد على الجمر أحب إلي من أن أتوسد على الحرير.j
وعن علي ﵁: أنه أتي بدابة على سرجها حرير، فقال: هذا لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، ولأن التنعم بالجلوس والنوم عليه مثل
стр. 1976
اللبس، وذلك من عادة المسرفين، وأبو حنيفة ﵁ يقول: النص ورد بتحريم اللبس، والنوم عليه دون اللبس في الاستعمال فلا يلحق به، ولأنا أجمعنا على أن القليل من الملبوس حلال، وهو ما قلنا من الأعلام فكذلك من اللبس والاستعمال؛ وهذا لأن التوسد والنوم عليه وافتراشه استعمال على سبيل الامتهان، فقصر معنى الاستعمال والتزين فيه، فلم يبعد حكم التحريم من اللبس الذي هو استعمال كامل إليه؛ بل كان تقليل الملبوس أشبه ليصير سبباً للرغبة في الآخرة.
وفي «المنتقى» ابن سماعة عن محمد ﵀: وليس القعود على الحرير والديباج كاللبس فإن أراد بقوله: ليس القعود على الحرير والديباج كاللبس نفي الكراهة عن القعود أصلاً جاء عن محمد روايتان؛ فإن ظاهر مذهبه أن القعود على الديباج مكروه، وإن أراد به إثبات التفاوت في الكراهة لا يصير في المسألة روايتان؛ بل كل واحد منهما مكروه، إلا أن اللبس أشد كراهة؛ لأن الاستعمال فيه أكثر.
وفي «شرح القدوري» عن أبي يوسف: أنه قال: أكره ثوب القز يكون بين الفرو وبين الظهارة، ولا أرى بحشو القز بأساً؛ وذلك لأن الثوب إذا كان بين ثوبين فهو ملبوس، ولبس الحرير لا يجوز للرجال، فأما الحشو ليس بملبوس إذ ليس منه عليه شيء فلا يكره عند أبي حنيفة ﵁ لهذه العلة. وعندهما ليس بملبوس ولا مفروش فلا يكره.
وعنه أيضاً: وما كان من الثياب الغالب عليه غير القز كالخز ونحوه فلا بأس بلبسه للرجال، وما كان ظاهره قزاً فهو مكروه، وكذا ما كان خط منه قز وخط منه خز وهو ظاهر فهو مكروه.
وفي «شرح القدوري» أيضاً: عن أبي حنيفة: أنه قال: لا بأس بالفراء كلها؛ السباع وغير ذلك الميتة المدبوغة والذكية، وقال: دباغه ذكاته؛ وهذا لأن الجلود كلها تطهر بالدباغ إلا جلد الإنسان والخنزير. والأصل فيه قوله ﵇: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» ، وروي أن رسول الله ﷺ أراد أن يتوضأ من ماء في شن فقيل: إنه جلد حمار ميت، فقال ﵇: «أليس في الشب والقرظ ما يطهره، فإنما يلبس عيناً طاهراً أفلا يكون به بأساً» .
الجبة إذا كانت كفافها من ديباج هل يكره للرجال لبسها؟ اختلف المشايخ فيه، وذكر الطحاوي في «شرح الآثار» حديثين أحدهما يدل على الكراهة، والآخر يدل على عدم الكراهة، وذكر الشيخ الإمام شيخ الإسلام في شرح «السير الكبير» الصحيح أنه لا
стр. 1977
يكره، وذكر القاضي ركن الإسلام علي السغدي في «شرحه» : أنه لا يكره، ولم يذكر اختلاف المشايخ، وإليه أشار محمد ﵀ في رواية «السير» .
الفصل الحادي عشر في استعمال الذهب والفضة
في «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة ﵁: أنه كان يكره الأكل والشرب في آنية الفضة والذهب، والأدهان فيها، والأصل في ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ أنه نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة وألحق الوعيد بالشارب منها، فإنه قال: «من شرب منها فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم» ، وفي بعض الأخبار: «من أكل أو شرب» ، وروي أن حذيفة ﵁: نزل عند وفد من العجم، فقدم إليه الشراب في آنية الفضة فردها عليه، وقال: إن رسول الله ﵇ كان نهانا عن الشرب في أواني الفضة، والمعنى فيه أنه تشبه بالأكاسرة والجبابرة، والتشبه بهم فيما له بدّ منه مكروه، وإذا ثبت الكراهة في الأكل والشرب؛ ثبت الكراهة في الأدهان؛ إما لأن للأدهان منفعة تخص البدن فيكون بمنزلة الأكل والشرب أو لأن كراهة الأكل والشرب في الذهب والفضة لمكان التشبه بالأكاسرة، وذلك موجود في الأدهان.
قالوا: وهذا إذا كان يصب الدهن من الآنية على رأسه أو بدنه؛ أما إذا أدخل يده في الإناء وأخرج منها الدهن ثم استعمله لا بأس به، وكذلك إذا أخذ الطعام من القصعة ووضعه على خبز أو ما أشبه ذلك، ثم أكل لا بأس به.
قال: ويستوي فيه الرجل والمرأة؛ يعني الأكل والشرب من الذهب والفضة لعموم النهي، فإن كلمة (من) عامة.
قال: وكان أبو حنيفة ﵁ لا يرى بالإناء المفضض بأساً إذا وضع فاه على.... وعلى الكوز، وكره أبو يوسف ذلك، وكذلك في الإناء المصبب، وكذلك الكرسي المصبب بالذهب والفضة لا بأس بالجلوس عليه عند أبي حنيفة ﵁.
وكذلك المداهن والمجامر، والسرير المصبب لا بأس به عنده، وكره أبو يوسف ذلك، وكذا إذا جعل المصحف مذهباً أو مفضضاً لا بأس به عند أبي حنيفة ﵁، وكره عند أبي يوسف، وقياس قول أبي حنيفة: أن لا يكره في الباب والسرج واللجام، وقول محمد مثل قول أبي يوسف، هكذا حكاه القاضي الإمام أبو عاصم
стр. 1978
العامري المروزي، وهذا كله إذا كان يخلص.
فأما التمويه: وهو أن يجعل الدهن ماء بحيث لا يخلعن بعد ذلك لا بأس به بالإجماع، فحدَّ بها العمومات الواردة بالنهي عن استعمال الذهب والفضة، ومن استعمل إناءً كان مستعمل جزء منه فكره؛ وهذا لأن الحرمة في استعمال الذهب والفضة في الإناء وغيره؛ إنما كان لما فيه من التشبه بالأكاسرة والجبابرة، فكل ما كان بهذا المعنى يكره بخلاف خاتم الفضة للرجال، وحلية السيف والمنطقة حيث لا يكره؛ لأن الرخصة جاءت في ذلك نصاً، أما ههنا بخلافه.
ولأبي حنيفة ﵁ حرفان:
أحدهما: أن الأصل في المخلوقات إباحة الانتفاع بها، والحرمة لعارض، والنص ورد في تحريم الشرب والأكل في آنية الذهب والفضة، فكل ما يشبه المنصوص عليه في الاستعمال يلحق بالمنصوص عليه، وما لا يشبه المنصوص عليه (٩٠أ٢) يبقى على أصل الإباحة، وهناك يتصل الذهب والفضة بيده، وههنا لا يتصل بيده، فلم يكن نظير المنصوص عليه في الاستعمال، فالحاصل أن أبا حنيفة على هذا الوجه اعتبر حرمة الاستعمال فيما يتصل بيده صورة.
والثاني: أن هذا مانع فلا يكره، كالجبة المكفوفة بالحرير، والعلم في الثوب، وقياساً على الشرب من يده وعلى خنصره خاتم فضة، فإن ذلك لا يكره، وقد قال بعض مشايخنا في الشرب من الفضة الصبة، والصبة الذهب العريض أو الفضة العريضة تجعل على وجه الباب، وما أشبه ذلك أن الصفات على القصعة إذا كانت لتقوم القصعة بها لا للزينة لا بأس بوضع الفم على الصاب، وإن كانت الصاب لأجل الزينة لا لتقوم القصعة بها كره وضع الفم على الصاب.
وهذا القائل يستدل بمسألة ذكرها محمد في «السير» في باب الأنفال.
وصورتها: إذا قال الأمير للخيل: من أصاب ذهباً أو فضة فهو له، فأصاب رجل قصعة مصببة بالذهب أو الفضة، أو قدراً مصبباً، فإن كانت الصباب لزينة القصعة لا لتقوم القصعة بها كانت الصباب للمنفل له، وإن كانت الصباب لتقوم القصعة بها بحيث لو نزعت الصباب فتبقى القصعة متقومة لم يكن الصباب للمنفل له، ولأن الصباب إذا كانت لتقوم القصعة بها يعتبر من أجزاء القصعة غير الذهب والفضة معنى، ألا ترى أنه لا تجعل الصباب في هذه الصورة للمنفل له، وإنما تجعل؛ لأنها غير الذهب والفضة معنى كذا ههنا، فيجوز وضع الفم عليها.
ثم فرق بين التختم بالذهب وبالفضة فإنه حلال، وبين الجلوس على كرسي الفضة فإنه حرام.
والفرق: أنه لا بد من إطلاق القليل في الدنيا ليصير نموذجاً لما وعد الله تعالى في الآخرة لمن آمن وعمل صالحاً، ولا يطلق على وجه يصير مقصوداً، والحرير والديباج لباس أهل الجنة، قال الله تعالى: ﴿ولباسهم فيها حرير﴾ (الحج:٢٣) فيجب إطلاق القليل
стр. 1979
منه كالعلم، والقليل من لبسه نحو الافتراش ليكون نموذجاً لذلك الكثير الكامل، فأما الفضة فليس منها في دار الآخرة لباس، وإنما يكون منه الكرسي والسرير وما أشبه ذلك، فلو أطلقنا ذلك في الدنيا لصار عين الموعود في دار الآخرة مطلقاً، وعين الموعود لا يصلح نموذجاً، فصار هذا نظير لبس الحرير الخالص، ولبس الحرير الخالص حرام، فكذلك الجلوس على الكرسي من الفضة، وصار لبس الفضة مثل افتراش الحرير.
وفي «المنتقى» : روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه كان يكره أن يستجمر بمجمر ذهب أو فضة، كما هو قول أبي يوسف، ولا خير في أن يكتحل بمكحلة من فضة، أو بميل من ذهب أو فضة وكذا المرآة......، وقال أبو حنيفة ﵁: لا بأس بحلقة المرأة من الفضة إذا كانت المرآة حريراً، وقال أبو يوسف: لا خير فيه، وذكر الحاكم في «المنتقى» : لا خير في أن يلبس الرجل ثوباً فيه كتابة بذهب أو فضة ولم يذكر أنه قول....، وذكر «القدوري» : أنه قول أبي يوسف قال: وعلى قياس قول أبي حنيفة ﵁؛ لا يكره، وأما المرأة فلا بأس بأن تلبسه.
وفي «الجامع الصغير» : لا يتختم إلا بالفضة؛ هذا اللفظ بظاهره يقتضي أن التختم بالذهب والحديد والصفر، والشبة وما أشبه ذلك حرام على الرجال؛ أما التختم بالذهب فحرمته على الرجال مذهب عامة العلماء، وقال بعض: لا بأس به لحديث البراء بن عازب أنه لبس خاتم ذهب، وقال: كسانيه رسول الله ﷺ ، روى ابن طلحة بن عبد الله قد قيل: وعليه خاتم ذهب، وقاس التختم بالذهب على التختم بالفضة، وإنه حلال بلا خلاف.
وجه قول عامة العلماء حديث علي، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة ﵃ أن رسول الله ﵇ نهى عن ذلك، وقوله ﵇: «هذان حرامان على ذكور أمتي حلال لإناثها» . وحديث البراء بن عازب محمول على ما قبل النهي الدليل عليه ما روي أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتماً من ذهب، فاتخذ الناس خواتم ذهب، ثم رماه رسول الله ﵇ وقال: «لا ألبسه» فرماه الناس، وحديث طلحة معارض لحديث علي، وابن مسعود، وأبي هريرة.
وقياس التختم بالذهب على التختم بالفضة قياس فاسد؛ لأن جواز التختم بالفضة عرف بالحديث، فإنه روي أن رسول الله ﵇ بعدما رمى بخاتم الذهب اتخذ خاتماً من الفضة، وفي الذهب نص بخلافه، ونوع من المعنى يدل على التزين، فإن التختم بالفضة إنما جاز للحاجة إلى الختم أو ليكون نموذجاً، والحاجة تندفع بالفضة، فيبقى الذهب على أصل الحرمة.
فأما التختم بالحديد والرصاص والصفر والشبة فهو حرام على النساء والرجال
стр. 1980
جميعاً، والأصل فيه ما روي أن رسول الله ﵇؛ رأى على رجل خاتم صفر، فقال: «ما لي أجد منك ريح الأصنام، ورأى رسول الله ﵇ على رجل خاتماً من حديد، فقال: ما لي أرى عليك حلية أهل النار» ، وإذا ثبت التحريم في حق الحديد والصفر ثبت التحريم في حق الشبة؛ لأنه قد يتخذ منه الصفر فيؤخذ منه ريح الأصنام، وهو المعول عليه في النهي عن التختم بالصفر على ما وقعت الإشارة إليه في الحديث.
وأما التختم بالحجر الذي يسمى يشب فقد اختلف المشايخ فيه، وظاهر عموم النهي في الكتاب دل على الحرمة، قال: لا بأس بأن يكون الفص من الحجر، وهذا دليل على أن العبرة في الحظر والإباحة للخدم لا للفص وهو المذهب؛ لأنه إنما يصير مستعملاً للحلقة لا للفص. قال: ولا بأس بمسمار الذهب يجعل في الفص؛ يريد به المسمار ليحفظ به الفص، وإنما لا يكره ذلك؛ لأنه تابع للفص، ولأنه لا يتزين به في العادة؛ لأنه لا يظهر ولا قليل، فصار كالقليل من الحرير، وقد ورد في القليل من الحرير نص، وهو قدر أربعة أصابع.
وفي «الفتاوى» : ولا بأس بأن يتخذ خاتم حديد قد سوي عليه فضة، وألبس بفضة حتى لا يرى؛ لأن التزين يقع بالفضة دون الحديد؛ لأن الحديد ليس بظاهر، ذكر في «الجامع الصغير» وينبغي أن يكون قدر فضة الخاتم المثقال ولا يزاد عليه، وقيل: لا يبلغ به المثقال، وبه وردت الآية على ما يأتي بهد هذا إن شاء الله تعالى.
ثم التختم سنة، ولكن في حق من يحتاج إلى التختم بأن يكون سلطاناً أو قاضياً، فإن النبي ﵇ إنما تختم عند حاجته إلى الختم (٩٠ب٢) فأما إذا لم يكن محتاجاً إلى الختم فالترك أفضل، وحكي أن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رأى بعض تلامذته قد تختم حالة التعلم، فقال: إذا صرت قاضياً فتختم، وذكر الفقيه أبو الليث في «البستان» كره بعض الناس اتخاذ الخاتم إلا لذي سلطان، وأجازه عامة أهل العلم، وإذا تختم ينبغي أن يجعل الفص إلى بطن الكف لا إلى ظهر الكف؛ هكذا روي عن رسول الله ﵇، وهذا في حق الرجال، وأما النسوان فلا يفعلن كذلك يعني لا يجعلن الفص إلى بطن الكف إن شئن؛ لأن التزين مباح لهن، والتزين لا يحصل إلا به.
قال في «الفتاوى» : وينبغي أن يلبس الخاتم في خنصره اليسرى دون سائر أصابعه، ودون اليمنى؛ لأن لبسه في اليمنى علامة الرفض، فأما الجواز ثابت في اليمنى والشمال جميعاً، وبكل ذلك ورد الأثر ذكره الفقيه أبو الليث في «البستان» ، وقال ﵇ لواحد من أصحابه: «اتخذه من ورق ولا يبلغ به مثقالاً وتختم به في يمينك» .
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : ولا تشد الأسنان بالذهب وتشد
стр. 1981
بالفضة، يريده إذا تحركت الأسنان وخيف سقوطها، فأراد صاحبها أن يشدها شدها بالفضة ولا يشدها بالذهب، وهذا قول أبي حنيفة ﵁، وقال محمد: يشدها بالذهب أيضاً، ولم يذكر في «الجامع الصغير» قول أبي يوسف؛ قيل: هو مع محمد، وقيل: هو مع أبي حنيفة ﵁.
وعلى هذا الخلاف إذا خلع أنفه أو أذنه فأراد أن يتخذ أنفاً أو أذناً من ذهب أو فضة، فعلى قول أبي حنيفة ﵁: يتخذ ذلك من الفضة دون الذهب، وعند محمد من الذهب أيضاً.
وعلى هذا الاختلاف إذا سقط منه فأراد أن يتخذ سناً آخر على قول أبي حنيفة ﵁ يتخذ من الفضة دون الذهب، وعند محمد يتخذ من الذهب أيضاً.
حجة محمد ﵀: ما روي أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب، فأخذ أنفاً من الفضة، فأنتن فأمره رسول الله ﵇ أن يتخذ أنفاً من ذهب.
وأبو حنيفة ﵁ يقول: الشرع حرم استعمال الذهب على الرجال من غير فصل، قال ﵇: «هذان حرامان على ذكور أمتي» ، غير أن الاستعمال لحاجة خارج عن التختم، والحاجة تندفع بالفضة وحكمه أقل، فلا يباح الذهب كما في التختم، وأما حديث عرفجة قلنا: الحاجة في حقه لا ندفع بالفضة حيث أنتن، وذكر هذه المسألة في «النوادر» ، وذكر الخلاف فيها على الوجه الذي ذكر في «الجامع الصغير» فقال: على قول محمد يشدها بالذهب أيضاً؛ قال بشر: وهو قول أبي يوسف، قال: ثم رجع أبو يوسف وقال: لا يشدها بالذهب، وهو قول الشافعي ﵀.
وذكر الحاكم في «المنتقى» : لو تحرك ثنية رجل وخاف سقوطها فشدها بذهب أو فضة، لم يكن به بأس عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه فرق بين السن والأنف، فقال في السن: لا بأس بأن يشدها بالذهب، وفي الأنف كره ذلك، قال:؛ لأن الأنف شيء ظاهر، فكان اتخاذ ذلك راجعاً إلى الزينة، فكان كاستعمال الحرير، واتخاذ الخاتم من الذهب، وأما السن فشيء باطن، فلم يكن اتخاذ ذلك راجعاً إلى الزينة، فصار كمسمار الذهب في فص الخاتم.
ومما يتصل بهذا الفصل
ما روى بشر عن أبي يوسف في «الأمالي» : أنه إذا سقط ثنية رجل، فإن أبا حنيفة ﵁ يكره أن يعيدها ويشدها بذهب أو فضة، وكان يقول: هي كسن منه يشدها مكانها؛ قال: ولكن يأخذ سن شاة ذكية ويشد مكانها، وقال أبو يوسف: لا بأس بأن يشد ثنية مكانه؛ قال أبو يوسف: بين سنه وبين سن ميت فرق، وإن لم يحضرني، قال بشر: قال أبو يوسف: سألت أبا حنيفة عن ذلك في مجلس آخر، فلم يرَ بإعادتها بأساً.
стр. 1982
الفصل الثاني عشر في الكراهية في الأكل
قال الفقيه أبو الليث ﵀: وينبغى للرجل أن لا يكثر الأكل، ولا يأكل فوق الشبع، فإن ذلك مذموم عند الله تعالى وعند الناس، وهو مضر بالبدن؛ روي عن بعض الأطباء أنه قيل له: هل نجد الطب في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، قد جمع الله تعالى الطب في هذه الآية، وهو قوله: ﴿كلوا واشربوا ولا تسرفوا﴾ (الأعراف:٣١) يعني أن الإسراف في الأكل والشرب يتولد منه الأمراض، وقيل: إذا كان الرجل قليل الأكل كان أصح جسماً، وأجود حفظاً، وأذكى فهماً، وأقل نوماً، وأخف نفساً.
وذكر محمد ﵀ في كتاب الكسب؛ وكل واحد منهي عن إفساد الطعام، قال من الإفساد السرف، والسرف في الطعام أنواع، فمن ذلك أن يأكل فوق الشبع فإنه حرام.
ومن المتأخرين من استثنى ذلك أنه إذا كان له غرض صحيح في الأكل فوق الشبع فحينئذٍ لا بأس به، وذلك بأن يأتيه ضيف بعدما أكل قدر حاجته، فيأكل لأجل الضيف حتى لا يخجل، أو يريد صوم الغد فيتناول فوق الشبع.
ومن الإسراف في الطعام الإكثار في المباحات والألوان، فذلك منهي إلا عند الحاجة؛ بأن قبل حاجة واحدة، فيستكثر من المباحات ليستوفي من كل نوع شيئاً، فيجمع له مقدار ما يتقوى به على الطاعة، وكذلك إذا كان من قصده أن يدعو بالأضياف قوماً بعد قوم إلى أن يأتوا على آخر الطعام، فلا بأس بالاستكثار في هذه الصورة.
ومن الإسراف أن يأكل وسط الخبز، ونزع حواشيه، أو يأكل ما انتفخ من الخبز كما يفعله بعض الجهال يزعمون أن ذلك ألذ، ولكن هذا إذا كان غيره لا يتناول ما ترك من حواشيه؛ فأما إذا كان غيره يتناول ذلك فلا بأس بذلك، كما لا بأس بأن يختار لتناوله رغيفاً بعد رغيف.
ومن الإسراف التمسح بالخبز عند الفراغ من الطعام من غير أن يأكل ما يتمسح به؛ لأن غيره يستقذره فلا يأكله، فإما إذا أكل ما يتمسح به فلا بأس. ومن الإسراف إذا سقط من يده لقمة أن يتركها؛ بل ينبغي أن يبدأ بتلك اللقمة؛ لأن في تركها استخفاف بالخبز، ونحن أمرنا بإكرام الخبز؛ قال ﵇: «أكرموا الخبز فإنها من بركات السماء والأرض» ، (٩١أ٢) وينبغي أن لا ينتظر الإدام إذا حضر الخبز، ويؤخذ في الأكل قبل أن يؤتى بالإدام.
ويستحب غسل اليدين قبل الطعام وبعده، فإن فيه بركة، قال سليمان: قرأت في
стр. 1983
التوراة الوضوء قبل الطعام وبعده بركة، يعني غسل اليدين، وإذا غسل يديه بالنخالة، أو غسل رأسه بذلك أو أحرقها، فإن لم يبق فيها من الدقيق شيء، وهو بحال يعلف بها الدواب فلا بأس بذلك؛ لأنها بمنزلة التبن.
وينبغي أن يصب الماء من الآنية على يده بنفسه ولا يستعين بغيره، وقد حكي عن بعض مشايخنا أنه قال: هذا كالوضوء، ونحن لا نستعين بغيرنا في وضوئنا، ولا يؤكل طعام حار، به ورد الأثر، ولا يشم الطعام فإن ذلك عمل البهائم. ولا ينفخ في الطعام والشراب؛ لأن ذلك يسوء الأدب.
ومن السنة أن لا يأكل الطعام من وسطه، يعني في ابتداء الأكل، ومن السنة أن يلعق أصابعه قبل أن يمسحها بالمنديل، وتركه من أمر العجم والجبابرة، ومن السنة أيضاً لعق القصعة، جاء في الحديث أن النبي ﵇ أمر بلعق الصفحة، ومن السنة أن يأكل ما سقط من المائدة، ومن السنة أن يبدأ بالملح، ويختم بالملح.
بيان ما يكره من الحيوانات وما لا يكره يأتي في كتاب الصيد؛ إن شاء الله تعالى.
ذكر في «عيون المسائل» : إذا مر الرجل بالثمار في أيام الصيف، وأراد أن يتناول منها، والثمار ساقطة تحت الأشجار، فإن كان ذلك في المصر لا يسعه التناول إلا إذا علم أن صاحبها قد أباح إما نصاً أو دلالة بالعادة، وإن كان في الحائط، فإن كان من الثمار التي تبقى مثل الجوز وغيره لا يسعه إلا إذا علم الإذن، وإن كان من الثمار التي لا تبقى تكلموا. قال الصدر الشهيد: والمختار أنه لا بأس بالأكل ما لم يتعين النهي إما صريحاً أو عادة، فإن كان ذلك في الرساتيق الذي يقال بالفارسية بير استه فإن كان من الثمار التي تبقى لا يسعه الأخذ إلا إذا علم الإذن، وإن كان من الثمار التي لا تبقى، فالمختار أنه لا بأس بالتناول ما لم يبين النهي.
وأما إذا كانت الثمار على الأشجار فالأفضل أن لا يأخذ في موضع ما إلا بإذن، إلا أن يكون موضعاً كثير الثمار؛ يعلم أنه لا يشق عليهم أكل ذلك يسعه الأكل، ولا يسعه الحمل، وأما أوراق الشجر إذا سقط على الطريق في أيام العتاق، فأخذ إنسان شيئاً من ذلك بغير إذن صاحب الشجر، فإن كان هذا ورق شجر ينتفع بورقه نحو التوت وما أشبهه؛ ليس له أن يأخذ، ولو أخذ يضمن، وإن كان لا ينتفع به له أن يأخذ، وإذا أخذ لا يضمن.p
رفع الكمثرى من نهر جار ورفع التفاح وأكلهما يجوز، وإن كثر. في «فتاوى أهل سمرقند» وفي هذا الموضع: الجوز الذي يلعب به الصبيان في يوم العيد لا بأس بأكله إذا لم يكن لعبهم على وجه القمار، وفي «فتاوى أبي الليث» لا بأس بالأكل متكئاً إذا لم يكن على وجه التكبر.
الأكل يوم الأضحى قبل الصلاة فيه روايتان؛ والمختار أنه لا يكره، ولكن يستحب
стр. 1984
الإمساك. أكل الطين مكروه هكذا في «فتاوى أبي الليث» ﵀، وذكر شمس الأئمة الحلواني في شرح....: أنه إذا كان يخاف على نفسه أنه لو أكله أورثه ذلك علة أو آفة؛ لا يباح له التناول، وكذلك هذا في كل شيء سوى الطين، وإن كان يتناول منه قليلاً، وكان يفعل ذلك أحياناً لا بأس به، والمرأة إذا اعتادت أكل الطين تمنع من ذلك إذا كان ذلك يوجب نقصاناً في جمالها في هذا الموضع أيضاً.
ومما يتصل بمسائل
الأكل ووضع المملحة على الخبز على الخوان، وإنه مكروه؛ لأنه استخفاف بالخبز، ولكن ينبغي أن يوضع الملح وحده على الخبز، هكذا ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» ، وكان الفقيه أبو القاسم الصفار ﵀ يقول: لا أجد نية الذهاب إلى الضيافة سوى أن آمر برفع المملحة عن الخبز، وأئمة بخارى لم يروا به بأساً، وكذلك تعليق الخبز بالخوان مكروه، وكذلك يكره وضع الخبز تحت القصعة، وفي مسح الإصبع والسكين بالخبز إذا كان يأكل، وكذا الخبز بعد ذلك، ومن مشايخ زماننا من أفتى بكراهة مسح الإصبع والسكين بالخبز، وإن أكل الخبز.
بعد ذلك مضغ العلك للنساء لا بأس به بلا خلاف واختلف المشايخ في مضغه للرجال؛ منهم من كره ذلك، ومنهم من قال: إن كان الرجل يمضغ كما تمضغ المرأة، وكان يرى هيئته هيئة النساء يكره، وإن كان يمضغ جلداً كمضغ الرغيف؛ لا يكره. قال شمس الأئمة الحلواني في شرح كتاب الصوم: والصحيح أنه لا بأس به في حق الرجال والنساء جميعاً إن كان لغرض صحيح.
وفي «مختلفات الفقيه أبي الليث» : إذا ماتت دجاجة وخرج منها بيضة؛ جاز أكلها عند أبي حنيفة ﵁ اشتد قشرها أو لم يشتد، ويجوز استعمال.... الميت عند أبي حنيفة مائعة كانت أو جامدة، ومن ظاهره عنده على كل حال، وعندهما إن كانت مائعة فهي نجسة فلا تستعمل، وإن كانت جامدة تغسل وتستعمل.
الفصل الثالث عشر في الهبة، ونثر الدراهم، والسكر، وما رماه صاحبه
ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» : أن الهبة جائزة إذا أذن صاحبها فيها، والأصل فيه ما روي عن رسول الله ﵇ أنه نحر خمس بدنات أو ست بدنات، وقال: «من شاء اقتطع» .
إذا عرفنا هذا فنقول: إذا وضع الرجل مقداراً من السكر، أو عدداً من الدراهم بين
стр. 1985
قوم، وقال: من شاء أخذ منه شيئاً، أو قال: من أخذ منه شيئاً فهو له، فكل (من أخذ) منه شيئاً يصير ملكاً له، ولا يكون لغيره أن يأخذ ذلك منه؛ لأن هذا بمنزلة الهبة منه.
بيانه: أن قول صاحب السكر والدراهم: من أخذ منه شيئاً فهو له؛ تمليك للسكر، والدراهم من الآخر بغير مال، وهو تفسير الهبة، والأخذ من الآخذ قبول لتلك الهبة، فقد جرى بين صاحب الدراهم والسكر وبين الآخذ عقد الهبة، وقد اتصل بها القبض فيصير المقبوض ملكاً للقابض، فهو معنى قولنا: إن هذا بمنزلة الهبة.
فإن قيل: هذا التصرف إن كان تمليكاً من الآخذ إلا أنه كما يحتمل الهبة منه؛ يحتمل الإقراض منه، وجعله إقراضاً أولى؛ لأنه أقل، فيكون متيقناً هذا كما قلنا فيمن دفع إلى رجل ألف درهم، وقال: خذ هذه الدراهم فاعمل بها على أن يكون الربح كله لك، كان ذلك إقراضاً ولم يكن هبة؛ لأنه احتمل كلا الأمرين والقرض أقلها، وكذلك إذا دفع الرجل إلى رجل كر حنطة، وقال: ازرعه في أرضي على أن يكون الخارج كله (٩١ب٢) لك؛ كان معيراً للأرض منه، ومقرضاً الكر منه، وإن لم يجعل هبة منه وطريقه ما قلنا، وجواب هذا هكذا في كل موضع لم يترجح احتمال كونه هبة على احتمال كونه قرضاً كما في تلك المسألتين، وههنا احتمال كونه هبة ترجح بحكم العرف، فإن المتعارف والمعتاد فيما بين الناس أنهم يريدون في مثل هذا الهبة دون القرض؛ الدليل عليه أنه كما جرى التعارف بهذا فيما يصح فيه الإقراض، وهو ما كان من ذوات الأمثال؛ جرى فيما لا يصح فيه الإقراض، وهو ما ليس من ذوات الأمثال، فإن التاجر إذا أثقل عليه أمتعته في المفازة وعجز عن حمله يطرحها، ويقول: من أخذ شيئاً فهو له، وههنا لا يمكن حمله على القرض؛ لأن إقراض المتاع لا يصح، فعلمنا أن المتعارف من مثل هذا التصرف الهبة دون القرض، والدليل عليه أن الناس تعارفوا نثر السكر والدراهم في العرس والوليمة، وأحد لم يقل بأن المأخوذ يكون قرضاً على الآخذ؛ مع أنه يصلح للقرض، فعلمنا أن المتعارف في هذا الباب الهبة دون القرض.
فإن قيل: كيف يمكن أن يجعل هذا هبة، وإن الموهوب له وقت الهبة مجهول، وجهالة الموهوب له وقت الهبة تمنع جواز الهبة؛ ألا ترى أنه لو قال: وهبت هذا العين لواحد من عرض الناس كانت الهبة فاسدة، وفسادها بجهالة الموهوب له، وكذلك الموهوب مجهول، وجهالة الموهوب تمنع جواز الهبة.
والجواب أن الموهوب له والموهوب وإن كانا مجهولين وقت الهبة، إلا أن هذه الجهالة تزول عند القبض، وما يمنع جواز الهبة إذا زال وقت القبض يحكم بجواز الهبة، ويجعل كأنه لم يوجد وقت الهبة؛ ألا ترى أن من وهب من رجل مشاعاً يحتمل القسمة، وقسمه وسلم تجوز الهبة، ويجعل كأن الهبة من الابتداء وردت على المقسوم، وهذا لما عرف أن تمام الهبة بالقبض، فتكون العبرة لحالة القبض، ووقت القبض الهبة معلومة، والموهوب له معلوم، فيجوز كما لو وهبه منه عند الأخذ، وكذلك الموهوب إذا كان غائباً عن مجلس الهبة، وإن الواهب (أمر) الموهوب له بقبضها فقبض جازت الهبة لما ذكرنا أن
стр. 1986
العبرة لحالة القبض، وصار من حيث المعنى كأنه قال: اقبضها، ثم أمسكها لنفسك هبة، وكذلك إذا وهب الدين من غير من عليه الدين وأمره بقبضه يجوز؛ لأن الهبة عند القبض تصير عيناً، فكأنه قال: اقبضه ثم اجعله لنفسك هبة، فكذا ههنا عند الأخذ يصير كأن المالك قال له: خذه هبة لك، وعند الأخذ الهبة والموهوب له معلومان، والدليل عليه فصل نثر السكر في العرس وغيره، فإن هناك من أخذ شيئاً يصير ملكاً له؛ لأن صاحب السكر بالنثر ملك السكر ممن ينتهبه؛ لأنه نثره للاتهاب، وصار راضياً بصيرورة المتهب ملكاً للمتهب بالاتهاب، ويصير عند الاتهاب كأنه قال للمتهب: هو لك هبة فجاز لكون الموهوب له معلوماً وقت الأخذ، وإن كان مجهولاً وقت النثر كذا ههنا.
اختلف المشايخ في نثر الدراهم والدنانير والفلوس التي كتب عليها اسم الله تعالى، منهم من كره ذلك؛ لأنها بين قوائم الذين ينتهبونها فيطؤوها، وفيه ترك تعظيم اسم الله تعالى، ومنهم من لم يكره ذلك؛ لأنه يقصد بذلك تعظيم الدراهم وإعزازها لا.... لذلك....
وإذا نثر السكر فحضر رجل لم يكن حاضراً وقت النثر قبل أن ينتهب المنثور، وأراد أن يأخذ منه شيئاً هل له ذلك؟ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: له أن يأخذ، واستدل هذا القائل بقول النبي ﵇: «من شاء اقتطع» ، ومعلوم أن هذا يتناول الحاضر، والذي يحضر. وكان الفقيه أبو جعفر ﵀ يقول: ليس له ذلك.
وإذا نثر السكر ووقع في ذيل رجل أو كمه وأخذه غيره؛ كان ذلك للآخذ؛ هكذا ذكر في «المنتقى» ، وذكر هذه المسألة في «فتاوى أهل سمرقند» وفصل الجواب تفصيلاً، قال: إن كان بسط ذيله أوكمه، ليقع عليه السكر لا يكون لأحد أخذه، ولو أخذه كان لصاحب الذيل والكم أن يسترده منه، وإن لم يبسط ذيله أو كمه لذلك فالسكر للآخذ، وليس لصاحب الذيل والكم أن يسترده منه.
وإذا دخل الرجل مقصورة الجامع، ووجد فيها سكراً جاز له الأخذ؛ إلا على قول الفقيه أبي جعفر؛ لأن السكر إنما يدخل في المقصورة لأجل النثار في العقد غالباً، فصار بقية النثار غالباً إلا أن هذا الرجل لم يكن حاضراً وقت النثر، فلا يملك الأخذ على قول الفقيه أبي جعفر، ولو مر بسوق.... فوجد سكراً ملقى لم يسعه أن يأخذها؛ لأن الغالب أنه سقط من حوانيتهم، والحكم للغالب.
وفي «فتاوى أبي الليث» : إذا دفع الرجل إلى غيره سكراً، أو دراهم لينثره على العروس، فأراد أن يحبس لنفسه شيئاً، ففيما إذا كان المدفوع دراهم ليس له ذلك؛ لأنه مأمور بالنثر لا بالحبس، وكذا ليس له أن يدفع الدراهم إلى الغير لينثر ذلك الغير؛ لأن صاحب الدراهم ائتمنه ... ائتمن غيره، وإذا نثر ليس له أن يلتقط منه شيئاً، وفيما إذا
стр. 1987
كان المدفوع سكراً، له أن يحبس قدر ما يحبسه الناس في العادة، هكذا اختيار الفقيه أبي الليث قال: لأن أمر السكر على السهولة، وأمر الدراهم على الاستقصاء، وبعض مشايخنا قالوا: ليس له ذلك، قال الفقيه أبو الليث: وله أن يدفع السكر إلى غيره لينثر، وإذا نثر له أن يلتقط، وبعض مشايخنا قالوا: ليس له ذلك كما في الدراهم.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: رجل نفق حماره وألقاه في الطريق فجاء إنسان وسلخه، ثم جاء صاحب الحمار فلا سبيل له على أخذ الجلد، ولو لم يلق الحمار على الطريق فأخذه رجل من منزل صاحبه وسلخه وأخذ جلده، فلصاحب الجلد أن يأخذ الجلد، ويرد ما زاد الدباغ فيه.
وعنه أيضاً: في شاة ميتة نبذها أهلها، فأخذ رجل صوفها وجلدها فدبغها فذلك له، فإن جاء صاحبها بعد ذلك أخذ الجلد ورد ما زاد الدباغ فيه، وجوابه في مسألة الشاة يخالف جوابه في مسألة الحمار، فيكون كل واحد من المسألتين نقضاً على الأخرى، فيصير في المسألتين روايتان، ومن هذا الجنس مسائل كثيرة تأتي في كتاب اللقطة إن شاء الله تعالى (٩٢أ٢) .
الفصل الرابع عشر في الكسب
بدأ محمد ﵀ كتاب «الكسب» الذي صنعه بحديث رواه ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «طلب الكسب فريضة على كل مسلم» ، كما أن طلب العلم فريضة؛ وهذا لأن الله تعالى فرض الفرائض على عباده، ولا يتوصل إلى أداء الفرائض إلا بالكسب، فكان فريضة بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة، ولأن ذلك يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه، ولا حصول لقوة البدن عادة إلا بالقوت، ولا حصول للقوت، وكذلك لا بد للصلاة من ستر العورة، إنما يحصل بالثوب، وطريق تحصيل الثوب الكسب، فهو معنى قولنا: لا يتوصل إلى أداء الفرائض إلا بالكسب فصار فرضاً؛ كيف وإن الله تعالى أمرنا بالتجارة في كتابه، لقوله: ﴿وإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ (الجمعة:١٠) والمراد منه التجارة والأمر على الوجوب، ولأن الكسب طريق الأنبياء والرسل ﵈، أول من اكتسب أبونا آدم ﵇، فلما أهبط إلى الأرض أتاه جبرائيل ﵇ بالحنطة وأمره أن يزرعها، فزرعها وسقاها وحصدها ودرسها وطحنها وخبزها. وكذلك نوح ﵇ كان نجاراً يأكل من كسبه، وإدريس ﵇ كان خياطاً، وإبراهيم ﵇ كان بزازاً، وداود كان بزازاً حتى روي أن
стр. 1988
نبينا ﵊، قال: «عليكم بالبز، فإن أباكم إبراهيم كان بزازاً» ، وداود ﵇ كان يصنع الدرع، وسليمان ﵇ كان يصنع المكاييل، وزكريا ﵇ كان نجاراً، وعيسى ﵇ كان يأكل من غزل أمه، وربما كان يلتقط السنابل، فعلم أن الكسب طريق الأنبياء والمرسلين صلاة الله عليهم أجمعين، ونحن أمرنا بالاقتداء بهم قال الله تعالى: ﴿فبهداهم اقتده﴾ (الأنعام:٩٠) .
ثم الكسب على مراتب، فمقدار ما لابد لكل أحد منه يعني ما يقيم به صلبه يفترض على كل أحد اكتسابه ههنا؛ وكذلك إذا كان له عيال من زوجة، وأولاد صغار، فإنه يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهم عيناً؛ لأن نفقة الزوجة مستحقة على الزوج، وكذلك نفقة الولد مستحقة على الوالد، ولا يتوصل إليها إلا بالكسب، فصار الكسب مستحقاً عليه، وكذلك إذا كان له أبوان معسران يفترض عليه الكسب بقدر كفايتهما؛ لأن نفقتهما فرض عليه، وما زاد على قدر كفايته وكفاية عياله مباح إذا لم يرد به الفخر والرياء.
ثم المذهب عند جمهور الفقهاء: أن جميع أنواع الكسب في الإباحة على السواء فبعض الفقهاء قالوا: الزراعة مذمومة، والصحيح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فقد صح أن رسول الله ﷺ أزدء بالحرف قال ﵇: «اطلبوا الرزق في خبايا الأرض» يعني الزراعة، فكان لابن مسعود والحسن بن علي وأبي هريرة أراض بسواد العراق يزرعونها ويؤدون خراجها.
ثم اختلف مشايخنا في التجارة والزراعة أيهما أفضل؛ قال بعضهم: التجارة أفضل، قال عمر ﵁: لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أحب إليَّ من أن أقتل مجاهداً في سبيل الله. وأكثر مشايخنا على أن الزراعة أعم نفعاً؛ لأنه يتناول مما حصل بزرعه هو والدواب.
قال: وعلى الناس اتخاذ ... لنقل الماء إلى النساء؛ لأنها تحتاج إلى الماء للشرب، ولا يمكنها الخروج للشرب من الأنهار، والحياض؛ لأنهن أمرن بالقرار في البيوت، فكان على الزوج أن يأتي بذلك إليها؛ لأن الشرع ألزمه ما هو من حوائجها كالنفقة، والماء من حوائجها.
قال: ومن امتنع من الأكل حتى مات وجب عليه دخول النار؛ لأنه قتل نفسه قصداً، فهو بمنزلة ما لو قتل نفسه بحديدة. وفي «واقعات الناطفي» : إسكاف أمره إنسان أن يتخذ له خفاً مشهوراً على زي الفسقة أو المجوس، وزاد له في الأجرة له أن يفعل ذلك، وكذلك الخياط إذا أمره إنسان أن يخيط له ثوباً على زي الفساق، وذلك مكعب الرجال مع سرير وقع الزنار من النصارى، وبيع قلنسوة المجوس من المجوسي جائز من
стр. 1989
غير كراهة، وقالوا: وبيع مكعب الفصص من الرجال إذا علم أنه ملبوس مكروه، والكلام ههنا أظهر من الكلام في بيع المكعب مع سريره.
في «العيون» : إذا استأجره رجل لغسل الميت فلا أجر له، لو استأجره لحمل الميت أو حفر القبر فله الأجر. في «القدوري» ذكر مسألة الغسل وحمل الميت، وقصد الجواز فيهما تفصيلاً، فقال: إن كان في موضع لا يجد من يغسله أو يحمله غير هؤلاء فلا أجر لهم، وإن كان ثم إنسان غيرهم فلهم الأجر، وستأتي هذه المسألة في كتاب «الإجارات» إن شاء الله تعالى.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : استأجر رجلاً لضرب الطبل؛ إن كان للهو لا يجوز؛ لأنه معصية، وإن كان للعدو والقافلة يجوز؛ لأنه طاعة. وفي «المنتقى» : إبراهيم عن محمد امرأة نائحة، أو صاحب طبل أو مزمار اكتسب قال: إن كان على شرط رده على أصحابهم إن عرفهم يريد بقوله على شرط إن شرطوا لها أو له مالاً بإزاء النياحة أو بإزاء الغناء؛ وهذا لأنه إذا كان الأخذ على شرط كان المال بمقابلة المعصية، فكان الأجر معصية، والسبيل في المعاصي ردها، ولذلك ههنا يرد المأخوذ إن تمكن من رده بأن عرف صاحبه، وبالتصدق منه إن لم يعرفه ليصل إليه نفع ماله إن كان لا يصل إليه عين ماله؛ أما إذا لم يكن الأخذ على شرط لم يكن الأخذ بمعصية، والرفع حصل عن المالك برضاه فيكون له (٩٢ب٢) ويكون حلالاً له.
فيه أيضاً عن محمد في «الكسب» : إن قضى به دينه لم يكن لصاحب الدين أن يأخذه؛ لأنه في يده بمنزلة الغصب، وأما في القضاء فهو مخير على الأخذ، وينبغي على قياس المسألة المتقدمة أنهاإذا أخذت ذلك من غير شرط أن يسع رب الدين أن يأخذه.
فيه أيضاً عن أبي يوسف: إذا ورث خمراً، وهم مسلمون لا أقسم الخمر بينهم، ولكنها تتخلل ثم تقسم.
مات وماله من بيع السارق إن تورع الورثة عن أخذ ذلك كان أولى، ويردوا على أربابها إن عرفوا أربابها؛ لأنه تمكن فيه نوع خبث، وإن لم يعرفوا أربابها، فالميراث حلال لهم في الحكم، ولا يلزمهم التصدق به وفسقا بأخذ هذا بل هو حرام مطلق على الورثة، قال: وإن تورعوا أو تصدقوا كان أولى، وكذا الجواب فيما إذا أخذه برشوة ظلماً إن تورع الورثة كان أولى، وإذا أراد الوارث أن يتصدق بين خصمائه.
في «فتاوى أهل سمرقند» : وأما الذي تأخذه النائحة والقوال والمغني فالأمر فيه أيسر؛ لأن فيه إعطاء برضاه من غير عقد، وقد ذكرنا الكلام في كسب المغنية والنائحة قبل هذا، والفتوى على ما ذكرنا قبل هذا.
سئل الفقيه أبو جعفر عمن اكتسب ماله من أمر السلطان، وجمع المال من أخذ الغرامات المحرمة وغير ذلك؛ هل يحل لأحد عرف ذلك أن يأكل من طعامه؟ قال: أحب إلي في دينه أن لا يأكل، ويسعه أكلها حكماً إذا كان الطعام لم يقع في يد المطعم غصباً أو رشوة.
стр. 1990
(رجل) يبيع التعويذ في المسجد، ويكتب فيه التوراة والإنجيل، ويأخذ عليه مالاً، ويقول: إني أوقع هذا هدية لا يحل له المأخوذ؛ لأنه نص على الهدية، وأخذ المال لا يجوز.
ذكر رحمه الله تعالى في كتاب «الكسب» كسب الخصي حرام لم يرد به ما اكتسبه، وإنما أراد به أن اتخاذه خصياً، وإخصاؤه مكروه؛ نقل عن كتاب «الطحاوي» هكذا، والله أعلم.
الفصل الخامس عشر في نقل الميت
روى ابن أبي مليكة: أن عبد الرحمن بن أبي بكر مات خارج مكة على اثني عشر ميلاً، فنقل إلى مكة ودفن بمكة، فجاءت حاجة أو معتمرة وزارت قبره، وقالت: أما والله لو شهدتك ما دفنتك إلا في مكانك الذي مت فيه؛ قولها أما والله لو شهدتك ما زرتك تكلم المشايخ في تأويله وفي معناه، بعضهم قالوا: أرادت بهذا بيان أن زيارة القبور ليست بواجبة، وإلى هذا القول مال القاضي الإمام علي السغدي، وبعضهم قالوا: أرادت بهذا بيان عذرها في زيارته، فإن ظاهر قوله ﵊: «لعن الله زوارات تمنع النساء عن زيارة القبور» والحديث وإن كان مؤولاً، فلحشمة ظاهرة، قالت ما قالت، ووجه العذر أنه قال: عليها لقاؤه عند الموت فزارت قبره ليكون لقاء قبره قائماً مقام لقائه عند الموت، وإلى هذا مال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي، وبعضهم قالوا: أرادت بهذا بيان أن زيارة القبور مع أنها مكروهة في حق النساء، وإن الحديث الوارد في هذا الباب منسوخ نسخه قوله ﵇ «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجراً» ولكن الترك أولى إلا أنها قالت: لو شهدتك ما زرتك، وإلى هذا القول مال الشيخ الإمام شيخ الإسلام، وقولها: لو شهدتك ما زرتك إلا في مكانك الذي مت فيه؛ دليل دفن الميت في مكانه الذي مات فيه، وفي مقابر ذلك القوم أفضل.
قال محمد ﵀ في «السير» : أحب إلينا أن ندفن الميت والقتيل في المكان الذي مات فيه في مقابر المسلمين ... وإن نقل ميلاً أو ميلين أو نحو ذلك فلا بأس به، فقد نهى الناس عن النقل ميلاً أو ميلين، فهذا دليل على أن الزيادة على ذلك مكروه، وإنما صار قدر ميلين عفواً؛ لأنه لا بد منه في الأعم الأغلب، فإن الغالب في كل بلد أن تكون مقابرها بفنائها، وربما يكون من المكان الذي مات فيه إلى المقبرة قدر ميلين فصار هذا القدر عفواً، فأما الزيادة على ذلك.... الأعم والأغلب، وفيه تشبه باليهود
стр. 1991
وحمل الجنائز من غير فائدة فيكره؛ قال شمس الأئمة السرخسي في شرح «السير» : لو لم يكن في نقله إلا تأخير دفنه، لكان كافياً في كراهته، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» : أن نقل الميت من بلد إلى بلد لغرض ليس بمكروه.
وفي «العيون» : ذكر مطلقاً أن نقل الميت من بلد إلى بلد ليس بمكروه، وحكم قراءة القرآن في المقابر مر قبل هذا فلا نعيده.
الفصل السادس عشر في معاملة أهل الذمة
........ التي تعود إليهم يجب أن يعلم بأن أهل الذمة لا يمنعون عن الدخول في سائر المساجد، سوى المسجد الحرام عندنا خلافاً لمالك، وهل يمنعون؛ ذكر في «الجامع» ذكر محمد رحمه الله تعالى في «السير الكبير» في باب دخول الكافر في المسجد: أنهم يمنعون، وذكر في «الجامع الصغير:» أنهم لا يمنعون، وهكذا ذكر الكرخي في «مختصره» ؛ قيل: ما ذكر في «الجامع الصغير» قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وبه كان يقول محمد أولاً ثم رجع وقال: يمنعون، وهو المذكور في «السير» .
فوجه قول محمد الآخر قول الله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ (التوبة:٢٨) أي بعد عام الفتح، فقد خص المسجد الحرام بالنهي عن الدخول، فيدل على حرمة الدخول إليه، واختصار الحرمة عليه.j
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف: أن القاضي إنما يجلس للقضاء في المسجد الحرام، وأهل الذمة لا يجدون بداً من رفع خلافاتهم إليه، وكذلك المسألة ربما يكون به حق على الذمي فلا يجد بداً من إدخاله المسجد، فلو لم يجز لهم الدخول في المسجد الحرام أدى إلى إبطال حقوقهم، وحقوق المسلمين، وفساد ذلك ما لا يخفى بهذا الطريق؛ جاز الدخول في سائر المساجد، والجواب عن التعليق بالآية ما حكي عن الفقيه أبي جعفر الهنداوي: أنه ليس المراد من القربان المذكور في الآية القربان من جهة الدخول، وإنما المراد القربان من حيث التدبير والاستيلاء، والقيام بالعمارة، فرؤساء قريش كانوا يلون ذلك قبل الفتح، وبعد الفتح منعوا عن ذلك، فإنه روي عن النبي ﵊: أنه لما دخل مكة عام الفتح أخذ مفاتيح المسجد منهم، ودفعها إلى من أراد من المسلمين.
وجواب آخر إن كان المراد من القربان المذكور في الآية الدخول، ولكن على الوجه الذي اعتادوا في الجاهلية، وهو الدخول لعبادة غير الله تعالى والطوف لا على الوجه المشروع، فإنه روي أنهم كانوا يطوفون بالبيت عرياناً.
стр. 1992
ثم إن أصحابنا رحمهم الله تعالى فرقوا بين الكافر وبين المسلم (٩٣أ٢) الجنب، فلم يجوزوا للمسلم الجنب الدخول في المسجد؛ مع أن الكافر جنب، قال: من الكفار (من) لا يغتسل ومنهم من يغتسل، ولكن لا يدري كيفيته، ولهذا يؤمر بالاغتسال إذا أسلم، والفرق: أن المسلم يدين وجوب الاغتسال بالجنابة، ويعتقد كون الجنابة مانعة من دخول المسجد فتعاملنا معه على حسب اعتقاده، وثبتنا الحكم على ما يدينه، فأما الكافر فلا يدين وجوب الاغتسال بالجنابة أو لا يدين كيفيته ولا يعتقد الجنابة مانعة من الدخول في المسجد، فتعاملنا معه على حسب اعتقاده، وثبتنا الحكم في حقه على ما يدينه فلهذا افترقا.
وإذا قال الكافر من أهل الحرب، أو من أهل الذمة لمسلم: علمني القرآن فلا بأس بأن يعلمه، ويفقهه في الدين؛ علل فقال: لعله يقبل بقلبه؛ قال الله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ (التوبة:٦) معناه حتى يسمع فيفهم، فيقف على مجلس الإسلام والشريعة، فربما يرغب في الإيمان، وهو معنى قول محمد في «الكتاب» : لعله يقبل قلبه، وروي أن واحداً من الكفار سمع القرآن فأسلم، وقال: وجدت له حلاوة.
قال القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي: وتعليم الفقه كذلك أيضاً؛ لأن في الفقه معالم الدين، وسنن الهدى، فربما يصير ذلك سبباً لإسلامه.
قال محمد ﵀: يكره الأكل والشرب في أواني المشركين قبل الغسل؛ لأن الغالب والظاهر من حال أوانيهم النجاسة، فإنهم يستحلون الخمر والميتة ويشربون ذلك، ويأكلون من قصاعهم وأوانيهم، فكره الأكل والشرب فيها قبل الغسل اعتباراً للظاهر، كما كره التوضؤ بسؤر الدجاجة؛ لأنها لا تتوقى من النجاسات في الغالب، والظاهر مع هذا لو أكل أو شرب فيها قبل الغسل جاز، ولا يكون آكلاً ولا شارباً حراماً؛ لأن الطهارة في الأشياء أصل والنجاسة عارض، فيجري على الأصل حتى يعلم حدوث العارض، وما يقول بأن الظاهر هو النجاسة، قلنا: نعم، ولكن الطهارة كانت ثابتة، واليقين لا يزال إلا بيقين مثله؛ ألا ترى أنه لو أصاب عضو إنسان أو ثوبه سؤر الدجاجة، أو الماء الذي أدخل فيه يده، وصلى مع ذلك جازت صلاته، وطريقه ما قلنا: أن الأصل في الأشياء الطهارة، وقد تيقنا بالطهارة وشككنا في النجاسة فلا تثبت النجاسة بالشك، وهذا إذا لم يعلم بنجاسة الأواني.
فأما إذا علم فإنه لا يجوز أن يشرب ويأكل منها قبل الغسل، ولو شرب أو أكل كان شارباً وآكلاً حراماً، وهو نظير سؤر الدجاجة إذا علم أنه كان على منقارها نجاسة، فإنه لا يجوز التوضؤ به.
والصلاة في سراويلهم نظير الأكل والشرب من أوانيهم، إن علم أن سراويلهم نجسة لا تجوز الصلاة فيها، وإن لم يعلم تكره الصلاة فيها، ولو صلى يجوز، ولا بأس بطعام اليهود والنصارى كله من الذبائح وغيرها لقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل
стр. 1993
لكم﴾ (المائدة: ٥) من غير فصل بين الذبيحة وغيرها، ويستوي الجواب بين أن يكون اليهود والنصارى من بني إسرائيل أو من غيرهم، كنصارى العرب؛ لأن ما تلونا من الآية لم تفصل.
ولا بأس بطعام المجوس كله إلا الذبيحة، فإن ذبيحتهم حرام، قال ﵇: «سنوا بالمجوس سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم، ولا آكلي ذبائحهم» ولم يذكر محمد ﵀ الأكل مع المجوسي ومع غيره من أهل الشرك أنه هل يحل أم لا، وحكي عن الحاكم عبد الرحمن الكاتب أنه إن ابتلي به المسلم مرة أو مرتين فلا بأس به، فأما الدوام عليه يكره؛ لأنا نهينا عن مخالطتهم وموالاتهم وتكثير سوادهم، وذلك لا يتحقق في الأكل مرة أو مرتين، إنما يتحقق بالدوام عليه.
رجل له امرأة ذمية، أو أب ذمي ليس له أن يقوده إلى البيعة، وله أن يقوده من البيعة إلى منزله؛ لأن الذهاب إلى البيعة معصية وإلى المنزل لا، ولا يحمل الخمر إلى الخل ولكن يحمل الخل إليها، وكذلك لا يحمل الجيفة إلى الهرة ويحمل الهرة إلى الجيفة.
مسلم له امرأة من أهل الذمة ليس له أن يمنعها من شرب الخمر؛ لأنه حلال عندها، لكن يمنعها من ادخارها في بيته، ولا يجبرها على الغسل من الجنابة؛ لأن ذلك ليس بواجب عليها.
وقال في «القدوري» : في النصرانية تحت مسلم لا تنصب في بيته صليباً، وتصلي في بيته حيث شاءت، ومن سأل من أهل الذمة مسلماً عن طريق البيعة فلا ينبغي له أن يدل عليه؛ لأنه أعانه على المعصية، ولا بأس بالذهاب إلى ضيافة أهل الذمة؛ لأنه نوع بر، وإذا آجر المسلم نفسه من ذمي ليعصر له فيتخذ خمراً فهو مكروه، ولو آجر نفسه ليعمل في الكنيسة ويعمرها فلا بأس به؛ إذ ليس في نفس العمل معصية، ولا بأس أن يصل المسلم المشرك قريباً كان أو بعيداً، محارباً كان أو ذمياً، وأراد بالمحارب المستأمن، فأما إذا كان غير مستأمن فلا ينبغي بأن يصله بشيء، والأصل في ذلك قوله تعالى ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلو في الدين﴾ (الممتحنه: ٨) الآية إلى آخرها، فالله تعالى بين بأول الآية أنه ما نهانا عن مبرة الذمي، وبين بآخر الآية أنه نهانا عن مبرة أهل الحرب؛ إلا أن المستأمن صار مخصوصاً عن آخر الآية؛ لأن الأمان المؤبد أو المؤقت خلف عن الإسلام في أحكام الدنيا، فكما لا يكون بصلة المسلم بأساً، فلا يكون بصلة المستأمن بأساً؛ بخلاف غير المستأمن؛ لأنه لم يوجد في حقه ما هو خلف عن الإسلام؛ حتى يلحق بالمسلم في حق هذا الحكم، فبقي داخلاً تحت النهي؛ هذا هو الكلام في صلة المسلم المشرك.
جئنا إلى صلة المشرك المسلم، فقد روى محمد ﵀ في «السير الكبير» أخباراً متعارضة في بعضها أن رسول الله ﷺ قبل هدايا المشرك، وفي بعضها أنه لم يقبل، فلا
стр. 1994
بد من التوفيق، واختلفت عبارة المشايخ في وجه التوفيق، فعبارة الفقيه أبي جعفر الهندواني أن ما روي أنه لم يقبلها محمول على أنه لم يقبلها من شخص غلب على ظن رسول الله ﵇ أنه وقع (٩٣ب٢) عند ذلك الشخص أن رسول الله ﵇ إنما يقاتلهم طمعاً في المال؛ لا لإعلاء كلمة الله، ولا يجوز قبول الهدية من مثل هذا الشخص في زماننا، وما روي أنه قبلها محمول على أنه قبل من شخص غلب على ظن رسول الله أنه وقع عند ذلك الشخص أن رسول الله ﵇ إنما يقاتلهم لإعزاز الدين، وإعلاء كلمة الله لا لطلب المال، وقبول الهدية من مثل هذا الشخص جائز في زماننا أيضاً؛ لأن قبول الهدية حينئذٍ لا يكون لترك القتال بل للتألف وإنه جائز.
ومن المشايخ من وفق من وجه آخر، فقال: لم يقبل من شخص علم أنه لو قبل منه تقل صلابته وعزمه في حقه، وبين له بسبب قبول الهدية على ما قال ﵇: «الهدية تذهب وحر الصدر» ومتى كانت الحالة هذه لا يجوز قبول الهدية؛ لأن سبيل المسلم أن يكون غليظاً شديداً على الكفرة، وقبل من شخص علم أنه لا تقل صلابته، وعزمه في حقه، ولا يلين له بسبب قبول الهدية.
قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : ويأمر الإمام أهل الذمة بإظهار الاستنحاب والركوب على السرج الذي هو كهيئة الأكف؛ هذا هو لفظ «الجامع الصغير» ، ولفظ كتاب العشر والخراج من «الأصل» : وينبغي أن لا يترك أحداً من أهل الذمة يتشبه بالمسلمين في ملبوسه ولا في ركوبه، ولا في زيه وهيئته، والأصل فيه ما روي عن عمر ﵁: أنه كتب إلى أمراء الأمصار أن لا يتركوا أهل الذمة يتشبهون بالمسلمن في لباسهم، ومركبهم، وهيآتهم، فهذا روي عن عمر ﵁ ولم يرو عن غيره خلافه، فحل محل الإجماع.
قال: ويمنعون عن ركوب الفرس؛ لأن ركوب الفرس من باب العز والشرف، وما كان من باب العز فأهل الذمة يمنعون عنه؛ لأنهم من أهل الصغار، فيمنعون عنه إلا إذا وقعت الحاجة إلى ذلك؛ بأن استعان الإمام بهم في المحاربة، والذب عن المسلمين، ولا يمنعون عن ركوب البغل؛ لأنه نتيجة الحمار، ولا يمنعون من ركوب الحمار؛ لأن كل أحد لا يقدر على المشي، لكنهم يمنعون من أن يضعوا على الراكب سرجاً كسرج المسلمين، وينبغي أن يكون على قربوس سرجهم مثل الرمانة؛ وهذا لأنهم كما أمروا بالمخالفة في هيئة اللباس، فكذلك أمروا بالمخالفة في هيئة المركب من حديث عمر ﵁.
واختلفوا في قوله وعلى قربوس السرج مثل الرمانة؛ قال الفقيه أبو جعفر: لم يرد بقوله: وعلى قربوس السرج مثل الرمانة أن يكون مقدم سروجهم مثل مقدم سروجنا، ثم تكون عليه رمانة، وإنما أراد به أن يكون مقدم سرجهم مثل مقدم الإكاف، وهو كالرمانة
стр. 1995
وغيره. قال: أراد به أن يكون مقدم سروجهم مثل مقدم سروجنا، ثم تكون عليه الرمانة.
ويمنعون عن لبس الرداء والعمائم التي يلبسها علماء الدين؛ لأن فيه شرفاً، وكذلك يمنعون أن يكون شراك نعالهم كشراك نعالنا، وكذلك يمنعون أن تكون خفافهم كخفافنا، ونعالهم كنعالنا، وينبغي أن يؤخذوا حتى يأخذ كل واحد منهم مثل الخيط بعقد ليكون ذلك علامة فلا نعظمهم، وينبغي أن يكون ذلك الخيط غليظاً، ولا يكون رقيقاً؛ بحيث لا يقع عليه البصر؛ إلا أن يبالغ في النظر، وينبغي أن لا يكون من الإبريسم؛ لأن ذلك من باب التزين والتجمل.
ثم اختلف المشايخ أن المخالفة بينهم وبيننا شرط بعلامة واحدة، أو بعلامتين، أو بثلاث علامات، قال بعضهم: العلامة الواحدة تكفي إما على الرأس كالقلانس الطحال المصرية، أو على الوسط كالنسيج، أو على الرجل كالنعل والمكعب على خلاف نعالنا ومكاعبنا، وبعضهم قالوا: لابد من العلامات الثلاث، وبعضهم قالوا في النصراني: يكتفى بعلامة واحدة، وفي اليهودي: يشترط علامتان، وفي المجوسي: يشترط ثلاث علامات، وذكر شيخ الإسلام أنه يشترط الثلاث في حق كل شخص، وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي يقول: إن كان صالحهم الإمام وأعطاهم الذمة لعلامة واحدة، فلا يزاد على ذلك، فأما إذا فتح بلدة عنوة وقهراً كان للإمام أن يلزمهم العلامات الثلاث، وكذلك في الهيئات من حيث المركب والملبوس وغير ذلك مما ذكرنا من الجواب فيما إذا فتح بلدة عنوة، فأما إذا فتحت صالحاً، وأعطاهم الصلح على بعض ما ذكرنا لا يزاد على ما وقع عليه الصلح وهو الصحيح.
ولا ينبغي أن يتركوا أن يحدثوا بيعة وكنيسة في مصر من أمصار المسلمين؛ لأن في إحداث البيع والكنائس إعلان دين الكفر، وقد منعوا من إعلان دينهم، فإنا إنما أعطيناهم الذمة بشرط أن لا يعلنوا ما في دينهم. فإن أرادوا أن يحدثوا ذلك في القرى؛ روى الحسن عن أبي حنيفة: أنهم يمنعون عنه، وفي ظاهر الرواية: لا يمنعون عنه، فإن أحدثوا بيعة في قرية من القرى، ثم بنى فيها أبنية كثيرة فمصرها الإمام، فالإمام ينقض ذلك، وكذلك لو أحدثوا كنيسة بقرب مصر، وبني هناك أبنية حتى اتصل ذلك الموضع بالمصر، وصار كمحلة من محال المصر، فإن الإمام ينقض ذلك كله، ويضمن لهم قيمة ذلك ليشتروا موضعاً ويبنوا فيه مثلها، أو يعوض لهم مكاناً آخر فارغاً حتى يبنوا فيها مثلها، هذا جواب ظاهر الرواية. وعن أبي حنيفة ﵁ في هاتين الصورتين: أن الإمام لا ينقض ذلك.
وجه رواية الحسن قوله ﵇: «لا خصاء ولا كنيسة في الإسلام» وأراد الإحداث، فإن القديمة يجوز تركها في القرى، فالنبي ﵇ نهى عن إحداث
стр. 1996
الكنيسة، ولم يفصل بين القرى والأمصار، ولأن في إحداث الكنيسة إعلان دينهم، وهم كما منعوا عن إعلان دينهم في المصر منعوا عنه في القرى؛ ألا ترى أنهم يمنعون عن إظهار بيع الخمور والخنازير، وعقود الربا في القرى كما يمنعون عنها في الأمصار.
وجه ظاهر الرواية: أن إحداث الكنيسة والبيعة تصرف مباح بنفسه؛ لأنه بناء وعمارة بمكان، وإنه مباح في الإسلام، ألا ترى أنه لو وجد مثل ذلك من المسلم كان مباحاً، وإنما الحرمة بقصدهم أن هذا البناء للبيعة والكنيسة (٩٤أ٢)
فكان هذا الفعل مباحاً لعينه حراماً لغيره، وهو قصد الفاعل، فلو كان مباحاً من كل وجه تركوا في الأمصار والقرى كبناء الدار، ولو كان حراماً لعينه كبيع الخمر والخنزير لمنعوا عنه في المواضع كلها، فإذا كان مباحاً لعينه حراماً لغيره منعوا عنها في المصر اعتباراً لجانب الحرمة، ولم يمنعوا عنها في القرى اعتباراً لجانب الإباحة، وكان العمل على هذا الوجه أولى من العمل على العكس؛ لأن للمصر حرمة زائدة ليست للقرى، فإنها إقامة الجمع والأعياد وجلوس المفتي والقضاء بخلاف بيع الخمر؛ لأنه حرام لعينه؛ ألا ترى أنه لو وجد من المسلم كان حراماً ومعصية، وهم منعوا عن إظهار المعاصي في دار الإسلام؛ المصر والقرى في ذلك على السواء ولا كذلك بناء البيعة والكنيسة على ما ذكرنا.
فأما الكنائس القديمة والبيع القديمة في الأمصار والقرى ذكر في عامة الكتب أنها تترك على حالها ولا تنقض، وفي كتاب العشر والخراج من «الأصل» : يشير إلى أنها تهدم، وهو قول الحسن، والصحيح ما ذكر
стр. 1997
في عامة الروايات، وهذه الروايات فيما إذا ظهر الإمام عليهم عنوة وقهراً، فأما إذا وقع الصلح بينهم وبين الإمام فالكنائس والبيع تترك على حالها، ولا يتعرض لها باتفاق الروايات.
ثم إذا كانت الكنائس قديمة وقد ظهر الإمام عليهم عنوة، حتى لم يكن للإمام نقضها على ظاهر الرواية، انهدمت كنيسة منها كان لهم بناؤها؛ لأن هذا ليس بإحداث؛ بل إعادة للأول، فكأنه غير الأول، فلا يمنعوا عنه إلا إذا أرادوا أن يبنوا أوسع من الأول، فحينئذٍ يمنعون عن الزيادة في حق الزيادة إحداث.
ولا ينبغي أن يتركوا حتى يشتري أحد منهم، داراً أو منزلاً في مصر من أمصار المسلمين، ولا ينبغي أن يتركوا بأن يسكنوا في مصر من أمصار المسلمين؛ هكذا ذكر في كتاب العشر والخراج من «الأصل» ، فعلى رواية كتاب العشر والخراج: لم نمكنهم من المقام في أمصار المسلمين، وفي عامة الكتب نمكنهم من المقام في أمصار المسلمين إلا أن يكون المصر من أمصار العرب نحو أرض الحجاز وما أشبهه، فحينئذٍ لا يمكنون من المقام فيها؛ قال ﵇: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» والصحيح ما ذكر في عامة الكتب، فقد صح أن عمر ﵁ فتح بيت المقدس صلحاً، وترك أهل الذمة فيها، وخالد بن الوليد ﵁ فتح بلدة وترك أهل الذمة فيها، وفتح عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان أرض الشام عنوة وقهراً، وتركوا أهل الذمة فيها، وأبو موسى الأشعري وعثمان بن العاص، وعتبة بن عمرو فتحوا نهاوند وتركوا أهل الذمة، فهؤلاء الصحابة ﵃ جوزوا ترك أهل الذمة في أمصار المسلمين من بلاد العجم، فيصير فعلهم حجة لما ذكرنا في عامة الكتب.
إذا قال لذمي: أطال الله تعالى بقاءك، إن كان نيته أن الله تعالى يطيل بقاءه ليسلم أو يؤدي الجزية عن ذل وصغار فلا بأس به، وإن لم ينوِ شيئاً يكره، وفي «فتاوى أهل سمرقند» وفي هذا الموضع أيضاً: مسلم دعاه نصراني إلى دار ضيفاً حل له أن يذهب؛ لأن فيه ضرب من البر، وقد ندبنا إلى بر من لم يقاتلنا في الدين؛ قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم﴾ (الممتحنة: ٨) . وفي أضحية «النوازل» : المجوسي أو النصراني إذا دعا رجلاً إلى طعامه يكره الإجابة، فإن قال اشتريت اللحم من السوق؛ لأن المجوسي يبيح المنخنقة والموقوذة، والنصراني لا ذبيحة له، وإنما يأكل ذبيحة المسلم، أو، وإن كان الداعي يهودياً فلا بأس به؛ لأنه لا يأكل إلا من ذبيحة اليهودي، أو من ذبيحة المسلم، وما ذكر في حق النصراني يخالف رواية محمد على ما تقدم ذكرها.
وفي «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة ﵁: ولا بأس بعيادة اليهودي والنصراني؛ لأن العيادة من باب البر والصلة، ولا بأس بالبر في حقهم، وقد صح أن رسول الله ﵇ عاد يهودياً في جواره قد مرض.
الفصل السابع عشر في الهدايا والضيافات
هدايا القضاة وتأتي في كتاب أدب القاضي من هذا الكتاب، وأما هدية المستقرض المقرض، فإن كانت مشروطة في الاستقراض فهي حرام، ولا ينبغي للمقرض أن يقبل، وإذا لم تكن مشروطة في العقد، ولم يعلم أنه أهدى إليه لأجل الدين، أو لا لأجل الدين؛ ذكر شيخ الإسلام لا بأس بقبولها، والتورع عنه أولى، وهكذا حكي عن بعض مشايخنا.
بعد هذا قالوا: إذا كانت المهاداة تجري بينهما قبل القرض بسبب القرابة أو الصداقة أو كان المستقرض معروفاً بالجود والسخاء، فهذا قائم مقام العلم أنه أهداه لا لأجل الدين، فلا يتورع عنه، وإن لم يكن شيئاً من ذلك، والحالة حالة الإشكال، فيتورع
стр. 1998
عنه حتى ينص أنه أهدى لا لأجل الدين، ومحمد ﵀ لم يرَ به بأساً بلا تفصيل.
جئنا إلى فصل الدعوة، قال محمد ﵀: ولا بأس بأن يجيب دعوة رجل له عليه دين، قال شيخ الإسلام: هذا هو جواب الحكم، فأما الأفضل أن يتورع عن الإجابة إذا علم أنه لأجل الدين، أو أشكل عليه الحال؛ قال شمس الأئمة الحلواني: حالة الإشكال؛ إنما يتورع إذا كان يدعوه قبل الإقراض في كل عشرين يوماً بعد الإقراض جعل يدعوه في كل عشرة أيام، أو زاد في ... أما إذا كان يدعوه بعد الإقراض في كل عشرين كما كان يدعوه قبل الإقراض، ولا يزيد في ... فلا يتورع إلا إذا نص أنه أضاف لأجل الدين، فإن كان لا يدعوه قبل الإقراض أصلاً، وجعل يدعوه بعد الإقراض يتورع إلا إذا نص أنه أضافه لا لأجل الدين، وههنا زيادة تفريع سيأتي في كتاب أدب القاضي إن شاء الله تعالى.
وأما هدايا الأمراء في زماننا؛ حكي (عن) الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل أنه سئل عن هدايا الأمراء في زماننا قال: ترد على إبانها والشيخ الإمام الزاهد أبو بكر محمد بن حامد سئل عن هذا، فقال: يوضع في بيت المال، وهكذا ذكر محمد في «السير الكبير» فذكر ذلك الشيخ الإمام الجليل محمد بن الفضل، فقال: كنت أعلم أن المذهب هذا؛ إلا أني لم أجب به مخافة أن يوضع في بيت المال، ثم الأمراء يصرفونها إلى شهواتهم ولهوهم، فقد علمنا أنهم إنما يمسكون (٩٤ب٢) بيت المال لشهواتهم؛ لا لجماعة المسلمين، وعن عمر ﵁ أنه كان يمنع عماله عن قبول الهدايا، وإذا قبلوها ردوهاعلى أصحابها إن قدروا عليهم، وإن لم يقدروا عليهم وضعوها في بيت المال.
واختلفت الصحابة ومن بعدهم في جواز قبول الهدية من أمراء الجور، فكان ابن عباس وابن عمر ﵃ يقبلان هدية المختار، وعن إبراهيم النخعي: أنه كان يجوز ذلك، وأبو ذر وأبو درداء كانا لا يجوزان ذلك، وعن علي ﵁: أن السلطان يصيب من الحلال والحرام، فإذا أعطاك شيئاً فخذه، فإن ما يعطيك حلال لك، وحاصل المذهب فيه أنه إن كان أكثر ماله من الرشوة والحرام لم يحل قبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حلال، وإن كان صاحب تجارة وزرع وأكثر ماله من ذلك، فلا بأس بقبول الجائزة ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حرام، وفي قبول رسول الله ﵇ الهدية من بعض المشركين دليل على ما قلنا.
وفي «عيون المسائل» : رجل أهدى إلى إنسان أو أضافه إن كان غالب ماله من حرام لا ينبغي أن يقبل ويأكل من طعامه ما لم يخبر أن ذلك المال حلال استقرضه أو ورثه، وإن كان غالب ماله من حلال فلا بأس بأن يقبل ما لم يتبين له أن ذلك من الحرام؛ وهذا لأن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام وتخلو عن كثيره، فيعتبر الغالب ويبنى الحكم عليه.r
стр. 1999
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل دخل على السلطان فقدم إليه بشيء مأكول، فإن اشتراه بالثمن أو لم يشتر، ولكن هذا الرجل لا يعلم أنه مغصوب بعينه حل له أكله؛ أما إذا اشتراه بالثمن فلأن العقد يقع على مثل الثمن المشار إليه؛ لا على عين المشار إليه، فلا يتمكن الخبث في المشترى هكذا ذكر، وههنا كلمات تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى في مسائل الغصب، وأما إذا لم يشترِ، ولكن لا يعلم الداخل أنه مغصوب بعينه، فلأن الأشياء على أصل الإباحة ما لم يعلم دليل الحرمة، فلا يحرم لو علم دليل الحرمة بأن علم بأن هذا الشيء مغصوب بعينه لا يحل له الأكل هكذا ذكر، والصحيح أنه ينظر إلى غالب مال السلطان، ويبنى الحكم عليه على ما ذكرنا قبل هذا.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : لا يباح اتخاذ الضيافة في المصيبة بعد ثلاثة أيام، ويقال فيما بين الناس «سه ديكر» ، وفي «النوازل» : الضيف إذا أعطى اللقمة بعضهم لبعض يعتبر في ذلك تعامل الناس، ويترك القياس بالاستحسان، ولا يجوز أن يعطي سائلاً؛ لأنه لا تعامل فيه. وفي «العيون» : إذا كان الرجل ضيفاً عند إنسان فناول لقمة من طعامه إلى من كان ضيفاً أيضاً؛ قال بعض مشايخنا: لا يحل للمناول أن يفعل ذلك، ولا يحل له الأكل على فوره؛ بل يضعها على المائدة ويأكل من المائدة، وهكذا روي عن محمد، وكثير من المشايخ جوزوا ذلك استحساناً لوجود الإذن عادة، ولا يجوز للضيف أن يعطي من ذلك إنساناً دخل عليهم لطلب إنسان أو حاجة أخرى؛ لأنه لا تعامل فيه، وكذا لا ينبغي له أن يعطي سائلاً؛ لأنه لا تعامل فيه، ولو ناول من المائدة هرة صاحب الدار، أو هرة غير صاحب الدار شيئاً من الخبز، أو قليلاً من اللحم فلا بأس به؛ لأن فيه تعامل، فكان الإذن به ثابتاً عادة، وإن كان شيئاً من الخبز المحرق أما لشبهة، فهو في سعة منه؛ لأن فيه تعامل، وأما رفع الزلة فهو حرام بكل حال إلا أن يأذن صاحب الضيافة بها نصاً.
وفي هبة «العيون» : لو دعا رجل قوماً إلى منزله لضيافة، وفرقهم على الأخونة فليس لأهل إحدى الخوانين أن يتناول من طعام الخوان الآخر؛ لأنه إنما أباح طعام كل خوان لجماعة معينين، فلا تثبت الإباحة في حق غيرهم.
وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل يأكل خبزاً مع أهله، فاجتمع كسرات الخبز، ولا يشتهيها أهله فله أن يطعم الدجاجة أو البقرة أو الشاة؛ ذكر الشاة والبقر والدجاجة ولم يذكر الكلب والهرة قال: لا ينبغي أن يلقيها في الطريق، أو في النهر إلا إذا وضع لأجل النمل ليأكل، فحينئذٍ يجوزه، هكذا نقل عن السلف.
أب الصبي إذا أهدى إلى معلم الصبي أو إلى مؤدبه في العيد إن لم يسأل ولم يلح عليه لا بأس به؛ لأنه بر وبر المعلم مستحب، وأما أجرة المعلم فنقول: لا بأس بها في زماننا، وسيأتي ذلك في كتاب الإجارات مع ما يجانسها.
وحكي عن الإمام أبي الليث الحافظ أنه كان يقول: كنت أفتي بثلاثة أشياء، ورجعت عنها؛ كنت أفتي أنه لا يحل للمعلم أخذ الأجر على تعليم القرآن، وكنت أفتي أنه لا ينبغي للعالم أن يدخل على السلطان، وكنت أفتي أن لا ينبغي لصاحب العلم أن
стр. 2000
يخرج إلى القرى فيذكرهم بشيء ليجمعوا له شيئاً، فرجعت عن ذلك كله، وإنما رجع تحرزاً عن ضياع القرآن والحقوق والعلم.
الفصل الثامن عشر في الغناء، واللهو، وسائر المعاصي، والأمر بالمعروف
ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» عن أنس بن مالك ﵁: أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو كان يتغنى، قوله: وهو يتغنى بظاهره حجة لمن قال: لا بأس للإنسان أن يتغنى إذا كان يسمع ويؤنِّس نفسه، وإنما يكره إذا كان يسمع ويؤنس غيره، ومن الناس من يقول: لا بأس به في الأعراس والوليمة، ألا ترى أنه لا بأس بضرب الدفوف في الأعراس والوليمة، وإن كان ذلك نوع لهوٍ وإنما لم يكن به بأس؛ لأن فيه إظهار النكاح وإعلانه، وبه أمر صاحب الشرع حيث قال: «أعلنوا النكاح، ولو بالدف» فكذلك التغني، ومنهم من قال: إن كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به، ومنهم من قال: إذا كان وحده فغنى لدفع الوحشة عن نفسه فلا بأس به، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، وإنما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وذكر شيخ الإسلام أن جميع ذلك مكروه عند علمائنا، ويحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ (لقمان: ٦) جاء في التفسير أن المراد منه الغناء، وحديث البراء بن مالك محمول على أنه كان ينشد الشعر المباح، يعني الشعر الذي فيه الوعظ والحكمة؛ وهذا لأن الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره، قال ﵇: «من لم يتغن بالقرآن (٩٥أ٢) فليس منا» .
قلنا: وإنشاد ما هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإذا كان في الشعر صفة المرأة إن كانت امرأة بعينها، وهي حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره، وإن كانت امرأة وسيمة لا يكره؛ هذه الجملة من شرح «السير الكبير» .
وفي «فتاوى أهل سمرقند» استماع صوت الملاهي كالضرب بالقصب، وغير ذلك من الملاهي حرام، وقد قال ﵇: «استماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها من الكفر» وهكذا خرج على وجه التشديد بعظم الذنب؛ قالوا: إلا أن يسمع نفسه فيكون معذوراً، والواجب على كل أحد أن يجتهد حتى لا يسمع.
روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة ﵁: في الرجل يدعى إلى وليمة أو
следующие страницы →