← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الكنيسة، ولم يفصل بين القرى والأمصار، ولأن في إحداث الكنيسة إعلان دينهم، وهم كما منعوا عن إعلان دينهم في المصر منعوا عنه في القرى؛ ألا ترى أنهم يمنعون عن إظهار بيع الخمور والخنازير، وعقود الربا في القرى كما يمنعون عنها في الأمصار. وجه ظاهر الرواية: أن إحداث الكنيسة والبيعة تصرف مباح بنفسه؛ لأنه بناء وعمارة بمكان، وإنه مباح في الإسلام، ألا ترى أنه لو وجد مثل ذلك من المسلم كان مباحاً، وإنما الحرمة بقصدهم أن هذا البناء للبيعة والكنيسة (٩٤أ٢) فكان هذا الفعل مباحاً لعينه حراماً لغيره، وهو قصد الفاعل، فلو كان مباحاً من كل وجه تركوا في الأمصار والقرى كبناء الدار، ولو كان حراماً لعينه كبيع الخمر والخنزير لمنعوا عنه في المواضع كلها، فإذا كان مباحاً لعينه حراماً لغيره منعوا عنها في المصر اعتباراً لجانب الحرمة، ولم يمنعوا عنها في القرى اعتباراً لجانب الإباحة، وكان العمل على هذا الوجه أولى من العمل على العكس؛ لأن للمصر حرمة زائدة ليست للقرى، فإنها إقامة الجمع والأعياد وجلوس المفتي والقضاء بخلاف بيع الخمر؛ لأنه حرام لعينه؛ ألا ترى أنه لو وجد من المسلم كان حراماً ومعصية، وهم منعوا عن إظهار المعاصي في دار الإسلام؛ المصر والقرى في ذلك على السواء ولا كذلك بناء البيعة والكنيسة على ما ذكرنا. فأما الكنائس القديمة والبيع القديمة في الأمصار والقرى ذكر في عامة الكتب أنها تترك على حالها ولا تنقض، وفي كتاب العشر والخراج من «الأصل» : يشير إلى أنها تهدم، وهو قول الحسن، والصحيح ما ذكر

стр. 1997

في عامة الروايات، وهذه الروايات فيما إذا ظهر الإمام عليهم عنوة وقهراً، فأما إذا وقع الصلح بينهم وبين الإمام فالكنائس والبيع تترك على حالها، ولا يتعرض لها باتفاق الروايات. ثم إذا كانت الكنائس قديمة وقد ظهر الإمام عليهم عنوة، حتى لم يكن للإمام نقضها على ظاهر الرواية، انهدمت كنيسة منها كان لهم بناؤها؛ لأن هذا ليس بإحداث؛ بل إعادة للأول، فكأنه غير الأول، فلا يمنعوا عنه إلا إذا أرادوا أن يبنوا أوسع من الأول، فحينئذٍ يمنعون عن الزيادة في حق الزيادة إحداث. ولا ينبغي أن يتركوا حتى يشتري أحد منهم، داراً أو منزلاً في مصر من أمصار المسلمين، ولا ينبغي أن يتركوا بأن يسكنوا في مصر من أمصار المسلمين؛ هكذا ذكر في كتاب العشر والخراج من «الأصل» ، فعلى رواية كتاب العشر والخراج: لم نمكنهم من المقام في أمصار المسلمين، وفي عامة الكتب نمكنهم من المقام في أمصار المسلمين إلا أن يكون المصر من أمصار العرب نحو أرض الحجاز وما أشبهه، فحينئذٍ لا يمكنون من المقام فيها؛ قال ﵇: «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان» والصحيح ما ذكر في عامة الكتب، فقد صح أن عمر ﵁ فتح بيت المقدس صلحاً، وترك أهل الذمة فيها، وخالد بن الوليد ﵁ فتح بلدة وترك أهل الذمة فيها، وفتح عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة ويزيد بن أبي سفيان أرض الشام عنوة وقهراً، وتركوا أهل الذمة فيها، وأبو موسى الأشعري وعثمان بن العاص، وعتبة بن عمرو فتحوا نهاوند وتركوا أهل الذمة، فهؤلاء الصحابة ﵃ جوزوا ترك أهل الذمة في أمصار المسلمين من بلاد العجم، فيصير فعلهم حجة لما ذكرنا في عامة الكتب. إذا قال لذمي: أطال الله تعالى بقاءك، إن كان نيته أن الله تعالى يطيل بقاءه ليسلم أو يؤدي الجزية عن ذل وصغار فلا بأس به، وإن لم ينوِ شيئاً يكره، وفي «فتاوى أهل سمرقند» وفي هذا الموضع أيضاً: مسلم دعاه نصراني إلى دار ضيفاً حل له أن يذهب؛ لأن فيه ضرب من البر، وقد ندبنا إلى بر من لم يقاتلنا في الدين؛ قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم﴾ (الممتحنة: ٨) . وفي أضحية «النوازل» : المجوسي أو النصراني إذا دعا رجلاً إلى طعامه يكره الإجابة، فإن قال اشتريت اللحم من السوق؛ لأن المجوسي يبيح المنخنقة والموقوذة، والنصراني لا ذبيحة له، وإنما يأكل ذبيحة المسلم، أو، وإن كان الداعي يهودياً فلا بأس به؛ لأنه لا يأكل إلا من ذبيحة اليهودي، أو من ذبيحة المسلم، وما ذكر في حق النصراني يخالف رواية محمد على ما تقدم ذكرها. وفي «الجامع الصغير» عن أبي حنيفة ﵁: ولا بأس بعيادة اليهودي والنصراني؛ لأن العيادة من باب البر والصلة، ولا بأس بالبر في حقهم، وقد صح أن رسول الله ﵇ عاد يهودياً في جواره قد مرض. الفصل السابع عشر في الهدايا والضيافات هدايا القضاة وتأتي في كتاب أدب القاضي من هذا الكتاب، وأما هدية المستقرض المقرض، فإن كانت مشروطة في الاستقراض فهي حرام، ولا ينبغي للمقرض أن يقبل، وإذا لم تكن مشروطة في العقد، ولم يعلم أنه أهدى إليه لأجل الدين، أو لا لأجل الدين؛ ذكر شيخ الإسلام لا بأس بقبولها، والتورع عنه أولى، وهكذا حكي عن بعض مشايخنا. بعد هذا قالوا: إذا كانت المهاداة تجري بينهما قبل القرض بسبب القرابة أو الصداقة أو كان المستقرض معروفاً بالجود والسخاء، فهذا قائم مقام العلم أنه أهداه لا لأجل الدين، فلا يتورع عنه، وإن لم يكن شيئاً من ذلك، والحالة حالة الإشكال، فيتورع

стр. 1998

عنه حتى ينص أنه أهدى لا لأجل الدين، ومحمد ﵀ لم يرَ به بأساً بلا تفصيل. جئنا إلى فصل الدعوة، قال محمد ﵀: ولا بأس بأن يجيب دعوة رجل له عليه دين، قال شيخ الإسلام: هذا هو جواب الحكم، فأما الأفضل أن يتورع عن الإجابة إذا علم أنه لأجل الدين، أو أشكل عليه الحال؛ قال شمس الأئمة الحلواني: حالة الإشكال؛ إنما يتورع إذا كان يدعوه قبل الإقراض في كل عشرين يوماً بعد الإقراض جعل يدعوه في كل عشرة أيام، أو زاد في ... أما إذا كان يدعوه بعد الإقراض في كل عشرين كما كان يدعوه قبل الإقراض، ولا يزيد في ... فلا يتورع إلا إذا نص أنه أضاف لأجل الدين، فإن كان لا يدعوه قبل الإقراض أصلاً، وجعل يدعوه بعد الإقراض يتورع إلا إذا نص أنه أضافه لا لأجل الدين، وههنا زيادة تفريع سيأتي في كتاب أدب القاضي إن شاء الله تعالى. وأما هدايا الأمراء في زماننا؛ حكي (عن) الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل أنه سئل عن هدايا الأمراء في زماننا قال: ترد على إبانها والشيخ الإمام الزاهد أبو بكر محمد بن حامد سئل عن هذا، فقال: يوضع في بيت المال، وهكذا ذكر محمد في «السير الكبير» فذكر ذلك الشيخ الإمام الجليل محمد بن الفضل، فقال: كنت أعلم أن المذهب هذا؛ إلا أني لم أجب به مخافة أن يوضع في بيت المال، ثم الأمراء يصرفونها إلى شهواتهم ولهوهم، فقد علمنا أنهم إنما يمسكون (٩٤ب٢) بيت المال لشهواتهم؛ لا لجماعة المسلمين، وعن عمر ﵁ أنه كان يمنع عماله عن قبول الهدايا، وإذا قبلوها ردوهاعلى أصحابها إن قدروا عليهم، وإن لم يقدروا عليهم وضعوها في بيت المال. واختلفت الصحابة ومن بعدهم في جواز قبول الهدية من أمراء الجور، فكان ابن عباس وابن عمر ﵃ يقبلان هدية المختار، وعن إبراهيم النخعي: أنه كان يجوز ذلك، وأبو ذر وأبو درداء كانا لا يجوزان ذلك، وعن علي ﵁: أن السلطان يصيب من الحلال والحرام، فإذا أعطاك شيئاً فخذه، فإن ما يعطيك حلال لك، وحاصل المذهب فيه أنه إن كان أكثر ماله من الرشوة والحرام لم يحل قبول الجائزة منه ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حلال، وإن كان صاحب تجارة وزرع وأكثر ماله من ذلك، فلا بأس بقبول الجائزة ما لم يعلم أن ذلك له من وجه حرام، وفي قبول رسول الله ﵇ الهدية من بعض المشركين دليل على ما قلنا. وفي «عيون المسائل» : رجل أهدى إلى إنسان أو أضافه إن كان غالب ماله من حرام لا ينبغي أن يقبل ويأكل من طعامه ما لم يخبر أن ذلك المال حلال استقرضه أو ورثه، وإن كان غالب ماله من حلال فلا بأس بأن يقبل ما لم يتبين له أن ذلك من الحرام؛ وهذا لأن أموال الناس لا تخلو عن قليل حرام وتخلو عن كثيره، فيعتبر الغالب ويبنى الحكم عليه.r

стр. 1999

وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل دخل على السلطان فقدم إليه بشيء مأكول، فإن اشتراه بالثمن أو لم يشتر، ولكن هذا الرجل لا يعلم أنه مغصوب بعينه حل له أكله؛ أما إذا اشتراه بالثمن فلأن العقد يقع على مثل الثمن المشار إليه؛ لا على عين المشار إليه، فلا يتمكن الخبث في المشترى هكذا ذكر، وههنا كلمات تأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى في مسائل الغصب، وأما إذا لم يشترِ، ولكن لا يعلم الداخل أنه مغصوب بعينه، فلأن الأشياء على أصل الإباحة ما لم يعلم دليل الحرمة، فلا يحرم لو علم دليل الحرمة بأن علم بأن هذا الشيء مغصوب بعينه لا يحل له الأكل هكذا ذكر، والصحيح أنه ينظر إلى غالب مال السلطان، ويبنى الحكم عليه على ما ذكرنا قبل هذا. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : لا يباح اتخاذ الضيافة في المصيبة بعد ثلاثة أيام، ويقال فيما بين الناس «سه ديكر» ، وفي «النوازل» : الضيف إذا أعطى اللقمة بعضهم لبعض يعتبر في ذلك تعامل الناس، ويترك القياس بالاستحسان، ولا يجوز أن يعطي سائلاً؛ لأنه لا تعامل فيه. وفي «العيون» : إذا كان الرجل ضيفاً عند إنسان فناول لقمة من طعامه إلى من كان ضيفاً أيضاً؛ قال بعض مشايخنا: لا يحل للمناول أن يفعل ذلك، ولا يحل له الأكل على فوره؛ بل يضعها على المائدة ويأكل من المائدة، وهكذا روي عن محمد، وكثير من المشايخ جوزوا ذلك استحساناً لوجود الإذن عادة، ولا يجوز للضيف أن يعطي من ذلك إنساناً دخل عليهم لطلب إنسان أو حاجة أخرى؛ لأنه لا تعامل فيه، وكذا لا ينبغي له أن يعطي سائلاً؛ لأنه لا تعامل فيه، ولو ناول من المائدة هرة صاحب الدار، أو هرة غير صاحب الدار شيئاً من الخبز، أو قليلاً من اللحم فلا بأس به؛ لأن فيه تعامل، فكان الإذن به ثابتاً عادة، وإن كان شيئاً من الخبز المحرق أما لشبهة، فهو في سعة منه؛ لأن فيه تعامل، وأما رفع الزلة فهو حرام بكل حال إلا أن يأذن صاحب الضيافة بها نصاً. وفي هبة «العيون» : لو دعا رجل قوماً إلى منزله لضيافة، وفرقهم على الأخونة فليس لأهل إحدى الخوانين أن يتناول من طعام الخوان الآخر؛ لأنه إنما أباح طعام كل خوان لجماعة معينين، فلا تثبت الإباحة في حق غيرهم. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل يأكل خبزاً مع أهله، فاجتمع كسرات الخبز، ولا يشتهيها أهله فله أن يطعم الدجاجة أو البقرة أو الشاة؛ ذكر الشاة والبقر والدجاجة ولم يذكر الكلب والهرة قال: لا ينبغي أن يلقيها في الطريق، أو في النهر إلا إذا وضع لأجل النمل ليأكل، فحينئذٍ يجوزه، هكذا نقل عن السلف. أب الصبي إذا أهدى إلى معلم الصبي أو إلى مؤدبه في العيد إن لم يسأل ولم يلح عليه لا بأس به؛ لأنه بر وبر المعلم مستحب، وأما أجرة المعلم فنقول: لا بأس بها في زماننا، وسيأتي ذلك في كتاب الإجارات مع ما يجانسها. وحكي عن الإمام أبي الليث الحافظ أنه كان يقول: كنت أفتي بثلاثة أشياء، ورجعت عنها؛ كنت أفتي أنه لا يحل للمعلم أخذ الأجر على تعليم القرآن، وكنت أفتي أنه لا ينبغي للعالم أن يدخل على السلطان، وكنت أفتي أن لا ينبغي لصاحب العلم أن

стр. 2000

يخرج إلى القرى فيذكرهم بشيء ليجمعوا له شيئاً، فرجعت عن ذلك كله، وإنما رجع تحرزاً عن ضياع القرآن والحقوق والعلم. الفصل الثامن عشر في الغناء، واللهو، وسائر المعاصي، والأمر بالمعروف ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» عن أنس بن مالك ﵁: أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو كان يتغنى، قوله: وهو يتغنى بظاهره حجة لمن قال: لا بأس للإنسان أن يتغنى إذا كان يسمع ويؤنِّس نفسه، وإنما يكره إذا كان يسمع ويؤنس غيره، ومن الناس من يقول: لا بأس به في الأعراس والوليمة، ألا ترى أنه لا بأس بضرب الدفوف في الأعراس والوليمة، وإن كان ذلك نوع لهوٍ وإنما لم يكن به بأس؛ لأن فيه إظهار النكاح وإعلانه، وبه أمر صاحب الشرع حيث قال: «أعلنوا النكاح، ولو بالدف» فكذلك التغني، ومنهم من قال: إن كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به، ومنهم من قال: إذا كان وحده فغنى لدفع الوحشة عن نفسه فلا بأس به، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي، وإنما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وذكر شيخ الإسلام أن جميع ذلك مكروه عند علمائنا، ويحتج بظاهر قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ (لقمان: ٦) جاء في التفسير أن المراد منه الغناء، وحديث البراء بن مالك محمول على أنه كان ينشد الشعر المباح، يعني الشعر الذي فيه الوعظ والحكمة؛ وهذا لأن الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره، قال ﵇: «من لم يتغن بالقرآن (٩٥أ٢) فليس منا» . قلنا: وإنشاد ما هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإذا كان في الشعر صفة المرأة إن كانت امرأة بعينها، وهي حية يكره، وإن كانت ميتة لا يكره، وإن كانت امرأة وسيمة لا يكره؛ هذه الجملة من شرح «السير الكبير» . وفي «فتاوى أهل سمرقند» استماع صوت الملاهي كالضرب بالقصب، وغير ذلك من الملاهي حرام، وقد قال ﵇: «استماع الملاهي معصية والجلوس عليها فسق والتلذذ بها من الكفر» وهكذا خرج على وجه التشديد بعظم الذنب؛ قالوا: إلا أن يسمع نفسه فيكون معذوراً، والواجب على كل أحد أن يجتهد حتى لا يسمع. روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة ﵁: في الرجل يدعى إلى وليمة أو

стр. 2001

طعام، فوجد ثمة لعباً أو غناء، فلا بأس بأن يقعد ويأكل؛ قال أبو حنيفة ﵁: ابتليت بذلك مرة. واعلم بأن هذه المسألة على وجهين: الأول: أن يكون اللعب والغناء على المائدة، وفي هذا الوجه لا ينبغي له أن يقعد لقوله تعالى: ﴿فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين﴾ (الأنعام: ٦٨) ، وكذلك إذا كان على المائدة قوم يشربون الخمر، فلا ينبغي له أن يقعد، فقد صح أن رسول الله ﵇ نهى أن يتناول الطعام في مجلس يشرب فيه الشراب، وكذلك إذا كان على المائدة قوم يغتابون لا يقعد، والغيبة أشد من اللهو واللعب؛ لأنها أشد من الزنا؛ قال ﵇: «الغيبة شر من الزنا» . والوجه الثاني: أن يكون اللعب والغناء في المنزل، وفي هذا الوجه لا بأس بأن يقعد على المائدة ويأكل، وهو المراد من المذكور في «الكتاب» ، قيل: هذا إذا كان الرجل ذا حشمة يتركون ما هم عليه بحشمته، فأما إذا لم يكن بهذه الصفة لا ينبغي أن يقعد ويأكل بل يعرض عنهم، وقول أبي حنيفة ﵁: ابتليت بهذا مرة يحمل أنه كان بعدما صار ذا حشمة، وعلى قياس هذا القول ينبغي أن يقال في الوجه الأول: إذا كان الرجل ذا حشمة يتركون ما هم عليه لحشمته لا بأس بأن يقعد ويأكل؛ بل القعود أولى ليصير ذلك سبباً لامتناعهم عن المعصية، وقيل أيضاً: ما ذكر في الوجه الثاني أن يقعد محمول على ما إذا كان الرجل خامل الذكر، ولا يقتدى به؛ أما إذا كان عالماً ويقتدى به لا يقعد ولا يأكل حتى لا يصير قدوة للشر، وقول أبي حنيفة ﵁ ابتليت بهذا مرة؛ محمول على أنه كان قبل أن يصير معتداً، وقيل: يقعد في الوجه الثاني على كل حال، وإطلاق محمد ﵀ في «الكتاب» يدل عليه، وجه ذلك أن التناول من الوليمة والضيافة سنة، واللعب والغناء حرام، يباشره غيره، ولا يجوز ترك سنة لحرام يباشره غيره، إلا إذا كان في المجلس كما في الوجه الأول، ولم يوجد ذلك ههنا، وهذا كله إذا علم بعد الحضور، فإذا علم قبل الحضور لا يحضر أصلاً، وقد قيل: لو كان هذا الرجل بحال يمتنعون عن الفسق لو امتنع هو عن الإجابة يفترض عليه الامتناع عن الإجابة، وإن كان بحال لا يمتنعون عن الفسق لو امتنع عن الإجابة لا بأس بأن يجيب ويطعم منكراً للهو غير مصغ إليه. وفي «النوازل» : قراءة شعر الأدب إذا كان فيه ذكر الخمر والفسق والغلام يكره، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك في أول هذا الفصل، والاعتماد في الغلام على ما ذكرنا في المرأة ثمة.

стр. 2002

رجل أظهر الفسق في داره، فقدم إليه الإمام، فإن كف عنه لم يتعرض له، وإن لم يكف عنه فالإمام بالخيار؛ إن شاء حبسه، وإن شاء أدبه بضرب سياط، وإن شاء أزعجه عن داره؛ لأن الكل يصلح للتعزير؛ ذكر في «فتاوى النسفي» : أنه يكسر دنان الخمر، وإن كان قد ألقى فيها الملح، وذكر أن الكاسر لا يضمن الدنان، وستأتي هذه المسألة مع أجناسها في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى. في «النوازل» : رجل رأى منكراً وهذا الرائي يرتكب مثل هذا المنكر يلزم الرائي أن ينهى عنه؛ لأن الواجب عليه ترك المنكر والنهي عنه، فإن ترك أحدهما لا يوجب ذلك ترك الآخر. رجل يعلم أن فلاناً يتعاطى من المناكير، فأراد أن يكتب إلى أبيه بذلك؛ قال: إن وقع في قلبه أنه يمكن للأب أن يغير على ابنه فليكتب؛ لأن الكتابة تفيد، فإن وقع في قلبه أنه لا يمكنه ذلك لا يكتب؛ لأن الكتابة لا تفيد في هذه الصورة سوى وقوع العداوة بين الوالد والولد، وكذلك هذا الحكم بين الزوجين، وبين السلطان والرعية. قال محمد ﵀ في «السير الكبير» : لا بأس بأن يحمل الرجل وحده على المشركين، وإن كان غالب رأيه أنه يقتل إذا كان في غالب رأيه أنه ينكي فيه نكاية بقتل أو جرح أو هزيمة، وإن كان غالب رأيه أنه لا ينكي فيهم أصلاً، لا بقتل ولا جرح ولا هزيمة ويقتل هو، فإنه لا يباح أن يحمل وحده، والقياس أن يباح له في الأحوال كلها، وإن علم أنه يقتل؛ لأنه يبتغي بما قصد الحياة الدائمة؛ يعني فإن الشهداء أحياء قال الله تعالى: ﴿بل أحياء عند ربهم﴾ (آل عمران: ١٦٩) إن كان مهلكاً نفسه صورة، والعبرة للمعنى؛ لكن ترك القياس فيما إذا كان يعلم أنه يقتل، ولا ينكي فيهم نكاية بالإجماع، ولا إجماع فيما إذا كان يعلم أن بخروجه لا ينكي فيهم نكاية، فيعمل فيه بقضية القياس. وأما قوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (البقرة: ١٩٥) فلأهل التفسير في تأويل الآية ومعناها كلام، فالمحققون فيهم قالوا: معنى الآية أنفقوا أرواحكم في الجهاد، ولا تلقوا بأيديكم إلى الموت المعتاد فراراً عن القتل بالجهاد، وأحسنوا تسليم أنفسكم وأموالكم التي اشتراها الله تعالى منكم بالجنة والنعيم، وبعضهم قالوا: معنى الآية: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ بترك الجهاد، ولها وجوه وعرف ذلك في كتب التفسير. ثم فرقوا بين الحملة على المشركين، وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بين المسلمين، فقالوا: من أراد أن ينهى قوماً من فساق المسلمين عن منكر، وكان من غالب رأيه أنه يقتل لأجل ذلك، ولا ينكي فيه نكاية بضرب أو ما أشبهه، فإنه لا بأس بالإقدام عليه، وهو العزيمة، وإن كان يجوز له أن يترخص بالسكوت، وقالوا في الحملة على المشركين: إذا كان غالب رأيه أنه متى حمل عليهم يقتل من غير أن ينكي فيهم نكاية لا يحل له ذلك، ولا فرق بينهما من حيث المعنى؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينكي فيهم لا محالة. (٩٥ب٢) وبيان ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن المسلمين يتركون الفساد حال ما يشتغلون

стр. 2003

بقتاله والمجادلة معه، فيقل الفساد، فيحصل نوع نكاية بالأمر بالمعروف بتقليل الفساد؛ أما الكفار لا يتركون الكفر والحراب حال ما يشغتلون بقتاله؛ بل يحققون ذلك ... لا يؤثر في تقليل الفساد، فتعتبر النكاية من حيث الجرح والضرب فلا يباح. الثاني: أن القوم هناك يعتقدون ما نأمرهم به، فلا بد وأن يكون فعله مؤثراً في باطنهم، وههنا القوم لا يعتقدون ما يدعوهم، فلا يؤثر فعله في باطنهم، فتعتبر الآية حسب الظاهر، فإذاً لا فرق بينهما صورة، إنما الفرق من حيث المعنى؛ هذه الجملة من شرح شيخ الإسلام. وذكر الفقيه أبو الليث في كتاب «البستان» : أن الأمر بالمعروف على وجوه؛ إن كان يعلم بأكثر رأيه أنه لو أمر بالمعروف يعقلون ذلك منهم، ويمتنعون عن المنكر، فالأمر واجب عليه، ولا يسعه تركه، ولو علم بأكثر رأيه أنه لو أمرهم بذلك قذفوه وشتموه فتركه أفضل، وكذلك لو علم أنهم يضربونه، ولا يصبر على ذلك، ويقع بينهم العداوة، وينتج منه القتال فتركه أفضل، ولو علم أنهم لو ضربوه وصبر على ذلك، ولم يشكو إلى أحد فلا بأس به وهو مجاهد، ولو علم أنهم لا يقبلون منه، ولا يخاف منهم ضرباً ولا شتماً فهو بالخيار، والأفضل أن يأمر. الفصل التاسع عشر في التداوي والمعالجات، وفيه العزل، وإسقاط الولد ذكر محمد ﵀ في «السير» في باب دواء الجراحة عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ داوى وجهه بعظم بال في الحديث دليل على أنه لا بأس بالتداوي، وبه نقول ومن الناس من كره ذلك، ويروي آثاراً تدل على كراهيته، ونحن نستدل بما روينا، وبقوله ﵇: «تداووا عباد الله، فإن الله تعالى لم يخلق داءً إلا وقد خلق له دواءً إلا السام والهرم» ، ولكن ينبغي لمن يشتغل بالتداوي أن يرى الشفاء من الله لا من الدواء، ويعتقد أن الشافي هو الله دون الدواء. وتأويل ما رووا من الأخبار إذا كان الشفاء من الدواء ويعتقد أنه لو لم يعالج لا يسلم، ونحن نقول: إنه لا يجوز التداوي لمثل هذا؛ قال محمد ﵀: ولا بأس بالتداوي بالعظم إذا كان عظم شاة أو بقرة أو بعير أو فرس أو غيره من الدواب؛ إلا عظم الخنزير والآدمي، فإنه يكره التداوي بهما، فقد جوز التداوي بعضم ما سوى الآدمي والخنزير من الحيوانات مطلقاً من غير فصل بينهما إذا كان الحيوان ذكياً أو ميتاً، وبينما

стр. 2004

إذا كان العظم رطباً أو يابساً، وما ذكر من الجواب يجري على إطلاقه فيه إذا كان الحيوان ذكياً؛ لأن عظمه طاهر، رطباً كان أو يابساً يجوز الانتفاع به جميع أنواع الانتفاعات رطباً كان أو يابساً، فيجوز التداوي به على كل حال؛ أما إذا كان الحيوان ميتاً، فإنما يجوز الانتفاع بعظمه إذا كان يابساً، ولا يجوز الانتفاع به إذا كان رطباً؛ وهذا لأن اليبس في العظم بمنزلة الدباغ في الجلد من حيث إنه يقع الأمن عن فساد العظم باليبس، كما يقع الأمن عن فساد الجلد بالدباغ، ثم جلد الميتة يطهر بالدباغ، فكذا عظمه يطهر باليبس، فيجوز الانتفاع به، فيجوز التداوي به. وإنما لم يجز الانتفاع بعظم الخنزير والآدمي؛ أما الخنزير فلأنه نجس العين بجميع أجزائه، والانتفاع بالنجس حرام، وأما الآدمي فقد قال بعض مشايخنا: إنه لم يجز الانتفاع بأجزائه لنجاسته، وقال بعضهم: لم يجز الانتفاع به لكرامته وهو الصحيح، فإن الله تعالى كرم بني آدم وفضلهم على سائر الأشياء، وفي الانتفاع بأجزائه نوع إهانة به. امرأة تأكل ... تلتمس السِّمَن لا بأس به إذا لم تأكل فوق الشبع، وإن أكلت فوق الشبع فهو حرام؛ لأن الأكل فوق الشبع حرام، وليس هذا الحكم يختص بهذا الموضع بل هو الحكم في جميع المباحات، فأكل جميع المباحات حرام فوق الشبع، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إن كانت تسمن نفسها لزوجها لا بأس به؛ لأن هذا فعل مباح لقصد المباح. وفي «النوازل» : الرجل إذا ظهر به داء، فقال له الطبيب: قد غلبك الدم فأخرجه، فلم يخرجه حتى مات لا يكون مأخوذاً؛ لأنه لا يعلم يقيناً أن الشفاء فيه، وفيه أيضاً: استطلق بطنه، أو رمدت عينه، فلم يعالج حتى أضعفه ومات بسببه لا إثم عليه؛ فرق بين هذا وبينما إذا جاع ولم يأكل مع القدرة على الأكل حتى مات فإنه يأثم، والفرق: أن الأكل قدر قوته فيه شفاء يتعين، فإذا تركه صار مهلكاً نفسه، ولا كذلك المعالجة. التداوي بلبن الأتان إذا أشاروا إليه لا بأس به؛ هكذا ذكر هنا. قال الصدر الشهيد ﵀: وفيه نظر؛ لأن لبن الأتان حرام، والاستشفاء بالحرام حرام، وما قاله الصدر الشهيد فهو غير مجرىً على إطلاقه، فإن الاستشفاء بالمحرم إنما لا يجوز إذا لم يعلم أن فيه شفاءً؛ أما إذا علم أن فيه شفاء، وليس له دواء آخر غيره فيجوز الاستشفاء به؛ ألا ترى إلى ما ذكر محمد ﵀ في كتاب الأشربة إذا خاف الرجل على نفسه العطش، ووجد الخمر شربها إن كان يدفع عطشه؛ لكن يشرب بقدر ما يرويه ويدفع عطشه، ولا يشرب للزيادة على الكفاية. وقد حكي عن بعض مشايخ بلخ: أنه سئل عن معنى قول ابن مسعود ﵁: إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم؛ يجوز أن عبد الله قال ذلك في داء عرف له دواء غير المحرم؛ لأنه حينئذٍ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال: تكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشفاء في الحرام، وإنما يكون في الحلال.

стр. 2005

ولو أن مريضاً أشار إليه الطبيب بشرب الخمر؛ روي عن جماعة من أئمة بلخ: أنه ينظر إن كان يعلم يقيناً أنه يصح حل له التناول، وقال الفقيه عبد الملك حاكياً عن أستاذه: أنه لا يحل له التناول. وفي «النوازل» : رجل أدخل مرارة في إصبعه للتداوي قال أبو حنيفة ﵁: يكره، وقال أبو يوسف: لا يكره، والفقيه أبو الليث أخذ بقول أبي يوسف لمكان الحاجة، وفيه أيضاً: العجين إذا وضع على الجرح إن عرف به الشفاء فلا بأس به، لأنه يكون دواء حينئذٍ. وإذا سال الدم من أنف إنسان، فكتب فاتحة الكتاب على جبهته بالدم وكتب بالبول، فقد ذكرنا قبل هذا في فصل القرآن. جئنا إلى مسائل العزل، وتفسيره: أن يطأ الرجل امرأته أو أمته (٩٦أ٢) فيعزل عنها قبل أن يقع الماء في الرحم مخافة الحبل، فنقول: اختلف أصحاب رسول الله ﵇ في العزل، فعلي ﵁ يكره ذلك، وابن عباس وابن عمر وابن مسعود ﵃ كانوا لا يكرهون ذلك، إلا أن علماءنا ﵏ قالوا في المرأة المنكوحة: يشترط رضا المولى عند أبي حنيفة ﵁، وعندهما يشترط رضا الأمة، وفي الأمة المملوكة لا يشترط رضاها بلا خلاف، والمسألة على هذا الوجه مذكورة في «الجامع الصغير» ، وفي «فتاوى أهل سمرقند:» أنه إذا عزل خوفاً من الولد السوء لفساد هذا الزمان فهو جائز من غير رضا المرأة. وبعدما وصل الماء إلى رحمها إذا أرادت الإلقاء هل يباح لها ذلك: إن أرادت ذلك بعد مضي مدة ينفخ فيه الروح، فليس لها ذلك؛ لأنها تصير قاتلة؛ فإنه اعتبر هنا على غلبة الظاهر، فلا يحل لها كما بعد الانفصال، وإن أرادت الإلقاء قبل مضي مدة ينفخ فيه الروح؛ اختلف المشايخ فيه؛ قال بعضهم: يحل لها ذلك؛ لأن قبل مضي المدة التي ينفخ فيه الروح لا حكم لها، فهذا والعزل سواء. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إذا أرادت إسقاط الولد فلها ذلك إذا لم يستبن شيء من خلقه؛ لأن ما لا يستبين شيء من خلقه لا يكون ولداً، وكان الفقيه علي بن موسى القمي يقول: يكره لها ذلك، وكان يقول: مآل الماء بعدما وصل إلى الرحم الحياة، فإنه لا يحتاج إلى صنع أحد بعد ذلك، لينفخ فيه الروح، وإذا كان مآل الحياة للحال كما في بيضة الحرم لما كان مآلها أن تصير صيداً يعطى لها حكم الصيد حتى إن من أتلف بيضة صيد الحرم ضمن بخلاف العزل؛ لأن الماء قبل أن يصل إلى الرحم ليس مآله الحياة، فإنه يحتاج إلى صنع بعد ذلك لينفخ فيه الروح، وهو الإلقاء في الرحم، أما هنا بخلافه. وفي نكاح «فتاوى أهل سمرقند» : امرأة مرضعة ظهر بها حبل وانقطع لبنها، وتخاف على ولدها الهلاك، وليس لأب هذا الولد سعة حتى يستأجر الظئر، هل يباح لها أن تعالج في إسقاط الولد؟ قالوا: يباح ما دام نطفة، أو علقة، أو مضغة لم يخلق له عضو؛ لأنه ليس بآدمي.... بالأم؛ ذكرت في «الواقعات» المرتبة في الباب الثالث من

стр. 2006

النكاح في تعليل المسألة أن خلقه لا يستبين إلا في مائة وعشرين يوماً. الحجامة والفصد وإلقاء العلق على الظهر بعد تحرك الولد لا بأس به، وقبل تحرك الولد، وحال قرب الولادة لا ينبغي أن يفعل ذلك. الفصل العشرون في الختان والخصاء وقلم الأظافير، وقص الشوارب، وحلق المرأة شعرها، ووصلها شعر غيرها بشعرها . أقصى وقت للختان اثنا عشر سنة، وأما أول وقته قال أبو حنيفة ﵁: لا علم لي به، ولم يرو عن أبي يوسف ومحمد فيه شيء، واختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: أول وقته إذا بلغ سبع سنين، وبعضهم قالوا: إذا بلغ تسع سنين، وبعضهم قالوا: إذا بلغ عشر سنين؛ لأنه أول وقت يجوز إيصال الألم إليه؛ قال ﵇: «واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً» وبعضهم لم يؤقتوا في ذلك وقتاً، وقالوا: إذا كان الصبي بحال يطيق ألم الختان يحسن، وإلا فلا. وإنه من جملة السنن حتى قالوا: إذا اجتمع أهل المصر على ترك الختان يحاربهم الإمام؛ لأن الختان سنة، فيحاربهم في تركه، كما يحاربهم في سائر السنن. وفي «العيون» : غلام ختن فلم يقطع الجلدة كلها، فإن قطع أكثر من النصف يكون ختاناً؛ لأن الأكثر يقوم مقام الكل، وإن كان نصفاً أو دونه لا يكون ختاناً لانعدام الختان حقيقة وحكماً. وفي صلاة «النوازل» : الصبي إذا لم يختن، ولا يمكن أن يمد جلده ليقطع إلا بتشديد وحشفته قاصرة، إذا رآه إنسان يراه كأنه اختتن ينظر إليه الثقات، وأهل البصر من الحجامين، فإن قالوا: هو على خلاف ما يمكن الإحسان، فإنه لا يشد عليه ويترك؛ لأن الواجبات تسقط بالأعذار فالسنن أولى، وكذا الشيخ الضعيف من أهل المجوس إذا أسلم، وقال أهل البصر: إنه لا يطيق الختان يترك، وفي فوائد أكثر ... أختن الصبي ثم طال جلدته؛ إن صار بحال يستر حشفته يقطع، وما لا فلا. اختلفت الروايات في ختان النساء؛ ذكر في بعضها أنها سنة، وهكذا حكي عن بعض المشايخ، واستدل هذا القائل بما ذكر محمد ﵀ في كتاب الخنثى: أن الخنثى يختن، ولو كان مكرمة لا يختن؛ لأنه يحتمل أنه امرأة، وعلى هذا التقدير لا يجوز للمرأة أن تفعل ذلك، فيتعذر الفعل لانعدام الفاعل فيسقط، وذكر شمس الأئمة الحلواني في «أدب القاضي» للخصاف: أن ختان النساء مكرمة. إخصاء الفرس لا بأس به عندنا، ومن الناس من كرهه، وكذلك إخصاء سائر

стр. 2007

الحيوانات لا بأس به عندنا، ومن الناس من كرهه، والذي كرهه احتج بما روى ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ نهى عن إخصاء الإبل والبقر والغنم والخيل، وقوله تعالى: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾ (النساء:١١٩) يشهد لما قالوا أويؤيد ما رووا، وعندنا لا بأس بإخصاء سائر الحيوانات سوى بني آدم، وتأويل الآية إخصاء بني آدم هذه الجملة من شرح «السير» ، وهذا هو التأويل لقوله ﵇: «لا خصاء في الإسلام» ، وقيل: تأويل الحديث أن يخصي الرجل نفسه وإنه حرام. وفي إجارات «الأصل» : إن إخصاء بني آدم حرام بالاتفاق، فأما إخصاء الفرس فقد ذكر شمس الأئمة الحلواني في «شرحه» : أنه لا بأس به عند أصحابنا، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» : أنه حرام، وقد صح عن عمر ﵁: أنه نهى عن إخصاء الفرس، وأما غيره من البهائم فلا بأس به إذا كان فيه منفعة، وإذا لم يكن فيه منفعة فهو حرام، وفي أضحية «النوازل» في إخصاء السنور إنه لا بأس به إذا كان فيه منفعة أو دفع ضرره. وفي «الواقعات» : لا بأس بإخصاء البهائم إن كان يراد به إصلاح البهائم، فأما كي البهائم فقد كرهه بعض المشايخ، وبعضهم جوزوه؛ لأن فيه منفعة ظاهرة فإنها علامة، وعن رسول الله ﷺ : أنه نهى عن كي الحيوان على الوجه، فهذا يشير إلى جوازه على غير الوجه. (٩٦ب٢) وفي «النوازل:» إذا وقت يوم الجمعة لقلم الأظفار إن رأى أنه جاوز الحدّ قبل يوم الجمعة ومع هذا يؤخر إلى يوم الجمعة يكره؛ لأن من كان ظفره طويلاً كان رزقه ضيقاً، وإن لم يجاوز الحدود فيه تبركاً بالأخبار فهو مستحب؛ لأن عائشة ﵂ روت عن النبي ﵇ أنه قال: «من قلم أظافره يوم الجمعة أعاذه الله تعالى من البلايا إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام» . ولو قلم أظفاره أو جز شعره يجب أن يدفن، وإن رمى فلا بأس، وإن رماه في الكنيف والمغتسل فهو مكروه، ويغسل؛ لأنه يورث الدّاء. وينبغى للرجل أن يأخذ من شاربه حتى يصير مثل الحاجب، قال الفقيه رحمه الله تعالى: وقد استدلّ بعض المشايخ من أصحابنا بهذه المسألة أن رجلاً لو توضأ ولم يصل الماء إلى ما تحت شاربه أنه يجوز؛ لأنه رخص في مقدار الحاجب، ثم لو لم يصل الماء تحت الحاجب يجوز، فكذا هذا وبه نأخذ وعليه الفتوى، وهذا الذي ذكرنا كله في حق غير الغازي، فأما الغازي في دار الحرب يندب إلى تطويل الأظفار ليكون سلاحاً له،

стр. 2008

ويندب إلى تطويل الشارب ليكون أهيب في عين العدو. وإذا حلقت المرأة شعرها؛ فإن حلقت لوجع أصابها فلا بأس به، وإن حلقت تشبهاً بالرجال فهو مكروه، وهي ملعونة على لسان صاحب الشرع، وإذا وصلت المرأة شعر غيرها بشعرها فهو مكروه، قال ﵇: «لعن الله الواصلة والمستوصلة» هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى، وإنما جاءت الرخصة في شعر غير بني آدم، تتخذه المرأة، ويزيد في قرونها، هكذا ذكر في «النوازل» وهو مروي عن أبي يوسف، قال: وإذا لم يكن للعبد شعر في الجبهة، فلا بأس للتجار أن يعلقوا على جبهته شعراً؛ لأنه يوجب زيادة في الثمن، هذا دليل على أنه إذا كان العبد للخدمة، ولا يريد بيعه أنه لا يفعل ذلك. الفصل الحادي والعشرون في الزينة، واتخاذ الخادم للخدمة اعلم بأن الزينة نوعان: نوع يرجع إلى البدن، ونوع يرجع إلى غيره، نبدأ بالذي يرجع إلى البدن، فنقول اتفق المشايخ أن الخضاب في حق الرجال بالحمرة سنة، وأنه من سير المسلمين وعلاماتهم، والأصل فيه قوله ﵇: «غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود» وقال الراوي: رأيت أبا بكر على منبر رسول الله ﵇ ولحيته كأنها صرام عرفج، والعرفج اسم لبنت في البادية هي أشد حمرة من النار. وأما الخضاب بالسواد: فمن فعل ذلك من الغزاة ليكون أهيب في عين العدو فهو محمود منه، اتفق عليه المشايخ، ومن فعل ذلك ليزين نفسه للنساء، وليحبب نفسه إليهن فذلك مكروه عليه عامة المشايخ. وبنحوه ورد الأثر عن عمر ﵁، وبعضهم جوزوا ذلك من غير كراهية، روي عن أبي يوسف أنه قال: كما يعجبني أن تتزين لي يعجبها أن أتزين لها، هذه الجملة من شرح «السير الكبير» . اتفق المشايخ على أنه لا بأس بالإثمد للرجل، واتفقوا على أنه يكره الكحل الأسود إذا قصد به الزينة، واختلفوا فيما إذ لم يقصد به الزينة عامتهم على أنه لا يكره في «شرح السير» أيضاً، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : لا بأس بالاكتحال يوم عاشوراء، روي أن أم سلمة كحلت رسول الله ﵇ يوم عاشوراء، وفي «المنتقى» : روى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس بأن تخضب المرأة يدها ورجلها تتزين بذلك لزوجها، ما لم يكن خضاباً فيه تماثيل، ولا بأس بالخضاب للجارية الصغيرة والكبيرة، وأما الصبي فلا ينبغي أن تخضب يده ولا رجله كالرجل.

стр. 2009

وأما الذي يرجع إلى غير البدن قال محمد ﵀: ولا بأس بأن يتخذ الرجل في بيته سريراً من ذهب أو فضة، وعليه الفرش من الديباج يتجمل بذلك للناس من غير أن يقعد أو ينام عليه، فإن ذلك منقول عن السلف من الصحابة والتابعين روي أن الحسن أو الحسين لما تزوج امرأة يزدجر، وزينت بيته بالفرش من الديباج والأواني المتخذة من الذهب والفضة، فدخل عليه بعض من بقي من أصحاب رسول الله؛ وقال: ما هذا الذي في بيتك يا ابن رسول الله؟ فقال: هذا امرأة تزوجتها فأتت بهذه الأشياء، فلم أستحسن أن أمنعها من ذلك، عن محمد بن الحنفية أنه زين داره بمثل هذه فعاتبه في ذلك بعض الصحابة، فقال: إنما أتجمل للناس بهذا، ولست أستعمله كيلا ينظر أحد إلي بغير الجميل، وقول محمد من غير أن يقعد أو ينام عليه، فذلك راجع إلى قول محمد؛ لأنه لا يرى القعود والنوم على الديباج على ما مرَّ. فأما على قول أبي حنيفة ﵁ لا يتأتى؛ لأنه يرى النوم والقعود على الديباج على ما مرَّ. ذكر الفقيه أبو جعفر في شرح «السير الكبير» : أنه لا بأس بأن تستر حيطان البيوت باللبود المنقشة إذا كان قصد فاعله دفع البرد، فإن كان قصد فاعله الزينة فهو مكروه، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرح السير» أيضاً: لا بأس بأن تستر حيطان البيت باللبود إذا كان قصد فاعله دفع البرد، وزاد عليها فقال: أو بالخيش إذا كان قصد فاعله دفع الحر؛ لأن مقصود فاعله الانتفاع دون الزينة، وإنما يكره من ذلك ما يكون على قصد الزينة، فقد صح أن عمر ﵁ أمر بنزعه ولما رأى سليمان ذلك، فقال أبو.... بينكم هذا، وتحولت الكعبة في كبده أشار إلى معنى الكراهة وهو تشبيه سائر البيوت بالكعبة، وفي «فتاوى أهل سمرقند» إرخاء الستر على البيت مكروه، قالوا: نص عليه محمد ﵀ في «السير الكبير» ؛ لأنه زينة وتكبر، ذكر محمد في «السير الكبير» عن ابن أبي جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ في قبة حمراء من أدم، يعني يوم فتح مكة، ورأيت بلالاً قد أدخل عليه وجوه لم يحرجه نهر نفسه الحديث إلى أن قال ثم خرج رسول الله ﵇ وعليه حلة حمراء، في الحديث دليل على أنه لا بأس بالتزين، ألا ترى أنه كان لرسول الله ﵇ جبة حمراء من أدم، وفيه دليل على أنه لا بأس للإنسان أن يكون معه من يخدمه، ألا ترى أنه كان بلال مع رسول الله ﵇، وكان يقوم بخدمة وضوئه وغير ذلك، ولكن ينبغي أن يكلفه الخدمة قدر ما يطيق، وعن هذا قلنا: إنه لا بأس للإنسان أن يذهب راكباً حيث شاء وغلامه يمشي معه بعد أن كان يطيق ذلك، وإن كان لا يطيق ذلك فهو مكروه. بلغنا أن عثمان ﵁ أتى رسول الله ﷺ (٩٧أ٢) راكباً، وغلامه يمشي مسرعاً، فكره ذلك رسول الله فقال: أولم تتركه في البيت، فأعتقه عثمان، وتأويله أنه

стр. 2010

كان لا يطيق، وقوله: خرج رسول الله ﵇ وعليه حلة، إن كان ذلك قبل تحريم الإبريسم على الرجال، فلا حاجة إلى حمله على محمل، وإن كان بعد ذلك فالمراد من الحلة المنسوج من القطن، فإن العرب كانوا يسمون المنسوج من القطن حلة لجودته، وقوله حمراء إن كان قبل تحريم لبس المعصفر والمزعفر على الرجال فلا حاجة إلى تأويله وحمله على محمل، وإن كان بعد ذلك فهو محمول على لون القطن، يعني وعليه جبة منسوجة خير من قطن لونه أحمر. الفصل الثاني والعشرون في قتل المسلم والده المشرك، ومن بمعناه، وقتله سائر محارمه قال محمد ﵀: لا بأس بأن يقتل الرجل المسلم كل ذي رحم محرم من المشركين نبذوا به إلا الوالد خاصة، وإنما يكره له أن يترك والده بذلك، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿قاتلوا المشركين كافة﴾ (التوبة: ٣٦) من غير فصل بين كافر وكافر لكن تركنا ظاهره في حق الوالد بالإجماع، وبنص آخر وهو قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ (الإسراء: ٣٢) ، والنهي عن التأفف نهي عن القتل بطريق الأولى، وتخصيص الوالد عن ظاهر ما تلونا لا يدل على تخصيص غير الوالد من الابن والأخ والعم والخال وأشباههم؛ لأنه اجتمع في حق الوالد حرمتان؛ حرمة القرابة وحرمة الأبوة، فإن للأب زيادة حرمة بسبب الأبوة ليست هي لغيره ممن له قرابة محرمة للنكاح، حتى لا يقتل الوالد بالولد، ولا يحبس بدينه، فخصص بالوالد عن ظاهر ما تلونا وله زيادة حرمة لا يدل على تخصيص غير الوالد، وليس له تلك الزيادة، وإذا ثبت هذا في الوالد ثبت في الوالدة من طريق الأولى؛ لأنه اجتمع في حقها ثلاث حرمات؛ حرمة القرابة، وحرمة الأمية، فإن للأم زيادة حرمة ليست لغيرها، حتى لا تقتل بولدها، ولا تحبس بدين الولد، والأنوثة، فإن الأنوثة مما يحرم القتل فيخصص الأب عن ظاهر الآية، وله حرمتان، فيكون مخصصاً للأم ولها ثلاث حرمات، فإن أثبت في هذا الحكم في حق الوالد والوالدة ثبت في حق الأجداد والجدات من قبل الأب والأم؛ لأنهم بمنزلة الآباء والأمهات، ألا ترى أنهم لا يقتلون بولد الولد، ولا يحبسون بدينه كالأب والأم. وهذا إذا لم يضطره الوالد إلى قتله فلا بأس بقتله إذا لم يمكنه الهرب منه؛ لأن ترك الأب حتى يقتله إهلاك نفسه والمأمور به في حق الابن شرعاً أن لا يتعرض للأب بشيء، ابتداءً لا إهلاك نفسه، وهذا كما نهينا عن قتل الصبي والشيخ الفاني من المشركين ابتداءً، ثم إذا جاء الاضطرار منهم بأن قصد واحد منهم مسلماً بالقتل، كان للمسلم (أن يقتله) وطريقه ما قلنا، وإذا ظفر بوالده في الصف فلا يقصده بالقتل، ولا يمكنه من الرجوع حتى لا يعود حرباً على المسلمين، ولكن يلجئه إلى موضع ويمسك به حتى يجيء غيره ويقتله، قال محمد ﵀: وهو أحب إلينا، هذا هو الكلام فيما بين المسلمين والمشركين.

стр. 2011

بقي الكلام بين أهل البغي، وبين أهل العدل، فنقول: لا ينبغي للعادل أن يبتدىء كل ذي رحم محرم من أهل البغي بالقتل؛ لأنه اجتمع في حق التناهي حرمتان؛ حرمة الإسلام، وحرمة القرابة، فكان نظير الأب المشرك الذي اجتمع فيه حرمة القرابة، وحرمة الأبوة، وهو نظير ما قالوا: لا ينبغي للمسلم أن يقتل كل ذي رحم محرم في الرحم، والخصومة بالأب لاجتماع الحرمتين، وهو حرمة الإسلام والقرابة. الفصل الثالث والعشرون فيما يسع من الجراحات في بني آدم والحيوانات، وقتل الحيوانات، وما لا يسع من ذلك . في «فتاوى أبي الليث» في امرأة حامل ماتت، وعليه أن ما في بطنها حي، فإنه يشق بطنها من الشق الأيسر، وكذلك إذا كان أكثر رأيهم أنه حي شق بطنها. في «القدوري» وفي نكاح «فتاوى أبي الليث» : البكر إذا جومعت فيما دون الفرج، فحبلت بأن دخل الماء فرجها، ودنا أوان الولادة، تزال عذرتها إما..... أو بطرف درهم؛ لأن بدونه لا يخرج الولد، ولو اعترض الولد في بطن حامل، ولم يوجد سبيل إلى استخراج ذلك إلا بقطع الولد إرباً إرباً، ولو لم يفعل ذلك يخاف الهلاك على الأم، فإن كان الولد ميتاً في البطن فلا بأس به، وإن كان حياً لا معنى لجواز القطع؛ لأن هذا قتل النفس لصيانة نفس آخر، والشرع لم يرد بمثله. وفي «القدوري» و «العيون» : رجل ابتلع درة لرجل، فمات المبتلع ولم يدع مالاً، قال: لا يشق بطنه وعليه القيمة، وذكر في أول الفصل الثاني من كتاب «الحيطان» : أنه يشق بطن المبتلع، وصورة ما ذكر في كتاب «الحيطان» : رجل ابتلع عشر دنانير رجل، ومات المبتلع يشق بطنه، فعلى ما ذكر في «الحيطان» لا يحتاج إلى الفرق بين المبتلع وبين المرأة الحامل إذا ماتت واضطرب في بطنها شيء، وعلى ما ذكر في «العيون» يحتاج إلى الفرق، والفرق الثاني مسألة المبتلع لو جوزنا الشق كان فيه إبطال حرمة الأعلى، وهو الأوفى لصيانة الأدنى وهو المال، ولا كذلك مسألة الحامل. وفي «البقالي» عن أبي يوسف أنه قال: أكره من طلب الصيد ما طلب منه للهو، قال: وأكره تعليم البازي بالطير الحي، يأخذه فيعذبه، وقال: ويعلم بالمذبوح، قال: ولا بأس بالحمار وغيره يكون به الداء ويكون صاحبها معها في.... ويعجز عن.... أن يذبحها، وعنه في الدابة تقطع يدها أو رجلها أنها إن كانت في مما يؤكل يذبحها وإلا عالجها، وعن بعض المتقدمين أنه لا بأس بقطع الألية من الشاة إذا كانت الألية بحالة يمنع بقاءها الشاة أن تلتحق بالقطيع وخيف عليها الذئب، وفي «فتاوى أبي

стр. 2012

الليث» : رجل مضطر لا يجد ميتة خاف الهلاك، فقال له رجل: اقطع يدي وكلها، أو اقطع مني قطعة وكلها لا يسعه ذلك؛ لأنه ربما يؤدي إلى إتلافه. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل له كلب عقور في قرية، كل من مرَّ عليه عقره، فلأهل القرية أن يقتلوا هذا الكلب دفعاً لضرره، فإن عقر أحداً هل يجب الضمان على صاحبه؟ إن لم يتقدموا إليه قبل العض فلا ضمان عليه، وإن تقدموا إليه فعليه الضمان، بمنزلة الحائط المائل إذا سقط على إنسان، وفيه نظر. وفي «الواقعات» لا ينبغي للرجل أن يتخذ كلباً (٩٧ب٢) في داره إلا كلباً يحرس ماله؛ لأن كل دار فيها كلب لا يدخلها الملائكة، وفي «العيون» : قرية فيها كلاب كثيرة، ولأهل القرية منها ضرر يؤمر أرباب الكلاب بقتل الكلاب دفعاً للضرر عنهم، فإن أبوا رفعوا الأمر إلى الإمام حتى يأمرهم الإمام بذلك. وفي أضحية «النوازل» : رجل له كلاب لا يحتاج إليها ولجيرانه منها ضرر، فإن أمسكها في ملكه فليس لجيرانه منعه؛ لأنه يتصرف في ملكه، وإن أرسلها في السكة فلهم منعه، فإن امتنع رفعوا إلى القاضي أو إلى صاحب الحسبة حتى يمنعه عن ذلك، وكذلك من امتلك دجاجة أو جحشاً أو عجولاً في الرستاق، فهو على هذين الوجهين. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : الهرة إذا كانت مؤذية لا تضرب، ولا تفرك أذنها ولكنها تذبح بسكين حاد، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : قتل الجراد يحل؛ لأنه صيد، لا سيما إذا كان فيه ضرر عام، وتكلم المشايخ في النملة، قال الصدر الشهيد: والمختار للفتوى أنها إذا ابتدأت بالأذى فلا بأس بقتلها، وإن لم تبتدىء يكره قتلها، والأصل في ذلك: ما روي أن نملة قرصت نبياً من الأنبياء، فأحرق بيت النملة، فأوحى الله تعالى هلاّ قتلت تلك النملة الواحدة، دليل على جواز قتلها عند الأذى، وعلى عدم الجواز عند انعدام الأذى، واتفقوا على أنه لا يجوز إلقاؤها في الماء، وقتل القملة يجوز على كل حال. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : إحراق القمل والعقرب بالنار مكروه، جاء في الحديث: «لا يعذب بالنار إلا ربها» ، وطرحها حية مباح، ولكن يكره من حيث الأدب.... الذي يقال له بالفارسية: «تبله» يلقى في الشمس ليموت.... ولا يكون به بأس؛ لأن في ذلك منفعة للناس، ألا ترى أن السمكة تلقى في اليبس فتموت ولا يكون به بأس، ولا بأس بكيِّ الصبي إذا كان لداء أصابهم؛ لأن ذلك مداواة، ذكر في «واقعات الناطفي» ، وفيه أيضاً: لا بأس بثقب أذن الطفل من النعات، فقد صح أنهم كانوا يفعلون ذلك في زمن رسول الله ﵇ من غير إنكاره.

стр. 2013

الفصل الرابع والعشرون في تسمية الأولاد وكناهم روي عن رسول الله ﷺ ، قال: «سموا أولادكم أسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله تعالى؛ عبد الله، وعبد الرحمن» قال الفقيه أبو الليث: لا أحب للعجم أن يسموا عبد الرحمن عبد الرحيم؛ لأن العجم لا يعرفون تفسيره، فيسمونه بالتصغير، وروي عن النبي ﵇: أنه نهى أن يسمى المملوك نافعاً أو بركة، أو ما أشبه ذلك، قال الراوي:؛ لأنه لم يحب أن يقال: ليس ههنا بركة، ليس ههنا نافع إذا طلبه إنسان، وفي الأثر: «لا يقول الرجل عبدي وأمتي، بل يقول: فتاي وفتاتي» . وفي «الفتاوى» : التسمية باسم لم يذكره الله تعالى في كتابه ولا ذكره رسول الله ﵇، ولا استعمله المسلمون تكلموا فيه، والأولى أن لا تفعل. وروي إذا ولد لأحدهم ولد فمات، فلا يدفنه حتى يسميه إن كان ذكراً باسم الذكر، وإن كان أنثى فباسم أنثى، وإن كان لم يعرف فباسم يصلح لهما. وأما الكلام في الكنية فكان عادة العرب أنه إذا ولد لأحدهم ولد كان يكنى به، وامرأته كانت تكنى به أيضاً، يقال للزوج: أب فلان، ولامرأته: أم فلان، كما قيل: أبو سلمة، وامرأته أم سلمة، وأبو الدرداء، وامرأته أم الدرداء، وأبو ذر، وامرأته أم ذر، وكان الرجل لا يكنى له ما لم يولد له، ولو كنى ابنه الصغير بأبي بكر، أو غيره كره بعضهم، إذ ليس لهذا الابن ابن اسمه بكر ليكون هو أب بكر، وعامتهم على أنه لا يكره؛ لأن الناس يريدون بهذا التعالي أنه سيصير في ثاني الحال، لا التحقيق في الحال. ولا بأس بأن يكنى بكنية رسول الله ﷺ ، والذي روي عن النبي ﵇ أنه قال: «سموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي» ، فقد قيل: إنه منسوخ، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁: أنه سمى ابنه محمد وهو ابن الحنفية، وكناه أبو القاسم وقد كان استأذن منه. وعن عائشة ﵂: أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : إني ولدت غلاماً فسميته محمداً وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: «ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي» أو «ما الذي حلَّ اسمي، وحرم كنيتي» ، وعن محمد: أن من سمي باسم رسول الله ﷺ أكره أن يكنى بكنيته، ذكره في الكشف.

стр. 2014

الفصل الخامس والعشرون في الغيبة والحسد ذكر في «العيون» : رجل اغتاب أهل قرية لم يكن غيبة حتى يسمي قوماً يعدون، وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل ذكر مساوىء أخيه المسلم على وجه الاهتمام فلا بأس به؛ لأن هذا ليس بغيبة، الغيبة أن يذكر ذلك مريداً البت والنقص، ولو كان الرجل يصلي ويضر الناس باليد واللسان لاغيبة في ذكره بما فيه لقوله ﵇: «اذكروا الفاجر بما فيه» وإن أعلم السلطان لزجره، فلا إثم عليه. وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «لا حسد إلا في اثنين؛ رجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعلمه الناس ويقضي به» الحديث بظاهره دليل على إباحة الحسد في هذين؛ لأنه استثناء من التحريم إباحة، قال شيخ الإسلام: وليس الأمر كما يقتضيه ظاهر الحديث، والحسد حرام في هذين كما هو حرام في غيرهما، وإنما معنى الحديث؛ لا ينبغي للإنسان أن يحسد غيره، ولو حسد إنما يحسد في هذين لا لكون الحسد فيهما مباحاً، بل لمعنى آخر أن الإنسان إنما يحسد غيره عادة لنعمة يراها عليه، فيتمناها لنفسه، وما عدا هذين من أمور الدنيا ليس بنعمة؛ لأن مآل ذلك سخط الله، والنعمة ما يكون مآله رضا الله تعالى، وهذان مآلهما رضا الله فهما النعمة دون ما سواهما، ثم بعض مشايخنا قالوا: الحسد المذموم أن يرى على غيره نعمة، فيتمنى زوال تلك النعمة عن ذلك الغير، وكينونتها لنفسه، أما لو تمناها لنفسه فذلك لا يسمى حسداً، بل يسمى غبطة، وكان شيخ الإسلام يقول: لو تمنى تلك النعمة بعينها لنفسه يكون حراماً ومذموماً؛ لأنه بمعنى الزوال عن ذلك الغير، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾ (النساء: ٣٢) ، أما إذا تمنى مثل ذلك لنفسه فلا بأس به، وذكر شمس الأئمة السرخسي في معنى الحديث أن الحسد مذموم (٩٨أ٢) بغير الحاسد إلا فيما استثني فهو محمود في ذلك، وإنه ليس بحسد على الحقيقة بل هو غبطة، والحسد أن يتمنى الحاسد أن يذهب بنعمة المحسود عنه، ويتكلف لذلك، ويعتقد أن تلك النعمة في غير موضعها، ومعنى الغبطة أن يتمنى لنفسه مثل ذلك من غير أن يتكلف، ويتمنى ذهاب ذلك عنه، أورد محمد ﵀ هذا الحديث في «أدب القاضي» .

стр. 2015

h الفصل السادس والعشرون في دخول النساء الحمام، وفي ركوبهن على السروج ذكر محمد ﵀ في «السير الكبير» عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب أن لا يدخل الحمام امرأة إلا نفساء أو مريضة، ولا تركب امرأة مسلمة على سرج، قوله: لا يدخل الحمام امرأة نهي على سبيل العموم، ولكن بصيغة الخبر، وقوله: إلا نفساء أو مريضة استثناءٌ لحالة العذر، ولا خلاف لأحد في إباحة الدخول لهن بهذه الأعذار. أما بعذر المرض فإن للحمام أثراً في إزالة بعض الأمراض، فكان يشبه التداوي بسائر المداواة، وقد أبيح لها في حالة العذر ما هو أشد من هذا، وهو كشف العورة للتداوي. وأما بعذر النفاس فلأنه نوع مرض، وقاس بعض مشايخنا الحيض على النفاس من حيث إنه مرض كالنفاس. وأما دخولهن الحمام بغير هذه الأعذار، فقد اختلف المشايخ في ذلك؛ بعضهم قالوا: لا يباح، وإليه مال شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده، ويستدل بهذا القائل بعموم قوله: لا يدخل الحمام امرأة، ويستدل أيضاً بامتناع محمد ﵀ عن ردّ هذا الحديث عند ذكره، فإنه لم يقل: ولا نأخذ به، فدل أن ذلك قوله، ويؤيد ذلك قوله ﵇: «أيما امرأة وضعت جلبابها في غير بيت زوجها، فعليها لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين» ولما دخلت نساء ... على عائشة ﵂ قالت: أنتن من اللاتي يدخلن الحمام؟ فقلن: نعم، فأمرت بإخراجهن وغسل موضع جلوسهن. وبعضهم قالوا: يباح إذا خرجت بإذن زوجها متعففة واتزرت حين دخلت الحمام، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي؛ وهذا لأن دخول الحمام إما لأجل الزينة، وهو بالنساء أليق منه بالرجال، أو للحاجة إلى الاغتسال، وحاجة المرأة إلى الحمام لذلك أشد من حاجة الرجال؛ لأن أسباب الاغتسال في حقهن أكثر، وهي لا تتمكن من الاغتسال في الحياض والأنهار، والرجل يتمكن من ذلك، فالإباحة في حق الرجل تدل على الإباحة في حق المرأة من طريق الأولى، فتأويل الأحاديث في التي تخرج بغير إذن الزوج غير متعففة. وقوله: ولا تركب امرأة مسلمة على سرج بظاهره، نهى النساء عن الركوب على السرج، وبه نقول وإنه خرج موافقاً لقوله ﵇: «لعن الله الفروج على السروج»

стр. 2016

والمعنى في النهي من وجهين؛ أحدهما: أن هذا تشبه بالرجال، وقد نهين عن ذلك، الثاني: أن فيه إعلان الفتن وإظهارها للرجال، وقد أمرن بالستر، قالوا: وهذا إذا كانت شابة، وقد ركبت السرج والفرج، فأما إذا كانت عجوزاً أو كانت شابة إلا أنها ركبت مع زوجها بعذر بأن ركبت للجهاد، وقد وقعت الحاجة إليهن للجهاد، أو للحج أو للعمرة فلا بأس إن كانت مستترة، فقد صح أن نساء المهاجرين كنَّ يركبن الأفراس، ويخرجن للجهاد، فكان رسول الله ﵇ يراهن و (لا) ينهاهن، وكذلك بنات خالد بن الوليد كن يركبن، ويخرجن للجهاد يسقين المجاهدين في الصفوف ويداوين الجرحى. الفصل السابع والعشرون في البيع، والاستيام على سوم الغير ذكر محمد ﵀ في «الجامع الصغير» : أن بيع السرقين جائز عندنا؛ لأن السرقين منتفع به، وإن كان نجساً يجوز بيعه كالثوب النجس، بيان الانتفاع أن الناس اعتادوا إلقاء السرقين في الأراضي لاستكثار الريع من غير تكثير، وإذا ثبت أنه منتفع كان مالاً عرفاً وشرعاً، ولأجل ذلك الناس يحرزونه، ويجري الشح والضنة فيه، وإذا ثبتت المالية جاز البيع. ويكره بيع العذرة الخالصة؛ لأنها غير منتفع بها؛ لأن الناس لا يحرزونها ولا ينتفعون بها، وإنما ينتفعون بالمخلوط بالتراب، فالمخلوط بالتراب منتفع فيجوز البيع، أما غير المخلوط ليس يمنتفع فلا يجوز البيع، وهل يجوز استعمال العذرة الخالصة؟ فعن محمد ﵀ أنه لا يجوز، وعن أبي حنيفة ﵁ فيه روايتان. قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» أيضاً: ولا بأس ببيع من يزيد وهو بيع الفقراء ومن كسدت بضاعته، والأصل فيه ما روي أن النبي ﵇ باع حلساً وقدحاً ببيع من يزيد، ولأن الناس تعاملوا ببيع المزايدة في الأسواق من لدن رسول الله ﵇ إلى يومنا هذا من غير نكير. وإنما أورد هذه المسألة لإشكال، وهو أن الاستيام على سوم الغير منهي، قال ﵇: «لا يستام الرجل على سوم أخيه» وإذا أردت أن تعرف الفرق بين الاستيام على سوم الغير، وبين بيع المزايدة، فمعرفة ذلك بحرف، وهو أن صاحب المال إذا كان ينادي عن سلعته، فطلبه إنسان بثمن، فإن لم يكف عن النداء فلا بأس لغيره أن يزيد، ويكون

стр. 2017

هذا بيع المزايدة، ولا يكون استياماً على سوم الغير. وإن كف عن النداء، ويمكن إلى ما طلب منه ذلك الرجل، فليس للغير أن يزيد في ذلك، ويكون هذا استيام على سوم الغير، وإن كان الدلال هو الذي ينادي على السلعة فطلبه إنسان بثمن، وقال الدلال: حتى أسأل المالك فلا بأس للغير أن يزيد في هذه الحالة، فإن أخبر مالكه بذلك فقال: بعه واقبض الثمن، فليس للغير أن يزيد بعد ذلك، ويكون هذا استياماً على سوم الغير؛ وهذا لأن النهي عن الاستيام على سوم الغير لدفع الدهشة والرحمة، إنما يجعل إذا ركن قلب صاحب السلعة إلى ما طلب منه وعزم على بيعها بذلك أما قبل ذلك فلا. والدليل على صحة ما قلنا ما روي في حديث فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله عليك السلام إن معاوية وأبا الجهم يخطبانني فما ترى؟ فقال ﵇: «أما معاوية فصعلوك (٩٨ب٢) لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يرفع عصاه عن أهله، انكحي أسامة بن زيد، ففعلت ووجدت منه خيراً كثيراً» ، فثبت بهذا الحديث صحة ما ذهبنا إليه من الفرق. وفي وديعة «العيون» : رجل اشترى جارية وهي لغير البائع، أو اشترى ثوباً وهو لغير البائع، فوطىء المشتري الجارية ولبس الثوب وهو لا يعلم، ثم علم فهل المشتري آثم؟ روي عن محمد أن الجماع واللبس حرام، إلا أنه يوضع عن المشتري الإثم، وقال أبو يوسف: الوطء حلال وهو مأجور في إتيان الجارية، وإذا تزوج امرأة ثم تبين أنها كانت منكوحة الغير، وقد وطئها الزوج الثاني، يجب أن تكون المسألة على الخلاف الذي (ما) ذكرنا. الفصل الثامن والعشرون في الرجل يخرج إلى السفر ويمنعه أبواه، أو أحدهما أو غيرهمامن الأقارب أو يمنعه الدائن، والعبد يخرج ويمنعه المولى والمرأة قال محمد ﵀ في «السير» : ولا يخرج الرجل إلى الجهاد وله أب أو أم إلا بإذنه، إلا من النفير العام، والأصل في ذلك ما روي عن رسول الله ﵇ أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: «الصلاة لوقتها، ثم بر الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله» فهذا تنصيص على تقديم بر الوالدين على الجهاد، والمعنى أن الجهاد فرض عام ينوب البعض فيه عن البعض، وطاعة الوالدين وبرهما فرض خاص لا ينوب البعض فيه عن البعض، ولا شك أن الاشتغال بالفرض الخاص الذي لا ينوب البعض فيه عن البعض

стр. 2018

أولى من الاشتغال بالفرض العام الذي ينوب عنه فيه غيره، وهذا استحسان أن يخرج بغير إذنهما. ولو أراد أن يخرح من بلدة إلى بلدة للتجارة أو للتفقه، وكان الطريق آمناً لا يخاف عليه الهلاك، فله أن يخرج من غير إذنهما قياساً واستحساناً. وجه القياس: أن الجهاد قبل النفير العام إما أن يعتبر فرض كفاية أو يعتبر تطوعاً، فإن اعتبرناه تطوعاً، للولد إقامة التطوعات بحق الصلاة والصوم بغير إذن الوالدين، وإن اعتبرناه فرض كفاية، فكذلك للولد إقامة ما هو فرض كفاية بغير إذن الوالدين كصلاة الجنازة ورد السلام وما أشبهه. وجه الاستحسان في ذلك ما روينا وما روي أن رجلاً قال لرسول الله ﵇: إني أريد الجهاد فقال له: «ألك أم» ؟ فقال: نعم، فقال له: «الزم أمك، فإن الجنة عند رجل أمك» يحتمل أن تكون الرواية بالجيم رجل أمك، ويحتمل أن تكون الرواية بالحاء رحل أمك، وروي أن رجلاً جاء إلى النبي ﵇ وقال: جئت أجاهد معك، وتركت والديَّ يبكيان، فقال: «اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما» وقال ﵇: «ليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة» وقال ﵇: «من أصبح ووالداه راضيان عنه، فله بابان مفتوحان إلى الجنة» فتركنا القياس في الجهاد بهذه الآثار، وما ثبت بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره والنص الوارد لاشتراط إذن الوالدين في حق الجهاد قبل مجيء النفير عاماً، وفي الخروج إلى الجهاد إفجاعهما وإلحاق المشقة بهم لما يخافان عليه من الهلاك بالقتل في الجهاد، لا يعتبر وارداً دلالة في صلاة الجنازة وردِّ السلام ولا في غيرهما من التطوعات، وهما لا يخافان عليه بسبب إقامة هذه العبادات، وإذا لم يعتبر وارداً فيهما دلالة رد صلاة الجنازة ورد السلام إلى مما يقتضيه القياس، ولا يعتبر وارداً أيضاً؛ لأنه بعد مجيء النفير العام؛ لأن الجهاد، حال مجيء النفير العام فرض عين في حق من قدر على الجهاد حتى لو ترك مع القدرة أثم، كما لو ترك الصلاة المفروضة والصوم المفروض، وقبل النفير العام الجهاد فرض كفاية حتى لو ترك مع القدرة لم يأثم كما لو ترك سائر التطوعات، وفرض العين فوق فرض الكفاية، فالنص الوارد باشتراط الإذن قبل النفير العام لا يصير وارداً بعد النفير العام؛ لأن النص يدل على مثله وعلى ما دونه، ولا يدل على ما فوقه، فرد هذه الحالة وهو ما بعد مجيء النفير العام إلى ما يقتضيه القياس، ولأن النفير إذا كان عاماً فكل واحد

стр. 2019

من المسلمين مقصود بالقتل، فكان للولد الدفع عن نفسه بغير إذن الوالدين وإن كان في خروجه إفجاعهما، وإلحاق المشقة بهما؛ لأن الولد مضطر في ذلك، وصار كما لو قصد إنسان قتل الولد كان له دفعه عن نفسه بغير إذن الوالدين، فطريقه ما قلنا، فكذلك هذا بخلاف ما إذا لم يصر النفير عاماً؛ لأنه بالخروج إلى الجهاد لا يدفع القتل عن نفسه؛ لأن القتل لم يتجه عليه لا حقيقة ولا اعتباراً، فلا يضطر الولد في هذه الحالة إلى تفجيعهما وإدخال المشقة عليهما، وقد يمنع الولد من تفجيع الأبوين، ولهذا لا يقاد الوالد بقتل الولد، ولا يحبس بدينه ولا يحد حدَّ القذف بقذف الابن لما فيه من تفجيعهما، وإدخال المشقة عليهما، فلا يجوز له تفجيعهما بالخروج إلى الجهاد من غير ضرورة. وإذا خرج للتجارة أو للتفقه بفقه يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى، وهكذا الجواب في العبد لا يخرج إلى الجهاد بغير إذن المولى إلا أن يقع النفير عاماً، والنص الوارد في الولد يكون وارداً في العبد دلالة، وذلك؛ لأن حق السيد في عبده أكثر من حق الوالدين في ولدهما؛ لأن للسيد حقيقة ملك في عبده، وليس للوالدين حقيقة ملك في رقبة ولدهما، ولا حق ملك وإنما لهما حق ملك في كسب ولدهما، وكما منع الولد من تفجيع والديه منع العبد من تفجيع مولاه حتى لا يقاد السيد بعبده كما لا يقاد الوالد بولده، فصار الجواب في العبد كالجواب فيما بين الولد والوالدين. فإن قيل: الولد إنما كان له الخروج بغير إذن والديه إذا جاء النفير عاماً؛ لأن منافع الولد غير مملوك للوالدين، فأما منافع العبد مملوك فهذا إنما يقاتل بملك غيره فلا يحل إلا بإذن صاحب المال. قلنا: نعم يقاتل العبد بمنافع مملوك للمولى بغير إذنه، إلا أن القتال بملك الغير بغير إذنه حالة الضرورة مباح، فيباح للعبد ذلك بغير إذن المولى. وإن كان له أبوان، وقد أذنا له بالخروج إلى الجهاد كان له الخروج؛ لأنه إنما منع من الخروج لحقهما، فإذا أذنا له بالخروج إلى الجهاد فقد زال المانع من الخروج فزال المنع، وكان كالعبد لا يخرج إلى الجهاد بغير إذن مولاه، وإذا أذن له مولاه بالخروج كان له الخروج؛ لأن المانع (٩٩أ٢) من الخروج قد زال، فكذلك هذا. وإن أذن له أحدهما، ولم يأذن له الآخر، فإنه لا يخرج؛ لأنه كان ممنوعاً من الخروج لحق كل واحد من الأبوين، فإذا أذن له أحدهما في الخروج إلى الجهاد، ولم يأذن الآخر، فالمانع من الخروج لم يزل بعد فيبقى المنع، وكان كعبد بين شريكين أذن له أحدهما في الخروج إلى الجهاد، ولم يأذن له المولى الآخر، لا يباح له الخروج؛ لأنه كان ممنوعاً عن الخروج لحق كل واحد من الموليين، فإذا أذن له أحدهما، ولم يأذن الآخر لم يزل المانع فيبقى المنع، والوالدان في سعة من أن.... إذا كان يدخلهما من ذلك مشقة شديدة؛ لأنهما يحملانه على ما هو الأقوى في حقه، وهو برهما، ثم إن

стр. 2020

كره الوالدان أو أحدهما خروجه إلى الجهاد لا فرق بين أن يخاف ضيعة عليهما، بأن كانا معسرين، وكان نفقتهما عليه، أو لا يخاف عليهما الضيعة متى خرج بأن كانا موسرين، ولم تكن نفقتهما عليه، فإنه لا يباح له الخروج في الحالين استحساناً؛ لأنه منع من الخروج قبل إذنهما شرعاً لما يلحقهما من التفجيع بما يخافان عليه من القتل، وهذا المعنى لا يوجب الفصل، بينما إذا كان يخاف الضيعة عليهما أو لا يخاف فهو عليهما. هذا الذي ذكره كله إذا كان أبواه مسلمين، فأما إذا كان أبواه كافرين، أو أحدهما فاستأذنهما في الخروج إلى الجهاد فكرها له ذلك، أو كره الكافر منهما هل له أن يخرج؟ قال: فلينظر في ذلك، يريد بقوله: فلينظر في ذلك، أي فليتحر في ذلك، فإن وقع تحريه على أنه إنما كرها خروجه لما يلحقهما من التفجيع والمشقة لأجل ما يخافان عليه من القتل، فإنه لا يخرج؛ لأنه كما منع الولد عن إلحاق التفجيع لوالديه إذا كانا مسلمين، منع من إلحاق التفجيع بهما إذا كانا كافرين، ألا ترى أن الوالد المسلم كما لا يقاد بولده المسلم، لا يقاد بوالده الكافر، وكما لا يحبس الوالد المسلم بدين ولده المسلم، لا يحبس الوالد الكافر بدين ولده المسلم، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وصاحبهما في الدنيا معروفاً﴾ (لقمان: ١٥) والوالد الكافر في هذا والمسلم سواء. فأما إذا وقع تحريه على أنه إنما كرها خروجه للجهاد كراهة أن يقاتل مع أهل دينه وملته لا لما يلحقهما من التفجيع والمشقة لأجل ما يخافان عليه من قتله كان له الخروج بغير إذنهما؛ لأنهما نهياه عن مقاتلة أهل الكفر، والنهي عن مقاتلة أهل الكفر معصية، ولا يجب طاعة المخلوق في معصية الخالق، قال الله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ ، وقال ﵇: «لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق» فكان له أن يخرج بغير إذنهما إلا أن يخاف الضيعة عليهما، فإذا خاف الضيعة عليهما لا يسعه الخروج؛ لأن صيانتهما عن الضياع فرض عليه عيناً بحيث لا يسعه تركهما وإن كانا كافرين، ألا ترى أنه يلزمه نفقتهما صيانة لهما عن الضياع، والقتال مع الكفرة قبل النفير عاماً مما لا يسعه فإنه مخير في هذه الحالة بين أن يخرج وبين أن لا يخرج، ولا شك أن الاشتغال بما لا يسع تركه أولى من الاشتغال بما يسع تركه. ولم يذكر محمد ﵀ في «الكتاب» أنه إذا تحرى، ولم يقع تحريه على شيء بل شك في ذلك، ولم يترجح أحد الظنين على الآخر أنهما كرها خروجه لما لا يلحقهما من التفجيع والمشقة لأجل ما يخافان عليه من قتله أو كرها خروجه لما فيه من القتال مع أهل دينهما، قالوا: وعلى ما ذكر محمد ﵀ في «السير» في باب طاعة الوالي، يجب أن لا يخرج، فقد ذكر في باب طاعة الوالي أن الأمير إذا أمر الجند بشيء وشكوا أنهم ينتفعون به أو يتضررون به وتساوى الظنان، قال: عليهم أن يطيعوا الأمير ولا يسعهم

стр. 2021

خلافه؛ لأن طاعة الأمير واجب عليهم بيقين ووقع الشك في سقوطه، فلا يسقط عنه بالشك، كذا طاعة الولد للوالدين فيما يأمرانه واجبة عليه بيقين ووقع الشك في سقوطه فلا يسقط بالشك، فإن كرها خروجه لكراهة قتاله مع أهل دينه، ولأجل المشقة عليه أيضاً لم يخرج لوجود المعنى المانع عن الخروج، وهو الخوف والمشقة عليه. وإن كان له أبوان مسلمان أو كافران، وأذنا له في الخروج، وله جدان وجدتان؛ فكرها خروجه فليخرج، ولا يلتفت إلى كراهة الجدين والجدتين حال قيام الأبوين؛ لأن الأجداد والجدات حال قيام الأبوين ألحقوا شرعاً بالأخوة والأخوات ولم يلحقوا بالأبوين، ألا ترى أن الجد لا يلي على حافده لا في النفس ولا في المال حال قيام الأب، ولا يكون للجدة حق الحضانة حال قيام الأم، كما لا يكون للأخت..... بالأخ والأخت حال قيام الأبوين، فكما لا يعتبر كراهة الأخوة والأخوات في الخروج إلى الجهاد بعد وجود إذن الأبوين لا يعتبر كراهة الجد والجدة حال قيام الأبوين بعد وجود الإذن منهما. فأما إذا كان الأبوان ميتين، وكان له جد من قبل الأب وجدة من قبل الأم أم الأم، لا يخرج إلا بإذنهما؛ لأن الجد بعد موت الأب بمنزلة الأب لا بمنزلة الأخ، ألا ترى أنه في حق الولاية على حافده قائم مقام الأب، فكذا في حق الإذن بالجهاد، والجدة أم الأم بعد موت الأم بعد موت الأم قامت مقام الأم في حق الحضانة، فكذا في حق الإذن بالجهاد تقوم مقام الأم، وإذا قاما مقام الأبوين لم يخرج إلا بإذنهما، كما لا يخرج إلا بإذن الأبوين. وإن كان له جدان؛ أحدهما من قبل الأب والآخر من قبل الأم أب الأم، وجدتان إحداهما من قبل الأم أم الأم، والأخرى من قبل الأب أم الأب، فالإذن إلى أب الأب وإلى أم الأم، ولا عبرة للآخرين، ألا ترى أن الآخرين صارا محجوبين بأب الأب، وأم الأم في حق الولاية والحضانة بالأخ والأخت لا بالأبوين، كذا في حق الإذن يصيران محجوبين بهما، ويلحقان بالأخ والأخت، فيعتبر إذن أب الأب، وأم الأم وكذا ههنا لهذا، فإن لم يأذن له اللذان ذكرنا وهو الجد من قبل الأب، والجدة من قبل الأم، وأذن له الآخران، قال محمد في «الكتاب» : لا يعجبني أن يخرج، وكان المقام أحب إلي من الخروج، فلم تثبت الكراهة ههنا لحق الجد من قبل الأب، والجدة من قبل الأم، ولكن جعل المقام أحب من الخروج. وفيما إذا كان له أبوان وجدان وجدتان، فلم يأذن له الأبوان، وأذن له الجدان (٩٩ب٢) والجدتان أثبت الكراهة، فقال: لا ينبغي أن يخرج، وإنما فعل هكذا؛ لأن الأبوين أقرب من الجدود والجدات، ولارتفاع درجة الأبوين أثبت الكراهة إذا لم يأذنا له في الخروج، ولانحطاط درجة الأجداد والجدات لم نثبت الكراهة إذا لم يأذن له الجد من قبل الأب، والجدة من قبل الأم بعد وجود الإذن من الجد من قبل الأم.

стр. 2022

فإن لم يكن له جدة من قبل الأم أب الأم، فإنه لا يخرج للجهاد إلا بإذنهما، وإن أذن له أحدهما، ولم يأذن له الآخر، فإنه لا يخرج، علل محمد ﵀ في «الكتاب» وقال: لأنهما بمنزلة الوالدين إذا لم يكن له والدين يريد بذلك والله أعلم أن أم الأب حال عدم الأم، والجدة من قبل الأم بمنزلة الأم، وليست بمنزلة الأخت في حق الحضانة حتى كانت أم الأب أولى بالحضانة حال عدم الأم، والجدة من قبل الأم ... من الأخت؛ فكذا في حق الإذن في الجهاد تكون بمنزلة الأم، ولم تكن بمنزلة الأخت، ولا يخرج إلى الجهاد بغير إذن الأم، فكذا لا يخرج بغير إذن أم الأم، والجد من قبل الأم أب الأم حال عدم الأب، والجد من قبل الأب إن لم يكن بمنزلة الأب في حق الولاية عليه بالنفس والمال، فهو بمنزلة الأب لا بمنزلة الأخ في حق الحبس حتى لا يحبس أب الأم بدين وجب لولد البنت عليه، ولا يقتص بقصاص وجب لولد البنت عليه، ولو قذف ولد البنت فإنه لا يحد حد القذف، فكان في هذه الأحكام بمنزلة الأب لا بمنزلة الأخ، فكذا في حق الإذن بالجهاد. فإن كان له جد من قبل أب وأم، ولم يكن له أب، فإنه لا يخرج إلا بإذن الأم، وإذن الجد؛ لأن الجد من قبل الأب حال عدم الأب بمنزلة الأب في حق الولاية حتى كانت الولاية إلى الجد من قبل الأب في حق النفس والمال جميعاً حال عدم الأب، فلا يخرج إلا بإذنهما، كما لا يخرج إلا بإذن الأبوين. وإن لم يكن له أم، وكانت له جدة من قبل الأم، وجدة من قبل الأب فأذنت له الجدة من قبل الأم، ولم تأذن له الجدة من قبل الأب فلا بأس بأن يخرج؛ لأن الجدة من قبل الأب حال قيام الجدة من قبل الأم بمنزلة الأخت في حق الحضانة والتربية حتى كان حق الحضانة إلى الجدة من قبل الأم، ولم يكن للجدة من قبل الأب كما لا يكون للأخت، فكذا في حق الإذن بالجهاد. ولو كان له أم وأخت، فأذنت له الأم بالجهاد، ولم تأذن له الأخت كان له أن يخرج فكذا هذا. فإن كانت له أم وجدات، فأذنت له الأم فلا بأس بأن يخرج؛ لأن الجدات حال قيام الأم بمنزلة الأخوات في حق الحضانة حتى لم يكن لهن حق الحضانة حال وجود الأم، كما لا يكون للأخوات، فكذا في حق الإذن بالجهاد قامت الجدات مع الأم مقام الأخوات.h وكذا إذا كان له أب وأجداد، فأذن له الأب فلا بأس بأن يخرج، ثم قال: وذلك؛ لأن الأجداد حال وجود الأب بمنزلة الإخوة لا بمنزلة الأب في حق الولاية والميراث، فكذا في حق الإذن في الجهاد. قال: وكل سفر أراد الرجل أن يسافر غير الجهاد لتجارة أو لحج أو عمرة، فكره ذلك أبواه له أن يخرج بغير إذنهما، فهذا على وجهين: أما إن كان لا يخاف الضيعة

стр. 2023

عليهما، فإن كانا موسرين، ولم تكن نفقتهما عليه، أو كان يخاف الضيعة عليهما بأن كانا معسرين، وكانت نفقتهما عليه، وكان السفر سفراً يخاف على الولد الهلاك فيه؛ كركوب السفينة في البحر، وكاجتياز البادية ماشياً في الحر الشديد، أو كان سفراً لا يخاف على الولد الهلاك فيه، فإن كان يخاف الضيعة عليهما، فإنه لا يخرج بغير إذنهما سواء كان السفر سفراً يخاف على الولد الهلاك فيه، أو لا يخاف، وذلك؛ لأن صيانتهما عن الهلاك بالإنفاق عليهما فرض عليه حتى يجبر على ذلك، والخروج للتجارة وللكسب مباح، والخروج للعمرة تطوّع، وللحج إن كان حجة الإسلام تطوع إذا لم يكن له مال يفي بالزاد والراحلة، ونفقة من يلزمه نفقته إلى أن يذهب إلى الحج ويجيء، وهنا ماله لا يفي بالكل حتى خاف الضياع عليهما فلا يفرض عليه الخروج للحج، ويكون بمنزلة حج التطوع، ولا يجوز الاشتغال بالتطوع والمباح، إذا تضمن ترك فرض. فعلى هذا قالوا: لا يباح له الخروج للتفقه بغير إذن والديه إذا كان يخاف الضيعة عليهما، فأما إذا كان لا يخاف الضيعة عليهما متى خرج هل له أن يخرج بغير إذنهما؟ إن كان السفر سفراً لا يخاف على الولد الهلاك فيه كان له أن يخرج بغير إذنهما؛ لأن القياس أن يخرج في الجهاد بغير إذنهما لقوله تعالى: ﴿اقتلوا المشركين﴾ (النساء: ٦٦) ولقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ (التوبة: ٢٩) إلا أنا تركنا القياس في الجهاد بالنص، والنص الوارد في الجهاد بخلاف القياس، وفيه تفجيعهما وإلحاق المشقة بهما، لأجل ما يخافان الهلاك على ولدهما في الجهاد يعتبر وارداً دلالة في سفر لا يخافان الهلاك عليه، فيرد هذا إلى ما يقتضيه القياس، ولأن الخروج للتجارة خروج للتكسب، ولا بد للولد من التكسب لإصلاح معيشته، فإنه متى ترك ذلك ربما يحوجه ذلك إلى ما فيه مذلة، وهو السؤال من غيره من الناس، أو يلقيه في المهالك بأن يوقعه في السرقة، ألا ترى أن له الخروج إلى ضيعته للزراعة، وإلى سوقه للتجارة وإن لم يأذنا فيه كذا ههنا. وإن كان سفراً يخاف عليه الهلاك، فإنه لا يخرج إلا بإذنهما؛ لأنه إذا كان سفراً يخاف عليه الهلاك كان بمنزلة الجهاد، ولا يخرج في الجهاد إلا بإذنهما، فكذلك هذا، وكذا الجواب فيما إذا خرج للتفقه إلى بلدة أخرى إن كان لا يخاف عليه الهلاك بسبب هذا الخروج كان بمنزلة السفر للتجارة، وإن كان يخاف عليه الهلاك كان بمنزلة الجهاد، وهذا إذا خرج للتجارة إلى مصر من أمصار المسلمين، فأما إذا خرج للتجارة إلى أرض العدو بأمان فكرها خروجه، فإن كان أمراً لا يخاف عليه منه وكانوا قوماً يوفون بالعهد (و) يعرفون بذلك (١٠٠أ٢) وله في ذلك منفعة فلا بأس بأن يعصيهما؛ لأن أرض الحرب والحالة هذه من حيث الأمن بمنزلة أرض الإسلام، فكان الخروج إليها للتجارة، والخروج إلى مصر من أمصار المسلمين سواء، وإن كان يخرج في تجارة إلى أرض العدو ومع عسكر من عساكر المسلمين، فكره ذلك أبواه أو أحدهما، فإن كان ذلك العسكر عسكراً عظيماً مثل أهل الصائفة ونحوهم لا يخاف عليهم من العدو عليه أكثر الرأي، فلا بأس بأن يخرج؛ لأن الجيش إذا كان عظيماً، فالظاهر أنهم ينتصرون وينتصفون من

стр. 2024

عدوهم، ولا يضيع من كان معهم فلا بأس بأن يخرج معهم، ويكون الخروج للتجارة إلى أرض العدو معهم والخروج إلى مصر من أمصار المسلمين سواء. وإن كان يخاف على أهل العسكر من العدو بغالب الرأي كان بمنزلة الجهاد فلا يخرج بغير إذنهما، وكذلك إذا كانت سرية أو جريدة جند ونحوها، فإنه لا يخرج إلا بإذنهما؛ لأن الغالب هو الهلاك في السرايا، فكان بمنزلة الجهاد، هذا الذي ذكرنا في الوالدين والأجداد والجدات. فأما من سواهم من ذي الرحم المحرم كبناته وبنيه، وإخوته وعماته وأخواله وخالاته، وكل ذي رحم محرم منهم إذا كرهوا خروجه للجهاد، وكان يشق ذلك عليهم هل له أن يخرج بغير إذنهم؟ إن كان يخاف عليهم الضيعة بأن كان نفقتهم عليه، بأن لم يكن لهم مال، وكانوا صغاراً أو صغائر، أو كن كبائر إلا أنه لا أزواج لهن، أو كانوا كباراً زمنى لا حرفة لهم، فإنه لا يخرج بغير إذنهم لما ذكرنا في الوالدين، وإن كان لا يخاف عليهم الضيعة بأن لم تكن نفقتهم عليه، بأن كان لهم مال، أو لم يكن لهم مال إلا أنهم كبار أصحاء، أو كبار لهن أزواج، كان له أن يخرج بغير إذنهم؛ لأن القياس في الوالدين أن يخرج بغير إذنهما، إلا أنَّا تركنا القياس في الوالدين بالأثر بخلاف القياس، والنص الوارد في الوالدين بخلاف القياس، ولهما من الحرمة ما ليس لغيرهما من ذي الرحم المحرم حتى لم يحبسوا بدين أولادهم، ولم يقتصوا بقتل أولادهم، ولم يحدوا حد القذف لأولادهم، لا يعتبر وارداً دلالة فيما عدا الوالدين من ذي الرحم المحرم، وليس لهم هذه الحرمة، فيردون إلى ما يقتضيه القياس. وأما امرأته إن كان يخاف الضيعة عليها، فإنه لا يخرج إلا بإذنها؛ لأن عليه نفقتها كما في الوالدين وغيرهما من ذي الرحم المحرم، وإن كان لا يخاف عليها الضيعة كان له الخروج بغير إذنها. وإن شق ذلك عليها، وترك القياس في الوالدين لا يوجب ترك القياس في المرأة، وليس للمرأة من الحرمة ما للوالدين. قال محمد ﵀: إذا جاء النفير، فقيل لأهل مدينة أو مصر قريب من العدو، وقد جاء العدو يريدون أنفسكم وذراريكم وأموالكم، فلا بأس بأن يخرج الرجل بغير إذن والديه، وإن نهياه فلا بأس بأن يعصيهما إذا كان ممن يقدر على الجهاد، وقد ذكرنا هذا، وليس للوالدين أن ينهيا الولد عن الخروج في هذه الحالة؛ لأن القتال في هذه الحالة فرض عين، وليس لهما أن ينهيا الولد عما هو فرض عين، وهذا إذا كان بالولد قوة القتال أو يحصل بخروجه قوة للمسلمين. فأما إذا لم يكن له قوة القتال ولا يحصل بخروجه قوة للمسلمين، فإنه لا يخرج إلا بإذنهما؛ لأن الجهاد بعد النفير العام إنما يفترض على القادر، أو على أن يحصل بخروجه قوة للمسلمين إن كان يقدر على القتال، ولا يجب على العاجز؛ لأن العجز مما يسقط الفرائض، فإذا كان لا يفترض عليه حالة العجز كان الجواب في حقه بعد مجيء النفير كالجواب في حق القادر قبل مجيء النفير العام كان لا يخرج القادر إلا بإذنهما، فكذلك هذا. ثم الجهاد بعد مجيء النفير العام لا يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً

стр. 2025

فرض عين وإن بلغهم النفير، وإنما يفترض فرض عين على من كان يقرب من العدو، وهم يقدرون على الجهاد، فأما على من وراءهم يبعد من العدو، فإنه يفرض عليه فرض كفاية لا فرض عين حتى يسعهم تركه إذا لم يحتج إليه، فأما إذا احتيج إليه بأن عجز من كان يقرب من العدو من المقاومة مع العدو، أو لم يعجزوا عن المقاومة إلا أنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم فرض عين كالصوم والصلاة ولا يسعهم تركه، ثم إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شرقاً وغرباً، على هذا الترتيب والتدريج، ونظيره الصلاة على الميت، فإن من مات في ناحية من نواحي البلدة، فعلى جيرانه وأهل محلته أن يقوموا بأسبابه، وليس على من كان يبعد على الميت أن يقوم بذلك، وإن كان الذي يبعد منه يعلم أن أهل المحلة يضيعون حقوقه، أو يعجزون عنه، فعلى الذين يبعدون منه أن يقوموا به، كذا ههنا. ثم يستوي أن يكون عدلاً أو فاسقاً يقبل خبره في ذلك؛ لأن هذا خبر ينتشر ويشتهر في المسلمين في الحال، وكذا الجواب في منادي السلطان يقبل خبره عدلاً كان أو فاسقاً. ثم استشهد في «الكتاب» لإيضاح ما تقدم فقال: ألا ترى أن رجلاً لو قطع الطريق على رجل ليأخذ ماله، أو ليقتله، أو أراد امرأة ليفجر بها، وقد حضر ذلك رجل يظن أن به قوة عليه أو أنه ينتصف منه، لم يسعه إلا أن يمنع المظلوم ممن يريد الظلم عليه، وإن كان مع الرجل الذي يريد أن يعينه أبواه فنهياه عن ذلك، فليس ينبغي له أن يطيعهما، ولا يسعهما أن يمنعاه إلا أن يكون به قوة عليه، فإن كان كذلك فليطعهما، وإنما ينبغي طاعة الوالدين في التطوع الذي يسع تركه، فنفاذ برهما أفضل من الجهاد التطوع، فإذا جاءت الفريضة والأمر الذي لا يسع الرجل فيه إلا أن ... لم يلتفت في هذا إلى طاعة الوالدين، وكانت طاعة الله تعالى أحقّ أن يؤخذ بها من طاعة الوالدين. ولا تسافر المرأة من غير محرم ثلاثة أيام فما فوقها، واختلفت الروايات فيما دون ذلك، قال أبو يوسف: أكره لها أن تسافر يوماً بغير محرم، وهكذا روي عن أبي حنيفة ﵁، وقال الفقيه أبو جعفر: اتفقت الروايات في الثلاث، فأما ما دون ذلك (١٠٠ب٢) قال الفقيه أبو جعفر: هو أهون من ذلك، وقال حماد: لا بأس للمرأة أن تسافر بغير محرم مع الصالحين، والصبي والمعتوه ليسا بمحرمين، والكبير الذي يعقل محرم. الفصل التاسع والعشرون في القرض ما يكره من ذلك، وما لا يكره ذكر محمد ﵀ في كتاب الصرف عن أبي حنيفة ﵁: أنه كان يكره كل قرض فيه جر منفعة، قال الكرخي: هذا إذا كانت المنفعة مشروطة في العقد، وذلك

стр. 2026

بأن أقرضه غلته ليرد غلته صحاحاً أو ما أشبه ذلك، وإن لم يكن مشروطاً فأعطاه المستقرض أجود مما عليه فلا بأس به، وكذلك إذا أقرض رجلاً دراهم أو دنانير ليشتري المستقرض من المقرض متاعاً بثمن غالٍ فهو مكروه، وإن لم يكن شراء المتاع مشروطاً في القرض، ولكن المستقرض اشترى من المقرض بعد القرض متاعاً بثمن غالٍ، فعلى قول الكرخي لا بأس به، وذكر الخصاف في «كتابه» ، وقال: ما أحب له ذلك، وذكر شمس الأئمة الحلواني أنه حرام؛ لأن هذا قرض جر منفعة؛ لأنه يقول: لو لم أشتره منه طالبني بالقرض في الحال. وذكر محمد ﵀ في كتاب الصرف: أن السلف كانوا يكرهون ذلك، إلا أن الخصاف لم يذكر الكراهة، إنما قال: (ما) أحب له ذلك، فهو قريب من الكراهة، ولكنه دون الكراهة، ومحمد ﵀ لم يرَ بذلك بأساً، فإنه قال في كتاب الصرف: المستقرض إذا أهدى للمقرض شيئاً لا بأس به من غير فصل، فهذا دليل على أنه رفض قول السلف، قال شيخ الإسلام: ما نقل عن السلف فذاك محمول على ما إذا كانت المنفعة وهو شراء المتاع في مسألتنا بثمن غال مشروط في الاستقراض، وذلك مكروه بلا خلاف، وما ذكر محمد ﵀ محمول على ما إذا لم تكن المنفعة وهي الإهداء مشروطة في القرض، وذلك لا يكره بلا خلاف، هذا إذا تقدم الإقراض على البيع. فأما إذا تقدم البيع على الإقراض؛ وصورة ذلك: رجل طلب من رجل أن يعامله بمائة دينار، فباع المطلوب منه المعاملة من الطالب ثوباً قيمته عشرون ديناراً، بأربعين ديناراً، ثم أقرضه ستين ديناراً على صار للمقرض على المستقرض مائة دينار، وحصل للمستقرض ثمانون ديناراً، ذكر الخصاف ﵀: أن هذا جائز، وهذا مذهب محمد بن سلمة إمام بلخ، فإنه روي أنه كان له سلع، فكان إذا استقرض إنسان منه شيئاً كان يبيعه أولاً سلعة بثمن غالٍ، ثم يقرضه بعض الدنانير إلى تمام حاجته. وكثير من مشايخ بلخ كانوا يكرهون ذلك، وكانوا يقولون: هذا قرض جر منفعة، فإنه لولا ذلك القرض كان لا يتحمل المستقرض غلاء ثمن الثوب، فكان قرضاً جر منفعة، ومن المشايخ من قال: إن كانا في مجلس واحد يكره، وإن كانا في مجلسين مختلفين لا بأس به؛ لأن المجلس الواحد يجمع الكلمات المتفرقة، فكأنهما واحد من المنفعة المشروطة في القرض، وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني يفتي بقول الخصاف، وبقول محمد بن سلمة، ويقول: هذا ليس بقرض جر منفعة، هذا بيع جر منفعة وهو القرض. الفصل الثلاثون في ملاقاة الملوك، والتواضع لهم، وتقبيل أيديهم، أو يدغيرهم، وتقبيل الرجل وجه غيره، وما يتصل بذلك . قال الفقيه أبو جعفر ﵀: من قبل الأرض بين يدي السلطان أو أمير، أو سجد له، فإن كان على وجه التحية لا يكفر، ولكن يصير آثماً مرتكباً الكبيرة، أما لا

стр. 2027

يكفر؛ لأن السجدة على وجه التحية نفسها ليس بكفر، ألا ترى أن السجدة لغير الله تعالى على سبيل التحية كانت مباحة في الابتداء، والكفر لم يبح في زمان، والدليل على صحة ما قلنا أن الله تعالى أمر الملائكة بسجدة آدم ﵇، ولا يجوز أن يكون الكفر مأموراً به. ثم تكلم العلماء أن سجدة الملائكة كانت لمن؟ بعضهم قالوا: كانت لله تعالى، ولكن التوجه إلى آدم كان تشريفاً وتكريماً لآدم، ألا ترى أنه تستقبل الكعبة في الصلاة، والصلاة تكون لله تعالى، والتوجه إلى الكعبة لتشريف الكعبة، كذا ههنا، وقال بعضهم: لا بل كانت السجدة لآدم على وجه التحية والإكرام له، ثم نسخ ذلك بقوله ﵇: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» أما الإثم فلأنه ارتكب ما هو محرم ومنهي عنه، وارتكاب المحرم يوجب الإثم. والدليل على صحة ما قلنا مسألة ذكرها في «واقعات الناطفي» . وصورتها: إذا قال أهل الحرب لمسلم: اسجد للملك وإلا قتلناك، فالأفضل له أن لا يسجد؛ لأن هذا كفر صورة، والأفضل للإنسان أن لا يأتي بما هو كفر صورة إن كان في حالة الإكراه، وإن أراد أن يسجد بنية التحية فالأفضل له أن يسجد؛ لأن هذا ليس بكفر، فهذه المسألة تؤيد ما ذكرنا فيمن سجد للسلطان على وجه التحية أنه لا يكفر، هذا إذا سجد بنية التحية، وإن سجد بنية العادة للسلطان أو لم تحضره النية، فقد كفر هذا هو الكلام في السجدة. جئنا إلى الانحناء للسلطان أو لغيره، وإنه مكروه؛ لأنه تشبه بفعل المجوس. وأما الكلام في تقبيل اليد، فإن (قدم) يد نفسه لغيره فهو مكروه؛ لأن ذلك من فعل الفساق، وإن قبل يد غيره، أو قبل يد عالم أو سلطان عادل لعلمه وعدله لا بأس به، هكذا ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» ، وقد صح أن عبد الله بن عباس ﵄ أخذ بركاب زيد بن ثابت ﵁، فقال زيد: مهلاً يا ابن عم رسول الله، فقال عبد الله: هكذا كنا نصنع بعلمائنا من أكابر أصحاب رسول الله، فلما استوى زيد بن ثابت على بغلته، فقال لابن عباس: ناولني يدك فناوله، فقبل زيد يده، وقال: هكذا نصنع بأهل بيت رسول الله ﵇، فهذا يدلك على أنه لا بأس بتقبيل يد غيره لعلمه أو شرفه، وقد حكي عن سفيان أنه سمى تقبيل يد العالم، والسلطان العادل سنة، فقال له عبد الله بن المبارك: ومن يحسن هذا غيرك. وإن قبل يد غير العالم، وغير السلطان العادل أراد به تعظيم المسلم وإكرامه فلا بأس به، وإن أراد به عبادة له أو يسأل منه شيئاً من عرض الدنيا فهو مكروه، وكان الصدر الشهيد يفتي بالكراهة في هذا الفصل من غير تفصيل، وعن علي الرازي أنه قال: كنا

стр. 2028

ندخل على المأمون ونقبل يده، وبشر يقول: هذا فسق. وأما الكلام في تقبيل الوجه؛ حكي عن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: لا بأس بأن يقبل الرجل الرجل إذا كان فقيهاً (١٠١أ٢) أو عالماً أو زاهداً، يريد بذلك إعزاز الدين، فقد صح أن رسول الله ﷺ قبل بين عيني عمران بن مطعوم بعد موته، وقبل أبو بكر ﵁ جبهة رسول الله ﷺ بعد موته، وذكر في «الجامع الصغير» : ويكره أن يقبل الرجل وجه آخر أو جبهته أو رأسه. رجل يختلف إلى رجل من أهل الباطل والشر ليدفع ظلمه وشره عن نفسه، فإن كان هذا الرجل مشهوراً ممن يقتدى به يكره؛ لأنه إذا كان يختلف إليه يظن أنه يرضى بأمره، فكان فيه مذلة أهل الحق، وإن لم يكن مشهوراً يقتدى به لا بأس به إن شاء الله تعالى؛ لأنه عري عن هذا المعنى. رجل يدعوه الأمير فيسأله عن أشياء، فإن تكلم بما يوافق (الحق) يناله المكروه، لا ينبغي أن يتكلم بخلاف الحق، لقوله ﵇: «من تكلم عند ظالم بما يرضيه بغير حق، يغير الله تعالى قلب الطالب عليه، ويسلطه عليه» وهذا إذا لم يخف القتل أو تلف بعض جسده، أو أخذ ماله، فإن خاف ذلك لا بأس بذلك؛ لأنه مكره عليه معنى. الفصل الحادي والثلاثون في الانتفاع بالأشياء المشتركة ذكر في وديعة «العيون» و «الواقعات» : الأرض أو الكرم إذا كان بين حاضر وغائب، أو بين بالغ ويتيم أن الحاضر أو البالغ يرفع الأمر إلى القاضي، ولو لم يرفع الأمر إلى القاضي ففي الأرض يزرع بحصته ويطيب له وفي الكرم يقوم عليه، فإذا أدركت الثمرة يبيعها ويأخذ حصته، ويوقف حصة الغائب وسع له ذلك إن شاء الله تعالى، فإذا قدم الغائب؛ فإن شاء ضمنه القيمة، وإن شاء أجازه، وذكر عن محمد ﵀ في موضع آخر؛ لو أن الشريك أخذ حصته من الثمرة وأكلها جاز له، ويبيع نصيب الغائب ويحفظ ثمنه، فإن حضر صاحبه وأجاز فعله يجيزه، وإلا ضمنه قيمته، وإن لم يحضر فهو كاللقطة يتصدق بها، قال الفقيه أبو الليث: وهذا استحسان وبه نأخذ. قال: ولو أدى الخراج كان متطوعاً، وذكر محمد في شروط «الأصل» في الدار إذا كانت مشتركة، وأحد الشريكين غائب، فأراد الحاضر أن يسكنها إنسان، أو يؤاجرها

стр. 2029

إنساناً، قال: فيما بينه وبين الله تعالى فلا ينبغي له ذلك؛ لأنه يتصرف في نصيبه ونصيب شريكه، والتصرف في ملك الغير حرام حقاً لله تعالى، وحقاً لصاحب الملك، وفي القضاء لا يمنع من ذلك؛ لأن الإنسان لا يمنع عن التصرف فيما بيده إذا لم ينازعه أحد، فإن أجر وأخذ الأجر ينظر إلى حصة نصيب شريكه من الأجر، ويرد ذلك عليه إن قدر، وإلا يتصدق؛ لأنه تمكن فيه خبث لحق شريكه، وكان كالغاصب إذا أجر، وقبض الأجر يتصدق أو يرده على المغصوب منه، أما ما يخص نصيبه يطيب له؛ لأنه لا خبث فيه، هذا إذا أسكن غيره. فأما إذا سكن بنفسه وشريكه غائب، والقياس أن لا يكون له ذلك فيما بينه وبين الله كما لو أسكن غيره، وفي الاستحسان: له ذلك؛ لأن له أن يسكن الدار من غير إذن صاحبه حال حضرة صاحبه؛ لأنه يتعذر الاستئذان في كل مرة، وعلى هذا أمر الدور فيما بين الناس، فكان له أن يسكن حال غيبته، فأما ليس له إسكان غيره حال حضرة صاحبه بغير إذنه فكذا حال غيبته، وإلى هذا المعنى أشار محمد ﵀ في «الكتاب» ، فقال: هكذا عامة الدور. وفي «العيون» : لو أن داراً غير مقسومة بين رجلين غاب أحدهما، وسع الحاضر أن يسكن بقدر حصته فيسكن الدار كلها، وكذا خادم بين رجلين غاب أحدهما، فللحاضر أن يستخدم الخادم بحصته، وفي الدابة لا يركبها الحاضر؛ لأن الناس يتفاوتون في الركوب؛ أما لا يتفاوتون في السكنى واستخدام الخادم، فيتضرر الغائب بركوب الدابة، ولا يتضرر بالاستخدام والسكنى. في «إجازات النوازل» عن محمد بن مقاتل: أن للحاضر أن يسكن الدار قدر نصيبه، وعن محمد ﵀: أن للحاضر أن يسكن جميع الدار إذا خاف على الدار الخراب إن لم يسكنها. وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵁ في الأرض: أنه ليس للحاضر أن يزرع بقدر حصته، وفي الدار له أن يسكنها. وفي «نوادر هشام» له ذلك في الوجهين. فإن أراد الرجل إحداث مظلة في طريق العامة ولا ضرر بالعامة، فالصحيح من مذهب أبي حنيفة: أن لكل واحد من آحاد المسلمين حق المنع وحق الطرح، وقال محمد: له حق المنع من الإحداث وليس له حق الطرح، فإن كان يضر ذلك بالمسلمين، فلكل واحد من آحاد المسلمين حق الطرح والرفع، وإن أراد إحداث الظلة في سكة غير نافذة لا يعتبر فيه الضرر، وعدم الضرر عندنا بل يعتبر فيه الإذن من الشركاء. وهل يباح إحداث الظلة على طريق العامة؟ ذكر أبو جعفر الطحاوي أنه يباح، ولا يأثم قبل أن يخاصمه أحد، وبعدما خاصمه لا يباح الإحداث، ولا يباح الانتفاع ويأثم بترك الظلة، وقال أبو يوسف ومحمد: يباح له الانتفاع إذا كان لا يضر ذلك بالعامة. وفي «المنتقى» قال: إذا أراد أن يبني كنيفاً أو ظلة على طريق العامة، فإني أمنعه من ذلك، وإن بنى ثم اختصموا نظرت في ذلك، فإن كان فيه ضرر أمرته أن يقلع، وإن لم

стр. 2030

يكن فيه ضرر تركته على حاله، وقال محمد: إذا أخرج الكنيف، ولم يدخله في داره، ولم يكن فيه ضرر تركته، وإذا أدخله داره منع عنه؛ لأنه إذا أدخله داره، فالبينة على الذي يخاصم أنه من الطريق.p وقال في رجل له ظلة في سكة غير نافذة، فليس لأصحاب السكة أن يهدموها إذا لم يعلم كيف كان أثرها، وإن علم أنه بناها على السكة هدمت، ولو كانت السكة نافذة هدمت في الوجهين جميعاً، وقال أبو يوسف: إن كان ضرراً هدمتها وما لا فلا. والحاصل أن ما كان على طريق العامة إذا لم يعرف حالها على قول محمد تجعل حديثة حتى كان للإمام رفعها، وما كان في سكة غير نافذة إذا لم يعلم حالها تجعل قديمة حتى لا يكون لأحد رفعها، قال شيخ الإسلام خواهر زاده: وتأويل هذا في سكة غير نافذة أن تكون داراً مشتركة بين قوم، أو أرضاً مشتركة بينهم بنوا فيها مساكن وحجراً ورفعوا بينهم طريقاً حتى يكون الطريق ملكاً لهم، فأما إذا كانت السكة في الأصل ... بأن يبنوا داراً ويتركون هذا الطريق للمرور، فالجواب فيه كالجواب في طريق العامة؛ لأن هذا الطريق بقي على ملك العامة، ألا ترى (١٠١ب٢) أن لهم أن يدخلوا هذه السكة عند الزحام، وحكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أنه كان يقول في حد السكة الخاصة أن يكون فيها قوم يحصون، أما إذا كان فيها (قوم) لا يحصون فهي سكة عامة، والحكم فيها نظير الحكم في طريق العامة. الفصل الثاني والثلاثون في المتفرقات رجل له امرأة لا تصلي يطلقها، حتى لا تصحب امرأة لا تصلي، فإن لم يكن له ما يعطي مهرها فالأولى أن يطلقها، قال الإمام أبو حفص الكبير ﵀ صاحب محمد بن الحسن رحمة الله عليه: إن لقي الله تعالى ومهرها في ذمته أحب إلي من أن يطأ امرأة لا تصلي. غمز الأعضاء في الحمام من غير ضرورة مكروه في «فتاوى أهل سمرقند» ، قال الفقيه أبو جعفر: سمعت الشيخ أبا بكر يقول: لا بأس بأن يغمز الرجل الرجل إلى الساق، ويكره أن يغمر الفخذ ويلمسه من وراء ثوب أو غيره، قال الفقيه أبو جعفر: ونحن نبيح هذا، ولا بأس به، قال الفقيه أبو جعفر: وكان الشيخ أبو بكر يقول: يغمز الرجل رجل والديه، ولا يغمز فخذ والديه. من أمسك حراماً لأجل غيره كالخمر ونحوه إن أمسك لمن يعتقد حرمته كالخمر يمسكه للمسلم لا يكره، وإن أمسك لمن يعتقد إباحته كما لو أمسك الخمر للكافر يكره.

стр. 2031

سئل الإمام مالك بن أنس ﵁ عن قوم أرادوا الخروج على سلطانهم بجوره، هل يحل لهم ذلك؟ فأجاب، وقال: إن كانوا اثنا عشر ألفاً كلمتهم واحدة وسعهم ذلك، وإن كانوا أقل من اثني عشر ألفاً لا يسعهم ذلك، وكان يستدل بما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لن يغلب اثنا عشر ألفاً عن قلة كلمتهم واحدة» ، ونقول إن رسول الله ﷺ أخبر ووعد أن اثني عشر ألفاً لا يغلبون إذا كانت كلمتهم واحدة، ووعد النبي ﵇ حق، وإذا كانوا لا يغلبون بوعد النبي ﵇، والخروج على السلطان لدفع جوره لا يكون سعياً إلى إهلاك أنفسهم فيسعهم ذلك، وإذا كانوا أقل من اثني عشر ألفاً لم يتيقن بغلبتهم، فلو خرجوا ولم يغلبوا يقصدهم السلطان الجائر بالأذى فكانوا ساعين في إهلاك أنفسهم، فلا يسعهم ذلك. سئل الفقيه أبو بكر عن قراءة القرآن أهو أفضل للمنفعة أو دراسة الفقه؟ قال: حكي عن الفقيه أبي مطيع أنه قال: النظر في كتب أصحابنا من غير سماع أفضل من قيام ليلة. في آخر «النوازل» ، وعن أبي عاصم أنه قال: طلب الأحاديث حرفة المفاليس، يعني به إذا طلب الحديث، ولم يطلب فقهه. وفي «فتاوى أهل سمرقند» : يكره الجلوس في المسجد في المصيبة ثلاثة أيام، وفي غير المسجد جاءت الرخصة ثلاثة أيام للرجال، وتركه أحسن. وفي «النوازل» : لا بأس أن يتخذ في المسجد بيت يوضع فيه البواري لتعامل الناس، وفي كراهية «واقعات الناطفي» : ويكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون فيه موضع اتخذ لذلك، ولا يصلى فيه، وفي «القدوري» : كره أبو حنيفة وأبو يوسف الوضوء في المسجد، وقال محمد: لا بأس به إذا لم يكن عليه قذر، وفي «النوازل» : رجل مرَّ في مسجد ويتخذ منه طريقاً، فإن كان بعذر يجوز، وإن كان بغير عذر لا يجوز، ثم إذا جاز يصلي في اليوم مرة واحدة تحية المسجد، ولا يصلي أكثر من ذلك؛ لأن فيه حرج، وإذا تعلق بثياب المصلي بعض ... في المسجد من البواري والحشيش فأخرجه، فليس عليه أن يرجعه إلى المسجد إذا لم يتعمد ذلك؛ لأن ما في المسجد يخرجه خادمه عيسى، فإذا وقع خارج المسجد لا تجب الإعادة إلى المسجد. رجل مات وأجلس ولداه على قبره رجلاً يقرأ القرآن؟ تكلموا فيه؛ بعضهم قالوا: يكره، وبعضهم قالوا: لا يكره، والمسألة في الحقيقة بناءاً على أن قراءة القرآن في المقبرة هل تكره؟ والمختار أنه لا تكره، وهل ينفع الميت؟ تكلموا فيه، والأشبه أنه ينفع؛ لأن الأخبار وردت بقراءة آية الكرسي، وسورة الفاتحة، وسورة الإخلاص وغير ذلك، وحكي عن الفقيه أبي بكر الفياض أنه أوصى موصى عند موته بذلك. وفي «نوادر هشام» قال: سمعت أبا يوسف يقول: رجل اشترى ثوباً بعشرة دراهم، وأرجع له دانقاً، قال: لا يقبله حتى يقول: أنت في حل أو هو لك.

стр. 2032

سئل محمد بن المقاتل عن رجل سرق (الماء) ، وساقه إلى أرضه وكرمه أنه يطيب له ما خرج بمنزلة رجل غصب شعيراً أو تبناً، وسمن به دابته، فإنه يجب عليه مثل ما غصب، وما زاد في الدابة يطيب له، قال الفقيه أبو الليث: وقد حكي عن بعض الزاهدين أن الماء وقع في كرمه في غير نوبته، فأمر بقطع كرمه، ونحن لا نقول بقطع كرمه؛ لأن فيه إفساد المال، ولكن لو تصدق بنزله كان حسناً أما لا يجب عليه التصدق في الحكم. سئل الفقيه عن رجل زرع أرض رجل بغير إذنه، فلم يعلم صاحب الزرع حتى استحصد الزرع، فعلم ورضي به، هل يطيب للزارع الزرع؟ قال: نعم، قيل له: فإن قال: لا أرضى، ثم قال: رضيت، هل يطيب له؟ قال: يطيب له أيضاً، قال الفقيه أبو الليث: وهذا استحسان وبه نأخذ. اختلف العلماء في كراهية تعليق الجرس على الدواب، فمنهم من قال بكراهيته في الأسفار كلها الغزو وغيره في ذلك سواء، وهذا القائل يقول بكراهيته في الحضر، كما يقول بكراهيته في السفر، ويقول أيضاً بكراهية اتخاذ الخلاخل في رجل الصغير، والمعنى في ذلك: أن الشيطان يستأنس ويتلهى بصوته، كما يستأنس ويتلهى بصوت المزامير، وقال محمد في «السير الكبير» : إنما يكره اتخاذ الجرس للغزاة في دار الحرب، وهو المذهب عند علمائنا أن تعليق (الجرس) على الدواب إنما يكره في دار الحرب؛ لأن العدو يشعر بمكان المسلمين، فإن كان بالمسلمين قلة يتبادرون إليهم فيقتلونهم، فإن كان بهم كثرة، والكفار يتحرزون عنهم ويتحصنون، فعلى هذا قالوا: إذا كان الراكب في المفازة في دار الإسلام ويخافون من اللصوص يكره لهم تعليق الجرس على الدواب أيضاً حتى لا يشعر بهم اللصوص، فلا يستعدون لقتلهم وأخذ أموالهم، والذي ذكرنا في الجواب في الجرس، فهو الجواب في الخلال، قال محمد ﵀ في «السير» : فأما ما كان في دار الإسلام فيه منفعة لصاحب الراحلة فلا بأس به، قال: في الجرس منفعة جمة منها؛ إذا ضلّ واحد من القافلة يلتحق بها بصوت الجرس، ومنها أن صوت الجرس يبعد هوام الليل عن القافلة كالذئب وغيره، ومنها أن صوت الجرس يزيد في نشاط الدواب، وهو نظير الحدو، فإنه جوّز؛ لأنه يزيد في نشاط الدواب. اختلف الناس في ضرب الدف في العرس قال بعضهم: لا بأس لما روي عن عائشة ﵂ (١٠٢أ٢) أن رسول الله ﷺ قال: «أعلنوا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف» وقال محمد بن سيرين: نبئت أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا سمع صوتاً أنكره سأل عنه، فإن قالوا: عرس أو ختان أقره، وقال بعضهم: يكره لقوله ﵇: «كل لهو المؤمن باطل إلا ثلاث؛ تأديبه فرسه ورميه عن قوسه وملاعبته مع أهله» قال الفقيه أبو الليث ﵀: الدف الذي يضرب في زماننا هذا مع الصنجات والخلاخلات ينبغي أن يكون مكروهاً، وإنما الخلاف في الذي كان يضرب في الزمن المتقدم.

стр. 2033

قال محمد في «الجامع الصغير» : مسلم باع خمراً، وأخذ ثمنه، وعلى بائع الخمر دين لرجل كره لصاحب الدين أن يقتضي دينه من ذلك، وإن كان البائع نصرانياً فلا بأس به، والوجه في ذلك أن الخمر ليست بمتقومة في حق المسلم، فلم يجز بيعه، ولم يملك ثمنها لا بالعقد ولا بالقبض، بل بقي الثمن على ملك مشتري الخمر، فإذا أخذ صاحب الدين ذلك فقد أخذ ملك المشتري بغير إذنه فلا يجوز، فأما الخمر متقوم في حق الذمي فجاز بيعه، وملك ثمنها، فلو أخذ صاحب الدين ذلك فقد أخذ ملك البائع بأمره فيجوز. ولا ينبغي أن يتصدق على السائل في المسجد الجامع؛ لأنه إعانة لهم على أذى الناس، وقد قال خلف بن أيوب: لو كنت قاضياً لم أقبل شهادة من يتصدق في المسجد الجامع، وقال الفقيه أبو بكر بن إسماعيل الواهب بفلس يحتاج إلى سبعين فليساً ليصير كفارة له. الصبرة إذا أصاب طرف منها نجاسة، ولا يعلم ذلك بعينه يعزل منها قفيزاً أو قفزين فعل ذلك، أو أزال ذلك عن ملكه ببيع أو هبة يحكم بطهارة ما بقي من الصبرة لجواز أن المعزول هو الذي أصابته النجاسة، فلا يقضى بنجاسة ما بقي، وقد عرفناه مباح التناول، فلا تثبت الحرمة بالشك. ولا رواية عن أصحابنا في هذه المسألة، ومشايخنا استخرجوها ... من في «السير» ، وصورتها: أن رجلاً من أهل الذمة دخل حصناً من حصون أهل الحرب قد حاصره المسلمون، ثم إن المسلمين فتحوا الحصن، وأخذوا الرجال، وعلموا يقيناً أن الذمي فيهم، إلا أنهم لا يعرفونه بعينه، وكل واحد منهم يدعي أنه الذمي، فإنه لا يحل للمسلمين قتلهم، ولو قتل واحد من أهل الحصن بعدما دخل فيه الذمي أو مات، أو خرج واحد منهم، فإنه يحل للمسلمين قتلهم؛ لأنه بعدما مات واحد منهم أو قتل أو خرج من الحصن لم يتيقن أن فيهم من هو محرم القتل، لجواز أن محرم القتل قتل أو مات أو خرج، وقد عرفناهم مباح الدم في الأصل، فلا تثبت الحرمة بالشك. صبي يسمع الأحاديث، وهو لا يفهم، ثم كبر؛ يجوز له أن يروي عن المحدث، وإذا قرىء صك على صبي وهو لا يفهم، ثم كبر لا يجوز له أن يشهد، ألا ترى أن البالغ إذا قرىء عليه صك وهو لا يفهم ما فيه لا يجوز له أن يشهد بما فيه، ولو سمع الأحاديث ولم يفهم معناه جاز له أن يروي. تعلم علم الكلام والنظر فيه وراء قدر الحاجة منهي. وتعلم علم النجوم قدر ما يعرف القبلة، ومواقيت الصلاة لا بأس به، وفيما عدا ذلك فهو حرام. التمويه في المناظرة والحيلة فيها هل يحل أن يتكلمه متعلم مسترشد أو غيره على الإنصاف بلا تعنت لا يحل، وإن كان يكلمه من يدخل ... ويريد أن يطرحه يحل، بل

стр. 2034

يحتال كل حيلة لدفعه عن نفسه؛ لأن دفع.... مشروع بأي طريق يكون الدفع. قال هشام في «نوادره» : رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفتين بمسامير إلى زيد قلت له: أترى بهذا الحديث بأساً، فقال: لا، فقلت: إن سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأنه تشبه بالرهبان، فقال أبو يوسف: كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي بها شعر، وإنها من لباس الرهبان، فقد أشار إلى أن صورة المشابهة فيما يتعلق به صلاح العبد لا يضر، وقد تعلق بهذا النوع من الأحكام صلاح العباد، فإن من الأراضي ما لا يمكن قطع المسافة البعيدة فيها إلا بهذا النوع من الأحكام. قال في «الجامع الصغير» : ويكره هذه الخرقة التي تحمل، ويمسح بها العرق، وهكذا ذكر في «القدوري» ، من أصحابنا من قال: الكراهة في الخرقة التي لها قيمة؛ لأن إعداد ما له قيمة لإزالة العرق فيه تضييع لماله، ومنهم من قال بالكراهة على كل حال، وإطلاق لفظ «الكتاب» دل عليه، وإنما كره؛ لأنه بدعة محدثة لم يفعلها النبي ﵊، ولا الصحابة والتابعون ﵃، وإنما كانوا يمسحون العرق بأطراف أثوابهم، ولأن فيه ضرب من التكبر وتشبه بزي الأعاجم، وكذلك الخرقة التي يمخط بها مكروهة، والخرقة التي يمسح بها الوضوء محدثة، ومنهم من طعن في ذلك لتوارث المسلمين ذلك، والحاصل أن من فعل شيئاً من ذلك تكبراً فهو مكروه وبدعة، ومن فعل ذلك لحاجة لا يكره، وهو نظير التربع في الجلوس والاتكاء قد يفعل الرجل نحوه تكبراً فيكره، وقد يفعله لحاجة فلا يكره، وحكي عن الحاكم الإمام أنه كان يكره استعمال الكواغد في وليمة ليمسح بها الأصابع، وكان يشدد فيه، ويزجر عنه زجراً بليغاً، ولا بأس بأن يربط الرجل في إصبعه خاتماً أو خيطاً للحاجة إلى التذكر، فقد صح أن رسول الله ﷺ أمر بعض أصحابه بذلك. قال أبو يوسف: قال أبو حنيفة: ولا ينتفع من الخنزير بجلده ولا بغيره إلا الشعر للأساكفة، وقال أبو يوسف: يكره بالشعر أيضاً، وقول أبي حنيفة أظهر؛ لأن حاجة الأساكفة إلى شعرها حاجة ماسة إذ غيرها لا يقوم مقامها في إقامة مصلحة الخرز. قال الفقيه أبو الليث: قد رخص بعض الناس أن يشرب الرجل قائماً، وكرهه بعضهم إلا من عذر وبه نقول. التضحية بالديك أو بالدجاج في أيام التضحية ممن لا أضحية عليه لعسرته تشبهاً بالمضحين مكروه، ذكره الشيخ الإمام الزاهد الصفار في كتاب «بيان التوحيد» بالفارسية، وقال: هذا من رسم المجوس، روى نصر بن يحيى بإسناد له عن محمد بن الحسن ﵀ أنه ليس للعالم من بيت المال نصيب؛ لأنه وارث الأنبياء، وقد قال الله تعالى في حق الأنبياء: ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ (الشورى: ٢٣) وقال تعالى: ﴿إن

стр. 2035

أجري إلا على الله﴾ (يونس: ٧٢) قال: والقراء لهم نصيب من بيت المال. المرأة في بيت زوجها، والأمة في بيت مولاها لا تطعم ولا تتصدق بالطعام المدخر كالحنطة ودقيقها، فأما بغير المدخر من الطعام تتصدق على....، وإن لم يأذن الزوج والمولى بذلك صريحاً، ويكون ذلك إذن المولى والزوج (١٠٢ب٢) باعتبار العرف والعادة. الحطب إذا وجد في نهر جار جاز أخذه والانتفاع، وإن كانت له قيمة وقت الأخذ. الأب إذا احتاج إلى مال ولده، فإن كان في المصر واحتاج لفقره أكل بغير شيء، وإن كان في السفر واحتاج لعدم الطعام لا لفقره، بل هو موسر أكله بالقيمة، وحد اليسار ههنا أن لا تحل له الصدقة. قال محمد ﵀: ويفترض على الناس إطعام المحتاج في الوقت الذي يعجز عن الخروج والطلب، وهذه المسألة تشتمل على ثلاثة فصول: أحدها: أن المحتاج إذا عجز عن الخروج يفترض على كل من يعلم حاله أن يطعمه بمقدار ما يتقوى به على الخروج وأداء العبادات، إذا كان قادراً على ذلك حتى إذا مات ولم يعطه أحد ممن يعلم بحاله اشتركوا جميعاً في المأثم، والأصل فيه قوله ﵇: «ما آمن بالله من بات شبعان وجاره إلى جنبه طاو» وقال ﵇: «أيما رجل مات ضياعاً بين قوم أغنياء فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله» وكذلك إذا لم يكن عند من يعلم بحاله ما يعطيه، ولكنه قادر على أن يخرج إلى الناس ويخبرهم بحاله فيواسوه، يفترض عليه ذلك، فإن امتنعوا من ذلك حتى مات اشتركوا في المأثم، ولكن إذا قام به البعض سقط عن الباقين. الفصل الثاني: إذا كان المحتاج قادراً على الخروج، ولكن لا يقدر على الكسب، فعليه أن يخرج، ومن يعلم بحاله فإن كان عليه شيء من الواجبات فليرده إليه حتماً وإن كان المحتاج يقدر على الكسب فعليه أن يكتسب، ولا يحل له أن يسأل. الفصل الثالث: إذا كان المحتاج عاجزاً عن الكسب، ولكنه قادر على أن يخرج ويطوف على الأبواب، فإنه يفترض عليه ذلك، حتى إذا لم يفعل ذلك وقد هلك كان آثماً عند الله؛ وهذا لأن السؤال في حق من هو قادر على الكسب (لا يحل) ثم قال: المعطي أفضل من الآخذ، وهذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون المعطي مؤدياً للواجب، والآخذ قادراً على الكسب ولكنه محتاج، فههنا المعطي أفضل بالاتفاق، ولأنه في الإعطاء يؤدي الفرض، والآخذ متبرع في الأخذ، فإن له أن لا يأخذ ويكتسب، ولا شك أن درجة المفترض أعلى من درجة المتبرع.
следующие страницы →