← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

لك شفعة هذه الدار خاصة دون غيرك، كان هذا تسليماً صحيحاً للأمر، ولو قال: سلمتها لك إن كنت اشتريتها لنفسك، لا يكون تسليماً. وكذلك لو قال الشفيع للبائع: سلمت الشفعة لك إن كنت بعتها من فلان لنفسك، وكان باعها لغيره لم يكن ذلك تسليماً، هذه الجملة من الباب الأول من شفعة «الجامع» . في «فتاوي أبي الليث» ﵀: إذا قال الشفيع للمشتري: سلمت لك شفعة هذه الدار، فإذا قد اشتراها لغيره فهو على شفعته؛ لأنه رضي بالتسليم إليه لا إلى الموكل. وفي «فتاوى الفضيل» : أن هذا تسليم للآمر والمختار المذكور في «فتاوي أبي الليث» ، هكذا ذكر الصدر الشهيد. وفي «الحاوي» «الهاروني» : إذا قال المشتري: اشتريتها لنفسي فسلم الشفيع الشفعة، ثم ظهر أنه اشتراها لغيره، قال محمد ﵀: تبطل شفعته، وقال أبو حنيفة ﵀: لا تبطل. الفصل العاشر: في الشفيع إذا أخبر بالبيع فسلم ثم علم أن البيع كان بخلافه إذا أخبر الشفيع أن المشتري فلان فسلم الشفعة، فإذا المشتري غيره فهو على شفعته؛ لأنه رضي بجوار شخص معين، فلا يكون راضياً بجوار غيره؛ ولأنه سلم شفعته عقد لم يعقد بعد؛ لأنه سلم شفعة زيد، وزيد لم يعقد فلم يصح تسليمه، ولو كان المشتري فلاناً ومعه غيره بطلت شفعته في نصيب الذي سلم وأخذ نصيب غيره. ألا ترى أنه لو سلم وكان عالماً بالشريك الأخر لم يكن تسليماً للشريك الأخر، فإذا سلم يعلم أولى، ولو أخبر أن الثمن ألف فسلم، فإذا الثمن أقل من ذلك فهو على شفعته، ولو كان الثمن ألف أو أكثر، فلا شفعة له؛ لأن الرضا بالتسليم بألف لا يكون رضاً بالتسليم بخمسمائة، أما الرضا بالتسليم بألف رضي بالتسليم بأكثر من الألف، ولو أخبر أن الثمن شيء مما يكال أو يوزن فسلم الشفعة، فإذا الثمن صنفٌ آخر مما يكال أو يوزن، فهو على شفعته على كل حال، سواء كان ما ظهر مثل ما أخبره، أو أقل، أو أكثر من حيث القيمة؛ لأن الشراء إذا وقع بالمكيل أو الموزون فالشفيع يأخذ بمثله من جنسه، لا بالقيمة وقد تيسر على الإنسان إذا حبس، ويتعسر عليه إذا حبس أخر، ولو أخبر أن الثمن شيء من ذوات القيم فيسلم، ثم ظهر أنه كان مكيلاً أو موزوناً فهو على شفعته. هكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» ، فعلى هذا القياس: لو أخبر أن الثمن ألف درهم فإذا ظهر أنه مكيل أو موزون فهو على شفعته على كل حال، ولو أخبر أن الثمن عبد. فجواب محمد ﵀ في «الكتاب» : أنه على شفعته من غير فصل قال شيخ

стр. 3082

الإسلام: هذا الجواب صحيح فيما إذا كان قيمة ما ظهر مثل قيمة ما أخبر أو أكثر؛ لأن الثمن إذا كان من ذوات القيم، فالشفيع إنما يأخذ الدار بقيمة الثمن دراهم أو دنانير، فكأن أخبر أن الثمن ألف درهم أو مائة دنانير فسلم ثم ظهر أن الثمن مثل ما أخبر به (١٧٢أ٣) أكثر، وهناك كان التسليم صحيحاً، ولا شفعة له، ولو ظهر أنه أقل مما أخبر كان على شفعته كذا هاهنا. ولو أخبر أن الثمن عبد قيمته ألف درهم أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي من ذوات القيم، ثم ظهر أن الثمن دراهم أو دنانير، فجواب محمد ﵀: أنه على شفعته من غير فصل بعض مشايخنا ﵏، قالوا: هذا الجواب محمول على ما إذا كان ما ظهر كان أقل من قيمة ما أخبر، أما إذا كان مثل قيمة ما أخبر أو أكثر، فلا شفعة له. ومنهم من قال: هذا الجواب صحيح على الإطلاق، بخلاف المسألة المتقدمة؛ لأنه وإن كان يأخذ بالقيمة، فقد يصير مغبوناً في ذلك؛ لأن تقويم الشيء بالظن يكون قائماً سلمه حتى لا يصير مغبوناً، ولهذا المعنى ينعدم إذا كان الثمن دراهم، ولو أخبر أن الثمن عبد قيمته ألف وظهر أن قيمته أقل من الألف فله الشفعة، وإن ظهر أن قيمته ألف أو أكثر فلا شفعة. ولو أخبر أن الثمن ألف فسلم ثم ظهر أن الثمن شيء هو من ذوات القيم فلا شفعة له، إلا إذا كان قيمة الثمن أقل من ألف درهم، هكذا ذكر في «شرح القدوري» وهذه المسألة يؤيد قول المشايخ: فيما إذا أخبر أن الثمن شيء هو من ذوات القيم، فإذا هو من ذوات القيم ولكن من صنف آخر، ولو أخبر أن الثمن ألف فسلم، فإذاً الثمن مائة دينار، فلا شفعة له، إلا أن يكون قيمة الدينار ألف من الألف، هكذا ذكر القدوري في كتابه. وجعل الجواب فيه كالجواب فيما إذا ظهر أن الثمن دراهم. قال شيخ الإسلام في «شرحه» : وهو قول أبي يوسف ﵀ وروي عن زفر: أنه على شفعته على كل حال، وهو قول أبي حنيفة، وجعل الجواب فيه كالجواب في الحنطة والشعير، قالوا: ما ذكره أبو حنيفة وزفر قياس، وما ذكره أبو يوسف استحسان. وجه قول أبي يوسف: إن الدراهم والدنانير اعتبرا جنساً واحداً في أكثر الإيجابات، حتى يكمل نصاب أحدهما بالأخر، والمكره على البيع بالدراهم مكره على البيع بالدنانير. وإذا باع شيئاً بالدراهم ثم اشتراه بأقل مما باع بالدنانير لا يجوز كما لو اشترى بالدراهم ورب الدين إذا ظفر بدنانير المديون وحقه في الدراهم، له أن يأخذ ومال المضارب إذا صار دنانير عمل نهى رب المال فيه. كما لو صار دراهم، وإنما اعتبرا جنسين في حق الربا، حتى جاز بيع أحدهما بالأخر متفاضلاً، وفي حق الإجارة حتى إذا استأجر بعشرة ثم أجر بدينار طاب له، وإن كان قيمة الدينار أكثر من عشرة دراهم، كما لو أجره بشعير وقد استأجره بحنطة فيمزج ما

стр. 3083

يوجب المجانسة بحكم الكثرة، فكان التسليم بالدراهم تسليماً بالدنانير، إذا كانت قيمة الدنانير مثل الدراهم أو أكثر. وأبو حنيفة يقول: الدراهم والدنانير اعتبرا جنسين مختلفين في الإخبار، حتى أن الإكراه على الإقرار بالدراهم لا يكون إكراهاً على الإقرار بالدنانير، وفي بعض الإيجاب اعتبرا جنساً واحداً وفي الإخبار اعتبرا جنسين مختلفين. وفي مسألتنا: إخبار وإيجاب؛ لأن تسليم الشفعة إن كان إيجاباً إلا أن التسليم بناء على الأخبار؛ لأنه أخبر أن الثمن كذا، فإذا في أحد النوعين، فهو الإخبار اعتبرا جنسين مختلفين، وفي النوع الأخر وهو الإيجاب اعتبرا جنسين مختلفين في حق بعض الأحكام، فتمزج ما يوجب اختلاف الجنسين، فصار كالحنطة مع الشعير، ولو أخبر بشراء نصف الدار فسلم، ثم ظهر أن المشتري اشترى الكل فسلم، ثم ظهر أن المشتري اشترى النصف فلا شفعة له. قال شيخ الإسلام في «شرحه» : هذا الجواب محمول على ما إذا كان ثمن النصف مثل ثمن الكل، فإن أخبر أنه اشترى الكل بألف، فإذا ظهر أنه اشترى النصف بألف، فأما إذا أخبر أنه اشترى الكل بألف، ثم ظهر أنه اشترى النصف بخمسمائة يكون على شفعته. ومما يتعلق بمسائل الأخبار، إذا أخبر الشفيع بالشراء، فإن كان المخبر هو المشتري ثبت الشراء بخبره، سواء كان عدلاً أو لم يكن، رواه الحسن عن أبي حنيفة، حتى لو سكت بعد إخبار المشتري ولم يطلب الشفعة بطلت شفعته؛ لأنه خصم في هذا والعدالة غير معتبرة في الخصومة، وإن كان المخبر غيره. ففي رواية محمد عن أبي حنيفة: لا يثبت الشراء حتى يخبره بذلك رجلان، أو رجل وامرأتان، وفي رواية الحسن عنه: لا يثبت الشراء حتى يخبره بذلك رجلان عدلان، أو رجل وامرأتان، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا أخبره واحد يثبت الشراء بخبره حراً كان المخبر أو عبداً أو صبياً أو امرأة. إذا كان ذلك الخبر حقاً، وذكر الطحاوي في كتاب الوكالة: أن المخبر إذا كان رسولاً يثبت الشراء بخبره كيف ما كان الخبر، ولكن بعد أن بلغ الرسالة، وإن لم يكن المخبر رسولاً، وإنما أخبر من تلقاء نفسه، فإن كان المخبر رجلين عدلين أو غير عدلين أو كان رجلاً واحداً عدلاً، فإنه يثبت الشراء سواء صدقه الشفيع في ذلك أو كذبه. إذا ظهر صدق الخبر، فإن كان المخبر رجلاً واحداً غير عدل، فإن صدقه الشفيع في ذلك يثبت الشراء بخبره، وإن كذبه لا يثبت الشراء بخبره، وإن صدق الخبر عند أبي حنيفة وعندهما: يثبت الشراء بخبره إذا ظهر صدق الخبر والله أعلم.

стр. 3084

الفصل الحادي عشر: فيما يحدث الشفيع مما يبطل شفعته إذا ساوم الشفيع الدار من المشتري، أو سأل منه أن يوليه، إياه أو استأجرها الشفيع من المشتري، أو كان أرضاً أو كرماً وأخذها مزارعة أو معاملة وذلك بعد العلم بالشراء فهو تسليم الشفعة؛ لأن هذه المعاني دليل الإعراض. وكذلك لو قال المشتري للشفيع أو ليهكها بكذا، فقال الشفيع: نعم؛ لأن قول الإنسان نعم في موضع الخطاب يتضمن إعادة ما في الخطاب، وكأن الشفيع قال: ولي. وفي «المنتقى» : مساومة الشفيع بداره لا يبطل معناه، إذا ساومها بالبيع، إذا قال الشفيع: سلمت نصف الشفعة بطلت شفعته في الكل؛ لأن الشفعة لا تتجزء في حق التسليم؛ لأنه لا يملك أن يأخذ البعض دون البعض، وذكر البعض ما لا يتجزء كذكر الكل، هكذا ذكر في «الأصل» ، وذكر في القدوري: أن الشفيع إذا طلب نصف الدار بالشفعة فهذا تسليم منه في الكل في قول محمد، إلا أن يكون طلب الكل فلم يسلم المشتري فقال: اعطني نصفها على أن أسلم لك النصف، أو قال: اعطني نصفها وأسلم لك نصفها فهذا لا يكون (١٧٢ب٣) تسليماً، وقال أبو يوسف: لا يكون تسليماً على كل حال. وتبين ما ذكر القدوري إن ما ذكر في «الأصل» قول محمد، وذكر الصدر الشهيد في الباب الأول من «واقعاته» : دار بيعت ولها شفيعان أحدهما غائب وطلب الحاضر نصف الدار، على حسبان أنه لا يستحق إلا النصف بطلت شفعته، وكذلك لوكانا حاضرين وطلب كل واحد منهما نصف الدار بطلت شفعة كل واحد منهما، ولم يحكم خلافاً، وإن قول محمد على ما ذكره القدوري ذكر ﵀ في الباب الثاني: أن الشفيع إذا قال: سلم لي نصفها بالشفعة لا يبطل شفعته، وأنه قول أبي يوسف على ما ذكره «القدوري» . وإذا باع الشفيع داره التي يشفع بها بعد شراء المشتري وهو يعلم بالشراء أو لا يعلم بطلت شفعته؛ لأن الاستحقاق بالجوار وقد زال الجوار قبل الأخذ فبطل الحق ضرورة، فإن رجعت إلى ملكه: بيعت بقضاء أو بخيار رؤية أو يختار شرط فليس له أن يأخذ بالشفعة؛ لأن الحق متى بطل لا يعود إلا بسبب جديد، وإن كان بيع الشفيع داره بشرط الخيار للشفيع، فهو على شفعته ما لم يوجب البيع؛ لأن الجوار لم يزل، وإن كان بيعه نصفه الفساد وقبضها المشتري بطلت شفعته؛ لأن ملكه قد زال، وإن كان الشفيع شريكاً وجاراً فباع نصيبه الذي يشفع به كان له أن يطلب الشفعة بالجوار، هذا إذا باع الشفيع كل داره، وإن باع بعض داره سيأتي ذلك في فصل المتفرقات إن شاء الله تعالى.w إذا سلم الشفيع على المشتري ثم طلب الشفعة صح طلبه، قال هشام: قلت لمحمد ﵀: من يقول إذا بدأ الشفيع بالسلام على المشتري يبطل شفعته؟ فأنكر ذلك، ولو كان المشتري واقفاً مع الابن فسلم الشفيع على ابن المشتري بطلت شفعته، بخلاف ما إذا

стр. 3085

سلم على المشتري محتاج إليه؛ لأنه يحتاج إلى التكلم معه، ومفتتح الكلام السلام قال ﵇: «من كلم قبل السلام فلا تجيبوه» فيصير ذلك عذراً، فأما السلام على ابن المشتري غير محتاج إليه، فلا يصير ذلك عذراً. إذا أخبر المشتري الشفيع بالبيع فقال: من اشتراها وبكم اشتراها، فلما أخبر بذلك قال: طلبت الشفعة صح طلبه في الباب الأول من شفعة «الواقعات» . وكذلك إذا قال: الحمد لله، أو قال: سبحان الله، أو قال: الله أكبر، أو عطس المشتري فشمته، أو قال: خلصني الله من فلان، أو قال: بكم باعها ومتى باعها، لا تبطل شفعته بعض هذه الألفاظ في «العيون» ، وبعضها في شرح شمس الأئمة لو قال الشفيع للمشتري: أنا شفيعك وآخذ الدار منك فلا شفعة له؛ لأن قوله أنا شفيعك كلام لا يحتاج إليه، فصار كأنه قال: كيف أصبحت فكيف أمسيت. في «فتاوي (أهل) سمرقند» بأن وكذلك إذا قال الشفيع: الشفعة لي أطلبها وأخذها بطلت؛ لأن قوله: الشفعة لي غير محتاج إليه، فصار كما لو سكت ساعة وعلى قياس ما رواه ابن رستم في «نوادره» عن محمد: أنه إذا سكت هاهنا لا تبطل شفعته، لا يبطل هاهنا أيضاً، وكذا قياس ما روي أن له مجلس العلم، ينبغي أن لا تبطل شفعته؛ لأن هذا القدر لا يتبدل المجلس. وكذلك لو قال: شفعة مراست خواستم ومافتم فهو على هذا، وفي «نوادر أبي يوسف» رواية أبي الجعد إذا قال الشفيع للمشتري حين لقيه: كيف أصبحت، كيف أمسيت، أو سلم عليه لم تبطل شفعته، ولو عرض حاجة إليه أو سأله عن حاجته تبطل شفعته. دار بيعت فقال البائع أو المشتري للشفيع: أبرئنا عن كل خصومة لك. وقلنا: ففعل وهو لا يعلم أنه وجب له قبلهما شفعة، لا شفعة له في القضاء، وله الشفعة فيما بينه وبين الله تعالى إن كان بحال، لو علم بذلك لأمر بهما، وهو نظير ما لو قال رجل لأخر: إجعل لي في حل، ولم يبين ماله قبله فجعله في حل، فإنه يصير في حل ولا يبقى له في القضاء شيء، ويبقى فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان بحال أو علم بذلك الحق لا يريه. في «فتاوى أبي الليث» : إذ قال الشفيع للمشتري: شفاعة صحواهم بطلت شفعته، هكذا ذكر في «فتاوى أهل سمرقند» ، وعلى قياس ما ذكرنا عن الفقيه أبي جعفر: أنه إذا طلب الشفعة بأي لفظ من يفهم طلب الشفعة يجوز، ينبغي أن يقال في هذه المسألة: إذا كان الشفيع من أهل مسلة يطلبون الشفعة بهذا اللفظ لا تبطل شفعة الشفيع، إذا صلى بعد الظهر ركعتين لا تبطل شفعته، وإذا صلى أكثر من ذلك تبطل شفعته، وإن صلى بعد الجمعة أربع ركعات لا تبطل شفعته، وإن صلى أكثر من ذلك تبطل شفعته؛ لأن الأكثر

стр. 3086

ليس بمسنون، فلا يصير عذراً في «فتاوى أبي الليث» ﵀. وفي «واقعات الناطفي» : الشفيع إذا علم بالبيع وهو في التطوع فجعلها أربعاً أو ستاً، فعن محمد ﵀: أنه لا تبطل شفعته، قال الصدر الشهيد: والمختار أنه تبطل شفعته؛ لأنه غير معذور، بخلاف ما إذا كان في الأربع قبل الظهر فأتمها أربعاً؛ لأن الأربع مسنون فكان معذوراً. والدليل على الفرق: أنه إذا طلب المواثبة وترك طلب الإشهاد وافتتح التطوع تبطل شفعته، ولو افتتح الركعتين بعد الظهر والأربع بعد الجمعة لا تبطل والله أعلم. الفصل الثاني عشر: في الخلاف الواقع بين الشفيع والمشتري والشهادة في الشفعة إذا اشترى الرجل دارا وقبضها ونقد الثمن، ثم اختلف الشفيع والمشتري في الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه ولا يتحالفان؛ لأن الشفيع مع المشتري ينزل منزلة المشتري مع البائع، ولو وقع الاختلاف بين البائع والمشتري في الثمن والبيع في يد البائع، كان القول قول البائع مع يمينه؛ لأن المشتري يدعي عليه التملك بألف وهو ينكر، إلا أن البائع والمشتري يتحالفان وهاهنا الشفيع لا يحلف؛ لأن هناك البائع يدعي على المشتري زيادة ألف والمشتري ينكر وهاهنا المشتري لا يدعي على الشفيع شيئاً؛ لأنه لم يجب له على الشفيع شيء حتى يحلف الشفيع، وأيهما ما أقام بينته قبلت بينته، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة ومحمد ﵀، وعند أبي يوسف ﵀: البينة بينة المشتري. فوجه قوله: إن الشفيع مع المشتري ينزل منزلة المشتري مع البائع؛ لأن الشفيع يتملك الدار من جهة المشتري كما أن المشتري يتملكه من جهة البائع، ثم إذا وقع الاختلاف على هذا الوجه بين البائع والمشتري، وأقاما البينة بينة البائع؛ لأنها تثبت الزيادة. ودليله: إذا وقع الاختلاف على هذا الوجه بين البائع والمشتري والشفيع، قال الشفيع: الثمن ألف، وقال المشتري: ألفين (١٧٣أ٣) وقال البائع: ثلاثة آلاف، وأقاموا البينة، فالبينة بينة البائع؛ لأنها تثبت الزيادة كذا هاهنا. وكذلك الوكيل بالشراء مع الموكل إذا اختلفوا في مقدار الثمن وأقاما البينة فالبينة بينة الوكيل؛ لأنها تثبت زيادة في الثمن. ولأبي حنيفة ومحمد رحمهما الله طريقتان: أحدهما: أن العمل بالبينتين هاهنا ممكن، فلا يصار إلى الترجيح، بيان الإمكان أنا نجعل كأنه اشترى مرة بألف ومرة بألفين، فكان الشفيع أن يأخذ بالألف. ألا ترى أنه لو ثبت ذلك معاينة، أو بإقرار المشتري بأن أقر المشتري مرة أنه اشترى

стр. 3087

مرة بألف ومرة أخرى إنه اشترى بألفين، كان للشفيع أن يأخذ بألف، ولا يقال: بأن العقدين إذا ثبتا بالمعاينة، وبالإقرار يجعل كل واحد منهما ثابتاً في حق الشفيع، أما إذا ثبت العقد بالألفين بالبينة لا يعتبر العقد بألف ثابتاً في حق الشفيع ويجعل العقد بألفين ناسخاً له. ألا ترى أن المشتري لو أقر بالشراء بألف وأخذ الشفيع الدار بألف، ثم أقام البائع بينة إن البيع كان بألفين، كان للمشتري أن يرجع على الشفيع بالألف الأخرى، لأنا نقول: نعم الأمر كما قلتم، إلا أن هاهنا العقد بألفين لم يثبت بالبينة؛ لأن بينة المشتري على العقد بألفين غير منقولة؛ لأن بهذه البينة لا يسقط اليمين عن نفسه؛ لأن اليمين عنه ألا ترى أن بعد ما أقام الشفيع البينة بألف لا يحلف المشتري، وإن لم يكن للمشتري بينة، ولا يلزم بهذه البينة الشفيع زيادة ألف؛ لأن للشفيع أن يترك الأحد بألفي درهم، وإن لم يكن بينة المشتري مقبولة على البيع بألفين، كان البيع بألفين ثابتاً بإقرار المشتري، فلا ينفسخ بالبيع بألف، فيحمل كلاماً ثابتاً في حق الشفيع بخلاف ما إذا وقع بين البائع والمشتري؛ لأن هناك العقد بألفين ثابت ببينة البائع؛ لأن بينة البائع على العقد بألفين مقبولة؛ لأنه بهذه البينة يلزم المشتري الألف الزائدة، وبخلاف ما إذا اختلفوا جميعاً؛ لأن بينة البائع على الزيادة مقبولة؛ لأنها توجب الزيادة على المشتري فكان البيع بالزيادة ثابتاً بالبينة، فينفسخ البيع بما دونه في حق العاقد والشفيع. وأما الوكيل مع الموكل، إذا اختلفا فقد روى ابن سماعة عن محمد: أن البينة بينة الموكل، وفي ظاهر الرواية البينة بينة البائع الوكيل؛ لأن الوكيل مع الموكل ينزل منزلة البائع مع المشتري وقد ذكرنا العذر. ثمة الطريق الثاني: أن بينة الشفيع ملزمة المشتري تسليم المشتري شاء أو أبى، وبينة المشتري، غير ملزمة بل هو مخير بين الأخذ والترك، والبينات في الأصل شرعت للإلزام، فما كانت ملزمة كانت أولى بالقبول، بخلاف البائع مع المشتري، كان هناك بينة كل واحد منهما ملزمة، وبخلاف الوكيل مع الموكل؛ لأن بينة كل واحد منهما ملزمة فاستويا من هذا الوجه، فصرنا إلى الترجيح بالزيادة. وإذا اختلف البائع والمشتري والشفيع في الثمن قبل نقد الثمن، فهذا على الوجهين: الأول: أن تكون الدار في يد البائع وفي هذا الوجه ينظر إن كان ما قاله البائع أقل مما قالا: فالقول قول البائع، ويأخذ الشفيع ذلك من غير يمين على واحد، وإن كان ما قاله البائع أكثر مما قالا، فالبائع مع المشتري يتحالفان، فبعد ذلك إن نكل البائع فالشفيع يأخذ بألفين؛ لأن النكول بمنزلة الإقرار، فكأن البائع أقر بالبيع بألفين بعد ما ادعى البيع بثلاثة آلاف، وإن نكل المشتري لزمه ثلاثة آلاف درهم، والشفيع يأخذ بالثلاث آلاف إن شاء، وليس له أن يأخذه بألف درهم، وإن أقر المشتري أن الشراء كان بألفي درهم؛ لأن

стр. 3088

النكول من المشتري في حق الشفيع بمنزلة البينة، كما أن النكول من الوكيل بالبيع إذا أراد المشتري أن يرد عليه بالعيب بمنزلة البينة، وسيأتي ذلك بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولو ثبت بالبينتان البيع كان بثلاثة آلاف بعد ما أقر المشتري بالشراء بألفي درهم، أخذ الشفيع الدار بثلاثة آلاف درهم، وليس له أن يأخذه بألفي درهم بإقرار المشتري؛ لأنه صار مكذباً في إقراره كذا هاهنا، وإن حلفا وطلبا الفسخ من القاضي أو طلب الثاني، إذا كانت الدار في يد المشتري. والجواب فيه نظير الجواب، فيما إذا كانت الدار في يد البائع، وإذا كانت الدار في يد المشتري فقال البائع: بعتها إياه بألف درهم واستوفيت الثمن، وقال المشتري: اشتريتها بألفين، فالقول قول البائع، ويأخذ الشفيع بألف درهم وبمثله لو قال: بعتها منه واستوفيت الثمن وهو ألف درهم، وقال المشتري: اشتريتها بألفين أخذها بألفين. والفرق: أنه إذا بدأ بالإقرار بالاستيفاء لا يصح منه بيان مقدار الثمن بعد ذلك؛ لأنه لم يبق بعد استيفاء الثمن وتسليم الدار إلى المشتري ذو خط من هذا العقد، بل صار كالأجنبي، ولو أن أجنبياً بين مقدار الثمن لا يصح بيانه كذا هاهنا، وإذا بدأ ببيان مقدار الثمن لا يصح منه الإقرار باستيفاء بعد ذلك؛ لأن قبل الإقرار بالاستيفاء ثبت للشفيع حق الأخذ بذلك المقدار، وبالإقرار بالاستيفاء يبطل ذلك الحق على الشفيع؛ لأن بالإقرار بالاستيفاء تبين أن مقدار الثمن منه لم يصح؛ لأنه لم يبق ذو خط من هذا العقد، فلم يصح الإقرار بالاستيفاء صيانة لحق الشفيع، وإذا لم يصح الإقرار بالاستيفاء، بقي بيان مقدار الثمن صحيحاً؛ لأنه بين مقدار الثمن، وهو ذو خط في هذا العقد؛ لأن له الاستيفاء بحكم هذا العقد. قال القدوري: وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن المبيع إذا كان في يد البائع فأقر بقبض الثمن وزعم أنه ألف، فالقول قوله؛ لأن التملك يقع على البائع، فيرجع إلى قوله. في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀: رجل اشترى من رجل داراً، ولها شفيعان، فأتاه أحدهما بطلت شفعته، فقال المشتري: أني اشتريتها بألف، وصدقه الشفيع في ذلك، وأخذها بألف، ثم إن الشفيع الثاني جاء وأقام بينته، أن المشتري اشترى بخمسمائة، فالشفيع الثاني يأخذ من الشفيع الأول نصفها، ويدفع إليه مائة درهم وخمسين، ويرجع الشفيع الأول على المشتري بمائة وخمسين، ويبقى في يد الشفيع الأول نصف الدار بخمسمائة؛ لأنه صدق المشتري على ما أخذها به. وفيه أيضاً: رجل اشترى من رجل داراً وقبضها، فجاء الشفيع بطلت الشفعة، فقال المشتري: اشتريتها بألفين وقال الشفيع: (١٧٣ب٣) لا بل اشتريت بألف، ولم يكن للشفيع بينة وحلف المشتري على ما ذكر، وأخذه الشفيع بألفي درهم، ثم قدم شفيع أخر وأقام بينة على الشفيع الأول، أن البائع باع هذه الدار من فلان بألف، فإنه يأخذ نصف

стр. 3089

الدار بخمسمائة، ويرجع الشفيع الأول على المشتري بخمسمائة، حصة النصف الذي أخذه الثاني ويقال للشفيع الأول: إن شئت أعد البينة على المشتري من قبل النصف الذي في يدك، وإلا فلا شيء لك؛ لأن الشفيع الثاني إنما يستحق ببينته نصف الدار، هكذا ذكر في «الكتاب» . ومعنى المسألة: أن الشفيع الأول لو قال للمشتري: أن الشفيع الثاني أثبت البينة أن الشراء كان بألف فيكون بمقابلة النصف الذي في يدي خمسمائة، فلي أن أرجع عليك بخمسمائة، ليس له ذلك إلا إذا أعاد البينة أن الشراء كان بألف، لما أشار إليه في «الكتاب» : أن الشفيع الثاني إنما استحق ببينته نصف الدار. ومعناه: أن بينة الشفيع الثاني لما عمل في نصف الدار ثبت الشراء بألف في حق ذلك النصف الذي استحقه الشفيع الثاني، لا في حق النصف الذي في يد الشفيع الأول فيحتاج الشفيع الأول، إلى إعادة البينة، لثبت الشراء بالألف في النصف الذي في يديه، فيستحق الرجوع على المشتري بالخمسمائة الزائدة. في القدوري: اتفق البائع والمشتري أن البيع كان يشترط الخيار للبائع، وأنكر الشفيع فالقول قولهما، في قول أبي حنيفة ومحمد، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵏: ولا شفعة للشفيع؛ لأن البيع ثبت بإقرارهما، وإنما ثبت على الوجه الذي أقربه، وفي إحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀: القول قول الشفيع؛ لأن الأصل في البيع البات، فكان الشفيع متمسكاً بالأصل. وفي «الجامع» : إذا ادعى البائع الخيار وأنكر المشتري والشفيع، فالقول قول المشتري استحساناً؛ لأن الخيار لا يثبت إلا بالشرط والمشتري ينكر، وذكر في «النوادر» : أن القول قول البائع وهو الصحيح، وكذا لو ادعى المشتري الخيار، وأنكر البائع والشفيع ذلك، فالقول قول البائع: ويأخذها الشفيع. لما قلنا في «فتاوى الفضلي» : رجلان تبايعا، وطلب الشفعة يحضر بهما فقال البائع: سنتابع معاملة، وصدقه المشتري على ذلك، لا يصدقان على الشفيع؛ لأنهما أقرا بالأصل البيع فيكون القول قول من يدعي الجوار، إلا إذا كان الحال يدل عليه، بأن كان المنزل كثير القيمة وقد بيع بثمن لا يباع مثله بمثله، فحينئذ يكون القول قولهما ولا شفعة للشفيع. ألا ترى أن في الوجه الأول: لو اختلف البائع والمشتري في هذه الصورة فقال البائع: بعت معاملة، وقال المشتري: اشتريت لا معاملة، كان القول قول المشتري، وفي الوجه الثاني: لو اختلفا كان القول قول البائع في «المنتقى» . باع داراً من رجل ثم إن المشتري والبائع تصادقا أن البيع كان فاسداً، وقال الشفيع: كان جائزاً فالقول قول الشفيع، ولا أصدقهما على فساد البيع في حق الشفيع بشيء لو ادعى أحدهما، وأنكر الأخر جعلت القول فيه قول الذي يدعي الصحة، وإذا زعما أن البيع كان فاسداً، جعلت القول فيه قول من يدعي الفساد، فإني أصدقهما، ولا

стр. 3090

أجعل للشفيع شفعة، يريد بهذا أن البائع مع المشتري إذا اتفقا على فساد البيع بسبب، لو اختلف البائع والمشتري فيما بينهما في فساد العقد بذلك السبب، فالقول قول من يدعي الجوار. نحو أن يدعي أحدهما فاسداً، فإذا اتفقا على الفساد بذلك السبب لا يصدقان في حق الشفيع، وإذا اتفقا على فساد البيع بسبب لو اختلفا فيما بينهما في فساد البيع بذلك السبب كان القول. قول من يدعي الفساد، فإذا اتفقا على الفساد بذلك السبب يصدقان في حق الشفيع. وبين ذلك في «المنتقى» : فقال: لو قال المشترى للبائع: بعتها بألف درهم ورطل من خمر فقال البائع: صدقت، لم أصدقهما على الشفيع، ولو قال: بعت فيها بخمر وصدقه البائع، فلا شفعة للشفيع، هذا هو لفظ «المنتقى» . وجعل القدوري في كتابه المذكور في «المنتقى» قول أبي يوسف في إحدى الروايتين عنه، قال القدوري: لأن أبا يوسف على هذه الرواية يعتبر هذا الاختلاف بالاختلاف من المتعاقدين، ولو اختلف المتعاقدان فيما بينهما فقال المشتري: بعت منها بألف درهم ورطل من خمر، وقال البائع: لا بل بعتها بألف درهم، فالقول قول البائع. ولو قال المشتري: بعت منها بخمر وخنزير، وقال البائع: بعتها بألف درهم، فالقول قول البائع؛ لأن البيع بخمر لا جواز له بحال، وإنما يجعل القول قول من يدعي الجواز في عقد له جواز بحال، بخلاف البيع بأجل فاسد، أو بألف ورطل من الخمر، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: إذا اتفقا على الفساد وكذبهما الشفيع فلا شفعة للشفيع على كل حال، كما لو اتفقا على البيع بشرط الخيار للبائع، وكذبهما الشفيع فيه. في «فتاوى الفضلي» : رجل اشترى من رجل ضيعة عشرها بثمن كثير وتسعة أعشارها بثمن قليل، فللشفيع الشفعة في البيع الأول، ولا شفعة له في البيع الثاني، وهو من جملة الحيل، وسيأتي ذلك في فصل الحيل لأبطال الشفعة إن شاء الله تعالى. فإن أراد الشفيع أن يحلف المشتري بالله ما أراد به إبطال شفعة لا يحلف؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به لا يلزمه، ولو ادعى الشفيع أن البيع الأول كان تلجئة، وأراد أن يحلف المشتري بالله، أن البيع الأول ما كان تلجئة، فله ذلك؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه، وهو تأويل ما ذكر في كتاب الشفعة إذا أراد الاستحلاف، إنه لم يرد به إبطال الشفعة، إن له ذلك إذا ادعى أن البيع كان بيع تلجئة. وقد ذكرنا في الفصل المتقدم: أن المشتري إذا كان واقفاً مع ابنه فسلم الشفيع على المشتري لا تبطل شفعته، فلو سلم الشفيع على المشتري لا تبطل شفعته، فلو سلم على أحدهما بأن قال: السلام عليك ولا يدري على من سلم، سئل الشفيع إنه سلم على الأب أو على الابن، فإن قال: على الأب، لا تبطل شفعته، وإن اختلفا فقال المشتري: سلمت على ابني وقد بطلت شفعتك، وقال الشفيع: سلمت عليك، فالقول قول الشفيع؛ لأن حاصل اختلافهما في بطلان حق الشفيع، فالمشتري يدعي عليه بطلان حقه وهو ينكر.

стр. 3091

في «المنتقى» : اشترى داراً لابنه (١٧٤أ٣) الصغير وقبضها، ثم اختلف المشتري والشفيع في الثمن، قال: لا يحلف المشتري. وفي الدعوى من «الفتاوى» : جاء الشفيع يخاصم المشتري فأنكر الشراء، وأقر أن الدار لابنه الصغير ولا بينة للشفيع على شرائه، قال: لا يمين على المشتري؛ لأنه قد لزمه الإقرار لابنه، فلا يجوز الإقرار لغيره. في «الأجناس» : إذا قال المشتري: اشتريت هذه الدار لابني الصغير، وأنكر شفعة الشفيع فلا يمين على المشتري إن كان الشفيع أقر أن له ابن صغير. وفي «الواقعات» : إذا قال الشفيع: إنما قال المشتري ذلك ليدفع اليمين عن نفسه فحلفه أنها القاضي أنه ما اشتراها لنفسه فلا يمين عليه، وأنكر الشفيع أن له ابن، يحلف المشتري بالله ما يعلم أنه له ابن صغير، وإن كان الابن كبيراً وقد سلم الدار إليه، دفع عن نفسه الخصومة، وقبل تسليم الدار هو خصم للشفيع، ذكرها في «الأجناس» . وفي «الأصل» : إذا اشترى داراً وقبضها وهدم بناؤها أو أحرقه أو فعل ذلك رجل أجنبي حتى سقط عن الشفيع حصة البناء من الثمن، يقيم الثمن على قيمة الأرض أو على قيمة البناء مبنياً يوم اشتراها، فما أصاب الأرض أخذها بذلك، فإن اختلفا في قيمة البناء، فقال: المشتري كان قيمة البناء ألف درهم، وقيمة العرض ألف درهم فسقط نصف الثمن، وقال الشفيع: كان قيمة البناء ألفي درهم، فسقط ثلثا الثمن، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه حاصل اختلافهما في ثمن العرصة فالمشتري يقول: اشتريت العرصة بنصف الثمن، والشفيع يقول: اشتريت بثلثي الثمن، فيكون القول قول المشتري مع يمينه. كما لو اختلفا في مقدار الثمن لا في قيمة البناء كان القول قول المشتري مع يمينه على ما مر كذا هاهنا، وأيهما تفرد بإقامة البينة قبلت بينته، وإن أقام البينة فالبينة بينة المشتري في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله. فأبو يوسف مر على أصله، ومحمد فرق فقال: إذا اختلفا في قدر قيمة البناء، وإقامة البينة، فالبينة بينة المشتري، وقال: إذا اختلفا في مقدار الثمن، وأقاما البينة، فالبينة بينة المشتري، وقال: إذا اختلفا في مقدار الثمن وأقاما البينة فالبينة بينته الشفيع، واضطربا في قول أبي حنيفة ﵀. قال أبو يوسف قياس قول أبي حنيفة: إن البينة بينة الشفيع كما لو اختلفا في مقدار الثمن وأقاما البينة، وقال محمد ﵀: قياس قوله: أن البينة بينة المشتري، بخلاف ما لو اختلفا في مقدار الثمن، وأقاما البينة في الأصل. إذا اشترى الرجل داراً من امرأة فلم يجد من يعرفها لا من له الشفعة، فإن شهادتهم لا تجوز عليها إذا أنكرت الشراء، وكذلك إذا كان البائع رجلاً وجحد البيع بعد ذلك وشهد الشفيعان عليه بالبيع، لا تقبل شهادتهما. وهذا إذا كانا يطلبا الشفعة؛ لأنه إذا كان كذلك كانا جارين إلى نفسهما مغنماً بهذه

стр. 3092

الشهادة، وهو حق الشفعة؛ ولأنهما إذا طلبا الشفعة فقد صارا خصماً؛ لأنهما أظهرا الخصومة بطلبهما الشفعة، وشهادة الخصم لا يقبل، فأما إذا سلما الشفعة ثم شهدا بالبيع قبلت شهادتهما هكذا ذكر في «الكتاب» ، ولم يفصل قال مشايخنا ﵏: ويجب أن يكون الجواب فيه التفصيل. إن سلما الشفعة قبل أن يطلبا، ثم شهدا تقبل شهادتهما؛ لأنهما جران إلى نفسهما مغنماً بهذه الشهادة، ولم يصيرا خصماً في هذا الحادث، وإن سلما الشفعة بعد ما طلبها لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما صارا خصماً فيما شهدا؛ لأنهما أظهرا الخصومة حين طلب الشفعة، ومن صار خصماً في حادثة لا تقبل شهادته في تلك الحادثة، وإن لم يبق خصماً فيها كالوصي إذا شهد لليتيم بعد ما عزل، فإنه لا يقبل شهادته، وإن لم يكن خصماً فيما شهد وقت الشهادة؛ لأنه كان خصماً فيه قبل ذلك، فإن قيل قبل الطلب: إن لم يصيرا خصمين حقيقية لعدم الخصومة فهما حقيقة، فقد صار الخصمين حكماً فوجوب حق الشفعة لهما بنفس البيع؛ وهذا لأن الإنسان كما يصير خصماً بوجود الخصومة منه حقيقة يصير خصماً بوجوب الحق له، من غير أن يوجد منه الخصومة كما في الوصي. فإنه إذا شهد للصغير بمال قبل أن يخاصم في ذلك، فإنه لا يقبل شهادته، وإنما لم يقبل لصيرورته خصماً. والجواب هذا هكذا إذا كان الحق الذي وجب حقاً لازماً، كما في الوصي، فإن الحق ثابت له فيما شهد بنفس الوصاية، بحيث لا يمكنه دفعه، فأما حق الشفيع ليس بلازم، فإنه مخير بين الأخذ والترك فلا يكفي هذا الحق لصيرورته خصماً، بل يشترط إظهار الخصومة، هذا إذا كان البائع يدعي الشراء والمشتري ينكر. وإن كان المشتري يدعي الشراء، والبائع ينكر، فشهد الشفيعان بالبيع على المشتري لا تقبل شهادتهما أيضاً، إذا كانا يطلبان الشفعة. وفي المسألة نوع أشكال؛ لأن حق الشفعة هاهنا ليس تثبت بشهادتهما، إنما يثبت بإقرار البائع، والجواب: أنهما إن كانا لا يثبتان حق الشفعة؛ لأنفسهما، يثبتان؛ لأنفسهما حق الأخذ من المشتري وإلزام المشتري العهدة متى أخذا منه، غير أن في هذه الصورة لهما أن يأخذا الدار بالشفعة بإقرار البائع بالبيع بخلاف الفصل الأول. وإن شهد أبناء البائع على الشفيع بتسليم الشفعة فهذا على وجهين: الأول: أن تكون الدار في يد البائع، وفي هذا الوجه وإن كان البائع يدعي تسليم الشفعة لا يقبل شهادتهما، وإن كان يجحد، تقبل شهادتهما؛ لأن هذه الشهادة على أمر للأب فيه منفعة من وجه، بأن كان المشتري أملاء من الشفيع، ومضر من وجه بأن كان الشفيع أملاء من المشتري وترجح جانب النفع بالدعوى، وجانب الضرر بالجحود. والوجه الثاني: أن تكون الدار في يد المشتري، وفي هذا الوجه يقبل شهادتهما؛ لأنهما بهذه الشهادة لا يُجران إلى أنهما مغنماً ولا يدفعان عنه مغرماً؛ لأنه خرج من البين، بتسليم الدار إلى المشتري فيقبل شهادتهما.

стр. 3093

ثم فرق بين شهادة ابني البائع، وبين شهادة البائعين فقال: إذا شهد البائعان على الشفيع بتسليم الشفعة لا يقبل شهادتهما، وإن كانت الدار في يد المشتري. وقال: إذا شهد ابنا البائع بذلك والدار في يد المشتري يقبل شهادتهما. والفرق: أن شهادة البائعين إنما لم تقبل؛ لأنهما كانا خصمين في هذه الدار قبل التسليم إلى المشتري، ومن كان خصماً في شيء لا يقبل شهادته فيه، وإن لم يبق خصماً، أما أبناء ما كانا خصمين في هذه الدار حتى لا تقبل (١٧٤ب٣) شهادتهما من هذا الوجه، لو لم يقبل، إنما يقبل إذا جرى إلى أيهما مغنماً أو دفعا عنها مغرماً، ولم يوجد هذا إذا شهد ابنا البائع على الشفيع بتسليم الشفعة، فأما إذا شهدا على المشتري بتسليم الدار إلى الشفيع، فإنه لا يقبل شهادتهما، سواء كانت الدار في يد الأب أو في يد المشتري؛ لأنهما يبعدان العهدة عن الأب هذه الشهادة، فإنه إذا ورد الاستحقاق على المشتري فالمشتري يرجع على البائع، وإذا ورد الاستحقاق على الشفيع فالشفيع يرجع على المشتري، يرجع على البائع وبتعيد العهدة منفعة، فكانت هذه الشهادة للأب، وسواء ادعى الأب ذلك أو لم يدع لا يقبل شهادتهما؛ لأن بتعيد العهدة منفعة محضة، وما كان منفعة محضة لا يشترط فيهما الدعوى. وإذا وكل الرجل رجلاً بشراء دار أو بيعها، فاشترى أو باع وشهد ابنا الموكل على الشفيع بتسليم الشفعة، فإن كان التوكيل بالشراء لا تقبل شهادتهما، سواء كانت الدار في يد البائع، أو في يد الوكيل، أو في يد الموكل؛ لأنهما يشهدان لأبيهما بتقرر الملك، فإن حق الشفيع إذا سقط بتقرير الملك لأبيهما، وإن كان التوكيل بالبيع، فإن كانت الدار في يد الموكل أو في يد الوكيل لا يقبل شهادتهما؛ لأن فيه تقرير العهدة لأبيهما على المشتري؛ لأن حق الشفيع متى سقط تقررت العهدة على المشتري. ومتى لم يسقط وأخذ الشفيع الدار من يد الموكل أو من يد الوكيل ينفسخ الشراء وتسقط العهدة عن المشتري، وربما يكون المشتري أصيلاً، فكان في هذه الشهادة منفعة للأب، وإن كانت الدار في يد المشتري يقبل شهادتهما؛ لأنه منفعة لأبيهما في هذه الشهادة؛ لأن العهدة متقررة على المشتري سقط حق الشفيع أو لم يسقط. وإذا شهد شاهدان للبائع والمشتري أنه قد سلم شفعته وشهد آخران للشفيع أن البائع والمشتري سلما إليه قضيت بها للذي في يديه، أشار إلى أن بينة الذي في يديه الدار وهو البائع أو المشتري أولى. وجعل هذه المسألة نظير مسألة الخارج معنى ذي اليد إذا أقاما البينة على النتاج؛ وهذا لأن الشهود شهدوا بالأمرين ولم يشهدوا بالترتيب، ويتصور وقوعهما من غير ترتيب، فيجعل كأنهما وقعا معاً، ولو وقعا معاً كان تسليم الشفعة سابقاً على تسليم الدار بالشفعة؛ لأن تسليم الشفعة وتسليم الدار تمليك والإسقاط أسرع نفاذاً من التمليك، فكان سابقاً معنى. ألا ترى أنه لو شهد شاهدان على رجل أنه أعتق عبده وشهد آخران عليه أنه باعه

стр. 3094

كانت بينة العتق أولى؛ لأنه سابق معنى، كذا هاهنا أقر المشتري أنه اشترى هذه الدار بألف درهم وأخذها الشفيع بذلك ثم ادعى البائع أن الثمن ألفان، وأقام على ذلك بينة قبلت بينته وكان للمشتري أن يرجع على الشفيع بألف أخرى، وإن أقر أن الثمن ألف؛ لأنه صار مكذباً في إقراره لما وجب القضاء ببينة البائع. وكذلك إذا ادعى البائع أنه باعها من هذا المشتري بعرض بعينه وأقام على ذلك بينة، فالقاضي يسمع بينته ويقضي له بذلك على المشتري ويسلم الدار للشفيع بقيمة ذلك العرض، فإن كان ما أخذ المشتري من الشفيع وذلك ألف أقل من قيمة العرض، وإن كان أكثر من قيمة العرض رجع الشفيع عليه بما زاد على قيمة العرض إلى تمام الألف. وإن كان للدار شفيعان شهد شاهدان أن أحدهما قد سلم الدار ولا يدري من هو، فالقاضي لا يقبل شهادتهما وللشفيعين أن يأخذها بالشفعة؛ لأنه لم يثبت تسليم أحدهما بهذه الشهادة. فإذا كفل رجلان المشتري الدار بالدرك، ثم شهد الكفيلان على المشتري أنه قد سلم الدار للشفيع لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما يبعدان العهدة عن أنفسهما. وإذا اشترى الرجل داراً بعرض حتى كان للشفيع أن يأخذ بقيمة العرض على ما يأتي بيانه في موضعه. واختلفا في قيمة العرض يوم العقد، فإن كان العرض قائماً للحال ينظر إلى قيمته في الحال، ويجعل الحال حكماً على ما قبله؛ وهذا لأن قيمة ما سوى الحيوانات من العروض لا يتغير ساعة فساعة، فيمكن أن يجعل الحال حكماً على ما قبله، وإن كان العرض مستهلكاً، فالقول قول المشترى؛ لأن اختلافهما في مقدار قيمة العرض اختلاف في مقدار الثمن في الحاصل، وإن أقام أحدهما بينته قبلت بينته، وإن أقاما البينة فهذا وما لو اختلفا في قيمة البناء المحترق سواء. وإذا تزوج امرأة على دار على أن ردت على الزوج ألف درهم، فعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا شفعة للشفيع في شيء من الدار. وعلى قولهما: له الشفعة فيما ملك بيعاً ولا شفعة فيما ملك مهراً، وقد مر هذا في صدر الكتاب ثم عندهما إذا وجبت الشفعة فيما ملك بالبيع يقسم الدار على مهر مثلها وعلى ألف درهم، فإن كان مهر مثلها ألف انقسمت الدار عليهما نصفان، فيكون نصف الدار مهراً بإزاء البضع والنصف مبيعاً بإزاء الألف. فإن اختلفا في مهر مثلها وقت البيع، فقال الزوج: كان مهر مثلها ألف وللشفيع نصف الدار، وقال الشفيع: كان مهر مثلها خمسمائة لي ثلثا الدار، فالقول قول الزوج مع يمينه؛ إما؛ لأن الشفيع يدعي لنفسه استحقاق زيادة سدس والزوج ينكر أو؛ لأن حاصل اختلافهما في مقدار الثمن. والشفيع مع المشتري إذا اختلفا في مقدار الثمن، فالقول قول المشتري، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المشتري عندهما كما لو اختلفا في مقدار قيمة البناء الهالك. وإذا ادعى رجل على رجل حقاً في أرض أو دار، فصالحه على دار فللشفيع فيها

стр. 3095

الشفعة بقيمة ذلك الحق الذي ادعى؛ لأن المأخوذ منه وهو المدعي يزعم أنه ملك الدار بدلاً عما هو مال، فيكون مقراً للشفيع بالشفعة، فيؤاخذ بإقراره في حقه. فإن اختلفا في قيمة ذلك الحق فالقول قول المدعي وهو المأخوذ منه الدار؛ لأن الحاصل اختلافهما في مقدار الثمن، وإن أقاما البينة على قيمته. ذكر ههنا أن البينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة إذا اشترى الرجل داراً بألف درهم وقبضها ونقد الثمن، ثم جاء الشفيع، فقال المشتري: قد أحدثت فيها هذا البناء، وكذبه الشفيع وقال: كان هذا البناء فيه، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه ينكر ثبوت حق الشفعة في البناء، وإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع؛ لأنه أشبه بالمدعين؛ لأنه يخير بين أن يدعي وبين أن يترك، فهذا هو أحد المدعي، والبينات في الأصل شرعت حجة للمدعين فمن كان أشبه بالمدعين كانت بينته أولى (١٧٥أ٣) بالقبول. وإذا اشترى أرضاً فجاء الشفيع يأخذها بالشفعة وفيها أشجار ونخيل، فقال المشتري: أحدثت الأشجار والنخيل فيها، وقال الشفيع: اشتريتها مع هذه الأشجار والنخيل، فإن كان من وقت الأخذ بالشفعة مدة لا يمكن إحداث مثل هذه الأشجار، فالقول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه لم يثبت كذب ما قاله المشتري في هذه الصورة، بخلاف الصورة الأولى إذا قال المشتري للشفيع: اشتريت الدار أو قال: الأرض بخمسمائة، ثم اشتريت البناء بخمسمائة فلا شفعة للشفيع في البناء، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما معاً، فالقول قول الشفيع مع يمينه على علمه استحساناً يحلف بالله ما يعلم أنه اشتراهما بعقدين؛ لأن المشتري أقر بالسبب المثبت لحق الشفيع في الأرض والبناء، وهو الشراء وبدعوى تفرق الصفقة ادعى سقوط حق الشفيع في البناء. ولو قال المشتري: باعني الأرض بغير بناء، ثم وهب لي البناء أو قال: وهب لي البناء ثم باعني الأرض، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما، فالقول قول المشتري في هذه ما أقر بالسبب المثبت لحق الشفيع في البناء، بل أنكر حقه ولا كذلك الصورة الأولى، وكذلك إذا قال المشتري: وهب لي هذا البيت بطريقه إلى باب الدار وباعني الباقي من الدار بألف درهم، وقال الشفيع: لا بل اشتريت كلها، فالقول قول المشتري في البيت لإ نكاره سبب ثبوت حق الشفعة في البيت، ويأخذ الشفيع الدار كلها غير البيت. وطريقه: إن شاء؛ لأن المشتري أقر بسبب ثبوت حق الشفيع فيما سوى البيت وطريقه وادعى لنفسه حق التقدم عليه بالشركة في الحقوق، فلا يثبت ما ادعى من غير حجة. وإن أقر بهبة البيت للمشتري وادعى المشتري أن الهبة كانت قبل الشراء فلا شفعة للجار؛ ولأنه شريك في الحقوق وقت الشراء الثاني، والجار يقول: لا بل كان الشراء قبل الهبة ولي الشفعة فيما اشتريت، فالقول قول الشفيع؛ لأن العقدين قد ظهرا وقد جهل التاريخ، فيجعل كأنهما وقعا معاً. ولو وقعا معاً كانت الشفعة للجار؛ لأن شريك المشتري في الحقوق بعد الشراء؛

стр. 3096

لأن الهبة لا تفيد الملك قبل القبض والشراء يفيد الملك بنفسه، فكان شركة المشتري في الحقوق بسبب الهبة حادثة بعد الشراء لا تبطل شفعة الجار، وإن قامت البينه على الهبة قبل الشراء، فإن صاحبها أولى بالشفعة من الجار. ولو ادعى المشتري أنه اشترى الأرض والبناء بصفقة واحدة، وقال الشفيع: لا بل اشتريتهما بصفقتين ولي أن آخذ الأرض دون البناء، فالقول قول المشتري مع يمينه ولم يذكر الاستحسان، والقياس في هذه المسألة، وفيما إذا ادعى المشتري تفرق الصفقة، فهي المسألة التي تقدم ذكرها ذكر القياس والاستحسان. وذكر أن القول قول الشفيع مع يمينه استحساناً ويجب أن تكون هذه المسألة على القياس والاستحسان ويكون ما ذكر أن القول قول المشتري. جواب الاستحسان: رجل أقام بينة أنه اشترى هذه الدار من فلان بألف درهم، وأقام رجل آخر بينة أنه اشترى هذا البيت من هذه الدار من فلان منذ شهر بكذا، فإنه يقضي بالبيت لصاحب الشهر وببقية الدار للآخر؛ لأن الشراء حادث، والأصل في الحوادث أن يحال بحدوثها على أقرب الأوقات ما لم يؤرخ الشهود، وشهود مشتري البيت أرخوا شراءه أما شهود مشتري الباقي ما أرخوا ... اشتراه، فثبت شراء البيت منذ شهر وثبت شراء الباقي للحال، ثم مشتري البيت منذ شهر أولى بشفعة باقي الدار؛ لأن شراء البيت لما ثبت قبل شراء الباقي من الدار كان مشتري البيت شريكاً في الحقوق منذ شراء الباقي من الدار، والشريك في الحقوق مقدم على الجار، ولو لم يؤقت واحد منهما قضيت بالبيت بينهما، وقضيت بباقي الدار للآخر، ولا شفعة لواحد منهما فيما صار لصاحبه؛ لأنه ظهر كلا الأمرين ولم يعرف التاريخ، فيجعل كأنهما وقعا معاً. وإذا كانا داران متلازقان ادعى أحدهما منذ شهرين وادعى الآخر شراء الآخر منذ شهر، فالشفعة لصاحب الشهرين، ولو لم يؤقت شهود واحد منهما فلا شفعة لواحد منهما. الفصل الثالث عشر: في التوكيل بالشفعة وتسليم الوكيل الشفعة وما يتصل به ويجوز التوكيل بطلب الشفعة؛ لأنه توكيل بالخصومة والشراء، والتوكيل بكلا الأمرين جائز، وإذا أقر المشتري بشراء الدار في يديه وجبت فيها الشفعة وخصمه الوكيل؛ لأنه أقر بثبوت حق الشفعة فيما في يده. ولو أقر بالملك فيما في يده أليس يصح إقراره؟ فكذا إذا أقر بحق الشفعة، ولا يقبل من المشتري بينة أنه اشتراها من صاحبها إذا كان صاحبها غائباً؛ لأن البينه على الغائب

стр. 3097

لا تقبل من غير خصم حاضر، ولا خصم عن الغائب ههنا، حتى لو حضر صاحبها بعد إقامة المشتري البينه على الشراء وصدقه فيما أقوله من الملك وكذبه فيما ادعى من المشتري يسترد الدار من يد الشفيع ويسلم إلى البائع؛ لأنهم اتفقوا على أن أصل الملك كان له، ولم يثبت النقل من المشتري، ولكن يحلف صاحبها بالله ما بعتها من هذا المشتري، فإذا حلف حينئذ يرد الدار عليه، فإن قامت بينة لمحضر صاحبها أنه باعه من المشتري ثبت الشراء وسلم الدار للشفيع، ويقبل هذه البينة من المشتري ومن الشفيع؛ لأن المشتري يثبت عقده والشفيع يثبت حقه في الشفعة، وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري والدار في يد البائع قضى بالشفعة لما ذكرنا في جانب المشتري وخصمه الوكيل. وإن أقر المشتري والبائع بالبيع، ولكن قالا: لا شفعة لفلان فيها، فإن القاضي يسأل الوكيل البينة على الحق الذي وجبت به لموكله الشفعة من شركة أو جوار، فإن أقامها قضي له بالشفعة، وما لا فلا. وهذا لأن الوكيل قائم مقام الموكل، والحكم في حق الموكل إذا أنكر المشتري والبائع شفعته هذا فكذا في حق الوكيل، وإذا أراد الوكيل إثبات الشفعة لموكله بالجوار ينبغي أن يقيم بينة أن الدار التي إلى جنب الدار المبيعة ملك موكله فلان. هكذا ذكر محمد ﵀، وقد ذكرنا في فصل إنكار المشتري جواز الشفيع كيفية الشهادة (١٧٥ب٣) في حق الأصيل، فيجب أن يكون في حق الوكيل كذلك، ولو أقام بينة أن الدار التي جنب الدار المبيعة ملك موكله فلان لا يكتفي به كما في حق الموكل، ولو أقام البينة بنفسه، وإذا أراد إثبات الشفعة بالشركة فأقام بينة أن لموكله فلان نصيباً من هذه الدار المبيعة ولم يثبتوا مقداره لا يثبت ذلك، ولا يقضى له بالشفعة؛ لأنه لا يمكن القضاء بالشفعة إلا بالقضاء بالشركة وتعذر القضاء بالشركة لمكان الجهالة. وهذا بخلاف ما لو أقام المدعي بينة على المحبوس في السجن أنه موسر فإنه يقبل بينته، وإن لم يبينوا مقدار ملكه حتى يجلده القاضي في السجن بينة المدعي وتجليده في السجن لا يستحق إلا باليسار ويساره لا بثبت إلا بملكه. والفرق: أن في مسألة المديون القضاء بالملك له مع إنكاره غير ممكن، ألا ترى مع بيان مقدار ملكه لا يمكن للقاضي أن يقضي له بالملك بجحوده، وما تعذر القضاء بالملك هناك لم يشترط للقضاء باليسار إمكان القضاء بالملك، وفي مسألة الشفعة أمكن للقاضي القضاء بالملك للشفيع؛ لأنه مدع، فلا يسقط اعتبار اشتراط القضاء بالملك للقضاء بالشفعة لمكان الجهالة. وإذا وكل الرجل رجلاً بأخذ دار له بالشفعة ولم يعلمه الثمن صح التوكيل، وإذا أخذها الوكيل بما اشتراها المشتري لزم الموكل، وإن كان ذلك ثمناً كثيراً بحيث لا يتغابن الناس فيه سواء أخذها بقضاء أو بغير قضاء، بخلاف الوكيل بالشراء إذا اشترى بثمن كثير لا يتغابن الناس في مثله حيث لا يلزم الموكل. والفرق: أن في فصل الشفعة الثمن منصوص عليه، وهو الثمن الذي اشتراه

стр. 3098

المشتري؛ لأن الأخذ بالشفعة لأخذ بمثل ذلك الثمن وقد اشتراه به، فأما في فصل الشراء الثمن غير منصوص عليه، فيعرف المقدار بالعرف. وإذا وكل رجل هو ليس بشفيع الدار أن يأخذ الدار له بالشفعة، فأظهر الشفيع ذلك فقد بطلت شفعته؛ لأنه قصد التملك من جهة المشتري بغيره، فيعتبر بما لو قصد التملك من جهة لنفسه بأن ساومه، وذلك مبطل شفعته، فإن أسر الشفيع ذلك حتى أخذها ثم علم المشتري بذلك إن سلمها بغير قضاء قاض جاز ذلك، ولم يكن للمشتري أن يأخذها وصار الشفيع مشترياً للآمر؛ لأنه سلم الدار بالشفعة في موضع لا شفعة للشفيع مستأنفاً إذا حصل برضا المشتري. وإن أخذها بقضاء قاض، فإنها ترد على المشتري؛ لأنه لما لم يكن له أخذ الدار بالشفعة تبين أن القاضي قضى للوكيل بالدار بغير سبب، ولا يمكن أن يجعل شراء مستقبلاً لانعدام الرضا من المشتري، ولا يصح توكيل الشفيع المشتري بأخذ الشفعة سواء كانت الدار في يده أو في يد البائع إن كانت الدار في يده؛ فلأن الأخذ بالشفعة شراء، والإنسان لا يصلح وكيلاً بالشراء من نفسه، وإن كانت الدار في يد البائع؛ فلأنه ساع في نقص ما تم به؛ لأن بالأخذ بالشفعة ينفسخ الشراء الذي جرى بين البائع وبين المشتري، وكذا لا يصح توكيل البائع بذلك. وإن كانت الدار في يد البائع قياساً، وفي الاستحسان: لا يصح؛ لأنه ساع في نقض ما تم به من وجه؛ لأن الأخذ بالشفعة من المشتري إن كان تمليكاً مبتدأ من جهة، المشتري من وجه فهو بمنزلة الاستحقاق من وجه من حيث إنه يأخذ من غير رضا المشتري بحق سابق له على حق المشتري، فمن هذا الوجه يصير البائع ساعياً في نقض ما تم به. وإذا وكل رجلاً بطلب الشفعة بكذا كذا درهماً واحدة، فإن كان المشتري اشترى بذلك المقدار أو بأقل فهو وكيل، وإن كان اشترى بأكثر من ذلك، فهو ليس بوكيل؛ لأن الأخذ بالشفعة شراءٌ والوكيل بالشراء بثمن معين بملك الشراء به وبأقل منه، ولا يملك الشراء بأكثر منه، وكذلك إذا قال: وكلتك إن كان فلان اشتراها فإذا قد اشتراها غيره لا يكون وكيلاً. وإذا وكل وكيلين بأخذ الشفعة، فلأحدهما أن يخاصم بدون الآخر، ولا يأخذ الشفعة بدون الآخر، وإذا وكل وكيلاً بأخذ الشفعة، فليس للوكيل أن يوكل غيره إلا أن يكون الأصل أجاز ما صنع، فإن أجاز ما صنع وكل الوكيل وكيلاً، وأجاز ما صنع لم يكن لهذا الوكيل الثاني أن يوكل غيره. الوكيل بالشفعة إذا سلم الشفعة ذكر في شفعة «الأصل» : أنه إذا سلم في مجلس القاضي صح، وإن سلم في غير مجلس القاضي لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وهو قول أبي يوسف الأول، ثم رجع أبو يوسف عن هذا، وقال: يصح تسليمه في مجلس القاضي.h

стр. 3099

فعلى رواية كتاب الشفعة جوز تسليمه في مجلس القاضي، ولم يحك فيه خلافاً، وذكر في كتاب «الوكالة» و «المأذون» : ما ذكر في الشفعة قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، وإقراره على موكله بالتسليم في مجلس القاضي صحيح بلا خلاف بين علمائنا الثلاثة وإقراره في غير مجلس القاضي عند أبي حنيفة ومحمد وأبي يوسف الأول. في قوله الآخر صحيح، فمحمد ﵀، فرّق بين تسليمه في مجلس القاضي وبين إقراره بالتسليم على موكله في مجلس القاضي. والفرق: أن إقراره إنما صح أنه جواب الخصومة، والتسليم ليس جواب الخصومة بل هو إبطال حق على الموكل والوكيل مأمور باستيفاء الحق لا بإبطاله. ألا ترى أن الوكيل بالخصومة في الدِّين يملك الإقرار على موكله بالقبض، ولا يملك الإبراء. الوكيل بالشفعة إذا طلب الشفعة وادعى المشتري التسليم، فهذا على وجهين: الأول: أن يدعي التسليم على الموكل ويطلب يمين الوكيل بالله ما يعلم أن الموكل قد سلم الشفعة، أو يطلب الموكل بالله ما سلمني الشفعة، فإن طلب يمين الوكيل، فالقاضي لا يحلفه؛ لأن أصل الدعوى وقعت على الموكل، فإنه ادعى تسليم الموكل واستحلاف غير من توجه عليه الدعوى بمنزلة البدل عن استحلاف من يوجه عليه الدعوى والإنصاف إلى البدل على إمكان المصير إلى الأصل، وما دام الموكل حياً واستخلافه ممكن بخلاف ما لو ادعى ديناً على ميت وأنكر الوارث ذلك وطلب المدعي من القاضي أن يحلف الوارث، فالقاضي يحلفه على علمه؛ لأن هناك وقع العجز عن المصير إلى الأصل، وإن طلب يمين الموكل، فالقاضي يقول له: سلم الدار إلى الوكيل ليأخذها الموكل بالشفعة وانطلق واطلب يمين الموكل. وهو نظير ما لو وكل (١٧٦أ٣) رجلاً بقبض الدين فقال المديون: أريد يمين الموكل بالله ما أبرأني، فالقاضي يقضي عليه بالمال، ويأمره بالأداء إلى الوكيل ويقول له انطلق واطلب يمين الموكل، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء إذا وجد بالمشترى عيباً وأراد رده على البائع، وطلب البائع يمين الموكل بالله ما رضي بالعيب كان له ذلك، ولا يرد حتى يحضر الموكل ويحلف الوجه الثاني أن يدعي التسليم على الوكيل ويطلب يمينه فالقاضي لا يحلفه عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف ﵏. وإذا شهد شاهدان على الوكيل أنه سلم الشفعة عند غير القاضي، فشهادتهما باطلة عند أبي حنيفة ومحمد خلافاً لأبي يوسف، وكذلك إذا شهد شاهدان عليه أنه قد سلم عند القاضي، ثم عزل قبل أن يقضي عليه لم يجز على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله. ولو أقر الوكيل عند القاضي أنه قد سلم الشفعة عند غير قاض، أو عند قاض آخر فإقراره صحيح، ويكون هذا بمنزلة إنشاء التسليم عند هذا القاضي.

стр. 3100

وهو نظير ما لو شهد شاهدان على رجوع الشهود وعن شهادتهم في غير مجلس القاضي فالقاضي لا يقبل شهادتهم، ولو أقر الشهود عند القاضي أنهم قد رجعوا عن شهادتهم في غير مجلس القاضي صح إقرارهم وجعل ذلك منهم منزلة إنشاء الرجوع عند هذا القاضي. في «فتاوي (أهل) سمرقند» : ... وإذا وكل رجلاً ببيع داره، فباعها بألف درهم ثم حط عن المشتري مائة درهم وضمن ذلك الأمر، فليس للشفيع أن يأخذها بالشفعة إلا بالألف؛ لأن حط الوكيل لا يلتحق بأصل العقد. في «فتاوي الفضلي» : الوكيل بشراء الدار إذا اشترى وقبض فجاء الشفيع وأراد أن يطلب الشفعة من الوكيل، فهذا على وجهين: الأول: أن تكون الدار في يد الوكيل، وفي هذا الوجه الطلب منه صحيح. الوجه الثاني: أن يكون الوكيل قد سلم الدار إلى الموكل وفي هذا الوجه لا يصح الطلب من الوكيل، هكذا قال، قول الفقيه أبو إبراهيم، هكذا ذكر في «الأجناس» عن محمد قال الصدر الشهيد ﵀: هو المختار. وقال القاضي الإمام علي السغدي: الصحيح أنه يصح الطلب منه على كل حال؛ لأنه هو العاقد، قال الصدر الشهيد: والجواب في الوكيل مع الموكل كالجواب في البائع مع المشتري إن كانت الدار في يد البائع فالطلب منه صحيح، وإن كانت في يد المشتري لا يصح الطلب من البائع هو المختار غير أن فرق ما بين الوكيل والبائع أن البائع إذا لم يسلم الدار لا يكون خصماً حتى يحضر المشتري، والوكيل إذا قبض فهو خصم، وإن لم يحضر الموكل، هذا هو الكلام في الطلب. وأما الكلام في تسليم الشفعة وتسليم الشفيع عند الوكيل وقد ذكرناه في فصل تسليم الشفعة في «القدوري» . قال أصحابنا: إذا قال المشتري قبل أن يخاصم في الشفعة: اشتريت هذه الدار لفلان وسلمها إليه، ثم حضر الشفيع فلا خصومة بين الشفيع وبين المشتري؛ لأن إقراره قبل الخصومة صحيح، فصار كما لو كانت الوكالة معلومة، فإذا خوصم ثم أقر بذلك لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه صار خصماً وهو يريد إسقاط الخصومة عن نفسه ولو أقام بينة أنه قبل شرائه اشترى لفلان لم تقبل بينته؛ لأنه لا يدفع بهذه الخصومة عن نفسه. قال: وروي عن محمد ﵀: أن المشتري إذا قال: أنا أقيم البينة أني أقررت بهذا القول قبل الشراء لم تقبل بينته لإثبات الملك للغائب، ولا خصومة بينه وبين الشفيع حتى يحضر المقر له. وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف: رجل اشترى داراً وأشهد قبل شرائهما معنى قوله أشهد قال بلسانه: أنه اشترى لفلان بماله وأمره وطلب الشفيع الشفعة، فالمشتري خصم في ذلك، ولو كان له شاهدان يشهدان أن فلاناً أمره بشرائهما لم يكن هو خصماً للشفيع والله أعلم. وأما الكلام في تسليم الشفعة وتسليم الشفيع عند الوكيل وقد ذكرناه في فصل تسليم الشفعة في «القدوري» . قال أصحابنا: إذا قال المشتري قبل أن يخاصم في الشفعة: اشتريت هذه الدار لفلان وسلمها إليه، ثم حضر الشفيع فلا خصومة بين الشفيع وبين المشتري؛ لأن إقراره قبل الخصومة صحيح، فصار كما لو كانت الوكالة معلومة، فإذا خوصم ثم أقر بذلك لم تسقط الخصومة عنه؛ لأنه صار خصماً وهو يريد إسقاط الخصومة عن نفسه ولو أقام بينة أنه قبل شرائه اشترى لفلان لم تقبل بينته؛ لأنه لا يدفع بهذه الخصومة عن نفسه. قال: وروي عن محمد ﵀: أن المشتري إذا قال: أنا أقيم البينة أني أقررت بهذا القول قبل الشراء لم تقبل بينته لإثبات الملك للغائب، ولا خصومة بينه وبين الشفيع حتى يحضر المقر له. وفي «المنتقى» : بشر عن أبي يوسف: رجل اشترى داراً وأشهد قبل شرائهما معنى قوله أشهد قال بلسانه: أنه اشترى لفلان بماله وأمره وطلب الشفيع الشفعة، فالمشتري

стр. 3101

خصم في ذلك، ولو كان له شاهدان يشهدان أن فلاناً أمره بشرائهما لم يكن هو خصماً للشفيع والله أعلم. الفصل الرابع عشر: في شفعة الصبي قال محمد ﵀ في «الأصل» : الصغير والكبير في استحقاق الشفعة سواء؛ لأنهما في سبب استحقاق الشفعة سواء، قال: والحبل في استحقاق الشفعة والكبير سواء؛ لأن الحبل يرث فيثبت له الشركة أو الجوار كما يثبت للكبير، فإن وضعت الأقل من ستة أشهر منذ وقع الشراء فله الشفعة؛ لأنا تيقنا بوجوده يوم البيع وكان وضعه بمنزلة قدومه وهو غائب. وإن جاءت به لسته أشهر فصاعداً منذ وقع الشراء، فإنه لا شفعة له؛ لأنه لم يثبت وجوده وقت البيع لا حقيقة ولا حكماً إلا أن يكون أبوه مات قبل البيع وورث الحبل منه حينئذ يستحق الشفعة، وإن جاءت بالولد لستة أشهر فصاعداً؛ لأن وجوده وقت البيع ثابت حكماً لما ورث من أبيه، ثم إذا وجب الشفعة للصغير فالذي يقوم بالطلب والأخذ من قام مقامه شرعاً في استيفاء حقوقه وهو أبوه، ثم وصي أبيه، ثم جده أب أبيه، ثم وصي نصيبه القاضي، فإن لم يكن له أخذ من هؤلاء فهو على شفعته إذا أدرك، فإذا أدرك وقد ثبت له خيار البلوغ والشفعة فاختار رد النكاح أو طلب الشفعة مع الإمكان بطلت الشفعة، حتى لو بلغ الصغير لا يكون له حق الأخذ، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال محمد: لا تبطل الشفعة، وعلى هذا الخلاف تسليم الشفعة إذا سلم الأب أو الوصي ومن بمعناهما شفعة الصغير صح تسليمه، وأبي يوسف حتى لو بلغ الصبي لا يكون له أن يأخذها بالشفعة؛ لأن تسليم الشفعة وترك طلبها ترك التجارة، ومن ملك التجارة في مال إنسان ملك تركها أيضاً؛ ولأن أخذ الشفعة يكون عوضاً، فبتسليم الشفعة إن كان سقط حق الصغير، ولكن بعوض وإسقاط حق الصغير بعوض داخل تحت ولاية هؤلاء. ألا ترى أنهم ملكوا بيع مال الصغير، ثم تسليم الأب والوصي شفعة الصغير صحيح عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، سواء كان التسليم في مجلس القضاء أو في غير مجلس القضاء بخلاف تسليم الوكيل في غير مجلس القضاء عند أبي حنيفة ﵀؛ لأنهما نائبان عن الصغير في مجلس القضاء وغيره، فأما الوكيل نائب عن الموكل في مجلس القاضي؛ لأنه وكيل بالخصومة، ومعدن الخصومة مجلس القضاء، فكأن الموكل قال له: أنت وكيلي في مجلس القاضي. إذا اشترى داراً لابنه الصغير والأب (١٧٦ب٣) شفيعها كان للأب أن يأخذها بالشفعة عندنا، كما لو اشترى الأب مال ابنه لنفسه، ثم كيف يقول: اشتريت وأخذ

стр. 3102

بالشفعة، ولو كان مكان الأب وصياً. ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذه المسألة في «واقعاته» وشوش الجواب المشبع إن كان في أخذ الوصي هذه الدار بالشفعة منفعة للصغير بأن وقع شراء الدار بغبن يسير بأن كان قيمة الدار مثلاً عشرة وقد اشتراها الوصي بأحد عشر، فإن الغبن اليسير يتحمل من الوصي في تصرفه مع الأجانب، ويأخذ الوصي بالشفعة يرتفع ذلك الغبن. فإذا كانت الحالة هذه كان أخذ الوصي بالشفعة مبتغياً في حق الصغير فإن للوصي أن يأخذ الدار بالشفعة على قياس قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن أبي يوسف كما في شراء الوصي من مال الصغير لنفسه، وإن لم يكن في أخذ الوصي هذه الدار بالشفعة منفعة في حق الصغير بأن وقع شراء الدار للصغير بمثل القيمة لا يكون للوصي الشفعة بالاتفاق. كما لا يكون للوصي أن يشتري شيئاً من مال اليتيم لنفسه بمثل القيمة بالاتفاق، ومتى كان للوصي ولاية الأخذ يقول: اشتريت وطلبت الشفعة، ثم يرفع الأمر إلى القاضي حتى ينصب قيمة عن الصبي، فيأخذ الوصي منه بالشفعة ويسلم الثمن إليه ثم القيم يسلم الثمن إلى الوصي. في «فتاوى أبي الليث» : ﵀ وفي «الفتاوى» : عن الفقيه أبي بكر: لو اشترى لابنه الصغير داراً والأب شفيعها لا يأخذ بالشفعة ما لم يدرك الابن أو ينصب الحاكم خصماً. قال الفقيه أبو الليث ﵀: هذا الجواب في الوصي فأما الأب يأخذ؛ لأن الأب لو اشترى مال ابنه لنفسه صح، كذا هذا يأخذ من غير قضاء وعن شداد: أن الوصي يشهد على طلب الشفعة ويترك حتى يبلغ الصبي، ولو كان الصبي شفيع دار اشتراها الوصي لا يشهد ولا يطلب الشفعة له حتى يدرك الصبي. اشترى الأب لنفسه داراً وابنه الصغير

стр. 3103

شفيعها فلم يطلب الأب الشفعة للصغير حتى بلغ الصغير، فليس للذي بلغ أن يأخذها بالشفعة؛ لأن الأب كان متمكناً من الأخذ بالشفعة، فسكوته يكون مبطلاً للشفعة. ولو باع الأب داراً لنفسه وابنه الصغير شفيعها فلم يطلب الأب الشفعة للصغير، لا تبطل شفعة الصغير حتى لو بلغ الصغير كان له أن يأخذها؛ لأن الأب ههنا لا يتمكن من الأخذ بالشفعة لكونه تابعاً وسكوت من لا يملك الأخذ لا يكون مبطلاً ذكر هذه الجملة شمس الأئمة السرخسي ﵀ في باب تسليم الشفعة، وهكذا ذكر القدوري في «شرحه» وأحاله إلى «نوادر أبي يوسف» . وأما الوصي إذا اشترى داراً لنفسه أو باع داراً له والصبي شفيعها، فلم يطلب الوصي شفعته فاليتيم على شفعته إذا بلغ؛ لأن الوصي لا يملك البيع والشراء للصغير مع نفسه إلا إذا كان فيه منفعة للصغير، وإذا لم يملك الأخذ لم يكن سكوته تسليماً، هكذا ذكر القدوري في «شرحه» . في «نوادر هشام» قال: قلت لمحمد: ما يقول في رجل اشترى داراً وابنه الصغير شفيعها، فلم يطلب الشفعة، قال: أما في قياس أبي حنيفة لا شفعة للصغير؛ لأن تسليم الأب جائز عليه، وأما في الوصي فهو على شفعته؛ لأنه لا يقدر أن يأخذه له من نفسه، ويجب أن يكون الجواب في شراء الأب داراً لنفسه وابنه الصغير شفيعها على التفصيل إن لم يكن للصبي في هذا الأخذ ضرر بأن وقع شراء الأب بمثل القيمة أو بأكثر مقدار ما يتغابن الناس في مثله لا يكون للصغير الشفعة إذا بلغ. وإن كان للصغير في هذا الأخذ ضرر بأن وقع شراء الأب بأكثر من القيمة مقدار ما لا يتغابن الناس فيه كان له الشفعة إذا بلغ؛ لأن الأب لا يملك التصرف في مال الصغير مع نفسه على وجه الضرر، فلم يكن الأب متمكناً من الأخذ في هذه الصورة، فلا يكون سكوته مبطلاً للشفعة، والذي يريد هذا مسألة ذكرها شمس الأئمه السرخسي في باب تسليم الشفعة. وصورتها: رجل اشترى داراً بأكثر من قيمتها وصغير شفيعها، فسلم الأب شفيعها لا يصح تسليمه عندهم جميعاً هو الصحيح؛ لأن الأب لا يملك الأخذ ههنا بالاتفاق لكثرة الثمن والسكوت عن الطلب، والتسليم إنما يصح ممن يملك، فيبقى الصبي على حقه إذا بلغ. ويجب أن يكون الجواب في الوصي إذا اشترى داراً لنفسه والصغير شفيعها، فلم يطلب حتى بلغ الصبي على التفصيل أيضاً: إن كان للصغير في الأخذ بالشفعة منفعة، فلا شفعة للصغير إذا بلغ عند أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن أبي يوسف؛ لأن الوصي لو اشترى من مال نفسه شيئاً للصغير وللصغير فيه منفعة ظاهرة جاز عند أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، فكان الوصي متمكناً من الأخذ فكان سكوته مبطلاً شفعته، وإن لم يكن للصغير في الأخذ بالشفعة منفعة ظاهرة كان له الشفعة إذا بلغ بالاتفاق، فلا يكون سكوته مبطلاً. ولو كان الوصي باع الدار وباقي المسألة بحاله، فالصغير على شفعته إذا بلغ بالاتفاق، كما في الأب إذا قال الأب أو الوصي: اشتريت هذه الدار بألف درهم للصغير، فقال الشفيع: اتق الله فإنك اشتريتها بخمسمائة فصدقة، فإنه لا يصدق ويأخذ الدار بألف درهم حتى يقيم البينة على الشراء بخمسمائة والله أعلم. الفصل الخامس عشر: في حكم الشفعة إذا وقع الشراء بالعروض قد ذكرنا قبل هذا أن الشراء إذا وقع ما ليس من ذوات الأمثال، فالشفيع يأخذ الدار بقيمة ما وقع الشراء به. قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا اشترى الرجل داراً بعبد بعينه وأخذ الشفيع الدار بقيمة العبد بقضاء القاضي، ثم استحق العبد بطلت الشفعة وأخذ الدار من الشفيع؛

стр. 3104

وهذا لأن الشراء بالمستحق شراء فاسد، ولهذا لا يفيد الملك في بذل المستحق إلا بالقبض ولا شفعة في الشراء الفاسد، فظهر أن القاضي أخطأ في قضائه حيث قضى بالشفعة ولا شفعة، فيرد قضاؤه وذلك يرد حكمه، فلهذا قال يسترد الدار من يد الشفيع. فإن قيل: ينبغي أن لا يسترد الدار، وإن ظهر أنه لم يكن له الشفعة عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن القضاء بالشفعة قضاء بالشراء، والقاضي متى قضي بالشراء للإنسان ثبت الشراء بقضائه وإن لم يكن بينهما شراء. قلنا: القضاء بالشفعة قضاء (١٧٧أ٣) بالشراء من وجه قضاء بالملك المرسل من وجه لما ذكرنا أن الأخذ بالشفعة بمنزلة الاستحقاق من وجه من حيث إن الشفيع يأخذ الدار من غير رضا المشتري بحق سابق والقضاء بالشراء إن كان ينفذ ظاهراً وباطناً عند أبي حنيفة، فالقضاء بالملك المرسل لا ينفذ باطناً، فلا ينفذ القضاء بالشفعة ظاهراً أو باطناً بالشك. فلهذا قال: يسترد الدار من يد البائع، هذا إذا أخذ الشفيع الدار بقيمة العبد بقضاء القاضي، وإن كان المشتري قد سلم الدار إلى الشفيع بقيمة العبد بقضاء القاضي، وإن كان المشتري قد سلم الدار إلى الشفيع بقيمة العبد بغير قضاء إن كان قد سمى الشفيع قيمة العبد كذا كذا حتى صار الثمن معلوماً من كل وجه. ثم استحق العبد ليس للمشتري على الدار سبيل ويجعل ذلك بيعاً مبتدأ لوجود حده وهو التملك والتمليك بالتراضي، لما تبين أنه لم يكن له شفعة، ويكون للبائع على المشتري قيمة الدار؛ لأن باستحقاق العبد تبين أن الشراء وقع فاسداً. وإذا باع ما اشترى نفذ بيعه ويضمن للبائع قيمة ما اشترى، وإن لم يكن سمى للشفيع قيمة العبد كذا وكذا، ولكن قال سلمت الدار لك بقيمة العبد كان للمشتري أن يسترد الدار من الشفيع. إذا اشترى داراً بعبد وهلك العبد في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري كان للشفيع أن يأخذ الدار بالشفعة؛ وهذا لأن بهلاك العبد وإن فسد البيع لما عرف أن هناك أحد البدلين في بيع المقايضة يوجب فساد العقد، إلا أنه إنما فسد البيع بعد وقوعه بوصف الصحة، وإنه لا ينافي حق الشفعة ولو لم يمت العبد حتى أخذ الشفيع الدار بقيمة العبد إن أخذها من البائع لم يبق للبائع على العبد الذي جعله المشتري ثمناً لهذه الدار سبيل؛ لأن يأخذ الشفيع الدار من البائع ينفسخ شراء المشتري، وإن أخذها من المشتري ثم مات العبد في يد البائع قبل التسليم إلى المشتري، فالقيمة التي أخذها المشتري من الشفيع تكون للبائع. وإذا اشترى داراً بعبد غيره، وأجاز صاحب العبد الشراء، فللشفيع الشفعة؛ لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء ويأخذها بالشفعة بقيمة العبد لما ذكرنا، وإذا وقع الشراء بمكيل أو موزون بعينه واستحق المكيل أو الموزون فقد بطلت الشفعة؛ لأن المكيل أو الموزون إذا كان بعينه فهو والعبد سواء، وإن كان المكيل أو الموزون في

стр. 3105

الذمة، فأوفاه ذلك ثم استحق ذلك فشفعة الشفيع على حاله؛ لأن المكيل أو الموزون إذا كان في الذمة فهو والدراهم سواء. في «المنتقى» : ابن سماعة عن محمد ﵀: في رجل اشترى من آخر داراً بالكوفة بكر حنطة بعينه أو بغير عينه وتقابضا ثم خاصمه الشفيع في الدار بمرو فقضى له عليه بالشفعة والدار بكوفة، قال: إن شاء المشتري أخر الشفيع حتى يأخذ منه حنطة مثلها بالكوفة وسلم له الدار بمرو، وإن شاء سلم له الدار وأخذ منه بمرو قيمة الطعام بالكوفة. وقال في موضع آخر من «المنتقى» : إذا كان قيمة الكر في الموضعين سواء أعطاه الكر حيث قضي له بالشفعة، وإن كانت القيمة متفاضلة نظر في ذلك إن كان الكر في الموضع الذي يريد الشفيع أن يعطي أعلى، فذلك إلى الشفيع يعطيه ذلك حيث شاء، وإن كان أرخص فرضي به المشتري، فذلك إليه وإن شاؤوا أعطى المشتري قيمة ذلك في الموضع الذي فيه ما يساوي في موضع الشراء. الفصل السادس عشر: في الشفعة في فسخ البيع والإقالة وما يتصل بذلك مشتري الدار إذا وجد الدار عيباً بعدما قبضها وردها بالعيب، وكان ذلك بعد ما سلم الشفيع الشفعة فللشفيع أن يأخذها بالشفعة، وإن كان الرد بغير قضاء قاض، فإن الرد بالعيب بغير قضاء بيع جديد في حق الثالث والشفيع ثالث، فصار في حق الشفيع كأن المشتري باع الدار من البائع، ولو كان الرد بقضاء قاض فليس للشفيع أن يأخذها؛ لأن الرد بقضاء فسخ في حق الكل وليس ببيع جديد أصلاً لانعدام حده، والتملك بالتراضي وحق الشفيع إنما يثبت في العقد لا في الفسخ، وإذا كان الرد بالعيب قبل قبض الدار، فإن كان بقضاء فلا شفعة للشفيع، وإن كان بغير قضاء، فكذلك عند محمد ﵀؛ لأنه تعذر اعتباره بيعاً جديداً في حق الشفيع؛ لأن بيع العقار قبل القبض عنده لا يجوز، وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فقد اختلف المشايخ بعضهم قالوا: للشفيع الشفعة؛ لأن بيع العقار قبل القبض عندهما جائز، فأمكن أن يجعل هذا الرد بيعاً جديداً في حق الشفيع وبعضهم قالوا: لا شفعة للشفيع؛ لأن رضا البائع قبل القبض لا عبرة به؛ لأن للمشتري حق الرد بالعيب قبل القبض وإن لم يرض به البائع؛ لأن الصفقة لم يتم بعد، ولو انعدم الرضا من البائع لا يمكن أن يعتبر بيعاً جديداً في حق الشفيع، فكذا إذا لم يعتبر رضاه. كما لو سلم المشتري الدار إلى الشفيع باختياره ورضاه لا يعتبر ذلك بيعاً جديداً في حق الثالث، حتى لو كان لهذه الدار شفيع آخر وقد سلم الشفعة لا يتجدد له شفعة أخرى بهذا التسليم؛ لأن للشفيع أن يأخذ منه بغير رضاه، فلم يكن لرضاه عبرة كذا هاهنا. وإن كان المشتري رد الدار بخيار رؤية أو بخيار شرط لا يتجدد للشفيع حق الشفعة

стр. 3106

حصل الرد قبل القبض أو بعد القبض، بتراضيهما أو بغير تراضيهما؛ لأن الرد بهذه الأسباب فسخ من كل وجه في حق الناس كافة. وإن اشترى الرجل داراً أو أرضاً فسلم الشفيع الشفعة، ثم إن البائع والمشتري تصادقا أن البيع كان تلجئة ورد المشتري على البائع لا يتجدد للشفيع حق الشفعة، وكان ينبغي أن يتجدد؛ لأن إقرارهما بالتجلئة لا يعتبر في حق الشفيع. ألا ترى أنهما لو أقرا بذلك قبل تسليم الشفعة لا يعتبر إقرارهما في حق الشفيع حتى كان للشفيع أن يأخذ الدار كذا هاهنا. وإذا لم يعتبر إقرارهما لم تثبت التلجئة في حق الشفيع فكان الرد بسبب التلجئة فسخاً للعقد في حقه لا رداً بالتلجئة والفسخ متى حصل بالتراضي يتجدد للشفيع حق الشفعة، والجواب إنما لم يعمل إقرارهما بالتلجئة في حق الشفيع قبل تسليم الشفعة؛ لأن البيع الصحيح ظاهر أو ثبت للشفيع حق الشفعة، فهما بهذا الإقرار يريدان إبطال حقه؛ فأما بعد تسليم الشفعة لم يبق للشفيع (١٧٧ب٣) حق أصلاً، فإقرارهما لا يتضمن بطلان حقه فتثبت التلجئة بإقراره، فكان الرد بسبب التلجئة فلا يتجدد به حق الشفعة.l في «المنتقى» : رجل اشترى داراً وقبضها وسلم الشفيع الشفعة، ثم إن المشتري قال: إنما كنت اشتريتها لفلان، وقال الشفيع بل اشتريتها لنفسك، وهذا منك بيع مستقبل وأنا آخذها بالشفعة بهذا البيع، فالقول قول الشفيع، وإن كان فلاناً غائباً لم يكن للشفيع أن يأخذ الدار حتى يقدم الغائب من قبل أن الشفيع يدعي أن هذا باع الدار من الغائب، وليس للشفيع أن يأخذ الدار من البائع حال غيبة المشتري. وإن قال المشتري: أنا أقيم البينة أن فلاناً كان أمرني بذلك، وإني إنما اشتريتها له لم يقبل بينته على ذلك حتى يحضر فلان. ومما يتصل بهذا الفصل إذا انفسخ العقد فيما بين البائع والمشتري بسبب هو فسخ من كل وجه لا يبطل حق الشفيع؛ لأن حق الشفعة يعتمد وجود البيع لا بقاؤه والله أعلم بالصواب. الفصل السابع عشر: في شفعة أهل الكفر الكافر والمسلم في استحقاق الشفعة سواء؛ لأنهما في سبب استحقاق الشفعة سواء. وإذا اشترى النصراني داراً بميته أو دم، فلا شفعة للشفيع؛ لأن الميت والدم ليس بمال في حقهم، فالشراء حصل بما ليس بمال فلا ينعقد، وهذا بخلاف ما لو اشترى بخمر أو خنزير؛ لأن ذلك مال في حقهم، فالشراء حصل بما هو مال فينعقد. اشترى الذمي داراً بخمر وتقابضا ثم صار الخمر خلاً ثم أسلم البائع والمشتري، ثم استحق نصف الدار وحضر الشفيع أخذ النصف بنصف قيمة الخمر ولا يأخذ بنصف الخل؛

стр. 3107

لأن الشفيع إنما يأخذ الدار بمثل الثمن الذي هو مضمون على المشتري، والمضمون على المشتري الخمر دون الخل وقد عجز الشفيع عن الأخذ بصورة الخمر، فيأخذ بمعناها وهو القيمة، ثم يرجع المشتري على البائع بنصف الخل إن كان الخل قائماً في يده. وإن كان مستهلكاً رجع عليه بمثل نصف الخل؛ لأنه لما استحق نصف الدار ظهر أن نصف الخمر كان في يده بحكم عقد فاسد، والخمر الذي اشتراها الذمي في شراء فاسداً إذا صارت خلاً في يده لا يسعه رد الخل بعينه إن كان قائماً، وإن عجز عن رد عينه رد مثله، فإن عجز عن رد مثله حينئذ رد قيمته، كذا هاهنا. اشترى الذمي من ذمي كنيسة أو بيعة فللشفيع الشفعة هكذا ذكر في «الأصل» ، وهذا الجواب ظاهر فيما إذا كان من ديانتهم أن الملك لا يزول عن المالك بجعله بيعة أو كنيسة إنما يشكل فيما إذا كان من ديانتهم أن الملك يزول عن المالك بهذا الصنع؛ لأنه باع ما لا يملك فلا يجوز بيعه في ديانته، ونحن أمرنا ببناء الأحكام على اعتقادهم وأن يتركهم وما يدينون إلا ما استثني عليهم في عودهم. والوجه في ذلك: أنه لما أقدم على البيع فقد أدان بديننا؛ لأن من ديننا أن الملك لا يزول عن المالك بما بعده للمعصية والذمي إذا دان بديننا يلزمه ذلك كما في نكاح المحارم إذا طلبا الفرقة من القاضي. اشترى المرتد داراً ثم مات أو قتل على الردة حتى بطل شراؤه عند أبي حنيفة أو أسلم حتى نفذ شراؤه فللشفيع الشفعة؛ لأن شراء المرتد بمنزلة الشراء على أن المشتري بالخيار؛ لأنه توقف لمعنى من جهة المشتري وهو ردته. ومن اشترى داراً على أن المشتري بالخيار كان للشفيع الشفعة أجاز المشتري البيع أو فسخ، وإن باع المرتد داراً ثم مات أو قتل على الردة، فلا شفعة للشفيع وإن أسلم فله الشفعة؛ لأن بيع المرتد بمنزلة البيع على أن البائع بالخيار. ومن باع داراً بشرط الخيار إن أجاز البيع وجبت الشفعة وإن فسخه لا تجب كذا هاهنا عند أبي حنيفة، وإذا كان الشفيع مرتداً أو طلب الشفعة من القاضي، فالقاضي لا يقضي له بالشفعة حتى يسلم عند أبي حنيفة؛ لأن القضاء بالشفعة قضاء بالشراء، وشراء المرتد موقوف عند أبي حنيفة ﵀، بين أن ينفذ إذا أسلم، وبين أن يبطل إذا مات أو قتل على الردة، فمتى قضي له بالشفعة صار معرضاً قضاءه للإبطال، وعلى القاضي أن يصون قضاءه عن النقض والإبطال، وإن أبطل القاضي شفعته ثم أسلم بعد ذلك، فلا شفعة له؛ لأن قضاء القاضي قد نفذ لمصادفته محلاً مجتهداً فيه، فإن من العلماء من قال: لا شفعة للمرتد لا على الكافر ولا على المسلم وهو ابن شرمه. ومنهم من قال: لا شفعة له على المسلم، وله شفعة على الكافر، وهو عثمان اليتي،

стр. 3108

فهو معنى قولنا: إن قضاءه صادف محلاً مجتهداً فيه فنفذ، وإن أوقفها القاضي حتى ينظر ثم أسلم فهو على شفعته، وإذا كان الشفيع مرتداً فمات أو قتل على الردة أو لحق بدار الحرب فلا شفعة لوارثه؛ لأن وارثه لو استحق الشفعة إما أن يستحق بحكم الإرث ولا وجه إليه؛ لأن الملك للوارث إنما يثبت من حين يموت المرتد أو يلحق بدار الحرب ويقضي القاضي بلحوقه لامن وقت الردة والبيع كان قبل الموت فكان جوار الورثة حادثاً والشفعة لا تستحق بجوار حادث. ولو كان المرتد لحق بدار الحرب، ثم بيعت الدار قبل قسمة ميراثه كان لورثته الشفعة؛ لأنهم ملكوا ماله من وقت اللحوق بدار الحرب والبيع كان بعد ذلك، فتبين أنه كان للورثة جوار لوقت البيع، فيستحقون الشفعة ابتداء بجوارهم لا بحكم الإرث. إذا اشترى الحربي المستأمن داراً ولحق بدار الحرب، فالشفيع على شفعته متى لقيه؛ لأن لحاقه بدار الحرب كموته، وموت المشتري لا يبطل شفعة الشفيع، وإن كان الشفيع هو الحربي، فلا شفعة له متى لحق بدار الحرب؛ لأن موت الشفيع يوجب بطلان الشفعة. وإن كان الشفيع مسلماً أو ذمياً فدخل دار الحرب إن لم يعلم بالبيع فهو على شفعته متى علم؛ لأن دخول المسلم أو الذمي دار الحرب ليس كموته بل هو بمنزلة الغيبة وغيبة الشفيع لا تبطل شفعته، وإن دخل وهو يعلم بالبيع فلم يطلب بطلت شفعته لترك الطلب. وإذا اشترى المسلم داراً في دار الحرب وشفيعها مسلم، ثم أسلم أهل الدار، فلا شفعة للشفيع. يجب أن يعلم أن كل حكم لا يفتقر إلى قضاء القاضي لا يثبت ذلك الحكم في حق من كان من المسلمين في دار الحرب بمباشرة سبب ذلك الحكم في دار الحرب. نظير الأول: جواز البيع والشراء (١٧٨أ٣) وصحة الاستيلاء ونفاذ العتق ووجوب الصوم والصلاة، فإن هذه الأحكام كلها من أحكام الإسلام ويجري على كل من كان في دار الحرب من المسلمين؛ لأن أحكام هذه الحقوق لا يفتقر إلى القضاء. ونظير الثاني: الزنى فإن المسلم إذا زنى في دار الحرب، ثم صار دار الإسلام لا يقام عليه الحد؛ لأن الزنى حال وجوده لم يوجب الحد؛ لأن ما هو المقصود من الحد الإقامة والإقامة إلى الإمام، وليس للإمام ولاية الإقامة في دار الحرب فلم يجب الحد لما كانت ولاية الإقامة فائته؛ إذا ثبت هذا فنقول: المقصود من حق الشفعة التملك وذلك يفتقر إلى قضاء القاضي؛ لأن المشتري عسى يرضى وعسى لا يرضى، وقضاء القاضي لا يجري على من كان في دار الحرب. الفصل الثامن عشر: في الشفعة في المرض إذا باع المريض داره بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف، ولا مال له غير الدار، ثم مات المريض وابنه شفيع الدار فلا شفعة له؛ هكذا ذكر في «الكتاب» ، وهذا الجواب لا

стр. 3109

يشكل عندهم جميعاً، متى أراد الشفيع الأخذ بألفي درهم قبل إجازة الورثة؛ لأن المريض كما صار بائعاً من المشتري بإيجاب حقيقة الملك له ببدل صار بائعاً من الشفيع بإيجاب حق التملك له ببدل. ولهذا قلنا: إن الشفيع لو أقال مع البائع بعد ما أخذ الدار من المشتري بالشفعة صحت إقالته؛ لأنه أقال مع بائعه، ولو باع من وارثه من كل وجه بألفي درهم لا يجوز إجازة الورثة عندهم لما فيه من الوصية للوارث كذا هذا. فأما إذا أراد أن يأخذ بثلاثة آلاف درهم لا شك أن على قول أبي حنيفة لا يجوز بدون إجازة الورثة لما ذكرنا أنه صار بائعاً من الشفيع من وجه، ولو باع منه من كل وجه بثلاثة ألف درهم لا يجوز عند أبي حنيفة من غير إجازة الورثة فهاهنا كذلك. وأما على قولهما: فقد ذكر في كتاب الشفعة و «الجامع» والوصايا في رواية أبي حفص والمأذون أنه لا يأخذها بالشفعة، وذكر في الوصايا في رواية أبي سليمان: أنه يأخذها، فمن مشايخنا من قال في المسألة روايتان. وجه ما ذكر في عامة الروايات: أن الأخذ بثلاثة آلاف يخالف موضوع الشفعة أن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذي هو مضمون على المشتري والمضمون على المشتري ألفا درهم، فلا يجوز أن يأخذ بثلاثة ألف درهم. وجه ما ذكر في رواية أبي سليمان: أن المريض صار بائعاً الدار من الوارث من وجه، فيعتبر بما لو باعه منه من كل وجه ولو باع منه بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف درهم كان له الأخذ بثلاثة آلاف درهم قبل إجازة الورثة كذا هاهنا. ومن المشايخ من وفق بين الروايتين، وقال: ما ذكر في عامة الروايات محمول على ما إذا أراد الأخذ من المشتري؛ لأن الألف الزائد حينئذ تكون للمشتري؛ لأنه يملك من جهة المشتري فلهذه العهدة تكون على المشتري، فلا تزول المحاباة في حق الوارث؛ وما ذكر في الرواية الأخرى محمول على ما إذا أراد الأخذ من الورثة؛ لأن الألف الزائدة حينئذ تكون للورثة، فتزول المحاباة في حقهم. وأما إذا أراد الأخذ بألفين بإجازة الورثة إن كان الأخذ من المشتري لا تعمل إجازتهم؛ لأن الشفيع بهذا الأخذ يصير متملكاً من جهة المشتري ومن جهة المريض فباعتبار التملك من المريض إن كانت تعمل إجازتهم، فباعتبار التملك من المشتري لا تعمل إجازتهم، فلا تصح إجارتهم بالشك، وإن كان الأخذ من الورثة تعمل إجارتهم، فإن شراء المشتري ينفسخ ويصير متملكاً على المريض من كل وجه فتعمل إجازتهم، هذا إذا كان المشتري أجنبياً، وإن كان المشتري وارثاً، فإن كان باعها بمثل قيمتها أو بأضعاف قيمتها لا شفعة للشفيع قبل إجازة الورثة عند أبي حنيفة خلافاً لهما، إن باعها بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف درهم لا شك أن على قول أبي حنيفة لا شفعة للشفيع. وأما على قولهما: فقد ذكر في كتاب الشفعة أنه يأخذها بثلاثة آلاف درهم إن شاء؛ لأن الشفيع قائم مقام المشتري وهو الابن أن يزيل المحاباة ويأخذها بثلاثة آلاف إن شاء،

стр. 3110

فكذا للشفيع، وذكر في موضع آخر: أنه لا شفعة للشفيع ههنا؛ لأن عندهما بيع المريض من وارثة إنما يصح، إذا لم تكن فيه وصية، وفي بيع المحاباة وصيتة ولا وصية للوارث، فكان البيع فاسداً ولا شفعة في البيع الفاسد، وبأن كان المشتري يتمكن من إزالة المفسد، فذاك لا يوجب الشفعة للشفيع. كما لو اشترى بشرط أجلٍ فاسد، وعن أبي يوسف ﵀: أن للشفيع أن يأخذها بألفي درهم؛ لأنه يتقدم على المشتري شرعاً، فيجعل كأن البيع من المريض كان معه بألفي درهم. المريض إذا باع داراً بألفي درهم وقيمتها ثلاثة آلاف، وشفيعها أجنبي فله أن يأخذها بالشفعة بألفي درهم؛ لأن المحاباة كانت بقدر الثلث، وذلك صحيح من المريض الأجنبي. فإن قيل: كيف يأخذ الشفيع الدار بألفي درهم والوصية من المريض كانت للمشتري لا للشفيع، ولا يجوز تنفيذ الوصية له لغير الوصي له. قلنا: الوصية ما حصلت مقصودة ههنا، إنما حصلت في ضمن البيع والشفيع قد تقدم على المشتري شرعاً في البيع، فكذا فيما هو متضمن البيع على (أنه) لما أوجب البيع للمشتري بما سمى مع علمه أن الشفيع يتمكن من الأخذ بمثل ما اشترى به المشتري، كان هذه وصية للمشتري إن سلم الشفيع الشفعة، وللشفيع أن يأخذ بالشفعة إذا باعها بألفين إلى أجل، وقيمتها ثلاثة آلاف درهم، فالأجل باطل؛ لأن المحاباة بالقدر استغرقت ثلث المال، فلا يمكن تنفيذ الوصية بالأجل في شيء ولكن يتخير المشتري بين أن يفسخ البيع، أو يؤدي الألفين حالة، ليصل إلى الورثة كمال حقهم وأي ذلك ما فعل، فللشفيع الشفعة يأخذها بألفي درهم حالة، وإن باعها بثلاثة آلاف درهم إلى سنة وقيمتها ألفا درهم، ثم مات أجمعوا على أن الأجل فيما زاد على الثلث باطل؛ لأنه بمنزلة المحاباة؛ لأنه براءة مؤقته، فتعتبر بالبراءة المؤبدة، لكن اختلفوا أنه يعتبر الأجل في الثلث باعتبار الثمن أو باعتبار القيمة، قال أبو يوسف: باعتبار الثمن، فيجعل ثلثي الثمن، وذلك ألفا درهم (١٧٨ب٣) إن شاء والألف الثالثة إلى أجله، وقال محمد ﵀: باعتبار القيمة، فيجعل ثلثا القيمة، وذلك ألف وثلثمائة وثلاثة وثلثون وثلث إن شاء، والباقي عليه إلى أجله. إذا باع المريض داراً وحابى وابنه شفيعها فبرئ من مرضه، فإن كان الوارث الشفيع علم بالبيع، وقد طلب وقت ما علم كان له أن يأخذ بالشفعة، وإن لم يطلب فلا شفعة له؛ لأنه ترك الطلب بغير عذر، أكثر ما فيه أنه لم يكن متمكناً من الأخذ وقت البيع لمرض البائع، لكن هذا لا يمنع سقوط الشفعة عند ترك الطلب، ألا ترى أن الجار إذا لم يطلب الشفعة بعد ما علم بالبيع لمكان الشريك، ثم سلم الشريك الشفعة، فلا شفعة للجار، وإن لم يكن متمكناً من الأخذ وقت البيع.

стр. 3111

الفصل التاسع عشر: في وجوه الحيل في باب الشفعة الحيل في هذا الباب نوعان: نوع لإسقاطه بعد الوجوب، وذلك أن يقول المشتري للشفيع: أنا أبيعها منك بما أحدث، فلا فائدة لك في الأخذ، فيقول الشفيع: نعم أو يقول المشتري للشفيع اشتراه مني بما أحدث فيقول الشفيع: نعم، أو يقول: اشتريت، فبطل به شفعته وإنه مكروه، هكذا ذكر شيخ الإسلام في «شرحه» ، وذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرحه» : أنه لا يكره إذا لم يكن قصد المشتري الإضرار بالشفيع. ونوع لمنع وجوبه، وقد اختلف المشايخ فيه: بعضهم قالوا على قول أبي يوسف: لا يكره، وعلى قول محمد: يكره، وهذا القائل قاس فصل الشفعة على فصل الذكاة وفي كراهية الحيل لمنع وجوب الذكاة خلاف بين أبي يوسف ومحمد، ومنهم من قال: في الشفعة لا تكره الحيلة لمنع وجوبها بلا خلاف، وإنما الخلاف في فصل الذكاة فعلى قول هذا القائل يحتاج محمد إلى الفرق بين الشفعة وبين الذكاة. وفي «المنتقى» : قال هشام: سألت عن محمداً عن رجل جعل بيتاً من داره هبة لرجل، ثم باع بقية الدار منه هرباً من الشفعة قال: كان أبو يوسف لا يرى بذلك بأساً، وأما محمد ﵀، فكرهه كراهة شديدة، ولم يحفظ عن أبي حنيفة شيئاً. وفي «فتاوى الفضلي» : سئل أبو بكر بن أبي أسعد عن ذلك، فقال: بعد البيع مكروه في الأحوال كلها إن كان الجار فاسقاً يتأذى به، فلا يكره. وقيل: يكره في جميع الأحوال، ثم بعض الحيل يرجع إلى منع وجوب الشفعة، وبعضها يرجع إلى تقليل الرغبة في الشفعة، أما التي ترجع إلى منع وجوبها: أن يهب البائع بيتاً معلوماً من الدار بطريقه أو موضعاً آخر معلوماً من الدار بطريقه فتجوز الهبة؛ لأن ما وهب مقرر معين، والطريق وإن كان مشاعاً إلا أنه لا يحتمل القسمة، وهبة المشاع فيما لا يحتمل القسمة جائز، فيصير شريكاً في الطريق ثم يبيع بقية الدار منه بثمن الكل، فيصير أولى بالجار، إلا أن هذه الحيلة تصلح لدفع الجار أما لا يصلح لدفع الشريك في الدار. ومن جملة ذلك أن يتصدق بطائفة معينة من الدار على المشتري بطريقها ويسلمها، ثم يبيع الباقي منه، فلا يكون للجار الشفعة. ومن جملة ذلك: أن يهب من المشتري قدر ذراع من الجانب الذي هو متصل بملك الجار حتى يزول جواره عن باقي الدار، ثم يبيع الباقي منه. ومن جملة ذلك: أن يستأجر صاحب الدار من المشتري ثوباً ليلبثه يوماً إلى الليل

стр. 3112

بجزء من داره التي يريد بيعها ثم يصير حتى يمضي اليوم أو بشرط التعجيل حتى يملك ذلك الجزء للحال ثم يبيع الباقي منه فلا يكون للجار الشفعة في الجزء الأول؛ لأنه ملك بعقد الإجارة، ولا في الجزء الثاني؛ لأن المشتري في الدار وقت البيع والشريك يتقدم على الجار. ومنها: أن يؤكل الشفيع ببيعها، فإذا باعها بطلت شفعته. ومنها: أن يبيعها بشرط أن يضمن الشفيع الدرك أو يضمن الثمن للبائع، فإذا ضمن بطلت شفعته، ومنها أن يبيعها بشرط الخيار للشفيع ثلاثة أيام فلا شفعة له قبل إسقاط الخيار بطلت شفعته. وأما التي يرجع إلى تعليل الرغبة أن يبيع عشر الدار من المشتري بتسعة أعشار الثمن ثم يبيع تسعة أعشار الدار بعشر الثمن، فلا يرغب المشتري في أخذ العشر لكثرة الثمن، ولا حق له في الباقي؛ لأن المشتري شريك وقت شراء الباقي، فلو أن المشتري في هذه الصورة خاف أنه لو اشترى العشر بتسعة أعشار الثمن لا يبيع الباقي بعشر من الثمن. فالحيلة في ذلك: أن يشتري العشر على خيار ثلاثة أيام حتى لو أن البائع إن أبى بيع الباقي، فالمشتري ينقض البيع في العشر بحكم الخيار، فلو أن البائع خاف في هذه الصورة أنه إن باع الباقي بعشر الثمن يفسخ المشتري البيع في العشر الأول بحكم الخيار. فالحيلة للبائع: أن يبيع الباقي بشرط الخيار لنفسه ثلاثة أيام يجيزان البيعين معاً، فإن خاف كل واحد منهما أنه إن أجاز لم يجز صاحبه. فالحيلة في ذلك: أن يوكل كل واحد منهما وكيلاً بإجازة البيع، ويشترط أن يجيز بشرط أن يجيزان لم يجز صاحبه. ومنها: أن يشتري الدار بثمن كثير ثم يعطي المشتري بذلك شيئاً من خلاف جنسه هو أقل قيمة منه، فإذا أراد الشفيع أن يأخذ يأخذ بذلك الثمن الكثير، فلا يرغب فيه لكثرة الثمن. ومنها: وهو قريب مما تقدم: أنه إذا أراد أن يشتري داراً قيمتها عشرة آلاف درهم وعشرة ينبغي أن يشتريها بعشرين ألف درهم ويعطيه عشرة آلاف درهم وديناراً بعشرة، فإذا أراد الشفيع الأخذ يأخذ بعشرين ألف درهم؛ لأن الشراء وقع بهذا القدر، وإن استحق الدينار رجع على البائع بما أدى من الدراهم والدنانير فقط؛ لأنه لما استحق الدينار رجع على البائع بما أدى من الدراهم بطل الصرف؛ لأنه ظهر أن الثمن لم يكن عليه، فصار كمن اشترى من آخر ديناراً بعشرة عليه ثم تصادقا إنه لا دين عليه، فإنه يبطل الصرف ويرد الدينار كذا هاهنا. ومنها: أن يبيع البناء من الدار من المشتري ليقلعه بثمن قليل ويبيع الساحة بثمن كثير فلا يجب للشفيع الشفعة في البناء، ويجب في الساحة ولكن لا يرغب في الساحة لكثرة الثمن.

стр. 3113

ومنها: أن قيمة الدار إذا كانت ألفاً مثلاً يبيع مشتري الدار شيئاً من أعيان ما له قيمته ألف بألفين حتى يجب للمشتري بائع الدار ألفي درهم قيمة ذلك الشيء ثم يشتري المشتري الدار وقيمتها ألف بثمن ذلك الشيء ألفي درهم، فتقع المقاصة بين الثمنين، (١٧٩أ٣) ويكون ثمن الدار ألفي درهم إذا أراد المشتري أخذ الدار يأخذها بألفي درهم فلا يرغب في أخذها. الفصل العشرون: في المتفرقات ذكر محمد ﵀ في «الجامع الكبير» : أن الشفيع إذا باع بعض داره التي يستحق بها الشفعة مشاعاً غير مقسوم بعد بيع الدار المشفوعة لا تبطل به شفعته، في «الأصل» في هذه المسألة وأجناسها: أن الشفيع متى أحدث في الدار التي يستحق بها الشفعة حدثاً بعد البيع والطلب قبل الأخذ، وما لو أحدثه بعد البيع قبل الطلب أو قبل البيع منع الطلب ووجوب الشفعة منع الأخذ، وما لا يمنع الطلب ووجوب الشفعة لا يمنع الأخذ بالشفعة؛ إذ المقصود من الطلب الأخذ. إذا ثبت هذا فنقول: بيع بعض الدار التي يستحق بها الشفعة مشاعاً قبل البيع أو بعد البيع قبل الطلب لا يمنع وجوب الشفعة، وطلبها لقيام الجوار في نقص الدار، فبعد البيع والطلب لا يمنع الأخذ، وكذلك إذا باع بعضها مقسوماً مما لا يلي جانب الدار المبيعة لا تبطل به شفعته. وإن باع بعضها مقسوماً مما يلي الدار المبيعة تبطل به شفعته؛ لأن ما أحدث لو أحدثه قبل البيع أو بعد البيع قبل الطلب يمنع وجوب الشفعة، وطلبها زوال الجوار وقت البيع ووقت الطلب، فيمنع الأخذ بالشفعة. داران طريقهما واحد، وأحد الدارين بين رجلين، والآخر لرجل خاصة باع صاحب الخاصة داره، فللآخرين الشفعة بالطريق، فإن اقتسما الدار المشترك وأصاب أحدهما بعض الدار مع كل الطريق الذي كان لهما وأصاب الآخر بعض الدار بلا طريق، وفتح الذي لا طريق له لنصيبه باباً إلى الطريق الأعظم، وهما جميعاً جاران للدار التي بيعت، فالذي صار الطريق له أحق بشفعتها؛ لأنه بقي في شركة الطريق، فإن سلم هو الشفعة أخذه الآخر بالجوار، ولا تبطل شفعته بسبب هذه القسمة؛ لأن هذه القسمة لو وجدت قبل البيع أو بعد البيع قبل الطلب لا تمنع وجوب الشفعة وطلبها الآخر؛ لأن الجار مع الخليط شفيع إلا أن الخليط مقدم على الجار فلا يمنع الأخذ بالشفعة أيضاً.r في «الأصل» : إذا بنى الشفيع في الدار التي أخذها بالشفعة بناءً، ثم استحقت الدار من يده رجع على الذي الدار منه بالثمن ولم يرجع بقيمة البناء، والمشتري إذا بنى ثم استحقت الدار من يده، فإنه يرجع بقيمة البناء كما يرجع بالثمن.

стр. 3114

والفرق: أن رجوع المشتري بقيمة البناء من حيث إن البائع ضمن سلامة البناء للمشتري، وهذا المعنى لا يتأتى في حق الشفيع؛ لأن المأخوذ منه الدار لم يضمن له سلامة البناء؛ لأن الشفيع أخذ الدار على كره منه وضمان السلامة لا يثبت بدون الرضا. وفي «المنتقى» : الحسن بن زياد عن أبي حنيفة ﵀: أن الشفيع إن كان أخذ الدار بقضاء لا يرجع بقيمة البناء على كل حال، وهو قول أبي يوسف ﵀ أولاً، وكان أبو يوسف يرويه عن أبي حنيفة أيضاً، وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف: أنه يرجع بقيمة البناء على من أخذ الدار منه، وكتب عليه عهدته؛ لأنه بمنزلة البائع ويستوي فيه الحكم وغير الحكم. في «الأصل» : رجل زعم أنه باع داره من فلان بكذا ولم يأخذ الثمن، فقال فلان: ما اشتريتها منك كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة؛ لأن في زعم البائع أن البيع ثابت وصدقه الشفيع في ذلك، فكان للشفيع أن يأخذ للبائع في ذلك بزعمه، هذا إذا أقر أنه باع من فلان وفلان حاضر ينكر الشراء، فأما إذا كان غائباً فلا خصومة للشفيع مع البائع حتى يحضر المشتري؛ لأن الشراء من الغائب قد ثبت بتصديق البائع والشفيع، فيعتبر بما لو كان ثابتاً معاينة وغاب المشتري، فلا خصومة للشفيع مع البائع إلى أن يحضر المشتري؛ لأن الملك يستحق عليه، فلا بد من حضرته، فكذا ها هنا. ذكر في أول باب طلب الشفعة، قال هشام: سألت محمداً عن رجل باع داراً إلى جنب رجل وهو شفيعها، والشفيع يزعم أن الدار المبيعة له، ويخاف أنه إن ادعى رقبتها تبطل شفعته، وإن ادعى الشفعة تبطل دعوى الرقبة، فكيف يصنع؟. فأجاب، وقال: ينبغي له أن يقول: هذه الدار داري وأنا أدعي رقبتها، فإن وصلت إليها وإلا فأنا على شفعتي فيها، فإذا قال هذا لا يبطل شفعته بدعواه الرقبة. وفي «النوازل» : دار بيعت وفيها لرجل هو شفيعها حق فأراد أن يطلب الشفعة على وجه لا تبطل دعواه ينبغي أن يقول: طلبت الشفعة إن لم يثبت لي فيها حق الذي ادعى فيها. وفي «المنتقى» : في آخر باب طلب الشفعة: إذا باع الرجل داره فادعى رجل أنها داري وأنا أقيم البينة، فإن لم يزك بينتي فأنا آخذها بالشفعة؛ لأن داري لزيقها فلا شفعة له فيها من قبل أنه ادعى ملكها وزعم أنه لا شفعة له فيها. وفيه أيضاً: رجل له دار غصبها غاصب، فبيعت دار بجنبها والغاصب والمشتري جاحدان الدار للشفيع ينبغي أن يطلب الشفعة حتى إذا أقام البينة على الملك يتبين أن الشفعة كانت ثابتة له، فطلب خاصم الغاصب إلى القاضي وأخبره عن صورة الأمر، فبعد ذلك قضى القاضي له بالدار وبالشفعة في الدار الأخرى، وإن لم يقم البينة فالقاضي يحلفهما جميعاً فبعد ذلك المسألة على وجوه: إن حلفا فالقاضي لا يقضي له بإحدى الدارين، وإن نكلا فالقاضي يقضي بالدارين، وإن حلف الغاصب ونكل المشتري لا يقضي له بالدار المغصوبة، ويقضي له بالشفعة، وإن حلف المشتري ونكل الغاصب يقضي

стр. 3115

له بالدار المغصوبة، ويقضي له بالشفعة؛ لأن النكول إقرار وإقرار كل مقر حجة عليه خاصة. ذكر هشام في «نوادره» : سمعت أبا يوسف يقول في رجل صالح رجلاً من دار ادعاها في يديه على مائة درهم وهو جاحد، فأقام الشفيع البينة أنها للذي ادعاها قال: يأخذها. في «القدوري» : اشترى داراً ولها شفيع، فبيعت دار إلى جنب هذه الدار، فطالب بالشفعة، وقضى له ثم حضر الشفيع قضي له بالدار الأولى لجواره، ويمضي الحكم في الثانية للمشتري؛ لأنه كان جاراً له البيع والحكم له، فبطلان الجوار لا يبطل حكم الواقع كما لو باع المشفوع بها. ولو كان الأول جاراً للدارين حكم له بالدار الأولى بالجوار وبنصف الدار الثانية؛ لأن الشفيع مع المشتري جاران للدار الثانية، وروي عن أبي يوسف ﵀ فيمن اشترى نصف دار ثم اشترى آخر نصفها الأخرى، فخاصمه المشتري الأول فقضي له بالشفعة بالشركة ثم خاصمه جار (١٧٩ب٣) في الشفيعين، فالجار أحق بالشراء الأول، ولا حق له في الثاني. وكذلك لو اشترى نصفها ثم اشترى نصفها؛ لأنه شريك وقت شراء النصف الثاني، فكان أولى بالشفعة من الجار، ولو كان المشتري للنصف الثاني غير المشتري للنصف الأول، فلم يخاصمه فيه حتى أخذ الجار النصف الأول، فالجار أحق بالنصف الثاني؛ لأن ملك المشتري الأول قد بطل قبل الأخذ بالشفعة، فيبطل حقه في الشفعة. ولو أن رجلاً ورث داراً فبيعت دار بجنبها فأخذها بالشفعة، ثم بيعت دار أخرى بجنب الدار الثانية، ثم استحقت الدار الموروثة وطلب المستحق الشفعة، فإنه يأخذ الدار الثانية ويكون الوارث أحق بالدار الثالثة، هكذا ذكر القدوري، ولم يذكر ما إذا لم يطالب المستحق الشفعة، وذكر في القدوري: أن الدار الثانية ترد على المقضي عليه بالشفعة يعني للذي كان اشتراها والدار الثالثة تترك في يد الذي هي في يديه. في الباب الأول من شفعة «الجامع:» رجل اشترى داراً وقبضها فأراد الشفيع أخذها فقال المشتري: بعتها من فلان وخرجت من يدي، ثم أودعينها لم يصدق، وجعله خصماً للشفيع؛ لأن الشفيع ادعى لنفسه حقاً في هذه الدار وذو اليد أقر أنه كان خصماً له ثم ادعى أنه لم يبق خصماً له، فلا يصدق، فإن أقام البينة على ذلك لا تسمع بينته. وكذلك لو قال: وهبتها لفلان وقبضها ثم أودعينها لا يقبل قوله، ولو أقام على ذلك بينة، فإن حضر المشتري في الفصل الأول والموهوب له في الفصل الثاني، وكان ذلك بعد قضاء القاضي للشفيع، وأقام البينة على الشراء أو على الهبة لا تسمع بينته، وكان القضاء بالشفعة نقضاً للشراء والهبة؛ لأن صاحب اليد صار مقضياً عليه، فكل من ادعى تلقي الملك من جهة صاحب اليد يصير مقضياً عليه، ألا ترى أنه لو كان مكان دعوى الشفعة دعوى الملك في هذه الدار وقضي القاضي بالملك للمدعي، ثم حضر المشتري والموهوب له وأقام البينة على الشراء والهبة لا يقبل بينته كذا ها هنا.

стр. 3116

وفي الأبواب المتفرقة قبيل كتاب البيوع من «الجامع» : دار في يدي رجل يدعي أنه اشتراها من فلان ونقده الثمن والدار تعرف لفلان، وادعى فلان أنه وهبها للمدعي، وله أن يرجع في الهبة، فالقول قول فلان؛ لأن التمليك صدر من فلان باتفاقهما، فيكون القول قوله في بيان جهته، فإن لم يقض القاضي للواهب بالرجوع حتى حضر شفيع الدار، فهو أحق بالدار من الواهب؛ لأن صاحب اليد أقر بحق الشفعة للشفيع، وقد صح هذا الإقرار منه؛ لأن صاحب الدار أقر أنه ملك الدار من صاحب اليد، والتمليك تسليط على التصرف، وأن يضمن ذلك إبطال حق الواهب في الرجوع، فيصح الإقرار منه بثبوت حق التملك للشفيع أيضاً، فإن لم يحضر الشفيع قضى القاضي بالرجوع للواهب؛ لأن حقه ظاهر وحق الشفيع لم يظهر بعد فإذا قضي له بالرجوع، ثم حضر الشفيع نقض الرجوع، وردت الدار على الشفيع. ولو كان صاحب اليد ادعى أنه اشتراها من فلان على أن فلاناً بالخيار ونقده الثمن، وادعى فلان الهبة والتسليم وحضر الشفيع أخذها بالشفعة وبطل الخيار. وفي المسألة نوع إشكال؛ لأن صاحب اليد مع صاحب الدار اتفقا على أنه لا شفعة للشفيع؛ لأن صاحب الدار يدعي الهبة وصاحب اليد يدعي البيع بشرط الخيار للبائع. قلنا: صاحب الدار لما أقر بالهبة والتسليم إلى صاحب الدار فقد أقر بثبوت الملك له، وإقراره بثبوت الملك إسقاط منه للخيار، وصاحب اليد مقر بالشراء، فتثبت الشفعة بإقرار صاحب اليد بالشراء عند سقوط خيار صاحب الدار. في «الأصل» : إذا كانت الدار في يد البائع، وقضى القاضي للشفيع بالشفعة على البائع، وطلب الشفيع من البائع الإقالة فأقاله البائع فالإقالة جائزة، وتعود الدار إلى ملك البائع ولا تعود إلى ملك المشتري، ويجعل في حق المشتري كأن البائع اشترى الدار من الشفيع، وكذلك إذا كانت الدار في يد (البائع) وقضى القاضي بالدار للشفيع، فقبل أن يقبض الشفيع الدار من المشتري أقال مع البائع صحت الإقالة، وصارت الدار ملكاً للبائع في قول أبي حنيفة. في «الأصل» أيضاً: إذا مات المشتري والشفيع حي، فللشفيع الشفعة، فإن كان على الميت دين لا تباع الدار في دينه وأخذها الشفيع بالشفعة، وإن تعلق بالدار حق الغريم والشفيع؛ لأن حق الشفيع آكد من حق الغريم، فإن حق الشفعة في الصورة والمعنى، وهو المالية وحق الغريم في المالية دون الصورة، فكان حق الشفيع مقدماً. وفي «الأصل» أيضاً: إذا حط (١٨٠أ٣) البائع عن المشتري بعض الثمن، فهذه المسألة على وجهين: إما إن كان الحط قبل الثمن من المشتري أو بعده، فإن كان قبل قبض الثمن صح الحط في حق المشتري والشفيع حتى أن الشفيع يأخذ الدار بما وراء المحطوط؛ لأن حط البعض يلتحق بأصل العقد، فصار العقد القائم للحال عقداً بما وراء المحطوط، فيأخذه الشفيع بذلك. وكذلك لو وهب بعض الثمن من المشتري أو أبرأه عن بعض الثمن؛ لأن الهبة والإبراء قبل القبض بمنزلة الحط.

стр. 3117

وأما إذا حط الكل أو وهب الكل أو أبرأه عن الكل صح في حق المشتري؛ لأنه لاقى ديناً ولكن لا يظهر في حق الشفيع حتى يأخذ الشفيع الدار بجميع الثمن إن شاء؛ لأن هذا الحط لا يلتحق؛ لأنه لو التحق بطل من حيث صح؛ لأن العقد بغير ثمن باطلٌ فلا يكون المحطوط ثمناً، فلم يلتحق بأصل العقد، وبقي العقد في حق الشفيع بجميع الثمن كما كان قبل ذلك، وإن كانت هذه التصرفات بعد قبض البائع الثمن من المشتري. فالجواب في الحط والهبة على ما ذكرنا قبل القبض إن حط البعض أو وهب البعض صح في حق المشتري والشفيع، ووجب على البائع رد مثل ذلك على المشتري وأخذه الشفيع بما وراء المحطوط والموهوب، وإن حط الكل أو وهب الكل يصح ذلك في حق المشتري، فلا يصح في حق الشفيع. وأما الإبراء بعد القبض لا يصح لا في حق المشتري ولا في حق الشفيع، سواء كان الإبراء عن الكل أو عن البعض. وفي المسألة نوع إشكال، فإن الثمن بعد القبض إن اعتبر قائماً في ذمة المشتري، فينبغي أن يصح الإبراء كما تصح الهبة والحط كما قبل القبض، وإن لم يعتبر قائماً ينبغي أن لا تصح الهبة والحط كما لا يصح الإبراء، والجواب: الثمن باق في ذمة المشتري بعد القبض؛ لأن البائع ما قبض عين حقه إلا أنه ليس للبائع ولاية المطالبة؛ لأن المشتري يطالبه بمثله، فلا يفيد فمطالبة المشتري مفيد؛ لأن البائع لا يطالبه بمثل ذلك؛ لأن المشتري قد يرى، فيجب على البائع رد مثل ما قبض بعد الحط والهبة، فأما الإبراء، فإنما لم يصح؛ لأن الثمن غير باق في ذمة المشتري ولكن؛ لأن الإبراء نوعان: إبراء لإسقاط الواجب، وإبراء بالاستيفاء. ولهذا يقال: أبرأه براءة قبض واستيفاء، كما يقال: أبرأه براءة إسقاط، فإذا أطلق البراءة إطلاقاً انصرف ذلك إلى البراءة من حيث الاستيفاء؛ لأنه أقل وصار كأنه نص عليه، فقال: أبرأتك براءة قبض واستيفاء، وهناك لا يسقط الواجب عن ذمته ولا يلزم البائع رد شيء بخلاف الحط والهبة، فإنه نوع واحد وهو الحط والهبة، بطريق إسقاط الواجب. ولهذا لا يقال: حططت ووهبت حط استيفاء، فكأنه نص عليه، ولو زاد المشتري في الثمن زيادة بعد العقد يأخذ الشفيع الدار بالثمن الأول، ولا تظهر الزيادة في حق الشفيع. وفرق بين الزيادة وبين الحط، فإن الحط يظهر في حق الشفيع. والفرق: أن الزيادة تتضمن إبطال حق الشفيع، فإنه يثبت للشفيع حق الأخذ بالثمن الأول؛ لأن لو صحت الزيادة في حق الشفيع لا يتمكن من الأخذ بالثمن الأول، فلم تصح الزيادة في حقه صيانة لحقه، أما الحط لا يتضمن إبطال حق على الشفيع بل فيه منفعة للشفيع؛ لأن بالحط يخرج بعض الثمن عن العقد، فلهذا افترقا. في «فتاوى (أهل) سمرقند» : أن رجلاً اشترى من رجل أرضاً وقبضها، فجاء الشفيع

стр. 3118

وطلب شفعتها، فسلمها المشتري إليه، ثم نقد المشتري البائع الثمن فوهب البائع منه من ذلك خمسة دراهم، وقد قبض المشتري من الشفيع جميع الثمن، فعلم الشفيع بالهبة، فليس له أن يسترد شيئاً. ولو وهب البائع خمسة دراهم من المشتري قبل قبض الثمن كان للشفيع أن يسترد؛ لأن في الوجه الأول الهبة ليست بحط؛ لأنها هبة العين بخلاف الوجه الثاني. في «المنتقي» : جل اشترى داراً من رجل بألف درهم وتقابضا، ثم زاده في الثمن ألفاً من غير أن يتناقضا البيع، ثم علم الشفيع بالألفين ولم يعلم بالألف، فأخذها الشفيع بألفين بحكم أو بغير حكم، فإن أخذها بحكم أبطله القاضي، ثم قضى له أن يأخذها بشفعته بالألف؛ لأنه كان قضاء له بغير ما وجبت به الشفعة، وإن أخذها بغير حكم، فهذا شراء ولا ينتقض، ولو كان المشتري حين اشتراها بألف وقبضها ناقصة البيع، ثم اشتراها بألفين، ثم علم الشفيع بالبيع بألف وأخذها بالشفعة بألفين بحكم أو بغير حكم، ثم علم بالبيع بألف لم يكن له أن ينتقض أخذه؛ لأنه أخذ بما قد كان وجب له أخذها به. إذا باع الرجل داره وعبده التاجر شفيعها، فإن لم يكن عليه دين لا يأخذها، وإن كان عليه دين أخذها، وكذلك إذا كان البائع هو العبد والمولى شفيعها. إذا اشترى الرجل أرضاً وزرع فيها زرعاً، ثم جاء الشفيع فله أن يأخذها ويقلع الزرع قياساً. وفي الاستحسان: لا يأخذها في الحال، وتترك في يد المشتري إلى أن يستحصد الزرع؛ لأن المشتري محق في الزراعة من وجه، فإنه زرع في ملك نفسه، وكونه محقاً في الزراعة يمنع غيره عن قلع زرعه، ويتعدى في الزراعة من وجه من حيث إنه زرع فيما هو حق الغير، وإنه مطلق القلع لصاحب الحق، الآن لو اعتبرنا كونه محقاً لا يبطل حق الشفيع أصلاً بل يتأخر؛ لأن لإدراك الزرع غاية معلومة. ولو اعتبرنا جانب كونه متعدياً يبطل حق المشتري في الزرع أصلاً، ولا شك أن التأخير أولى من الإبطال حتى لو كان مكان الزرع بناء أو غرساً أو رطبة يؤمر المشتري بقلع هذه الأشياء؛ إذ ليس لهذه الأشياء نهاية معلومة، والتأخير لا إلى غاية معلومة إبطال، فاستوى الجانبان في معنى الإبطال، فراعينا جانب الشفيع؛ لأنه ليس بمتعد أصلاً، والمشتري متعد من وجه، ثم إذا ترك الأرض في يد المشتري تترك بغير أجر. وروي عن أبي يوسف: أنه تترك بأجر المثل، وكان أبو يوسف ﵀ قاس هذا على ما إذا انقضت مدة الإجارة وفي الأرض زرع لم يستحصد بعد حتى ترك في يد المستأجر يترك بأجر المثل. وفي ظاهر الرواية فرق بينهما؛ لأن المشتري مالك للرقبة وإيجاب الآخر على مالك الرقبة لا يستقيم، وفي فصل الإجارة يجب الأجر على غير مالك الرقبة وإنه مستقيم،

стр. 3119

وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد يحكي عن الشيخ الإمام الزاهد أبي حفص الكبير ﵀: أنه كان يقول: يسلم المشتري الأرض إلى الشفيع ثم يستأجر منه مدة معلومة يعلم أن الزرع يدرك في مثله نظراً للشفيع والمشتري، وكان الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن حامد هذا يقول: ما قاله الشيخ لا يصح على قول محمد؛ لأن الأرض مشغولة بزرع رب الأرض فيمنع التسليم. وإذا منع التسليم صار الشفيع مؤجراً الأرض قبل القبض، ومن مذهبه إن إجارة العقار قبل القبض لا تجوز، وإنما يصح هذا الجواب على قولهما؛ لأن عندهما إجارة العقار قبل القبض جائزة. ومن هذا الجنس في «فتاوى أبي الليث» وصورتها: رجلٌ أخذ أرضاً مزارعة وزرعها، فلما صار الزرع بقلاً اشترى المزارع الأرض مع نصيب رب الأرض من الزرع، ثم جاء الشفيع، فله الشفعة في الأرض وفي نصف الزرع، ولكن لا يأخذ حتى يدرك الزرع؛ لأن نصف الأرض مشغولة بنصيب (١٨٠ب٣) المزارع ولم يجب فيها الشفعة، فكان المزارع أحق بها حتى يدرك. في «المنتقى» : رجل اشترى داراً ولها شفيع، فقال الشفيع: أجزت البيع وأنا آخذ بالشفعة أو قال: سلمت المبيع، وأنا آخذ بالشفعة فهو على شفعته إذا وصل، وإذا فصل وسكت ثم قال: أنا آخذ بالشفعة، فلا شفعة له. في «المنتقى» أيضاً عن محمد: رجل اشترى من آخر داراً وجاء شفيع الدار، وادعى أنه كان اشترى هذه الدار من البائع قبل شراء هذا المشتري، فأقر المشتري بذلك ودفع الدار إلى الشفيع ثم قدم شفيع آخر، وأنكر شراء الشفيع أخذ الدار كلها بالشفعة؛ لأن الأول لم يأخذها بالشفعة ولم يطلب شفعته، فبطلت شفعته لترك الطلب، ولو كان الشفيع حين أقر له المشتري بما أقر به كذبه في إقراره. معنى المسألة: إذا قال المشتري للشفيع ابتداء: قد كنتَ اشتريت هذه الدار قبل شرائي فهي لك بشرائك قبلي، وقال الشفيع: ما اشتريتها وأنا آخذها بالشفعة، فأخذها الشفيع من المشتري ثم الشفيع الآخر فليس إلا نصفها. في «الفتاوى» : سئل أبو بكر عمن له ضيعة عليها خراج كثير ومؤن لا يشتري بشيء، فباعها مع دار قيمتها ألف درهم بألف درهم، فجاء شفيع الدار بكم يأخذ الدار؟. قال: سئل أبو نصر عن هذا، فلم يجب، قال الفقيه أبو الليث ﵀: وعندي أن الضيعة إذا كانت بحال يشتريها أخذها من أصحاب السلطان بشيء يقسم الألف على ما يشتري به الضيعة وعلى قيمة الدار، وإن كانت الضيعة لا يشتريها أحد قسمت الألف على قيمة الأرض في آخر الوقت التي ذهبت عنها رغبات الناس وعلى قيمة الدار؛ لأنه لا بد للقسمة من القيمة، فإذا لم يكن لها قيمة للحال يعتبر قيمتها في آخر الوقت الذي عنها رغبات الناس، ويمكن أن يقال على قياس أبي حنيفة يجعل الألف بمقابله الدار إذا لم يكن للضيعة قيمة أصلاً.

стр. 3120

أصله: إذا تزوج امرأتين على ألف درهم إحداهما تحل له والأخرى لا تحل له. رجل ادعى قبل رجل شفعة بالجوار والمشتري لا يرى الشفعة بالجوار، فأنكر شفعته يحلف بالله ما لهذا قبلك شفعة يحلف فيفوت حق المدعي. في «فتاوى أبي الليث» : وفي هذا الموضع أيضاً: رجل اشترى داراً ولم يقبضها حتى بيعت دار أخرى بجنبها، فللمشتري الشفعة؛ لأنه ملكها بنفس الشراء، فيثبت له الجوار. وفي هذا الموضع أيضاً: رجل طلب الشفعة في دار، فقال له المشتري: دفعتها إليك فهذا على وجهين: الأول: إن علم الشفيع بالثمن، وفي هذا الوجه التسليم صحيح وصارت الدار ملكاً للشفيع؛ لأن المشتري ملكها منه وصح التمليك. الوجه الثاني: إذا لم يعلم الشفيع بالثمن، وفي هذا الوجه لا يصير الدار ملكاً للشفيع، فهو على شفعته؛ لأن التمليك لم يصح. وفي هذا الموضع أيضاً: رجلٌ أسلم داراً في مائة قفيز حنطة وسلم، فجاء الشفيع فله الشفعة؛ لأنها ملكت بعقد المعاوضة، ولو لم يسلم الدار حتى افترقا بطل السلم لمكان الافتراق، ولا شفعة للشفيع؛ لأن هذا ليس بعقد، وإن لم يفترقا حتى تناقضا السلم ثم افترقا كان للشفيع الشفعة؛ لأن الإقالة عقد جديد في حق الثالث. في «الجامع» : رجل في يديه دار جاء رجل وادعى شفيعها، وقال للذي في يديه الدار: اشتريتها من فلان وصدقه البائع في ذلك، وقال الذي في يديه الدار: ورثتها عن أبي، فأقام الشفيع البينة أنها كانت لأب البائع مات وترك ميراثاً للبائع، ولم يقم البينة على البيع، فالقاضي يقول للذي في يديه: إن شئت فصدق الشفيع وآخذ منه الثمن وتكون العهدة عليك وإن أبى ذلك أخذ الشفيع الدار ودفع الثمن ويرد البائع الثمن على المشتري والعهدة على البائع، وإنما قبلت بينة الشفيع على إثبات الملك للبائع؛ لأن الملك للبائع سبب ثبوت حقه في الشفعة. ألا ترى أنه لو ادعى أن هذه الدار ملكه اشتراها من فلان، وفلان يملكه وقال ذو اليد: ورثتها عن أبي، فأقام المدعي بينة أن الدار كانت لأب البائع مات وتركها ميراثاً للبائع والبائع مقر بالبيع، وقبض الثمن من المدعي تقبل بينة المدعي، وإنما تقبل لما قلنا. وإذا قبلت بينته صار الثابت بها كالثابت عياناً، ولو عاينا أن الدار ملك البائع والبائع يقول بعتها من فلان من ذي اليد بكذا وقبضت منه الثمن كان القول قوله. وصارت مسألتنا دار مملوكة لإنسان في يد رجل أقر صاحب الدار بيعها من صاحب اليد وقبض الثمن منه، وأنكر صاحب اليد الشراء جاء شفيع الدار وطلب الشفعة وهناك يقال لصاحب اليد: إن شئت فصدق البائع في دعوى البيع حتى يأخذها الشفيع منك، وتكون العهدة عليك، وإن شئت فكذب البائع ورد الدار على البائع حتى يأخذها الشفيع منه وتكون العهدة عليه كذا ههنا، وكذلك لو قال الذي في يديه: وهبها لي فلان، وقال
следующие страницы →