Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
في المسجد الجامع عند المنبر، وإن كان في موضع ليس فيه مسجد جامع يحلف في مسجد من المساجد، وهو قول أهل المدينة وأهل مكة، وهكذا روي عن أبي يوسف إلا أنه زاد فقال: يوضع المصحف في حجره ويقرأ عليه ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً﴾ (آل عمران: ٧٧) الآية، حجتهم في ذلك أن التغليظ بذكر صفات الله تعالى، إنما يشرع للمبالغة في الزجر عن اليمين الكاذبة، وهذا المعنى يقتضي شرع التغليظ بالتحليف في أشرف الأماكن من غير نكير منكر؛ ولأن النصوص المقتضية للاستحلاف مطلقة عن المكان، فالتقييد بالمكان يكون زيادة على النص والزيادة بمعنى الفسخ.
وإن أراد التغليظ على اليهود يحلفه بالله الذي أنزل التوراة على موسى؛ لأنه يعتقد حرمة التوراة ونبوة موسى ﵇.
وإن أراد التغليظ على النصراني يحلفه بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى؛ لأنه يعتقد حرمة الإنجيل ونبوة عيسى ﵇.
وإن أراد أن يغلظ على المجوسي يحلفه بالله الذي خلق النار؛ لأنهم يعظمون النار، هكذا ذكر محمد ﵀ في «الأصل» ، ولم ينقل عن أبي حنيفة ﵀ فيه شيء في ظاهر الرواية. وروي في «النوادر» عنه أنه لا ينبغي أن يستحلف أحداً إلا بالله.
وذكر الخصاف أن غير اليهودي والنصراني يستحلف بالله، فهذا إشارة إلى أنه لا يذكر النار في استحلاف المجوسي، وعليه بعض المتأخرين من مشايخنا؛ لأن ذكره يشير إلى تعظيمه، وإنه لا يجوز. ألا ترى أن المسلم لا يستحلف بالله الذي خلق الشمس بخلاف اليهودي والنصراني حيث يذكر في استحلافهم التوراة والإنجيل؛ لأن التوراة والإنجيل كلام الله تعالى فلا يكون فيه تعظيم غير الله تعالى بخلاف النار، أما سائر المشركين يستحلفون بالله لأنهم يقرون بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ (الزخرف:٨٧) .
وأما بيان كيفيته فنقول: إن وقع الدعوى على فعل المدعى عليه من كل وجه بأن ادعى عليه أنك سرقت هذا العين مني، غصبت هذا العين مني يستحلف على الثبات، وإن وقع الدعوى على فعل الغير من كل وجه حلف على العلم، حتى لو ادعى المدعي ديناً على ميت بحضرة وارثه بسبب الاستهلاك، أو ادعى أن أباك سرق هذا العين مني غصبه مني، حلف على العلم، وهذا مذهبنا والأصل فيه: حديث القسامة، فإن رسول الله ﷺ حلف اليهود على فعل أنفسهم على الثبات وعلى فعل غيرهم على العلم (٩٣ب٤) .
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني: هذا الأصل مستقيم في المسائل كلها أن التحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا في الرد بالعيب، يريد به: أن المشتري إذا ادعى أن العبد سارق أو آبق وأثبت إباقه أو سرقته في يد نفسه وادعى أنه أبق
стр. 3607
أو سرق في يد البائع وأراد تحليف البائع يحلف البائع على الثبات بالله ما سرق في يدك على ما عرف، وهذا تحليف على فعل الغير، قال الله تعالى إنما كان كذلك؛ لأن البائع التزم تسليم المعقود عليه سليماً عن العيوب، فالاستحلاف يرجع إلى ما ضمن بنفسه، فلذلك كان على الثبات.
وحكي عن الشيخ الإمام فخر الإسلام ﵀ أنه كان يريد في هذا الأصل حرفاً كان يقول: التحليف على فعل نفسه على الثبات، والتحليف على فعل الغير يكون على العلم إلا إذا كان شيئاً يتصل يحلف على الثبات، خرج على هذا فصل الرد بالعيب؛ لأن ذلك مما يتصل به؛ لأن تسليم العبد سليماً واجب على البائع، وقد قيل بأن التحليف على فعل الغير إنما يكون على العلم إذا قال الذي استحلف: لا علم لي بذلك، فأما إذا قال: لي علم بذلك يحلف على الثبات.
ألا ترى أن المودع إذا قال: قبض صاحب الوديعة مني الوديعة، فإنه يحلف المودع على الثبات وألا ترى أن ما ذكر محمد ﵀ في «الجامع» : إذا وكل الرجل رجلاً ببيع عبده بألف درهم فباعه وسلمه إلى المشتري ثم أقر البائع الوكيل أن الآمر قبض الثمن، وجحد الآمر فالقول قول الوكيل في ذلك: أن الآمر قد قبض مع يمينه، فإذا حلف برئ المشتري عن الثمن ويحلف الوكيل على الثبات بالله لقد قبض الآمر وهذا تحليف على فعل الغير، ولكن الوكيل يدعي أن له علماً بذلك، فإنه قال: قبض الموكل الثمن وما كان له علم بذلك فيحلف على الثبات لهذا.
وإن وقع الدعوى على فعل المدعى عليه من وجه وعلى فعل غيره من وجه بأن قال: اشتريت مني استأجرت مني استقرضت مني، فإن هذه الأفعال فعله وفعل غيره، فإنها تقوم باثنين يحلف على الثبات، وهذا مشكل؛ لأن اعتبار فعل الغير يوجب التحليف على العلم، إن كان اعتبار فعله يوجب التحليف على الثبات، إلا أنه يرجح جانب الثبات؛ لأنه يوجب زيادة زجر، لأنه متى حلف على الثبات وقد اشترى حنث في يمينه علم بالشراء أو لم يعلم، ومتى حلف على العلم وقد اشترى إن كان عالماً بالشراء حنث في يمينه، وإن لم يكن عالماً به لا يحنث فكان في هذا زيادة زجر، فكان الترجيح لجانب الثبات بعد هذه المسألة على وجوه:
أما إن ادعى المدعي ديناً أو ملكاً في عين أو حقاً وكل ذلك على وجهين: إما أن يدعيه مطلقاً ولم يذكر له سبباً أو ادعاه بناء على السبب، فإن ادعى ديناً ولم يذكر له سبباً يحلف على الحاصل فيحلف بالله ما لهذا عليك ولا قبلك هذا المال الذي ادعاه وهو كذا وكذا ولا شيء منه فقد جمع بين قوله: عليك وقبلك وإليه أشار محمد ﵀، وهكذا ذكر الخصاف ﵀ في كتاب الصلح وإنما جمع بينهما؛ لأنه لو اقتصر على قوله: عليك إنما يتأول أنه ليس على رأسه أو عاتقه شيء، ولو اقتصر على قوله: قبلك عسى يتأول الأمانة؛ لأن قوله قبلك يستعمل في الأمانات كما
стр. 3608
يستعمل في الديون فيجمع بينهما احتياطاً، وجمع أيضاً بين كل المدعى به وبين بعضه؛ لأنه ربما أداه بعض هذا المال وأبرأه عن بعض المال، فلو حلفناه على الكل يحلف، ويكون صادقاً في الحلف ولا يلزم الحنث، فيجمع بين الكل وبين البعض احتياطاً.
قال أبو عمرو الطبري: لا ينبغي للحاكم أن يقول في الاستحلاف: ولا شيء منه؛ لأن التحليف بناء على الدعوى، فلا يزاد على مقدار الدعوى.
وكذلك إذا ادعى ملكاً في عين حاضر أو حقاً في عين حاضر ادعاه مطلقاً، ولم يذكر له سبباً يحلف على الحاصل، فيحلف بالله ما هذا العين لفلان بن فلان، ولا شيء منه يجمع بين الكل وبين البعض احتياطاً، وإن ادعاه بناء على السبب بأن ادعى عليه ديناً بسبب القرض أو بسبب الشراء، أو ادعى ملكاً بسبب البيع أو الهبة، أو ادعى غصباً أو وديعة أو عارية يستحلف على حاصل الدعوى في ظاهر رواية أصحابنا ﵏، ولا يستحلف على السبب قضى عليه في كتاب الحوالة والكفالة حتى لا يستحلف: ما استقرضت منه هذا المال، ما غصبته، ما أودعته، ما اشتريت منه هذا العين بكذا، ما بعت منه هذا العين.
ووجه ذلك: أن في الاستحلاف على السبب ضرراً بالمدعى عليه، فالسبب قد يوجد ويثبت حكمه ثم ينفسخ السبب ويبطل حكمه، أو يبطل الدين بالإبراء والإيفاء، ويعود الملك إليه في العين بالهبة أو البيع ويبطل حكم الغصب والوديعة والعارية بالرد، فلو حلف على السبب لا يمكنه أن يحلف على انتفاء السبب لوجوده، ولو أقر بالسبب وادعى الناقض والمبطل لكانت الحجة عليه، وربما لا يمكنه إقامة الحجة وفيه من الضرر ما لا يخفى، وليس في الاستحلاف على الحاصل ضرر بالمدعي، فيحلف على الحاصل لهذا حتى لو كان في الاستحلاف على الحاصل ضرر بالمدعي بأن كان بين العلماء اختلاف أن ما يدعيه هل هو سبب لذلك الحكم؟ يحلف على السبب؛ لأنه لو حلف على الحاصل يحلف ويتأول قول من يقول بأنه ليس بسبب، وإن الحكم ليس ثابت فيحلف على السبب دفعاً للضرر عن المدعي، وكذلك إذا لم يكن في التحليف على السبب ضرر بالمدعى عليه بأن كان ما يدعيه شيئاً لا يحتمل الانفساخ وحكمه لا يحتمل البطلان كإعتاق العبد المسلم يحلف على السبب ليكون التحليف موافقاً للدعوى والإنكار.
وروي عن أبي يوسف أنه يستحلف على السبب في هذه الصورة؛ لأن الاستحلاف يترتب على الدعوى، فيكون على وفق الدعوى والإنكار. وما ذكر من وهم الضرر يندفع بالتعريض بأن يقول المدعى عليه للقاضي: الإنسان قد يلزمه المال بسبب ثم يبطل المال عنه، إما بانفساخ السبب أو بالإيفاء أو بالإبراء، ولو أقر بالسبب عسى لا يمكنه إثبات ذلك الفسخ، أو الإبراء فيلزمه المال فإذا عرض على هذا الوجه، فالقاضي لا يحلفه على السبب، بل يحلفه على الحاصل.
وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح هذا الكتاب رواية أخرى عن أبي يوسف ﵀: أنه إذا أنكر المدعى عليه السبب بأن أنكر
стр. 3609
الاستقراض، وقال: ما استقرضت يحلف على السبب بالله ما استقرضت، وإن قال: ليس له علي ما يدعي، يحلف على الحاصل بالله ليس له عليك ولا قبلك هذا المال الذي يدعي ولا شيء منه، قال ﵀: هذا أحسن الأقاويل عندي وعليه أكثر القضاة.
وقال الشيخ الإمام الزاهد فخر الإسلام على البزدوي ﵀: ينبغي أن يفوض الأمر إلى رأي القاضي في هذا إن رأى المصلحة في التحليف على السبب حلف على السبب، وإن رأى المصلحة في التحليف على الحاصل حلف على الحاصل، قال: لأن من الناس من يكون تحليفه على السبب أولىو منهم من يكون تحليفه على الحاصل أولى، فيفوض إلى رأي القاضي.
لهذا قال الخصاف في «أدب القاضي» وفي الوديعة: إذا حلف الوديعة (ليست في يديك) ولا شيء منه ولا له قبلك حق منه؛ لأنه متى استهلكها أو دل إنساناً عليها، فلا تكون في يديه ولكن ضمان القيمة في ذمته، فلا يكتفى بقوله: في يديك بل يضم إليه ولا له قبلك حق منه احتياطاً، وهذا الجواب إنما يستقيم على ظاهر الرواية؛ لأن على ظاهر الرواية؛ التحليف على الحاصل، أما على (ما) روي عن أبي يوسف ﵀ يستحلف بالله ما أودعك هذا كذا وكذا.
وإن ادعى قبله ضيعة أو عقاراً وحدده وسمى موضعه وبلده على نحو ما بينا يحلفه بالله ما هذه الضيعة ولا هذه الدار التي حدد وسمى لفلان بن فلان هذا في يديك ولا شيء منها ولا له قبلك منها حق ولا بسببها، جمع بين هذا؛ لأنه أحوط.
وإن ادعى جارية أو غلاماً أو عرضاً من العروض مما ينقل ويحول، فإن كان حاضراً في مجلس القاضي، فالقاضي يحلفه بالله ما هذا العبد ملك هذا المدعي من الوجه الذي ادعاه ولا شيء منه لجواز أن يكون بعضه ملك المدعي، فلو لم يقل ولا شيء منه يتأول ذلك، فيكون صادقاً في يمينه ولا يلزمه الحنث.
وذكر في كتاب الاستحلاف: أنه يحلف المدعى عليه بالله ما لهذا (٩٤أ٤) المدعي في هذا العبد حق، والصحيح ما ذكرنا؛ لأن لفظة الحق تنطلق على غير الملك من حق الإجارة والرهن، والمدعي ادعى الملك فيه دون الحق، وإنما يجب الاستحلاف على ما ادعاه المدعي، ولكن إن زاد في آخر اليمين ولا له فيها حق، كان مستقيماً، فإنه يكون تأكيداً للأول، وإن كان غائباً عن مجلس القاضي بأن كان المدعى عليه مقراً أنه في يده، إلا أنه ينكر كونه ملك المدعي كلفه القاضي الإحضار حتى يمكنه الإشارة إليه في الدعوى؛ وهذا لأن الدعوى إنما تسمع في المعلوم، فيشترط إعلام المدعي به بأبلغ وجوه الإعلام ما أمكن، والإشارة أبلغ في وجوه الإعلام، وإنما تكون الإشارة بعد الإحضار.
وإن أنكر المدعى عليه أن يكون ذلك في يديه. ذكر الخصاف ﵀: أن القاضي يقول للمدعي: سمه وانسبه إلى جنسه، وسم قيمته، شرط بيان القيمة لسماع الدعوى، وقد ذكرنا هذا الفصل وما فيه من الاختلاف قبل هذا ثم إذا سمى جميع ذلك حتى صح دعواه بلا خلاف، وأراد استحلاف المدعى عليه استحلفه القاضي بالله ما لهذا
стр. 3610
لديك هذه الجارية التي ذكرها ولا شيئاً منها ولا بقي له عليك ولا قبلك ولا قيمتها التي سمى وهي كذا وكذا، بذكر شيء منه لجواز أن في يديه بعض الجارية فيتأول، وإنما يذكر القيمة لجواز أنها مستهلكة، فلا تكون في يديه ولكن يجب عليه القيمة، وإنما يذكر شيئاً من القيمة لجواز أنه سقط بعض القيمة عنه فيتأول، وإنما يذكر ولا شيء له عليك ولا قبلك؛ لأن من مذهب بعض العلماء أن الحيوان يكون مغصوباً بالمثل فربما يتأول ذلك القول.
وإن ادعى شراء ضيعة وبين حدودها وموضعها وبين الثمن، وأنكر المدعى عليه أنه باعه ذلك، وأراد القاضي أن يحلفه على الحاصل كما هو جواب ظاهر الرواية كيف يحلفه؟ قال: يحلفه بالله ما بينك وبين هذا البيع قائم الساعة فيما ادعاه، أو يحلفه بالله ما هذه الضيعة شراء لهذا الساعة بما ادعاه من الثمن أو يحلفه بالله ما عليك تسليم هذه الضيعة إلى هذا بهذا البيع الذي ادعاه وهاهنا أشياء أخر تأتي بعد هذا.
وإن ادعت امرأة على زوجها أنه طلقها فهو على وجوه:
الأول: تدعي الطلاق الثلاث، وفي هذا الوجه إذ أراد القاضي أن يحلفه حلّفه بالله ما هذه المرأة بائن منك بثلاث تطليقات كما ادعت، وهذا تحليف على الحاصل، وإنه جواب ظاهر الراوية. قالوا: وإن شاء القاضي حلفه على السبب بالله ما طلقتها ثلاثاً في هذا النكاح الذي تدعي أنك مقيم عليها فيه؛ لأن هذا سبب لا يحتمل الانتقاض إلا أنه لا يستحلف بالله ما طلقتها ثلاثاً ثم عادت إليه بنكاح مستقبل بعدما تزوجت بزوج آخر، فلو حلفناه كذلك لتضرر وكذلك إذا لم تدع المرأة ذلك ولكن شهد عند القاضي شاهد واحد عدل أو جماعة من الفساق بذلك؛ لأن حرمة الفرج حق الشرع، فكان على القاضي الاحتياط في مثله بالاستحلاف.
الوجه الثاني: أن تدعي تطليقة، كما ادعت أنما هي محرمة عليك بتطليقة كما ادعت؛ يستحلف على حاصل الدعوى في ظاهر الرواية، قال مشايخنا: وفي هذا الجواب نوع نظر؛ لأن عند الشافعي الكنايات رواجع فلو حلفناه على الحاصل ربما يتأول قول الشافعي ﵀، فيحلف على السبب بالله ما طلقتها بلفظ كذا، كما ادعت في هذا النكاح الذي تدعي أنك مقيم عليها فيه حتى لا يمكنه التأويل إلا إذا ادعت الخلع أو ادعت تطليقة بائنة قبل الدخول، فإن هناك تثبت البينونة بلا خلاف، فلا يمكنه التأويل فيحلف على الحاصل.
الوجه الثالث: أن تدعي تطليقة رجعية، وفي هذا الوجه يحلف على الحاصل في ظاهر الرواية، فيحلف ما هي طالق منك الساعة، وهذا لأن الطلاق الرجعي يزيل النكاح بعد انقضاء العدة، إن كان لا يزيل النكاح في الحال ويؤثر في إزالة حل المحلية عند انضمام تطليقتين إليه، فيفيد الاستحلاف.
وإن ادعت أمة على مولاها أنه اعتقها، ففي ظاهر الرواية يستحلف على الحاصل بالله ما هي حرة الساعة بما ادعت من العتق؛ لأنه يتصور زوال الحرية عنها بعد ثبوتها
стр. 3611
بالإعتاق بالارتداد والالتحاق بدار الحرب والسبي بعد ذلك، فلو حلفناه على السبب بالله ما أعتقها لتضرر به المدعى عليه، فيحلف على الحاصل. وعلى رواية أبي يوسف: يحلف على السبب بالله ما أعتقتها إلا إذا عرض المدعى عليه ونقول: الرجل قد يعتق أمته ثم ترتد وتلتحق بدار الحرب وتسبى وتعود إلى ملكه ثانياً فلا يمكنه أن يحلف ما أعتقتها، فإذا عرض على هذا الوجه يحلف على الحاصل وإن كان المدعي للعتق عبداً، فإن كان العبد ذمياً فكذلك الجواب يحلف على الحاصل في «ظاهر الرواية» : لأن حرمته تحتمل الانتقاض بعد الثبوت بالإعتاق بأن تنقض العهد ويلتحق بدار الحرب ثم يسبى ويسترق، وإن كان العبد مسلماً فالقاضي بالخيار إن شاء حلفه على الحاصل بالله ما هو حر الساعة كما هو جواب «ظاهر الرواية» وإن شاء حلفه على السبب كما هو قول أبي يوسف ﵀؛ لأن حريته لا تحتمل الانتقاض بعد ثبوتها؛ لأن أكثر ما فيه أنه يرتد إلا أن المرتد لا يسترق.d
وإن ادعت امرأة على رجل نكاحاً أو ادعى رجل على امرأة نكاحاً، فاعلم بأن الاستحلاف لا يجري في الأشياء السبعة عند أبي حنيفة ﵀ خلافاً لهما، والأشياء السبعة النكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والرق والولاء والنسب وأمية الولد.
وصورة أمومية الولد: إذا ادعت جارية على مولاها أنها أسقطت منه سقطاً مستبين الخلق والمولى ينكر فأرادت أن تستحلف المولى على دعواها؛ وهذا لأن الاستحلاف لرجاء النكول فإنما يجري الاستحلاف فيما يقضى فيه بالنكول، ولا يقضى بالنكول في هذه الأشياء عند أبي حنيفة ﵀: وعندهما يقضى وهذا بناء على أصل معروف أن النكول عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بمنزلة الإقرار، فكل ما يجوز فيه الإقرار يجوز فيه القضاء بالنكول، والإقرار بالنكاح والرجعة والفيء في الإيلاء والولاء وأمومية الولد صحيح، فكان النكول فيها حجة فيجري فيها الاستحلاف.
ومن هذا قلنا: أن من ادعى على ولي صغيرة أنه زوجها منه وأنكر الولي ذلك استحلفه القاضي عندهما؛ لأن النكول عندهما إقرار وإقرار الولي على وليته الصغيرة بالنكاح صحيح عندهما، وكذلك لو كان الدعوى بالرضا بالنكاح أو في الأمر بالنكاح يستحلف عندهما، وأما على قول أبي حنيفة ﵀: فالنكول بدل وكل ما يجري فيه البدل كان النكول فيه حجة فلا يجري فيها الاستحلاف، وعن هذا قال أبو حنيفة ﵀: إن من ادعى على ولي صغيرة أنه زوجها منه وأنكر الولي ذلك فالقاضي لا يستحلفه؛ لأن النكول عنده بدل، والبدل لا يجري من الولي في النكاح فلا يجري فيه الاستحلاف، ثم على قول أبي حنيفة إذا كان الاستحلاف لا يجري في النكاح لو كان دعوى النكاح من المرأة، وقالت المرأة للقاضي: لا يمكنني أن أتزوج؛ لأن هذا زوجي وقد أنكر النكاح فمره ليطلقني لأتزوج، والزوج لا يمكنه أن يطلقها؛ لأن بالطلاق يصير
стр. 3612
مقراً بالنكاح، ماذا يصنع القاضي؟
ذكر فخر الإسلام علي ﵀ يقول للزوج قل لها إن كنت امرأتي فأنت طالق، فإنّ على هذا التقدير لا يصير الزوج مقراً بالنكاح ولا يلزمه شيء، ولو كانت له امرأة تتخلص عن خيالته ويمكنها التزوج بغيره، وهذا كله إذا لم يدع المدعي بدعوى هذه الأشياء مالاً، فأما إذا ادعي مالاً بدعوى هذه الأشياء كالمرأة تدعي على رجل أنه تزوجها على كذا وطلقها قبل الدخول بها وادعت نصف المهر، أو لم تدع الطلاق وادعت النفقة حلفه القاضي بلا خلاف؛ لأن المقصود دعوى المال والاستحلاف يجري في دعوى المال بلا خلاف، ثم عندهما إذا كان يستحلف بدون دعوى المال وكيف الاستحلاف في هذه الأشياء مع دعوى المال؟
ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : الاستحلاف على الحاصل: تحلف المرأة بالله ما هذا زوجك كما ادعى ويحلف الزوج بالله ما هذه امرأتك كما ادعت، ولم يذكر أن هذا جواب «ظاهر الرواية» فيحتمل أن يكون جواب «ظاهر الرواية» : أما على قياس ما يروى عن أبي يوسف يحلف على السبب تحلف المرأة بالله ما زوجت نفسها منه بكذا، ويحلف الزوج بالله ما تزوجتها على كذا إلا إذا عرض المدعى عليه ويحتمل أن يكون، ذكر الخصاف ﵀ قول الكل احتياطاً لأمر الفرج.
وفي كتاب الأقضية أن على «ظاهر الرواية» يحلف على الحاصل وعن أبي يوسف أنه يحلف (٩٤ب٤) الزوج بالله ما هذه امرأتك، وإن كانت امرأتك فهي طالق ثلاثاً، وهذا حسن؛ لأن بيمينه لا يقع الفرق بينهما وبين الله تعالى ولا يسعها أن تتزوج فتبقى معلقة فتطلق منه، فكان النظر في الاستحلاف على هذا الوجه.
ولو ادعى على رجل أنه زوج ابنته الكبيرة منه وأنكر الأب ذلك لا يستحلف الأب عندهما بخلاف ما إذا كانت الابنة صغيرة؛ لأن الاستحلاف للنكول عندهما، وإقرار الولي على وليته البالغة بالنكاح عندهما لا يصح وعلى وليته الصغيرة صحيحة، ولكن تستحلف الابنة إذا كانت كبيرة وتستحلف على العلم؛ لأنها تستحلف على فعل الغير.
ولو ادعي على رجل أنه زوج أمته منه يستحلف المولى عندهما، وإن كانت كبيرة؛ لأن إقرار المولى على أمته بالنكاح صحيح عندهما وإن كانت الأمة كبيرة، عرف ذلك في كتاب النكاح.
جئنا إلى النسب فنقول: إقرار الرجل يصح بأربعة: بالأب والابن والزوجة والمولى، وإقرار المرأة يصح بثلاثة: بالأب والزوج والمولى، ولا يصح إقرارهما بغير هؤلاء وأراد بهذه الصحة الصحة مطلقاً فيما يلزم المقر والمقر له من الأحكام، وفيما يلزم غيرهما، وأراد بعدم الصحة عدم الصحة فيما يلزم غيرهما من الأحكام، أما فيما يلزمهما من الأحكام فالإقرار صحيح، إذا وجد التصديق من المقر له وهو من أهل التصديق في
стр. 3613
جميع الصور، حتى إن من أقر بأخ وله أخ معروف وصدقه المقر له في إقراره وكذبه الأخ المعروف، صح إقراره في حق نفسه، حتى لا يشارك المقر له الأخ المعروف في نصيبه.
فقد فرق بين الرجل وبين المرأة في الإقرار بالابن، فصححه من الرجل ولم يصححه من المرأة، وكان ينبغي أن لا يفرق بينهما؛ لأن علة انتساب الولد بانخلاق الماء، وهما في ذلك على السواء، والجواب: أن هذا من حيث الحقيقة هكذا، أما من حيث الحكم فالنسبة إلى الآباء، قال الله: ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ (الأحزاب: ٥) وقال الله تعالى: ﴿وعلى المولود له﴾ (البقرة: ٢٣٣) فالأب في هذا الباب أصل والأم تابع، فإذا أقر الرجل بالابن فقد أقر على نفسه، وإذا أقرت المرأة بذلك فقد أقرت على الغير فلا يصح.
وفرق في حق الرجل بين الإقرار بالابن وبين الإقرار بالأخ والعم وما أشبههما، والفرق أن الإقرار بالبنوة إقرار على نفسه وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فأما الإقرار بالأخ والعم إقرار على الغير ابتداء وهو الأب أو الجد فإنما يصير أخاً له بواسطة ثبوت البنوة من الأب بإقراره، فكيف يثبت بواسطة الأخوة وكذا الإقرار بابن الابن غير صحيح؛ لأنه لا بد له من ثبوت البنوة من أبيه، ولا يجوز أن يثبت البنوة من أبيه بإقراره، وإنما صح الإقرار بالأب والزوجة والزوج والمولى؛ لأنه ليس بإقرار على الغير وهذا كله إذا لم يدع مالاً بدعوى النسب، فأما إذا ادعى مالاً بدعوى النسب، بأن ادعى رجل وامرأة على رجل أنه أخوه لأبيه أو أخته لأبيه وقد مات الأب وترك أموالاً كثيرة في يد هذا وطلب الميراث وادعى رجل وهو زمن على رجل أنه أخوه لأبيه وطلب من القاضي أن يفرض النفقة عليه، وأنكر المدعى عليه ذلك، فالقاضي يحلفه، لأن المقصود دعوى المال وفي دعوى المال يستحلف بلا خلاف.
وكذلك إذا لم يدع مالاً بدعوى النسب ولكن ادعى حقاً في ضمن دعوى النسب لا يثبت له ذلك الحق إلا بثبوت ذلك النسب فستحلف على دعوى النسب فقد ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : إذا ادعى الرجل حجراً على رجل بأن التقط رجل لقيطاً فجاء رجل وقال للملتقط: هذا الصغير الذي التقطته أخي وأنا أحق به، وأنكر ذو اليد أنه أخوه، حلف ذو اليد على ذلك.
وكذلك إذا وهب رجل لرجل شيئاً، وأراد الواهب الرجوع في الهبة فقال الموهوب له: أنا أخوك ولا حق لك في الرجوع، وأنكر الواهب أخوته كان للموهوب له أن يحلفه؛ لأن المقصود إثبات ذلك الحق ثم في دعوى النسب مع المال في موضع لا يصح الإقرار بالنسب إذا جرى الاستحلاف، يستحلف على النسب أو على المال، ذكر في الأقضية أنه يستحلف على المال، وذكر الخصاف أنه يستحلف على النسب فإذا نكل يقضى بالمال ولا يقضى بالنسب.
وإن ادعى رجل على رجل إجارة ضيعة أو دار أو حانوت أو إجارة عبد أو دابة أو نحو ذلك مما يؤاجر، أو ادعى مزارعة أرض أو معاملة في النخل والشجر، أو ادعى عارية في عين أو وديعة وأنكر المدعى عليه ذلك حلفه القاضي على الحاصل، أما الوديعة
стр. 3614
والعارية فقد مر الكلام فيهما، وإنما ذكرناهما ثانياً لزيادة فوائد، ثم إن كان العين حاضراً يستحلف بالله ما هذا العين ملك هذا المدعي، ولا شيء منه.
وكان الإمام الحاكم أبو محمد ﵀ يقول: الأحوط أن يحلف بالله ما هذا الثوب لهذا ولا عليك تسليمه ولا تسليم شيء منه إلى هذا المدعي من الوجه الذي يدعيه المدعي، وإن كان غائباً أو كان مستهلكاً يستحلف بالله ما عليك تسليم هذا العين ولا تسليم قيمته ولا جزء منه ولا تسليم مثله إلى هذا المدعي، وهذا الجواب جواب ظاهر الرواية لما ذكرنا، وإن كان العين مستهلكاً وأقر المدعي بالهلاك يستحلف المدعى عليه على القيمة عند بعض المشايخ، وقال بعضهم: يستحلف على العين والقيمة عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما على القيمة وأما الإجارة فيستحلف بالله ما بينك وبين هذا المدعي إجارة قائمة بأمته لازمة اليوم، في هذا العين المدعى ولا له قبلك فيها حق بالإجارة التي وصف، قيل هذا الجواب على ظاهر الرواية، أما على قياس رواية أبي يوسف ﵀: ينبغي أن يستحلف على السبب وهو الإجارة وإليه مال فخر الإسلام علي البزدوي وقيل: لا بل في الإجارة يستحلف على الحاصل على قول الكل فرق هذا القائل لأبي يوسف ﵀ على الرواية التي قيل، يستحلف على السبب في جنس هذه المسائل بين الإجارة وبينما تقدم.
والفرق: أن في التحليف على السبب هاهنا ضرراً للمدعي؛ لأن المنافع لا تتقوم بنفسها، وإنما تتقوم بالعقد فإذا حلفناه على السبب وحلف ينتفي العقد ولم يثبت تقوم المنافع فلا يثبت للمدعي حق الرجوع بشيء فلا يكون الاستحلاف على النسب مفيداً بخلاف ما تقدم؛ لأن العين متقوم في نفسه، فإذا حلفناه على السبب وحلف وانتفى العقد يبقى العقد مضموناً بنفسه، فيمكن الرجوع بضمان العين، فكان التحليف على السبب مفيداً والأول أصح، وكذلك الجواب في المزارعة والمعاملة؛ لأنها إجارة إلا أن الأجرة فيهما جزء من الخارج.
وإن ادعى المدعي أجرة الدار وجحد المدعى عليه يستحلفه القاضي بالله ماله قبلك هذا الأجر الذي يدعيه؛ لأن الدعوى وقع فيه، إلا أنه إنما استحلفه على الأجر والدار والوقف الذي ادعى كيلا يتأول الحالف متى حلف على الأجر غير أنه لا أجر عليه بسبب شيء آخر سوى الدار، أو يتأول أنه لا أجر عليه بسبب وقف آخر غير الوقف الذي ادعاه المدعي، قالوا: وإن شاء القاضي حلفه بالله ما له قبلك هذا الأجر الذي سمى بهذا السبب الذي ادعى أو من هذا الوجه الذي ادعى.
قال: ولو ادعت امرأة على زوجها، أنها سألته أن يطلقها فقال لها: أمرك بيدك، وإنها اختارت نفسها وأنكر الزوج ذلك، فهذه المسألة على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول أن ينكر الزوج الأمر والاختيار جميعاً، وفي هذا الوجه القاضي لا يحلف الزوج على الحاصل بلا خلاف لا يحلفه بالله، ما هي بائن منك الساعة من الوجه الذي ادعت، لأن عند بعض العلماء الواقع بلفظ الأمر باليد رجعي، فلو حلفناه ما هي
стр. 3615
بائن منك ربما يتأول قول هذا القائل فيحلف على السبب ولكن يحتاط فيه للزوج فيحلف بالله ما قلت لها منذ أن تزوجها أمرك بيدك بعد مسألتها الطلاق وما يعلم أنها اختارت نفسها بعد ذلك في مجلس الأمر بجواز أنه تزوجها بعد ما اختارت نفسها بحكم ذلك الأمر، فلا يمكنه الحلف على ذلك الأمر، ولو أقر بذلك ثم ادعى النكاح بعده لم يصدق ويلزمه الطلاق فيحلفه على الوجه الذي ذكرنا احتياطاً.
وإن أقر بالأمر وأنكر اختيارها نفسها بخلاف الزوج أيضاً؛ لأنه لا يقبل قولها أنها اختارت نفسها لأنها اخبرت عما لا تملك الإنشاء؛ لأنها لا تملك اختيارها نفسها، بعدما قامت عن المجلس فلا يقبل قولها ولكن يحلف الزوج بالله ما يعلم أنها اختارت نفسها في مجلس الأمر الذي ادعت.
وإن أقر بالاختيار وأنكر (٩٥أ٤) الأمر يحلف الزوج بالله ما جعلت أمر امرأتك هذه بيدها قبل أن تختار نفسها في مجلس الأمر يقع الطلاق، فالمرأة تدعي عليه معنى لازماً فيحلف على الوجه الذي قلنا، ذلك إذا ادعت أن الزوج حلف بطلاقها أن لا يفعل كذا وقد فعل، وهو على التفصيل الذي قلنا إن أنكر الزوج الأمرين يستحلف؛ لأن المرأة ادعت البينونة بسبب التعليق ووجود الشرط والزوج ينكر فيعتبر بما لو ادعت البينونة بسبب المتجر، وهناك يستحلف الزوج بلا خلاف والاستحلاف يجري في الفرقة والطلاق بلا خلاف ثم في ظاهر الرواية يحلف على الحاصل بالله ما هي بائنة بثلاثة تطليقات من الوجه الذي ادعت، وعلى قياس رواية أبي يوسف يحلف على السبب بالله ما حلفت بطلاقها، أن لا تفعل كذا ثم فعلت وإن أقر باليمين وأنكر الفعل كذا، هكذا ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» .
بعض مشايخنا قالوا: هذا على رواية أبي يوسف ﵀، أما على ظاهر الرواية يحلف على الحاصل: بالله ما هذه المرأة بائنة منك بثلاث تطليقات، وإن أنكر اليمين وأقر بالفعل يحلف بالله ما حلفت بطلاق امرأتك هذه ثلاثاً أن لا تفعل كذا قبل أن تفعله، بعض مشايخنا قالوا: هذا رواية أبي يوسف، أما على ظاهر الرواية: يحلف على الحاصل على نحو ما بينا؛ وهذا لأنه من الجائز أنه حلف ولكن أبانها بواحدة ثم فعل ذلك الفعل ثم تزوجها.
وعلى هذا إذا ادعى العبد والأمة على المولى أنه حلف أن لا يفعل كذا وقد فعل.
ذكر في كتاب الأقضية: ولو ادعى رجل على رجل أني اشتريت منك أمتك هذه بعبدي هذا، وأنكر المدعى عليه فالقاضي يحلف المدعى عليه بالله ما هذه الأمة له شراء بهذا العبد ولا يحلف ما بعت، وهذا على ظاهر الرواية على ما ذكرنا.
ذكر بعد هذه المسألة دعوى الشراء من المشتري، وذكر فيها تفصيلاً، فقال: إن ذكر
стр. 3616
المشتري نقد الثمن يحلف المدعى عليه بالله ما هذا العبد ملك هذا المدعي ولا شيء منه بالسبب الذي ادعى، ولا يحلف ما بعت، وإن لم يذكر المشتري نقد الثمن يقال له: أحضر الثمن، فإذا أحضره يستحلفه القاضي بالله ما عليك قبض هذا الثمن وتسليم هذا العبد من الوجه الذي ادعى، وإن شاء حلفه بالله ما بينك وبين هذا شراء قائم الساعة.
والحاصل: أن دعوى الشراء مع نقد الثمن دعوى المبيع ملكاً مطلقاً معي، وليس بدعوى العقد ولهذا يصح مع جهالة الثمن، فيحلف على ملك المبيع ودعوى البيع مع تسليم المبيع دون الثمن.
قال في كتاب الاستحلاف: ولو أن رجلاً ادعى أنه اشترى من رجل داراً بألف درهم أو عبداً أو ثوباً وقدمه إلى القاضي فادعى ذلك كله وجحد المدعى قبله ذلك، وقال: ما بعت منك شيئاً قط وطلب المدعي يمين المدعى قبله، فالقاضي يحلفه بالله ما هذه الدار للمدعي بهذا الشراء الذي ادعى أنه اشتراها بهذا الثمن الذي سمى، يستحلف على الحاصل، ولا يستحلف على الفعل بالله ما بعت منه وهذا جواب ظاهر الرواية، ثم ذكر أنه يستحلف على العين والثمن جميعاً، وكان يجب أن يستحلف على العين لا على الثمن لأنه إنما يستحلف على ما وقع فيه الدعوى، والدعوى وقعت في العين لا في الثمن إلا أنه استحلفه على الثمن والعين والبيع جميعاً، وذلك لأنه من الجائز أن يقر الجاحد بالبيع بعدما حلف فيصح إقراره، إلا أنه يدعي أن ثمنه كان ألفي درهم والمشتري يقول كان الثمن ألف درهم، فيجب التحالف؛ لأنهما اختلفا في مقدار الثمن والمعقود عليه قائم، والاختلاف في الثمن متى وقع على هذا الوجه، فإنه يجب التحالف، ومتى كان حلف الجاحد على البيع والثمن الذي ادعاه المشتري لا يحتاج القاضي إلى أن يحلف البائع ثانياً، وإنما يحتاج إلى أن يحلف المشتري بالله ما اشتريت بألفي درهم لا غير ففي الاستحلاف على العين لا غير تكرير اليمين، وفي الاستحلاف على العين والثمن تقليل اليمين، فكان هذا أولى، فلهذا استحلف البائع على البيع والثمن جميعاً.
هذا الذي ذكرنا إذا ادعى المدعي أنه اشترى وأنكر البائع، فأما إذا ادعى أنه باع من المدعى قبله ذلك بألف درهم وجحد المدعى قبله ذلك، وقال: ما اشتريت منه شيئاً قط، وسأل المدعي من القاضي أن يحلف المدعى قبله على ذلك كيف يحلفه؟ فهذا لا يصح من وجهين: أما إن ادعى المدعى أنه سلم ما باع منه إلى المدعي قبله ولم يقبض منه الثمن، أو ادعي أنه لم يسلم ما باع منه، ولا قبض منه ثمنه، فإن ادعى أنه باع وسلم ولم يقبض منه الثمن ذكر أنه يحلف بالله ما له قبلك هذا الثوب ولا ثمنه أو هذه الدار التي يدعيها ولا ثمنها، فيستحلفه على الحاصل ولا يستحلفه بالله ما اشتريت بالثمن الذي ادعاه وهذا جواب ظاهر الرواية، فيستحلف على العين والثمن جميعاً، وكان يجب أن يستحلف على الثمن؛ لأن الدعوى وقع في الثمن إذا كان المبيع مسلماً في العين، لكن
стр. 3617
إنما استحلفه على العين والثمن والبيع وذلك لأنه يجوز أن يقر المدعى عليه بعدما حلف بالشراء، ويصح إقراره ثم يختلفان في المعقود عليه، فيقول المدعى قبله: اشتريت منك ثوباً أو داراً آخر، فيجب التحالف؛ لأنهما اختلفا في المعقود عليه والمعقود عليه قائم، والاختلاف في المعقود عليه حال قيامه يوجب التحالف، فمتى حلف على الثمن لا غير متى احتيج إلى التحالف يحتاج البائع إلى أن يحلف المدعى عليه ثانياً بالله ما اشتريت الدار التي يدعيه المدعى بالثمن الذي سماه.
وإذا حلفناه على البيع والعين والثمن الذي سماه فمتى وجب التحالف يحتاج أن يحلف البائع بالله ما بعت من هذا المشتري ما يدعيه البائع، فيكون في الاستحلاف على العين والثمن تقليل اليمين، وفي الاستحلاف على الثمن تكرير اليمين، فكان الاستحلاف على وجه فيه تقليل اليمين أولى،
ثم قال في «الكتاب» : وإن حلفه بالله ماله منها قليل ولا كثير جاز، والأولى أجود أما يجوز؛ لأن قوله بالله ماله منها قليل ولا كثير بما يتناول العين والثمن جميعاً؛ لأن قوله منها كناية عن العين والثمن إلا أن الأول أجود؛ لأن العين والثمن صارا مذكورين على سبيل الاقتصار، فكان ذكرهما على سبيل التصريح أجود، هذا إذا ادعى أنه كان باع وسلم ولم يقبض منه الثمن، وإن ادعى أنه باع ولم يسلم ولم يقبض منه الثمن قال: يحلفه القاضي بالله ما هذه الدار لك بهذا البيع الذي يدعي بهذا الثمن الذي سمى، فقد استحلفه على الحاصل وهذا جواب ظاهر الرواية، وإذا وجب الاستحلاف على الحاصل في ظاهر الرواية استحلفه على العين والثمن جميعاً، لما ذكرنا أنه يجوز أن يقر المدعى قبله بالشراء بعد ما حلف، فيصح إقراره إلا أنه يقول: ما اشتريت منك هذه الدار الأخرى، فيقع بينهما اختلاف المعقود عليه، فيجب التحالف فمتى لم يحلف المدعى قبله بالله ما هذه الدار لك بهذا البيع الذي يدعي بهذا الثمن الذي سمى يحتاج القاضي إلى أن يحلف المدعى قبله ثانياً، فيتكرر اليمين عليه، ومتى حلفناه على ذلك يحتاج إلى أن يحلف البائع لا غير، فكان تحليفه على البيع والعين وفيه تقليل اليمين أولى.
وإذا استصنع الرجل عند رجل قلنسوة أو خفاً، وجاء به العامل مفروغاً عنه، فقال الآمر: ليس هذا على المقدار الذي أمرتك به. وقال الصانع: هو كما أمرتني به، ذكر في كتاب الاستحلاف أنه لا يستحلف الصانع وهذا الجواب لا يشكل على قول من يقول بأن الاستصناع مواعدة وليست بمعاقدة وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀؛ لأن الاستحلاف لا يجري في المواعيد، وأما على قول من يقول باب الاستصناع معاقدة فقد اختلفت عبارة المشايخ فيه، وأصح ما قيل: أن الاستصناع ينعقد إجارة ابتداء وبيعاً انتهاء متى سلم، ولكن قيل: التسليم فحال ما جاء الصانع به في المستصنع، واختلفا قبل التسليم إلى الآمر فهذا آجر ومستأجر اختلفا بعد انقضاء مدة الإجارة، وفي مسألة لا يجري (فيها) الاستحلاف على ما عرف.
وإذا قال لغيره: أخذك غلامي حتى كتبت لي بفلان حلف على حاصل الدعوى،
стр. 3618
ولكن إنما يحلف إذا ادعى كفالة صحيحة منجزة أو معلقة بشرط متعارف، وذكر أن الكفالة له كانت بإذنه، أو ذكر إجازته لتلك الكفالة في مجلس الكفالة أما بدون ذلك لا يكون مدعياً كفالة صحيحة، فلا يترتب عليه التحليف ثم كيفية التحليف على الحاصل في هذا: أن الكفالة إن كانت بالمال، حلفه بالله ماله قبلك هذه الألف درهم بسبب هذه الكفالة التي يدعيها يذكر بسبب هذه الكفالة التي يدعيها حتى لا تتناول كفالة أخرى غير ما وقع فيه الدعوى وإن كانت كفالة بعرض يحلفه (٩٥ب٤) بالله ماله قبلك تسليم نفس فلان بسبب هذه الكفالة التي يدعيها.
رجل في يديه سلعة لا يعلم لأحد فيها حقاً، جاء رجل وادعى فيها دعوى وسع الذي في يديه أن يحلفه البتة بالله ماله فيها حق، لأنه وجد سبب الملك في حقه وهو الاستيلاء، وإنه يقضي انتفاء حق الغير، فكان له أن يعتمد على هذا السبب ويحلف.
ألا ترى أنه لو كان مكان ذلك في يديه جارية كان له أن يعتمد على هذا السبب ويطأها، فكذا يجوز الاعتماد عليه في حق الحلف ولو كان المدعي مع المدعى عليه تصالحاً من دعوى المدعي على دارهم، ثم إن المدعى عليه جحد حق المدعي فيه لا يسعه أن يحلف ما له قبله حق، فعلم أنه لا حق له في ذلك الشيء.
وإذا أحال الرجل غريماً من غرمائه على رجل بألف درهم، ثم إن المحتال له قدم المحيل إلى القاضي وهو لا يرى الحوالة توجب براءة الأصل وذلك قبل أن يجحد المحتال له، وقبل أن يفلس، حل للمحيل أن يحلف ما له عليه حق، إذا كان من رأي المحيل أن الحوالة توجب براءة الأصيل؛ لأن لكل أحد أن يتبع رأي نفسه في المجتهدات ما لم يصر مقضياً عليه، وإن قضى للمحتال له بمطالبة المحيل وجعل الحوالة بمنزلة الكفالة به أراد المحيل أن يحلف على براءة نفسه، لا يسعه ذلك؛ لأن قضاء القاضي حصل في محل مجتهد فيه؛ لأن من مذهب زفر والقاسم بن معن، أن الحوالة لا توجب براءة الأصيل فصار المحيل مقضياً عليه فلا يتبع رأي نفسه بعد ذلك، ولا يحلف على براءة نفسه.
رجل في يديه دار يزعم أن طائفة منها له يعلم مقدارها أو لا يعلم، فادعى رجل لنفسه فيها حقاً معلوماً بأن قال أدعي الثلث والربع، فقال المدعى عليه للقاضي: إنا نعلم للمدعي فيها حقاً ولكن لا أدري مقدار حقه فادع إليه ما أحسنت لا ينبغي للقاضي أن يتعرض لذلك بشيء، ولكن يحلف المدعى عليه على ما ادعى المدعي، فإن نكل فقد صار مقراً بذلك القدر أو صار باذلاً لذلك القدر، وأياً ما كان فهو حجة، وإن حلف على ذلك المقدار المعين، فالقاضي يسكن المدعي مع المدعى عليه في الدار بإقراره، أن له فيها حقاً؛ لأنه قد أقر للمدعي بالشركة فيها ولكن أنكر قدر ما ادعاه المدعي، ولم يثبت القدر كما حلف عليه بقي أصل الشركة، وفي حكم الشركة في الدار بين اثنين أو بين جماعة أن يسكنوا فيها، حتى ينتفع كل واحد بنصيبه بقدر الممكن.
قال في كتاب الصلح: رجل ادعى على رجل ديناً أو عيناً والمدعى عليه ينكر ذلك،
стр. 3619
فاصطلحا على أن يحلف المدعى عليه وهو بريء من المال فحلف المدعى عليه فالصلح باطل والمدعي على دعواه إن أقام بينة أخذه بها؛ وهذا لأن المدعى عليه لو استفاد البراءة إما أن يستفيد بهذا الصلح ولا وجه إليه لأن هذا صلح مخالف قضية الشرع، لأن قضية الشرع أن يمين المدعى عليه لا يمنع المدعي من إقامة البينة، وإما أن يستفيد البراءة بطريق إسقاط الحق ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن حق المدعي في إثبات ما ادعاه بالبينة ثابت شرعاً على وجه لا يتمكن من إسقاطه مع بقاء أصل حقه، وإنه لم يسقط أصل حقه حين طلب يمين المدعى عليه لا يمنع المدعي من إقامة (البينة) ، وإما أن يستفيد البراءة بالتنصيص على البراءة عند الحلف ولا وجه إليه؛ لأن البراءة معلوم بالشرط وتعليق البراءات بالشرط باطل، فإن لم يجد البينة وأراد أن يستحلف المدعى عليه عند القاضي بعد ذلك ينظر إن لم يكن الاستحلاف الأول بين يدي القاضي، فالقاضي يستحلفه ثانياً؛ لأن اليمين عند غير القاضي غير معتبرة؛ لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، وإن كان الاستحلاف الأول من القاضي لا يحلفه ثانياً؛ لأن اليمين الأولى وقعت معتبرة؛ لأنها وقعت قاطعة للخصومة.
وكذلك لو اصطلحا على أن المدعي لو حلف فالمدعى عليه ضامن للمال، وحلف فالصلح باطل ولا شيء على المدعى عليه لأنه صلح على مخالفة الشرع لأنهما بهذا الصلح جعلا اليمين حجة للمدعي واليمين في الشرع لم تجعل حجة للمدعي.
قال هشام: سألت محمداً ﵀ عن رجل له على رجل مال مؤجل فقدمه إلى القاضي قبل أن يحل المال الذي يدعيه قبله، فحلف الرجل بالله ما له اليوم عليه شيء، وجهل القاضي وقبل ذلك منه هل يسع الحالف ذلك؟ قال: إن كان لا يرى أن يذهب بحقه فأرجو أن لا يكون بأس فقلت: فهل ينبغي للقاضي أن يقبل ذلك منه؟ قال: لا ولكنه يحلفه بالله ما له قبله شيء.
وذكر في «المنتقى» في باب الاستحلاف: رجل له على رجل ألف درهم نسيئةً، فأراد أن يحلفه بها عند القاضي ينبغي للمدعى عليه أن يقول للقاضي: سله أيدعي حالاً أو نسيئةً، فإذا قال: حالاً يحلف بالله ماله عليّ هذه الألف التي يدعيها ويسعه.
وإذا ادعى رجل على رجل دعوى وجحده المدعى عليه واستحلفه القاضي على ذلك فأبى أن يحلف، فإنه ينبغي للقاضي أن يقول له: إنك نكلت عن اليمين، ومن رأي القاضي بالنكول فأعرض عليك اليمين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بالمال، فلو عرض عليه اليمين بعد ذلك ثلاث مرات وأبى أن يحلف قضى عليه بالمال هكذا ذكر الخصاف في كتابه، وهو مروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏، ذكر روايتهم في كتاب الاستحلاف، وشرط الخصاف ﵀ أن يقول له القاضي في كل مرة: احلف وإلا قضيت عليك.
واختلف المشايخ أن التقدير بالثلاث في عرض اليمين هل هو أمر لازم؟ وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا قضى القاضي عليه بالنكول في المرة الأولى، هل ينفذ قضاؤه؟
стр. 3620
كان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀ يقول: العرض ثلاث مرات أمر لازم، قيل: وهكذا روي عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وبعض مشايخنا قالوا: إنه ليس بلازم.
وذكر شيخ الإسلام في شرح «السير الكبير» : أن القاضي إذا عرض اليمين على المدعى عليه ولم يحلف، إن صرح بأنه لا يحلف، فالقاضي لا يعرض عليه اليمين مرة أخرى، بل يقضي عليه، وإن سكت فالقاضي يعرض عليه اليمين ثلاث مرات ويقول في كل مرة: إن حلفت وإلا قضيت عليك بالمال.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ في شرح كتاب الدعوى أن القاضي لو قضى في المرة الأولى، عامة المشايخ على أنه ينفذ قضاؤه، وبعضهم قالوا: لا ينفذ قضاؤه. قال محمد ﵀: والصحيح ما عليه عامة المشايخ.
وجه قول من قال: بأن التقدير بالثلاث ليس بأمر لازم: أن يكون له متسع للتورع عن اليمين الكاذبة إلا أنه يستحب العرض ثلاث مرات حتى يتأمل هل عليه شيء أم لا؛ أو لأنه يحتمل أنه لم يفهم كلام القاضي فالقاضي يبلي عذره فيه، والثلاث حسن لإبلاء العذر. ألا ترى أن المرتد يمهل ثلاثة أيام ولو لم يمهل وقتل في اليوم الأول جاز كذا ها هنا.
وجه القول الآخر: أن النكول حجة محتملة؛ لأنه يحتمل أنه نكل تورعاً عن اليمين الكاذبة، ويحتمل أنه نكل لاشتباه الحال، فما لم يتأيد بمؤيد لا يعمل به فإذا نكل ثلاث مرات فقد وجد المؤيد وقبل ذلك لم يوجد المؤيد فلو أن القاضي عرض عليه اليمين ثلاث مرات وأبى أن يحلف فقضى عليه بالنكول ثم قال أنا أحلف لا يلتفت إليه؛ لأن قضاء القاضي قد نفذ وأفاد حكمه، فلا يمكن نقضه بعد ذلك من غير حجة وهو معنى قول شريح ﵁ في مثل هذه الصورة: قد مضى قضاء لي. ولو قال: أنا أحلف قبل أن يقضي عليه قبل ذلك منه؛ وهذا لأن النكول لا يكون حجة قبل إيصال القضاء به، فلم يلزمه بسببه شيء فكان له أن يحلف بخلاف الإقرار، ويقبل ذلك؛ لأنه عسى كان النكول، ليتأمل هل الأمر كما يزعم المدعي وإنه صادق في الإنكار حلف، فلهذا يقبل ذلك منه.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: وهو نظير ما قلنا في أحد الزوجين إذا أسلم أنه يعرض الإسلام على الآخر ثلاث مرات، ويقول له القاضي: إن امتنعت عن الإسلام أفرق بينك وبين صاحبك فإن امتنع في المرة الثالثة، فالقاضي يفرق بينهما، فإن قال: بعد ذلك أنا أسلم لا ينفعه إسلامه في هذا النكاح، وإن قال: أنا أسلم قبل قضاء القاضي بالفرقة، فالقاضي لا يفرق بينهما.
ثم النكول الذي يترتب عليه القضاء عندنا مختص بمجلس القضاء؛ لأن النكول الذي يترتب عليه القضاء النكول عن اليمين القاطعة للخصومة، واليمين القاطعة للخصومة مختص بمجلس القضاء ويشترط أن يكون القضاء على فور النكول عند بعض المشايخ، وعلى قول الخصاف لا يشترط وقد مر هذا من قبل.
стр. 3621
قال الخصاف ﵀: وإن استمهل المدعى عليه من القاضي يومين أو ثلاثة بعدما عرض عليه القاضي اليمين ثلاث (٩٦أ٤) مرات ونكل عن اليمين في كل مرة فلا بأس بأن يمهله القاضي؛ لأنه طلب من القاضي أن ينظر له بالتأخير حتى ينظر فيه، ويتأمل فيزول الاشتباه عنه والقاضي نصب ناظراً، فلهذا قال: لا بأس بأن يمهله القاضي، وإن لم يمهله وأمضى الحكم جاز؛ لأن دليل القضاء قد وجد وعسى يكون مراده من الإمهال تضييع حقه بالتأخير وهو نظير أمر المرتد (إذا) استمهل يمهل له ثلاثة أيام، وإن لم يمهل له وقتل جاز كذا ها هنا، فلو أن القاضي عرض عليه اليمين في المرة الأولى فقال: لا أحلف، فلما عرض عليه اليمين في المرة الثانية قال: أحلف ثم لم يحلف، فالقاضي يحتسب بما سبق حتى يعرض عليه اليمين مرة واحدة بعد ذلك، وإذا نكل قضى عليه، ولو أن القاضي (عرض) عليه اليمين في المرة الأولى فقال: لا أحلف ثم استمهل ثلاثة أيام فأمهله القاضي، فلما مضت الأيام الثلاثة، فالقاضي يستقبل العرض عليه ثلاث مرات ولا يحتسب بما سبق.
والفرق: أن في المسألة الأولى لو لم يحتسب بما سبق لا يمكن القاضي من القضاء بالنكول أصلاً؛ لأنه كلما أراد أن يقضي عليه بالنكول يقول: أنا أحلف، فيحتاج إلى استقبال عرض اليمين ثلاث مرات فيتعذر عليه القضاء، أما في مسألة الاستمهال لو لم يحتسب بما سبق لا يتعذر عليه القضاء بالنكول؛ لأنه لو استمهل مرة أخرى فالقاضي لا يمهله، ولأن عرض اليمين إنما يبقى معتبراً إذا بقي للاستحلاف حقاً مستحقاً للمدعي فبقي العرض معتبراً.
قال: ولو أن المدعى عليه حين أنكر دعوى المدعي، وعرض عليه القاضي اليمين لم يقل: لا أحلف ولكنه سكت، فالقاضي يقول: إني أعرض عليك اليمين ثلاثاً، فإن لم تحلف قضيت عليك بما ادعى ثم يعرض عليه اليمين ثلاثاً، فإن حلف وإلا ألزمه ذلك، فقد جعل الساكت ناكلاً وإنما جعل كذلك؛ لأنه بالسكوت امتنع عن اليمين المستحقة فصار به ظالماً فيجعله القاضي ناكلاً ليقضي عليه هل يظلمه؟ ألا ترى أنه لو امتنع عن جواب المدعى عليه بالسكوت، فالقاضي يجعله ناكلاً فكذا هاهنا.
وبهذا يتبين أن النكول نوعان: حقيقي وحكمي، فالحقيقي: أن يقول لا أحلف والحكمي: أن يمتنع عن اليمين، ولكن إنما يجعل الإباء عن اليمين نكولاً إذا عرف أنه ليس في لسانه آفة تمنعه عن اليمين، وإذا عرف أنه ليس في أذنه آفة تمنعه عن سماع كلام القاضي، وهذا لأن الإنسان قد يسمع كلام القاضي، ولكن لا يمكنه أن يجيب؛ لأن في لسانه آفة وقد يمكنه أن يجيب إلا أنه لا يمكنه أن يسمع لآفة في سمعه وما لم يسمع ولم يقدر على الجواب لا يصير ظالماً بالإباء عن اليمين، فلا يجعل امتناعه عن اليمين نكولاً حكماً، وفي مسألتنا هذه عرف أنه لا آفة في لسانه ولا في سمعه؛ لأنه سمع كلام الخصم وأجابه في مجلس القاضي بالإنكار، فلهذا جعله ناكلاً حكماً.
ولو أن المدعي حين قدم المدعى عليه مجلس القاضي وادعى عليه الحلف الذي
стр. 3622
زعم أنه قبله فسأله القاضي عن دعواه فسكت ولم يجب القاضي لا بقليل ولا بكثير، وكلما كلمه القاضي بشيء لم يرد عليه الجواب، فإن القاضي لا يجعله ناكلاً لجواز أنه كان بسمعه آفة فلم يسمع كلام القاضي أو لم يكن بسمعه آفة إلا أنه كان بلسانه آفة فسمع كلام القاضي، إلا أنه لم يقدر على الجواب فلا يظهر ظلمه فلا يجعله القاضي ناكلاً، ولكن إذا كان في مجلس القاضي من يعرفه، فالقاضي يسألهم عنه، فإن شهدوا أنه عاقل ناطق سميع غير أبكم ولا أصم، فالقاضي يجعله ناكلاً ويقضي عليه، لأنه ظهر في الامتناع عن اليمين، وأما إذا لم يكن في مجلس القاضي من يعرفه فإن القاضي يقيمه عن مجلسه ويأخذ منه كفيلاً حتى يسأل عن معارفه وجيرانه، فإن سأل وأخبروا أنه لا آفة به أعاده إلي مجلسه، فإذا أعاده إلى مجلسه وهو ساكت بعد لا يتكلم:
أجمعوا على أن القاضي ينزله منكراً في حق سماع البينة عليه حتى لو أقام المدعى عليه بينة قبلت بينته وقضى عليه بالمال المدعى به، وأما في حق عرض اليمين عليه ثلاث مرات والقضاء عليه بالنكول هل ينزله منكراً؟ بعض مشايخنا قالوا: هذا على قولهم فأما على قول أبي حنيفة ﵀ فالقاضي يحبسه ولا يقضي عليه بالنكول.
وذكر الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: أن ما ذكر في «الكتاب» قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أما على قول أبي يوسف: فالقاضي لا يقضي عليه بل يحبسه حتى يجيب أو يحلف، وجه قول من قال: يستحلف ويقضي عليه: أنه جعل منكر في حق سماع البينة عليه فكذا في حق عرض (اليمين) ؛ لأن المعنى لا يختلف، وجه قول من قال لا يعرض عليه اليمين: أن الإنكار لم يوجد حقيقة، والشرع إنما شرع عرض اليمين والقضاء بعد ذلك بناء على الإنكار الحقيقي ولم يوجد.
وإن علم القاضي أن بلسانه آفة بأن علم أنه أخرس أمره أن يجيب بالإشارة ويعمل بإشارته، لأن الإشارة من الأخرس قائمة مقام الكلام من الناطق، ألا ترى أنه يعمل بإشارته في حق النكاح والطلاق، فإن أشار بالإقرار تم الإقرار وإن أشار بالإنكار عرض عليه اليمين، فإن أشار بالإجابة كان يميناً، وإن أشار بالإباء يكون نكولاً، فيقضي عليه بالنكول.
حكي عن موسى بن سليمان قال: سمعت محمد بن الحسن ﵀ (يقول) إذا أراد القاضي أن يستحلف الأخرس يقول له: عليك عهد الله إن كان لهذا عليك هذا الحق ويشير الأخرس برأسه أي نعم ولا يستحلفه بالله ما لهذا عليك هذا الحق فيشير برأسه أي نعم؛ وهذا لأن قوله بالله ما لهذا عليك هذا الحق، لا بد وأن يقول القاضي: قل بالله ليعرف الأخرس أنه يطلب منه اليمين؛ لأن قوله بالله ليس يخاطب الأخرس ولا يعني إلزام الأخرس، فلا بد من خطابه بقوله قل ليعرف أنه طلب منه اليمين.
بخلاف قوله: عليك عهد الله، فإن هناك لا يحتاج إلى أن يقول له القاضي قل علي عهد الله؛ لأن قوله عليك خطاب الأخرس وفيه ما يفتي عن إلزامه عليه فيعرف الأخرس أن القاضي يطلب منه، فلا حاجة إلى الخطاب بكلمة قل ثم إنما الفرق جاء بين الصورتين
стр. 3623
باعتبار أن الإشارة من الأخرس صحت إذا كانت معروفة كالكلام من الناطق.
ولو قال للناطق: عليك عهد الله إن كان لهذا عليك كذا، فقال نعم (انعقدت) يميناً؛ لأن نعم تتضمن إعادة ما في السؤال في غير الأول في الإيجابات، وقوله: عليك عهد الله ليس بإيجاب فيصير معاداً قوله عليه إن كان، وكأنه قال: علي عهد الله إن كان لهذا علي كذا ولو كان هكذا كان يميناً.
وإذا عرفت هذا في الناطق فكذا في الأخرس وإشارتهم عندهم نعم، ولو كان قال للناطق: قل بالله هذا أمر، وقوله نعم في جواب الأمر لا يجعل جواباً ولا يتضمن إعادة ما في الأمر. ألا ترى أنه إذا قيل في العرف: لرجل أدخل هذه الدار، فقال: نعم لا يجعل جواباً وإذا لم يتضمن إعادة ما في الأمر لا تصير إشارة الأخرس جواباً متضمناً إعادة ما في الأمر فلا يصير الأخرس حالفاً.
وعن بعض المتأخرين من مشايخنا أن من ادعى عيناً في يدي أخرس، فالأخرس يحلف على الإثبات بالله كه أين عين ملك تواست، ولا يحلف على النفي بالله كه أين عين ملك اين مدعى بنست؛ لأنه لو حلف على النفي فهو مشير بالنفي بالله كه أين عين ملك ابن مدعي بنست، وفيه احتمال يحتمل أن يكون نفياً لليمين يعني سموكند نمى خورم، فيحلف على الإثبات تحرزاً عن هذا الاحتمال، وإن كان المدعي أخرس وله إشارات معروفة وخصمه صحيح يحلفه بطلب الأخرس ويحلفه بالله الذي لا إله إلا هو كما إذا كانا صحيحين.
وإن كان المدعى عليه أصم مع كونه أخرس والقاضي يعرفه أنه أصم، فإن القاضي يكتب له ويأمره أن يجيب بالكتابة، وإن كان لا يعرف الكتابة وله إشارة معروفة يؤمر بالإشارة ليجيب وتعامل معه كما تعامل مع الأخرس، وإن كان المدعى عليه مع كونه أخرس وأصم وأعمى، فالقاضي ينصب عنه وصياً ويأمر المدعي بالخصومة معه إذا كان له أب أو جد أو وصيهما، وإن عرف القاضي خللاً في عقله أو عرفه عديم العقل، فإن كان له أب أو جد أو وصي أب أو وصي جد يحضره مجلس الحكم حتى يدعي عليه، وإن لم يكن له واحد من هؤلاء نصب عنه خصماً ثم يسمع الخصومة عليه، نظراً للمدعي بقدر الممكن.
ولو ادعى رجل على رجل مالاً بحكم الشركة وجحد المدعى عليه ذلك، ثم إن المدعى عليه قال: كان في يدي من مالك كذا وكذا بحكم الشركة ولكن قد دفعته إليك وأنكر المدعي الدفع والقبض هل يحلف المدعي على الدفع والقبض؟ ينظر إن كان المدعى عليه أنكر الشركة وكون مال الشركة في يده أصلاً بأن قال: (٩٦ب٤) لم يكن بيني وبينك شركة قط وما قبضت منك شيئاً بحكم الشركة لا يحلف المدعي على القبض، وإن كان المدعى عليه قال وقت الإنكار: ليس في يدي من مال الشركة شيء يحلف المدعي؛ وهذا لأن التحليف يترتب على دعوى صحيحة وفي الوجه الأول الدعوى لم تصح لمكان التناقض؛ لأن الجمع بين إنكار الشركة أصلاً وبين دعوى رد مال الشركة غير
стр. 3624
ممكن، أما في الوجه الثاني الدعوى قد صح لانعدام التناقض؛ لأنه يمكنه أن يقول ليس في يدي من مال شركتك لا أني قد دفعت إليك مال الشرك قبل هذا.
ولو ادعى عبداً في يد غيره، فقال صاحب اليد: إنه لفلان الغائب أودعنيه لا تندفع الخصومة عنه ما لم يقم البينة على ما ادعى عندنا وهي المسألة المخمسة، وإذا لم يقم بينه على ما ادعى حتى اختصما كان للمدعي أن يستحلفه على دعواه، فإن حلف برأ عن الخصومة وإن نكل قضى عليه بما ادعاه المدعي، فإن جاء المقر له الأول كان له أن يأخذ العبد من المدعي؛ لأن إقرار صاحب اليد الأول كان سابقاً على إقراره للمدعي فيثبت حق الأول في زمان لا مزاحم للمدعي فيه، ثم يقال للمدعي: أنت على خصومتك مع الأول، فإن أقام بينة على أنه له أخذه منه وإن لم يكن له بينة على ذلك استحلف الأول، فإن حلف برأ عن خصومة المدعي، وإن نكل قضى عليه بالعبد للمدعي؛ لأنه صار هو الخصم وترتيب الحجج بين الخصوم ما ذكرنا هذا أقر به الأول ونكل المدعي بعد ذلك، ولو لم يقل شيئاً حتى استحلفه المدعي ونكل وقضى به للمدعي ثم أقر به للغير، لا يصح إقراره ولا يضمن لذلك الغير شيئاً.
ولو أن رجلاً في يديه أمة أو عبد أو عرض من العروض، جاء رجلان وادعى كل واحد منهما أنه له وقدماه إلى القاضي، فسأله القاضي دعواهما فإن أقر به لأحدهما وجحد الآخر يؤمر بالتسليم إلى المقر له؛ لأن بدعواهما لا يبطل ملكه ويده فإقراره يكون إقراراً على نفسه، فيصح ويؤمر بالتسليم إليه، فإن أراد الآخر استحلافه فلا سبيل له عليه وتكون خصومة الآخر مع المقر له؛ لأن فائدة الاستحلاف النكول الذي هو إقرار وبدل وبعد ما خرج عن ملكه لا يصح منه البدل ولا الإقرار، فإن قال الآخر للقاضي: إنما أقر به له ليدفع اليمين عن نفسه فحلفه لي، فالقاضي يحلفه على ذلك، هكذا ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : وإنه ليس بصواب، والصواب أنه لا يحلفه لما ذكرنا أن فائدة الاستحلاف النكول الذي هو بدل أو إقرار.
ولو كان مكان دعوى الملك المطلق دعوى الغصب بأن ادعى رجلان عيناً في يدي ثالث ادعى كل واحد العين له غصبه صاحب اليد منه وقدماه إلى القاضي فأقر بالغصب من أحدهما، وأمر بالتسليم إليه، فأراد الآخر أن يستحلفه كان له ذلك؛ لأنه لو أقر للثاني يصح إقراره؛ لأنه يعيد الضمان عليه إن كان لا يفيد استحقاق العين؛ لأنه يقر للثاني بالغصب حسب إقراره الأول وقد عجز عن رده إلى الثاني والعجز عن رد المغصوب يوجب الضمان على الغاصب، حصل العجز من جهة الغاصب أو جهة القاضي بخلاف مسألة دعوى الملك المطلق فإن هناك لو أقر للثاني بعدما أقر للأول ودفع إلى الأول بقضاء لا يضمن للثاني شيئاً؛ لأنه ما أقر للثاني بلا ضمان؛ لأن مجرد الإقرار لا يصلح سبباً للضمان في حق الثاني، لأنه لا يزيل ملكه، ألا ترى أن الثاني لو أقام بينة أنه ملكه أخذه من الأول، وإذا خرج من الإقرار من البين بقي التسليم وأنه حصل بقضاء وأنه لا يصلح سبب ضمان، وإذا كان لا يضمن للثاني لو أقر بالعين له لم يكن الاستحلاف مفيداً
стр. 3625
لاستحقاق العين واستحقاق القيمة، فلا يستحلف.
ولو كان مكان دعوى الغصب دعوى الإيداع بأن ادعى كل واحد الوديعة في العين، فقال كل واحد: هذا العين لي أودعته من هذا فأقر به لأحدهما وأمره القاضي بالدفع إليه، فأراد الآخر أن يستحلفه لا يكون له ذلك؛ لأنه لو أقر للآخر بالعين بعد ذلك لا يضمن له، وإن صار العين تالفاً على الآخر؛ لأنه ما صار تالفاً بمجرد إقراره إنما صار تالفاً بالدفع إلى الأول والدفع إلى الأول حصل بقضاء قاض، وإذا كان لا يلزمه الضمان لو أقر به للثاني لم يكن الاستحلاف مفيداً.s
وعلى قول محمد ﵀ كان له أن يستحلفه؛ لأنه لو أقر للثاني يلزمه الضمان بترك الحفظ، فإذا أقر به للأول فقد سلطه على الآخر فصار تاركاً الحفظ في حق الثاني، فيلزمه الضمان كما لو دل سارقاً على سرقة الوديعة، وإذا كان يلزمه الضمان لو أقر للثاني كان الاستحلاف مفيداً فيستحلفه هذا إذا أقر به لأحدهما، فأما إذا أقر لهما أمر بالتسليم إليهما ولا يضمن لواحد منهما شيئاً، أما في دعوى الملك المطلق فظاهر، وأما في دعوى الوديعة، أما على قول أبي يوسف فظاهر أيضاً، وأما على قول محمد ﵀: فلأنه إنما يصير مقراً لكل واحد منهما بالنصف، وقد سلم إلى كل واحد منهما ما أقر به فلم يصر تاركاً الحفظ الملتزم في حق كل واحد منهما بخلاف ما إذا أقر لأحدهما أولاً، ثم أقر به للآخر؛ لأن هناك لم يسلم إلى الثاني ما أقر له، فصار تاركاً للحفظ الملتزم في حق الثاني فضمن له عند محمد ﵀ وأما في دعوى الغصب فلأنه صار مقراً لكل واحد منهما بالنصف، وقد سلم إلى كل واحد منهما ما أقر له بخلاف ما إذا أقر به لأحدهما ثم أقر به للثاني، فإن أراد أحدهما أن يحلفه على النصف الآخر لنفسه، ففي دعوى الملك المطلق لا يحلف، وفي دعوى الغصب يحلف، وفي دعوى الوديعة على قول أبي يوسف لا يحلف، وعلى قول محمد يحلف، وأما إذا جحد لهما وطلب كل واحد منهما من القاضي أن يحلفه له، فالقاضي لا يحلفه بالله ما هذا العبد لهما؛ لأن كل واحد منهما يدعى جميع العبد فكيف يستحلف له في نصفه، وهذا تحليف لكل واحد منهما في النصف ولكن يستحلف لكل واحد منهما بعد هذا اختلف المشايخ:
بعضهم قالوا: يحلف لهما يميناً واحدة بالله ما هذا العبد لهما لا لهذا ولا يحلف لكل واحد منهما يميناً على حدة؛ لأن عهد ذلك يحتاج إلى البداية بأحدهما وفيه تفويت التسوية، وبعضهم قالوا: يحلف لكل واحد منهما يميناً على حدة والرأي في ذلك للقاضي إن شاء بدأ بأحدهما من غير إقراع، وإن شاء أقرع بينهما تطييباً لقلوبهما ونفياً للتهمة عن القاضي، ثم إذا حلف لكل واحد منهما يميناً على حدة فالمسألة على ثلاثة أوجه:
الأول: إذا حلف لكل واحد منهما يميناً على حدة وفي هذا الوجه برأ عن دعواهما وهذا ظاهر.
الثاني: إذا حلف لأحدهما ونكل عن الآخر وإنه على وجهين: إن حلف للأول برأ عن دعواه، وإذا نكل للآخر قضى للآخر بكل العين كما إذا ادعاه وهو وحده فحلف ونكل، وإن نكل للأول فالقاضي لا يقضي بنكوله للأول بل يحلف للآخر وينتظر حاله مع
стр. 3626
الآخر بخلاف ما لو أقر به لأحدهما، فإن هناك القاضي يقضي بالعين للمقر له، وفي النكول قال: لا يقضي للذي نكل له، والفرق: أن الإقرار حجة موجبة الحق بنفسه لا تتوقف على قضاء القاضي، فحين أقر به للأول فقد ثبت الحق للأول فيؤمر بالتسليم إليه، فأما النكول لا يوجب الحق بنفسه بل يتوقف على قضاء القاضي، فإن القاضي بالقضاء به له مقراً أو ناكلاً على حسب ما اختلفوا فيه، فحين نكل للأول لم يثبت الحق بنكوله بل يتوقف على القضاء ولا يمكن للقاضي القضاء للأول ما لم يستحلفه للثاني.
فلو أنه قضى للذي نكل له أولاً مع أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك نفذ قضاؤه؛ لأنه حصل في محل مجتهد فيه، فإن الموضع موضع اشتباه الدليل؛ لأن النكول إقرار؛ ولأنه من العلماء من قال يجوز للقاضي، نكل أو لا، وهو مروي عن أبي يوسف ﵀.
ولو نكل لهما فهو على وجهين إما إن نكل لهما جملة بأن حلفه القاضي لهما يميناً واحدة كما هو قول بعض المشايخ، أو نكل لهما على التعاقب، فإن حلف القاضي لكل واحد منهما يميناً على حدة، كما هو قول المشايخ والحكم في الوجهين واحد، وإنما كان الحكم في الوجهين واحد؛ لأن النكول ليس بحجة في نفسه، وإنما يصير حجة بقضاء القاضي وحال ما يقضي القاضي فقد اجتمع النكولان، فكأنه نكل لهما جملة.
جئنا إلى بيان الحكم فنقول:
في دعوى الملك المطلق، القاضي يقضي بالعين بينهما.
وفي دعوى الغصب القاضي يقضي بالعين بينهما وبقيمة العين بينهما، ولا يضمن شيئاً من قيمة العبد لا لهما ولا لأحدهما، والفرق: وهو أن الإقرار حجة في نفسه لا يبنى على الدعوى ولهذا يصح قبل الدعوى، فإذا أقر بغصب العبد منهما فقد أقر بغصب النصف من كل واحد منهما، فإذا دفع العبد إليهما فقد وصل إلى كل واحد منهما نصف العبد فلا يلزمه شيء آخر، فأما النكول يبنى على الدعوى فكل واحد من المدعيين ادعى لنفسه جميع العبد فيكون نكوله لكل واحد منهما في جميع العبد فاستحق كل (٩٧أ٤) واحد منهما عليه جميع العبد ولم يصل إلى كل واحد منهما نصف العبد معنى.
وفي دعوى الوديعة القاضي يقضي بالعبد لهما ولا يقضي بشيء من قيمة العبد عند أبي يوسف، وعند محمد ﵀: يقضي بقيمة العبد بينهما كما في دعوى الغصب.
ولو أن رجلاً في يديه عبد ورثه من أبيه جاء رجل وادعى أن هذا العبد عبده أودعه أباه الميت وأنكر صاحب اليد، فإنه يستحلف صاحب اليد على دعواه ولكن يستحلف على العلم وهذا ظاهر، فإن حلف برأ وإن نكل قضى به عليه، ثم إذا قضى به عليه وأمر بالتسليم إلى المدعي وسلم جاء رجل وادعى بمثل ما ادعاه الأول، وأراد أن يستحلف المدعى عليه ليس له ذلك.
فرق محمد ﵀ بين هذه المسألة وبينما إذا ادعى كل واحد من المدعيين أنه أودعه من صاحب اليد، واستحلف الأول فنكل له فإنه يستحلف للثاني عند محمد رحمه
стр. 3627
الله؛ لأن الاستحلاف مفيد؛ لأنه لو أقر للثاني يضمن للثاني لتركه الحفظ الملتزم بعقد الوديعة في حق الثاني؛ لأن الابن ليس بمودع بل حصل المال أمانة في يده، وفي مثله لا يجب الضمان بترك الحفظ فلم يكن في الاستحلاف فائدة ها هنا، فلا يستحلف.
قالوا: وهذا إذا لم يكن في يدي الابن شيء من تركة الأب سوى هذا العبد يستحلف للثاني عند محمد ﵀؛ لأنه يصح إقراره للثاني فيستحلف له أيضاً وهذا؛ لأن المدعي يدعي على الميت تجهيل الوديعة وتجهيل الوديعة سبب وجوب الضمان، فكان هذا الدعوى الدين على الميت وإقرار الوارث بالدين على الميت إذا كان في يده شيء من التركة صحيح، فيستحلف وإذا نكل يقضى عليه بنكوله ويؤخذ ذلك مما في يده ولو كان دعوى هذا العبد؛ لأنه لو أقر للثاني في هذه الصورة لا يصح إقراره ولا يضمن له شيئاً؛ لأنه ليس بغاصب حتى يضمن للثاني بالأخذ السابق والتسليم ما كان عن اختيار، فلهذا لا يضمن للثاني، وإذا لم يكن عليه ضمان للثاني لم يكن استحلافه للثاني مفيداً فلا يستحلف له، وإذا ادعى على عبد محجور عليه مالاً أو حقاً من الحقوق فالخصم في ذلك العبد حتى كان للمدعي حق إحضاره، فإذا أحضر وأنكر دعواه فله أن يستحلفه أما إذا كان المدعى به مالاً يؤاخذ العبد به في الحال كدين الاستهلاك وما أشبهه، فظاهر؛ لأن دين الاستهلاك ظاهر في حق المولى حتى يباع العبد فيه فصار كدين التجارة في حق المأذون وأما إذا كان مالاً يؤاخذ به العبد للحال وإنما يؤاخذ به بعد العتق كدين الكفالة وكمهر امرأة تزوجها بغير إذن المولى، ودخل بها فلأنه يدعي عليه معنى لو أقر به يلزمه وأنه يؤاخذ به بعد العتق، فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، فإن حلف برأ عن الدعوى، وإن نكل ثبت الحق ويصبر المدعي إلى أن يعتق، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» .
قال الصدر الشهيد ﵀: وتصير مسألة العبد المحجور رواية في الدين المؤجل إذا ادعاه صاحب الدين وأنكره المديون، فأراد صاحب الدين أن يحلفه هل له ذلك؟ فقد اختلف المشايخ فيه:
بعضهم قالوا: يحلف استدلالاً بمسألة العبد المحجور، فإنه في الموضعين جميعاً المال واجب في الحال وإنما ما جرت المطالبة وهكذا روي عن أبي يوسف ومحمد وقد ذكرنا روايتهما في صدر هذا الفصل.
وبعضهم قالوا: لا يحلف وهذا القائل يفرق بين المسألتين والفرق أن التأخر في الدين المؤجل بدليل موجب له، وهو التأجيل فأوجب التأخر مطلقاً، فلم يبق واجب الأداء في الحال فلم تصح مطالبة المدعي إياه في الحال، فلم يتوجه اليمين، أما في العبد لا تأجيل في الدين فكان واجب الأداء للحال، ولهذا لو جاء إنسان وكفل به صح ويطالب الكفيل به للحال لكن تأخر المطالبة ضرورة العسرة، فلا يظهر التأخر في حق توجه اليمين عليه كما لو ادعى على المعسر الحر وجحده، فإنه يتوجه عليه اليمين، وإن كان لا يطالب به للحال، ومن العلماء من قال إذا كان المدعى به مالاً لا يؤاخذ به العبد المحجور عليه في الحال، وأراد المدعي أن يحضر العبد مجلس الحكم فللمولى أن يمنعه من ذلك ويقول له: لي حق استخدامه، فإذا أحضر به باب القاضي عجزت عن استخدامه والاستخدام مستحق لي
стр. 3628
فليس لك إبطاله، هذا كما قلنا في الرجل زوج أمته من إنسان كان له أن يمنعها من الزوج وإن كان للزوج حق الاستمتاع بها بحق النكاح كيلا يفوت حق الاستخدام على المولى كذا ها هنا، وإلى هذا القول مال الشيخ الإمام فخر الإسلام علي ﵀.
وإن وقع الدعوى على عبد مأذون له في التجارة فالجواب فيه كالجواب في العبد المحجور يحلف العبد سواء كان المدعى به مالاً يؤاخذ به المأذون في الحال أو يؤاخذ به بعد العتق، هكذا ذكر الخصاف ﵀.
ومن قال في العبد المحجور إذا كان المدعى به مالاً لا يؤاخذ به العبد للحال إذا أراد أن يحضر العبد مجلس الحكم فللمولى أن يمنعه، يقول في المأذون كذلك؛ لأن المدعي لا ينتفع بحلفه للحال وللمولى فيه ضرر، فإن الخصومة مع العبد وجره إلى باب القاضي شغله عن خدمة المولى وخدمة المولى حقه، فكان للمولى أن يمنع المدعي من ذلك.
وإن وقع الدعوى على صبي محجور عليه، فإن لم يكن للمدعي بينة لا يكون له حق إحضاره؛ لأنه لا فائدة في إحضاره؛ لأنه لو أقر لا يصح إقراره ولا يتوجه عليه اليمين؛ لأن اليمين للنكول ونكوله ليس بحجة؛ لأنه لا يرتقي درجته على صريح الإقرار منه، وصريح الإقرار منه ليس بحجة فكذلك النكول، وإن كان للمدعي بينة وكان يدعي عليه بسبب الاستهلاك هل يشترط إحضاره؟ فالكلام فيه يأتي بعد هذا في فصل آخر إن شاء الله تعالى.
وإن وقع الدعوى على صبي مأذون فقد ذكر في «الفتاوى» : صبي مأذون باع شيئاً ووجد المشتري به عيباً وأراد رده على الصبي لكون هذا العيب في يده وأراد المشتري أن يحلفه قال: لا يمين عليه حتى يدرك، وعن محمد ﵀: لو حلف وهو صبي ثم أدرك لا يحلف، فهذا دليل أن يمينه معتبرة.
وفي «النوادر» : يحلف الصبي المأذون ويقضى عليه بنكوله بمنزلة البائع، وفي إقرار «الأصل» في باب الإقرار بترك اليمين: الصبي التاجر يستحلف، وكذا العبد التاجر، وفي كتاب «الأقضية» : الصبي المأذون إذا أقر بدين التجارة يصح إقراره، وإذا ادعي ذلك عليه وأنكر يستحلف، وإذا أقر بدين ليس هو دين التجارة لا يصح إقراره، وإذا ادعى ذلك عليه وأنكر لا يستحلف.
وفيه أيضاً: إذا وقع الدعوى على الصبي التاجر فيما ورثه عن أبيه يستحلف في ظاهر الرواية، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يستحلف.
وفي «الفتاوى» : دار في يد صبي يدعي رجل أن أباه غصبها منه لا يحلف الصبي عليه؛ لأنه لا فائدة فيه ولا ينزع الدار من يده؛ لأنه مالكها ظاهراً.
وذكر أبو الحسن بن عمار الطبري في كتابه: إذا كان صبي مأذون ادعى عليه رجل
стр. 3629
لا يمين عليه، ولو أقر به جاز.
وإذا ادعى مسلم على ذمي خمراً بعينه يصح، وإذا أنكر يستحلف؛ لأنه لو أقر به يصح فكان الاستحلاف مفيداً، وإذا ادعى عليه استهلاك خمر لا يحلف؛ لأنه لو أقر به لا يلزمه شيء فلا يفيد الاستحلاف.
قال: ويجوز الافتداء عن اليمين بالدراهم، وكذا يجوز الصلح عن اليمين على دراهم حتى لا يكون للمدعي أن يحلف المدعى عليه بعد ذلك، لأن الافتداء عن اليمين والصلح عن اليمين صلح عن إنكار وبعد الصلح على الإنكار لا يسمع دعوى المدعي فيما وقع الصلح عنه.
قال: رجل ادعى عيناً في يدي رجل وأراد استحلاف المدعى عليه، فإن قال المدعى عليه: العين في يدي بميراث وعلم القاضي ذلك، أو لم يعلم ولكن أقر بذلك أو لم يقر المدعي بذلك، ولكن أقام المدعى عليه بينة على ذلك، ففي هذه الوجوه كلها التحليف على العلم يحلف المدعى عليه بالله ما لم يعلم أن عليك تسليم هذا العبد إلى هذا المدعي؛ لأنه في الحاصل تحليف على فعل الغير؛ لأن الوارث يملك الموروث بفعل غيره وهو موت المورث لا بفعله ولهذا ملكه قبل أو لم يقبل، وإن لم يعلم القاضي حقيقة الحال ولا أقر المدعي بذلك ولا أقام المدعى عليه بينة على ذلك، فالقاضي يحلفه البتة، لأن سبب استحقاق اليمين الثبات قد تقرر وهو كون العبد في يده فهو بقوله: وصل إلي بالميراث يريد إسقاط يمين الثبات عن نفسه الميراث فلا يصدق عليه إلا بحجة فإن طلب المدعى عليه من القاضي أن يحلف المدعي ما وصل إليه من جهة (٩٧ب٤) فالقاضي يحلفه؛ لأنه يدعي سقوط يمين الثبات عن نفسه، والمدعي لو أقر بذلك يلزمه، فإذا أنكر يستحلف، ولكن يحلف على العلم بالله ما يعلم أنه وصل إليه بالميراث؛ لأنه تحليف على فعل الغير، فإن حلف المدعي على ذلك انتفى الوصول إلى المدعى عليه بجهة الميراث، فيحلف المدعى عليه على العلم، وإن قال المدعى عليه: وصل العين إلى يدي بالشراء أو بالهبة أو بالصدقة من جهة فلان يحلف على الثبات بالله ما عليك تسليم هذا العين إلى هذا المدعي وهذا مذهبنا، والمسألة قد مرت في صدر هذا الفصل.
وإن كان المدعى عليه يدعي لنفسه ملكاً مطلقاً يحلف على الثبات أيضاً، وإن احتمل دعوى الملك المطلق دعوى التمليك بفعل غيره من كل وجه وهو الميراث ودعوى التملك بفعل نفسه من كل وجه بالاصطياد والإحتشاش؛ لأن فيه زيادة زجر وقد مر نظير هذا في صدر هذا الفصل.
قال الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : العبد المأذون له في التجارة، إذا اشترى جارية ووطئها ثم استحقت من يده وهي ثيّب أن إقرار العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، وإن أنكر وأراد استحلافه على علمه أحلفه بالله، فإن نكل جعلته عليه إذا عتق.
معنى قوله: أن إقرار العبد بذلك الساعة لا يلزمه شيء، أنه لو أقر بالوطء بعدما استحقت لا يلزمه العقد في الحال، وإنما يلزم بعد العتق.
стр. 3630
ومعنى قوله: إن أنكر وأراد استحلافه أن العبد لو أنكر الوطئ بعدما استحقت الجارية، وأراد المستحق استحلاف العبد على الوطء بعد استحقاقها حلف بالله.
يجب أن يعلم بأن المأذون بمنزلة الحر في حق بعض الأحكام، وبمنزلة المحجور في حق البعض، ألا ترى أنه لو أقر بثمن جارية اشتراها يؤاخذ به للحال كالحر، ولو أقر بمهر امرأة أو أقر بالجناية لا يؤاخذ به في الحال، وإنما يؤاخذ بعد العتق، ولكن إذا جحد المأذون ما يلزمه في الحال وما يؤاخذ بعد العتق، وأراد المدعي استحلافه يحلف كما في المحجور عليه على ما ذكرنا قبل هذا وهو اختيار الخصاف ﵀.
ثم إن الخصاف لم يصحح إقرار المأذون بوطء الثيب بعدما ورد عليها الاستحقاق في حق لزوم العقد للحال وجعله في هذا كالمحجور، ومن المتأخرين من صحح ما ذكره الخصاف ﵀، وفرق بين الثيب وبين البكر، فإن الجارية المشتراة إذا كانت بكراً واستحقت من يد المأذون وأقر بوطئها بعد الاستحقاق، يلزمه العقر في الحال، والفرق: أن المستوفى بوطء البكر صفة البكارة، وصفة البكارة مال ولهذا تزداد مالية الجارية، باعتبار هذه الصفة وتنقص بفواتها، وتصير هذه الصفة مستحقة بالشرط كما في باب البيع فثبت أنها مال، فقد أقر العبد بوجوب المال بدلاً عما هو مال، فيؤاخذ به في الحال، كما لو أقر بثمن جارية اشتراها، أما المستوفى بوطئ الثيب ليس بمال، فإنما أقر بوجوب المال بدلاً عما ليس بمال فلا يؤاخذ به في الحال كما لو أقر بجناية أو بمهر امرأة تزوجها، فالمأذون في فصل البكر كالحر، وفي فصل الثيب كالمحجور.
قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀: ما ذكره الخصاف أن إقرار المأذون بوطئ الثيب غير صحيح في حق لزوم العقد للحال خلاف ما نص عليه محمد ﵀ في المأذون، والصحيح ما ذكره محمد ﵀ في المأذون أن إقراره بوطء الثيب صحيح يؤاخذ بالعقد في الحال؛ وهذا لأن العقد إنما يلزم بسبب مقدمة الشراء فكان من توابع الشراء والشراء تجارة، فكان هذا من توابع التجارة، وما كان من توابع التجارة فإقرار المأذون به صحيح ويؤاخذ به في الحال بخلاف ما إذا أقر بمهر امرأة تزوجها عليه لأن ذلك ليس بتجارة، ولا هو من توابع التجارة فلا يؤاخذ به للحال.
الدليل على صحة ما قلنا: أن أحد المتفاوضين إذا اشترى جارية واستحقت من يده، فأقر المشتري أنه كان وطئها وهي ثيب يلزمه العقر ويؤاخذ به صاحبه، وإنما يؤاخذ صاحبه بالمهر.
وفي «الجامع الصغير» : المكاتب إذا وطئ أمة على وجه الملك بغير إذن المولى ثم استحقها رجل فعليه العقر، ويؤاخذ به للحال فقد جعله من توابع التجارة.
ولو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي، وادعى عليه ألف درهم، وأنكر المدعى عليه ذلك فأراد المدعي استحلافه فقال المدعى عليه للقاضي: إن المدعي حلفني على هذه الدعوى عند قاضي بلد كذا، وأنكر المدعي ذلك، فأقام المدعى عليه بينة على ما ادعى، قبل القاضي بينته؛ لأنه بهذه البينة يثبت إيفاء حق المدعي في اليمين، ولو أثبت إيفاء حقه
стр. 3631
في المال بالبينة أليس أنه يقبل ذلك منه، كذلك ها هنا، وإن لم يكن للمدعى عليه بينة على ذلك وأراد أن يحلف المدعي فله ذلك، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ؛ لأن المدعى عليه يدعي أيضاً حق المدعي في اليمين، ولو ادعى أيضاً حقه في المال وأنكر المدعي ذلك أليس أنه يحلف كذا هنا.
وإذا حلفنا المدعي إن نكل صار مقراً أنه حلف المدعى عليه مرة فلا يحلفه ثانياً، وإن حلف ثبت أنه لم يحلفه مرة، فكان له أن يحلفه ثانياً.
حكى القاضي أبو الهيثم عن القاضي أبي حازم: أنه لا ينبغي للقاضي أن يحلف المدعي على ما ادعاه المدعى عليه في هذه الصورة، ولكن ينبغي للقاضي أن يحلف المدعى عليه في الابتداء بالله ما لهذا المدعي عليك مال لا يحلفك عليه، قالوا: وما قاله أبو حازم أحسن مما قاله الخصاف؛ لأنا لو حلفنا المدعي بالله ما حلفت هذا المدعى عليه على دعواك هذا قبل قاضي بلد كذا، كان للمدعى عليه أن يقول: إنه حلفني على هذا مرة أخرى عند قاضي بلد كذا، ويطلب يمين المدعى عليه على ذلك ثم وثم إلى ما لا يتناهى، فكان ما قاله أبو حازم أحسن من هذا الوجه.
قال: ولو كان المدعي حين ادعى عليه ألف درهم قال المدعى عليه للقاضي: إن هذا المدعي قد كان ادعى علي بهذه الدعوى عند قاضي بلد كذا وكذا ثم خرج عن دعواه إذا برأ منها فحلفه أنه لم يبرأ عن هذا، لا ينبغي للقاضي أن يحلف المدعى عليه بالله ما أبرأت هذا المدعى عليه عن هذه الألف ولا عن شيء منها، وهكذا ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» وأشار إلى الفرق بين دعوى المدعى عليه أن المدعي قد أبرأه وبين دعواه أن المدعي قد حلفه مرة.
واختلف المشايخ فيه منهم من قال: لا فرق بينهما من حيث المعنى وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع.
موضوع هذه المسألة: أن المدعى عليه ادعى البراءة عن الدعوى لا عن الألف، وذكر في الجواب: أن المدعي لا يحلف بالله ما أبرأته عن هذه الألف ولا عن شيء منها وهذا مستقيم؛ لأن الاستحلاف يكون على وفاق الدعوى لا على خلافه، والمدعى عليه ادعي الإبراء عن الدعوى لا عن المال، فلو حلفناه على الإبراء عن المال لا يكون التحليف على موافقة الدعوى.
وموضوع تلك المسألة: أن المدعى عليه ادعى على المدعي أنه حلفه مرة وذكر في الجواب أنه يحلف المدعي بالله ما حلفه، فكان هذا استحلافاً على وفق الدعوى فيحلف.
وزان مسألتنا من تلك المسألة أنه لو أراد القاضي أن يحلفه على الإبراء عن الدعوى كان له ذلك؛ لأنه على موافقة الدعوى، ومنهم من قال: لا يحلف المدعي على البراءة أيضاً، قال فخر الإسلام ﵀: وهكذا ذكر محمد ﵀ في كتاب الكفالة وبين وجه ذلك أن قول المدعى عليه: المدعي أبرَأَني عن هذه الدعوى محتمل، فإنه يذكر ويراد به الإبراء عن العين المدعى به، وإنه لا يصح؛ لأن الإبراء عن الأعيان باطل، ويذكر
стр. 3632
ويراد به الإبراء عن نفس الدعوى وإنه صحيح، فدعوى حينئذ من جهة المدعي لا يجوز إبطاله بالشك.b
قالوا: وهذا لا يقوى؛ لأنه وضع المسألة في دعوى الدين، والإبراء عن المدعى به إذا كان ديناً صحيح، ولو كان وضع المسألة في دعوى العين فالإبراء عن الأعيان لا يصح، بمعنى: أن لا تصير العين ملكاً للمدعى عليه، أما لا تصح دعوى المدعي ذلك العين بعد ذلك، ولكن الوجه الصحيح لبيان أنه لا يحلف المدعى عليه دعوى الإبراء عن دعوى المال: أن المدعي بالدعوى استحق الجواب على المدعى عليه، والجواب إما الإقرار أو الإنكار وقوله: أبرَأَني عن الدعوى ليس بإقرار ولا إنكار، فلا يكون مسموعاً بل يقال: أجب خصمك ثم ادع عليه ما شئت إن كان لك عليه دعوى، وإذا لم يكن دعوى الإبراء مسموعاً من المدعى عليه لا يترتب عليه التحليف وهذا بخلاف ما إذا قال المدعى عليه في هذه الصورة: أبرأني عن هذه الألف، فإنه يحلف المدعي؛ لأن دعوى البراءة عن المال إقرار بوجوب المال، والإقرار جواب ثم دعوى المسقط وهو الإبراء يصح بعد الدعوى من المدعى عليه فيترتب عليها الاستحلاف، ومن المشايخ من قال: الصحيح أنه يحلف المدعي على دعوى البراءة، كما يحلف على دعوى التحليف وإليه مال شمس الأئمة (٩٨أ٤) الحلواني ﵀. قال ﵀: وعليه أكثر قضاة زماننا، لكون هذا استحلاف على وفاق الدعوى، وإنما كان له الاستحلاف على ذلك، لأن المدعى البراءة عن الدعوى، والبراءة عن الدعوى صحيحة، فتسقط به الخصومة، ألا ترى أنه لو أقر بذلك يلزمه وتسقط به خصومته، وألا ترى أنه لو أبرأه عن الدعوى بين يدي القاضي، لا يسمع القاضي خصومته بعد ذلك، فجاز أن يحلف عليه.
وإذا ادعى رجل على رجل أنه قتل ابناً له عمداً أو عبداً له عمداً أو ما أشبهه وأراد استحلافه على ذلك، ذكر في «أدب القاضي» للخصاف: أنه يحلف على الحاصل ولم يزد على هذا.
يجب أن يعلم بأن دعوى الجناية على النفس أو فيما دون النفس، وإما أن تكون دعوى الجناية عمداً أو خطأ، فإن كانت دعوى الجناية على العبد: فإن كانت الجناية في النفس إذا كانت عمداً القصاص، والقصاص يلاقي العبد من حيث أنه مال، والعبد من حيث إنه آدمي حق نفسه لاحق المولى، ولهذا لو أقر العبد على نفسه بالقصاص صح إقراره، ولو أقر المولى عليه بالقصاص لا يصح إقراره، فكان الخصم في ذلك العبد، فيستحلف العبد، فإن كانت الجناية في النفس وكانت خطأ فالخصم هو المولى؛ لأن موجب هذه الجناية الدفع أو الفداء، وكلاهما يختص بالمولى لا تعلق للعبد به، فكان الخصم فيه المولى، فكان اليمين عليه ولكن يحلف على العلم؛ لأنه تحليف على فعل الغير، وإن كانت الجناية فيما دون النفس، فالخصم في ذلك المولى عمداً كانت أو خطأ وهو الخطاب بالدفع أو الفداء، وكل ذلك يختص بالمولى لا تعلق للعبد به فكان الخصم فيه المولى، فيحلف المولى ولكن يحلف على العلم لما ذكرنا، وأما إذا كان دعوى
стр. 3633
الجناية على الحر، فإن كانت الجناية على النفس وهي عمد. بأن ادعى رجل على رجل أنه قتل ابنه عمداً فالخصم هو المدعى عليه، ويحلف المدعى عليه على الحاصل هكذا ذكر الخصاف ولم يزد على هذا، وذكر في كتاب الاستحلاف أنه يستحلف على السبب، بعض مشايخنا قالوا: ما ذكر الخصاف جواب لظاهر الرواية، وما ذكر في كتاب الاستحلاف رواية أبي يوسف ولكن هذا ليس بصواب، فالمذكور في كتاب الاستحلاف:
وقال أصحابنا: اليمين في القصاص بالنفس بالله ما قتلت إباه الذي يدعى أنك قتلته، وبعض مشايخنا قالوا: ما ذكر الخصاف قول الكل، وما ذكر في الاستحلاف قول الكل أيضاً، فصار في القتل روايتان، فعلى ما ذكره الخصاف لا يحتاج إلى الفرق.
والفرق: أن قضيته الدليل أن يكون التحليف على الحاصل في القتل أيضاً؛ لأن في التحليف على السبب ضرر فالإنسان قد يقتل ولي غيره عمداً ولا يجب عليه القصاص بأن قتله لردته أو لدفع قصده قتله، أو ما أشبهه فلو حلف على السبب يمكنه الحلف على انتفاء السبب مع وجوده، ولا يمكنه أن يقر به فيدعي المانع من القصاص؛ لأنه عسى لا يمكنه إثبات ذلك كما فيما تقدم، ولكن تركنا الدليل في باب القتل بالنص، فإن رسول الله ﷺ «حلف اليهود على القتل بالله ما قتلتموه ولا علمتم له قاتلاً» ولا نص فيما تقدم فيعمل فيها بقضية الدليل.
وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف فيما تقدم: أن التحليف على السبب لا يحتاج أبو يوسف إلى الفرق بين القتل وفيما تقدم في كتاب الاستحلاف وعلى رواية «أدب القاضي» : يحتاج إلى الفرق، له: أن قضية القياس أن يكون التحليف على السبب في الفصول ليكون التحليف على موافقة الدعوى وما ذكروا من احتمال الضرر يمكن دفعه بالتعريض فأسقطنا اعتبار الاحتمال عمداً مكان الدفع، ليكون التحليف على موافقة الدعوى لكن أسقطنا اعتبار الاحتمال في باب النفس تعظيماً لأمر النفس؛ لأن الإنسان قد يفعل عن التعريض، وإذا فاتت النفس لا يخلفه شيء آخر ولا كذلك المال وفي كتاب «الأقضية» على قول أبي يوسف يحلف على السبب، وعن محمد روايتان.
وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀ يقول: الصحيح أن يقال بأن على قول أبي حنيفة ﵀ يحلف على السبب؛ لأنه لا ضرر على المدعى عليه في ذلك؛ لأنه وإن قتله وسقط القصاص ولم يجب بسبب من الأسباب، وامتنع عن الحلف على نفس الفعل لا يقضي عليه بشيء لا بالقصاص ولا بالدية، وعن محمد: يستحلف على الحاصل؛ لأن في التحليف على السبب ضرر بالمدعى عليه، فإنه متى امتنع عن الحلف يقضي عليه بنكوله عند محمد ﵀، ولكن بالدية ولكن هذا ليس بصحيح فإنه عند أبي حنيفة ﵀ إن كان لا يقضى عليه بنكوله لا بالقصاص ولا بالدية ولكن يحبس حتى يحلف أو يقر وفيه ضرر.
стр. 3634
ثم إذا حلف على الحاصل يحلف بالله ما لهذا عليك دم وليه ولا له قبلك حق بسبب هذا الدم لجواز أنه عفى عنه على مال، أو كان الدم بين وليين عفى الآخر وانقلب الدم مالاً، فلو لم يذكر ولا له قبلك حق بسبب هذا الدم، يحلف ولا يحنث؛ لأنه لم يبق له عليه الدم، ثم إذا حلف على هذا الوجه، إن حلف برأ عن الخصومة، وإن نكل فعند أبي حنيفة ﵀ يحبس حتى يقر أو يحلف وعندهما يقضي عليه بنكوله ولكن بالدية.
وإن كانت الجناية فيما دون النفس وكانت عمداً توجب القصاص، فعلى رواية «أدب القاضي» يحلف على الحاصل، وعلى رواية كتاب الاستحلاف يحلف على السبب، واختلف المشايخ فيه على نحو ما ذكرنا في النفس: قال الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀: والصحيح أنه يستحلف في هذه الصورة على الحاصل عند أبي حنيفة ومحمد؛ لأنه متى استحلف على السبب ونكل يقضى عليه بالقصاص عند أبي حنيفة ﵀ وبالدية عند محمد.
وإن كان دعوى الجناية على النفس وهي خطأ أو على الطرف وهي خطأ نحو قطع اليد والموضحة وما أشبه ذلك مما تتحمله العاقلة. ذكر في «أدب القاضي» للخصاف وفي كتاب «الأقضية» : أنه يستحلف على السبب عند أبي يوسف ومحمد في كتاب الاستحلاف أنه يستحلف على السبب عند أصحابنا ﵏؛ وهذا لأن في التحليف على الحاصل ضرراً للمدعي؛ لأن بين العلماء اختلافاً أن الدية تجب على القاتل ابتداء والعاقلة يتحملون عنه، أو تجب على العاقلة ابتداء والعاقلة يتحملون عنه، أو تجب على العاقلة ابتداء فمتى حلفناه على الحاصل بالله ما لهذا عليك هذا الحق الذي يدعي عليك من الوجه الذي يدعي يحلف، ويتأول قول من يقول: بأن الدية تجب على العاقلة ابتداء، فلا يحنث في يمينه فلا يفيد الاستحلاف، حتى قلنا: إذا كان موجب الجناية شيئاً لا تتحملها العاقلة بأن كان دون أرش الموضحة يحلف على الحاصل؛ لأنه لا يمكنه التأويل ها هنا، فإن قيل: يمكن التأويل على الحاصل على وجه لا يتضرر به المدعي بأن يحلف بالله ما لهذا عليك هذا الحق الذي يدعي ولا شيء منه، وعلى هذا الوجه لا يمكنه التأويل؛ لأن من يقول بوجوب الدية على العاقلة يقول بأن القاتل من جملة العاقلة، فيتأول قول هذا القائل، ومن العلماء من قال: يمكن دفع التأويل مع التحليف على الحاصل بأن يزاد في التحليف زيادة شيء آخر، فيحلف بالله ما لهذا عليك هذا الحق الذي يدعي من الوجه الذي يدعي، ولا شيء منه، ويسمى الأرش والدية ولا قبل عاقلته ولا شيء منه وهذا حسن وبه يندفع التأويل.
وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀ يقول: الصحيح أنه يحلفه على الحاصل بالله ما لهذا قبلك مال بالسبب الذي يدعي، وكان راعى جانب المدعى عليه، والصحيح ما قلنا؛ لأن في كل نوع ضرر لأحد الجانبين فلا بد من رعاية أحد الجانبين، فنقول رعاية جانب المدعى عليه أولى؛ لأنه ليس بجان.
ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنه اشترى داراً بجنب داري وأني شفيعها بداري، وأراد استحلافه، فالقاضي يحلفه على السبب بالله ما اشتريت هذه الدار التي سماها
стр. 3635
وحدودها كذا وكذا ولا شيء منها، وإنما حلفناه على السبب نظراً للمدعي؛ لأن بين العلماء اختلافاً ظاهراً أن الشفعة هل تستحق بالجوار، فإن حلف على الحاصل ربما يتأول قول من لا يرى الشفعة بالجوار، فلا يلزمه الجنب (٩٨ب٤) فيبطل حق المدعي أكثر ما في الباب: أن في التحليف على السبب ضرراً بالمدعى عليه، لجواز أن المدعي لم يطلب الشفعة أو طلبها ثم سلمها ويطلب شفعته، فلو حلف على السبب لا يمكنه أن يحلف المشتري ولو أقر بالشراء وادعى بطلان حقه بعد ذلك عسى لا يمكنه الإثبات بالبينة، فيتضرر به المدعى عليه إلا أن الترجيح لجانب المدعي؛ لأن الشراء سبب استحقاق الشفعة وسقوط الحق بعد وجود السبب إنما يكون لعارض المسقط، فيجب التمسك بالأصل حتى يقوم الدليل على خلافه.
وإن أقر المدعى عليه بالشراء والجوار، إلا أنه يقول: الشفيع لم يطلب الشفعة حين علم بالشراء وقال الشفيع: لا بل طلبت، فالقول قول الشفيع مع اليمين؛ وهذا لأن الشفيع إن كان مدعياً صورة؛ لأنه يدعي الطلب، والطلب عارض إلا أنه منكر معنى، فإن المشتري يدعي على الشفيع إبطال حقه في الشفعة بعد ما أقر له بثبوت حقه والشفيع منكر إذا كان القول قول الشفيع مع اليمين إذا طلب المشتري من القاضي يمين الشفيع، قال: القاضي يحلفه بالله، لقد طلبت شفعة هذه الدار حين بلغك شراؤها، وأشهدت على ذلك بحضرة أحد المتبايعين أو الدار، هكذا ذكر في كتاب الاستحلاف، ولكن هذا إنما يستقيم إذا ادعى المشتري أنه بلغه الشرى وهو بين ملأ من الناس، أما إذا لم يكن عنده من أشهده لم تبطل شفعته بترك الإشهاد للحال، فإذا أقر بذلك حلفه بالله لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء، وخرجت إلى الشهود حين قدرت وطلبتها بحضرة أحد المتعاقدين أو الدار وأشهدت على ذلك.
وإذا ادعى الشفيع أنه بلغه الخبر ليلاً وأنه طلب الشفعة وأشهد عليها حين أصبح، حلفه القاضي بالله ما بلغك الخبر إلا في الوقت الذي تدعي، وقد طلبت الشفعة وأشهدت على ذلك حين أصبحت؛ لأن الإشهاد إنما يشترط على حسب الإمكان ولا يمكنه أن يطوف على الأبواب ليلاً للإشهاد والطلب، فكان الإمكان إذا أصبح.
وفي كتاب الاستحلاف قال محمد ﵀: إذا كان لرجل دار إلى جنب دار رجل فيصدق أحدهما على رجل بالحائط الذي يلي حائط جاره، وقبضه المتصدق عليه ثم اشترى المتصدق عليه ما بقي من الدار من المتصدق فليس للجار فيها شفعة؛ لأن صاحب الحائط أقرب جواراً من الجار الذي وراء الحائط، فإن طلب الجار الذي وراء الحائط يمين البائع والمشتري حلفه بالله ما باع الحائط ضراراً ولا فراراً من الشفعة على وجه التلجئة، وإبطال الشفعة حلفه القاضي على ذلك، يريد بهذا والله أعلم أن الجار الذي وراء الحائط ادعى، وقال: إن صدقة الحائط كانت تلجئة وقد بعت الكل وخاصم المشتري سواء كانت الدار في يده أو لم تكن؛ لأنه يدعي عليه معنى لو أقربه يلزمه، فإذا أنكر يستحلف عليه، فإن حلف لم يثبت تلجئة الحائط وانقطع خصومة الجار عن
стр. 3636
المتصدق عليه والمشتري، وإن نكل ثبت تلجئة الصدقة في الحائط فكان للجار الشفعة.
قال في كتاب الاستحلاف أيضاً: إذا وكل الرجل رجلاً بطلب شفعته فادعى المشتري على الوكيل أن موكله قد سلم الشفعة وطلب من القاضي أن يحلف الوكيل، فالقاضي لا يحلفه؛ لأن الوكيل لو حلف حلف بطريق النيابة عن الموكل؛ لأن الشفيع لا يدعي التسليم على الوكيل، إنما يدعيه على الموكل، والاستحلاف لا يجري فيه النيابة؛ وهذا لأن اليمين شرعت بدل حق المدعي بالنص بخلاف القياس؛ لأنه لا مماثلة بين أصل حقه وبين اليمين وما عرف شرعاً بخلاف القياس يراعى لصحة جميع ما ورد به الشرع، والشرع جعلها بدل حقه إذا كان المدعى قبله أصلاً في الحلف، فبينما إذا كان المدعي قبله ثانياً يبقى على حاصل القياس.
ونظير هذه المسألة: ما قالوا في الوكيل بقبض الدين إذا أراد أن يقبض الدين من الغريم أن موكله أبرأني عن هذا الدين أو أدى دينه إليه، وأنكر الوكيل ذلك فطلب الغريم من القاضي أن يحلف الوكيل بالله ما يعلم ذلك من موكلك، فإنه لا يمين على الوكيل ويقول القاضي للغريم: أد الدين إلى الوكيل وأنت على خصومتك مع الموكل، والمعنى ما ذكرنا، هذا إذا ادعى المشتري تسليم الموكل، وإن ادعى تسليم الوكيل، إن ادعي تسليمه في غير مجلس الحكم: لا يحلف الوكيل، وإن كان لو استحلف استحلف بطريق الأصالة؛ لأن المشتري ادعى تسليم الوكيل إلا أنه ادعى عليه معنى لو أقر به لا يلزمه؛ لأن تسليم الوكيل الشفعة في غير مجلس الحكم لا يصح بالإجماع وإذا أقر فإنما أقر بما ليس بصحيح شرعاً فلا يلزمه، وكل من ادعى على آخر معنى لو أقر به لا يلزمه، فإذا أنكر لا يستحلف عليه، وإن ادعى تسليمه في مجلس الحكم، وأنكر الوكيل، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله: يستحلف؛ لأن تسليمه في مجلس الحكم صحيح عندهما، فإنما ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه فيستحلف عند الإنكار وعند محمد: لا يستحلف، لأن تسليمه في مجلس الحكم غير صحيح أيضاً عند محمد ﵀ فإنما المدعى عليه معنى لو أقر به لا يلزمه فلا يستحلف عند الإنكار.
والمجبرة تختار البلوغ في حق اختيارها نفسها بمنزلة الشفيع في طلب الشفعة، فإنها كما بلغت بالحيض أو بالسن، ينبغي لها أن تختار نفسها كما أن الشفيع إذا بلغه الخبر ينبغي أن يطلب الشفعة، وأشهدت على اختيارها نفسها إن كان عندها من يمكن إشهاده وتقبل شهادته، وإن لم يكن عندها من يمكن إشهاده تخرج إلى الناس واختارت نائباً وأشهدت، وإن الجر في بيتها حتى خرجت إلى الناس بطل اختيارها، والإشهاد ليس بشرط لاختيارها نفسها، لكن شرط الإشهاد حتى يثبت اختيارها نفسها نظير استحلاف الشفيع على طلب الشفعة، فإن قالت للقاضي: قد اخترت نفسي حين بلغت، أو قالت حين بلغت طلبت القرفة قبل قولها مع اليمين، وإذا قالت: بلغت أمس وطلبت الفرقة، لا يقبل قولها وتحتاج إلى إقامة البينة، والجواب في الشفعة هكذا.
إذا قال الشفيع: طلبت حين علمت فالقول قوله ولو قال: علمت أمس وطلبت،
стр. 3637
كلف إقامة البينة ولا يقبل قوله ذكر المسألتين على هذا الوجه في كتاب الاستحلاف قيل أنهما من خصائص كتاب الاستحلاف، وإنما جاء الفرق باعتبار أنهما إذا أضافا الطلب والاختيار إلى وقت ماض، فقد حكما ما لا يملكان استئنافه للحال، ومن حكى ما لا يملك استئنافه لا يصدق فيما حكى من غير بينة، وإذا لم يضيفا الاختيار والطلب إلى وقت ماض، بل أطلقا الكلام إطلاقاً فقد حكيا ما يملكان استئنافه للحال، لأنما يجعل في الجارية كأنها بلغت الآن واختارت نفسها الآن والشفيع علم بالشراء الآن وطلب الشفعة الآن، فلهذا جعل القول قولهما إذا أطلقا.
وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه آلى منها ومضت أربعة أشهر ولم يفىء إليها، وإنها بانت منه وأنكر الزوج الإيلاء، فالقاضي لا يحلف الزوج علي الحاصل بالله ما هي بائنة منك اليوم، وهذا لأن بين العلماء اختلافاً ظاهراً أن تمضي مدة الإيلاء هل تقع الفرقة؟ بعضهم قالوا: لا تقع ويقال للزوج إما أن تفيء إليها أو يفرق القاضي بينكما، فلو حلفناه على الحاصل يؤول قول هذا القائل، ويكون صادقاً في يمينه فلا يلزمه حكم الحنث، وتتضرر به المرأة فيحلف على السبب: بالله ما قلت لها: والله لا أقربك أربعة أشهر على ما ادعت دفعاً للضرر عن المرأة، أكثر ما في الباب، أن في التحليف على السبب ضرراً للزوج فإنه قد (٩٩أ٤) يفيء إليها ولا تقع الفرقة بمضي المدة بأن يفيء إليها في المدة، إلا أن الترجيح لجانب المرأة، لأن الإيلاء إذا وجد تصير الفرقة مستحقة نظراً إلى السبب وهو الإيلاء، فامتناع الفرقة بعد ذلك يكون بعارض أمر ولا يعتبر بالعوارض، فإن أقر الزوج بالإيلاء وادعى أنه فاء إليها في المدة، وأنكرت هي الفيء في المدة فالقول قولها مع اليمين؛ لأنها تنكر ثبوت ملك الزوج عليها بعد وجود سبب البينونة، وتحلف على الحاصل عند محمد ﵀، فتحلف بالله لست بامرأة له اليوم بالسبب الذي يدعي ولا تحلف بالله لم يفىء إليك قبل مضي الأربعة الأشهر؛ وهذا لأنه يجوز أنه آلى منها ولم يفىء إليها حتى مضت أربعة أشهر وبانت منه ثم تزوجها ثم آلى منها وفاء إليها في المدة، فمتى استحلف بالله لم يفىء إليك قبل مضي الأربعة الأشهر يحلف ويتأول عدم الفيء في النكاح الأول، فيبطل حق الزوج فيستحلف على الحاصل لهذا.
وفي كتاب الاستحلاف قال بشر: سمعت أبا يوسف قال: يستحلف بالله أنه لم يفىء إليك قبل مضي الأربعة الأشهر، قال بشر: والأحوط على قوله: أن يزاد في اليمين فيحلف بالله لم يفىء إليك في الأربعة الأشهر في النكاح الذي يدعيه الزوج حتى لا يتأتى المعنى الذي قلنا لمحمد ﵀.
ولو أن امرأة ادعت على زوجها نفقة العدة وأنكر الزوج فالقاضي لا يحلف الزوج بالله ما عليك تسليم النفقة إليها من الوجه الذي يدعي؛ لأن الشافعي ﵀: لا يرى النفقة للبينونة، فلو حلفناه على الحاصل يتأول قول الشافعي ﵀، فيحلف على السبب بالله ما هي معتدة عنك من الوجه الذي تدعي.
стр. 3638
وحكي عن القاضي الإمام أبي علي النسفي ﵀ أنه قال: خرجت حاجّاً فدخلت على القاضي الإمام أبي عاصم العامري ﵀ وهو يدرس، والخليفة يحكم، فادعت امرأة على زوجها نفقة العدة وأنكر الزوج، فحلّف الخليفة الرجل بالله ما عليك تسليم النفقة من الوجه الذي يدعي فيها الرجل ليحلف، فنظرت إلى القاضي، فعلم القاضي أني لماذا أنظر فنادى الخليفة إن يسأل الرجل من أي المحلة هو حتى إنه إن كان من أصحاب الحديث حلفه بالله ما هي معتدة منك.
وفي كتاب الاستحلاف: امرأة اختلعت من زوجها بمهرها، وجحد الزوج ذلك فالقول قول الزوج ثم كيف يحلف الزوج؟ فعلى ما روي عن أبي يوسف يستحلف على السبب بالله، ما خلعتها منذ ملكتها، وعلى ظاهر الرواية يستحلف على الحاصل.
ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنه خرق ثوباً له، فإن كان الثوب حاضراً ينظر إلى الخرق، فإن كان يسيراً فموجبه النقصان بلا خلاف يقوم الثوب صحيحاً، ويقوم منخرقاً، فتفاوت ما بينهما موجبه بلا خلاف فيحلف المدعى عليه بالله ما له عليك هذا القدر من المال الذي ادعى، ولا يحلف على السبب، نظراً للمدعى عليه، لجواز أن المدعى عليه خرقه إلا أنه لا شيء عليه؛ لأن صاحب الثوب أبرأه عنه أو صالحه على شيء أو أعطاه النقصان، وليس في التحليف على الحاصل ضرر للمدعي؛ لأن موجب هذا الخرق النقصان فلا يمكنه التأويل، هكذا ذكر الخصاف وصاحب «الأقضية» رحمهما الله، وذكر هذه المسألة في كتاب الاستحلاف وقال: يحلف على السبب؛ لأن انفساخ السبب هنا لا يتصور، والصحيح ما ذكر الخصاف وصاحب «الأقضية» ؛ لأن انفساخ السبب إن كان لا يتصور فبطلان الحكم بالإبراء وما أشبهه يتصور، وإذا كان الخرق فاحشاً، فالقاضي يحلفه على السبب؛ لأن عندنا مثل هذا الخرق يوجب الخيار للمالك إن شاء ترك الثوب على الجاني وضمنه جميع القيمة، وإن شاء أخذ الثوب وضمنه النقصان، وعند الشافعي ﵀ يوجب النقصان لا محالة، فمتى حلفنا على الحاصل يتأول قول الشافعي ﵀، عسى يتضرر المدعي فيحلف على الحاصل نظراً للمدعي، وإن كان الثوب غائباً فالقاضي لا يسمع دعوى المدعي إلا بعد بيان قدر النقصان حتى يصير المدعى معلوماً؛ لأن الدعوى لا تصح إذا لم يكن المدعى معلوماً.
ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنه وضع على حائط له خشباً، أو نصب على سطحه ميزاباً في داره، أو بنى على حائط له بناء، أو أخرج من داره تراباً ورمى به في أرضه، أو ألقى في أرضه دابة ميتة، أو ما أشبه ذلك مما يكون فساداً في أرضه، ويجب على صاحب الأرض نقله، وأراد أن يحلفه حلفه (على) السبب، إذ ليس في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه وفيه موافقة دعوى المدعى عليه.g
بيانه: أن بعدما ثبت للمدعي حق مطالبة المدعى عليه برفع هذه الأشياء لا يتصور سقوطه بسبب من الأسباب، فإنه لو أذن له في الابتداء بذلك كان ذلك منه إعارة للحائط والأرض، فمتى بدا له كان له أن يطالبه بالرفع؛ لأن الإعارة ليست بلازمه وإن باع منه
стр. 3639
ذلك لا يجوز؛ لأن هذا بيع الحق وبيع الحق لا يجوز، وكذلك لو أجر لا يجوز؛ لأن إجارة رأس الحائط لوضع الخشبة عليه، وإجارة الأرض لإلقاء الميتة أو التراب فيها لا يجوز عرف ذلك في كتاب الإجارات، وكذلك لو صالح عليه لا يجوز؛ لأن الصلح على مال ليضع الخشبة على رأس الحائط وما أشبه ذلك بمنزلة الإجارة والإجارة لا تجوز، فكذا الصلح دل أنه ليس في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه، فيحلف على السبب جرياً على موجب الدعوى.
ولو كان صاحب الخشبة هو المدعي وقدم صاحب الحائط إلى القاضي، وقال: كان لي على هذا الحائط خشبة فوقع أو قال قلعتها لأعمل غيرها، وقد منعني صاحب الحائط وهو حق لي في هذا الحائط، وأنكر صاحب الحائط دعواه، فطلب صاحب الخشبة من القاضي أن يحلف المدعى عليه ولا يقول: بأن القاضي يأمر المدعي بتصحيح دعواه، وذلك أن يبين أن له حق وضع خشبة أو خشبتين أو ما أشبه ذلك، ويبين موضع الخشبة ويبين غلظ الخشبة؛ لأن الدعوى لا تصح إلا بعد بيان المدعى به، وبيانه في هذه الصورة ببيان ما ذكرنا، ثم إذا بين هذه الأشياء حتى صح دعواه وطلب من القاضي أن يحلفه، فالقاضي يحلفه؛ لأن هذا حق لازم قد يكون الحائط مملوك الإنسان ولغيره حق وضع الخشب عليه، ثم يحلف بالله ما لهذا المدعي في هذا الحائط حق وضع خشبة كذا وكذا ولا يحلفه بالله ما كان له عليه خشبة، أو بالله ما طرحت الخشبة لجواز أنه كان، إلا أنه لم يكن بحق وجواز أنه طرح الخشبة ولم يكن له حق وضع الخشبة فلا يمكنه أن يحلف على ذلك، ولكن يحلف على نحو ما بينا، فإن حلف انقطعت الخصومة، وإن نكل صار مقراً بما ادعى فيلزمه دعواه.
قال: ولو ادعى مسيل ماء في أرض رجل، فالقاضي يأمره أن يصحح دعواه وتصحيح الدعوى في أن يبين أن له مسيل ماء المطر أو ماء الوضوء، فإن هذا مما يتفاوت، فإن المطر لا يكون أدوم ويكون أكثر، وماء الوضوء والغسالات يكون أدوم، ويكون أقل وينبغي أن يبين موضع مسيل الماء في مقدم البيت أو في مؤخره.
وكذلك إذا ادعى طريقاً في دار رجل فالقاضي يأمره أن يصحح دعواه، وتصحيح الدعوى أن يبين مقدار عرضه وطوله، يبين موضعه من الدار، فإذا بين ذلك وصحح دعواه حلفه على الحاصل بالله: ما لهذا هذا الحق الذي ادعاه في هذه الأرض الذي في يديك أو في هذه الدار التي في يدك.
وذكر في كتاب الدعوى: إذا ادعى مسيل ماء في دار رجل، أو ادعى طريقاً في دار رجل وشهد الشهود أن له مسيل ماء في هذه الدار أو طريقاً في هذه الدار وقع في بعض النسخ أنه يقبل البينة، وإن لم يبينوا ووقع في بعض النسخ أنه لا يقبل البينة ما لم يبينوا. قال شمس الأئمة الحلواني: تأويل ما وقع في بعض النسخ أنه يقبل البينة إذا شهدوا على إقرار صاحب الدار؛ لأن جهالة المقر به لا يمنع صحة الإقرار، وتأويل ما وقع في بعض النسخ أنه لا يقبل البينة إذا شهدوا على نفس الطريق وعلى
стр. 3640
نفس المسيل لا على إقرار المدعى عليه.
قال: ولو ادعى على رجل أنه شق في أرضه نهراً وساق الماء فيه إلى أرضه أمره أن يصحح دعواه وذلك بأن يبين الأرض الذي شق فيها النهر، ويبين قدر طول النهر وعرضه، فإذا بين ذلك وصحح دعواه وجحد المدعى عليه دعواه حلفه القاضي على (٩٩ب٤) السبب بالله ما أخذ من أرض هذا الرجل هذا النهر الذي وصف ولا يحلف على الحاصل؛ لأنه ليس في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه؛ لأنه إذا ثبت لا يسقط حق صاحب الأرض في مطالبة حافر النهر بسبب من الأسباب من الإذن في الابتداء والبيع والإجارة وغير ذلك، فإنه لو أذن له في الابتداء كان إعارة، فكان له أن يطالبه بذلك متى بدا له ذلك، ولا يجوز بيع ذلك؛ لأنه بيع الحق وبيع الحق لا يجوز، ولا تجوز الإجارة، ولا ضرر للمدعى عليه في التحليف على السبب ليكون التحليف على وفق الدعوى.
ولو ادعى رجل على رجل أنه حفر حفيرة في أرض له أضر ذلك بأرضه وأراد استحلافه على ذلك، فيقول: لا بد من معرفة حكم هذه المسألة أولاً، فعند علمائنا ﵏: يلزم الحافر النقصان، فيحلفه على الحاصل بالله ماله عليك هذا الحق الذي يدعي من الوجه الذي يدعي، لا يحلفه على السبب بالله ما فعلت كذا؛ لأن في التحليف على السبب ضرر للمدعى عليه لجواز أنه فعل ذلك، إلا أن صاحب الأرض أبرأه عن النقصان أو الفاعل أَوْفاه ضمان النقصان مرة، ولا ضرر للمدعي في التحليف على الحاصل فيحلف على الحاصل.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: من العلماء من قال من حفر حفرة في أرض غيره لا يضمن النقصان ولكن يؤمر بكبس الحفيرة، فلو حلفناه على الحاصل، ربما يؤول قول هذا القائل، ثم قوله في الكتاب: أضر ذلك بأرضه، إشارة إلى أنه لو لم يضر ذلك بأرضه أنه لا شيء عليه، فاعلم بأن من رفع التراب من أرض إنسان وكان ذلك في موضع للتراب قيمة فيه، ضمن فيه التراب، سواء تمكن النقصان في الأرض أو لم يتمكن؛ لأن الأرض بجميع أجزائها مملوكة، ومن أخذ ملك غيره يضمن قيمته.
وقد روي عن محمد ﵀: أنه إذا أدخل الماء في أرض رجل واجتمع الطين في أرضه بذلك لا يكون لأحد أن يأخذ ذلك الطين ويرفعه عن أرضه، لأنه صار مملوكه تبعاً لأرضه فهذا كذلك على أن الأرض مملوكة بجميع أجزائها وهذا بخلاف ما لو دخل صيد في ملكه كان لكل أحد أن يأخذه؛ لأنه لم يصر مملوكاً لصاحب الأرض تبعاً لأرضه، وكذلك إذا دخل في أرض لرجل ودخل معه السمك كان لكل أحد أن يأخذ السمك؛ لأنه لم يصر ملكاً له تبعاً لأرضه بخلاف الطين على ما بينا، هذا إذا أخذ التراب من أرض الغير وله قيمة في ذلك الموضع، فأما إذا لم يكن قيمة له في ذلك الموضع ينظر إن تمكن النقصان في الأرض بذلك الصنع، ضمن النقصان وما لا فلا، إذا عرفت حكم المسألة فنقول: إذا كان للتراب قيمة في ذلك الموضع يحلف المدعى عليه وما لا فلا.
стр. 3641
ومن هذا الجنس: إذا ادعى رجل على رجل أنه نقض حائطاً له، وأراد استحلافه فنقول: من هدم جدار غيره لا يجبر على بنيانه؛ لأن الجدار ليس من ذوات الأمثال ويكون لصاحب الحائط الخيار، إن شاء ضمنه قيمة الحائط والنقص للضامن، وإن شاء أخذ النقص وضمنه النقصان، لأن الحائط قائم من وجه هالك من وجه فيميل إلى أي الوجهين شاء فإن أراد تحليفه حلفه على الحاصل، هكذا ذكر الخصاف ﵀.
قال شمس الأئمة الحلواني: ينبغي للقاضي أن يحلفه على السبب ولا يحلفه على الحاصل هو الصحيح؛ لأن مذهب بعض العلماء أن الحائط إذا كان جديداً يجب عليه الإعادة، وإذا كان خلقاً عتيقاً لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه لو أعاده كان أفضل من الأول وضمان العدوان مقيد بالمثل. فلو حلفناه على الحاصل ربما يؤول قول هذا القائل فيحلف ويكون صادقاً في حلفه، فيتضرر المدعي، فيحلف على السبب كيلا يتأول قول هذا القائل.
قال: ولو ادعى رجل على رجل ألف درهم، وللمدعى عليه عند المدعي رهن بالمال، فخاف المدعى عليه أنه إن أقر بالمال جحد المدعي الرهن، ينبغي للمدعى عليه أن يطلب من القاضي حتى يسأل المدعي: هل عنده بهذا المال الذي يدعيه رهن، فإن قال: نعم فقد حصل مقصود المدعى عليه وإن قال: لا رهن له، وأراد استحلاف المدعى عليه، فالقاضي لا يحلفه بالله ماله عليك هذا المال الذي يدعي؛ لأنه لا يمكنه أن يحلف على هذا الوجه؛ لأن المال واجب عليه فلو حلف يكون كاذباً، ولو أقر بالمال وادعى الرهن ربما لا يمكنه إثبات الرهن فيتضرر به، ولكن يحلفه بالله ما لفلان عليك ألف درهم لا رهن بها، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ؛ وهذا لأن المال الذي ليس له رهن ليس عليه، فإذا حلف على هذا الوجه لهذا.
وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: يحلفه بالله ليس عليك أداء هذا المال وتسليمه إلى المدعي هذا، ولا ضرر للمدعي في ذلك؛ لأنه يمكنه أن يحلف كذلك؛ لأنه إنما يجب على الراهن أداء الدين إذا أحضر المرتهن الرهن، فأما قبل إحضاره فلا يجب عليه تسليم الدين، فإذا لم يكن الرهن حاضراً يمكن للمدعى عليه أن يحلف بالله ليس عليه أداء هذا المال، وتسليمه إلى هذا المدعي، فيحلف على هذا الوجه ولا حاجة إلى ما وراءه. وبعض مشايخنا قالوا: لا حاجة إلى هذه التكلفات؛ لأن جحود الرهن إهلاك الرهن وهلاك الرهن يصير المرتهن مستوفياً دينه، وبعد الاستيفاء لا يبقى له عليه شيء فيمكنه أن يحلف ولا شيء لهذا المدعى عليه، فيحلفه القاضي بالله ماله عليك هذا المال الذي يدعي.
قال في كتاب الاستحلاف: رجل وهب ثوباً له من رجل أو عبد وأقر أن الموهوب له قبضه في المجلس أو بعده بأمره ثم قال الواهب بعد ذلك: إن الموهوب له ما قبضه، وكتب أقررت بقبضه كاذباً، وسأل القاضي أن يحلف الموهوب له بالله لقد قبضته عن هذه الهبة التي يدعي، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد القاضي لا يحلفه؛ لأن التحليف يترتب
стр. 3642
على دعوى صحيحة، والدعوى لم تصح هنا لمكان التناقض، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يحلفه بالله لقد قبضته بحكم الهبة التي يدعى.
وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيئاً وأقر المشتري بقبض المشترى، ثم ادعى أنه لم يقبضه وطلب من القاضي أن يحلف البائع بالله لقد سلمته إلى المشتري بحكم هذا الشراء الذي يدعيه. وعلى هذا الخلاف إذا أقر البائع بالبيع ثم أنكر البيع وقال: أقررت بالبيع كاذباً، وأراد تحليف المشتري. وعلى هذا الخلاف رب الدين إذا أقر بقبض الدين من المديون وأشهد عليه ثم أنكر القبض، فأراد تحليف المديون. وعلى هذا الخلاف إذا أقر رجل على نفسه بالدين لرجل ثم أنكر الدين وقال: لا شيء له علي، وإنما أقررت بذلك كاذباً وطلبت يمين المقر.
أبو يوسف ﵀ يقول: المعروف المعتاد فيما بين الناس أن البائع يقر بقبض الثمن والمشتري بقبض المشترى للإشهاد، وإن لم يكن قبض حقيقة، وكذلك المعتاد فيما بين الناس أن من استقرض من غيره شيئاً، فالمقروض أولاً يأمره بكتابة الصك والإشهاد عليه قبل دفع المال، فلو اعتبرنا التناقض في هذه الصورة مانعاً صحة الدعوى والاستحلاف لبطلت حقوق الناس، وإن أشهد البائع على البيع وقبض الثمن ثم ادعى أن البيع كان تلجئة وطلب تحليف المشتري، ذكر في كتاب الاستحلاف: أنه يحلف عندهم جميعاً؛ لأن البائع لم يصر متناقضاً في الدعوى؛ لأنه لم يوجد منه إلا الإقرار بالبيع مطلقاً والبيع قد يكون تلجئة وقد يكون جداً، وإذا لم يصر متناقضاً صحت الدعوى منه فيترتب عليه التحليف.
ثم كيفية التحليف بالله ما شرطت أن يكون هذا البيع الذي تلجية.
وفي كتاب الأقضية أن في هذه المسألة روايتين عن أبي حنيفة ﵀ في رواية قال: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية مطلقاً، ولم يذكرا شيئاً وقت العقد، فهذا البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية مطلقاً، ولم يذكرا شيئاً وقت العقد، فهذا البيع تلجئة وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فعلى هذا يستحلف المشتري؛ لأن البائع يدعي ما يوجب حق الفسخ والمشتري ينكر، وفي رواية أخرى قال: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية، ولم يذكرا شيئاً وقت العقد، فالعقد صحيح، فعلى هذا لا يستحلف المشتري؛ لأن أكثر ما فيه أنه نكل فيصير مقراً بما ادعاه البائع إلا أنه لو كان الأمر كما ادعاه البائع، فالعقد (١٠٠أ٤) صحيح فلا معنى للاستحلاف.
قال أبو يوسف في كتاب الاستحلاف: أربعة أشياء يستحلف القاضي الخصم فيها قبل أن يسأل المدعي ذلك:
أحدها: الشفعة، فإن الشفيع إذا طلب من القاضي أن يقضي بالشفعة، فالقاضي يحلفه بالله: لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء، وإن لم يكن يطلب الشراء وهذا قول ابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يستحلفه القاضي ما لم يدع المشتري ذلك.
стр. 3643
الثاني: البكر إذا بلغت، فاختارت الفرقة وطلبت من القاضي أن يفرق بينهما، يستحلفها القاضي بالله لقد اخترت الفرقة حين بلغت وإن لم يدع الزوج ذلك.
الثالث: إذا أراد المشتري أن يرد المشترى بالعيب، فالقاضي يحلفه بالله لم يرض بهذا ولا عرضه على البيع منذ رأيته.
والرابع: المرأة إذا سألت من القاضي أن يفرض لها النفقة في مال الزوج، والزوج غائب يستحلف بالله ما أعطاك نفقتك حين خرج، ويجب أن تكون مسألة النفقة على قولهم جميعاً؛ لأن الزوج عاجز عن طلب اليمين بنفسه، إذا كان غائباً.
رجل ادعى على رجل ألف درهم وإقرار هذه الألف بيني وبين فلان، فقال المقر له بعد ذلك: إن المدعي وهو المقر قد قبض الألف المشترك بيني وبينه وطالبه بالخمسمائة، التي قبضته، وقال المقر: ما قبضت، فالقول قول المقر مع يمينه، فيستحلف بالله ما قبضت الألف التي لكما على فلان لا قليل ولا كثير منها، ويستحلف بالله ماله قبلك ما يدعي ولا شيء منها يستحلف على الحاصل لجواز أنه قبض ثم يملك من جهته بسبب من الأسباب.
وإذا ادعى على ميت مالاً وله ورثة فله أن يحلف الورثة كلهم على علمهم ولا يكتفي بيمين واحد منهم.
ولو ادعى الورثة مالاً للميت على رجل وحلف أحدهم المدعى عليه عند القاضي اكتفى به حتى لم يكن لبقية الورثة أن يحلفوه، والفرق أن الدعوى إذا وقعت على الميت لو اكتفى بيمين أحد الورثة إنما يكتفي إذا صار هو نائباً عن بقية الورثة في الحلف إلا أن النيابة لا تجري في الحلف وإذا وقعت الدعوى للميت لو اكتفى باستحلاف أحد الورثة إنما يكتفي من حيث إنه صار نائباً عن بقية الورثة في الاستحلاف، والنيابة تجري في استحلاف أحد الورثة. وهو نظير ما لو ادعى أحد شريكي العنان أو أحد شريكي المفاوضة حقاً على رجل للشركة، وحلف المدعى عليه لا يكون للشريك الآخر أن يحلفه وبمثله لو ادعى رجل حقاً من شركتهما حتى يوجه اليمين عليهما وحلف أحدهما كان له أن يحلف الآخر، والطريق ما قلنا وفرق بين الورثة إذا ادعوا على رجل حقاً بحكم الميراث وبين جماعة ادعوا على رجل حقاً بحكم بالشراء، فإن أحد الورثة إذا حلف المدعى عليه لم يكن لبقية الورثة أن يحلفوه وأحد المشتريين إذا حلف المدعى عليه كان لبقية المشتريين أن يحلفوه، والفرق: أن أحد الورثة ينصب خصماً عن بقية الورثة فيما يدعي للميت، فصار استحلاف أحدهم كاستحلاف الباقين، فإنما أحد المشتريين لا ينتصب خصماً عن الباقين فلا يكون استحلاف أحدهم كاستحلاف الباقين.
وإذا ادعى الرق مطلقاً ففي قول من يرى الاستحلاف في الرق: يحلف المدعى عليه مطلقاً بالله ماله في رقبتك رق، أو يحلفه بالله ما أنت برقيق له وإن ادعى الرق بسبب بأن قال: ولدت من أمتي أو قال كنت حربياً فاسترققتك، يذكر السبب في الحلف، فيستحلف بالله ماله في رقبتك رق بهذا السبب الذي يدعي.
стр. 3644
قال محمد ﵀: لا يمين في حد إلا أن السارق يستحلف لأخذ المال، فإن نكل ضمن ولم يقطع.
يجب أن يعلم بأن الحدود أنواع.
نوع هو خالص حق الله تعالى نحو حد الزنا وحد السرقة وحد شرب الخمر، وفي هذا النوع لا يجري الاستحلاف؛ لأن اليمين فيما سوى القصاص في النفس ما شرعت نفسها بل القضاء بالنكول؛ لأن اليمين شرعت حقاً للمدعي، واليمين حق المدعي من حيث أن المدعى عليه ينكل فيقضى عليه بالنكول فيحيى حقه لا من حيث أن يحلف فلا يقضى عليه، فعلمنا أن اليمين شرع للقضاء بالنكول والقضاء بالنكول في الحدود الخالصة لله تعالى متعذر؛ لأن النكول عند أبي حنيفة ﵀ بدل، وعندهما بدل عن الإقرار فالقضاء بالحدود الخالصة لله تعالى بكلا الأمرين متعذر، وأما في السرقة يستحلف السارق لأجل المال يريد به إذا أراد المسروق منه أخذ المال دون القطع؛ لأن المال حق العبد، والاستحلاف يجري في حقوق العباد.
وعن محمد ﵀ في «النوادر» : أن القاضي يقول للمدعي: ماذا تريد فإن قال أريد القطع يقول له القاضي: إن في الحدود لا يستحلف فليس لك عليه يمين، فإن قال: أنا أريد المال، فالقاضي يقول له: دع ذكر السرقة وادع تناول ما لك فيكون عليه يمين.
وفي كتاب الاستحلاف يقول: إذا طلب المسروق منه ضمان السرقة لا القطع يستحلف بالله ما عليك تسليم هذا المال الذي يدعي ولا قيمته، بالسبب الذي يدعي، فإن حلف برئ وإن نكل ضمنه السرقة.
ونوع آخر: هو خالص حق العبد نحو القصاص في النفس والطرف وقد مر الكلام فيه قبل هذا.
ونوع آخر: هو حق الله تعالى وحق العبد وهو حد القذف، وفي هذا النوع لا يجري الاستحلاف عندنا حتى إن من ادعى على آخر أنه قذفه وأنكر المدعى عليه ذلك لا يستحلف عندنا؛ لأن المغلب في حد القذف عندنا حق الله تعالى فالتحق بالحدود الخالصة حقاً لله تعالى.
ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنه قال له: يا منافق يا زنديق يا كافر، أو ادعى أنه ضربه أو لطمه أو ما أشبه ذلك من الأمور التي توجب التعزير وأراد تحليفه، فالقاضي يحلفه؛ لأن التعزير محض حق العبد، ولهذا ملك العبد إسقاطه بالعفو، والصغر لا يمنع وجوبه عليه إن أمكن صاحب الحق منه أقامه، ولو كان حق الله لكانت هذه الأحكام على عكس هذا، والاستحلاف يجري في حقوق العباد سواء كان عقوبة أو مالاً، فإن حلف لا شيء عليه وإن نكل يقضى عليه بالتعزير؛ لأن التعزير يثبت مع الشبهات، فجاز أن يقضى عليه بالنكول، ويكون التحليف فيه على الحاصل؛ لأن في التحليف على السبب ضرراً للمدعى عليه لجواز أن المدعى عليه فعل ذلك الفعل إلا أن المدعي أبرأه وعفى عنه، وهذا مما يسقط بالعفو فلو حلف على السبب يتضرر المدعى عليه، فيحلف على الحاصل لهذا وأدنى التعزير مفوض إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى حصول الانزجار به.
стр. 3645
وفي «السير الكبير» : إذا أمر الأمير أهل العسكر بشيء، فعصاه في ذلك واحد من أهل العسكر، فالأمير لا يؤدبه في أول الوهلة ولكن ينصحه حتى لا يعود إلى مثل ذلك، وإن عصاه بعد ذلك أدبه لأنه ارتكب مالا يحل شرعاً، ومن ارتكب ما لا يحل شرعاً يؤدب عليه زجراً له، فإن بين في ذلك عذراً فالإمام يخلي سبيله، لأن ارتكاب مالا يحل شرعاً إذا كان بعذر لا يوجب التعزير ولكن يحلفه بالله، لقد فعلت هذا بعذر؛ لأنه يدعي ما يمنع وجوب التعزير عليه ولا يعرف ذلك إلا بقوله، والتعزير يدخل في القضاء فلا يصدق من غير يمين.
وإذا ادعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوباً، وأقر الغاصب بذلك، ثم اختلفا في قيمته ولكن علم أن قيمته لم تكن مائة فالقول قول الغاصب مع يمينه، ويؤمر بالبيان؛ لأنه أقرّ بقيمة مجهول، وإن لم يبين يحلف الغاصب على ما ادعاه المغصوب منه، من الزيادة فإن حلف ولم يثبت ما ادعاه المغصوب منه: ذكر في كتاب الاستحلاف أن المغصوب منه يحلف أن قيمة الثوب مائة، ويأخذ من الغاصب مائة.
وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀ يقول ما ذكر من تحليف المغصوب منه وأخذ المائة من الغاصب بيمينه لا يكاد يصح؛ لأن المغصوب منه يدعي، واليمين عندنا لم يشرع حجة للمدعي، وكان يقول الصحيح من الجواب أن يقال: القاضي يوقف الغاصب ويذكر له كل ما يصلح قيمة الثوب، فيقول أولاً: أكانت قيمته مائة فإن قال: لا، يقول: أكان خمسون، فإن قال: لا، يقول: أكانت خمسة وعشرون، هكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مالا يجوز أن ينقص قيمة الثوب منه في العرف والعادة، فإذا انتهى إلى ذلك ألزمه ذلك وجعل القول قوله في الزيادة مع يمينه، وجعل الجواب فيه كالجواب فيمن أقر بحق مجهول في عين في يديه لغيرٍ، فالقاضي يأمره ببيان مقداره وإذا لم يبين فالقاضي يسمي السهام إلى أن ينتهي إلى أقصى السهام الذي لا يقصد دونه (١٠٠ب٤) بالتملك في العرف والعادة فيلزمه ذلك ويجعل القول في الزيادة قوله مع يمينه.
ومن المشايخ من اشتغل بتصحيح ما ذكر في الكتاب وقال: الإقرار من الغاصب بقيمة مجهولة قد صح ووجب على القاضي إيصال المقر له إلى حقه، وقد عجز القاضي عن إيصال المائة إليه كما يدعيه المغصوب منه؛ لأن الغاصب قد حلف على ذلك ولا وجه إلى أن يوقفه وسمى له قيمة كل ما يصلح أن يكون قيمة الثوب؛ لأن الغاصب في إقراره ذكر الثوب مطلقاً ولم يبين الجنس ولا النوع، والثياب أجناس مختلفة فلا يدري القاضي أقل ما تكون قيمة الثوب؛ لأنه لا يدري أن الثوب المقر به من أي نوع بخلاف ما لو أقر بحق مجهول في عين في يده؛ لأن أقل المقدار الذي يقصد بالتملك عرفاً وعادة، يكون معلوماً فأمكن إلزام ذلك على المقر له أما هنا بخلافه، فلم يبق للقاضي طريق يوصل المقر له وهو المغصوب منه إلى حقه سوى يمينه، حتى لو كان النوع سمي في الإقرار.Y
وفي الدعوى يقول بأن القاضي يوقعه ويسمي له كل ما يصلح قيمة الثوب، كما قال
следующие страницы →