← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

ومن هذا الجنس: إذا ادعى رجل على رجل أنه نقض حائطاً له، وأراد استحلافه فنقول: من هدم جدار غيره لا يجبر على بنيانه؛ لأن الجدار ليس من ذوات الأمثال ويكون لصاحب الحائط الخيار، إن شاء ضمنه قيمة الحائط والنقص للضامن، وإن شاء أخذ النقص وضمنه النقصان، لأن الحائط قائم من وجه هالك من وجه فيميل إلى أي الوجهين شاء فإن أراد تحليفه حلفه على الحاصل، هكذا ذكر الخصاف ﵀. قال شمس الأئمة الحلواني: ينبغي للقاضي أن يحلفه على السبب ولا يحلفه على الحاصل هو الصحيح؛ لأن مذهب بعض العلماء أن الحائط إذا كان جديداً يجب عليه الإعادة، وإذا كان خلقاً عتيقاً لا يجب عليه الإعادة؛ لأنه لو أعاده كان أفضل من الأول وضمان العدوان مقيد بالمثل. فلو حلفناه على الحاصل ربما يؤول قول هذا القائل فيحلف ويكون صادقاً في حلفه، فيتضرر المدعي، فيحلف على السبب كيلا يتأول قول هذا القائل. قال: ولو ادعى رجل على رجل ألف درهم، وللمدعى عليه عند المدعي رهن بالمال، فخاف المدعى عليه أنه إن أقر بالمال جحد المدعي الرهن، ينبغي للمدعى عليه أن يطلب من القاضي حتى يسأل المدعي: هل عنده بهذا المال الذي يدعيه رهن، فإن قال: نعم فقد حصل مقصود المدعى عليه وإن قال: لا رهن له، وأراد استحلاف المدعى عليه، فالقاضي لا يحلفه بالله ماله عليك هذا المال الذي يدعي؛ لأنه لا يمكنه أن يحلف على هذا الوجه؛ لأن المال واجب عليه فلو حلف يكون كاذباً، ولو أقر بالمال وادعى الرهن ربما لا يمكنه إثبات الرهن فيتضرر به، ولكن يحلفه بالله ما لفلان عليك ألف درهم لا رهن بها، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ؛ وهذا لأن المال الذي ليس له رهن ليس عليه، فإذا حلف على هذا الوجه لهذا. وكان الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: يحلفه بالله ليس عليك أداء هذا المال وتسليمه إلى المدعي هذا، ولا ضرر للمدعي في ذلك؛ لأنه يمكنه أن يحلف كذلك؛ لأنه إنما يجب على الراهن أداء الدين إذا أحضر المرتهن الرهن، فأما قبل إحضاره فلا يجب عليه تسليم الدين، فإذا لم يكن الرهن حاضراً يمكن للمدعى عليه أن يحلف بالله ليس عليه أداء هذا المال، وتسليمه إلى هذا المدعي، فيحلف على هذا الوجه ولا حاجة إلى ما وراءه. وبعض مشايخنا قالوا: لا حاجة إلى هذه التكلفات؛ لأن جحود الرهن إهلاك الرهن وهلاك الرهن يصير المرتهن مستوفياً دينه، وبعد الاستيفاء لا يبقى له عليه شيء فيمكنه أن يحلف ولا شيء لهذا المدعى عليه، فيحلفه القاضي بالله ماله عليك هذا المال الذي يدعي. قال في كتاب الاستحلاف: رجل وهب ثوباً له من رجل أو عبد وأقر أن الموهوب له قبضه في المجلس أو بعده بأمره ثم قال الواهب بعد ذلك: إن الموهوب له ما قبضه، وكتب أقررت بقبضه كاذباً، وسأل القاضي أن يحلف الموهوب له بالله لقد قبضته عن هذه الهبة التي يدعي، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد القاضي لا يحلفه؛ لأن التحليف يترتب

стр. 3642

على دعوى صحيحة، والدعوى لم تصح هنا لمكان التناقض، وعلى قول أبي يوسف ﵀ يحلفه بالله لقد قبضته بحكم الهبة التي يدعى. وعلى هذا الخلاف إذا اشترى شيئاً وأقر المشتري بقبض المشترى، ثم ادعى أنه لم يقبضه وطلب من القاضي أن يحلف البائع بالله لقد سلمته إلى المشتري بحكم هذا الشراء الذي يدعيه. وعلى هذا الخلاف إذا أقر البائع بالبيع ثم أنكر البيع وقال: أقررت بالبيع كاذباً، وأراد تحليف المشتري. وعلى هذا الخلاف رب الدين إذا أقر بقبض الدين من المديون وأشهد عليه ثم أنكر القبض، فأراد تحليف المديون. وعلى هذا الخلاف إذا أقر رجل على نفسه بالدين لرجل ثم أنكر الدين وقال: لا شيء له علي، وإنما أقررت بذلك كاذباً وطلبت يمين المقر. أبو يوسف ﵀ يقول: المعروف المعتاد فيما بين الناس أن البائع يقر بقبض الثمن والمشتري بقبض المشترى للإشهاد، وإن لم يكن قبض حقيقة، وكذلك المعتاد فيما بين الناس أن من استقرض من غيره شيئاً، فالمقروض أولاً يأمره بكتابة الصك والإشهاد عليه قبل دفع المال، فلو اعتبرنا التناقض في هذه الصورة مانعاً صحة الدعوى والاستحلاف لبطلت حقوق الناس، وإن أشهد البائع على البيع وقبض الثمن ثم ادعى أن البيع كان تلجئة وطلب تحليف المشتري، ذكر في كتاب الاستحلاف: أنه يحلف عندهم جميعاً؛ لأن البائع لم يصر متناقضاً في الدعوى؛ لأنه لم يوجد منه إلا الإقرار بالبيع مطلقاً والبيع قد يكون تلجئة وقد يكون جداً، وإذا لم يصر متناقضاً صحت الدعوى منه فيترتب عليه التحليف. ثم كيفية التحليف بالله ما شرطت أن يكون هذا البيع الذي تلجية. وفي كتاب الأقضية أن في هذه المسألة روايتين عن أبي حنيفة ﵀ في رواية قال: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية مطلقاً، ولم يذكرا شيئاً وقت العقد، فهذا البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية مطلقاً، ولم يذكرا شيئاً وقت العقد، فهذا البيع تلجئة وهو قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فعلى هذا يستحلف المشتري؛ لأن البائع يدعي ما يوجب حق الفسخ والمشتري ينكر، وفي رواية أخرى قال: إذا تواضعا في السر أن يظهر البيع تلجئة ثم تعاقدا في العلانية، ولم يذكرا شيئاً وقت العقد، فالعقد صحيح، فعلى هذا لا يستحلف المشتري؛ لأن أكثر ما فيه أنه نكل فيصير مقراً بما ادعاه البائع إلا أنه لو كان الأمر كما ادعاه البائع، فالعقد (١٠٠أ٤) صحيح فلا معنى للاستحلاف. قال أبو يوسف في كتاب الاستحلاف: أربعة أشياء يستحلف القاضي الخصم فيها قبل أن يسأل المدعي ذلك: أحدها: الشفعة، فإن الشفيع إذا طلب من القاضي أن يقضي بالشفعة، فالقاضي يحلفه بالله: لقد طلبت الشفعة حين علمت بالشراء، وإن لم يكن يطلب الشراء وهذا قول ابن أبي ليلى، وقال أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: لا يستحلفه القاضي ما لم يدع المشتري ذلك.

стр. 3643

الثاني: البكر إذا بلغت، فاختارت الفرقة وطلبت من القاضي أن يفرق بينهما، يستحلفها القاضي بالله لقد اخترت الفرقة حين بلغت وإن لم يدع الزوج ذلك. الثالث: إذا أراد المشتري أن يرد المشترى بالعيب، فالقاضي يحلفه بالله لم يرض بهذا ولا عرضه على البيع منذ رأيته. والرابع: المرأة إذا سألت من القاضي أن يفرض لها النفقة في مال الزوج، والزوج غائب يستحلف بالله ما أعطاك نفقتك حين خرج، ويجب أن تكون مسألة النفقة على قولهم جميعاً؛ لأن الزوج عاجز عن طلب اليمين بنفسه، إذا كان غائباً. رجل ادعى على رجل ألف درهم وإقرار هذه الألف بيني وبين فلان، فقال المقر له بعد ذلك: إن المدعي وهو المقر قد قبض الألف المشترك بيني وبينه وطالبه بالخمسمائة، التي قبضته، وقال المقر: ما قبضت، فالقول قول المقر مع يمينه، فيستحلف بالله ما قبضت الألف التي لكما على فلان لا قليل ولا كثير منها، ويستحلف بالله ماله قبلك ما يدعي ولا شيء منها يستحلف على الحاصل لجواز أنه قبض ثم يملك من جهته بسبب من الأسباب. وإذا ادعى على ميت مالاً وله ورثة فله أن يحلف الورثة كلهم على علمهم ولا يكتفي بيمين واحد منهم. ولو ادعى الورثة مالاً للميت على رجل وحلف أحدهم المدعى عليه عند القاضي اكتفى به حتى لم يكن لبقية الورثة أن يحلفوه، والفرق أن الدعوى إذا وقعت على الميت لو اكتفى بيمين أحد الورثة إنما يكتفي إذا صار هو نائباً عن بقية الورثة في الحلف إلا أن النيابة لا تجري في الحلف وإذا وقعت الدعوى للميت لو اكتفى باستحلاف أحد الورثة إنما يكتفي من حيث إنه صار نائباً عن بقية الورثة في الاستحلاف، والنيابة تجري في استحلاف أحد الورثة. وهو نظير ما لو ادعى أحد شريكي العنان أو أحد شريكي المفاوضة حقاً على رجل للشركة، وحلف المدعى عليه لا يكون للشريك الآخر أن يحلفه وبمثله لو ادعى رجل حقاً من شركتهما حتى يوجه اليمين عليهما وحلف أحدهما كان له أن يحلف الآخر، والطريق ما قلنا وفرق بين الورثة إذا ادعوا على رجل حقاً بحكم الميراث وبين جماعة ادعوا على رجل حقاً بحكم بالشراء، فإن أحد الورثة إذا حلف المدعى عليه لم يكن لبقية الورثة أن يحلفوه وأحد المشتريين إذا حلف المدعى عليه كان لبقية المشتريين أن يحلفوه، والفرق: أن أحد الورثة ينصب خصماً عن بقية الورثة فيما يدعي للميت، فصار استحلاف أحدهم كاستحلاف الباقين، فإنما أحد المشتريين لا ينتصب خصماً عن الباقين فلا يكون استحلاف أحدهم كاستحلاف الباقين. وإذا ادعى الرق مطلقاً ففي قول من يرى الاستحلاف في الرق: يحلف المدعى عليه مطلقاً بالله ماله في رقبتك رق، أو يحلفه بالله ما أنت برقيق له وإن ادعى الرق بسبب بأن قال: ولدت من أمتي أو قال كنت حربياً فاسترققتك، يذكر السبب في الحلف، فيستحلف بالله ماله في رقبتك رق بهذا السبب الذي يدعي.

стр. 3644

قال محمد ﵀: لا يمين في حد إلا أن السارق يستحلف لأخذ المال، فإن نكل ضمن ولم يقطع. يجب أن يعلم بأن الحدود أنواع. نوع هو خالص حق الله تعالى نحو حد الزنا وحد السرقة وحد شرب الخمر، وفي هذا النوع لا يجري الاستحلاف؛ لأن اليمين فيما سوى القصاص في النفس ما شرعت نفسها بل القضاء بالنكول؛ لأن اليمين شرعت حقاً للمدعي، واليمين حق المدعي من حيث أن المدعى عليه ينكل فيقضى عليه بالنكول فيحيى حقه لا من حيث أن يحلف فلا يقضى عليه، فعلمنا أن اليمين شرع للقضاء بالنكول والقضاء بالنكول في الحدود الخالصة لله تعالى متعذر؛ لأن النكول عند أبي حنيفة ﵀ بدل، وعندهما بدل عن الإقرار فالقضاء بالحدود الخالصة لله تعالى بكلا الأمرين متعذر، وأما في السرقة يستحلف السارق لأجل المال يريد به إذا أراد المسروق منه أخذ المال دون القطع؛ لأن المال حق العبد، والاستحلاف يجري في حقوق العباد. وعن محمد ﵀ في «النوادر» : أن القاضي يقول للمدعي: ماذا تريد فإن قال أريد القطع يقول له القاضي: إن في الحدود لا يستحلف فليس لك عليه يمين، فإن قال: أنا أريد المال، فالقاضي يقول له: دع ذكر السرقة وادع تناول ما لك فيكون عليه يمين. وفي كتاب الاستحلاف يقول: إذا طلب المسروق منه ضمان السرقة لا القطع يستحلف بالله ما عليك تسليم هذا المال الذي يدعي ولا قيمته، بالسبب الذي يدعي، فإن حلف برئ وإن نكل ضمنه السرقة. ونوع آخر: هو خالص حق العبد نحو القصاص في النفس والطرف وقد مر الكلام فيه قبل هذا. ونوع آخر: هو حق الله تعالى وحق العبد وهو حد القذف، وفي هذا النوع لا يجري الاستحلاف عندنا حتى إن من ادعى على آخر أنه قذفه وأنكر المدعى عليه ذلك لا يستحلف عندنا؛ لأن المغلب في حد القذف عندنا حق الله تعالى فالتحق بالحدود الخالصة حقاً لله تعالى. ولو أن رجلاً ادعى على رجل أنه قال له: يا منافق يا زنديق يا كافر، أو ادعى أنه ضربه أو لطمه أو ما أشبه ذلك من الأمور التي توجب التعزير وأراد تحليفه، فالقاضي يحلفه؛ لأن التعزير محض حق العبد، ولهذا ملك العبد إسقاطه بالعفو، والصغر لا يمنع وجوبه عليه إن أمكن صاحب الحق منه أقامه، ولو كان حق الله لكانت هذه الأحكام على عكس هذا، والاستحلاف يجري في حقوق العباد سواء كان عقوبة أو مالاً، فإن حلف لا شيء عليه وإن نكل يقضى عليه بالتعزير؛ لأن التعزير يثبت مع الشبهات، فجاز أن يقضى عليه بالنكول، ويكون التحليف فيه على الحاصل؛ لأن في التحليف على السبب ضرراً للمدعى عليه لجواز أن المدعى عليه فعل ذلك الفعل إلا أن المدعي أبرأه وعفى عنه، وهذا مما يسقط بالعفو فلو حلف على السبب يتضرر المدعى عليه، فيحلف على الحاصل لهذا وأدنى التعزير مفوض إلى رأي القاضي يقيمه بقدر ما يرى حصول الانزجار به.

стр. 3645

وفي «السير الكبير» : إذا أمر الأمير أهل العسكر بشيء، فعصاه في ذلك واحد من أهل العسكر، فالأمير لا يؤدبه في أول الوهلة ولكن ينصحه حتى لا يعود إلى مثل ذلك، وإن عصاه بعد ذلك أدبه لأنه ارتكب مالا يحل شرعاً، ومن ارتكب ما لا يحل شرعاً يؤدب عليه زجراً له، فإن بين في ذلك عذراً فالإمام يخلي سبيله، لأن ارتكاب مالا يحل شرعاً إذا كان بعذر لا يوجب التعزير ولكن يحلفه بالله، لقد فعلت هذا بعذر؛ لأنه يدعي ما يمنع وجوب التعزير عليه ولا يعرف ذلك إلا بقوله، والتعزير يدخل في القضاء فلا يصدق من غير يمين. وإذا ادعى رجل على رجل أنه غصب منه ثوباً، وأقر الغاصب بذلك، ثم اختلفا في قيمته ولكن علم أن قيمته لم تكن مائة فالقول قول الغاصب مع يمينه، ويؤمر بالبيان؛ لأنه أقرّ بقيمة مجهول، وإن لم يبين يحلف الغاصب على ما ادعاه المغصوب منه، من الزيادة فإن حلف ولم يثبت ما ادعاه المغصوب منه: ذكر في كتاب الاستحلاف أن المغصوب منه يحلف أن قيمة الثوب مائة، ويأخذ من الغاصب مائة. وكان الحاكم الإمام أبو محمد الكوفي ﵀ يقول ما ذكر من تحليف المغصوب منه وأخذ المائة من الغاصب بيمينه لا يكاد يصح؛ لأن المغصوب منه يدعي، واليمين عندنا لم يشرع حجة للمدعي، وكان يقول الصحيح من الجواب أن يقال: القاضي يوقف الغاصب ويذكر له كل ما يصلح قيمة الثوب، فيقول أولاً: أكانت قيمته مائة فإن قال: لا، يقول: أكان خمسون، فإن قال: لا، يقول: أكانت خمسة وعشرون، هكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مالا يجوز أن ينقص قيمة الثوب منه في العرف والعادة، فإذا انتهى إلى ذلك ألزمه ذلك وجعل القول قوله في الزيادة مع يمينه، وجعل الجواب فيه كالجواب فيمن أقر بحق مجهول في عين في يديه لغيرٍ، فالقاضي يأمره ببيان مقداره وإذا لم يبين فالقاضي يسمي السهام إلى أن ينتهي إلى أقصى السهام الذي لا يقصد دونه (١٠٠ب٤) بالتملك في العرف والعادة فيلزمه ذلك ويجعل القول في الزيادة قوله مع يمينه. ومن المشايخ من اشتغل بتصحيح ما ذكر في الكتاب وقال: الإقرار من الغاصب بقيمة مجهولة قد صح ووجب على القاضي إيصال المقر له إلى حقه، وقد عجز القاضي عن إيصال المائة إليه كما يدعيه المغصوب منه؛ لأن الغاصب قد حلف على ذلك ولا وجه إلى أن يوقفه وسمى له قيمة كل ما يصلح أن يكون قيمة الثوب؛ لأن الغاصب في إقراره ذكر الثوب مطلقاً ولم يبين الجنس ولا النوع، والثياب أجناس مختلفة فلا يدري القاضي أقل ما تكون قيمة الثوب؛ لأنه لا يدري أن الثوب المقر به من أي نوع بخلاف ما لو أقر بحق مجهول في عين في يده؛ لأن أقل المقدار الذي يقصد بالتملك عرفاً وعادة، يكون معلوماً فأمكن إلزام ذلك على المقر له أما هنا بخلافه، فلم يبق للقاضي طريق يوصل المقر له وهو المغصوب منه إلى حقه سوى يمينه، حتى لو كان النوع سمي في الإقرار.Y وفي الدعوى يقول بأن القاضي يوقعه ويسمي له كل ما يصلح قيمة الثوب، كما قال

стр. 3646

الحاكم الإمام ﵀، وما يقول بأن يمين المغصوب منه يمين المدعي، ويمين المدعي لم تشرع حجة، قلنا: يمين المغصوب منه يمين المدعي من وجه من حيث أنه يدعي أن قيمة الثوب مائة، ولم يثبت ذلك لما أنكره الغاصب ويمين المدعى عليه من وجه من حيث أن الاستحقاق ثابت بإقرار الغاصب، فإن الإقرار بقيمته مجهولة صحيحة والحاجة إلى فصل الخصومة لا غير، واليمين شرع في الأصل لفصل الخصومات، فمن هذا الوجه يكون بمنزلة يمين المدعى عليه ويمين المدعى عليه من كل وجه مما يجوز أن يفصل بها الخصومة فكذا يمين المدعى عليه من وجه، قالوا: يجب أن تحفظ هذه المسألة فإنها من الغرائب. وإذا اشترك الرجلان على أن ما اشتريا اليوم أو هذا الشهر أو هذه السنة ومضا صفاً من التجارة ووقتا أو لم يوقتا فهذه الشركة جائزة على ما عرف في موضعه، فإن قال أحدهما: اشتريت متاعاً فهلك، وأراد أن يبيع شريكه بنصف الثمن وأنكر الشريك الشراء، فالقول قول الشريك مع يمينه؛ لأن هذا وكيل من جهة صاحبه في نصف ما اشترى والوكيل بالشراء إذا قال: اشتريت وهلك عندي، ولم يكن الثمن مفقوداً، أو أراد أن يرجع بالثمن على الموكل وأنكر الموكل الشراء كان القول قول الموكل مع يمينه كذا ها هنا، فيحلف المنكر الشراء بالله ما لم يعلم أنه اشترى ذلك المتاع، يحلفه على العلم؛ لأنه يحلفه على فعل الغير. وكان الحاكم أبو محمد ﵀ يقول: يجب أن يزاد على هذا فيحلف بالله ما يعلم أنه اشترى ذلك المتاع على شركتكما؛ لأن بدون هذه الزيادة يتضرر منكر الشراء لجواز أنه كان اشترى ذلك المتاع قبل شركتهما، وعلم بذلك منكر الشراء فمتى حلفناه على مطلق الشراء لا يمكنه أن يحلف، فيمتنع عن اليمين، فيقضي عليه بنكول ويرجع بالثمن عليه فيتضرر منكر الشراء فيزاد ما قلنا دفعاً للضرر عنه. ولو أن رجلاً اشترى من آخر جارية بألف درهم وتقابضا ثم طعن المشتري بشجة في رأسها، فاستحلف القاضي البائع على ذلك بالجارية، وقال: هذه الجارية حبلى وهذا الحبل حدث عند المشتري، فالقاضي يسأل المشتري عن ذلك أنها حبلى وهذا الحبل حدث عند المشتري، فإن أقر به قيل للبائع: أنت بالخيار إن شئت حبستها ولا شيء لك وإن شئت رددتها على المشتري ورددت عليه نقصان الشجة؛ وهذا لأن من شرط الرد على البائع الرد على الوجه الذي خرج عن ملكه، وقد خرج عن ملكه معيباً بعيب واحد ورد عليه معيباً بعيبين، فإن شاء البائع رضي بالعيب الزائد وحبس الجارية، وإن شاء ردها على المشتري ورد معها نقصان الشجة التي كانت عنده، وإن قال المشتري: مالي بهذا علم، فالقاضي يريها النساء، فإن قلن: هي حبلى فالقاضي يحلف المشتري بالله ما حدث هذا الحبل عندك، فإن حلف لا شيء عليه والرد ماض؛ لأنه تبين أن المشتري ردها على الوجه الذي خرج من ملك البائع، وإن نكل صار مقراً أن الحبل كان عنده، وقد ذكرنا الكلام في فصل الإقرار، وإن قال المشتري للقاضي: قد كان هذا الحبل عند البائع،

стр. 3647

فإقراره عند البائع إقرار منه أنه عنده، فيثبت الحبل عند المشتري ولا يثبت عند البائع؛ لأن إقراره حجة على نفسه غير حجة على البائع، فيستحلف البائع بالله لقد بعتها من هذا المشتري وسلمتها إليه وما بها هذا الحبل، فإن حلف ردها على المشتري ورد عليه نقصان الشجة، وإن نكل لزمته الجارية؛ لأنه تبين أن كلا العيبين كانا في يد البائع هكذا قال الخصاف ﵀. وطعنوا على الخصاف وقالوا: ينبغي أن لا يحلف بالله لقد بعتها من هذا المشتري وسلمتها إليه وما بها هذا الحبل؛ لأن شرط الحنث في هذا اليمين وجود الحبل عند الأمرين عند البيع وعند التسليم، ويجوز أن يكون الحبل حادثاً بعد البيع قبل التسليم، وذلك يثبت حق الرد فلو حلفناه على هذا الوجه، فعلى تقدير أن يكون الحبل حادثاً بعد البيع قبل التسليم يحلف، ولا يحنث في يمينه، فيتضرر به المشتري فلا يحلف على هذا الوجه، ولكن يحلف بالله لقد سلمتها بحكم هذا البيع وما بها هذا العيب. قالوا: ولو كانت الجارية في يد المشتري فخاصم البائع في الشجة التي بها فلما حكم الحاكم على البائع بردها عليه بالشجة قال البائع: إنها حبلى فهذا الحبل حادث عند المشتري وقال المشتري: لا بل كان عندك، فإن القاضي يحلف البائع على ذلك ولا يحلف المشتري بخلاف المسألة الأولى، والفرق من وجهين: أحدهما: أشار إليه صاحب «الكتاب» أن القاضي في المسألة الأولى قضى برد الجارية على البائع بعيب الشجة، فصارت الجارية في يد البائع، فالبائع بعد ذلك يريد أن يرد ما صارت في يده على المشتري بحبل ظهر عند المشتري، فلا يمكنه الرد بيمين نفسه، بل كان اليمين على المشتري بالله ما حدث هذا الحبل عندك، أما ها هنا المشتري هو الذي لم يرد على البائع؛ لأن الجارية في يد المشتري والبائع ينكر أن يكون له حق الرد بهذا السبب فيكون اليمين على البائع ولكن هذا الفرق ليس بسديد، فإن في الوجه الثاني قضى القاضي بالرد على البائع وصارت الجارية في يد البائع مع هذا يحلف البائع، وإنما الفرق السديد أن في المسألة الأولى المشتري ينكر كون الحبل عنده، فيحلف على ذلك وفي هذه المسألة المشتري مقر بكون الحبل عنده؛ لأنه ادعى كونه عند البائع فيكون مقراً بكونه عنده، فلا يحلف على ذلك لكن ادعى حدوث هذا القائم عنده عند البائع، والبائع ينكر فيحلف على ذلك كما في الوجه الثاني. قال: ولو أن رجلاً في يده غلام أو جارية أو عرض من العروض، فقدمه رجلان إلى القاضي، وادعى كل واحد منهما أنه اشتراه من الذي هو في يده، فسأله القاضي عن دعواهما فهذه المسألة على وجهين: إما إن أقر أنه باع ذلك من أحدهما بعينه وهو هذا، أو جحد لهما، فإن أقر أنه باع من أحدهما بعينه، فالقاضي يأمره بالتسليم إليه فإن قال الآخر للقاضي: حلفه أنه لم يبعه مني، فلا يمين عليه في ذلك؛ لأن بعد ما أقر بالبيع من هذا لو أقر به الآخر أو نكل لا يملك فلا يفيد الاستحلاف، وكذلك لو جحد لهما جميعاً فحلفه القاضي لأحدهما ونكل عن اليمين وجعله القاضي له، فقال الآخر: حلفه لي فإنه

стр. 3648

لا يمين له عليه في ذلك؛ لأن القاضي مع أنه لا ينبغي له أن يقضي للأول حتى يحلف للثاني لما جعل للأول، فالقضاء صادف محلاً مجتهداً فيه على ما مر فنفذ قضاؤه، فصار المدعى عليه خارجاً فلا يملك الإقرار والبدل ولا يتوجه عليه اليمين. قال: ولو ادعى رجلان على امرأة نكاحاً وقدماها إلى الحاكم، فأقرت بالنكاح لأحدهما لا يستحلف الآخر، أما على قول أبي حنيفة ﵀ فلأن الاستحلاف لا يجري في النكاح عنده أصلاً، وأما على قولهما، فلأنها لو أقرت للثاني بالنكاح بعدما أقرت للأول لا يصح إقرارها، فلا يفيد الاستحلاف. وهل يستحلف الزوج المقر له ذكر؟ فخر الإسلام علي ﵀ في «شرحه» أن فيه اختلاف المشايخ، بعضهم قالوا: لا يستحلف؛ لأنه لو أقرت بالنكاح للثاني لا يصح، فلا يفيد استحلافه، وبعضهم قالوا: يستحلف لرجاء النكول الذي هو إقرار معنى، لأنه لو أقر به يلزمه ويأمره القاضي أن يخلي عنها، فإن حلف لا تستحلف المرأة بعد (١٠١أ٤) ذلك، وإن نكل تستحلف المرأة؛ لأنها لو أقرت بالنكاح للآخر في هذه الحالة يلزمها حكم إقرارها، فإن نكلت قضي بالنكاح للثاني، وبطل نكاح الأول؛ لأنه ثبت بنكولها تقدم نكاح الثاني فكان نكاح المقر له أولاً باطلاً، وإن نكلت لأحدهما وحلفت (للآخر) يقضى بالنكاح للذي نكلت له وإن نكلت لهما لا يقضى بنكاح أحدهما؛ لأنه يصير كأنها أقرت بنكاحهما جميعاً، فلا يثبت نكاحها ولا نكاح أحدهما بل يتوقف إلى إقامة البينة. قال: وإذا ادعى كل واحد منهما هبة العبد والأمة من الذي في يده وأنه قد قبضه منه، أو ادعى كل واحد منهما الصدقة مع القبض، فهو مثل الشراء في حق الحكم الذي ذكرنا أنه إذا ثبت الملك لأحدهما بإقرار أو نكول فلا يمين للآخر عليه. ولو ادعى أحدهما أنه اشتراه من صاحب اليد بألف، وادعى الآخر أنه ارتهنه منه بألف أو استأجره منه بألف، فسأله القاضي فأقربه للمرتهن أو للمستأجر أولاً يحلف لمدعي الشراء إذا طلب ذلك؛ لأن بعد ما أقر بالرهن والإجارة لو أقر بالبيع يصح إقراره؛ لأن بيع المرهون والمستأجر ينعقد صحيحاً لازماً في حق البائع، وإذا كان بيعه ينعقد صحيحاً لازماً في حقه يملك البائع الإقرار به فيفيد استحلافه، ثم إذا حلف إن حلف انتهى الكلام وإن نكل يثبت البيع، وكان للمشتري الخيار إن شاء صبر إلى وقت النكال في الرهن، وفي الإجارة إلى مضي وقت الإجارة، وإن شاء فسخ؛ لأنه لم يرض بتأخير حقه هذا الذي ذكرنا إذا أقر للمرتهن أو للمستأجر أولاً، وإن أقر لمدعي الشراء أولاً، لا يحلف لمدعي الإجارة والرهن بعد ذلك؛ لأنه بعد ذلك أقر بالبيع لو أقر بالإجارة أو بالرهن لا يصح؛ لأن بعد البيع لا يملك الإجارة والرهن فلا يفيد استحلافه. ولو ادعى كل واحد منهما الإجارة وأقر به لأحدهما لا يحلف للآخر؛ لأنه بعد ما أقر بالإجارة لأحدهما لو أقر بها للآخر لا يصح؛ لأن إجارة المستأجر غير صحيح فلا يفيد الاستحلاف، فلا يحلف.

стр. 3649

ولو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي، وقال: هذا اشترى الدار التي في موضع كذا حدها الأول والثاني والثالث والرابع كذا بألف درهم، وأنا شفيعها بدار لي تلاصقها، فقال القاضي للمدعى عليه: ما تقول فيما ادعى، فقال المدعى عليه: هذه الدار في يدي لابني هذا الطفل صح إقراره لابنه؛ لأن الدار في يده واليد دليل الملك، فكانت الدار مملوكة له فكان هذا إقراراً على نفسه، فيصح، فإن قال الشفيع للقاضي: حلفه بالله ما أنا شفيعها، فالقاضي لا يحلفه؛ لأن إقرار الأب بالشفعة على ابنه الصغير لا يصح فلا يفيد الاستحلاف، وهذا من جملة الحيل والمخارج في دفع الخصومة وسيأتي من جنس هذا إن شاء الله تعالى. وإن أراد الشفيع أن يقيم على الأب البينة على الشركاء كان الأب خصماً وسمع البينة عليه؛ لأن الأب قائم مقام الابن شرعاً، ولو كان الابن كبيراً كان خصماً للمدعي حتى يسمع بينته عليه ويقضى للشفيع بالشفعة، هكذا إذا كان الأب قائماً مقامه شرعاً. ولو كان رجل ادعى على رجل أن فلاناً مات وأوصى إلى هذا الرجل وقال المدعى عليه: لم يوص إلي فإنه لا يستحلف، وكذلك لو ادعى رجل على غيره أن فلاناً وكل هذا وقال المدعى عليه: لم يوكلني لا يستحلف المدعى عليه، لأنه لو أقر به لا يصح؛ لأنه إقرار على الغير فلا يفيد الاستحلاف، وإن أقام المدعي بينة على أنه وصيّ فلان أو على أنه وكيل فلان قبلت بينته فقد جعله خصماً في حق سماع البينة، ولم يجعله خصماً في حق الاستحلاف. وكذلك لو أن وصي الميت قدم رجلاً إلى القاضي وقال: إن فلاناً الميت أوصى إليّ وإلى هذا الرجل أو قدم رجلاً إلى القاضي، وقال: إن فلاناً وكلني وهذا الرجل بقبض ديونه، وأنكر ذلك الرجل فالقاضي لا يحلفه، وإن كان المدعي للوصاية أقام بينة أن فلاناً أوصى إليّ وإلى هذا الرجل فالقاضي يقبل بينته، فقد جعله خصماً في حق سماع البينة، ولم يجعله خصماً في الاستحلاف ومثل هذا جائز. ألا ترى أن الأب فيما يدعي على ابنه الصغير خصم في حق سماع البينة حتى يسمع البينة عليه، ولا يكون خصماً في حق اليمين كذلك ها هنا. ولو أن رجلاً حلف بعتق عبده أن لا يزني أبداً فقدمه العبد إلى القاضي، وقال: إن هذا حلف بعتقي أن لا يزني، وقد أتى بالذي حلف عليه وحنث وعتقت، فالقاضي يحلف المولى بالله ما زنيت بعدما حلفت بعتق عبدك أن لا تزني أبداً، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» وذكر الخصاف في شرح هذا الكتاب أن المولى لا يستحلف بالله ما زنيت على ما يدعيه العبد. قال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀: الرواية محفوظة في الكتب أن القاذف إذا ادعى على المقذوف أنه صدقه أنه قد زنى، وأقام البينة على ذلك تقبل بينته، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلاف المقذوف بالله ما صدقه في ذلك القذف يسقط الحد عن نفسه، فإنه لا يستحلف المقذوف على ذلك، ولا فرق بين المسألتين فإن

стр. 3650

مقصود القاذف من هذه الدعوى إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد على المقذوف، كما أن مقصود العبد هاهنا إثبات الحرية لنفسه لا إيجاب الحد عليه فلا فرق بينهما. فتصير الرواية في القذف أن المقذوف لا يستحلف. رواية في مسألة العبد، أن المولى يستحلف رواية في مسألة المقذوف أنه يستحلف فيصير في كل مسألة روايتان. وجه الرواية التي قال يستحلف: إن مقصود العبد إثبات الحرية لنفسه لإيجاب الحد على المولى، ومقصود القاذف إسقاط الحد عن نفسه لا إيجاب الحد على المقذوف وإثبات الحرية وإسقاط الحد ممكن مع الشبهة، ألا ترى أن القاذف إذا أقام رجلاً وامرأتين على تصديق المقذوف، أو العبد إذا أقام رجلاً وامرأتين على العتق، يقبل وكل حكم يثبت مع الشبهات يجري فيه الاستحلاف. وجه الرواية التي قال لا يستحلف: إنه لا عبرة لمقصود العبد والقاذف وإنما العبرة لأصل ما يتعلق به من الحكم وأصل ما تعلق بالزنا من الحكم الحد، وإنه مما لا يجري فيه الاستحلاف ثم لم يذكر في «الكتاب» نصاً أن العبد هل يصير قاذفاً للمولى بما ذكر ولكن أشار إلى أنه لا يصير قاذفاً؛ لأنه قال: وقد أتى بالذي حلف عليه ولم يقل وقد زنى ولو صار قاذفاً بهذا القول لما ترك قوله: وقد زنى، ولما تحول إلى قوله وقد أتى بالذي حلف عليه وقد نص في كتاب الحدود: أن من قذف غيره بالزنا وقال آخر: هو كما قلت يصير قاذفاً؛ لأنه تقدم ذكر الزنا فيصرف قوله: هو كما قلت إلى الزنا، وصار كأنه قذفه صريحاً بالزنا، فقياس هذه المسألة على تلك المسألة أن يصير قاذفاً؛ لأنه تقدم ذكر الزنا فإن موضوع المسألة أن العبد قال في دعواه: إن هذا حلف بعتقي أن لا يزني وقد أتى بالذي حلف أي الزنا وصار كأنه قال: وقد زنى، فينبغي أن يصير قاذفاً. ثم ذكر كيفية التحليف على المولى، فقال: يحلف بالله ما زنيت بعدما حلفت بعتق عبدك أن لا تزني أبداً، فقد حلفه على السبب، أما على ما روي عن أبي يوسف ﵀ فظاهر، وأما على ظاهر الرواية فلأن العتق في العبد المسلم لا يحتمل النقض بعد ثبوته، فلا يكون في التحليف على السبب ضرر المدعى عليه وهو المولى. وقد ذكرنا أن في مثل هذا، التحليف على الحاصل، ثم إذا حلف المولى، إن حلف لا شيء عليه، وإن نكل لزمه العتق ولا يلزمه الحد، وإن أقر بالزنا؛ لأنه إنما أقر به مرة. قال: ولو أن رجلاً اشترى من رجل جراب هروي بمائة درهم فقبضه المشتري فوجد فيه أحد عشر ثوباً، فقال البائع: بعت منك هذا الجراب على أن فيه عشرة أثواب بمئة درهم، وقال المشتري: لا بل اشتريته على أن فيه أحد عشر ثوباً بمائة درهم، وأراد كل واحد منهما تحليف صاحبه، فالقاضي يحلف البائع بالله ما بعته هذا الجراب على أن فيه أحد عشر ثوباً لأن المشتري يدعي العقد في الثوب الحادي عشر والبائع ينكر، ولو أنكر العقد في جميع الأثواب كان القول قوله مع اليمين، فكذا إذا أنكر العقد في الثوب الحادي عشر، فإذا حلف إن نكل لزمه، وإن حلف رد المشتري الجراب على البائع؛ لأنه

стр. 3651

لما حلف فسد البيع في الجراب؛ لأنه انتفى البيع عن الثوب الحادي عشر بحلفه ومبين أنه باع عشرة أثواب من أحد عشر من الجراب، وإنها مجهولة وجهالة المبيع يوجب فساد العقد وفي هذه المسألة إشكال من وجهين: أحدهما: أنه قال: يحلف البائع، ولم يقل يتحالفان وكان ينبغي أن يتحالفا لأنهما اختلفا (١٠١ب٤) في مقدار المعقود عليه، والاختلاف في مقدار المعقود عليه بمنزلة الاختلاف في مقدار الثمن، ولو اختلفا في مقدار الثمن يتحالفان، فكذا إذا اختلفا في مقدار المعقود عليه. والثاني: أنه جعل القول قول البائع مع اليمين فكان ينبغي أن يقول: القول قول المشتري، لأن المشتري يزعم جواز العقد والبائع يزعم فساده، والمتبايعان إذا اختلفا في جواز العقد وفساده كان القول قول من يدعي الصحة. والجواب: أما الإشكال الأول قلنا: إنما لم يقل يتحالفان؛ لأن بحلف البائع يفسد العقد وبعدما فسد العقد لا يفيد تحليف المشتري، لأن التحليف لرجاء النكول الذي هو إقرار، ولو أقر بما ادعاه البائع صريحاً كان العقد فاسداً، لأن فيه ثوباً أبداً لم يدخل تحت العقد فلم يكن في تحليفه فائدة، فلهذا لا يحلف المشتري وأما الإشكال الثاني، قلنا: الاختلاف هاهنا ما وقع في فساد العقد وجوازه، وإنما وقع في وجود العقد وعدمه في الثوب الحادي عشر، فهو المقصود من هذه الخصومة. والاختلاف إذا وقع في وجود العقد وعدمه، كان القول قول من ينكر الوجود، والمنكر لوجود العقد في الثوب الحادي عشر هو البائع، فيجعل القول قوله، وإذا جعل القول قول البائع ينتفي البيع عن الثوب الحادي عشر، ومن ضرورته فساد العقد في الباقي، ففساد العقد في الباقي من نتائج اختلافهما في وجود العقد وعدمه في الثوب الحادي عشر، لا أن يكون الاختلاف في صحة العقد وفساده. وفي كتاب «الأقضية» : سئل أبو سليمان عن رجل قال: اشهدوا أن امرأتي فلانة بنت فلان طالق، فجاءت امرأة وخاصمته في المهر والنفقة، فقال الزوج: هذه ليست هي التي كانت امرأتي، ولا هي فلانة بنت فلان، فإن كانت لها بينة على ذلك أخذ بينتها وإن لم يكن لها بينة وأرادت استحلافه لا يحلف على أنها ليست فلانة بنت فلان وإنما يحلف على حاصل الدعوى فيحلف بالله مالها قبلك حق في المهر والنفقة التي تدعي. وهذا لأن الاستحلاف إنما يكون على أصل الحق وعلى سبب الحق والسبب ليس بحقها، وليس بسبب لاستحقاق المهر والنفقة، فلا يستحلف عليه، ولكن يستحلف على الحاصل وبه يقع الاستغناء عما سواه، ويحصل النظر من الجانبين. وكذلك إذا أقر رجل عند القاضي أن لفلان بن فلان علي ألف درهم، فجاء رجل وقال: أنا فلان بن فلان، وقال المقر: هذا ليس بفلان بن فلان، والمال ليس له فالقاضي لا يحلف المقر على السبب وإنما يحلفه على أصل الحق، والمعنى ما ذكرنا. وقال ابن سماعة: في رجل أقر أن فلان بن فلان أودعني ألفاً ثم جاء رجل وادعى

стр. 3652

أنه فلان بن فلان، وأن الوديعة له، وأنكر المقر أنه فلان وأن الوديعة له، فالقاضي يحلف المقر بالله ما لهذا قبلك حق من الوجه الذي يدعيه في هذه الوديعة، ولا يحلفه على السبب لما ذكرنا، وإذا طلب المدعى عليه من القاضي أن يحلف المدعي بالله أن ما يأخذ، يأخذ بحق فالقاضي لا يجيبه إليه، لأنه لو أجابه إليه وحلفه كان له أن يطلب من القاضي أن يحلفه بالله أنك حلفت صادقاً، ثم وثم إلى ما لا يتناهى. وإذا وقعت الدعوى في دار، واحتيج إلى تحليف المدعى عليه يحلف بالله ما هذه الدار ولا بعضها ملك هذا المدعي، ولا يحلف بالله ما لهذا المدعي في هذه الدار حق، ولو حلف على هذا الوجه، ونكل وقضى القاضي بالدار للمدعي لا ينفذ قضاؤه، هكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي ﵀، إذ يجوز أن لا تكون الدار ملكاً للمدعي ويكون له فيها حقاً من حيث التطرق أو ما أشبهه، فبنكوله لا يصير مقراً بالدار للمدعي لا محالة، فلا يجوز القضاء بملكية الدار للمدعي. وإذا ادعى الرجل عيناً في يدي رجل وأراد استحلافه، فقال صاحب اليد: هذا العين لفلان الغائب لا تندفع عنه اليمين ما لم يقم البينة على ذلك، بخلاف ما إذا قال: هذا لابني الصغير. والفرق: أن إقراره للغاصب يوقف عمله على تصديق الغائب، فلا تصير العين مملوكاً للغائب بمجرد إقرار صاحب اليد فلا يندفع عنه اليمين فأما إقراره للصبي لا يتوقف على تصديق الصبي، فتصير العين ملكاً للصبي بمجرد إقراره، فلا يصح إقراره بعد ذلك لغيره فلا يفيد التحليف؛ لأن فائدة التحليف النكول الذي هو إقرار. وذكر في موضع آخر إذا قال صاحب اليد: هذا العين لابني الصغير أو قال لفلان الغائب يحلف بالاتفاق، فإن نكل يقضى له به ثم ينتظر بلوغ الصبي في مسألة الصبي، فإن صدق المدعي في دعواه فالأمر ماض، وإن كذبه تؤخذ العين من يد المدعي وتدفع إلى الصبي ويضمن للمدعي قيمة العين. بعض مشايخ زماننا فرقوا بين الإقرار للصبي، وبين الإقرار للغائب، كما ذكر في بعض المواضع، وبعضهم سووا بينهما وقالوا: يحلف في الفصلين جميعاً كما ذكر في بعض المواضع دفعاً للحيلة، وهذا القائل يستدل بمسألة الوقف.g وصورة مسألة الوقف: دار في يدي رجل ادعاها رجل أنها ملكه، فقال صاحب اليد: إنه وقف على كذا، فإقراره بالوقف جائز، ويصير المنزل وقفاً لكن لا يندفع اليمين عن صاحب اليد، فيحلف للمدعي، فإن حلف برئ عن دعواه، وإن نكل ضمن قيمة المنزل للمدعي، ولو جاء صاحب اليد ببينة شهدوا على وقفيته لا تندفع اليمين بهذا عن المدعي ولا تندفع خصومة المدعي، لأنه صار وقفاً قبل إقامة البينة بإقراره فصار وجود هذه البينة وعدمه بمنزلة، وإذا ادعى على تركة ميت ديناً وقدم الوصي إلى القاضي ولا بينة له فإن كان الوصي وارثاً يحلف؛ لأن إقراره في نصيبه جائز، وإن لم يكن وارثاً لا يحلف؛ لأن إقراره في هذه الصورة لا يصح أصلاً؛ لأنه إقرار على الغير من كل وجه،

стр. 3653

وإذا أنكر الشاهد الشهادة فالقاضي لا يحلفه؛ لأنه لا فائدة في تحليفه. في «فتاوى أبي الليث» ﵀: إذا قال المدعى عليه: إن الشاهد كاذب، وأراد تحليف المدعي بالله ما يعلم أنه كاذب، فالقاضي لا يحلفه إذا طعن المدعى عليه في الشاهد وقال: أين كواه بس إز كواهر بقوا هذه أست له أين محدود ملك منست وأراد تحليف الشاهد والمدعي على ذلك لا يحلف. وكذلك إذا قال المدعى عليه: ابن شاهد ابن محدود يدعي به راد دعوى كريه أست برين بيس لزاين كواهي، وأراد أن يحلف الشاهد أو المدعي على ذلك لا يحلف. قال أبو يوسف ﵀ في رجل جاء بعبد آبق فأخذه السلطان فسجنه، فجاء رجل وأقام البينة أنه عبده فإن القاضي ينتصب خصماً له، ثم القاضي لا يقضي للمدعي ما لم يستحلفه بالله ما بعته ولا وهبته، ولا أذنت في بيعه وهبته وهذا عندهم جميعاً لأن الخصم عاجز عن طلب اليمين من المدعي على هذا الوجه بنفسه، وكان للقاضي أن يطلب ذلك من المدعي نظراً للغائب؛ لأن القاضي نصب ناظراً لمن عجز عن النظر لنفسه بنفسه، وقد نص على هذا في كتاب جعل الآبق. قال مشايخنا ﵏: والاحتياط أن يزاد على هذا حرف بالله ما بعته ولا وهبته ولا أذنت بهما، ولا هو خارج من ملكي للحال بجواز أن يكون باع ثم تملك وأذن ثم نهى، فمتى حلف على ذلك يمتنع عن اليمين، لأنه يحنث في يمينه فيقضى عليه فيتضرر به، والاحتياط أن يزاد في هذا ولا هو خارج عن ملكه للحال حتى إذا كان باع ثم تملك أو أذن ثم نهى لا يحنث إذا حلف؛ لأن شرط حنثه شيئان البيع والخروج عن ملكه للحال، ووجد أحدهما ولم يوجد الآخر وبأحد شطري الحنث، لا يثبت الحنث ثم ذكر في كتاب الاستحلاف أن المدعي إذا حلف فإن القاضي يدفع إليه، ولم يقل يأخذ منه كفيلاً أصلاً. وذكر في كتاب جعل الآبق في رواية أبي سليمان وقال: ما أحب أن يأخذ منه كفيلاً، وقد ذكرنا هذا في كتاب جعل الآبق. قال ولو أن رجلاً: أعار من رجل دابة أو أودعها إياه أو آجرها منه فهلكت في يده فجاء مدع وأقام البينة أنها كانت له، قال أبو يوسف ﵀ لا يقضي له بشيء حتى يحلف بالله ما بعت ولا وهبت ولا أذنت فيها، ولا هي خارج عن ملكك للحال، قالوا وهذا يجب (١٠٢أ٤) أن يكون على قول أبي يوسف خاصة، فأما على قول أبي حنيفة ومحمد فإنه لا يستحلف المدعي بالله ما بعت حتى يطلب صاحب الدابة يمينه، وذلك لأن موضوع المسألة أن صاحب العبد حاضر بدليل أنه سمع خصومة المدعي، ولو كان غائباً لا يسمع خصومته؛ لأن اليمين لا ينتصب خصماً للمدعي إذا كان من يجعل بالخصومة عليه معلوماً، فحين سمع خصومة المدعي علمنا أنه إنما سمع لأن صاحب المال وهو المعير والمؤاجر حاضر، وإذا كان صاحب المال حاضراً أمكن لصاحب المال طلب اليمين من المدعي، ومهما أمكن للذي المال في يده طلب اليمين من المدعي، فإن

стр. 3654

القاضي لا يستحلف المدعي بالله ما بعت ولا أذنت في بيعه عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وإنما يستحلف على قول أبي يوسف وابن أبي ليلى رحمهما الله. بخلاف مسألة أول الفصل؛ لأن صاحب العبد هناك غائب عاجز عن طلب اليمين بنفسه، فكان للقاضي أن يطلب اليمين من المدعي نظراً له، ولكن الصحيح أن ما ذكر قول الكل وما قالوا: بأن موضوع المسألة أن صاحب المال حاضر هذا ممنوع مطلقاً، وعلى قولهما عند طلب المدعي على ما قالوا، وقولهم: بأن القاضي سمع خصومة المدعي، والأمين لا ينتصب خصماً للمدعي حال غيبة المالك قلنا: الأمين، إنما لا ينتصب (خصماً) للمدعي إذا ثبت كونه مودعاً أو مستعيراً إذ لو أقام صاحب اليد البينة على ذلك لا يدفع خصومته المدعي. ولما احتيج إلى تحليف المدعي بالله ما بعت وما وهبت، فإن حلف على قول أبي يوسف ﵀، وقضى بالمال للمدعي، فقبل أن يقبضه المدعي هلك، فالمدعي بالخيار إن شاء ضمن الدافع وإن شاء ضمن القابض؛ لأن كل واحد منهما جانٍ متعد في حقه، فكان له أن يضمن أيهما شاء كما في الغاصب وغاصب الغاصب، فإن ضمن الدافع، فالدافع لا يرجع على أحد لأنه ملك المضمون بالضمان، فصار معيراً ومؤاجراً ومودعاً ملك نفسه، وإن ضمن القابض إن كان القابض مودعاً أو مستأجراً، فإنه يرجع بما ضمن على الدافع؛ لأنه كان عاملاً للدافع، وقد لحقه في ذلك ضمان فيكون قرار ذلك على المعمول له وإن كان مستعيراً، فإنه لا يرجع بما ضمن على أحد؛ لأنه كان عاملاً لنفسه، ومن عمل لنفسه عملاً ولحقه بسبب ذلك ضمان لا يرجع بما ضمن على أحد. رجل في يديه عبد جاء رجل وادعاه وأقام البينة أنه عبده، والذي في يديه العبد يدعي أنه اشتراه من فلان، يعني رجلاً آخر وسلم لي والمدعى به المبيع، فالمدعي يستحلف على دعواه؛ لأنه ادعى عليه معنى لو أقر به يلزمه فإذا أنكر يستحلف. ثم على قياس ما روي عن أبي يوسف: يستحلف بالله ما أذنت له في بيع دارك هذه أو في بيع غلامك هذا، وعلى ظاهر الرواية: يحلف على الحاصل بالله ما هذا العين لذي اليد وإنما يحلف على الحاصل نظراً للمدعي، إذ يجوز أن يكون المدعي أذن في البيع ثم تملك بعد ذلك بوجه من الوجوه، فمتى حلف بالله ما أذنت يحنث في يمينه، فيمتنع عن اليمين فيقضى عليه بالعين والعين له فيتضرر. وإذا أخذ رجل من رجل مالاً وقال: كان لي عنده فإنما أخذت مالي، وقال المأخوذ منه: المال مالي، ولم يكن للآخذ بينة فإنه يرد المال على المأخوذ منه؛ لأن أخذ المال من يدي الغير يوجب الرد على المأخوذ منه، فالآخذ بقوله: المأخوذ مالي، يريد إسقاط ما يوجب عليه من الرد فلا يصدق إلا بحجة، ثم إذا رد المال على المأخوذ منه طلب الآخذ من القاضي أن يحلف المردود عليه على دعواه، أجابه القاضي إليه، ويحلف بالله ما كان لفلان عليك أو عندك شيء قالوا: والأحوط أن يستحلف بالله ما هذا المال ماله من الوجه الذي ادعاه.

стр. 3655

وإذا أدان رجل ما أعيره رجلاً وادعى المدين أن رب المال أذن له في الإدانة وطلب يمينه، يحلف بالله ما أذنت له بالإدانة وأنه ملكك للحال، بجواز أن يكون أذن بالإدانة ثم نهى عنها، فمتى حلف على الإذن لا يمكنه أن يحلف فيقضي عليه فيتضرر به. وإن ادعى غريم الميت إيفاء الدين إلى الميت يحلف الورثة بالله ما يعلم أن أباهم قبض هذا المال ولا شيئاً منه، ولا برئ إليه منه. القاضي إذا حلف المدعى عليه بالطلاق فنكل لا يقضي عليه بنكوله؛ لأن طريق القضاء بالنكول أن المدعى عليه بالنكول منع بدل حقه، فيعاد إلى أصل حقه، واليمين بالطلاق ليس بدل حقه، بل هو منهي عنه شرعاً. وعن هذا قلنا: إن القاضي إذا حلف المدعى عليه وحلف ثم حلفه بالله: له أين سوكندرا ست خوردي فنكل عن هذه اليمين لا يقضي عليه، لأن طريق القضاء بالنكول أن المدعى عليه بالنكول منع بدل حقه. وبالنكول في اليمين الثانية ما منع بدل حقه لأن حقه في اليمين مرة وقد حلفه مرة. رجل ادعى على آخر أنك بعت مني الدار التي كانت لك وبين حدود الدار بكذا، وقد سلمت الثمن إليك، وطلب من القاضي أن يأمره بتسليم الدار إليه فأنكر المدعى عليه البيع، فحلفهُ القاضي فنكل عن اليمين وقضى القاضي عليه بنكوله ثم إنه قال بعد ذلك: ما قبضت الثمن، هل يسمع قوله؟ فالمسألة على وجهين: إن حلفه القاضي على نفس البيع ولم يتعرض اليمين بأن حلفه بالله ما بعت هذه الدار التي ادعاها هذا المدعي يسمع قوله؛ لأنه منكر بقبض الثمن حقيقة وجعله مقراً بالبيع وبالنكول عن البيع لا يوجب جعله مقراً لقبض الثمن، وإن كان القاضي يعرض الثمن في التحليف فإن حلفه بالله ما بعتها من هذا المدعي وما قبضت ثمنها منه، لا يسمع قوله؛ لأنه كما نكل عن البيع ينكل عن الثمن فكما صار مقراً بالبيع يصير مقراً بقبض الثمن فلا يسمع قوله بعد ذلك أنه لم يقبض الثمن في كتاب الاستحلاف. رجل أوصى إلى رجل، وله مائة دينار فدفعها إليه وأوصاه أن يتصدق عنه بعشرين منها ففعل، ثم إن الورثة خاصموا الوصي عند القاضي وادعوا أن المتروك من الميت كان مئة، وأنكر الوصي ذلك فأرادوا تحليفه فالقاضي يحلفه بالله ما لهم قبلك من تركة أبيهم إلا ثمانين دينار، ولا يستحلفه بالله ما ترك أبوهم إلا ثمانين؛ لأنه ترك أكثر من ثمانين ولكن يستحلفهم على نحو ما بينا، ثم ذكر بالله ما لهم قبلك لأن كلمة عند تستعمل في الأمانات وكلمة على تستعمل في الديون وكلمة قبل تعم الأمرين، فيكون تفسير ما لهم قبلك ما لهم في يدك أو في ذمتك من تركة أبيهم إلا ثمانين ديناراً. رجل ادعى على آخر شيء من العروض والدراهم والدنانير والضياع وأنكر المدعى عليه ذلك كله فالقاضي يجمع الكل ويحلفه يميناً واحدة ذكره في «الفتاوي» وستأتي بعض مسائل اليمين في فصل المتفرقات. قال في «أدب القاضي» : ولو أن رجلاً اشترى من آخر جارية، ثم إن رجلاً آخر

стр. 3656

ادعى أنه اشترى ذلك من البائع قبل أن يشتريه هذا منه، وقدم هذا المشتري للقاضي وأراد تحليفه فالقاضي يحلفه على العلم بالله ما يعلم أن هذا اشترى من هذا البائع قبل شرائك إياها منه، لأنه يدعي عليه سبق تاريخ شرائه وهو لو أقر بذلك يلزمه فإذا أنكر يستحلف رجاء النكول، ولكن يحلف على العلم لأن هذا تحليف على فعل الغير، فإن عرض المدعى عليه للقاضي وقال: إن الرجل قد يشتري شيئاً ثم ينتقض البيع بينهما بإقالة أو غيره، ولا يمكنه أن يقر مخافة أن يلزمه شيء، فالقاضي يحلف المدعى عليه بالله ما يعلم أن بينهما شراء قائم في الساعة في هذه الجارية، وهذا لأن المدعى عليه لما عرض للقاضي فقد طلب من القاضي أن ينظر له فينظر له. حكي عن القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ أنه قال: تمام النظر في أن يحلفه بالله ما هذا الشيء لهذا المدعي من الوجه الذي يدعي، ثم ما ذكر في «أدب القاضي» إنما يتأتى هذا على قول أبي يوسف ﵀، فأما على ظاهر الرواية فالتحليف على الحاصل على كل حال على ما مر والله أعلم. الفصل السادس والعشرون: في إثبات الوكالة والوراثة وفي إثبات الدين ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : لو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي وادعى أن عليه ألف درهم باسم فلان بن فلان الفلاني وأن هذا المال لي، فإن فلاناً الذي باسمه المال أقر أن هذا المال لي، وأن اسمه عارية في ذلك وإنه قد وكلني بقبض ذلك منه بالخصومة فيه فالقاضي يسأل المدعى عليه عن هذه الدعوى، فإن أقر بجميع ذلك أمره القاضي بدفع المال إلى المدعي وهذا لما عرف أن الديون تقضى من مال المديون، فإقراره بذلك تصرف منه على نفسه وفي ماله فينفذ، فقد شرط الخصاف أن يدعي أن فلاناً الذي باسمه المال وكله بقبض المال وهذا جواب ظاهر الرواية. وروي عن أبي يوسف أن ذلك ليس بشرط بل إذا أقر أن المال الذي عليه باسم فلان ملك هذا المدعي أمره بالدفع إليه. وذكر هذه المسألة في كتاب الأقضية وذكر جوابها على نحو ما ذكر الخصاف عن أبي يوسف إلا أن في الأقضية لم ينسب هذا الجواب إلى أحد. ووجه ذلك: أن الدين في الذمة مال مملوك كالعين، ثم لو ثبت كون العين مملوكاً (١٠٢ب٤) للمدعي بأن ادعى عيناً في يدي رجل أنه ملكه وأقر المدعى عليه بذلك أمر بالدفع إليه، وإن لم يثبت كون المدعي وكيلاً بالقبض من جهة أحد، فكذا إذا ثبت كون الدين مملوكاً للمدعي في الذمة يجب أن يؤمر بالدفع إليه، وإن لم يثبت كون المدعي وكيلاً بالقبض من جهة أحد. يوضحه: أن المقر أقر له بالدين مطلقاً، والمطلق ينصرف إلى الكامل وهو الثلث

стр. 3657

من كل وجه، وإنما يكون الدين مملوكاً للمقر له من كل وجه إذا كان مملوكاً له رقبة وتصرفاً في كل شيء. وجه ظاهر الرواية: أن أصل الدين قد يكون مملوكاً لإنسان ولا يكون له حق القبض حتى لو امتنع المشتري عن تسليم الثمن إلى الموكل كان له ذلك إذا ثبت هذا فنقول: إن ثبت كون المال مملوكاً للمدعي بإقرار المدعى عليه ما ثبت له حق القبض لا محالة، فيحتاج إلى دعوى الوكالة بالقبض، وإذا أقر المدعى عليه بذلك أيضاً فله حق القبض كما يثبت له الملك، ثم إذا أقر المدعى عليه بجميع ذلك، وأمره القاضي بدفع المال إلى المدعي، لا يكون هذا قضاء على الغائب حتى لو جاء الغائب، وأنكر التوكيل كان له أن يأخذ ماله من المدعى عليه وهذا لأن إقرار الإنسان حجة عليه وليس بحجة على غيره، فثبت التوكيل بإقرار المدعى عليه في حقه فأمرناه بالتسليم إلى المدعي؛ لأن ذلك أمر عليه ولم يتعد ذلك إلى الغائب لأنه أمر على غيره، وإن جحد المدعى عليه الدعوى كلها فقال المدعي للقاضي: حلفه لي فالقاضي يقول للمدعي: ألك بينة على ما ادعيت من إقرار الرجل بالمال، ومن توكيله بقبض ذلك المال لأنه يدعي لنفسه حق الخصومة وحق القبض، والمدعى عليه ينكر ذلك كله، فيحتاج المدعي إلى إقامة البينة عليه. ثم شرط في الكتاب أن يقيم المدعي بينة على إقرار ذلك الرجل بالمال، وعلى توكيله إياه بالقبض، وإقامة البينة على المال ليس بشرط لثبوت حق الخصومة وإنما الشرط إقامة البينة على الوكالة، فيطلب للقاضي منه البينة على الوكالة بعد هذا المسألة على وجهين: إن أقام بينة على الوكالة ثبت كونه خصماً فيطلب القاضي منه البينة على المال على نحو ما ادعى، فإن أقام أحد المال منه وتعدى هذه القضاء إلى الغائب حتى لو جاء الغائب وأنكر التوكيل لا يكون له أن يأخذ المال من المدعى عليه لأن التوكيل ثبت بالبينة والبينة حجة في حق الناس كافة، والمدعى عليه انتصب خصماً عن الغائب في إثبات هذه الوكالة لأن المدعي على الغائب سبب للمدعي على الحاضر، وفي مثل هذا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب، فكما ثبتت الوكالة في حق المدعى عليه تثبت الوكالة في حق الغائب أيضاً. وإن لم يكن للمدعي بينة على المال وأراد استحلاف المدعى عليه حلفه القاضي بالله ما لفلان بن فلان الفلاني ولا باسمه عليك هذا المال الذي سماه فلان بن فلان ولا شيء منه، وهذا لأن المدعي لما أثبت وكالته بالبينة، صار خصماً للمدعى عليه في دعوى المال، فهذا خصم ادعى مالاً على من هو خصم له فكان له أن يحلفه. هذا إذا أقام المدعي البينة على الوكالة وإن لم يكن للمدعي بينة على الوكالة، فقال للقاضي: إن هذا المدعى عليه يعلم أن فلاناً الذي باسمه المال قد وكلني بقبض هذا المال فاستحلفه لي على ذلك، فالقاضي يستحلفه بالله على ذلك ما يعلم أن فلان بن فلان الفلاني وكل هذا بقبض المال على ما ادعى. هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» وأضاف هذا الجواب إلى أبي يوسف ومحمد.

стр. 3658

واختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: هذا الجواب على قول الكل إلا أن الخصاف ﵀ خص أبا يوسف ومحمداً بالذكر لأنه لم يحفظ قول أبي حنيفة ﵀، لا لأن قوله بخلاف قولهما وإلى هذا مال الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة الحلواني ﵀. ومنهم من قال: ما ذكر في «الكتاب» قولهما أما أبي حنيفة ينبغي أن لا يحلف المدعى عليه بناء على مسألة ذكرها في «الجامع الكبير» أن من اشترى عبداً وطعن المشتري فيه بعيب الإباق أو غيره، وجحد البائع أن يكون به هذا العيب فالقاضي يأمر المدعي إقامة البينة على وجود هذا العيب به في الحال، فإن أقام بينة على ذلك ثبت العيب للحال وصار البائع خصماً له وإن لم يكن له بينة فأراد استحلاف البائع بالله ما لم يعلم وجود هذا العيب به للحال، فعلى قول أبي حنيفة ﵀ لا يستحلف وعلى قولهما يستحلف ولا فرق بين المسألتين، فإن وجود العيب بالمشترى للحال شرط سماع الخصومة كما أن الوكالة بالقبض ها هنا شرط سماع الخصومة، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي ﵀. ثم إذا حلف إما على اتفاق أو على اختلاف إن حلف انتهى الأمر، وإن نكل صار مقراً بالوكالة فيقضي القاضي بالوكالة بحكم إقراره، ثم سأله القاضي عن المال فإن أقر بالمال على الوجه الذي ادعى أمره بالتسليم، وإن أنكر المال صار خصماً للمدعي في حق استحلافه على المال وأخذ المال، ولا يصير خصماً في حق إثبات المال عليه بالبينة حتى لو أراد المدعي أن يقيم عليه البينة بالمال، فالقاضي لا يسمع بينته، وكذلك لو كان المدعى عليه أقر بالوكالة من الابتداء صريحاً إلا أنه أنكر المال صار خصماً للمدعي في حق الاستحلاف، وأخذ المال لا في حق إثبات المال عليه بالبينة، وإنما كان كذلك لأن المدعى عليه إنما صار خصماً بالوكالة، والوكالة إنما تثبت بإقرار المدعى عليه، وإقراره حجة على نفسه وليس بحجة على غيره، فثبتت وكالة المدعي في حق استحلافه على المال، إن كان جاحداً المال وفي حق أخذ المال منه إن كان مقراً بالمال، لأنه يقتصر عليه ولا يتعدى إلى غيره ولا تثبت وكالته في حق إثبات المال عليه بالبينة، لأنه لو ثبت تعدى قوله إلى الغائب وفي ذلك قضاء على الغائب، وإنه لا يجوز. ونظير هذا ما قال أصحابنا ﵏: في رجل ادعى أن فلان بن فلان الفلاني وكله بطلب كل حق له قبل هذا وأن له عليه ألف درهم فأقر المدعى عليه بالوكالة، وأنكر المال فقال المدعي: أنا أقيم البينة أن هذا المال عليه، لم يكن خصماً له في ذلك ولكن يكون خصماً في حق استحلافه وفي حق أخذ المال منه إن أقر بالمال، والمعنى ما بينا، وإن كان المدعى عليه أقر بالمال وجحد الوكالة فالقاضي يسأل من المدعي بينة على الوكالة فإن أقام تثبت الوكالة بالبينة وصار خصماً مطلقاً، وإن لم يكن له بينة وأراد استحلاف المدعى عليه على الوكالة حلفه وهو على الاختلاف الذي قلنا، فإن حلف فقد انتهى الأمر وإن نكل ثبتت الوكالة، ولكن في حق أخذ المال عنه لا في حق القضاء على الغائب لما قلنا.

стр. 3659

قال: ولو أن رجلاً جاء إلى القاضي فأحضر معه رجلاً آخر وادعى أنه وكيل فلان الغائب وكله بقبض الدين الذي له على هذا، وبقبض العين الذي في يد هذا، والخصومة فيه وديعة وصدقه المدعى عليه في جميع ذلك، فإنه يؤمر بدفع الدين إلى المدعي ولم يؤمر بدفع العين إليه، وقد روي عن أبي يوسف ﵀ أنه يؤمر بدفع الوديعة أيضاً كما يؤمر بدفع الدين. وهكذا روي عن محمد، فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين العين والدين، وعلى ظاهر الرواية يحتاج إلى الفرق بينهما. والفرق: أن الدين إنما يقضى من مال المديون فإقراره بالوكالة في فصل الدين إقرار بثبوت حق القبض للوكيل في مال نفسه، فيكون إقراراً على نفسه فيصح أما إقراره بالوكالة في فصل العين إقرار بثبوت حق القبض له في ملك الغير، ليكون إقراراً على الغير فلا يصح فإن كذبه المدعى عليه في جميع ما ادعى أو صدقه في دعوى الوكالة وكذبه في المال أو صدقه في المال، فهو على ما ذكرنا في المسألة المتقدمة، فإن كذبه في جميع ذلك فأقام الوكيل البينة على الوكالة والمال جملة، ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» أن على قول أبي حنيفة ﵀: القاضي لا يقبل الشهادة على المال بل يقبل، وعلى قول أبي يوسف: القاضي يقبل البينة على الوكالة وعلى المال فإذا عدلت البينة يقضي بالوكالة أولاً ثم بالمال، ولم يذكر قول محمد ﵀ ثمة. وفي موضع آخر أن على قول محمد: القاضي يقبل البينة على الوكالة والمال جميعاً، وذكر فيه: لأن قول أبي يوسف ﵀ مضطرب. وجه من قال بقول البينة على الوكالة والمال: أن البينة لا توجب الحق بنفسها، وإنما توجب بواسطة إيصال القضاء بها فيعتبر هذا الترتيب في القضاء فلا جرم عندي، القاضي يقضي بالوكالة أولاً، ثم بالمال، ولكن يقبل البينة على الأمرين في الابتداء.b وجه قول أبي حنيفة: أن البينة وإن كانت لا توجب الحق بنفسها ولكن إنما يسمع من الخصم، وإنما يصير المدعي خصماً في دعوى المال إذا كان وكيلاً ولم يثبت ذكر بعد هذا ما إذا وكله بقبض الدين، ولم يتعرض للخصومة فجحد المديون الوكالة والمال، قبلت بينة الوكيل على الوكالة والمال عند أبي حنيفة وعندهما (١٠٣أ٤) قبل بينته على الوكالة ولا تقبل بينته على المال، بناء على أن الوكيل بقبض الدين هل يملك الخصومة؟ عند أبي حنيفة ﵀ يملك، وعندهما لا يملك. قال محمد ﵀ في «الزيادات» : رجل وكل رجلاً بالخصومة في كل حق له على الناس، فأحضر الوكيل رجلاً يدعي قبله حقاً للموكل، وهو جاحد الوكالة مقر بالحق، وأقام عليه البينة بالوكالة، فقبل أن تظهر عدالة الشهود غاب الرجل، ثم عدلت الشهود، فالقاضي لا يقضي بالوكالة ما لم يحضر، لأن القضاء لا بد له من خصم حاضر ليقضي عليه، فإن أحضر رجلاً آخر يدعي عليه حقاً للموكل، وهو جاحد الوكالة، فيقضي القاضي عليه بالبينة الأولى، كان المدعى عليه الأول خصماً عن جميع الناس في حق سماع البينة عليه، لأن مدعي الوكالة يحتاج إلى إثبات الوكالة على الجميع لكون الوكالة واحدة،

стр. 3660

وانتصب الذي أحضر خصماً عن الناس كافة، وصار إقامة البينة عليه كإقامة البينة على الكل، ولو أقام على الكل ثم غاب واحد منهم أليس أنه يقضي بها على الحاضر كذا ها هنا. واعتبره في «الكتاب» بينة فإن قامت على الوكيل، فغاب الوكيل أو قامت على المورث حال حياته، فمات وحضر الوارث أو قامت على وارث فغاب هذا الوارث وحضر وارث آخر، فإن في هذه الفصول يقضي بتلك البينة على الذي حضر ثانياً، والمعنى ما ذكرنا في «الزيادات» أيضاً. وإذا أقام بينة على رجل أن فلاناً وكله بالخصومة وطلب ماله من الحق عليه، فلم تظهر عدالة الشهود حتى أقام الوكيل بينة على رجل بحق للموكل. القياس: أن لا يقبل بينته، وفي الاستحسان: يقبل وهكذا القياس والاستحسان إنما يتأتى على قول أبي يوسف ﵀ إن كان الخلاف فيما إذا أقام البينة على الوكالة والمال جملة، بين أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله: أما لا يتأتى على قول أبي حنيفة ﵀ وقد مر الكلام فيه، فبعد ذلك المسألة على وجوه: إن زكيت البينتان قضى بالأمرين، ولكن على الترتيب الذي شهد به الشهود يقضي بالوكالة أولاً، ثم بالمال، وإن زكيت بينة الوكالة ولم تزك بينة الحق يقضي بالوكالة، ويؤمر إعادة البينة على الحق له، فإن لم تزك بينة الحق صار كأنه لم يقمها، وإن زكيت بينة الحق ولم تزك بينة الوكالة، لم يقض بالحق، لأنه لما لم تزك بينة الوكالة ظهر أن بينة الحق قامت على غير خصم. ولو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي وقال: إن أبي فلان مات ولم يترك وارثاً غيري وله على هذا كذا كذا من المال، فاعلم بأن هذه المسألة على وجهين. أحدهما: يدعي ديناً على نحو ما بيننا أو يدعي عيناً في يده أنه كان لأبيه عليه هذا من أبيه، أو أودعه إياه أبوه أولاً تعرض لشيء فذكر أنه لأبيه، مات أبوه وترك ميراثاً له لا وارث له غيره، فإن القاضي يسأل المدعى عليه عن ذلك، فإن أقر بجميع ما ادعى المدعي صح إقراره وأمر بتسليم الدين والعين إليه، أما صحة إقراره بالدين، فلما ذكرنا في فصل الوكالة، وأما صحة الإقرار بالعين بخلاف مسألة الوكيل. والفرق أن العين الذي في يديه صار ملكاً للذي حضر بسبب الوراثة في زعم صاحب اليد، فإنه زعم أنه وارث الميت، وإنما أقر له بحق القبض في ملكه فيؤمر بالتسليم إليه ولا كذلك، فصل الوكيل هذا أقر بذلك، فأما إذا أنكر ذلك كله، فإن أقام المدعي بينة على ما ادعى قبلت بينته، وأمر المدعى عليه بتسليم الدين والعين جميعاً؛ لأنه أثبت بالحجة موت فلان ووراثة نصيبه، وكون المدعي به متروك فلان ومتروك الإنسان يصرف إلى ورثته، وينبغي أن يقيم البينة أولاً على الموت والنسب حتى يعتبر، ثم يقيم البينة على المال، ولو أقام البينة على الموت والنسب والمال فهو على الخلاف على ما ذكرنا في فصل الوكالة. إذا أقام مدعي الوكالة البينة على الوكالة والمال جملة، وإن لم يكن للمدعي بينة

стр. 3661

وأراد أن يحلف المدعى عليه على ما ادعى ذكر الخصاف أنه روي عن بعض أصحابنا أنه لا يحلف، قال الخصاف: وفيها قول آخر أنه يحلف ولم يبين القائل. بعض مشايخنا قالوا: الأول: قول أبي حنيفة، والثاني: قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله بناء على مسألة «الجامع الكبير» : على ما مر فإن قيام العيب بالمشترى للحال شرط سماع الخصومة كما أن موت المورث يعد، وإلى هذا مال شمس الأئمة السرخسي، فهو جعل مسألة الوارث نظير مسألة الوكيل على ما مر. وقال الشيخ الإمام علي الرازي والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمهما الله: القول الثاني أنه يحلف قول الكل أيضاً قالا: وهو الصحيح، فهما جعلا هذه المسألة نظير مسألة الوكالة أيضاً، وذكر في موضع آخر أن أبا حنيفة ﵀ كان يقول أولاً لا يستحلف ثم رجع وقال يستحلف، فعلى ما ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن مسألة الوكالة على الخلاف يحتاج إلى الفرق لأبي حنيفة بين مسألة الوكالة وبين مسألة الوراثة على قوله الآخر، على ما ذكره في بعض المواضع. والفرق أن الوارث يدعي العين والدين فينتصب خصماً في الاستحلاف؛ لأن الاستحلاف في دعوى الإنسان لنفسه حقه، والإنسان ينتصب خصماً في حقوقه، وأما في مسألة الوكالة فقد أقر بالحق للغائب فلا ينتصب خصماً إلا بعد إثبات الوكالة والنيابة عنه، ولم يثبت عنه بعد فلا يكون له حق الاستحلاف، ثم إذا استحلف يستحلف على حاصل الدعوى، وإنه جواب ظاهر الرواية على ما ذكرنا. وإن أقام المدعي بينة على النسب والموت يثبت كون المدعي خصماً له فيحلف بدعواه كما في سائر الدعاوى، وإن أقام البينة على المال دون الموت والنسب لا تقبل بينته، لأنه إنما ينتصب خصماً في المال بواسطة النسب دون الموت والمال لا تقبل بينته لما قلنا، ثم إذا أقر بدعوى المدعي كله وأمر بتسليم الدين والعين إلى المدعي لا يكون هذا على الأب حتى لو ظهر الابن حياً كان له أن يبيع المدعى عليه بحقه، والمدعى عليه يبيع الابن، وإنما كان كذلك؛ لأن بالإرث لا يتجدد الملك بل يتقرر الملك الذي كان للمورث؛ لأن الوارث يخلف المورث في ملاكه، فكان هذا تقرير ملك الموت، ولا يتصور أن يكون قضاء عليه، ولو أقر بالوراثة والموت وأنكر المال يحلف على المال؛ لأنه يثبت كونه خصماً بإقراره بالموت والوراثة، فالدعوى صدر من الخصم فيحلف كما في سائر الدعاوى. ولو أقر بالمال وأنكر النسب والموت لا يحلف؛ لأنه إنما ينتصب خصماً بواسطة ثبوت النسب والموت، ولم يثبت بعد، واليمين لا يتوجه إلا بعد دعوى صحيحة من الخصم، وهذا الجواب قول أبي حنيفة ﵀ على ما ذكر شمس الأئمة السرخسي أو على قول أبي حنيفة أو على ما ذكر في بعض المواضع. أما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على ما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀. أو قول أبي حنيفة إجراءٌ على ما ذكره في بعض المواضع ينبغي أن يحلف، ولكن يحلف على العلم؛ لأن هذا

стр. 3662

تحليف لا على فعل نفسه، والتحليف لا، فعلى فعل نفسه يكون على العلم. المحيط البرهانى قال: لو أن رجلاً قدم رجلاً إلى القاضي، وقال: إن أب هذا قد مات ولي عليه ألف درهم دين، فإنه ينبغي للقاضي أن يسأل المدعى عليه أولاً أنه هل مات أبوه، ولا يأمره بجواب دعوى المدعي أولاً، وهذا لأن الجواب إنما يتوجه على الخصم، وإنما ينتصب الابن خصماً إذا مات الأب، فبعد ذلك المسألة على وجهين: أما إن أقر الابن، فقال: نعم مات أبي أو أنكر موت الأب، فإن أقر وقال: نعم مات أبي سأله القاضي عن دعوى الرجل على أبيه؛ لأنه صار خصماً والجواب يتوجه على الخصم، فإن أقر له بالدين على أبيه استوفى الدين من نصيبه لإقراره على نفسه بذلك. وإن أنكر فأقام المدعي بينة على ذلك قبلت بينته وقضى بالدين ويستوفي الدين من جميع التركة لا من نصيب هذا الوارث خاصة؛ وهذا لأن أحد الورثة ينتصب خصماً عن جميع الورثة فيما يدعى على الميت، فصارت البينة القائمة على هذا الوارث بمنزلة البينة على سائر الورثة، وعلى الميت لو كان حياً، فيثبت الدين بهذه البينة في جميع التركة بخلاف الإقرار. ثم إنما يقضي القاضي بالدين في تركة الميت بهذه البينة بعد ما يستحلف المدعي على القبض والإبراء، وإن لم يدع الوارث ذلك؛ لأن القاضي نصب ناظراً لكل من عجز عن النظر بنفسه وهذه الدعوى في الحقيقة على الميت وهو عاجز عن النظر لنفسه، فينظر له القاضي باستحلاف المدعي بخلاف ما إذا وقع الدعوى على الحي؛ لأن الحي قادر على الدعوى فلا يستحلف بدون دعواه، بخلاف الميت. هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» . وذكر في «أدب القاضي» : من «أجناس الناطفي» في الجنس الرابع أن من ادعى ديناً في تركة الميت، وأقام بينة على ذلك، فالقاضي لا يحلفه على الاستيفاء عند أبي حنيفة ما لم يدع ذلك أحد الورثة وعلى (١٠٣ب٤) قول أبي يوسف ومحمد يحلف فيما ذكر الخصاف قولهما، وهو اختيار الخصاف، ثم إذا أراد استحلافه يستحلفه بالله ما قبضت ولا شيئاً منه، ولا ارتهنت به منه رهناً ولا شيء منه، ولا احتلت به على أحد ولا لشيء منه، ولا يعلم رسولاً أو وكيلاً لك قبض هذا المال ولا شيء منه، وإن ذكر مع ذلك ولا وصل إليك بوجه من الوجوه كان أحوط. وروى الحسن بن زياد ﵀ أنه قال: يستحلف بالله أنك تأخذه بحق؛ لأن في الأسباب المسقطة للدين كثيرة فلا يمكن حصرها، فيحلف على هذا الوجه، وإن لم يكن للمدعي بينة، وأراد استحلاف هذا الوارث، يستحلف على العلم عند علمائنا ﵏ بالله ما يعلم أن لهذا على أبيك هذا المال الذي ادعى وهو ألف درهم ولا شيئاً منه، فإن حلف انتهى الأمر، وإن نكل يستوفي الدين من نصيبه، فإن كان هذا الوارث المدعى عليه أقر بالدين على الأب وأنكر، فلما حلف نكل حتى صار مقراً بالدين، إلا أنه قال: لم

стр. 3663

يصل إلي شيء من تركة الأب، فإن صدقه المدعي في ذلك فلا شيء له؛ وهذا لأن الدين كان في ذمة المورث وبالموت يتحول إلى التركة فيوفى من تركته، فإذا لم يصل إلى هذا الابن شيء أو أخذناه ليوفي دين الأب من مال نفسه، وهذا مما لا وجه له ولا سبيل إليه. وإن كذبه وقال: لا بل وصل إليه ألف درهم أو أكثر وأراد أن يحلفه، يحلفه على الثبات بالله ما وصل إليك من مال أبيك هذا الألف ولا شيء منه، لأنه يحلف على فعل نفسه والتحليف على فعل نفسه يكون على الثبات لما مر. فإن نكل لزمه القضاء؛ لأنه ثبت وصول التركة إليه، والدين في التركة يقدم على الميراث، وإن حلف لا شيء عليه، هذا إذا حلف المدعي على الدين أولاً ثم حلفه على الوصول، فلو أن المدعي من الابتداء حين أراد أن يحلف هذا الوارث على الدين قال له الوارث: ليس لك علي يمين، فإنه لم يصل إلي من تركة الأب شيء، وكذبه المدعي وقال: لا بل وصل إليك من تركة الأب كذا وكذا أو صدقه في ذلك، إلا أنه مع هذا أراد استحلافه على الدين، فالقاضي لا يلتفت إلى قول الوارث ويحلفه على الدين؛ لأن الحاجة إلى إثبات الدين وفي إثبات الدين لا عبرة لوصول شيء من التركة إلى يده، وإنما العبرة الفائدة وفي إثبات الدين فائدة، فإنه إذا ثبت الدين بأن نكل عن اليمين حتى صار مقراً به لو ظهر للميت وديعة أو بضاعة عند إنسان يستوفي الدين منها من غير أن يحتاج إلى الإثبات، فكان فيه فائدة، فيحلف لهذه الفائدة وإن كانت منتظرة. ألا ترى أن هذا العبد المحجور يستحلف وإنما يستحلف لاستيفاء الدين بعد العتق، وإنه فائدة منتظرة كذا هاهنا، وإن أنكر الابن الدين ووصول شيء من التركة إلى يده وكذبه المدعي في ذلك كله، وأراد استحلافه على الدين والوصول جميعاً لم يذكر الخصاف ﵀ هذا الفصل في «الكتاب» . وقد اختلف المشايخ فيه بعضهم قالوا: يحلف يميناً واحدة بالله ما وصل إليك ألف درهم ولا شيء منه من تركة أبيك، ولا يعلم أن لهذا الرجل على أبيك دين من الوجه الذي ادعى، فقد جمع بين اليمين على الثبات وبين اليمين على العلم أنه جائز كما في حديث القسامة وعامتهم على أنه يحلف مرتين، لأنه إنما يجوز الجمع بين اليمينين إذا كانا من جنس واحد، وإن كانا من جنسين لكن سببهما واحد، ولا مجانسة بين اليمين على العلم وبين اليمين على الثبات، والسبب مختلف ها هنا أيضاً؛ لأن سبب الوجوب المداينة السابقة وسبب الاستيفاء من الوارث وصول التركة إليه، فلا يجمع بينهما بل يحلف مرتين مرة على الوصول على الثبات ومرة على الدين على العلم، بخلاف القسامة؛ لأن السبب هناك متحد وهو القتل هذا الذي ذكرنا، إذا أقر بموت الأب. وأما إذا أنكر موت الأب ووصول التركة إليه وأراد الغريم استحلافه وقع هذه المسألة في بعض نسخ هذا الكتاب، وأجاب فيها أنه يحلف على الوصول والموت يميناً واحداً، لكن على الموت على العلم وعلى الوصول على الثبات بالله ما تعلم أن أباك مات، ولا وصل إليك شيء من ميراثه، وبه أخذ أولئك المشايخ وعامة المشايخ على أنه

стр. 3664

يحلف مرتين مرة على الموت على العلم، ومرة على الوصول على الثبات، فإن نكل حتى ثبت الموت وثبت وصول الميراث إليه، يحلف على الدين على علمه لما مر. فلو أنه أقر بالدين والموت، وإن هذه الألف تركة إلا أنه أحضر جماعة وقال: هؤلاء إخوتي، فهذه المسألة على وجوه: إما إن بدأ وقال: هذه الألف تركة ثم قال: هؤلاء إخوتي، وفي هذا الوجه يؤمر بتسليم الألف إلى رب الدين؛ لأنه بإقراره أولاً صار الألف مستحقاً لرب الدين؛ لأن الدين متعلق بالتركة بعد الموت، فلا يصح إقراره بالإخوة بعد ذلك فيما يرجع إلى إبطال الاستحقاق الثابت له، وإن بدأ بالإقرار بالإخوة ثم بالتركة والدين، فقد أقر لهم بالشركة معه في التركة فصارت التركة مقسومة بينهم بالحصص، فإذا أقر بالدين والتركة بعد ذلك، فإنما يعمل إقراره في حقه فيسبق في الدين من نصيبه خاصة. قال: ولو أن رجلاً مات فادعى وارثه على رجل أنه كان لأبيه عليه ألف درهم دين وصار ميراثاً له، وأقر المدعى عليه بالموت وأنكر الدين، فأراد الوارث أن يحلفه، حلفه بالله ما كان لأبي عليك ألف درهم ولا شيء منه من الوجه الذي ادعى، وعلى قول شريح ﵁ يحلف الوارث أولاً على الثبات بالله ما قبض الأب منه شيئاً، هو يقول: بأن الدين إنما ينتقل إلى الابن إذا لم يقبضه الأب منه، أما إذا قبض فلا. وإنا نقول: إذا ثبت الدين للأب على المديون يبقى إلى أن يوجد المسقط والقبض مسقط، وأنه ليس بمعلوم فيبقى الدين يقبضه الأصل، ألا ترى أن في حالة الحياة الأب يحلف المدعى عليه على الدين، ولا يحلف الأب بالله ما قبض المال وطريقه ما قلنا، وكذلك إذا أقام الابن بينة على الدين لا يحلف الابن على قبض الأب عندنا، خلافاً لشريح على ما بينا، وإن أقر المديون بالدين وادعى أن الأب قد قبض منه الدين أو عرض المديون، فقال: قد يكون على الإنسان دين ثم لا يقضي باعتبار أن صاحب الدين يقبض ذلك، وأنا لا أحب أن أقر بشيء مخافة أن يلزمني، وأراد استحلافه فيحلف الابن حينئذ على العلم بالله ما يعلم أن أباه قد قبض هذا المال، أما إذا ادعى المدعى عليه القبض فلأنه انقلب مدعياً والمدعي انقلب مدعى عليه، وأما إذا عرض المدعى عليه، فلأنه طلب من القاضي أن ينظر له، فينظر له. قال في «الزيادات» : رجل مات، فجاء رجل وادعى أنه وارث الميت، لا وارث له غيره، وإن قاضي بلد كذا قضى بكونه وارث الميت، وجاء شاهدين شهدا أن قاضي بلد كذا أشهدنا على قضائه أن هذا وارث فلان الميت لا وارث له غيره، وقال الشهود: لا ندري بأي سبب قضى، فإن القاضي الثاني يجعله وارثاً؛ وهذا لأنه ثبت بالبينة قضاء القاضي الأول بوراثته، وقضاء القاضي إذا ثبت يحمل على الصحة وعلى موافقة الشرع، وذلك ها هنا في أن يحمل على أنه استقضى في سبب وراثته على الميت، ولم يقدم على القضاء إلا بعدما علم بالحجة سبب وراثته، وينبغي للقاضي الثاني أن يسأل المدعي ما نسبه عن الميت، وهذا السؤال ليس بشرط لتنفيذ القضاء حتى لو لم يبين المدعي شيئاً نفذ

стр. 3665

القاضي الثاني قضاء الأول حملاً له على الحق، ولكن هذا السؤال من القاضي الثاني على سبيل الاحتياط ليعلم أنه بأي سبب يستحق، حتى لو ظهر وارث آخر يعرف القاضي الثاني أن أيهما أولى بالميراث؛ ولأنه ربما يبين سبباً لا يستحق الميراث بأن جيرانه مولى الميت من أسفل، فيبطل قضاء الأول؛ لأن هذا خطأ عندنا وقد ظهر فيما هو حجة عليه وهو إقراره، فإن أخبر المدعي بسبب يكون وارثاً على وجه من الوجوه أمضى قضاء الأول بالميراث ودفع الميراث إليه، ولكن لا يقضي بالسبب الذي ادعى؛ لأن الموجود في حق السبب ليس إلا مجرد الدعوى إذا لم يعرف قضاء القاضي بهذا السبب. أما القضاء بأصل الوراثة ثابت بشهادة الشاهدين، فلهذا قضى القاضي الثاني بالميراث دون السبب، فإن جاء رجل بعد ذلك وادعى أنه أب الميت لا وارث له غيره، وأقام على ذلك بينة، ينظر إن كان الأول بين سبباً لا يرث مع الأب بذلك السبب، جعل القاضي الثاني الميراث كله للثاني؛ لأن أبوة الثاني ثبت عند هذا القاضي بالبينة، والأول لما بين سبباً لا يرث مع الأب بذلك السبب صار مقراً أنه (١٠٤أ٤) لا حق له في الميراث، وإقرار كل مقر حجة في حقه. وإن كان الأول بين سبباً يرث مع الأب بذلك، فإن بين أنه ابن الميت جعل القاضي للأب سدس الميراث؛ لأن القاضي الأول قضى للأول بكل الميراث، فإنما ينقض قضاؤه بالقدر المتيقن، والقدر المتيقن ها هنا السدس، فإن احتمال كون الأول ابناً كما ذكر قائم ومع الاحتمال ابنه تيقن بالخطأ، وإن ذكر الأول أنه أب الميت، وأقام الثاني أنه ابن الميت يعطى الثاني خمسة الأسداس؛ لأنه بين خطأ القاضي الأول بهذا القدر ينتقض قضاؤه، والسدس سالم للأول، وإن ذكر أنه أب الميت، وادعى الثاني أنه أب الميت وأقام على ذلك بينة قضى القاضي بأبوته جعل الميراث له؛ لأن أبوة الثاني ثبت بالقضاء بالبينة وأبوة الأب لم يثبت إلا بإقراره، وما يثبت بالبينة المفردة أقوى، فكيف إذا اتصل بها القضاء، فإن قيل: ينبغي أن يقضي القاضي بالميراث بينهما؛ لأن القاضي الأول قضى بكل الميراث الأول، فلا ينقض قضاؤه إلا بقدر المتيقن، والتيقن في مقدار النصف، فإن احتمال كون الأول أباً قائم إذ يجوز أن يكون للشخص الواحد أبوان. ألا ترى أن الجارية المشتركة بين رجلين إذا جاءت بولد فادعياه كان الولد لهما وهما أبوه، قلنا لا يجوز أن يكون للشخص الواحد أبوان؛ لأن الأبوة بسبب الإلحاق من الماء، ولا يتصور إلا بخلاف من ماء الذكرين، ألا ترى أن في مسألة الجارية المشتركة لو مات يرثانه ميراث أب واحد، إلا أن أحكام الأبوة تثبت بينهما عند الدعوى لاستوائهما في الحجة وعدم الأولوية، وفي مسألتنا لا مساواة؛ لأن أبوة الأول تثبت بالدعوى، وأبوة الثاني تثبت بالبينة، ولا مساواة بين الدعوى والبينة حتى لو تحققت المساواة يقضى بالميراث بينهما على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. واستوضح هذا بما لو جاء رجل وأقام بينة أنه أب هذا الميت، وقضى القاضي

стр. 3666

بأبوته، وجعل الميراث له، ثم جاء آخر وأقام بينة أنه أب الميت، فالقاضي لا يقبل بينته ولا يدخل مع الأول، ولو جاز أن يكون واحد منهما أباً، لدخل الثاني مع الأول كما في الأبناء مع البنات. قال في «الكتاب» : ولو أن القاضي الثاني حين قضى بالميراث الثاني قال الأول: أنا أقيم بينة عندك أني أب الميت لا يلتفت إليه، لأن تقدم الحكم للثاني بالأبوة يمنع دعوة الأول الأبوة والقضاء له بها، وإن أقام الأول بينة على أن القاضي الأول قضى بأبوته، جعل القاضي الثاني الميراث للأول إذ تبين أنه تقدم الحكم للأول بالأبوة وأنه يمنع الحكم للثاني بالأبوة. ولو أن القاضي لم يقض بأبوة الثاني حتى أقام الأول بينة على أبوته قضى القاضي بالميراث بينهما لاستوائهما في الدعوى والحجة. والجواب في ولاء العتق: كالجواب في الأبوة، بأن ادعى الأول أنه متولي الميت أعتقه، وأن القاضي الثاني إنما قضى له بالميراث لذلك، وادعى الثاني أنه متولي الميت أعتقه؛ لأنه لا يتصور أن يكون الشخص معتقاً من الاثنين مَنَّ كل واحد منهما عليه؟ فصار الولاء كالنسب من هذا الوجه، إن سبق الحكم لأحدهما بالميراث بسبب الولاء فهو أولى، وإن اجتمعا قضى بينهما على نحو ما ذكرنا وإن زعم الأول أنه ابن الميت في الميراث وإن سبق الحكم لأحدهما؛ لأن سبق الحكم لأحدهما لا يدفع الثاني، لإمكان الجمع بخلاف فصل الأبوة، لأن هناك الجمع غير ممكن على ما مر.s وإن زعم الأول أنه ابن الميت فأقامت المرأة بينة أنها بنت الميت، فالميراث بينهما أثلاثاً، وإن تقدم الحكم للأول لأن تقدم الحكم للأول؛ لا يدفع الثاني لإمكان الجمع. ولو ادعى الأول أنه ابن أو أب وأقام الآخر بينة، أنه أخو الميت لا شيء للثاني؛ لأن الإخوة لا يرثون مع الابن والأب، ولو كان المقضي له امرأة زعمت أنها زوجة الميت، ثم جاء رجل وأقام بينة أنه أخ الميت أخذ منها ما زاد على الربع؛ لأنه كان وصار الحاصل أن القاضي الأول إذا قضى بوراثة الأول ولم يبين سبب الوراثة، وأقام الآخر بينة عند القاضي الثاني على نسبه عن الميت، سأل القاضي الثاني الأول عن نسبه، إن ذكر نسباً لا يرث مع الثاني فالميراث كله للثاني، وإن ذكر نسباً لا يرث الثاني معه فلا شيء للثاني، وإن ذكر نسباً يرث مع الثاني يجمع بينهما في الميراث. قال: فإن كان المقضي له الأول معتوهاً أو صغيراً لا يعبر عن نفسه، فأقام بعض من ذكرنا بينة على أنه وارثه وبين نسبه عن الميت، فإن كان الثاني ممن يحتمل السقوط بحال نحو الأخ والعم جعله القاضي ساقطاً بالأول، وإن كان الثاني لا يحتمل السقوط، فإن القاضي يجعل للأول أفضل الأشياء ويقضي للثاني بأقل ما يكون. بيانه: فيما إذا كان الأول ذكراً يجعل ابن الميت حتى لو كان الثاني إنما يعطى له السدس لكونه أقل، ولو كان الثاني زوجة الميت يعطى لها الثمن لكونه أقل؛ لأن الأول

стр. 3667

يرجح تقدم الحكم له، وإبطال القضاء لا يجوز إلا في القدر المتيقن، والتيقن في الأقل. قال: ولو أن امرأة أقامت بينة أن قاضي بلد كذا، قضى بأنها وارث هذا الميت، وجعل كل الميراث لها، نفذ القاضي الثاني ذلك كما ينفذ للرجل؛ لأن المرأة قد تستحق جميع الميراث، ألا ترى أن مولاة المعتق تستحق جميع الإرث لمولى المعتق، وكذلك البنت تستحق جميع الميراث، النصف بالفرض، والنصف بالرد إذا لم يكن ثمة صاحب فرض أو عصبة. فلعل القاضي الأول إنما قضى لها بجميع الميراث لهذا، وهو الظاهر، فلهذا نفذ القاضي الثاني ذلك، فإن أقام بعد ذلك رجل بينة أنه ابن الميت أو أبوه، أو أقامت امرأة بينة أنها زوجته، سأل القاضي الثاني المرأة الأولى عن سبب القضاء لها، فإن زعمت أنها بنت الميت عامل معها بزعمها، وإن كانت المرأة الأولى صغيرة لا تعبر عن نفسها، أو كانت معتوهة جعل القاضي لها أكثر ما يكون لها، وجعل لهؤلاء أقل ما يكون لهم مع المرأة الأولى حتى لا ينتقض القضاء الأول إلا في القدر المتيقن. وإذا ادعى رجل على ورثة ميت ديناً على الميت وقال: إن أب هؤلاء قد مات ولي عليه كذا وكذا، وقد أقر بذلك في حياته طائعاً، ومات قبل أن يوفي شيئاً من ذلك، وخلف من التركة في يد هؤلاء ما بقي بالدين المدعى به وزيادة ولم يبين أعيان التركة، فالقاضي هل يسمع منه هذه الدعوى؟ لم يذكر محمد ﵀ هذا في «الأصل» وفي شيء من الكتب. وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم شرطوا بيان أعيان التركة شيئاً، فشيء لسماع القاضي دعواه. والحاكم الإمام أحمد السمرقندي ذكر في شروطه في سجل إثبات الدين: أن المدعي إن أجمل التركة كان كافياً، وإن بين وفسر كان أحوط، والفقيه أبو الليث ﵀ لم يشترط بيان أعيان التركة واكتفى بذكر الوفاء بالدين. والخصاف ﵀ ذكر في «أدب القاضي» في باب اليمين على العلم: مثل ما ذكره الفقيه أبو الليث ﵀، والمختار في الفتوى هذا أن لا يشترط بيان أعيان التركة لإثبات الدين والقضاء به، ولكن إنما يأمر القاضي الوارث بقضاء الدين إذا ثبت وصول التركة إليهم، وعند إنكارهم وصول التركة إليهم، لا يمكن للمدعي إثباته إلا بعد بيان أعيان التركة في أيديهم بما يحصل به الإعلام. وهكذا حكى فتوى شمس الإسلام الأوزجندي ﵀: رجل ادعى داراً في يد رجل وقال في دعواه: هذه الدار كانت لأبي فلان، مات وتركها ميراثاً بيني وبين أختي فلانة لا وارث له غيرنا، وترك مع هذه الدار مالاً ودواباً فقسمنا الميراث ووقعت هذه الدار في نصيبي بالقسمة، واليوم جميع الدار ملكي بهذا السبب، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، فدعواه صحيحة؛ لأنه ادعى جميع الدار لنفسه بسبب صحيح ادعى ثلثاها

стр. 3668

بسبب الميراث وادعى الثلث بسبب القسمة، وكل ذلك سبب صحيح للملك، ولكن لا بد وأن يقول أخذت أختي نصيبها من تلك الأموال حتى يصح منه مطالبة المدعى عليه بتسليم كل الدار إليه. ولو قال في دعواه: مات أبي وتركها ميراثاً لي ولأختي ثم أقرت أختي بجميعها لي وصدقتها في ذلك، حكي عن شمس الإسلام محمود الأوزجندي ﵀ أن دعواه صحيحة والصحيح من الجواب أن القاضي لا يسمع دعواه في الثلث؛ لأن هذه دعوى الملك في الثلث بسبب الإقرار، ودعوى الملك بسبب الإقرار غير صحيح، عليه فتوى عامة المشايخ، والمسألة في الأقضية: من له الدين المؤجل إذا أراد إثباته فله ذلك، وإن لم يكن له حق المطالبة بالأداء في الحال، إذا أرادت إثبات بقية مهرها على الزوج فلها ذلك، وإن لم يكن لها حق المطالبة به في الحال؛ وهذا لأن إثبات الحق لا يعتمد المطالبة لا محالة، ألا ترى أن إثبات الدين على الميت من وارث لم يصل إليه شيء من التركة، وإن لم يكن لرب الدين حق المطالبة من هذا الوارث (١٠٤ب٤) إذا لم يصل إليه شيء من تركة الميت وإنما يعتمد الفائدة، وفي إثبات الدين المؤجل في الحال فائدة، وكذلك في إثبات بقية مهرها في الحال فائدة، فإن شهوده عسى يغيبون ولا يقدر على إثباته عند محل الأجل، سأل القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزحندي ﵀: عمن ادعى على آخر عيناً في يده، وقال: هذا كان ملك أبي مات وتركها ميراثاً لي ولفلان، وسمى عدد الورثة ولم يبين حصة نفسه، قال: صح منه هذه الدعوى، وإذا أقام البينة على دعواه، فالقاضي يسمع بينته، ولكن إذا آل الأمر إلى المطالبة بالتسليم لا بد وأن يبين حصته؛ لأنه لا يملك المطالبة بالتسليم إلا بقدر حصته، فيبين حصته عند ذلك، ولو كان بين حصته ولم يبين عدد الورثة، بأن قال: مات أبي وترك هذا العين ميراثاً لي ولجماعة سواي وحصتي منه كذا، وطالبه تسليم ذلك قال: لا تصح منه هذه الدعوى، ولا بد من بيان عدد الورثة لجواز أنه لو بين كان نصيبه أنقص. قال في «الأقضية» : وإذا وقع الدعوى في دار في يدي رجل بسبب الميراث عن الأب وللميت ورثة سوى هذا المدعي وطلب من القاضي أن يكتب له يعني محضر الدعوى، فالقاضي يكتب: حضر فلان وأحضر معه فلان يصف المدعي والمدعى عليه، ثم يكتب: وذكر فلان الذي حضر أن أباه فلان، يذكر اسم أبيه وينسبه إلى أبيه وجده؛ لأنه يريد إثبات الملك للأب ليمكنه النقل إلى نفسه بالإرث، فلا بد وأن يصير الأب معلوماً ليمكن إثبات الملك له، والنقل منه بالدعوى وأنه غائب والغائب لا يعلم إلا بذكر الاسم والنسب، ثم يكتب: أنه مات وخلف من الورثة ابناً له وهو هذا الذي حضر، وزوجة له وهي فلانة بنت فلان بن فلان وبنت له وهي فلانة لا وارث له سواه؛ وهذا لأنه يريد إثبات الوراثة لنفسه فلا بد من بيان سببها لنفسه، والبنوة سبب، ولا بد من بيان عدد الورثة، ليعلم نصيبه فيقع القضاء بما هو معلوم، ثم يكتب وترك من ماله الدار التي في بلدة كذا في محلة كذا في سكة كذا، أحد حدودها كذا والثاني والثالث والرابع كذا، ثم يذكر في الحد لزيق دار فلان، وإن شاء يذكر دار فلان، وقد مر هذا في فصل جلوس

стр. 3669

القاضي، بعد ذلك ينظر إن كان في ذكر الحد ذكر إلى دار فلان لا يكتب بحدودها؛ لأنه بين من جوز ذكر دار فلان في الحد اختلافاً أنه إذا كتب بحدودها هل تجوز الدعوى؟ وهل يصح المكتوب؟ بعضهم قالوا: لا يصح؛ لأن دار فلان تدخل في الدعوى، وقال علماؤنا: يصح ولا تدخل دار فلان في الدعوى؛ لأن الناس في عرفهم وعاداتهم لا يريدون به أن يكون دار فلان داخلاً في الدعوى، واعتبار العرف واجب وإن كان بين العلماء اختلاف على نحو ما قلنا. والكتابة للتوثيق يجب أن يكون على أحوط الوجوه ليقع الأمن عن إبطاله، وإن كان في ذكر الحد لزيق دار فلان يكتب بحدودها إن شاء ويجوز بلا خلاف؛ لأنه لا يؤدي إلى أن تدخل دار فلان في الدعوى، ثم إذا كتب في الحد الزيق لا فرق بين أكثر جماعة من أهل الشروط أن يكتب لزيق دار فلان، وبين أن يكتب لزيق دار تنسب إلى فلان، كل ذلك جائز وقال بعضهم: ينبغي أن يكتب لزيق دار تنسب إلى فلان حتى أنها إذا لم تكن مملوكة لفلان لا يكون كاذباً فيه، وعامة مشايخنا جوزوا ذلك، لأن الإضافة بحكم الظاهر جائزة. ألا ترى أن في الشهادة جوزنا الإضافة بالظاهر، وأكثر أحكام الشرع مبنية على الظواهر، ثم يكتب بحدودها كلها وحقوقها؛ لأن بدون ذكر الحدود والحقوق لا يدخل المسيل والطريق، فلا يفيده استحقاق الدار؛ لأنها تتعطل عليه، ولا يمكنه الانتفاع بها، ولا ينبغي أن يكتب وطريقها ومسيل مائها؛ لأنه لو كان باب الدار على طريق العامة يصير مدعياً ملكية ذلك الموضع لنفسه، وأنه لا يجوز، ثم يكتب ومرافقها التي هي لها من حقوقها، لأن الخلاف ظاهر في تفسير المرافق، فعلي قول أبي يوسف المرافق غير الحقوق وإنها عبارة عن منافع الدار، وفي ظاهر الرواية المرافق عبارة عن الحقوق، فكان الأحوط أن يكتب من حقوقها ليكون ذكراً للحقوق بالاتفاق، ثم يكتب وكل قليل وكثير هو فيها ومنها، هكذا ذكر محمد ﵀: في كتاب الشفعة، وذكر في موضع آخر: وكل قليل وكثير هو فيها ومنها، وهكذا ذكر في كتاب الوقف. قال أبو زيد الشروطي ﵀: لا ينبغي أن يكتب أو لها بها للتشكيك، فكان المراد به أحد المذكورين، وباعتباره يصير المدعى به مجهولاً ولكن يقول كلمة أو يراد بها في مثل هذا الموضع الجمع لا التشكيك عرفاً، ومعناه: أن جميع الحقوق داخلة في الدعوى، قلت أو كثر يقال: وهبت لك ما في كيسي درهماً كان أو ديناراً، ثم يكتب في آخره من حقوقها؛ لأنه لو لم يذكر ذلك، ففي ظاهر الرواية إن كان هذا منصرفاً إلى ما كان من موانع الدار فعند أبي يوسف ﵀: يدخل فيه كل ما في الدار، مما يحتمل التملك حتى أن عند أبي يوسف: يدخل فيه جواري المدعى عليه اللاتي في الدار ومتاعه الموضوع فيها من حقوقها لينتفي به ما توهمه أبو يوسف، ثم يكتب: وكل حق لها داخل فيها وخارج منها، هكذا ذكر الطحاوي ﵀، وينبغي أن يكتب أرضها وبنائها سفلها وعلوها ولا يكتب سفله وعلوه، ثم العلو والسفل يدخلان في دعوى الدار من غير ذلك،

стр. 3670

وفي دعوى المنزل لا يدخل العلو إلا بالذكر أو يذكر الحقوق، وفي دعوى البيت لا يدخل بذكر الحقوق، ويشترط ذكره، والكشف الشارع يدخل في دعوى الدار من غير ذلك، والظلة وهي الساباط الذي على الطريق أحد جانبيه على هذه الدار، عند أبي حنيفة: لا يدخل من غير ذكر الحقوق، وعند أبي يوسف ومحمد: يدخل إذا كان مفتحها إلى الدار، والمربط والمطبخ يدخلان في دعوى الدار إذا ذكر الحقوق والمرافق، ثم يكتب ميزاباً عنه لورثته هؤلاء المسمون على فرائض الله تعالى كذا بينهما نصيب المرأة كذا وكذا الابن كذا ونصيب البنت كذا؛ وهذا لأنه يريد إثبات الاستحقاق لنفسه بالإرث ولا يمكنه ذلك إلا من الميراث عند أبي حنيفة ومحمد على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وهو أن يقول تركها ميراثاً لورثته فلهذا يكتب ميراثاً عنه لورثته ثم يسمي الفريضة وأنصباء الورثة من ذلك، ليعلم قدر ما نصيب المدعي من ذلك، فيكون المدعي به معلوماً، ثم بعد ذلك لا يخلو إما أن يدعي لنفسه نصيبه من الدار، أو يدعي جميع الدار بحكم القسمة مع الورثة، فإن ادعى نصيبه من الدار يكفيه هذا المقدار الذي ذكر في الكتاب، وإن ادعى جميع الدار يكتب، وترك أيضاً مع الدار سواها من العقار والعروض والأراضي والنقود، وقد جرت القسمة الصحيحة بين هؤلاء الورثة بالتراضي، فوقعت هذه الدار في نصيب هذا الابن المدعي وأنها اليوم ملك هذا الابن المدعي بهذين السهمين، ويذكر أيضاً: قبض باقي الورثة حصصهم على ما مر قبل هذا، وأنها في يدي فلان بن فلان هذا المدعى عليه الذي أحضره بغير حق وأنه يمنع جميع ذلك منه، إن كان يدعي جميعها وإن كان يدعي نصيبه يذكر: وأنه يمنع نصيبه بغير حق، فواجب عليه قصر يده عما ادعى، وتسليمه إلى هذا المدعي. وإنما شرطنا أن يقول في الدعوى وأنها في يد هذا المدعى عليه الذي أحضره؛ لأن الذي أحضره إنما يكون خصماً باعتبار يده، فلا بد من أن يثبت يده عليها، حتى ينتصب خصماً، فسمع القاضي الدعوى عليه، وإن شئت كتبت من وجه آخر. فكتبت: حضر وأحضر فادعى هذا الذي حضر على هذا الذي أحضره معه: أن جميع الدار التي في محلة كذا في سكة كذا حدودها كذا بحدودها وحقوقها، أرضها، وبنائها، سفلها وعلوها، وكل حق هو لها داخل فيها، وكل حق هو لها خارج منها، كانت ملكاً لفلان ابن فلان والد هذا المدعي وحقه وملكه إلى أن توفي، وخلف من الورثة أبناء له هذا المدعي وورثة أخرى من البنين فلان وفلان ومن البنات: فلانة وفلانة لا وارث له سواهم، وصارت هذه الدار المحدودة الموصوفة فيه ميراثاً عنه لورثته هؤلاء المسمون فيه، على فرائض الله تعالى على كذا سهماً. ثم يتم كتاب الدعوى على نحو ما بيننا، ثم إذا صح الدعوى سأل القاضي المدعى عليه عن دعواه، فإن أجابه بالإقرار أثبت إقراره في محضر الدعوى بلفظه، وألزمه الخروج عن دعواه، فإن أجابه بالإنكار لجميع ما ادعى، سأل المدعي البينة، فإن زعم المدعي أن

стр. 3671

له بينة أمره أن يحضرهم مجلس القاضي، ثم على رسم القضاة اليوم في ديارنا يكتب أسامي الشهود وأنسابهم وحلاهم ومساكنهم وما يعرفون به. فيكتب: وأحضر من الشهود رجلاً ذكر أنه فلان وبحليته ويستقصي في تعريفه، وهذا إذا كان لا يعرفه القاضي. وإن كان يعرفه يكتب فأحضر من الشهود فلان بن فلان ينسبه إلى (١٠٥أ٤) أبيه وجده، ويستغني عن التحلية ويجعل بين كل سهم شاهدين، فرجة من البياض يمكنه كتابة لفظة الشهادة التي سمعها منه فيها، ثم إن كان الشهود ممن لا يقدرون على أداء الشهادة عن ظهر القلب يحضرهم، أو لهيبته مجلس القضاء يكتب الكاتب لفظة الشهادة على موافقة الدعوى كما ذكره الشاهد للكاتب في بياض. وإن كانوا ممن لا يعرفهم حضر ولا يهيبه مجلس القضاء، فالقاضي يتولى كتابة الشهود في تلك الفرصة، ويسأل شهود المدعي واحداً بعد واحد عن شهادته بحضرة المدعى عليه؛ لأنه يحتاج إلى تصحيح شهادته، والإشارة إلى المدعى عليه فلا بد من حضرة المدعي ليمكنه الإشارة إليه، ثم إذا شهد شهود المدعي، فالقاضي يسألهم هل كانوا يعرفون فلاناً والد المدعي؛ لأن المدعي يحتاج إلى إثبات ثلاثة أشياء، موت المورث ووراثته منه، وانتقال الدار إليه منه بالإرث، وإثبات الملك للمورث فيها يوم الموت. وإنما تصح الشهادة على الموت ممن يعرف الميت، وكذلك الشهادة على وراثة المدعي من الميت بالإرث، إنما تصح ممن يعرف الميت، فأما من لا يعرف كيف يشهد على ذلك كله؟ فيسأله عن والد المدعي لهذا، فإن قالوا نعرفه: سألهم عن الموت، فإن شهدوا بذلك كتب فشهدوا أن فلان بن فلان الفلاني المعروف بكذا من التجارة من الصباغة توفي، وكأنه يعرفونه معرفة قديمة باسمه ونسبه، وإنهم يشهدون عن معرفة قديمة ثم سأل عن وارثه، فإن شهدوا بذلك كتب وترك من البنين فلاناً الذي حضر وهو هذا المدعي وفلان وفلان، ومن البنات فلانة وفلانة، وامرأته فلانة بنت فلان بن فلان بن فلان، وهذا إذا كانوا يعرفون جميع الورثة، فأما إذا كانوا يعرفون بعض الورثة كتب شهادتهم عمن يعرفون من الورثة، ثم يكتب لا يعرفون له وارثاً غير هؤلاء، ويكون وارثه من سوى المدعي الذي أقر له المدعي بالوراثة ثابتاً بإقرار المدعي؛ لأنه صار وارثاً بالبينة، وإقرار الوارث بورثة أخر صحيح في حقه، فإذا شهدوا بذلك سألهم هل تعرفون الدار التي ادعاها أنها كانت لوالده؟ فإن ذكروا معرفتها وشهدوا أنها كانت لوالده إلى أن مات وتركها ميراثاً لورثته هؤلاء، وأتوا بالشهادة على وجهها كتب ذلك على ما شهدوا به وأنها اليوم في يد المدعى عليه، ولا بد لتصحيح الشهادة من حر الميراث عند أبي حنيفة ومحمد. وكذلك لا بد لتصحيح الشهادة على ملكية الدار أن يذكر الشهود في شهادتهم أنها في يد المدعى عليه، والإقرار لا يكفي، حجة لإثبات يده، حتى أن المدعي والمدعى عليه إذا تصادقا أن الدار المدعى به في يد المدعى عليه لا تقبل البينة على ملكية الدار إلا

стр. 3672

بعد شهادة الشهود على يد المدعى عليه، بأن شهدوا أنها في يده اليوم، هكذا ذكر الخصاف بخلاف المنقول. فإنه إذا أقر المدعى عليه أنه في يده يكفي؛ لأن في المنقول لا يخلو إما أن يكون العين قائماً أو مستهلكاً في يد المدعى عليه، فإن كان قائماً فلا بد من الإحضار لتصحيح الدعوى والشهادة، وعند الإحضار يعرف القاضي معاينة أنه في يد المدعى عليه، وإن كان مستهلكاً وقال المدعى عليه: استهلكتها، أو قال: هلك عندي، فقد أقر على نفسه بوجوب الضمان، وإقرار الإنسان على نفسه صحيح، فلا حاجة إلى الشهادة على أنه في يده. فأما في العقار يمكن تهمة المواضعة، ووجه ذلك أن المدعي ربما تواضع رجلاً ويحضره مجلس القضاء، ويدعي عليه العقار، فيقر بأن العقار في يده فيقضي القاضي عليه، والعقار في يد غيره، فيكون قضاء على الغائب؛ لأن العقار لم يكن في يد المدعى عليه حقيقة، فلمكان هذه التهمة لا يكتفي القاضي بمجرد الإقرار حتى يشهد الشهود على ذلك، فتنتفي هذه الرتبة بخلاف المنقول على ما ذكرنا، فإن شهدوا أنها في يد المدعى عليه، هل يسألهم القاضي عن سماع يشهدون أنها في يده أو عن معاينه؟ حكي عن القاضي الإمام الخليل بن أحمد أن القاضي يسألهم وهو الصحيح؛ لأنهم ربما سمعوا إقراره أنها في يده فظنوا أن ذلك يطلق لهم أداء الشهادة على يده عليها وإنه موضع الاشتباه، فقد اشتبه على كثير من الفقهاء اشتراط إقامة البينة لإثبات يده، وما لم يعاينوا يد المدعى عليه لا يحل لهم أداء الشهادة على أنها في يده، فلهذا أوجب السؤال، فإن ذكروا أنهم يشهدون عن معاينة قبلها وإلا لم يقبل. قال القاضي هذا ﵀: وهكذا إذا شهدوا على البيع والتسليم، فالقاضي يسألهم أيشهدون على التسليم بإقرار البائع أو عن معاينة؛ لأن الحكم فيها يختلف فإنهم إذا شهدوا عن معاينة البيع والتسليم كانت شهادته بملك البائع يوم البيع، وإن شهدوا على إقراره لا تكون شهادة على ملك البائع فوجب السؤال إزالة لهذه الشبهة. ولو أن الشهود لم يشهدوا أن هذه الدار في يد المدعى عليه، وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أنها في يد المدعى عليه، فإن القاضي يقبل منه؛ لأن الحاجة إلى القضاء بالملك للمدعي بسبب الوراثة باليد للمدعى عليه لينتصب لإثبات دعواه، ولا فرق بين أن يثبت كلا الأمرين بشهادة فريق واحد، وبين أن يثبت كل أمر بشهادة فريق واحد، هذا كما ذكروا أن الشهود إذا شهدوا بالملك في المحدود وشهد فريق آخر على الحدود أنه يقبل الشهادتان جميعاً. وكذلك إذا شهد شاهدان على الاسم والنسب ولم يعرفا الرجل بعينه، وشهد آخران أن هذا الرجل هو المسمى بذلك الاسم والنسب أنه يقبل ذلك، ويجعل كما لو ثبت الإقراران بشهادة فريق واحد كذلك ها هنا، ولو قالت الشهود: نشهد أن الدار التي بالكوفة في بني فلان ويذكر حدودها الأربعة ملك المدعي بهذا السبب ولكنا لا نعرف

стр. 3673

حدودها ولا نقف عليها. وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار المدعى بها على هذه الحدود ويعرفون لذلك، هل يقبل القاضي ذلك منه؟ فهذه ثلاث مسائل. إحداها هذه، وجوابها أنه ذكر في بعض الروايات أنه لا يقبل، وذكر في عامة الروايات أنه يقبل وهو الأصح، وجه ذلك أن تحمل الشهادة على الأملاك غالباً يكون على هذا الوجه؛ لأن الشاهد إنما يتحمل الشهادة على الملك إذا علم بسبب الملك، والبائع يقر بين يدي الشاهد ببيع الدار التي في محلة كذا في سكة كذا، ويذكر الحدود الأربعة، والشهود في الغائب لا يعرفون جميع ذلك، لو اعتبرنا علمهم بالحدود يحتاجون إلى الذهاب إلى موضع الدار، وعسى لا يذهبون فيؤدي ذلك إلى الجرح، فإذا قالوا للقاضي: تحملنا هذه الشهادة بهذه الحدود ولكنا لا نقف على الحدود وما رأيناها، وقال المدعي: أنا آتي بشاهدين آخرين يشهدان أن هذه الدار المدعى بها بهذه الحدود، فالقاضي يقبل ذلك منه، وإن لم يأت المدعي بشهود آخرين يشهدون أن هذه الدار المدعى به على هذه الحدود، فطلب من القاضي أن يبعث أمينين من أمنائه إلى الدار حتى يتعرفا عن حدودها وأسماء جيرانها، أجابه القاضي إلى ذلك، فإذا أقامهما القاضي وتعرفا عن حدود الدار وأسماء جيرانها، فوافق ذكر الحدود التي ذكرها الشهود، قضى القاضي بالدار للمدعي بشهادتهم، لأنهم شهدوا بملكية دار معلومة؛ لأن العقار إذا كان غائباً فإعلامه بذكر الحدود وقد وجد، فبعد ذلك الحاجة إلى تعيين الدار المحدودة للتسليم، فإذا علم القاضي بإخبار الأمينين أن هذه الدار المعينة التي في يد المدعى عليه هي ما شهدت به الشهود فقد علم بوجوب تسليمها إلى المدعي، فيقضي بها للمدعي، ويأمر المدعى عليه بتسليمها إلى المدعي.f وإن خالف ذلك الحدود التي ذكرها الشهود وأخبر الأمينان القاضي بذلك لا يقضي بشهادتهم؛ لأنهم شهدوا بما لم يعلموا؛ ولأن الدار التي في يد المدعى عليه إذا لم تكن بتلك الحدود ظهر أن الشهود شهدوا بما ليس في يد المدعى عليه، فكانت هذه شهادة على غير خصم، فلا يقبل. والمسألة الثانية: لو قال الشهود: نحن نعرف الدار ونقف عليها، ونشير إلى حدودها إذا قمنا ثمة ولكن لا ندري من جيرانها، فالروايات مضطربة في هذه المسألة، ذكر في بعضها يبعث القاضي أمينين من أمنائه مع المدعي والمدعى عليه إلى الدار حتى يشهد الشهود بحضرة الدار، ويشيروا إلى حدودها، ثم يتعرف الأمينان أسماء الجيران ويخبران القاضي، فإن وافق ما قاله المدعي يحكم القاضي بذلك، وذكر في بعضها أنه يبعث الأمينين مع الشهود حتى يسيروا إليهما بالدار وحدودها، فيتعرفان أسماء جيرانها ثم يشهدوا جميعاً عند القاضي، فيقضي بشهادتهم التي كانت عنده، وأظهر الجواب شهادة الشهود بحضرة الأمينين والدار؛ لأن الأمين نائب القاضي فكانت الشهادة عنده كالشهادة عند القاضي، ولو كانوا بحضرة العقار لا يحتاج إلى بيان الحدود؛ لأن الإشارة كافية

стр. 3674

للتعريف كما في المنقول، إلا أن يتعرف الأمينان لأسماء الجيران (١٠٥ب٤) لكتابة السجل لا لتنفيذ القضاء، فالقضاء بدونه ماض على المدعى عليه. المسألة الثالثة: إذا قال الشهود نحن نعرف أن هذه الدار ميراث لهؤلاء الورثة عن هذا المورث، ولكن لا نعلم أسماء الجيران إنما نعرف أن تلك الدار في محلة كذا في سكة كذا بحضرة مسجد كذا يلاصق دار فلان في زيقه كذا، وجاء المدعي بشاهدين يشهدان على الحدود، فإن القاضي لا يقضي بشيء؛ لأن الذين شهدوا بالملك لم يشهدوا إلا بحد واحد، فاللذان شهدوا بالحدود لم يشهدوا بالملك، فلا يمكن القضاء بها أصلاً بخلاف ما تقدم، لأن ثمة إنما شهدوا بملك الدار عند معاينة الدار بالإشارة إليها، فوقع الاستغناء عن ذكر الحدود للقضاء بالملك أما ها هنا بخلافه، ثم إذا شهد شهود المدعي عند القاضي، وكان فيمن شهد رجلان عدلان يعرفهما القاضي بالعدالة والرضى، سأل القاضي المدعى عليه عن حجة يدفع بها ما شهد به الشاهدان ويبين أنه عرفهما بالعدالة، وأنه يريد القضاء عليه، حتى لو كانت له حجة يأتي بها أن القاضي إنما ينبغي له أن يقضي بحجة المدعي إذا لم يأت المدعى عليه بحجة تعارضها، وإن لم يعرفهما القاضي وعدلهما شاهدان في السر والعلانية تبين للخصم أنه سأل عنهما المزكين فنسبوهما إلى العدالة، ثم يسأله الدفع إن كان له، فإن أحضر حجة صلحت دافعة لدعوى المدعي قبلها، ودفع دعوى المدعي به وذلك مثلاً بأن كان المدعي يدعي ملكاً مطلقاً ويقيم عليه البينة، فيدعي المدعى عليه أنه اشتراه منه، ويقيم البينة عليه، وإن ذكر في ذلك كله أن له حجة يحضرها، يمهله بقدر ثلاثة أيام، وما أشبهه مما لا يبطل به حق المدعي أنه إن أتى بدفع في هذه المدة قبل منه، وأبطل دعوى المدعي. وإن لم يأت بدفع حتى مضت هذه المدة وجه عليه القضاء؛ وهذا لأنه لا يمكنه إقامة الحجة إلا بمدة؛ لأن الشهود ربما كانا غيباً، فيحتاج إلى مدة ليمكنه إحضارهم، فيمهله ثلاثة أيام أو ما أشبهه، فإن مضى الوقت ولم يأت بحجة أمر المدعي حتى يحضر المدعى عليه؛ لأنه جاء أوان الحكم ولا بد لصحة الحكم من حضرتهما، ثم يكتب حضورهما في الكتاب لما ذكرنا أن حضرتهما شرط لصحة القضاء ويكتب، فسأل فلان المدعي هذا المذكور اسمه ونسبه في هذا الكتاب هذا القاضي إنفاذ القضاء بما يثبت عنده على فلان بن فلان؛ لأن القضاء حق المدعي وحق الإنسان لا يوفى إلا بطلبه، ثم يكتب فأنفذ القاضي القضاء بوفاة فلان، وأنه ترك من الورثة فلان وفلان وجعل الدار المحدودة المذكورة في هذا الكتاب ميراثاً منه لورثته فلان بن فلان؛ لأن القضاء بالميراث يقع لهم، فلا بد من ذكرهم لبيان المقضي له ثم يكتب، وكان ذلك مني بعدما استحلفت المدعي بالله ما يعلم أن أباك قد باع هذه الدار، ولا وهبها، ولا خرجت عن ملكه، ولا شيء منها بوجه من الوجوه، حتى توفي وفي هذا الاستحلاف إنما يتأتى على قول أبي يوسف. وإن كان المدعي ادعى ديناً دراهم أو دنانير كتب بعد سؤال المدعي إنفاذ القضاء، فاستحلف القاضي فلان هذا المدعي الذي حضر أنه ما قبض من الألف الدراهم أو

стр. 3675

الدنانير التي ادعت على فلان بن فلان هذا الذي أحضر معه قليلاً ولا كثيراً، ولكن هذا التفريع على قول أبي يوسف ﵀، فإنه يستحلف المدعي من غير طلب المدعى عليه. فأما أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله لا يريان ذلك بدون طلب المدعى عليه، وفرقا بين هذا وبينما إذا ادعى رجل على ميت ديناً، فإن القاضي يستحلف المدعى عليه الإبراء والقبض على ما وصفناه، وإن لم يدعيه الوارث؛ لأن الدعوى هناك في الحقيقة على الميت، والميت عاجز عن النظر لنفسه بنفسه، فيمكنه أن يطلب من القاضي أن يحلف المدعى عليه فلا يحلفه القاضي بدون طلبه. ولو كان إنما ادعى داراً أو ثوباً أو غير ذلك من العروض سوى الدور. كتب: فسأل فلان الذي حضر يعني المدعي إنفاذ القضاء بما ثبت له على فلان بن فلان المدعى عليه في الدار المحدودة في هذا الكتاب أو في الثوب، فاستحلف القاضي فلان بن فلان المدعي بالله ما باع هذه الدار ولا وهبها ولا تصدق بها ولا خرجت عن ملكه بوجه من الوجوه ولا شيء منها، وهذا الاستحلاف على قول أبي يوسف أيضاً على ما مر. وإن كان إنما يدعى ميراثاً إنما كتب: فأنفذ القاضي القضاء بوفاة فلان وأنه ترك من الورثة جماعة وهم فلان المدعي هذا وفلان وفلان حتى يسمع جميع الورثة ما شهد به الشهود، ثم يكتب واستحلف القاضي المدعي بالله ما يعلم أن أباه فلان ما باع هذه الدار ولا وهبها ولا خرجت عن ملكه ولا شيء منها بوجه من الوجوه حتى توفي، وهذا أيضاً على قول أبي يوسف ﵀ في دعوى الدين إذا كتب تحليف المدعي يكتب بعد ذلك: فأنفذ القاضي القضاء لفلان المدعي هذا على فلان المدعى عليه هذا بألف درهم وزن سبعة وضحا؛ لأنه لا بد من إعلام ما صار مقضياً به لتصحيح القضاء، وذلك بذكر الجنس وهو الدراهم، وبالقدر وهو الألف، وبالنوع وهو وزن سبعة، والصفة وهو قوله وضحا، فالدين يصير معلوماً بهذه الأشياء، ولا يصير معلوماً دونها، أصله: السلم والمراد من الوضح: الجيد الصافي، فهذه إشارة إلى الجودة، والجودة صفة. وقوله: وزن سبعة اختلفوا في تفسيره، قال بعضهم: ما كل مائة منها سبع مثاقيل، والأصح أن المراد منه ما يزن كل عشرة منها سبع مثاقيل وهو وزن الدراهم في ديارنا. واختلفوا في وزن الدراهم على عهد رسول الله ﷺ قال بعضهم: أنها كانت على وزن سبعة، وقال أهل الحديث: أنها كانت على وزن ستة، والأصح أنها كانت على وزن خمسة، وكذلك على عهد أبي بكر الصديق رضى الله عنه، ثم صار وزن سبعة على عهد عمر ﵁ هو المشهور، وكذلك اختلفوا أن الدرهم متى صارت مدورة على عهد عمر ﵁، وقبل ذلك كانت شبيه النواة. وإن كانت الدعوى في الميراث كتب وأنفذ القاضي القضاء لفلان بن فلان الميت يعني أب المدعي على فلان بن فلان الذي أحضره يعني المدعى عليه بالدار المحدود في هذا الكتاب؛ لأن المقضي له هو الميت والوارث يحلف الميت في حقوقه، فيكون

стр. 3676

القضاء للأصل لكن عند دعوى الحلف، ولهذا المعنى يقضي منه ديون الميت وينفذ وصاياه، ثم يكتب: في ذلك على ما شهد به الشهود؛ لأن القضاء بناء على الحجة وهي الشهادة، فينبغي أن يكتب: أن القضاء حصل على موافقة الشهادة ليعلم أنه على نهج الحجة، ثم يكتب: وجعل فلان بن فلان الذي أحضر يعني المدعى عليه على حجته إن كانت له حجة في ذلك، أو مخرج؛ لأن بينة الدفع بعد القضاء مشروعة، فتبين للخصم ذلك حتى أنه إذا كان جاهلاً بذلك يصير معلوماً له تحقيقاً لمعنى العدل، ثم يكتب: وأنفذ ذلك كله وقضى به على ما سمى ووصف في هذا الكتاب بمحضر من فلان وفلان، يعني المدعي والمدعى عليه بالإشارة إليهما ليتحقق إعلامه المقضي والمقضي عليه، وإنما يمكنه الإشارة إذا كانا حاضرين. وإن كان ميراثاً يكتب بعد قوله: على ما شهد به الشاهدان عنده في ذلك وجعلتها ميراثاً منه لورثته المسلمين في هذا الكتاب، لأنه إنما يقع القضاء بالميراث لهم، فلا بد من ذكرهم لبيان المقضي له، ثم يكتب بعد ذلك: وجعل فلاناً المدعى عليه على حجة ودفعه متى أتى به يوماً من الدهر أنفذ القاضي ذلك، وقضى به بمحضر من فلان بن فلان يذكر المدعي والمدعى عليه ثم يذكر وأمره يعني المدعي بقبض الدار؛ لأن تمام القضاء بملك الدار بتسليم إلى المقضي له، فهو المقصود من دعوى الدار؛ وهذا لأن الملك لا يثبت للمدعي بقضاء القاضي؛ لأن الملك ثابت له قبل القضاء فلا حاجة إلى الدعوى والقضاء لأجله، وإنما الحاجة إليه لأجل التسليم؛ لأن يده قاصرة عن ردها فيرفع الأمر إلى القاضي فيثبت حقه إلى الدار ليوصله القاضي إلى الدار، وإن كتب وأمر فلاناً المدعى عليه بتسليم هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب إلى فلان المدعي هذا، فسلمها إليه بأمر القاضي كان أبلغ ليعلم تمام القضاء بإيصال الحق إلى المدعي بالتسليم إليه، ثم يكتب في آخره وذلك كله في مجلس القضاء بين الناس في كورة، يكتب الكورة لما ذكرنا أن المصر شرط صحة القضاء في ظاهر الرواية، فكتب الكورة حتى لا يبقى للطاعن مجال الطعن. ومن جنس هذه المسائل رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم دين، وأنه مات قبل أن يؤديها إليه، وأن في يدك ألف درهم من ماله وطالبه بقضاء الدين من ذلك المال، فالقاضي لا يسمع دعواه؛ لأن الدعوى إنما تسمع على الخصم والمدعى عليه ليس بخصم له في هذه (١٠٦آ٤) الصورة؛ لأنه لا يدعي عليه شيئاً ولا في يده شيء، وإنما يدعي ديناً على الغير وأنه ليس يحلف عن ذلك الغير ليسمع الدعوى عليه بطريق الخلافة فلا يسمع دعواه، وإذا لم يسمع دعواه لا يحلف المدعى عليه، ولو أقام بينة لا تسمع بينته والله أعلم. الفصل السابع والعشرون: في الحبس والملازمة يجب أن يعلم بأن الحبس لأجل الدين مشروع ثبت شرعيته بقوله عليه السلام

стр. 3677

«لصاحب الحق اليد واللسان» ، والمراد من اليد الحبس وقال ﵇: «مطل الغني ظلم يحل عقوبته» ، والحبس نوع عقوبة، والخلفاء الراشدون حبسوا من غير نكير منكر، والمعنى في ذلك أن المديون تعدى على صاحب الحق بمنع ماله عنه، وحال بينه وبين منافع ماله، فيحال بينه وبين منافع نفسه، ليكون حيلولة بإزاء حيلولة قال الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (البقرة: ١٤٩) . وإذا جاء رجل برجل إلى القاضي وأثبت عليه ماله ببية أو أقر الرجل له، فالقاضي لا يحبسه من غير سؤال المدعي هذا هو مذهبنا. وقال شريح ﵁: يحبسه من غير سؤال المدعي، وإذا سأل المدعي عن ذلك، ذكر في كتاب «الأقضية» إن القاضي لا يحبسه في أول الوهلة ولكن يقول له قم فارضه، فإن عاد مرة أخرى حبسه، ولم يفصل بين الدين الثابت بالإقرار، وبين الدين الثابت بالبينة وهو اختيار الخصاف ﵀؛ لأن الحبس جزاء الظلم بمنع الحق، وذلك لا يظهر في أول الوهلة؛ لأن من حجة المديون أن يقول في فصل الإقرار إنما لم أؤد الدين لظني أنك تمهلني، فإن أثبت أن يمهلني أؤدي في الحال، وفي فصل البينة يقول ما كنت عالماً بالدين قبل هذا. والمذهب عندنا أن في فصل البينة يحبس في أول الوهلة، وفي فصل الإقرار لا يحبس في أول الوهلة؛ لأن الحبس جزاء الظلم ولم يظهر الظلم في فصل الإقرار لما مر، وفي فصل البينة ظهر الظلم؛ لأنه ظهر المماطلة، حتى احتيج إلى البينة. ثم في فصل الإقرار إذا لم يحبسه في أول الوهلة هل يحبسه في المرة الثانية؟ ذكر في بعض الروايات أنه يحبسه، وذكر في بعضها أنه لا يحبسه إنما يحبسه في المرة الثالثة. وفي «نوادر هشام» قال سألت محمد ﵀ عن الحاكم إذا تقدم إليه الرجل وعليه دين أقر به، فأخبرني أن أبا حنيفة ﵁ قال: لا أحبسه أول ما قدم به، قال: وهو قول محمد ﵀، إلا أن محمداً ﵀ قال: أقدم وأقول: إن أعادك إليّ ولم تعطه حبستك، قلت: فإن أعاده إليك من يومه ولم يعطه قال: هذا قريب قلت: قرب وقت ثلاثة أيام فكأنه لم يره إلا أنه قال: هو حسن ثم إذا جاء أوان الحبس، فإن عرف القاضي يساره حبسه، وإن لم يعرف يساره لا يسأله ألك مال هذا هو ظاهر مذهب أصحابنا ﵏. وقال الخصاف ﵀: الصواب عندي أن القاضي يحبسه حتى يسأله ألك مال ويستحلف على ذلك، فإن أقر أن له مالاً حبسه وإن قال: لا مال لي قال للطالب أثبت أن

стр. 3678

له مالاً حتى أحبسه وهو مذهب بعض القضاة، وهكذا روي في «النوادر» : عن أصحابنا ﵏ أن القاضي يسأله ألك مال وهل يسأل المدعي أله مال؟ فظاهر مذهب أصحابنا أنه لا يسأل إلا إذا طلب المدعى عليه ذلك، فإن طلب المدعى عليه ذلك، وسأل القاضي المدعي، فإن قال: لا مال له ثبتت عسرته بإقراره، والمعسر ينظر بإنظار الله تعالى. وإن قال المدعي: إنه موسر وقال المطلوب: لا بل أنا معسر فقد اختلفت الروايات فيه، واختلف فيه المشايخ أيضاً: فاختيار الخصاف وهو رواية عن أصحابنا أن القول قول المديون؛ لأنه متمسك بالأصل؛ لأن الفقر أصل في الآدمي، فإنه يولد ولا مال له وصاحب الدين يدعي أمراً عارضاً والتمسك بالأصل واجب، حتى يظهر خلافه، وكان القول قول المديون مع اليمين وهو اختيار أبي عبد الله البلخي. وهكذا روي في بعض الروايات عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أن كل دين أصله مالاً كثمن البياعات والعروض، فالقول قول المدعي في يساره وعسرته؛ لأنه عرف دخول شيء في ملكه وعرف قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه وزوال ذلك عن قضاء الدين بما دخل في ملكه، وزوال ذلك عن ملكه محتمل، فكان القول فيه قول المدعي وكل دين لم يكن أصلاً مال كالمهر وبدل الخلع وما أشبه ذلك، فالقول فيه قول المدعى عليه؛ لأنه لما لم يدخل شيء في ملكه لم يعرف قدرته على قضاء الدين، فبقي متمسكاً بالأصل وهو العسار، فيكون القول قوله. وذكر محمد ﵀ في النكاح والعتاق ما يدل على هذا، فإنه قال في النكاح: وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه موسر، وادعت نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر، فالقول قول الزوج لأنه لم يدخل بسبب وجوب النفقة في ملكه ما يثبت به يساره. وقال في العتاق في أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك وزعم أنه معسر فالقول قوله؛ لأنه لم يدخل في ملكه شيء يثبت به قدرته على قضاء الدين بما وجب عليه من الضمان، فكان متمسكاً بأصل العسرة، فيكون القول قوله، وقال بعضهم: ما كان سبيله سبيل البر والصلة، فالقول فيه قوله أنه معسر كما في نفقة المحارم وما أشبه ذلك، وفيما سوى ذلك القول قول المدعي. وقال بعضهم: كل دين لزم بمعاقدته، فالقول فيه قول المدعي، وإن لزم حكماً لا لمباشرته العقد، فالقول فيه قول المديون، والفرق أن فيما لزمه بمعاقدته وجد ما يدل على قدرته على قضائه ظاهراً؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يشرع في أمر لا يقدر على الخروج منه، ولا يلتزم ما لا يمكنه الوفاء به، فإذا ادعى أنه عاجز، فقد ادعى أمر الخلاف الظاهر فلا يقبل ذلك منه، فأما فيما يلزمه حكماً لا بمباشرته، فلم يوجد ما يدل على قدرته، ومسألة النفقة بالموت وكذلك ضمان العتق صلة على قول أبي حنيفة. وقال الفقيه أبو جعفر البلخي: يحكم فيه الزّي والهيئة إن كان عليه ثياب رديئة، وأتى الحاكم حافياً على صفة تشهد أنه فقير كان القول قوله أنه فقير، وإن رآه حسن

стр. 3679

الثياب مرتفع السلب، فالقول قول المدعي في أنه موسر إلا في أهل العلم والأشراف كالعلوية والعباسية، فإنهم يتكلفون للباسهم مع حاجتهم حتى لا يذهب ماء وجههم فلا يكون الزيّ فيهم دليلاً على اليسار. وتحكيم الزي ممهد في أصول الشرع حتى حكم الزي في باب الزكاة في جواز الصرف إلى من رأى عليه زي الفقر فكذلك هذا، فإن كان على المطلوب زي الفقر، فادعى الطالب أنه قد كان عليه زي الأغنياء ولكن غير زيه حين حضر مجلس الحكم، فإن القاضي يسأله البينة، فإن أقام البينة سمع منه وكان القول قوله، وإن لم يقم يحكم زيه في الحال ويكون القول قول المديون. قال محمد ﵀ في كتاب الحوالة: ويحبس في الديون كلها كائناً من كان من أم أو عم أو خال أو زوج أو زوجة أو امرأة، أو رجل مسلماً كان أو ذمياً أو حربياً مستأمناً أو صحيحاً أو زمنا أو مقعداً أو أشل أو أقطع اليدين؛ لأن الدين على هؤلاء، وبهذه العوارض لا تسقط المطالبة، فكان الامتناع منهم مع القدرة على الأداء ظلماً فاستوجب، قال إلا أن يكون أباً أو أماً فإنه لا يحبس واحد من الأبوين بدين الابن، وكذلك لا يحبس الجد والجدة وإن علوا. عن أبي يوسف ﵀ أنه يحبس؛ لأن سبب الحبس الظلم لمنع الحق عن المستحق، وقد وجد، وجه ظاهر الرواية أن الحبس هلاك معنى باعتبار انقطاع منافع نفسه عنه. ولا يجوز للابن أن يسعى إلى إهلاك واحد من أبويه وأجداده، قال: إلا أن تجب عليها نفقته فكل من أجبرته على النفقة، وإني حبسته أباً أو أماً أو جداً أو جدة أو زوجاً؛ لأن في ترك الإنفاق عليهم سعي إلى إهلاكهم، ويجوز أن يحبس الوالد لقصد إتلاف الولد، أو يعاقب لدفع التلف عن ولده، يوضحه: أن النفقة إنما تجب عليه، لأولاده الصغار أو الإناث أو الرجال الكبار الزمنى إذا كانوا معسرين؛ لأنهم عاجزون عن الكسب فبمنع الإنفاق عليهم سعى إلى إهلاكهم، فلهذا يحبسون بذلك. والمكاتب والعبد التاجر والصبي الحر المأذون له في الحبس بمنزلة ما وصفت لك، أما المكاتب فلأنه هو بدأ فإذا كان عنده من الكسب ما يقدر على قضاء الدين، ولم يقض صار ظالماً فيستحق العقوبة، وكذلك العبد التاجر؛ لأنه هو المخاطب بقضاء من كسبه، وأما الصبي الحر فقد ذكر في بعض المواضع: الغلام التاجر الذي لم يحتلم بمنزلة الرجل في الحبس. وذكر في بعض المواضع لو أن غلاماً لم يراهق الحلم (١٠٦ب٤) استهلك مالاً لرجل وله دار وأرض ولا أب له ولا وصي لم يحبس لذلك، ولكن إن شاء القاضي جعل له وكيلاً ببيع بعض ماله حتى يوفي الطالب دينه، وإن كان له أب أو وصي ممن يجوز بيعه بأنه يحبس، وبعض مشايخنا ﵏ مالوا إلى الحبس مطلقاً وجعلوه كالبائع؛ لأنه لزمه قضاء الدين، وبالامتناع صار ظالماً فيحبس؛ ولأنه لو لم يحبس وعرف الناس منه ذلك لا يبايعونه حتى لا يمتنع من قضاء الدين، فلا يمكنهم الوصول إلى حقهم، فشرع

стр. 3680

الحبس تتميماً لمعنى الإذن كما جوزنا الإعادة والضيافة اليسيرة منه، حتى لا تفسد عليه التجارة فها هنا أولى أو يقول: يحبس تأديباً حتى ينزجر ولا يعود لمثله لا أن يكون عقوبة، فإنه ليس من أهله هذا كما قلنا: إنه يضرب على ترك الصلاة تأديباً حتى يعتاد الصلاة هكذا قاله بعض مشايخنا. وكان شيخ الإسلام يقول: تحبس الصغير إذا كان له وصي تأديباً حتى لا يعود لمثله، وينصح الوصي حتى يتسارع إلى قضاء الدين؛ (لأن الوصي يلازم على إيفاء الوصي في الحبس، فيصح لأجله) ، فيعجل في قضاء الدين وحبس الصبي أولى من حبسه؛ لأن الجناية إنما وجدت من الصبي لا منه، وإن لم يكن له أب أو وصي لا يحبس لنا ثمة أن أحبس تأديباً وإضجاراً للأب أو الوصي وهنا لا يمكن تحقيق معنى الإضجار والحبس في الصبي، فلم يشرع للتأديب وحده بدون الإضجار، فلم يحبس لهذا. فأما إذا كان محجوراً عليه واستهلك لرجل مالاً فإن كان له أب أو وصي يحبس بدينه؛ لأن قضاء الدين الذي على الصغير على أبيه ووصيه فبالامتناع يصير ظالماً فيحبس، وإن لم يكن له أب أو وصي نصب القاضي قيماً ليبيع ما له بقدر الدين ويوفي الغرماء حقهم؛ لأن الحبس جزاء منع المال مع القدرة عليه عند استحقاق القضاء، ولم يستحق عليه لمكان حجره فلا يعاقب بالحبس، ولكن القاضي يوفي الغرماء حقوقهم بالطريق الذي قلنا. والعبد لا يحبس لمولاه، لأن المولى لا يستوجب على عبده ديناً، وكذلك لا يحبس المولى لعبده إذا لم يكن عليه، فكسبه ملك المولى، فكيف يستحق على المولى قضاء الدين إياه، وإن كان مديوناً حبس فيه؛ لأن اكتسابه حق الغرماء فإنما يحبس المولى بحق الغرماء حتى يصلوا إلى ديونهم مما عليه، ويجوز حبس المولى لجانب الأجانب، ويحبس مولى المكاتب للمكاتب إذا لم يكن الدين من جنس بدل الكتابة؛ لأنه إذا كان من جنس بدل الكتابة، فقد ظفر بحبس حقه فيلتقيان قصاصاً، فلم يكن للمكاتب ولاية مطالبته بذلك الدين.v فأما إذا كان من غير جنس بدل الكتابة فلا تقع المقاصة، والمكاتب في حق اكتسابه بمنزلة الحر، فيكون له مطالبة المولى بذلك فيحبس له عند مطله. قال بعض مشايخنا ﵏: ينبغي أن لا يحبس المولى فيه أصلاً؛ لأن للمولى في مكاتبه حقاً، فلم يتحقق الظلم من كل وجه بالمنع، والأصح ما ذكرنا أنه ليس للمولى استخلاص شيء من المكاتبة لنفسه، والمكاتب أحق من المولى يطالبه متى شاء، فإذا منع حقه يحبس له ولا يحبس المكاتب لمولاه بدين الكتابة؛ لأنه لا يصير ظالماً بالامتناع عن بدل الكتابة، فإن له أن لا يؤدي ويرد نفسه في الرق والحبس جزاء الظلم ولم يوجد، وإن كان عليه دين غير بدل الكتابة يحبس فيه؛ لأنه لا يتمكن من فسخ بسبب ذلك الدين. قال بعض مشايخنا ﵏: يجب أن يكون الجواب فيهما سواء، فإن في جميع الأحكام لم يفرق بينهما في حق المولى، ألا ترى أن الكفالة ببدل الكتابة للمولى كما لا تجوز الكفالة بدين آخر للمولى عليه، والجامع بينهما أنه متمكن من إسقاط الدين
следующие страницы →