Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
القضاء للأصل لكن عند دعوى الحلف، ولهذا المعنى يقضي منه ديون الميت وينفذ وصاياه، ثم يكتب: في ذلك على ما شهد به الشهود؛ لأن القضاء بناء على الحجة وهي الشهادة، فينبغي أن يكتب: أن القضاء حصل على موافقة الشهادة ليعلم أنه على نهج الحجة، ثم يكتب: وجعل فلان بن فلان الذي أحضر يعني المدعى عليه على حجته إن كانت له حجة في ذلك، أو مخرج؛ لأن بينة الدفع بعد القضاء مشروعة، فتبين للخصم ذلك حتى أنه إذا كان جاهلاً بذلك يصير معلوماً له تحقيقاً لمعنى العدل، ثم يكتب: وأنفذ ذلك كله وقضى به على ما سمى ووصف في هذا الكتاب بمحضر من فلان وفلان، يعني المدعي والمدعى عليه بالإشارة إليهما ليتحقق إعلامه المقضي والمقضي عليه، وإنما يمكنه الإشارة إذا كانا حاضرين.
وإن كان ميراثاً يكتب بعد قوله: على ما شهد به الشاهدان عنده في ذلك وجعلتها ميراثاً منه لورثته المسلمين في هذا الكتاب، لأنه إنما يقع القضاء بالميراث لهم، فلا بد من ذكرهم لبيان المقضي له، ثم يكتب بعد ذلك: وجعل فلاناً المدعى عليه على حجة ودفعه متى أتى به يوماً من الدهر أنفذ القاضي ذلك، وقضى به بمحضر من فلان بن فلان يذكر المدعي والمدعى عليه ثم يذكر وأمره يعني المدعي بقبض الدار؛ لأن تمام القضاء بملك الدار بتسليم إلى المقضي له، فهو المقصود من دعوى الدار؛ وهذا لأن الملك لا يثبت للمدعي بقضاء القاضي؛ لأن الملك ثابت له قبل القضاء فلا حاجة إلى الدعوى والقضاء لأجله، وإنما الحاجة إليه لأجل التسليم؛ لأن يده قاصرة عن ردها فيرفع الأمر إلى القاضي فيثبت حقه إلى الدار ليوصله القاضي إلى الدار، وإن كتب وأمر فلاناً المدعى عليه بتسليم هذه الدار المحدودة في هذا الكتاب إلى فلان المدعي هذا، فسلمها إليه بأمر القاضي كان أبلغ ليعلم تمام القضاء بإيصال الحق إلى المدعي بالتسليم إليه، ثم يكتب في آخره وذلك كله في مجلس القضاء بين الناس في كورة، يكتب الكورة لما ذكرنا أن المصر شرط صحة القضاء في ظاهر الرواية، فكتب الكورة حتى لا يبقى للطاعن مجال الطعن.
ومن جنس هذه المسائل رجل ادعى على رجل أن له على فلان ألف درهم دين، وأنه مات قبل أن يؤديها إليه، وأن في يدك ألف درهم من ماله وطالبه بقضاء الدين من ذلك المال، فالقاضي لا يسمع دعواه؛ لأن الدعوى إنما تسمع على الخصم والمدعى عليه ليس بخصم له في هذه (١٠٦آ٤) الصورة؛ لأنه لا يدعي عليه شيئاً ولا في يده شيء، وإنما يدعي ديناً على الغير وأنه ليس يحلف عن ذلك الغير ليسمع الدعوى عليه بطريق الخلافة فلا يسمع دعواه، وإذا لم يسمع دعواه لا يحلف المدعى عليه، ولو أقام بينة لا تسمع بينته والله أعلم.
الفصل السابع والعشرون: في الحبس والملازمة
يجب أن يعلم بأن الحبس لأجل الدين مشروع ثبت شرعيته بقوله عليه السلام
стр. 3677
«لصاحب الحق اليد واللسان» ، والمراد من اليد الحبس وقال ﵇: «مطل الغني ظلم يحل عقوبته» ، والحبس نوع عقوبة، والخلفاء الراشدون حبسوا من غير نكير منكر، والمعنى في ذلك أن المديون تعدى على صاحب الحق بمنع ماله عنه، وحال بينه وبين منافع ماله، فيحال بينه وبين منافع نفسه، ليكون حيلولة بإزاء حيلولة قال الله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ (البقرة: ١٤٩) .
وإذا جاء رجل برجل إلى القاضي وأثبت عليه ماله ببية أو أقر الرجل له، فالقاضي لا يحبسه من غير سؤال المدعي هذا هو مذهبنا.
وقال شريح ﵁: يحبسه من غير سؤال المدعي، وإذا سأل المدعي عن ذلك، ذكر في كتاب «الأقضية» إن القاضي لا يحبسه في أول الوهلة ولكن يقول له قم فارضه، فإن عاد مرة أخرى حبسه، ولم يفصل بين الدين الثابت بالإقرار، وبين الدين الثابت بالبينة وهو اختيار الخصاف ﵀؛ لأن الحبس جزاء الظلم بمنع الحق، وذلك لا يظهر في أول الوهلة؛ لأن من حجة المديون أن يقول في فصل الإقرار إنما لم أؤد الدين لظني أنك تمهلني، فإن أثبت أن يمهلني أؤدي في الحال، وفي فصل البينة يقول ما كنت عالماً بالدين قبل هذا.
والمذهب عندنا أن في فصل البينة يحبس في أول الوهلة، وفي فصل الإقرار لا يحبس في أول الوهلة؛ لأن الحبس جزاء الظلم ولم يظهر الظلم في فصل الإقرار لما مر، وفي فصل البينة ظهر الظلم؛ لأنه ظهر المماطلة، حتى احتيج إلى البينة.
ثم في فصل الإقرار إذا لم يحبسه في أول الوهلة هل يحبسه في المرة الثانية؟ ذكر في بعض الروايات أنه يحبسه، وذكر في بعضها أنه لا يحبسه إنما يحبسه في المرة الثالثة.
وفي «نوادر هشام» قال سألت محمد ﵀ عن الحاكم إذا تقدم إليه الرجل وعليه دين أقر به، فأخبرني أن أبا حنيفة ﵁ قال: لا أحبسه أول ما قدم به، قال: وهو قول محمد ﵀، إلا أن محمداً ﵀ قال: أقدم وأقول: إن أعادك إليّ ولم تعطه حبستك، قلت: فإن أعاده إليك من يومه ولم يعطه قال: هذا قريب قلت: قرب وقت ثلاثة أيام فكأنه لم يره إلا أنه قال: هو حسن ثم إذا جاء أوان الحبس، فإن عرف القاضي يساره حبسه، وإن لم يعرف يساره لا يسأله ألك مال هذا هو ظاهر مذهب أصحابنا ﵏.
وقال الخصاف ﵀: الصواب عندي أن القاضي يحبسه حتى يسأله ألك مال ويستحلف على ذلك، فإن أقر أن له مالاً حبسه وإن قال: لا مال لي قال للطالب أثبت أن
стр. 3678
له مالاً حتى أحبسه وهو مذهب بعض القضاة، وهكذا روي في «النوادر» : عن أصحابنا ﵏ أن القاضي يسأله ألك مال وهل يسأل المدعي أله مال؟ فظاهر مذهب أصحابنا أنه لا يسأل إلا إذا طلب المدعى عليه ذلك، فإن طلب المدعى عليه ذلك، وسأل القاضي المدعي، فإن قال: لا مال له ثبتت عسرته بإقراره، والمعسر ينظر بإنظار الله تعالى.
وإن قال المدعي: إنه موسر وقال المطلوب: لا بل أنا معسر فقد اختلفت الروايات فيه، واختلف فيه المشايخ أيضاً: فاختيار الخصاف وهو رواية عن أصحابنا أن القول قول المديون؛ لأنه متمسك بالأصل؛ لأن الفقر أصل في الآدمي، فإنه يولد ولا مال له وصاحب الدين يدعي أمراً عارضاً والتمسك بالأصل واجب، حتى يظهر خلافه، وكان القول قول المديون مع اليمين وهو اختيار أبي عبد الله البلخي.
وهكذا روي في بعض الروايات عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أن كل دين أصله مالاً كثمن البياعات والعروض، فالقول قول المدعي في يساره وعسرته؛ لأنه عرف دخول شيء في ملكه وعرف قدرته على قضاء الدين بما دخل في ملكه وزوال ذلك عن قضاء الدين بما دخل في ملكه، وزوال ذلك عن ملكه محتمل، فكان القول فيه قول المدعي وكل دين لم يكن أصلاً مال كالمهر وبدل الخلع وما أشبه ذلك، فالقول فيه قول المدعى عليه؛ لأنه لما لم يدخل شيء في ملكه لم يعرف قدرته على قضاء الدين، فبقي متمسكاً بالأصل وهو العسار، فيكون القول قوله.
وذكر محمد ﵀ في النكاح والعتاق ما يدل على هذا، فإنه قال في النكاح: وإذا ادعت المرأة على زوجها أنه موسر، وادعت نفقة الموسرين، وزعم الزوج أنه معسر، فالقول قول الزوج لأنه لم يدخل بسبب وجوب النفقة في ملكه ما يثبت به يساره.
وقال في العتاق في أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك وزعم أنه معسر فالقول قوله؛ لأنه لم يدخل في ملكه شيء يثبت به قدرته على قضاء الدين بما وجب عليه من الضمان، فكان متمسكاً بأصل العسرة، فيكون القول قوله، وقال بعضهم: ما كان سبيله سبيل البر والصلة، فالقول فيه قوله أنه معسر كما في نفقة المحارم وما أشبه ذلك، وفيما سوى ذلك القول قول المدعي.
وقال بعضهم: كل دين لزم بمعاقدته، فالقول فيه قول المدعي، وإن لزم حكماً لا لمباشرته العقد، فالقول فيه قول المديون، والفرق أن فيما لزمه بمعاقدته وجد ما يدل على قدرته على قضائه ظاهراً؛ لأن الظاهر أن الإنسان لا يشرع في أمر لا يقدر على الخروج منه، ولا يلتزم ما لا يمكنه الوفاء به، فإذا ادعى أنه عاجز، فقد ادعى أمر الخلاف الظاهر فلا يقبل ذلك منه، فأما فيما يلزمه حكماً لا بمباشرته، فلم يوجد ما يدل على قدرته، ومسألة النفقة بالموت وكذلك ضمان العتق صلة على قول أبي حنيفة.
وقال الفقيه أبو جعفر البلخي: يحكم فيه الزّي والهيئة إن كان عليه ثياب رديئة، وأتى الحاكم حافياً على صفة تشهد أنه فقير كان القول قوله أنه فقير، وإن رآه حسن
стр. 3679
الثياب مرتفع السلب، فالقول قول المدعي في أنه موسر إلا في أهل العلم والأشراف كالعلوية والعباسية، فإنهم يتكلفون للباسهم مع حاجتهم حتى لا يذهب ماء وجههم فلا يكون الزيّ فيهم دليلاً على اليسار.
وتحكيم الزي ممهد في أصول الشرع حتى حكم الزي في باب الزكاة في جواز الصرف إلى من رأى عليه زي الفقر فكذلك هذا، فإن كان على المطلوب زي الفقر، فادعى الطالب أنه قد كان عليه زي الأغنياء ولكن غير زيه حين حضر مجلس الحكم، فإن القاضي يسأله البينة، فإن أقام البينة سمع منه وكان القول قوله، وإن لم يقم يحكم زيه في الحال ويكون القول قول المديون.
قال محمد ﵀ في كتاب الحوالة: ويحبس في الديون كلها كائناً من كان من أم أو عم أو خال أو زوج أو زوجة أو امرأة، أو رجل مسلماً كان أو ذمياً أو حربياً مستأمناً أو صحيحاً أو زمنا أو مقعداً أو أشل أو أقطع اليدين؛ لأن الدين على هؤلاء، وبهذه العوارض لا تسقط المطالبة، فكان الامتناع منهم مع القدرة على الأداء ظلماً فاستوجب، قال إلا أن يكون أباً أو أماً فإنه لا يحبس واحد من الأبوين بدين الابن، وكذلك لا يحبس الجد والجدة وإن علوا.
عن أبي يوسف ﵀ أنه يحبس؛ لأن سبب الحبس الظلم لمنع الحق عن المستحق، وقد وجد، وجه ظاهر الرواية أن الحبس هلاك معنى باعتبار انقطاع منافع نفسه عنه. ولا يجوز للابن أن يسعى إلى إهلاك واحد من أبويه وأجداده، قال: إلا أن تجب عليها نفقته فكل من أجبرته على النفقة، وإني حبسته أباً أو أماً أو جداً أو جدة أو زوجاً؛ لأن في ترك الإنفاق عليهم سعي إلى إهلاكهم، ويجوز أن يحبس الوالد لقصد إتلاف الولد، أو يعاقب لدفع التلف عن ولده، يوضحه: أن النفقة إنما تجب عليه، لأولاده الصغار أو الإناث أو الرجال الكبار الزمنى إذا كانوا معسرين؛ لأنهم عاجزون عن الكسب فبمنع الإنفاق عليهم سعى إلى إهلاكهم، فلهذا يحبسون بذلك.
والمكاتب والعبد التاجر والصبي الحر المأذون له في الحبس بمنزلة ما وصفت لك، أما المكاتب فلأنه هو بدأ فإذا كان عنده من الكسب ما يقدر على قضاء الدين، ولم يقض صار ظالماً فيستحق العقوبة، وكذلك العبد التاجر؛ لأنه هو المخاطب بقضاء من كسبه، وأما الصبي الحر فقد ذكر في بعض المواضع: الغلام التاجر الذي لم يحتلم بمنزلة الرجل في الحبس.
وذكر في بعض المواضع لو أن غلاماً لم يراهق الحلم (١٠٦ب٤) استهلك مالاً لرجل وله دار وأرض ولا أب له ولا وصي لم يحبس لذلك، ولكن إن شاء القاضي جعل له وكيلاً ببيع بعض ماله حتى يوفي الطالب دينه، وإن كان له أب أو وصي ممن يجوز بيعه بأنه يحبس، وبعض مشايخنا ﵏ مالوا إلى الحبس مطلقاً وجعلوه كالبائع؛ لأنه لزمه قضاء الدين، وبالامتناع صار ظالماً فيحبس؛ ولأنه لو لم يحبس وعرف الناس منه ذلك لا يبايعونه حتى لا يمتنع من قضاء الدين، فلا يمكنهم الوصول إلى حقهم، فشرع
стр. 3680
الحبس تتميماً لمعنى الإذن كما جوزنا الإعادة والضيافة اليسيرة منه، حتى لا تفسد عليه التجارة فها هنا أولى أو يقول: يحبس تأديباً حتى ينزجر ولا يعود لمثله لا أن يكون عقوبة، فإنه ليس من أهله هذا كما قلنا: إنه يضرب على ترك الصلاة تأديباً حتى يعتاد الصلاة هكذا قاله بعض مشايخنا.
وكان شيخ الإسلام يقول: تحبس الصغير إذا كان له وصي تأديباً حتى لا يعود لمثله، وينصح الوصي حتى يتسارع إلى قضاء الدين؛ (لأن الوصي يلازم على إيفاء الوصي في الحبس، فيصح لأجله) ، فيعجل في قضاء الدين وحبس الصبي أولى من حبسه؛ لأن الجناية إنما وجدت من الصبي لا منه، وإن لم يكن له أب أو وصي لا يحبس لنا ثمة أن أحبس تأديباً وإضجاراً للأب أو الوصي وهنا لا يمكن تحقيق معنى الإضجار والحبس في الصبي، فلم يشرع للتأديب وحده بدون الإضجار، فلم يحبس لهذا.
فأما إذا كان محجوراً عليه واستهلك لرجل مالاً فإن كان له أب أو وصي يحبس بدينه؛ لأن قضاء الدين الذي على الصغير على أبيه ووصيه فبالامتناع يصير ظالماً فيحبس، وإن لم يكن له أب أو وصي نصب القاضي قيماً ليبيع ما له بقدر الدين ويوفي الغرماء حقهم؛ لأن الحبس جزاء منع المال مع القدرة عليه عند استحقاق القضاء، ولم يستحق عليه لمكان حجره فلا يعاقب بالحبس، ولكن القاضي يوفي الغرماء حقوقهم بالطريق الذي قلنا.
والعبد لا يحبس لمولاه، لأن المولى لا يستوجب على عبده ديناً، وكذلك لا يحبس المولى لعبده إذا لم يكن عليه، فكسبه ملك المولى، فكيف يستحق على المولى قضاء الدين إياه، وإن كان مديوناً حبس فيه؛ لأن اكتسابه حق الغرماء فإنما يحبس المولى بحق الغرماء حتى يصلوا إلى ديونهم مما عليه، ويجوز حبس المولى لجانب الأجانب، ويحبس مولى المكاتب للمكاتب إذا لم يكن الدين من جنس بدل الكتابة؛ لأنه إذا كان من جنس بدل الكتابة، فقد ظفر بحبس حقه فيلتقيان قصاصاً، فلم يكن للمكاتب ولاية مطالبته بذلك الدين.v
فأما إذا كان من غير جنس بدل الكتابة فلا تقع المقاصة، والمكاتب في حق اكتسابه بمنزلة الحر، فيكون له مطالبة المولى بذلك فيحبس له عند مطله.
قال بعض مشايخنا ﵏: ينبغي أن لا يحبس المولى فيه أصلاً؛ لأن للمولى في مكاتبه حقاً، فلم يتحقق الظلم من كل وجه بالمنع، والأصح ما ذكرنا أنه ليس للمولى استخلاص شيء من المكاتبة لنفسه، والمكاتب أحق من المولى يطالبه متى شاء، فإذا منع حقه يحبس له ولا يحبس المكاتب لمولاه بدين الكتابة؛ لأنه لا يصير ظالماً بالامتناع عن بدل الكتابة، فإن له أن لا يؤدي ويرد نفسه في الرق والحبس جزاء الظلم ولم يوجد، وإن كان عليه دين غير بدل الكتابة يحبس فيه؛ لأنه لا يتمكن من فسخ بسبب ذلك الدين.
قال بعض مشايخنا ﵏: يجب أن يكون الجواب فيهما سواء، فإن في جميع الأحكام لم يفرق بينهما في حق المولى، ألا ترى أن الكفالة ببدل الكتابة للمولى كما لا تجوز الكفالة بدين آخر للمولى عليه، والجامع بينهما أنه متمكن من إسقاط الدين
стр. 3681
عن نفسه، فإن تعجزه نفسه يرد رقيقاً فيسقط الدين عنه، ولكن في ظاهر الرواية لم يعتبر ديناً على الحقيقة، فإنه صلة من وجه بخلاف سائر الديون، فلا يحبس فيه ويحبس في سائر الديون؛ ولأن القاضي إنما يحبس المديون إذا عجز القاضي عن إيصال حق المدعي إليه بدون الحبس، حتى إذا قدر لم يكن له أن يحبسه؛ لأنه لا حاجة إلى الحبس، وها هنا قدر على ذلك؛ لأنه متى امتنع عن أداء بدل الكتابة، فللقاضي أن يفسخ الكتابة فيصل إليه الرقية ووصول الرقية كوصول بدل الكتابة بخلاف دين آخر؛ لأنه متى امتنع عن أداء ذلك الدين ولم يمتنع عن أداء بدل الكتابة ليس للقاضي أن يفسخ الكتابة، حتى تصل إليه الرقية، فتعين الحبس طريقاً للوصول إلى حقه.
فأما في الكفالة فالكفيل إنما يتحمل ما على الأصيل والأصيل مخير في جميع الديون إن شاء أدى وإن شاء عجز، وأسقط عن ذمته ولا يمكن إيجابه على الكفيل على هذا الوجه؛ لأنه لا يفيد فيطلب الكفالة وهذا المعنى يشتمل دين الكتابة وسائر الديون، فلهذا سوي بينهما.
ويحبس في الحدود القصاص إذا قامت البينة حتى يسأل عن الشهود؛ لأنه صار بهما، وقد صح أن رسول الله ﷺ «حبس رجلاً بالتهمة» ، فأما قبل إقامة البينة فإنه لا يحبسه؛ لأن الحبس عقوبة، فلا يجوز أن يثبت بمجرد الدعوى، فإن شهد شاهد واحد عدل بذلك حبسه عند أبي حنيفة ﵁ وعندهما لا يحبسه في حد القذف والقصاص؛ لأن عندهما في حد القذف والقصاص يأخذ منه كفيلاً، فقد حصل التوثق فلا حاجة إلى الحبس، وعند أبي حنيفة لا تجوز الكفالة في جميع الحدود، فيحتاج إلى التوثق فحبسه؛ لأنه صار متهماً بارتكاب الكبيرة بشهادة هذا الشاهد؛ لأنه وجد أحد شطري الشهادة وهي العدالة إن لم يوجد العدد دون العدالة، بأن شهد شاهدان مستوران وثمة يحبسه كذا هاهنا، ولا يحبس العاقلة في الدية والأرش؛ لأنه وجب ليؤخذ من عطائهم وقد أمكن إذا كانوا من أهل الديوان فلا معنى للحبس حتى إذا لم يكونوا من أهل الديوان ولا عطاء لهم فيه يحبسون؛ لأن الدية في أموالهم فحبسون إذا امتنعوا عن الأداء، لأنه تحقق ظلمهم يمنع الحق عن المستحق، فصار كسائر الديون، فيحبسون.
وإن طلب المدعي اليمين في القصاص، فامتنع عنه المدعى عليه ونكل، فإنه يحبس عند أبي حنيفة ﵁، وقد مرت المسألة؛ لأنه يقضي عليه بالمال بالنكول عن اليمين في القصاص بالنفس، فكان اليمين مستحقاً عليه، لعيبه فيحبس عند الامتناع منه وكذلك في اليمين في القسامة ويحبس الدعار، والذين هم مخوفون على المسلمين وأهل الفساد حتى يعرف منهم التوبة، والداعر من يقصد إتلاف أموال الناس وأنفسهم أوكلاهما، فإذا كان يخاف على الناس منه في النفس والمال حبس في السجن، حتى
стр. 3682
تظهر منه التوبة؛ لأنه إنما يندفع شره عن الناس بالحبس.
ألا ترى أن الله تعالى أمر في حق قطاع الطريق بالحبس الدائم، قوله تعالى: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ (المائدة: ٣٣) لما أنه يخاف الناس منهم على أموالهم في الطريق، فكذا ها هنا يحبس أيضاً؛ لأنه يخاف منه وينبغي أن يكون للنساء محبس على حدة تحرزاً عن الفتنة.
وعن أبي حنيفة ﵁ أن المرأة تحبس في مجلس النساء ولكن يحفظها الرجال؛ لأن الرجال أقدر على الحفظ من النساء ولا تتحقق معنى الفتنة في الحفظ.
وإذا حبس كفيل الرجل بأمره بالمال فللكفيل أن يحبس الذي عليه الأصل؛ لأن الأصيل هو الذي أوقعه في هذه الورطة، فكان له أن يحبسه حتى يخلصه عنها.
ألا ترى أن الكفيل لو طولب بالمال كان له أن يطالب الأصيل، فإذا لوزم كان له أن يلازم الأصيل، وإذا أخذ من الكفيل كان له أن يأخذ من الأصيل وطريقه ما قلنا.
فإن حبس رجل في دين فجاء آخر يطالبه بالدين، فإن القاضي يخرج المطلوب حتى يجمع بينه وبين المدعي، لأنه إنما يحبس بدين الأول نظراً للأول حتى يصل إلى حقه، فلا ينظر له على وجه يضر بغيره؛ ولأنه لا ضرر على الأول في الإخراج من السجن لسماع الدعوى عليه ثم يعاد فيه، فقلنا: بأنه يخرج من السجن ويجمع بينه وبين المدعي، فإن قامت للمدعي بينة عادلة أو أقر أعاده إلى السجن، وكتب في ديوانه أنه محبوس بحق هذا المدعي أيضاً مع الأول؛ لأنه ظهر أنه ظلمه بمنع حقه عنه، فاستحق الحبس ليضجر فيسارع إلى قضاء دينه ولا تنافي بين أن يكون محبوس الأول والثاني، فلهذا يحبسه لهما حتى يقضي دينهما جميعاً، ولكن ينبغي أن يكتب في ديوانه أنه محبوس بدين فلان وفلان يسميهما حتى إذا قضى دين أحدهما يبقى محبوساً بالآخر.
قال محمد ﵀ في كتاب الحوالة: إذا حبس الرجل بالدين شهرين أو ثلاثة سأل القاضي عنه في السر وإن شاء سأل عنه في السر أول ما يحبسه، ذكر في كتاب الحوالة شهرين أو ثلاثة، وذكر في بعض المواضع أربعة أشهر، وفي رواية الحسن عن أبي (١٠٧أ٤) حنيفة ﵁ ستة أشهر.
وفي رواية الطحاوي عن أبي حنيفة ﵁ شهراً، وكثير من مشايخنا أخذوا برواية الطحاوي، وبعض مشايخنا قالوا: القاضي ينظر إلى المحبوس إن رأى عليه زي أهل الفقر وهو صاحب عيال، فشكوا عياله إلى القاضي البؤس وضيق النفقة وكان ليناً عند جواب خصمه خلاه شهراً، ثم يسأل وإن رأى في عمل جواب خصمه وعرف تمرده ورأى أن عليه علامة اليسار حبسه أربعة أشهر إلى ستة أشهر، ثم يسأل وإن كان فيما بين ذلك حبسه شهرين إلى ثلاثة أشهر ثم يسأل وبه يفتي الشيخ الإمام الأجل ظهير الدين المرغنياني، وكثير من مشايخنا قالوا: ليس في هذا التقدير تقدير لازم.
وفي رواية هشام عن محمد ﵀ ما يدل على هذا القول، فقد روى هشام عن محمد ﵀ أن القاضي يسأل عن حال المحبوس ولا يعتبر في ذلك مدة؛ وهذا لأن
стр. 3683
الحبس للإضجار وذلك مما يختلف فيه أحوال الناس، فيكون ذلك مفوضاً إلى رأي القاضي، فإن وقع في رأيه أن هذا الرجل يضجر بهذه المدة ويظهر المال إن كان له مال ولم يظهر فيسأل عن حاله بعد ذلك، فإن سأل عنه وقام البينة على عسرته أخرجه القاضي من السجن ولا يحتاج إلى لفظة الشهادة، بل إذا أخبر بذلك كفى وإن أخبره بذلك ثقة عدل أخرجه بقوله من السجن، لأن ما سبيله سبيل الأخيار يكتفي فيه بقول الواحد كالأخبار بالتوكيل والعزل وأشباه ذلك، ثم إذا سأل القاضي عنه فإنما يسأل عنه أهل الجيرة من جيرانه ومن يخالطهم في المعاملة؛ لأن الجيران أعرف بحاله؛ لأنهم يعرفون أنه يتَصدق أو يتصدق عليه، ويعرفون مدخله ومخرجه، وكذلك من يخالطه في المعاملة والتجارة؛ لأنه أعلم بيساره وعسرته، وكذلك أصدقاؤه وإنما يسأل الثقاة منهم؛ لأنه لا يجوز الاعتماد على خبر الفساق.
قال شيخ الإسلام ﵀ في «شرحه» : هذا السؤال بالنفي والشهادة، بالنفي ليست بحجة، وكان للقاضي أن لا يسأل ويعمل برأيه، ولكن لو سأل مع هذا كان أحوط وأنفى للتهمة عن القاضي، ثم إذا أخبر أنه معسر، وأخرجه القاضي من السجن لا يحول بين الطالب وبين ملازمته عند بابه، ورد الأثر عن رسول الله ﷺ ؛ لأنه ربما يظهر له مال، فإذا لازمه أمكنه الوصول إلى حقه، ثم تفسير الملازمة أن يدور معه حيث دار ويكون معه لا يفارقه، وليس له أن يحبسه في موضع جلوسه؛ لأن ذلك حبس وليس له حق الحبس؛ هكذا ذكر في الأصل.
وذكر ابن سماعة في «نوادره» : عن محمد ﵀ أنه قال للمدعي: أن يحبسه في مسجد حيه، وإن شاء في بيته؛ لأنه ربما يطوف به في الأسواق والسكك من غير حاجة وفي ذلك ضرر للمدعي، وعن عمرو ابن أبي عمر عن محمد ﵀ قال: قالوا في المصر: لصاحب الحق أن يلزمه حيث أحب من المصر، فإن كان الملزوم لا معيشة له إلا من كد يده لم يكن لصاحب الحق أن يمنعه من أن يسعى في مقدار قوته يوماً فيوماً، فإذا اكتسب في ذلك القدر في يومه، فله أن يمنعه من الذهاب في ذلك ويحبسه.
قال هشام: سألت محمد ﵀ عن رجل أخرج من الحبس على تفلس، فرأى محمد ﵀ الملازمة مع التفليس، وأشار إلى المعنى فقال لعل عنده شيء لا علم لنا به، ذكر الملازمة وأراد بها الحبس في موضع، بدليل تفريعات المسألة قال هشام: قلت له: فإن كانت الملازمة تضير بعياله وهو ممن يكتسب في سقي الماء في طوفه، قال: آمر صاحب الحق أن يوكل غلاماً له يكون معه ولا يمنعه عن طلب قدر قوت يومه له ولعياله، وكذلك إن كان يعمل في سوقه قال: وإن شاء تركه أياماً يعني هذا المفلس ثم لازمه على قدر ذلك، قلت: فإن كان عاملاً يعمل بيده قال: إن كان عملاً يقدر أن يعمله حيث يحبس لازموه، ويعمل هو ثمة، وإن كان عملاً لا يقدر إلا على الطلب خرج وطلب، فإن كان في ملازمته ذهاب قوته وقوت عياله أمر به أن يقيم له كفيلاً بنفسه ثم يخلي سبيله فليسترزق الله تعالى.
стр. 3684
وفي كتاب «الأقضية» : إن كان العمل سقي الماء ونحوه ليس لصاحب الحق أن يمنعه من ذلك، ولكن إما أن يلزمه أو يلزمه نائبه أو أجيره أو غلامه إلا إذا كفاه نفقته ونفقة عياله، وأعطاه حينئذٍ كان له أن يمنعه من ذلك؛ لأنه لا ضرر على الملزوم في هذه الصورة، وفيه أيضاً ليس لصاحب الحق أن يمنع الملزوم أن يدخل في بيته لغائط أو غداء إلا إذا أعطاه الغداء وأعد موضعاً آخر له لأجل الغائط حينئذٍ أن يمنعه من ذلك حتى لا يهرب.
وفي نوادر أبي يوسف ﵀ إذا لازم الطالب المطلوب بغلامه، فأبى الغريم أن يحبس مع الغلام وقال: لا أحبس إلا مع الطالب، فله ذلك، وفيه أيضاً إذا كان المطلوب يطوف بالطالب من غير حاجة وعلم ذلك منه كان للطالب أن يهيئ له بيتاً ويلزمه فيه، ولكن إذا أعطاه نفقته ونفقة عياله؛ لأنه لا ضرر على المطلوب حينئذٍ.
وحكى عن الفقيه أبي جعفر الهندواني ﵀: أن الطالب لا يلازم المطلوب بالليالي؛ لأن الملازمة بالليالي لا تفيد؛ لأن فائدة الملازمة أن المطلوب إذا اكتسب شيئاً فالطالب يأخذ ذلك، والليالي ليست وقت الكسب، فلا يتوجه وقوع المال في يده فيها، حتى لو كان الرجل ممن يكتسب في الليالي يلازمه وسيأتي بعد هذا في حق المرأة الملازمة في الليالي من غير فصل.
وعن محمد ﵀ أن للطالب أن يلازم الغريم، وإن لم يأمره القاضي بملازمته، ولأفلته إذا كان مقراً بحقه، فإن قال الغريم: احبسني وأبى الطالب إلا الملازمة قال: يلازمه، وعنه أنه سئل عن ملازمة المرأة، فقال: آمر غريمها أن يأمر امرأة حتى تلازمها، فقيل إن لم يقدر الغريم على امرأة تلازمها قال أقول لغريمها: اجعل معها امرأة تكون معها في بيتها وتكون أنت على الباب أو تكون المرأة في بيت نفسها وحدها ويكون الغريم على الباب، قيل له: إذا هربت المرأة وتذهب قال: ليس له إلا ذلك.
وذكر ابن رستم عن محمد ﵀ أنه يلازم في موضع لا يخاف عليها الفتنة كالمساجد والأسواق ونحو ذلك إن شاء برجال، وإن شاء بنساء، وهذا في النهار، فأما في الليل فيلازمها بالنساء لا محالة والحاصل أنها تلازم على وجه يقع الأمن عن الفتنة من كل وجه.
ذكر هلال في كتاب الوقف إذا شهد الشهود بعد مضي المدة أنه فقير، فالقاضي لا يخلي سبيله حتى يسأل في السر وأنه حسن، فإن وافق خبر السر شهادة والشهود لا يخلي سبيله أيضاً: حتى يستحلف المحبوس؛ لأنه لا يعرف مال المحبوس وغناه على الحقيقة غيره إنما يعرفه هو فيستحلف، ثم يخلي سبيله، وإن خالف خبر السر بشهادة الشهود أخذ بخبر العدل في السر؛ لأنه مثبت والشهادة باقية، فإن أقام المحبوس بينة على عسرته، وأقام صاحب الحق بينة على يساره أخذ بينته؛ لأنه يثبت أمراً أصلياً وهو الفقر، وكانت بينة صاحب الحق أكثر إثباتاً، فكانت أولى بالقبول، ولم يذكر محمد ﵀ في شيء من الكتب كيفية الشهادة على الإفلاس.
стр. 3685
وذكر الخصاف ﵀ في «كتاب الوقف» أنه ينبغي أن يشهدوا أنه فقير لا يعلم له مالاً ولا عرضاً من العروض يخرج بذلك عن حالة الفقر.
وحكي عن الفقيه أبي القاسم ﵀ أنه قال: ينبغي أن يقولوا: إنه مفلس معدم لا نعلم له مالاً سوى كسوته التي عليه وثياب ليله، وقد اختبرنا أمره في السر والعلانية وهذا أتم وأبلغ، ثم إذا ثبت عسرته، فالقاضي لا يحبسه بعد ذلك ما لم يعرف له مالاً؛ لأنه علم أنه ينظر بأنظار الله تعالى.
وإن قامت البينة على عسرته قبل الحبس هل يقبلها القاضي؟ فيه روايتان:
في رواية يقبل وهو اختيار الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل ﵀.
وفي رواية أخرى لا يقبل وهو اختيار المشايخ؛ لأنها قامت على النفي، فلا يقبل إلا إذا تأيدت بمؤيد، فإذا مضت في الحبس مدة لو كان قادراً على القضاء لما تحمل مرارة الحبس إلى هذه المدة، ولتسارع إلى قضاء الدين ولم يقض، فالظاهر أنه معسر فقد تأيدت هذه البينة بمؤيد فيقبل، وإن قامت البينة على عسرته بعدما مضت مدة في الحبس، وكان الطالب غائباً فالقاضي لا ينتظر حضور الغائب بل يخرجه من السجن؛ لأنه إذا ثبت عسرته كان استدامة حبسه ظلماً، والقاضي نصب لدفع الظلم إلا لأسبابه فيخلي سبيله، ولكن يأخذ منه كفيلاً؛ لأنه لو لم يأخذ منه كفيلاً ربما يهرب (فبقي حضر) الغائب لا يتوصل إلى حقه بالملازمة وغيرها.
وإذا كان الرجل محبوساً بدين رجلين، فأدى إلى أحدهما لم يخرج من السجن حتى يؤدي حق الآخر حتى لو تفرد بالدعوى كان له أن يحبسه؛ لأنه ظلمه بمنع حقه عنه، فكان له أن يديم الحبس لذلك.
وفي نوادر «ابن سماعة» : عن محمد ﵀: إذا مات الرجل وفي الورثة صغير وكبير وللميت على رجل دين، فحبسه الابن الكبير ثم أراد أن يطلقه لم يطلقه القاضي حتى يستوثق للصغار؛ لأن للصغار فيه نصيباً (١٠٧ب٤) .
والقاضي نصب ناظراً لهم، فيستوثق لهم لإحياء حقوقهم، ولا يسقط حقهم بإسقاط الكبير؛ لأنه لا ولاية للكبير عليهم، ولا يخرج المحبوس في الدين لمجيء شهر رمضان، ولا لفطر ولا لأضحى ولا لجمعة ولا لصلاة مكتوبة ولا لحجة مفروضة ولا لحضور جنازة بعض أهله، وإن أعطى كفيلاً بنفسه؛ لأن الحبس إنما شرع ليضجر، فيتسارع إلى قضاء الدين، وإنما يلحقه الضجر إذا منع عن الخروج أصلاً.
وذكر علي بن يزيد الطبري في «نوادره» ، فقال: سألت محمد بن الحسن ﵀ عن المحبوس إذا مات له والد أو ولد، هل يخرج من حبسه؟ قال: لا إلا أن لا يجد من يكفنه ويغسله ولم يكن بحضرته أحد فليخرج حينئذٍ، وهذا صحيح؛ لأنه لزم القياس بذلك
стр. 3686
لحق الوالدين، وليس في هذا القدر من الإخراج شيء كثير ضرر بالطالب فيخرج، أما إذا كان ثمة من يقوم بذلك لا معنى لإخراجه من السجن، لأن من حقوق الميت تصير مقاماً بغيره وفي الخروج تفويت حق الطالب في الحبس.
قال علي بن زيد: ولا يخرج لغير الوالدين والمولودين؛ لأنه لا حق لهم عليه في ذلك، ألا ترى إذا مات للمسلم أب كافر يتولى غسله ويكفنه ويدفنه، ولا يفعل لغيرهما، فكذلك لا يخرج. وحكي عن الشيخ أبي بكر الإسكاف أنه قال في المحبوس في السجن إذا جن: لم يخرجه الحاكم من السجن، فقيل له: أليس قد رفع القلم عنه قال: النائم قد رفع عنه القلم، ومع هذا لا يخرج، قيل له: المقضي عليه بالقصاص إذا جن لا يمضي عليه القصاص، فإذا سقط عنه القصاص بحياته لم لا يسقط عنه عقوبة الحبس بعذر الجنون، قال: لأن القصاص يندرئ بالشبهات، ولعله لو كان مغيباً يدعي ما يوجب سقوط القصاص، فأوجب ذلك شبهة، فأما الحبس بالدين بخلافه؛ لأنه لا يندرئ بالشبهات.
وذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : أن المحبوس في السجن إذا مرض مرضاً أعياه إن كان له خادم يخدمه لا يخرج من السجن؛ لأن الحبس إنما شرع ليضجر قلبه، فيتسارع إلى قضاء الدين وبالمرض يزداد الضجر فيزداد مسارعته إلى قضاء الدين، فلا يخرج من السجن لهذا. ولا يخرج للمعالجة، فإن المعالجة في السجن وفي منزله سواء.
وهكذا روي عن محمد حتى قيل له: وإن مات فيها، قال: وإن مات فيها، فقيل له: وإن لم يكن له من يخدمه وإن أخرجوه احتسبوا عليه قال: أخرجوه إذاً، لأنه إذا لم يكن ثمة من يمرضه ربما يموت بسببه، ولا يجوز إهلاكه لمكان الدين، ألا ترى أنه إذا توجه الهلاك عليه بالمخمصة، كان له أن يدفع بمال الغير، فكيف يجوز إهلاكه لأجل مال الغير، عن أبي يوسف ﵀ أنه لا يخرجه من السجن؛ لأن الهلاك لو كان، إنما يكون بسبب المرض، وهو في الحبس وغيره سواء، فلا معنى للإخراج.
وذكر في «الكيسانيات» قال محمد ﵀: والمحبوس يبول في السجن ولا يخرج إلى الحمّام؛ لأنه ليس في التبويل إبطال حق المدعي، وفيه إزالة التفت عنه فأما لا يخرج إلى الحمام كما لا يخرج لسائر الحوائج ولو احتاج إلى الجماع، لا بأس بأن يدخل زوجته وجاريته في السجن فيطأهما حيث لا يطلع عليه أحد؛ لأنه غير ممنوع عن اقتضاء شهوة البطن، فلذلك لا يمنع من اقتضاء شهوة الفرج.
وذكر ابن شجاع في «نوادره» عن الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة ﵃، قال: يمنع المحبوس عن وطء الحرائر والإماء؛ لأنه ليس من أصول الحوائج، ألا ترى أن بدون ذلك يعيش ويبقى، فيمنع ليضجر قلبه، فيتسارع إلى قضاء الدين، بخلاف الأكل والشرب؛ لأنه لا حياة بدونهما، فلو منع منهما كان سعياً إلى إهلاكه وإنه لا يجوز.
стр. 3687
قال بعض مشايخنا ﵏: ولا يترك المحبوس حتى يأتي بوطاء فتلقى تحته في السجن حتى يكون ذلك أشق عليه، وأبلغ في الضجر، فيحصل المقصود.
وهل يترك ليكتسب في السجن؟ اختلف فيه المشايخ، قال بعضهم: لا يمنع من الاكتساب في السجن؛ لأن فيه نظراً من الجانبين من جانب المديون، لأنه ينفق على نفسه وعياله، ولرب الدين فإنه إذا فضل منه يصرف ذلك إليه، وقال بعضهم: يمنع عن ذلك، وهو الأصح وإليه أشار الخصاف ﵀؛ لأن المقصود من الحبس أن يضجر فيتسارع إلى قضاء الدين. ولو ترك يكتسب في السجن لا يلحقه الضجر؛ لأن الحبس يصير بمنزلة الحانوت، فلا يضجر بالمقام فيه، فلا يحصل المقصود.
ولا يمنع المسجون من دخول أغلمه وجيرانه عليه؛ لأنه يحتاج إلى دخولهم عليه ليشاورهم في قضاء الدين، ولا يتضرر الطالب بذلك فلا يمنع عنه، ولكن لا يمكنون من أن يمكثوا فيه طويلاً ولا أن يسكنوا معه؛ لأنه يستأنس بهم ويزيل الوحشة عن نفسه، فلا يلحقه الضجر في الحبس.
ولا ينبغي للقاضي أن يضرب محبوساً في دين، ولا يقيده ولا يقيمه، به ورد الأثر عن ابن مسعود ﵁، وروي عن أبي حنيفة رضى الله عنه ما يدل على أن للقاضي أن يقيده، والذي روي عنه: إذا حبس القاضي رجلاً في أمر قد استوجب الحبس، فأقر بمال أوحد أو قصاص لزمه ذلك، وكذلك إن قيد مع ذلك.
ولو قال: لا أخرجك من السجن، أو قال: لا أحل القيد عنك أو تصدق، وقد قيده وحبسه في حق مما أقر به لزمه، وإن كان حبسه في غير حق فهذا القول منه تهديد، فلا يجوز ما أمر به في تلك الحالة. قال هشام: سمعت أبا يوسف ﵀ يقول: إذا قال المدعي: لا أقر ولا أنكر فإن حبسه من يرى حبسه إذا قال لا أقر ولا أنكر حتى يقر أو ينكر، فأقر في الحبس ألزمته المال، قال: وكان أبو يوسف ﵀ قال قبل ذلك: لا ألزمه المال، ثم رجع عن قوله لا ألزمه، قال: لأني حبسته ليقر أو لينكر، فإن شاء أنكر، قال: إنما يبطل إقراره إذا حبسه ليقر، هذا لفظ أبي يوسف ﵀ إشارة إلى أن الحبس إذا كان لأجل الإقرار، كان المحبوس مجبراً على الإقرار؛ لأن له أن ينكر فيصح إقراره، فإن كان هذا المحبوس لا يزال يهرب من السجن، يؤدّبه القاضي بأسواط؛ لأنه ظهر منه هتك حرمة سجن القاضي وتمرده وعناده، فيؤدبه بأسواط حتى يمتنع عن ذلك، ويكون عظة لغيره، هكذا روى ابن سماعة عن محمد ﵀، وذكر الخصاف في «أدب القاضي» : أن القاضي إذا خاف على المحبوس أن يفر من سجنه، حق له إلى سجن اللصوص إذا كان لا يخاف عليه منهم؛ لأن القاضي يحتاج إلى حفظه وسجن اللصوص أحصن، والرقباء ثمة أكثر فيحوله إليه، فإن كان يخاف عليه من جهة اللصوص لما أن بينه وبين اللصوص عداوة وعرف أنه لو حوله إليهم، لقصدوه لا يحوله؛ لأن فيه إهلاكه وما استحق عليه الهلاك.g
قال محمد ﵀ عن أبي حنيفة ﵁ في رجل حبسه القاضي في دين
стр. 3688
لرجل عليه ألف درهم وله دنانير، قال: يبيعها القاضي ويوفي الغريم، ولو كان عرضاً لم يبعها، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يبيع العروض والعقار حتى يوفي الغريم حقه.
اعلم بأن المحبوس في الدين إذا امتنع عن قضاء الدين وله أموال، فإن كان ماله من جنس الدين بأن كان ماله دراهم والدين دراهم، فالقاضي يقضي من دراهمه بلا خلاف؛ لأن صاحب الدين لو ظفر بهذه الدراهم له أن يأخذها قضاء من دينه؛ لأنه ظفر بجنس حقه، والأصل فيه قوله ﷺ لهند امرأة أبي سفيان: «خذي من مال أبي سفيان ما يكفيك وولدك بالمعروف» فكان قضاء القاضي دينه بهذه الدراهم إعانة له على حقه، وللقاضي ولاية إعانة صاحب الحق على استيفاء حقه.
وإن كان ماله من خلاف جنس دينه بأن كان الدين دراهم، وماله عروض أو عقار أو دنانير، فعلى قول أبي حنيفة ﵁: لا يبيع العروض والعقار، وفي بيع الدنانير قياس واستحسان، ولكنه يستديم حبسه إلى أن يبيع بنفسه ويقضي الدين، وعندها ببيع القاضي دنانيره وعروضه رواية واحدة، وفي العقار روايتان، ويكون البيع على الترتيب يبيع الدنانير أولاً ثم العروض ثم وثم على ما يأتي بيانه.
فالأصل عندها: أن كل من وجب عليه حق وامتنع من إيفاء ما صار مستحقاً عليه، وذلك مما يجري فيه النيابة، فإن القاضي يقوم مقامه في إيفاء ذلك الحق المستحق عليه كالذمي إذا أسلم عنده، فإن القاضي يجبره على البيع، فإن امتنع عن ذلك، فإن القاضي يبيعه عليه، وكالعنين بعد مضي المدة يأمر القاضي بالتفريق، فإن امتنع يفرق بينهما وكذلك امرأة الذمي إذا أسلمت، فإن القاضي يعرض الإسلام على الزوج، فإن أبى أمره بالتفريق، فإن امتنع ناب منابه في التفريق كذا هنا، ولكن أبا حنيفة يقول: المستحق عليه قضاء الدين، أما بيع ماله فغير مستحق عليه؛ لأن القدرة على قضاء الدين يثبت بأسباب: منها الاستفراش (١٠٨أ٤) والاستيهاب وقبول الصدقة والبيع بالنسبة والاكتساب، فليس للقاضي أن يعين عليه البيع؛ لأن في ذلك إضراراً بالمدعى عليه، ألا ترى أن القاضي لا يزوج المديونة ليقضي الدين من مهرها، وإن كان يتوصل إلى قضاء الدين بذلك؛ لأن النكاح عليها لم يتعين لقضاء الدين، وكذلك لا يؤاجر المديون ليقضي الدين من الأجرة، وإن كان يتوصل إلى قضاء الدين منه؛ لأن الإجارة لم يتعين طريقاً لقضاء الدين، كذا هنا. وهذا لأنه ما دام حياً فالدين واجب في ذمته لا تعلق له بماله، فلا يثبت القاضي اليد عليه فلا يملك البيع.
وإن كان الدين دراهم وماله دنانير، فالقياس أن لا يقضي منه دينه في قول أبي
стр. 3689
حنيفة، وفي الاستحسان: يبيع الدنانير بالدراهم، ويقضي دينه منها.
وجه القياس: أنهما جنسان مختلفان حقيقة وحكماً، فلا يكون له أن يبيعها بذلك الدين كالعروض، ولا شك في اختلاف المجانسة بينهما حقيقة، وكذلك الحكم فإنه لا تجري الربا منهما، وفي مسألتنا ليس لصاحب الدين أن يأخذ الدنانير مكان الدراهم، ولو كانا جنساً واحداً لأخذها كما قلنا فيما إذا كان مال المديون دراهم، فإذا ثبت اختلاف المجانسة بينهما ينبغي أن لا يكون للقاضي ولاية البيع والمبادلة؛ لأنه تصرف في ملك المديون بغير رضاه، وإنه لا يجوز وصار كالعروض والعقار.
وجه الاستحسان: أنهما جنسان مختلفان من حيث العين، ولهذا لا يجري الربا بينهما، ولكنهما من حيث المالية جنس واحد، فإنهما خلقا للتقلب والتصرف، ولهذا يكمل نصاب أحدهما بالآخر في الزكاة، وكل حكم يرجع إلى العين فهما جنسان وغيران فيه، وكل حكم يرجع إلى المالية جعلا فيه جنساً واحداً، وحق صاحب الدين في العين ثابت، ولهذا لم يكن له ولاية المطالبة إلا لعين الدراهم، وإن كان له حق في المالية من وجه، ولكن من حيث أن حقه في العين لا يثبت له حق الأخذ، وباعتبار حقه في المالية يثبت له حق الأخذ، فلا يثبت له الأخذ بالشك، فأما ولاية القاضي إنما تثبت من حيث المالية، وهما في المالية كشيء واحد، فكان له ولاية المصارفة وقضاء الدين.
وقد ذكرنا في «الجامع» في باب المساومة ذكر في كتاب العين والدين: أن صاحب الدنانير إذا ظفر بدراهم من عليه الدين أو على العكس، كان له أن يأخذ هذا بيان مذهب أبي حنيفة ﵁.
وأما على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: القاضي يبيع مال المديون بدينه، لكن هذا بدنانيره إذا كان الدين دراهم، فإن فضل الدين عن ذلك يبيع العروض أولاً دون العقار؛ لأن العروض معدة للتقلب والتصرف والاسترباح عليه، فلا يلحقه كسر ضرر في بيعه، فإن لم يف ثمنه بدينه وفضل عنه الدين حينئذٍ يبيع العقار، أما بدون ذلك لا يبيع العقار لأن العقار أعد للاقتناء، فيلحقه ضرر بين في بيعها، فلا يبيع العقار من غير ضرورة، فإذا فضل الدين عن ثمن العروض تحققت الضرورة فيبيع العقار ويقضي الدين من ثمن العقار، وهذا على إحدى الروايتين عنهما.
وفي رواية أخرى: لا يبيع العقار أصلاً؛ لأنه غير معدة للبيع، وإنه ما جرى العادة باستحداث الملك في العقار في كل وقت، فأما العروض مال معد للبيع، فإذا امتنع من بيعها ناب القاضي منابه في البيع. وقال بعضهم: يبدأ ببيع ما يخشى عليه التوى والتلف من عروضه، ثم يبيع ما يخشى عليه التلف، ثم يبيع العقار.
والحاصل: أن القاضي نصب ناظراً فينبغي أن ينظر للمديون، كما ينظر للغرماء فيبيع ما كان انظر إليه، وبيع ما يخشى عليه التلف أنظر من بيع مالا يخشى عليه فيبدأ به، فإن لم يف ثمنه بالديون يبيع مالا يخشى عليه التلف من العروض؛ لأنه أنظر من بيع العقار، فإن لم يف ثمنه بالديون حينئذ يبيع العقار.
стр. 3690
وإذا كان للمديون ثياب يلبسها، ويمكنه أن يجري بدون ذلك، فإنه يبيع ثيابه ويقضي الدين ببعض ثمنها، ويشتري بما بقي ثوباً يلبسه؛ لأن لبس ذلك للتجمل، وقضاء الدين فرض عليه وعلى هذا القياس، ويمكنه أن يجري بما دون ذلك المسكن يبيع ذلك المسكن، ويصرف بعض الثمن إلى الغرماء ويشتري بالباقي سكناً لنفسه، وعن هذا قال مشايخنا: إنه يبيع ما لا يحتاج إليه للحال حتى إنه يبيع اللبد في الصيف والنطع في الشتاء، وإذا كان له كانوناً من حديد أو صفر يبيعه ويتخذ كانوناً من طين، وعن محمد ﵀: أن المديون إذا وجد من يدينه إلى أجل، ولا يستدين ولا يقضي يدخل تحت قوله ﵇: «لي الواجد يحل عرضه وماله» ، وهذا لأن الواجد ليس هو الغني، بل الواجد من يمكنه قضاء الدين، وقد أمكنه قضاء الدين بهذا الطريق.
ثم أي قدر يترك للمديون من ماله ويباع ما سواه؟ لم يذكر محمد هذه المسألة في شيء من الكتب، وقدروي عن عمر بن عبد العزيز ثلاث روايات: في رواية قال: يترك ثيابه وسكنه وخادمه ومركبه؛ لأنه يحتاج إلى ذلك كله، وفي رواية أخرى قال: يترك ثيابه ومسكنه وخادمه، وبهذه الرواية أخذ بعض القضاة، وفي رواية قال: يباع جميع ماله ويؤاجر ويصرف غلته إلى غرمائه.
وفي ظاهر رواية أصحابنا ﵏: لا يؤاجر إلا رواية روي عن أبي يوسف ﵀ وجه ظاهر الرواية أنه لم يتعلق حق الغرماء بمنافع يديه، فلا يؤاجر ولكن إن أجر هو نفسه وأخذ الأجرة ترك له قوت يومه وعياله، ويصرف ما سوى ذلك إلى رب الدين، ومن القضاة من قال: إن كان في موضع الحر يباع ما فوق الإزار، لأن هناك الحاجة إلى ستر العورة لا غير وإنه يحصل بالإزار، وإن كان في موضع البرد يترك له ما يدفع به من البرد حتى لا تباع جبته وعمامته ويباع ما سوى ذلك، ومن المشايخ من قال: يترك له دستاً من الثياب، ويباع ما سوى ذلك، وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني ﵀، ومنهم من قال يترك له دستين من الثياب حتى إذا غسل أحدهما لبس الآخر، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي ﵀.
في «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: رجل عليه دين وهو معسر وله دين على رجل مليء، فإن الحاكم يحبس المعسر حتى يتقاضى ماله على غريمه الموسر، فإن فعل وحبس غريمه الموسر، فإن الحاكم لا يحبس المعسر بما عليه؛ لأنه قضى ما عليه في تقاضي دينه، وقال أبو يوسف ﵀: إذا كان للمعسر دين على غريمه أخذ القاضي غريمه بدينه، وقضى دين غرمائه.
وفيه أيضاً: رجل حبس في الكفالة بنفس رجل، ثم علم أن المكفول بنفسه غائب
стр. 3691
ببعض الأمصار، قال: آمره أن يأخذ كفيلاً بنفسه ويخرجه من السجن حتى يجيء بالذي كفل به، وكذلك المحبوس بالدين إذا علم أنه لا مال له في هذه البلدة وله مال ببلدة أخرى يؤمر رب الدين أن يخرجه من السجن، ويأخذ منه كفيلاً بنفسه على قدر المسافة، ويأمر أن يبيع ماله ويقضي دينه، ولم يذكر ههنا أن رب الدين لو كان غائباً، ورأيت في موضع آخر أن القاضي يخرج المحبوس من السجن، ويأخذ منه كفيلاً.
الحسن عن أبي يوسف: إذا باع أمين القاضي عروض المديون في دينه وقبض الثمن، وهلك، ثم استحق المبيع، رجع المشتري على الغريم، ويرجع الغريم على المطلوب، ويجوز إقرار المحبوس بالدين لغيره بعد أن يحلف بالله ما أقر به على وجه التلجئة، وهذا قول أبي يوسف ﵀، وإذا أقر المحبوس بالبيع يحلف المشتري بالله أنه اشترى منه شراء صحيحاً ودفع الثمن إليه، وما كان ذلك تلجئة والله أعلم.
الفصل الثامن والعشرون: فيما يقضي به القاضي ويرد قضاؤه، وما لا يرد
ما يجب اعتباره في هذا الفصل شيئان، أحدهما: أن قضاء القاضي متى اعتمد سبباً صحيحاً ثم بطل السبب من بعد لا يبطل القضاء؛ لأن بقاء السبب ليس بشرط لبقاء القضاء، ألا ترى أن بقاء السبب لم يشترط لبقاء الحكم، فكذا لا يشترط لبقاء القضاء، وإذا ثبت عدم السبب من الأصل بعد وجوده من حيث الظاهر، فكذلك عند أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر، وعند أبي يوسف الأول وهو قول محمد ﵀: يبطل القضاء، وهي مسألة قضاة القاضي في العقود والفسوخ بشهادة الزور، والمسألة معروفة.
والثاني: أن استحقاق المبيع على المشتري، يوجب توقف البيع السابق على إجازة المستحق، ولا يوجب نقضه وفسخه في ظاهر الرواية، وعن أبي حنيفة ﵁ أن الخصومة من المستحق، وطلب الحكم من القاضي ذلك النقض فينقض به البيع كما ينتقض بصريح النقض، حتى لا يعمل إجازة المستحق بعد ذلك، عن أبي يوسف ﵀ أن أخذه العين بحكم القاضي دليل الفسخ والنقض، فينتقض به حتى لا يعمل إجازته بعد ذلك، وفي ظاهر الرواية لا يكون شيء من ذلك دليل النقض أما الخصومة وطلب (١٠٨ب٤) الحكم، فلأنهما لإثبات الاستحقاق وإظهاره، والاستحقاق لو كان ثابتاً ظاهراً وقت البيع لا يمنع انعقاد البيع، فظهوره في الانتهاء، لأن لا يوجب النقض والفسخ أولى، والأخذ بحكم القاضي أيضاً محتمل يحتمل التلوم ويحتمل النقض والفسخ والعقد جائز بيقين، فلا يثبت النقض بالشك.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : رجل اشترى من آخر جارية ولم يقبضها حتى استحقها رجل بالبينة، والبائع والمشتري حاضران، وقضى القاضي بها للمستحق، ثم ادعى البائع والمشتري أن المستحق باعها من هذا البائع وسلمها إليه، ثم باعها البائع من
стр. 3692
المشتري وأقام البينة قبلت بينته، فقد شرط محمد ﵀ في «الكتاب» للقضاء بالجارية للمستحق حضرة البائع والمشتري، وأنه شرط لازم حتى لو حضر البائع دون المشتري، أو حضر المشتري دون البائع، فالقاضي لا يقضي بها للمستحق وإنما كان كذلك لأن للبائع يداً وللمشتري ملكاً، والقاضي بالقضاء يبطل الملك واليد، فيكون قضاء عليهما، والقضاء على الغائب لا يجوز، فيشترط حضرتهما ثم إذا قضى القاضي بالجارية للمستحق، فأقام البائع أو المشتري بينة على ما بينا قبلت بينته؛ لأن القضاء بالاستحقاق لم ينقض ذلك البيع في ظاهر الرواية فيبقى البيع بين البائع والمشتري، فكانا خصمين في إثبات هذا البيع، أما البائع فلأنه يؤكد يده في الجارية، وهو محتاج إلى تأكيد يده لمقدرتها على التسليم، وليؤكد حقه في الثمن قبل المشتري.
وأما المشتري فلأنه يؤكد ملكه في الجارية، فإنه يثبت الانتقال إلى بائعه، فانتصب خصماً عن بائعه في حق إثبات الانتقال إليه، فهذه بينة صدرت عن خصم على خصم، فقبلت وإذا قبلت هذه البينة تبين أن البائع باع ملك نفسه، وأنها صارت مملوكة للمشتري، فيؤمر بتسليمها إلى المشتري، وإن لم يكن لهما بينة على ما ادعيا، وطلب المشتري من القاضي أن يفسخ العقد بينهما لعجز البائع عن التسليم أجابه القاضي إلى ذلك؛ لأن عجز البائع عن التسليم مطلق للفسخ.
أصله: إذا أبق المبيع أو غصب قبل القبض، فإن فسخ القاضي العقد بينهما ثم وجد البائع بينته، وأقامها على المستحق أنه كان اشتراها وقبضها من المستحق قبل أن يبيعها من هذا المشتري قضى القاضي بالجارية للبائع فظاهر، وأما عدم إلتزام المشتري باعتبار أن القاضي فسخ العقد بينهما بسبب قائم، وهو عجز البائع عن التسليم فصح الفسخ ونفذ، وبثبوت الملك للبائع في الحال لا يستبين أن العجز لم يكن، بل كان ثم ارتفع وارتفاع سبب القضاء بعد نفاذ القضاء وصحته لا يوجب بطلان القضاء، كما لو قضى القاضي بفسخ البيع بسبب العيب ثم زال العيب، أو قضى بالفرقة بسبب العنة ثم زالت العنة.
وقول محمد في الكتاب ثم وجد البائع البينة، وأقامها على المشتري. يشير إلى أن شرط قبول هذه البينة إقامتها على المستحق، ولو كان المشتري قبض الجارية من البائع واستحقها مستحق بالبينة قضى بها للمستحق، ويشترط ههنا حضرة المشتري لا غير، لاجتماع ملك الرقبة واليد له، وينقض القاضي البيع بينهما على ظاهر الرواية، وإذا طلب المشتري، ويرجع المشتري بالثمن على البائع؛ لأن المبيع استحق من يد المشتري بسبب سابق على الشراء فإن أقام البائع بعد ذلك بينة على المستحق أنه كان اشتراها منه وقبضها قبل أن يبيعها قضى القاضي بها للبائع، وبطل نقض القاضي حتى كان للبائع أن يلزم الجارية المشتري؛ لأن الجارية إذا كانت مسلمة إلى المشتري لم يكن قضاء القاضي بالفسخ بسبب عجز البائع عن التسليم، وإنما كان باستحقاق الملك على المشتري، وبإقامة البائع البينة تبين أن الملك لم يكن مستحقاً عليه، فانعدم سبب الفسخ من الأصل،
стр. 3693
فأوجب بطلان القضاء بالفسخ، وهذا قول أبي يوسف الأول وهو قول محمد ﵀.
أما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر لا يبطل قضاء القاضي بالفسخ، ولا يكون للبائع أن يلزم المشتري لما مر في أول الفصل، ثم عند محمد ﵀ لما كان للبائع أن يلزم المشتري الجارية وإن أبى، هل للمشتري أن يأخذها من البائع إذا أبى البائع ذلك؟ لم يذكر هذا الفصل هنا. قال مشايخنا: وينبغي أن لا يكون له ذلك، وإليه أشار بعد هذا؛ لأن المشتري لما طلب من القاضي أن يفسخ العقد بينهما، فقد رضي بانفساخ البيع وانفسخ العقد في حقه إن لم ينفسخ في حق البائع فلهذا كان للبائع أن يلزم المشتري ولا يكون للمشتري أن يلزم البائع.
هذا إذا فسخ القاضي العقد بينهما، فلو أن القاضي لم يفسخ العقد بينهما، ولكن البائع مع المشتري أجمعا على الفسخ حين استحقت الجارية من يد المشتري، ثم أقام البائع بينة على المستحق على ما قلنا، وقضى القاضي له بالجارية لا يكون له أن يلزم المشتري بلا خلاف؛ لأن الفسخ بالتراضي يثبت مطلقاً، فلا يبطل بعد ذلك، وإن أراد المشتري أن ينقض البيع بعد الاستحقاق من غير قضاء ولا رضى، ليس له ذلك، فالمذهب أنه لا بد لصحة النقض ههنا من قضاء أو تراض منهما، وهذا لأن حق المشتري في العين بعد الاستحقاق على ظاهر الرواية إذ العقد لم ينتقض بمجرد الاستحقاق على ظاهر الرواية، فالمشتري بالنقض يريد نقض حقه من العين إلى الثمن، فلا يملك إلا بقضاء القاضي أو برضى خصمه، وهو نظير ما قلنا في العبد المغصوب إذا أبق من يد الغاصب، وأراد المالك أن يضمنه قيمته ليس له ذلك إلا بقضاء القاضي أو برضى الغاصب، وكذلك المغصوب إذا كان شيئاً مثلياً وانقطع أوانه وأراد المالك أن يضمن الغاصب قيمته ليس له ذلك إلا بقضاء أو رضى الغاصب، والمعنى في الكل ما بينا.
وإن كان المشتري لم يطلب من القاضي فسخ العقد بعد الاستحقاق، ولكن طلب من البائع أن يرد الثمن عليه، ورده عليه ثم أقام البائع بينة على المستحق على ما ذكرنا، وأخذ الجارية من المستحق ليس له أن يلزم المشتري إياها؛ لأن الإلزام ينبني على البيع، والبيع قد انفسخ بينهما بتراضيهما؛ لأن المشتري بطلب الثمن رضي بالفسخ، وكذلك باليد بإعطاء الثمن رضي بالفسخ، والفسخ ينفذ بالتراضي ويصح بالتعاطي ظاهراً وباطناً فلا يبقى للبائع ولاية الإلزام بعد ذلك.
ولو كان البائع لم يرد الثمن حتى خاصمه المشتري إلى القاضي ففسخ العقد بينهما وألزم البائع الثمن للمشتري فيأخذه منه أو لم يأخذه حتى أقام بينة على المستحق على ما قلنا، وأخذ الجارية، كان له أن يلزم المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول؛ لأن الفسخ ههنا لو ثبت ثبت بالقضاء، والقضاء حصل بناء على سبب ظهر انعدامه من الأصل، فأوجب بطلان القضاء عند محمد وأبي يوسف الأول على ما مر.
فرع محمد ﵀ على الفصل الأخير، وهو ما إذا رجع المشتري بالثمن على البائع بقضاء القاضي، فقال: لو أقر البائع أنه نوى الفسخ حين رجع المشتري
стр. 3694
عليه وباقي المسألة بحاله لم يكن للبائع أن يلزم المشتري بلا خلاف؛ لأنه حين نوى الفسخ فقد رضي بالفسخ، والعقد متى انفسخ بالتراضي لا يعود أصلاً، فقد أثبت الفسخ من جهة البائع بمجرد النية.
وذكر في «الجامع الصغير» : في مشتري الجارية: إذا جحد الشري، وعزم البائع على الفسخ، وهذا مشكل؛ لأن فسخ شيء من العقود لا يقع بمجرد النية، ألا ترى أنه لو كان في البيع خيار شرط أو خيار رؤية، ونوى بقلبه فسخ العقد لا ينفسخ بمجرد نيته، من مشايخنا من قال: لم يرد محمد نوى الفسخ أن يقصد بقلبه الفسخ، وإنما أراد به أن يظهر منه أمارات الرضى بالفسخ بأن عرض الجارية على البيع أو وطئها بعد ما استردها من يد المستحق بإقامة البينة على نحو ما بينا، ولكن هذا بعيد فإنه وضع المسألة فيما إذا أقر البائع أنه نوى الفسخ حين رجع المشتري عليه بالثمن والعرض على البيع والوطء، لا يتصور في تلك الحالة؛ لأن في تلك الحالة الجارية ملك المستحق وفي يديه.
ومنهم من قال: تأويله أن البائع حين رد الثمن على المشتري نوى فسخ العقد، وفي مسألة «الجامع الصغير» : عزم على ترك الخصومة بالوطء، فيكون الفسخ بفعل اقترن به النية لا بمجرد النية، وقوله في «الكتاب» : نوى الفسخ حين رجع عليه المشتري أراد به رجوعاً اتصل به الرد. ومنهم من قال الفسخ هنا وقع بقضاء القاضي، إلا أن للبائع أن يبين بالبينة أن الفسخ لم يقع عند محمد وأبي يوسف الأول على نحو ما بينا، وهذا حق له فله تركه وله استيفاؤه فإذا عزم على الفسخ فقد ترك هذا الحق، فعملت بينته في هذا.
أما الفسخ بقضاء القاضي رجل اشترى من آخر عبداً بمائة دينار وقبضه وباعه من آخره وقبضة المشتري الثاني، ثم (١٠٩أ٤) استحقها رجل على المشتري الثاني، فأقام المشتري بينة على المستحق أنه كان باعه من البائع الأول بكذا وسلمه إليه، قبلت بينته في ظاهر الرواية، لأن بالاستحقاق لا تفسخ العقود، فبقيت العقود موقوفة، فيحتاج المشتري الأخير إلى تقرير الملك للبائع الأول والثاني ليتقرر ملكه، فينتصب خصماً فيه، فهذه بينة قامت من خصم على خصم، وليس فيه تغيير القضاء الأول، بل فيه تقرير له وقد أقامها لا على الوجه الذي استحق عليه، فقبلت بينته، وقضى بالغلام له بهذا، فإن لم يقم المشتري بينة علىه ولكن خاصم بائعة، وهو المشتري الأول في الثمن وقضى عليه بذلك ثم إن المشتري الأول أقام بينة على أن المستحق باعه من البائع الأول، وسلمه إليه قبل أن يبيعه منه، وأخذ الغلام منه، هل له أن يلزم المشتري الثاني؟ على قول محمد وأبي يوسف الأول له ذلك، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف الآخر (له) ذلك لما ذكرنا، فإن لم يجد المشتري الأول بينة على ذلك، ورجع على البائع الأول بالثمن وقضي له به عليه، فأقام البائع الأول بينة على المستحق على ما ذكرنا، ويأخذ العبد من المستحق كان له أن يلزم المشتري الثاني عند محمد وأبي يوسف الأول لما مر.H
وهل للمشتري الأول أن يلزم المشتري الثاني؟ لما رجع على المشتري الأول فقد رضى بانفساخ العقد بينه وبين المشتري الأول، فانفسخ العقد في حقه، لكن لم يظهر الانفساخ في حق المشتري الأول
стр. 3695
لعدم الرضى فيه، ولهذا احتيج إلى القضاء عليه بالثمن فإذا رجع هو على البائع الأول فقد رضي بانفساخ العقد، فتم الفسخ بينهما بتراضيهما، وقد ذكرنا أن الفسخ الحاصل بالتراضي يثبت مطلقاً فلا يبطل بعد ذلك.
رجل اشترى من آخر غلاماً وقبضه ونقد الثمن، فجاء مستحق واستحقه من يد المشتري بالبينة وقضى القاضي بالغلام للمستحق، ثم أقام المشتري بينة على المستحق أنه كان أمر البائع ببيعه، فباعه بأمره قبلت بينته، لأنه خصم فيه؛ لأنه بهذه البينة تقرر ملكه؛ فإنه يثبت كون البائع وكيلاً من جهة المستحق، وبيع الوكيل يوجب الملك للمشتري، وليس فيه تغيير القضاء الأول، بل هو تقرير له؛ لأن بيع العبد بأمر المستحق إنما ينفذ باعتبار ملكه فقبلت لهذا، فإن لم يقم المشتري بينة على ذلك، ورجع بائعة بالثمن وقضى به، ثم إن البائع أقام بينة على المستحق أنه كان أمره ببيع هذا العبد قبل أن يبيعه ينظر إن كان ما دفع المشتري عين ما قبضه منه أو أمسك المقبوض وردّ مثله، أو استهلك المقبوض وضمن مثله لا تقبل بينته؛ لأنه لا فائدة في قبول هذه البينة؛ لأن فائدة القبول في هذه الصورة، إما إلزام المشتري الغلام أو استرداد ما وقع إلى المشتري، وكل ذلك ممتنع هنا، أما إلزام المشتري الغلام، فلأن البائع لما أثبت الوكالة ظهر أن المستحق كان موكلاً، وقد فسخ العقد مع المشتري حين جحد الشراء، والمشتري قد رضى بذلك الفسخ حين رجع بالثمن على البائع، والعقد متى انفسخ فيما بين الموكل والمشتري بتراضيهما، فالوكيل لا يتمكن من إلزام المشتري ذلك العقد عرف ذلك في موضعه.
ولا وجه إلى الثاني؛ لأن العقد لما انفسخ فيما بين الموكل والمشتري بتراضيهما عاد الثمن إلى ملك المشتري، فإن كان قائماً وجب على البائع وهو الوكيل أن يرد عينه، وإن شاء أمسكه ورد مثله، وإن كان الوكيل قد استهلكه ضمن مثله؛ لأن الوكيل يضمن بالاستهلاك فإنما دفع الوكيل للمشتري ما هو عين حقه فلا يكون له ولاية الاسترداد، وإن كان الثمن قد هلك عند الوكيل وضمن الوكيل للمشتري مثله من ماله قبلت بينته؛ لأن له في هذه البينة فائدة، وهو استرداد ما دفع إلى المشتري؛ لأن بهذه البينة يثبت أنه كان وكيلاً، وهلاك الثمن في يد الوكيل لا يوجب عليه ضماناً، فيظهر أن المشتري أخذ ما أخذ بغير حق، فكان للوكيل ولاية الاسترداد، فلهذا قبلت بينته، وإذا قبلت بينته يسترد من المشتري ما دفع إليه، فيأخذ الغلام من المستحق ويدفعه إلى المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول.
فإن قيل: ينبغي أن لا يكون للوكيل ولاية أخذ الغلام من المستحق لأن العقد انفسخ فيما بين الموكل والمشتري بتراضيهما، فلا يعود بعد ذلك فيقبل بينته على استرداد ما دفع إلى المشتري لا على أخذ الغلام من المستحق، ويرجع الوكيل على المستحق بمثل ذلك الثمن ويدفعه إلى المشتري، لا على أخذ الغلام من المستحق، ويرجع الوكيل على المستحق بمثل ذلك الثمن ويدفعه إلى المشتري؛ لأنه تبين أنه كان للقبض عاملاً للمستحق، فعند عدم سلامة الغلام للمشتري يكون ضمان المقبوض على من وقع القبض له وهو المستحق.
стр. 3696
قلنا: الموكل إنما رضي بالفسخ بشرط أن لا يلحقه الغرم في الآخرة، فإذا آل الأمر إلى أن يلحقه غرم في الآخرة لا يكون راضياً، والمشتري إنما رضي بالفسخ بشرط أن المقبوض له، فإذا آل الأمر إلى أن لا يسلم له لا يكون راضياً، فلا ينفسخ العقد بتراضيهما، لو انفسخ إنما ينفسخ بقضاء القاضي وقد ظهر أن قضاء القاضي وقع باطلاً من الأصل عند محمد وأبى يوسف الآخر. وأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول: قضاء القاضي بالفسخ نفذ من كل وجه، فلا يعود العقد بعد ذلك فتقبل بينة الوكيل على استرداد ما دفع إلى المشتري لا على أخذ الغلام من المستحق، ثم يرجع الوكيل على المستحق بمثل ذلك الثمن، ويدفعه إلى المشتري لما ذكرنا.
وإن كان المشتري باع الغلام من آخر ثم استحق من يد المشتري الأخير بالبينة، ويرجع المشتري الأخير على المشتري الأول بالثمن قضى له، فأقام المشتري الأول بينة على أمر المستحق البائع بالبيع قبلت بينته لما ذكرنا، ويأخذ العبد من يد المستحق ويلزمه المشتري الأخير عند محمد وأبي يوسف الآخر؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ اعتمد سبباً ظاهر وقد انعدم ما يوجب بطلان القضاء وارتفاع الفسخ، ولو أن المشتري الأول لم يجد بينة على ذلك ولكن رجع على بائعه بقضاء القاضي أو بغير قضاء القاضي، وأقام البائع الأول بينة على أمر المستحق، فهو على الوجوه التي ذكرنا في المسألة الأولى؛ لأن العقد الثاني انفسخ بين المشتري الثاني وبين المشتري الأول بتراضيهما على وجه لا يحتمل العود، فخرج هو من البين، بقي الكلام في العقد الأول وقد مر الوجه فيه.
رجل رهن من آخر جارية بألف درهم عليه للمرتهن، وقبضها المرتهن ثم أخذها الراهن بغير إذن المرتهن وباعها من إنسان وسلمها إليه، ثم إن المرتهن أقام بينة على الرهن قبلت بينته؛ لأن عقد الرهن باق، فكان خصماً فيه فقبلت بينته، ويدفع العبد إليه فيكون رهناً عنده؛ لأنه أثبت فيها ملك اليد لنفسه وحق الحبس، وبهذا كان أحق، من البائع فيكون أحق ممن يلقي الملك من جهته، وهل يتمكن المرتهن من فسخ هذا البيع؟ روي عن محمد ﵀ أنه تمكن.
ووجه ذلك: أن حق المرتهن بمنزلة الملك، فإن الثابت له ملك اليد والحبس ومن باع ملك الغير فإن أجازه المالك يتم البيع، وإن فسخه ينفسخ، فهذا مثله والصحيح أنه لا يتمكن؛ لأنه لاحق له حتى إذا أجازه كان المشتري متملكاً العين على الراهن لا على المرتهن، وإنما الثابت للمرتهن حق دفع الضرر عن نفسه بالحبس إلى أن يصل دينه إليه، وهذا المعنى يوجب توقيف العقد أما لا يثبت حق الفسخ، والمشتري بالخيار إن شاء فسخ؛ لأن التسليم فات بسبب كان عند البائع فجعل كأن لم يكن، وإن شاء صبر حتى يفكها الراهن فيأخذها؛ لأن فوات التسليم بسبب يرجى زواله، فله أن ينتظر ذلك، كما لو أبق العبد المبيع قبل القبض، فإن اختار المشتري فسخ العقد، وفسخ القاضي العقد وقضى له بالثمن على البائع، ثم إن البائع قضى المرتهن المال واستردها ليس له أن يلزم
стр. 3697
المشتري؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ اعتمد سبباً ظاهراً، وهو كونها مرهونة، وهذا لم ينعدم من الأصل بل زال بعد تحققه، فلا يوجب بطلان القضاء على ما مر.
ولو كان الراهن قد قضى الدين وقبض الجارية ثم باعها من هذا المشتري، ثم إن المرتهن جحد القضاء، وقضى القاضي له بالعبد رهناً، وطلب المشتري من القاضي أن يفسخ العقد، وفسخ ورد الثمن على المشتري، ثم أقام البائع بينة على قضاء الدين واستردادها قبل البيع وبأخذها، وأراد أن يلزم المشتري هل له ذلك؟ وقع في بعض نسخ محمد ﵀ أن المسألة على التفصيل.
ولو كان المشتري (١٠٩ب٤) لم يقبضها حتى استحقها المرتهن ليس له ذلك؛ لأن قضاء القاضي بالفسخ كان باعتبار سبب قائم، وهو عجز البائع عن التسليم، وهذا لم ينعدم من الأصل، بل ارتفع بعد تحققه، فلا يوجب بطلان القضاء، وإن كان المشتري قبضها فله أن يلزم المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول، خلافاً لأبي حنيفة وأبي يوسف الآخر ﵏؛ لأن الجارية إذا كانت مسلمة إلى المشتري لم يكن قضاء القاضي بالفسخ باعتبار العجز عن التسليم، بل لكونها مرهونة، وهذا قد انعدم من الأصل، فيبطل قضاء القاضي عند محمد وأبي يوسف الأول على ما مر.
ووقع في بعض النسخ أن له أن يلزم المشتري عند محمد وأبي يوسف الأول مطلقاً من غير تفصيل، وهكذا ذكر صاحب «الكتابٍ» فهذا الإطلاق يدل على ولاية الإلزام عند محمد وأبي يوسف الأول، سواء كانت الجارية مسلمة إلى المشتري أو لم تكن، وهو الصحيح، أما إذا كانت الجارية مسلمة فلما قلنا، وأما إذا لم تكن مسلمة فلأن عجز البائع عن التسليم قد انعدم من الأصل؛ لأن عجز البائع عن التسليم لكونها مرهونة، وقد انعدم ذلك من الأصل، والله أعلم.
الفصل التاسع والعشرون: في بيان ما يحدث بعد إقامة البينة قبل القضاء
قال محمد ﵀ في «الجامع» : عبد في يدي رجل جاء رجل وادعى أنه عبده، وأنكر صاحب اليد دعواه، فذهب المدعي ليأتي بالشهود فباع صاحب اليد العبد من رجل وسلمه إليه، ثم أودع المشتري العبد من البائع، وغاب ثم إن المدعي أعاد صاحب اليد عند القاضي هذا ليقيم عليه البينة بحقه، فهذه المسألة على وجوه:
إما إن علم القاضي بما صنع ذو اليد أو لم يعلم، ولكن أقر المدعي بذلك، وفي الوجهين جميعاً لا خصومة للمدعي مع صاحب اليد، وسيأتي جنس هذه المسائل في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى.
وكذلك إذا أقام صاحب اليد بينة على إقرار المدعي بذلك؛ لأن الثابت بالبينة إذا صحت كالثابت عياناً، فكأن القاضي عاين إقرار المدعي بذلك؛ وإن لم يكن شيء من
стр. 3698
ذلك ولكن صاحب اليد أقام بينة على ما صنع، وذكر أنه وديعة في يده لفلان بشراء كان بعد الخصومة، فإن القاضي لا يقبل بينته ولا تندفع عنه الخصومة، وإذا لم تندفع عنه خصومة المدعي، وقضى القاضي عليه بالعبد ببينة المدعي لو حضر المشتري بعد ذلك، وأقام البينة على الشراء من صاحب اليد لا تسمع بينته، لا يدعي تلقياً من جهة ذي اليد، وذو اليد صار مقضياً عليه بالملك المطلق، فكذا من يدعي تلقي الملك من جهة ذي اليد، والذي ذكرنا من دعوى البيع من الغائب، وإيداع الغائب منه كذلك في دعوى الهبة والصدقة.
ولو كان القاضي لم يقض بشهادة شهود المدعي حتى حضر المشتري دفع ذو اليد العبد إليه، ويجعل القاضي المشتري خصماً للمدعي، ولا يكلف المدعي إقامة البينة؛ لأن إقامتها على ذي اليد صحت ظاهراً، فلا يبطل بإقرار ذي اليد، ويجعل المشتري كالوكيل من ذي اليد، وإذا قضى القاضي بالعبد على المشتري للمدعي يبطل البيع الذي جرى بينه وبين ذي اليد، ورجع عليه المشتري بالثمن لاستحقاق المبيع من يده.
وكذلك لو شهد على صاحب اليد رجل واحد، ثم حضر المشتري ودفع العبد إليه فأقام المدعي شاهداً آخر على المشتري قضى له بالعبد، ولا يكلفه إعادة الشاهد الأول وكذلك لو أن ذا اليد باع العبد من غيره، ولم يسلمه إلى المشتري حتى حضر المدعي، فأقام الذي في يده البينة أنه باع من فلان، ولم يسلمه إليه لا يلتفت إلى بينة ذي اليد، ويكون الجواب فيه كالجواب فيما إذا أقام البينة على البيع والقبض ثم الإيداع منه.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجل في يديه عبد، أقام رجل بينة على أنه عبده اشتراه من الذي في يده بألف درهم ونقده الثمن، وأقام ذو اليد بينة إنه عبد فلان أودعه، فإن الخصومة لا تندفع عنه، وستأتي هذه المسألة مع أجناسها في كتاب الدعوى، فلو لم يقض القاضي بالعبد حتى حضر المقر له وصدق ذو اليد فيما أقر له به، فالقاضي يأمر ذا اليد بدفع العبد إلى المقر له؛ لأن الإقرار من ذي اليد وجد في حال العبد مملوك له ظاهراً ثم يقضي القاضي لمدعي الشراء بالعبد، ولا يكلفه إعادة البينة على المقر له، لأن بينته صحت ظاهراً لكون ذي اليد خصماً له من حيث الظاهر، ولم يبطل بإقرار ذي اليد بالعبد للمقر له؛ لأن إقراره حجة في حقه لا في حق غيره، ويصير الغائب إذا حضر كأنه هو الوكيل بالخصومة عن ذي اليد؛ لأنه لما أقر له بالملك والخصومة يكون إلى المالك فقد فوض الخصومة إليه، وصار حاصل مسألتنا في حق المدعي كأنه أقام شاهدين على ذي اليد بالشري منه، فقبل: إن ترك بينته ويقضي له بالعبد، وكلَّ ذي اليد رجلاً حتى تخاصم مع المدعي، ولو كان كذلك كان لا يكلف المدعي إعادة البينة ثانياً كذا هنا.
فإن قال المدعي: أنا أعيد البينة على المقر له كان له ذلك، وكان المقضي عليه في هذه الحالة المقر له إلا ذو اليد، بخلاف ما إذا قال المدعي: أنا لا أعيد البينة، فإن المقضي عليه في هذه الصورة ذو اليد لا المقر له.
والفرق: أن المدعي إذا لم يرض بإعادة البينة لم ينفذ إقرار ذي اليد في حق المدعي
стр. 3699
كيلا يلزمه إعادة البينة، فكأن صاحب اليد لم يقر بذلك، ولو لم يقر كان المدعى عليه ذو اليد، لأن البينة قامت عليه وهو لم يكن وكيلاً عن المقر له، فأما إذا قال أنا أعيد البينة، فقد رضي ببطلان ما أقام من البينة على ذي اليد، فنفذ إقرار ذي اليد في حق المدعي، فصار المقضي عليه في هذه الصورة المقر له، فلو أن القاضي لم يقض بالعبد للمدعي على الذي حضر حتى أقام للذي حضر بينته ويطلب بينته ويطلب بينة مدعي الشراء؛ لأن ببينته بين أن المدعي أقام البينة على غير الخصم، وهذه البينة من رب العبد ما قبلت لإثبات الملك لرب العبد؛ لأن العبد في يده والملك ثابت له بظاهر اليد، فلا حاجة له إلى البينة لإثبات الملك لنفسه في العبد، وإنما قبل لإبطال بينة المدعي، فإن رب العبد بما أقام من البينة أثبت أن المدعي أقام البينة على غير خصم، والبينة من صاحب اليد على إبطال بينة المدعي مقبولة، كما لو أقام البينة أن شهود المدعي كفار أو عبيد أو محدودون في قذف، فإن أقام رب العبد بينة على ما قلنا، ثم أعاد مدعي الشراء البينة على رب العبد أن العبد كان للذي في يديه، وأنه اشتراه منه بألف درهم، ونقده الثمن، فهذا على وجهين.
إما أن أعاد البينة على رب العبد بعدما قضى القاضي لرب العبد ببنيته وفي هذا الوجه لا تقبل بينته؛ لأن مدعي الشراء صار مقضياً عليه من جهة رب العبد؛ لأن رب العبد إنما أقام البينة على مدعي الشراء، والمقضي عليه إذا أقام البينة في عين ما قضى عليه لا تقبل بينته إلا أن يدعي تلقي الملك من جهة المقضي له، ولم يوجد كذا ههنا. وإن كان قبل القضاء تقبل بينة مدعي الشراء متى أعادها على المقر له، ثم هنا ثلاث مسائل.
أحدها: ما ذكرنا أن مدعي الشراء أقام شاهدين فقبل القضاء له أقر صاحب اليد بالعبد لإنسان، وصدقه المقر له.
المسألة الثانية: إذا أقام المدعي شاهداً واحداً على الشراء من ذي اليد، وأقر ذو اليد بالعبد لفلان الغائب، ثم حضر فلان وصدق المقر في إقراره، فإنه يؤمر بدفع العبد إلى المقر له لما مر في المسألة الأولى، فإن أقام مدعي الشراء شاهداً آخر على الشراء قضى بالعبد له، ولا يكلفه القاضي إعادة الشاهد الأول على المقر له لما قلنا في الشاهدين في المسألة الأولى، ويكون المقضي عليه ذو اليد دون المقر له؛ لأن الشاهد الأول قام على ذي اليد، والشاهد الثاني قام على المقر له، وأمكن جعل المقر له تابعاً لذي اليد؛ لأنه رضي بتفويض الخصومة إليه، فجعل الشاهد القائم على المقر له قائماً على ذي اليد كالقائم على المقر له؛ لأن المقر له لم يرض بكون ذي اليد نائباً عنه في الخصومة، فلهذا جعلنا المقضي عليه ذو اليد دون المقر له، وما ذكر محمد ﵀ في «الكتاب» أن القاضي يقضي بشهادة شاهدين على رب العبد أراد بذلك القضاء في حق الأخذ والانتزاع من يده، لا في حق القضاء بالملك، بدليل أنه ذكر أن المقر له لو أقام بينة أن العبد عبده قبلت بينته، ولو صار مقضياً عليه لما قبلت بينته.
стр. 3700
المسألة الثالثة: مدعي الشراء إذا لم يقم البينة على ذي اليد حتى أقر ذو اليد أن العبد لفلان الغائب أودعه إياه، ثم حضر المقر له وصدقه ودفع العبد إليه، ثم أقام مدعي الشراء البينة على المقر له، وقضى القاضي بذلك، كان المقضي عليه في هذه الصورة المقر له (١١٠أ٤) لأن إقرار ذي اليد قبل إقامة مدعي الشراء البينة أصلاً صحيح في حق المدعي، إذ ليس فيه إضرار بالمدعي، فصح وصار الثابت بالإقرار كالثابت بالبينة.
ولو ثبت بالبينة أن الملك له ثم ادعى أن العبد كان لفلان اشتراه منه يقضى به له، ويصير المقر له مقضياً عليه دون ذي اليد كذا هنا، بخلاف المسألة الأولى والثانية؛ لأن ثمة إقرار ذي اليد لم يصح في حق المدعي، لأنه لو صح بطل ما أقام المدعي من البينة، فيتضرر به المدعي بإعادة البينة، هذه الجملة في الباب الثاني من دعوى «الجامع» .
وفي آخر دعوى الجامع رجل في يده دار، جاء رجل ادعى أنها داره، فطلب القاضي من المدعي البينة، فقاما من عند القاضي وباع المدعي عليه الدار من رجل فبيعه صحيح، حتى لو تقدما بعد ذلك إلى القاضي وجاء المدع بشهود يشهدون على الدار له، وقد علم القاضي ببيع المدعي عليه، أو أقر المدعي بذلك فلا خصومة بينهما، وإن كانت الدار في يد المدعي عليه.
ولو أقام المدعي شاهداً واحداً، ثم قاما من عند القاضي فباع المدعى عليه الدار من رجل فبيعه صحيح، حتى لو تقدما بعد ذلك إلى القاضي، وجاء المدعي بالشاهد الآخر، فالقاضي لا يسمع خصومة المدعي إذا علم القاضي بالبيع أو أقر المدعي بذلك.
ولو كان المدعي أقام شاهدين فعدلا، فلم يقض القاضي بشهادتهما، ثم قاما من عند القاضي، وباع المدعي عليه الدار من المدعي لا يصح بيعه، حتى لو تقدما بعد ذلك إلى القاضي، فالقاضي يقضي عليه بتلك البينة، وإن أقر المدعي ببيعه أو علم القاضي بذلك فرق بين الشاهد وبين الشاهدين.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: أنه سوى بين الشاهد الواحد وبين الشاهدين، وأبطل بيع المدعى عليه وبينته في الفصلين جميعاً، ووجه الفرق على ظاهر الرواية: أن بإقامة الشاهدين إن لم يثبت حقيقة الملك للمدعي في المدعى به يثبت حق الملك لوجود الحجة بكمالها، ولا حق الملك للمدعي في المدعى به بمنع صحة بيع المدعى عليه صيانة لحق المدعي، فالمدعي إنما أقر ببيع باطل، والقاضي علم بيعاً باطلاً، فلا يصلح ذلك دافعاً خصومة المدعي لها بإقامة الشاهد الواحد، كما لم يثبت حقيقة الملك للمدعي لم يثبت حق الملك لنقصان في الحجة، فكان تصرف المدعى عليه حاصلاً في خالص ملكه فصح، فالمدعي أقر ببيع صحيح، والقاضي علم بيعاً صحيحاً فصلح دافعاً خصومة المدعي.
وقد فرق في هذه المسألة بين الشاهد الواحد وبين الشاهدين وفي مسألة الإقرار التي تقدم ذكرها، وهو ما إذا ادعى رجل داراً في يدي رجل وأقام المدعي بالدار لرجل آخر، ثم جاء المدعي بالشاهد الآخر أو ظهرت عدالة الشاهدين والدار في يد المقر بعد،
стр. 3701
فالقاضي يقضي على المقر، وسوى بين الشاهدين وبين الشاهد الواحد، والفرق أن الإقرار إخبار، وفي الإخبار الأصل أنه إذا تضمن إلحاق الضرر بالغير أن يعتبر كذباً في حق ذلك الغير، والإقرار بعد الشاهد الواحد يضمن إلحاق الضرر بالمدعي، فإنه متى صح الإقرار يلزم المدعي إعادة ما أقام من الشاهد الواحد على المقر له، عسى يمكنه ذلك وعسى لا يمكنه، فاعتبر كذباً في حق المدعي فلم يصح، فأما البيع وما أشبهه أشياء تصرف، وتهمة الكذب لا تتأتى في الأنساب، فلا يمكننا رد بيعه من هذا الوجه، وطلبنا للرد وجهاً آخر، فقلنا: إذا تضمن تصرف المدعى عليه إبطال ملك أو حق ملك أو يد استحقه على الغير يرد ومالا فلا، وبعد إقامة الشاهد الواحد لم يضمن تصرفه إبطال شيء من ذلك فلم يصح.
وفي «نوادر هشام» : عن محمد ﵀ رجل: ادعى داراً في يدي رجل وجحد المدعى عليه، فسئل الطالب البينة فذهب في طلب البينة وباع المدعى عليه الدار فالبيع جائز، وإن كان قد أقام المدعي البينة، ثم باعها المدعى عليه، قال محمد ﵀: إن قدرت على المشتري أبطلت البيع، وإن لم أقدر عليه وعدلت البينة خيرت المدعي، فإن شاء أخذ من البائع قيمتها، وإن شاء وقف الأمر حتى يقدم المشتري به.
قال: رجل في يديه عبد ادعاه رجلان، كل واحد منهما يقيم البينة أنه عبده، أودعه الذي هو في يديه، وذو اليد يجحد ذلك أولا يجحد، ولا يقر بل يسكت، فلم يقض القاضي بشهادة الشهود، لعدم ظهور عدالتهم، حتى أقر ذو اليد لأحدهما بعينه أنه عبده أودعنيه، فإن القاضي يدفع العبد إلى المقر له لما مر.
فإذا عدلت الشهود قضى بالعبد بينهما نصفين، وكان ينبغي أن يقضي بجميع العبد للذي لم يقر له ذو اليد؛ لأن المقر له لما صدق ذا اليد فيما أقر وأخذ العبد صار العبد ملكاً له رقبة ويداً، فصار المقر له مع صاحبه بمنزلة الخارج مع ذي اليد إذا أقاما البينة على الملك المطلق، فيقضى بكل العبد للخارج.f
واعتبره بما لو أقر ذو اليد لأحدهما قبل أن يقيما البينة، ثم أقام كل واحد منهما بينة على ما ادعى كان العبد كله للذي لم يقر له ذو اليد، لما قلنا فههنا كذلك.
والجواب: وهو الفرق بينما قبل إقامة البينة وبينما بعدها أن التزكية لا تجعل البينة حجة، بل يظهر من ذلك الوقت أن كونها حجة مبنية للاستحقاق من ذلك الوقت، فمتى كان الإقرار بعد إقامة البينة، فعند ظهور العدالة يظهر الاستحقاق قبل الإقرار، فيظهر أن الإقرار كان باطلاً لصدوره عن شخص ظهر أنه ليس بمالك، ومتى بطل الإقرار بطل التصديق ضرورة؛ لأنه مبني عليه، فصار وجود الإقرار وعدمه بمنزلة، فأما إذا كانت الشهادة بعد الإقرار فبظهور العدالة لا يظهر الاستحقاق قبل الإقرار، فلا يتبين بطلان الإقرار، وإذا لم يبطل الإقرار صار المقر له صاحب يد، وغير المقر له خارجاً، فيقضي ببينة الخارج.
ولو أقام كل واحد من المدعيين شاهداً واحداً على ما ادعاه، ثم أقر ذو اليد بالعبد لأحدهما يدفع العبد إليه، ولا يبطل ما أقام كل واحد منهما من الشاهد الواحد، فإن أقام
стр. 3702
غير المقر له شاهداً آخر قضى بالعبد له؛ لأن الشاهد الثاني يضاف إلى الشاهد الأول، فصار كأنه أقام شاهدين، ولم يقم الآخر إلا شاهداً واحداً، فإن لم يقض له حتى جاء المقر له بشاهد آخر قضى بالعبد بينهما نصفان؛ لأن إقرار المقر يلحق بالعدم فيما يرجع إلى إبطال ما أدى من الشهادة، ولو انعدم حقيقة، وأضاف كل واحد منهما إلى شهادة شاهد آخر قضى بينهما كذا هنا، إلا أن يقول الذي لم يقر له ذو اليد قبل أن يقضي القاضي بالعبد نصفان: أنا أعيد شاهدي الأول وأقيمها مع الشاهد الآخر على المقر له قبل أن يقضي القاضي بالعبد بينهما فحينئذٍ يقضي بكل العبد له؛ لأنه حينئذٍ إيراد اليد عن الخصومة، وأبطل ما أقام عليه من الشهادة، وعدم نفاذ إقرار ذي اليد في حق غير المقر له، إنما كان نظراً له كيلا يبطل ما أقام من الشهادة، فإذا رضي به نفذ ووقع الدعوى بين المقر له وهو ذو اليد وبين غير المقر له وهو الخارج، فعند إقامتهما البينة يقضى للخارج.
ولو قال غير المقر له قد مات شاهدي الأول أو غاب، يقال له: هات بشاهد آخر على المقر له يقضى لك بكل العبد؛ لأن شهادة الأول لم يبطل بالموت والغيبة، فكان موته وغيبته وبقاؤه حياً على السواء، فإذا أقام شاهداً آخر مع شهادة الأول أو يقيم شاهدين مستقلين، فيكون بينهما فرق، بينما لو أقام غير المقر له شاهدين مستقلين على المقر له وبينما لو أقام المقر له، شاهدين مستقلين يقضى بكل العبد له، وقال: إذا أقام المقر له شاهدين مستقلين يقضى بالبينة بينهما، والفرق بينهما: وهو أن لغير المقر له أن يستأنف الخصومة مع المقر له ويبرئ المقر عن الخصومة؛ لأن ما يدعيه غير المقر له، في يد المقر له فإذا أقام شاهدين مستقلين فقد أبرأ المقر، وخاصم المقر له، فصار المقر له خصماً، وهو ذو اليد، وغير المقر له خارج، فيقضى بالعبد للخارج، فأما المقر له لا يمكنه أن يجعل للذي ليس بمقر له خصماً، فيستأنف الخصومة معه لأنه لا يد لغير المقر له، فاعتبر إقامة الشاهدين على الخصومة الأولى فبقيا خارجين فيقضي بالعبد بينهما.
لهذا فإن قيل: إن لم يمكن أن يجعل إقامة شاهدين مستقلين من المقر له على سبيل استئناف الخصومة مع المدعي لاستحقاق العبد عليه، يمكن أن يجعل هذا منه إبطالاً لما أقام غير المقر له من الشاهد الأول الذي أقامها على المقر، كما جعل فيما تقدم.
وهو ما إذا ادعى رجل على ذي اليد الشراء منه وأقام البينة على ذلك وادعى ذو اليد أنه لفلان أودعه، فقبل أن يقضي القاضي ببينة مدعي الشراء، حضر فلان وأقام البينة أنه له أودعه (١١٠ب٤) من ذي اليد حيث يبطل به بينة مدعي الشراء فهاهنا كذلك، والجواب ثمة أمكن، فيقول بينته على إبطال بينة مدعي الشراء؛ لأن المقر له بينته تثبت أن مدعي الشراء أقام البينة على مودعه وهو غائب، وبينة المدعي على المودع حال غيبة المودع باطلة، فأمكن قبول بينته لإبطال بينة المدعي، أما في مسألتنا لا يمكن قبول بينة المقر له على إبطال ما أقام على المقر له من الشاهد؛ لأن أكثر ما في الباب أنه يثبت أن غير المقر له أقام البينة على المودع، لكن المقر له حاضر، وبينة المدعي على المودع حال حضرة المودع مقبولة، ولهذا افترقا.
стр. 3703
عبد في يدي رجل أقام رجلان كل واحد منهما البينة على أنه عبده، أودعه إياه وذو اليد جاحد أو ساكت، فقضى بالعبد بينهما نصفان، ثم إن أحدهما أقام على صاحبه تلك البينة أو غيرهما أن العبد عبده لم ينتفع بتلك البينة، ولا يقضي له على صاحبه بشيء؛ لأن كل واحد منهما صار مقضياً عليه في النصف الذي قضى به لصاحبه، لأنه ببينته استحق الكل، ولولا بينة صاحبه لقضي له بكل العبد، فإنما حرم كل واحد عن النصف بينة صاحبه، فصار هو مقضياً عليه في شيء لا يصير مقضياً له في غير ذلك الشيء.
فإن قيل: كيف يجعل كل واحد من المدعيين مقضياً عليه في النصف الذي صار لصاحبه، ولم يكن له في ذلك النصف ملك قبل القضاء لصاحبه؟
قلنا: إن لم يكن فيه ملك كان له حق الملك؛ لأنه أقام البينة أن الكل له، وإنها توجب حقيقة الملك عند اتصال القضاء بها يوجب حق الملك، وحق الملك معتبر بحقيقة الملك، ولو ثبتت الحقيقة يصير مقضياً عليه، فكذا هنا ولو عدلت بينة أحدهما ولم تعدل بينة الآخر، أو لم يقم الآخر شاهداً أصلاً أو أقام شاهداً واحداً، فقضى به لمن عدل بينته، ثم جاء الآخر ببينة عادلة قضى له به لأنه لم يصر مقضياً عليه به من جهة صاحبه؛ لأنه لم يكن له في المقضي به لا حقيقة الملك ولا حق الملك لعدم الحجة الموجبة للقضاء، والقضاء على الإنسان بإزالة الاستحقاق الثابت له، فإذا لم يكن الحق ثابتاً له كيف يتصور إزالته؟ فعلم أنه لم يصر مقضياً عليه، فيسمع دعواه وبينته بعد ذلك، فلو أقام أحدهما البينة، فلم تزكَ بينته حتى أقر ذو اليد أن العبد الذي لم يقم البينة أودعه إياه، ودفع القاضي العبد إلى المقر له، ثم زكيت بينة الذي أقامها وأخذ صاحب البينة العبد من المقر له، ثم إن المقر له أتى ببينته أنه عبده أودعه إياه ذو اليد، قبلت بينته وقضى له بالعبد؛ لأن المقر له لم يصر مقضياً عليه؛ لأن بينة غير المقر له، قامت على ذي اليد وجعل المقر له كالوكيل له لما مر.
فإن قيل: الملك يثبت للمقر له بإقرار ذي اليد وتصديق المقر له إياه، ثم استحق عليه بالقضاء ببينة المدعي، فيجعل المقر له مقضياً عليه، قلنا: إقرار ذي اليد كان بعد إقامة المدعي البينة على ذي اليد، وعند ظهور عدالة الشهود يثبت الاستحقاق من وقت الشهادة، فيظهر أن إقرار ذي اليد كان باطلاً؛ لأنه ظهر أنه لم يكن مالكاً للعبد، وإذا بطل إقراره بطل تصديق المقر له لكونه بناء عليه، وإذا بطل الإقرار والتصديق صار وجوده والعدم بمنزلة.
ولو عدما وباقي المسألة بحاله كان المقضي عليه الذي كان العبد في يده، دون المقر له كذا هنا.
وكذا لو أقام المقر له البينة على ما ذكرنا قبل القضاء لصاحبه ببينته، يقضي للمقر له ويبطل بينة صاحبه؛ لأن بينة المقر له ظهر أن بينة صاحبه قامت على مودع المقر له، وهو ليس بخصم، والبينة متى قامت على غير خصم كان باطلاً.
فإن قيل: بينة المدعي متى قامت على مودع المقر له إنما يبطل إذا كان المقر له
стр. 3704
غائباً وقت إقامة البينة على مودعه، أما إذا كان حاضراً كانت مقبولة فيما تقدم كإقامة البينة على المقر له، وهنا المقر له كان حاضراً وقت إقامة المدعي البينة.
قلنا: المقر له وإن كان حاضراً وقت إقامة البينة على الذي كان العبد في يده حقيقة هنا لكنه غائب حكماً، لأنه ليس بخصم للمدعي وقت إقامة البينة؛ لأنه لم يكن للمقر له في العبد لا ملك ولا حق، ولم يثبت له زيادة خصوصية بهذا العبد من بين سائر الأجانب، وهو كونه بحال لو أقام شاهداً واحداً يقضى له، فصار غائباً حكماً بخلاف ما تقدم، لأن ثمة إن لم يكن للمقر له حقيقة الملك ولا حق الملك بإقامة الشاهد الواحد، لكن له زيادة خصوصية في هذا العبد من سائر الأجانب، لأنه صار بحال يستحق هذا العبد بإقامة شاهد واحد، وكانت خصومته معتبرة وقت إقامة المدعي البينة على مودعه، فكان حاضراً حقيقة واعتباراً بخلاف ما نحن فيه على ما مر.
فإن قال المدعي فهو غير المقر له أنا أعيد شهودي على المقر له، هل يقبل بينته؟ فهذا على وجهين:
إن كان ذلك قبل القضاء بينة المقر له قبلت بينة المدعي؛ لأنه لم يصر مقضياً عليه، ثم يقضي له بجميع العبد؛ لأنه لما أعاد البينة فقد أراد اليد عن الخصومة، ورضي بنفاذ إقراره واستأنف الخصومة، مع المقر له على ما مر، فتقررت يد المقر له واجتمع بينة الخارج وبينة ذي اليد، فكانت بينة الخارج أولى بالقبول.
الفصل الثلاثون: في بيان من يشترط حضرته لسماع الخصومةوالبينة وحكم القاضي وما يتصل بذلك
إذا استحق العبد من يد مشتريه بالملك المطلق، وقضى القاضي بالعبد للمستحق، وقصر يد المشتري عن العبد، ورجع المشتري على بائعه بالثمن، فأقام البائع البينة أن هذا العبد نتج في ملكي من أمتي، وإن القضاء للمستحق وقع باطلاً، وليس لك حق الرجوع علي بالثمن، قبلت بينته إذا أقامها بحضرة المستحق.
إليه أشار في «السير الكبير» في آخر باب صاحب الساق وإنما قبلت بينته؛ لأنه بهذه البينة يدفع استحقاق الثمن، فكان خصماً في إقامتها فقبلت بينته.
وكذلك إذا أقام البائع البينة على أن هذا العبد نتج في ملك بائعي من أبيه قبلت بينته إذا أقامها بحضرة المستحق لما قلنا.
فإن قيل: كيف يقبل بينة البائع في هاتين الصورتين وإن البائع صار مقضياً عليه بالقضاء على المشتري لما مر أن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد قضاء عليه، وعلى من تلقى ذو اليد الملك من جهته.
قلنا: نعم، البائع صار مقضياً عليه ولكن بالملك المطلق لا بالنتاج، والبائع هنا لا يقيم البينة على الملك المطلق، وإنما يقيم البينة على النتاج، والمقضي عليه بجهة إنما لا يقبل بينته في الجهة التي صار مقضياً عليه، لا في جهة أخرى، ألا ترى أن من ادعى دابة
стр. 3705
في يد إنسان ملكاً مطلقاً، وصاحب اليد يدعي النتاج، فلم يجد بينة على النتاج، حتى قضى القاضي بالدابة للمستحق، ثم وجد صاحب اليد بينة على النتاج، وأقامها قبل بينته وقضى بالدابة له، وإن صار ذو اليد مقضياً عليه؛ لأنه صار مقضياً عليه بالملك لا بالنتاج، فقبلت بينته على النتاج لهذا.
ثم إن محمداً ﵀ شرط حضرة المستحق لقبول هذه البينة من البائع.
وبعض مشايخنا أبو ذلك، وقالوا: ينبغي أن لا يشترط حضرة المستحق، وهكذا حكى شمس الأئمة السرخسي ﵀ نوعان وهذا لأن هذه البينة من البائع لدفع استحقاق المشتري الثمن عن نفسه، وهذا معنى يخص المشتري، فلا حاجة إلى إشراط حضرة المستحق، وبعض مشايخنا قالوا: لا بل حضرة المستحق شرط، كما أشار محمد ﵀؛ لأن هذه البينة تتعدى إلى المستحق، فإن هذه البينة متى قبلت بأخذ المشتري العبد من المستحق، فلا بد من حضرته وقيل على قياس قول محمد وأبي يوسف الآخر: حضرة المستحق شرط، وعلى قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول رحمهما الله: لا يشترط حضرته، وهذا القول أشبه وأظهر.
ووجه ذلك أن قضاء القاضي بالعبد للمستحق في هذه الصورة نفذ ظاهراً لا باطناً، وانفسخ العقد ظاهراً لا باطناً، فكان للمشتري أن يأخذ العبد من المستحق، فهذه البينة تتعدى إلى المستحق، فيشترط حضرته، فأما على قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول فقضاء القاضي نفذ ظاهراً وباطناً وانفسخ العقد ظاهراً وباطناً، فلا يتمكن المشتري من أخذ العبد من المستحق، فهذه البينة لا تتعدى إلى المستحق، فلا يشترط حضرته.
قال في الزيادات: وإذا اشترى الرجل من أخر جارية، ولم يقبضها حتى استحقها رجل بالبينة، فالقاضي لا يسمع بينة المستحق، ولا يقضي له بالجارية، ما لم يحضر البائع المشتري، وقد مرت هذه المسألة في الفصل المتقدم.
ولو كان الاستحقاق (١١١أ٤) بعد القبض لا يشترط حضرة البائع، وفي دعوى المستأجر يشترط حضرة الآجر والمستأجر؛ لأن الملك للآجر، واليد للمستأجر، وكذلك في دعوى الرهن يشترط حضرة الراهن والمرتهن؛ لأن الملك للراهن واليد للمرتهن، وإذا أراد الشفيع الأخذ بالشفعة، وكان ذلك قبل قبض المشتري المشترى يشترط حضرة البائع والمشتري للقضاء بالشفعة؛ لأن الملك للمشتري واليد للبائع، وإذا استحق المستعار رجل بالبينة يشترط للقضاء له حضرة المعير والمستعير جميعاً.
وفي دعوى الضياع هل يشترط حضرة الزارعين؟ اختلف المشايخ فيه.
بعضهم شرطوا وبعضهم لم يشترطوا، وبعضهم قالوا: إن كان البذر من قبلهم يشترط حضرتهم؛ لأنهم مستأجرون للأراضي، وإن كان البذر من قبل رب الأرض لا يشترط حضرتهم؛ لأنهم أجروا رب الأرض، وكذلك اختلف المشايخ في اشتراط حضرة غلة (داد در) دعوى بقمحها.
стр. 3706
وإذا ادعى رجل نكاح امرأة ولها زوج ظاهر يشترط حضرة الزوج الظاهر لسماع الدعوى والبينة، وإذا مات الرجل وترك أشياء يمكن نقلها وعليه دين مستغرق لتركته، وليس له وارث ولا وصي، فالقاضي ينصب له وصياً ليبيع تركته، ولا يشترط إحضار التركة لنصب الوصي، وهل يشترط إحضارها لإثبات التركة؟ فقد قيل: يشترط، وقد قيل: لا يشترط وإذا قامت البينة على إفلاس المحبوس لا يشترط لسماعها حضرة رب الدين، ولكن إن كان رب الدين حاضراً أو وكيله حاضراً، فالقاضي يطلقه بكفيل.
ذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : رجل قدم رجلاً إلى القاضي، وقال إني زوجت أمتي هذا على صداق كذا بأمرها وهي بكر، وأنا أريد صداقها، فإن أقر الزوج بالنكاح والمهر ولم يدع الدخول بها، فالقاضي يأمر الزوج أن يدفع المهر إلى الأب، ولا يشترط إحضار المرأة عند أبي حنيفة ومحمد، وهو قول أبي يوسف الأول. وقال زفر: يشترط حضرتها، وهو قول أبي يوسف آخراً، والصحيح قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن العادة الظاهرة فيما بين الناس أن الزوج يسلم الصداق أولاً، ويجهز الولي المرأة بذلك، ثم يسلمها مع جهازها إلى الزوج، فصار الزوج راضياً بتأخير تسليم المرأة، فلا معنى لاشتراط إحضارها.
ولو ادعى رجل على صغير شيئاً وله وصي حاضر يريد به الصغير المحجور عليه، لا يشترط حضرة الصغير، هكذا ذكر شيخ الإسلام في شرح كتاب القسمة، ولم يفصل بينما، إذا كان المدعى به ديناً أو عيناً وجب الدين بمباشرة هذا الوصي، أو وجب لا بمباشرته، وذكر الناطفي في «أجناسه» : إذا كان الدين واجباً بمباشرة هذا الوصي لا يشترط إحضار الصغير.
وفي «أدب القاضي» للخصاف: إذا وقع الدعوى على الصبي المحجور إن لم يكن للمدعي بينة لا يكون له حق إحضار الصغير، وإن كان للمدعي بينة، والمدعي يدعى الاستهلاك فله حق إحضاره؛ لأن الصبي مؤاخذ بأفعاله، والشهود يحتاجون إلى الإشارة إليه، فكان له حق إحضاره، ولكن يحضر معه أبوه حتى إذا لزم الصبي شيء يؤدي عنه أبوه من ماله. وفي كتاب «الأقضية» : أن إحضار الصبي في الدعاوى شرط، وبعض المتأخرين من مشايخنا من شرط ذلك، سواء كان الصغير مدعياً أو مدعى عليه، ومنهم من أبى ذلك.
وإذا لم يكن للصبي وصي يطلب المدعي من القاضي أن ينصب عنه وصياً، أجابه القاضي إلى ذلك، ويشترط حضرة الصغير عند نصب الوصي للإشارة إليه هكذا ذكر في «الفتاوى» وفي كتاب «الأقضية» : ومن مشايخ زماننا من أبى ذلك وقال: أو كان الصبي في المهد اشترط إحضار المهد لا شك أن اشتراط بعيد، وقال: ألا ترى أنه لو وقع الدعوى على امرأة مخدرة أو على مريض لا يشترط إحضارهما، والصبي أعذر، والأول أقرب إلى الصواب وأشبه بالفقه؛ لأن المعنى الذي لأجله شرط حضرة البائع إذا كان مدعياً أو مدعى عليه، وهو قطع الشبهة والتهمة بالإشارة، وذلك المعنى موجود في حق
стр. 3707
الصبي، ولا يبعد إحضار المهد إذا وقعت الحاجة إليه.
وفيما إذا وقع الدعوى على مريض أو امرأة مخدرة، فقد ذكرنا قبل هذا أن القاضي يبعث أميناً من أمنائه مع شاهدين، يشهدان على إقرارهما ونكولهما، فإذا أقرا أو نكلا أمرهما الأمين أن يوكلا وكيلاً، ويكون توكيلهما بمحضر من الأمين بمنزلة توكيلهما بمحضر من القاضي، فتنقطع الشبهة والتهمة على أن ثمة ضرورة، وهو إيفاء الستر على المرأة، وصيانة المريض عن ضرر زائد يلحقه بسبب الحضور بمجلس الحكم، ولا ضرورة في الصبي، حتى لو انعدمت الضرورة ثمة أيضاً بأن كانت بزرة تخالط الرجال، ولا يلحق المريض ضرر زائد بالحضور مجلس الحكم، يشترط إحضارهما أيضاً.
وفي «المأذون الكبير:» العبد المأذون إذا لحقه دين التجارة، وطلب الغرماء من القاضي بيع العبد، فالقاضي لا يبيع العبد إلا بحضرة المولى، فرق بين رقبة العبد وبين كسبه، فإن كسب العبد يباع وإن لم يكن المولى حاضراً، والفرق أن الخصم في رقبة العبد المأذون المولى دون العبد، ألا ترى أنه لو ادعى إنسان حقاً في رقبة العبد كان الخصم هو المولى، فيشترط حضرة المولى أو حضرة نائبه لبيع العبد لهذا، فأما الخصم في كسب العبد هو العبد دون المولى، ألا ترى أنه لو ادعى إنسان في كسبه حقاً كان الخصم في ذلك هو العبد، ولما كان الخصم في أكساب العبد هو العبد يشترط حضرة العبد.
وفيه أيضاً: إذا شهد شاهدان على العبد المأذون بغصب اغتصبه أو بوديعة استهلكها أو جحدها، أو شهدوا عليه ببيع أو شراء أو بإجارة، وأنكر العبد ذلك ومولاه غائب قبلت شهادتهما، ولا يشترط حضور المولى؛ لأنهم شهدوا على المأذون بضمان التجارة، لأن ما يجب بالأسباب التي شهد بها الشهود ضمان التجارة، والخصم في ضمان التجارة المأذون.
ولو كان مكان العبد المأذون عبد محجور عليه إذا شهد عليه شاهدان باستهلاك مال أو غصب اغتصبه، وجحد العبد ذلك لا تقبل هذه الشهادة، إلا بحضرة المولى؛ لأن العبد المحجور فيما يدعى عليه من استهلاك المال ليس بخصم، وقول محمد في هذه المسألة: إن الشهادة لا تقبل.
معناه: أنها لا تقبل على المولى، حتى لا يخاطب المولى ببيع العبد، أما تقبل الشهادة على العبد، ويقضي القاضي عليه حتى يؤاخذ به بعد العتق، هكذا ذكر شيخ الإسلام ﵀ في «شرح المأذون» ، وهذا لأن المدعي ادعى على العبد الاستهلاك ووجوب الدين في ذمته، وادعى على المولى بيع العبد بالدين، فلئن تعذر القضاء على المولى لغيبته أمكن القضاء على العبد، فيقضي القاضي على العبد، حتى إذا عتق يؤاخذ به.
وإن كان المولى حاضراً مع العبد فإن كان المدعي ادعى استهلاك الوديعة أو استهلاك بضاعة على العبد المحجور، وعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله القاضي لا يسمع هذه البينة على المولى؛ لأن المدعي لا يدعى شيئاً على المولى في هذه
стр. 3708
الصورة، فإن العبد المحجور إذا استهلك وديعة عنده، أو بضاعة عنده لا يجب على المولى شيء، ولكن يؤاخذ به بعد العتق، وعند أبي يوسف ﵀ تسمع البينة على المولى؛ لأن المدعي يدعي على المولى بيع العبد في الدين، أو قضاء الدين من ماله، ألا ترى أنه لو ثبت ذلك من العبد معاينة يؤاخذ المولى عبده ببيع العبد، وإن شهد الشهود على إقرار العبد بذلك لا يقضي على المولى بهذه البينة، سواء كان حاضراً أو غائباً، ألا ترى أنه لو ثبت إقرار العبد بذلك معاينة لا يؤاخذ المولى بشيء، فكذلك إذا ثبت بالبينة، والصبي الذي أذن له أبوه أو وصي أبيه في التجارة بمنزلة العبد المأذون له في التجارة، إذا شهد الشهود عليه بما هو من ضمان التجارات قبلت شهادتهم عليه، وإن كان الذي أذن له غائباً.
وإذا شهد الشهود على العبد المأذون بقتل عمد أو قذف امرأة أو زنى أو بشرب خمر والعبد ينكر، فإن كان المولى حاضراً قضى بذلك على العبد بلا خلاف، وإن كان العبد حاضراً والمولى غائباً، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله القاضي لا يقضي عليه بشيء، لأن المستحق بعض هذه الأشياء دم العبد ومال المولى، وبعضها نفس العبد ومال المولى، فكان الخصم العبد والمولى جميعاً وعلى قول أبي يوسف ﵀: القاضي يقضي عليه بالحد والقصاص، كما لو أقام البينة عليه بالحد أو القصاص قبل الإذن، وإن كان الشهود شهدوا على إقرار العبد، وإن شهدوا على إقراره بالحدود الخالصة لله تعالى كحد الزنا، وشرب الخمر، لا تقبل هذه الشهادة بالإجماع، لأنهم شهدوا على إقرار مرجوع عنه، وإن شهدوا على إقراره بالقذف أو بالقتل العمد تقبل البينة حال حضرة المولى، ويقضي بالقصاص، وحد القذف وإن كان المولى غائباً فالمسألة على الخلاف، وإن قامت البينة على إقرار العبد؛ لأن إقرار الذي هو سبب لثبوت القصاص على.g
....... ثبت بالبينة فيعتبر كما لو قامت البينة على (١١١ب٤) القتل والقذف، وهناك يشترط حضرة المولى عندهما، خلافاً لأبي يوسف كذا هنا.
ولو شهد الشهود على صبي مأذون له، أو معتوه مأذون له بقتل عمد أو قذف أو شرب خمر أو زنى، ففيما عدا القتل لا تقبل الشهادة، سواء كان الآذن حاضراً أو غائباً، وفيما إذا شهدوا بالقتل إن كان الآذن حاضراً تقبل الشهادة، ويقضى بالدية على العاقلة، وإن كان الآذن غائباً لا تقبل الشهادة؛ لأن القتل غير داخل تحت الآذن؛ لأن الداخل تحت الإذن التجارة والقتل ليس بتجارة، وما لم يدخل تحت الإذن، فالحال فيه بعد الإذن والحال فيه قبله سواء، وقبل الآذن قامت البينة وقضى بالدية على العاقلة، وإن كان غائباً لا تقبل، فكذا بعد الآذن.
وإن شهدوا على إقرار الصبي والمعتوه بعض ما ذكرنا لا تقبل الشهادة، سواء كان الآذن حاضراً أو غائباً، وإن شهدوا على عبد مأذون له بسرقة عشرة دراهم أو أكثر وهو
стр. 3709
يجحد، فإن كان مولاه حاضراً قطع عندهم جميعاً، وهل يضمن السرقة إن كان استهلكها؟ لا يضمن، وإن كانت قائمة ردها على المسروق منه، وإن كان المولى غائباً لا يقطع العبد عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، ويضمن السرقة الخصم في القطع المولى والعبد، والخصم في مال العبد، وعند أبي يوسف ﵀ يقضي بالقطع؛ لأن الخصم في حق القطع العبد لا غير والعبد حاضر وإن كان الشهود شهدوا بسرقة أقل من عشرة دارهم قضى القاضي بالمال، ولا يقضي بالقطع سواء كان المولى حاضراً أو غائباً.
وإن كان الشهود شهدوا على إقرار المأذون بسرقة عشرة دراهم والمولى غائب، فالقاضي يقضي بالمال على العبد، ولا يقضي بالقطع في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وقال أبو يوسف رحمه بالله: يقضي بالقطع ولو شهدوا على عبد محجور بسرقة عشرة دراهم أو أكثر، فإن كان المولى غائباً، فالقاضي لا يقضي عليه بشيء لا بالقطع ولا بالمال عند أبي حنيفة ومحمد رحمها الله؛ لأن الخصم في حق القطع العبد لا غير، والعبد حاضر وإن كان الشهود شهدوا على إقرار العبد المحجور بالسرقة، فالقاضي لا يقبل هذه البينة أصلاً، إن كان المولى غائباً وإن كان حاضراً لا يسمع البينة على المولى حتى لا يقطع العبد، ولا يؤاخذ المولى ببيعه لأجل المال، ولكن يؤاخذ العبد به بعد العتق.
وإذا وهب الرجل لعبد رجل جارية، ثم أراد الدخول فيها، واختصموا إلى القاضي، ومولى العبد غائب فإن كان العبد مأذوناً فالقاضي يقضي له بالرجوع، وإن كان محجوراً لا يقضي له بالرجوع ما لم يحضر المولى.
أما الأول فلأن الواهب يدعي حقاً فيما في يد المأذون من كسبه، ويده يد معتبرة على ما في يده، ولهذا لو باع ما في يده يجوز، فكان رجوع الواهب إبطال يد العبد فكان هو الخصم في ذلك، فلا يشترط حضرة المولى.
وأما الثاني فلأن يد المحجور على ما في يده ليست بيد معتبرة، ألا ترى أنه لو باع ما في يده لا يجوز، بل يده يد المولى حكماً، فكان رجوع الواهب إبطال يد المولى حكماً، فيشترط حضرة المولى، فإن قال العبد: أنا محجور، وقال الواهب: أنت مأذون، ولي أن أرجع فيها قبل حضور مولاك، فالقول قول الواهب مع يمينه استحساناً؛ لأن الهبة حين وقعت وقعت موجبة للرجوع، فالعبد بقوله: أنا محجور يدعي تأخير حق الواهب في الرجوع إلى أن يحضر المولى، والتأخير نوع إبطال، فكان القول قول الواهب، وإن أقام العبد البينة أنه محجور لا تقبل بينته، هذا إذا كان المولى غائباً والعبد حاضر، فإن كان المولى حاضراً والعبد غائب، فإن كان الموهوب في يد العبد لم يكن المولى خصماً، لأن الواهب لا يدعي على المولى عيناً في يده، ولا حقاً في عين في يده ولا ديناً في ذمته، والإنسان إنما ينتصب خصماً لغيره، يأخذ هذه الوجوه، وإن كانت الهبة في يد المولى، فهو خصم، لأن المولى يزعم أن ما في يده ملكه؛ لأن الموهوب من العبد ملك المولى إذا لم يكن على العبد دين، ولم يعرف دين هنا.
стр. 3710
ومن ادعى حقاً في عين في يد إنسان، وذو اليد يدعى أنه ملك له ينتصب خصماً للمدعي وإن قال المولى: أودعني هذه الجارية عبدي فلان، ولا أدري أوهبتها له أم لا، فأقام المدعي بينة على الهبة، فالمولى خصم؛ لأن المولى يزعم أن ما في يده ملكه، فينتصب خصماً لمن يدعي أنه ملكه، والله أعلم.
الفصل الحادي والثلاثون: في نصب الوصي والقيم وإثبات الوصاية عند القاضي
وإذا ترك الرجل مالاً في البلدة التي فيها، وورثته في بلدة أخرى، فادعى عليه قوم حقوقاً وأموالاً، هل ينصب القاضي عن الميت وصياً ليثبت الغرماء الديون والحقوق على الميت؟ ذكر الخصاف في «أدب القاضي» أن هذه البلدة إن كانت منقطعة عن تلك البلدة، ولا يذهب الغير من ههنا إلى ثمة، ولا يأتي كتاب، للقاضي أن ينصب وصياً.
وذكر الخصاف في «نفقاته» في باب نفقة المرأة إذا مات الرجل، ولم يوصي إلى أحد، وله أولاد صغار وكبار، فالقاضي ينصب وصياً في ما له.
قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: وللقاضي أن ينصب الوصي في مال الميت في ثلاث مواضع.
أحدها: أن يكون على الميت دين، أو يكون الورثة صغار، أو يكون الميت أوصى بوصايا، فينصب وصياً لينفذ وصاياه، فإنما ينصب الوصي في هذه المواضع، وفيما عداها فلا. وما ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : لا يخالف ما ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀؛ لأن المراد مما ذكره شمس الأئمة نصب الوصي لقضاء الدين، والمراد مما ذكر الخصاف ونصب الوصي لإثبات الدين.
وإذا هلك الرجل وترك عروضاً وعقاراً، وعليه ديون وله ورثة كبار، فامتنعت الورثة عن قضاء الدين وعن بيع التركة، وقالوا لرب الدين سلمها التركة إليك وأعلم به فالقاضي هل ينصب وصياً للميت؟ فقد قيل: ينصب، وقد قيل: لا ينصب، ويأمر الورثة بالبيع، فإن أبوا حبسهم حتى يبيعوا، وهذا القائل يقيس هذا على العدل في باب الرهن إذا كان سلطان على البيع وأبى البيع فالقاضي يجبره على البيع بالحبس؛ لأنه امتنع عن إيفاء ما هو مستحق عليه كذا هنا، فإذا حبسه القاضي ولم يبع الآن يبيع بنفسه أو ينصب وصياً للميت ليبيع الوصي إيفاء صاحب الدين بقدر الممكن، وسئل شمس الإسلام الأوزجندي ﵀ عمن مات ولم يترك شيئاً، وعليه دين وأراد الغريم إثبات دينه فله ذلك، يقيم البينة على الورثة إن كان له ورثة وكانوا حضوراً، وإن لم يكن له ورثة إذا كانوا غيباً، فالقاضي ينصب له وصياً حتى يثبت الدين عليه، وهذا الجواب يخالف ما ذكره الخصاف ﵀ في المسألة المتقدمة.
وإذا انصب القاضي وصياً في تركة الأيتام والأيتام في ولايته، ولم تكن التركة في ولايته أو كانت التركة في ولايته، حكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني رحمه
стр. 3711
الله إنه قال: يصح النصب على كل حال، ويعتبر التظالم والاستعداء، ويصير الوصي وصياً في جميع التركة، أينما كانت التركة. وقال القاضي الإمام علي السغدي ﵀: ما كان من التركة في ولايته يصير وصياً فيه ومالا فلا، وقيل أيضاً: شرط صحة النصب كون اليتيم في ولايته، ولا يشترط كون التركة في ولايته.
وإذا نصب القاضي متولياً في وقف ولم يكن الوقف والموقوف عليه في ولايته، قال شمس الأئمة هذا إذا وقعت المطالبة في مجلسه صح النصب، وقال ركن الإسلام ﵀: لا يصح، وإن كان الموقوف عليهم في ولايته بأن كانوا طلبة العلم أو أهل قرية أو أهل بلدة أو...... معدودين أو كان رباطاً أو مسجداً، ولم تكن الضيعة الموقوفة في ولايته قال شمس الأئمة ﵀: تعتبر المرافعة والتظالم، وقال ركن الإسلام: إن كان المقضي عليه حاضراً يجوز عما قدمه تقدموا إلى القاضي، وقالوا: إن فلاناً مات ولم يوص إلى أحد، والحاكم لا يعلم بذلك، فيقول لهم إن كنتم صادقين فقد جعلت هذا وصياً، فإنه يصير وصياً إن كان يعرف هو بالعدالة.
في «فتاوى أبي الليث» وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل جاء إلى قاض من القضاة، وقال: إن أبي فلانا مات وعليه ديون وترك عروضاً وعقاراً ولم يوص إلى أحد، وأنا لا أستطيع بيع ما ترك لأقضي دينه، لأن أهل الناحية لا يعرفونه، لا بأس للقاضي أن يقول: إن كنت صادقاً فبع المال، واقض الدين، إن كان صادقاً وقع ترفعه، وإن كان كاذباً لا يعمل أمر القاضي، وإذا مات الرجل وقد كان أوصى إلى رجل، أي: جعله وصياً وقبل الوصي الوصاية في حياته أو بعد وفاته، وجاء إلى القاضي يريد إثبات وصايته، فالقاضي ينظر فيه (١١٢أ٤) إن كان أهلاً للوصاية تسمع دعواه إذا أحضر مع نفسه من يصلح خصماً، حتى إن المدعي إذا كان عبداً أو صبياً، فالقاضي لا يسمع دعواهما؛ لأنهما ليسا من أهل الوصاية، أما العبد فلأنه مشغول بخدمة المولى، وأما الصبي فلأنه لا يهتدي إلى التجارات، وهل ينفذ تصرفهما اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا ينفذ؛ لأنه لو نفذ تصرفهما: إما أن ترجع العهدة إلى الميت ولا وجه إليه وإنه ظاهر، وإما أن ترجع إليهما، ولا وجه إليه أيضاً؛ لأنهما ليسا من أهل لزوم العهدة، فإن عتق العبد، فالقاضي يسمع دعواه بعد ذلك، ويقضي بوصايته.
وإن كبر الصبي فعلى قول أبي يوسف ﵀: القاضي يسمع دعواه وعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا يسمع، وهنا كلمات كثيرة تأتي في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى، والخصم في ذلك وارث أو موصى له، أو رجل للميت عليه دين، أو رجل له على الميت دين، أما الوارث فلأن الوصي يدعي أن يده فوق يد الوارث في مال الميت رأياً وتدبيراً وتصرفاً، والوارث ينكر ذلك، فيكون خصماً له، وأما الموصى له فلأنه بمنزلة الوارث، وأما الغريم الذي للميت عليه دين فلأنه يدعي حق استيفاء ما عليه من الدين
стр. 3712
وهو ينكر، وأما الغريم الذي له على الميت دين، فقد قال بعض مشايخنا ﵏: إنه لا يكون خصماً له، وقال الخصاف: يكون خصماً؛ لأنه يريد أن يدفع خصومته في الدين، وإنما يكون له ذلك بعد إثبات الوصاية. هذه الجملة من كتاب «الأقضية» .
وفي «المنتقى» رواية إبراهيم: رجل مات وعليه دين وأوصى بثلث ماله أو بدراهم مسماة لرجل، وأخذه الموصى له ثم جاء الغريم، والورثة شهوداً وغيب وقدم الموصى له إلى القاضي، فالموصى له لا يكون خصماً له وأشار إلى أن الوصية متى حصلت بقدر الثلث فالموصى له لا يعتبر بالوارث، وإذا حصلت الوصية بما زاد على الثلث وصحت الوصية بأن لم يكن ثمة وارث فالموصى له خصم الغريم في هذه الحالة، ويعتبر الموصى له في هذه الحالة بالوارث؛ لأن استحقاق ما زاد على الثلاث من خصائص الوارث، والوارث ينتصب خصماً للغريم، ففي حق الوصي يجب أن يكون الجواب كذلك، وصاحب «الأقضية» ذكر الموصى له مطلقاً من غير فصل، بينما إذا كان موصى له بالثلث أو بالزيادة على الثلاث، فيحتمل أن يكون المراد منه ما إذا كان موصى له بالزيادة على الثلث.
ثم إذا أقام بينة على بعض هؤلاء أن الميت قد أوصى إليه، وأنه قد قبل وصايته، نظر فيه القاضي: فإن كان عدلاً مرضي السيرة مهتدياً في التجارة جعله القاضي وصياً، وقضى بوصايته، وإن عرفه بالفسق والخيانة لا يمضي إيصاءه. وإن عرف منه ضعف رأي وقلة هداية في التصرف يمضي وصايته، ولكن يضم إليه أميناً مهتدياً في التجارة حتى يتظاهر في التجارة، فلا يتلف مال الصبي. وإن لم يظهر منه فسق، ولم يعرف بذلك لكن يتهم به، فالقاضي يسد بمسرف أو يضم إليه وصياً آخر، حتى لا ينفرد أحدهما بالتصرف، فيظهر النظر لليتيم، ثم إذا أثبت وصايته بالبينة.
وفي كتاب «الوصاية» : إن أقر الميت بالديون، وأوصى بأنواع البر وحضر غريم، وقضى له بحقه، ثم حضر آخر هل يقضى له بتلك البينة؟ قال أبو حنيفة رضي الله: عنه لا يقضى، وقال أبو يوسف: يقضي، ولم يذكر قول محمد في الكتاب، فأما في الوصايا بأنواع البر يكتفي بهذه البينة بالإجماع، وقال أبو يوسف ﵀ ليس هذا على الوصية بأنواع البر، ووجهه أن ثمة إنما اكتفى بتلك الوصية؛ لأن الوصي انتصب خصماً في إثبات كتاب الوصية، فإذا ثبت ذلك ينتصب جميع ما في «الكتاب» ، وأبو حنيفة ﵁ يقول بأن الغريم الآخر لم يكن حاضراً وقت إثبات كتاب الوصية ولا حضر نائبة، فلا يصح ذلك أما هنا بخلافه.
قال في كتاب «الأقضية» : ولو أن رجلاً حضر عند القاضي وادعى أن أخاه فلان بن فلان مات وترك من الورثة أباه فلان بن فلان، وأمه فلانة بنت فلانة، ومن البنين فلاناً وفلاناً، ومن البنات فلانة وفلانة، وامرأته فلانة بنت فلان، لا وارث له غيرهم، وأنه أوصى إلي في صحة عقله وجواز أموره في جميع تركته، وأني قبلت منه هذه الوصية، وتوليت القيام بذلك، وأنه كان لأخي هذا على هذا الرجل الذي حضر كذا من الدين،
стр. 3713
وإن أخي هذا مات قبل قبضه شيئاً من هذا الدين، وإنّ على هذا الذي حضر قضاء هذا الدين إلي لأصرفه إلى ورثته، وإلى امرأته، فالقاضي يسمع دعواه ويسأل الخصم أولاً عن الموت؛ لأنه لا يصير وصياً قبل الموت، فإن أقر بالموت توجهت عليه المطالبة من جهة الوصي؛ لأن حق المطالبة كان ثابتاً للميت، وبالموت يحول إلى الوصي، ثم يسأله عن الدين؛ لأنه إنما يصير خصماً له في إثبات الوصاية لكونه غريم الميت، فإن أقر بالدين حينئذٍ يسأله عن الوصاية، فإن أقر بها أيضاً لا يؤمر بدفع المال إليه حتى يثبت وصايته بالبينة.
وذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : رجل ادعى أن فلاناً مات وأنه كان أوصى إليه بقبض دينه الذي له على هذا الرجل، والعين الذي في يديه وصدقه المدعى عليه في جميع ذلك، أمر بتسليم الدين والعين إليه، وفرق بين الوصي والوكيل على ظاهر الرواية، والفرق أن للقاضي ولاية نصب الوصي عن الميت، وأمر المديون والمودع بقضاء الدين وتسليم الوديعة إليه من غير إقرارهما، فلا يكون الأمر بالتسليم في هذه الصورة بحكم إقرارهما ليقال بأن إقراره في حق العين صادف ملك الغير، أما ليس للقاضي ولاية نصب الوكيل عن الغائب، وأمر المودع والمديون بقضاء الدين، وتسليم الوديعة إليه فكان الأمر بالتسليم بحكم إقرار المدعى عليه، وإقراره في حق العين صادف ملك الغير فلهذا افترقا.
وفي «الجامع الكبير» أن على قول محمد ﵀ أولاً: يؤمر المدعى عليه بتسليم الدين التي أوصى، ولا يؤمر بتسليم العين، فما ذكر في «الأقضية» يوافق قول محمد ﵀ آخراً على ما ذكر في «الجامع» ، فعلى هذا القول يحتاج إلى الفرق بين الوكالة وبين الوصاية في الدين، والفرق وهو: أن الوصاية لا تثبت إلا بعد موت الوصي، فلو قضينا بإقراره وأمرناه بتسليم الدين إليه، فقد حكمنا بموت الوصي متعدية إلى الميت من عتق أمهات أولاده وغير ذلك، فيؤدي إلى إثبات تلك الأحكام وإقرار رجوع الموكل على المديون إذا حضر وجحد الوكالة، وهذا الحكم غير ثابت، فإن صاحب الدين إذا حضر وجحد الوكالة كان له أن يرجع على المديون، فالعمل بإقراره لا يؤدي إلى إثبات أحكام متعدية إلى الغير، فلهذا افترقا.
ولو كان الغريم أقر بالموت وأنكر الوصاية والمال، كلف المدعي إقامة البينة على الوصاية أولاً؛ لأن دعوى المال إنما تسمع من الخصم، وإنما ينتصب هذا المدعي خصماً بإثبات الوصاية، فإذا ثبت الوصاية بالبينة حينئذٍ يقيم البينة على المال، وكذلك إذا أنكر جميع ذلك كلف الوصي إقامة البينة على الوصاية والموت جميعاً، فينتصب خصماً، فإذا أقامها حينئذٍ يسمع البينة منه على المال ولو أقام البينة أولاً على المال، ثم أقام البينة على الوصاية لا تقبل بينته على المال لما مر، ويؤمر بإعادتها، لأنها قامت من غير خصم؛ لأنه لم يثبت كونه خصماً في تلك الحالة، وإن كان الشهود على الوصاية والموت والمال فريقاً واحداً، فأقام بينة على ذلك كله جملة، قال أبو حنيفة رضى الله: عنه لا
стр. 3714
تقبل بينته على المال ويؤمر بإعادتها، وقال أبو يوسف ﵀: تقبل بينته عليهما، ولا يؤمر بالإعادة، ولكن إذا آل الأمر إلى القضاء، فالقاضي يقضي بالوصاية أولاً ثم بالمال، هكذا ذكر الخصاف، وفي موضع آخر أن القاضي لا يقبل البينة على المال عند أبي حنيفة ﵁ وعند محمد يقبل، قال: ثمة، وقول أبي يوسف ﵀ مضطرب على نحو ما ذكرنا في الوصاية.
وإن أقر بالوصاية والموت فأنكر المال ولم يكن للمدعي بينة، وطلب من القاضي أن يحلفه على المال أجابه القاضي إليه، وإن أقر بالمال والموت وأنكر الوصاية، كان للقاضي أن ينصب وصياً، ولو لم ينصب ليس له أن يستحلفه لأنه لم يصر خصماً بعد، وإن أقر بالوصاية والمال، وأنكر الموت هل يستحلف عليه؟ فالجواب فيه: نظير الجواب في الوارث قبل هذا، ولو كان المدعى عليه أقر بالمال وأنكر الوصاية والموت، وأقام المدعي البينة عليهما وقضى القاضي بالوصاية وبالموت بالشرائط التي ذكرنا؛ وأراد أن يكتب بذلك كتاباً يكتب: هذا كتاب أشهد عليه القاضي فلان بن فلان إلى قولك حضر في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا فلان بن فلان، ويثبت (١١٢ب٤) معرفته عنده باسمه ونسبه ووجهه وذكر: وحضر معه فلان، أثبت معرفة المدعى عليه بالاسم والنسب؛ لأن المدعى عليه حاضر مشار إليه يلزمه ما أقر به المدعي، هذا الذي حضر أن أخاه فلان بن فلان ينسبه إلى أبيه وجده.
عند أبي حنيفة ﵁ توفي وترك من الورثة أباه فلان وأمه فلانة، ومن البنين فلاناً وفلاناً، ومن البنات فلانة وفلانة لا وارث غيرهم إنما يذكر الورثة؛ لأن التركة بعد الموت صارت حقاً وملكاً للورثة، فهو يدعي ديناً على غيره لهم، فلا بد من بيان مستحقيه، ثم ذكر فإنه أوصى إليه في صحة عقله وبدنه وجواز أمره، لا بد من ذكر صحة العقل وجواز الأمر، لأن الإيصاء تصرف قولي، والتصرفات القولية لا تتحقق إلا ممن له عقل، ولا يعتبر شرعاً إلا ممن هو جائز الأمر، فأما ذكر صحة البدن غير محتاج إليه؛ لأن الإيصاء يصح في المرض كما يصح في الصحة.
ثم ذكر في جميع تركته وما يخلف بعده من قليل وكثير إنما قال: في جميع تركته احترازاً عن قول محمد، فإن عنده الوصاية لا تقبل التخصيص.
ثم ذكر وقبل وصيته إليه وتولى القيام بذلك؛ لأن الوصاية تمامها بالقبول فلا بد من القبول ليعلم أنها تممت، ثم ذكر وإن لأخيه فلان الميت هذا على فلان بن فلان، هذا الذي أحضره معه كذا درهماً وزن سبعة حالاً إنما يذكر حلول الدين؛ لأنه إنما ينتصب خصماً باعتبار حق المطالبة إياه وذلك إذا كان الدين حالاً، أما إذا كان مؤجلاً لا يثبت له حق المطالبة، فلا تسمع دعواه ولا بينته على الوصاية.
ثم ذكر: وإن البينة على ما ادعى ولم يبدأ الجواب المدعى عليه؛ لأنه وإن أقر بالوصاية فإنها لا تثبت بإقراره على أدائه كتاب «الأقضية» ، وهو قول محمد ﵀ حتى لا يبرأ عن الدين بالدفع إليه، ولأن الجواب إنما يستحق بعد دعوى الخصم، وإنما
стр. 3715
يعرف كونه خصماً بإثبات الوصاية.
ثم ذكر وأحضر من الشهود رجلين، فشهدا أن فلان بن فلان أخا فلان بن فلان الوصي حضر وقد عرفاه معرفة قديمة باسمه ونسبه ووجهه إنما ذكرا لمعرفة ليعلم أنهم إنما شهدوا لمعلوم معروف عندهم، فالقضاء بالدين والوصاية نفع للميت، فلا بد من معرفتهم ليمكنهم الشهادة بذلك الاسم والنسب بعد الموت.
ثم ذكر توفي وترك من الورثة أباه فلان بن فلان، وأمه فلانة بنت فلان وابنتين يقال لهما: فلانة وفلانة، وابنين يقال لهما فلان وفلان وامرأة اسمها فلانة بنت فلان ولم يحضروا لا يعرفان له وارثاً غيرهم، فعرف القاضي هذين الشاهدين بالعدالة والرضى فقبل شهادتهما فيما شهدا به، وشهد أحد هذين الشاهدين وشاهد آخر، فشهدوا جميعاً أن فلان ابن فلان أشهدهم في صحة عقله وبدنه وجواز أمره أنه جعل أخاه فلان بن فلان الذي حضر وهو حاضر في مجلس الإشهاد ووصيه بعد وفاته، في جميع ما يخلف، فقيل فلأن الذي حضر وصيته إليه، وإنما ذكر وصيته بعد وفاته، وإن كان ينصرف مطلق لفظ الإيصاء إلى ما بعد الموت، ولكن لو قيده بحال حياته بأن قال: وصيي في حياتي كان توكيلالاً فذكر بعد وفاته ليعلم أنه لم يرد به الوكيل بل أراد به كونه وصياً بعد الموت.
ثم ذكر فعرف هذا القاضي هذين الشاهدين بالعدالة والرضى في الشهادة وإنما قيد الرضى في الشهادة؛ لأنه يجوز أن يكون مرضياً ولا تقبل شهادته لمكان عقلية قال الحسن البصري ﵀: من الناس من أرجو شفاعته ولا أقبل شهادته.x
ثم ذكر فسأل القاضي فلان بن فلان يعني المدعى عليه عما ادعى عليه فلان بن فلان لأخيه فلان من الدراهم الموصوفة فيه، أما سؤال المدعى عليه عما ادعى عليه فلان؛ لأنه لما ثبت الوصاية وثبت موت الموصي بهاتين الشهادتين توجهت الخصومة عليه؛ لأنه ظهر أن الدعوى صدرت عن الخصم، فيلزمه الجواب فيسأله عن ذلك، وأما لأخيه لأنه قد ثبت الموت والوصاية وعدة ورثته بهاتين، فلا حاجة إلى السؤال عن ذلك إنما الحاجة إلى السؤال عن الدين الذي يطالب بها المدعى، وإنما يطالب لأجل الميت، فلهذا قال لأخيه فلان بن فلان.
ثم ذكر: فأقر عنده يعني المدعى عليه أن لفلان بن فلان أخي هذا الذي حضر عليه كذا وكذا درهماً وزن سعة نفذ كذا حاله، فيسأل فلان الذي حضر يعني المدعي القاضي إنفاذ القضاء بما ثبت عنده من وفاة أخيه وعدة ورثته ووصيته إليه، وإلزام فلان يعني المدعى عليه، ما أقر به عنده لفلان بن فلان من الدراهم الموصوفة فيه والقضاء بذلك كله عليه ويأمره بدفعها إليه، وإنما خصم وثبت وصايته بالبينة وصار القضاء بالمال مستحقاً عليه إلا أن القاضي إنما يقضي ويلزم المدعى عليه ما أقر به عنده بطلب الخصم، فذكر سؤال المدعي لهذا.
ثم ذكر وأنفذ القاضي فلان بن فلان إلى أخيه فلان في جميع تركته وقبوله هذه الوصاية بما اجتمع عليه الشاهدان اللذان شهدا بذلك عنده في شهادتهم، وهذا لأن شهود
следующие страницы →