Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
الله إنه قال: يصح النصب على كل حال، ويعتبر التظالم والاستعداء، ويصير الوصي وصياً في جميع التركة، أينما كانت التركة. وقال القاضي الإمام علي السغدي ﵀: ما كان من التركة في ولايته يصير وصياً فيه ومالا فلا، وقيل أيضاً: شرط صحة النصب كون اليتيم في ولايته، ولا يشترط كون التركة في ولايته.
وإذا نصب القاضي متولياً في وقف ولم يكن الوقف والموقوف عليه في ولايته، قال شمس الأئمة هذا إذا وقعت المطالبة في مجلسه صح النصب، وقال ركن الإسلام ﵀: لا يصح، وإن كان الموقوف عليهم في ولايته بأن كانوا طلبة العلم أو أهل قرية أو أهل بلدة أو...... معدودين أو كان رباطاً أو مسجداً، ولم تكن الضيعة الموقوفة في ولايته قال شمس الأئمة ﵀: تعتبر المرافعة والتظالم، وقال ركن الإسلام: إن كان المقضي عليه حاضراً يجوز عما قدمه تقدموا إلى القاضي، وقالوا: إن فلاناً مات ولم يوص إلى أحد، والحاكم لا يعلم بذلك، فيقول لهم إن كنتم صادقين فقد جعلت هذا وصياً، فإنه يصير وصياً إن كان يعرف هو بالعدالة.
في «فتاوى أبي الليث» وفي «فتاوى أهل سمرقند» : رجل جاء إلى قاض من القضاة، وقال: إن أبي فلانا مات وعليه ديون وترك عروضاً وعقاراً ولم يوص إلى أحد، وأنا لا أستطيع بيع ما ترك لأقضي دينه، لأن أهل الناحية لا يعرفونه، لا بأس للقاضي أن يقول: إن كنت صادقاً فبع المال، واقض الدين، إن كان صادقاً وقع ترفعه، وإن كان كاذباً لا يعمل أمر القاضي، وإذا مات الرجل وقد كان أوصى إلى رجل، أي: جعله وصياً وقبل الوصي الوصاية في حياته أو بعد وفاته، وجاء إلى القاضي يريد إثبات وصايته، فالقاضي ينظر فيه (١١٢أ٤) إن كان أهلاً للوصاية تسمع دعواه إذا أحضر مع نفسه من يصلح خصماً، حتى إن المدعي إذا كان عبداً أو صبياً، فالقاضي لا يسمع دعواهما؛ لأنهما ليسا من أهل الوصاية، أما العبد فلأنه مشغول بخدمة المولى، وأما الصبي فلأنه لا يهتدي إلى التجارات، وهل ينفذ تصرفهما اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا ينفذ؛ لأنه لو نفذ تصرفهما: إما أن ترجع العهدة إلى الميت ولا وجه إليه وإنه ظاهر، وإما أن ترجع إليهما، ولا وجه إليه أيضاً؛ لأنهما ليسا من أهل لزوم العهدة، فإن عتق العبد، فالقاضي يسمع دعواه بعد ذلك، ويقضي بوصايته.
وإن كبر الصبي فعلى قول أبي يوسف ﵀: القاضي يسمع دعواه وعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا يسمع، وهنا كلمات كثيرة تأتي في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالى، والخصم في ذلك وارث أو موصى له، أو رجل للميت عليه دين، أو رجل له على الميت دين، أما الوارث فلأن الوصي يدعي أن يده فوق يد الوارث في مال الميت رأياً وتدبيراً وتصرفاً، والوارث ينكر ذلك، فيكون خصماً له، وأما الموصى له فلأنه بمنزلة الوارث، وأما الغريم الذي للميت عليه دين فلأنه يدعي حق استيفاء ما عليه من الدين
стр. 3712
وهو ينكر، وأما الغريم الذي له على الميت دين، فقد قال بعض مشايخنا ﵏: إنه لا يكون خصماً له، وقال الخصاف: يكون خصماً؛ لأنه يريد أن يدفع خصومته في الدين، وإنما يكون له ذلك بعد إثبات الوصاية. هذه الجملة من كتاب «الأقضية» .
وفي «المنتقى» رواية إبراهيم: رجل مات وعليه دين وأوصى بثلث ماله أو بدراهم مسماة لرجل، وأخذه الموصى له ثم جاء الغريم، والورثة شهوداً وغيب وقدم الموصى له إلى القاضي، فالموصى له لا يكون خصماً له وأشار إلى أن الوصية متى حصلت بقدر الثلث فالموصى له لا يعتبر بالوارث، وإذا حصلت الوصية بما زاد على الثلث وصحت الوصية بأن لم يكن ثمة وارث فالموصى له خصم الغريم في هذه الحالة، ويعتبر الموصى له في هذه الحالة بالوارث؛ لأن استحقاق ما زاد على الثلاث من خصائص الوارث، والوارث ينتصب خصماً للغريم، ففي حق الوصي يجب أن يكون الجواب كذلك، وصاحب «الأقضية» ذكر الموصى له مطلقاً من غير فصل، بينما إذا كان موصى له بالثلث أو بالزيادة على الثلاث، فيحتمل أن يكون المراد منه ما إذا كان موصى له بالزيادة على الثلث.
ثم إذا أقام بينة على بعض هؤلاء أن الميت قد أوصى إليه، وأنه قد قبل وصايته، نظر فيه القاضي: فإن كان عدلاً مرضي السيرة مهتدياً في التجارة جعله القاضي وصياً، وقضى بوصايته، وإن عرفه بالفسق والخيانة لا يمضي إيصاءه. وإن عرف منه ضعف رأي وقلة هداية في التصرف يمضي وصايته، ولكن يضم إليه أميناً مهتدياً في التجارة حتى يتظاهر في التجارة، فلا يتلف مال الصبي. وإن لم يظهر منه فسق، ولم يعرف بذلك لكن يتهم به، فالقاضي يسد بمسرف أو يضم إليه وصياً آخر، حتى لا ينفرد أحدهما بالتصرف، فيظهر النظر لليتيم، ثم إذا أثبت وصايته بالبينة.
وفي كتاب «الوصاية» : إن أقر الميت بالديون، وأوصى بأنواع البر وحضر غريم، وقضى له بحقه، ثم حضر آخر هل يقضى له بتلك البينة؟ قال أبو حنيفة رضي الله: عنه لا يقضى، وقال أبو يوسف: يقضي، ولم يذكر قول محمد في الكتاب، فأما في الوصايا بأنواع البر يكتفي بهذه البينة بالإجماع، وقال أبو يوسف ﵀ ليس هذا على الوصية بأنواع البر، ووجهه أن ثمة إنما اكتفى بتلك الوصية؛ لأن الوصي انتصب خصماً في إثبات كتاب الوصية، فإذا ثبت ذلك ينتصب جميع ما في «الكتاب» ، وأبو حنيفة ﵁ يقول بأن الغريم الآخر لم يكن حاضراً وقت إثبات كتاب الوصية ولا حضر نائبة، فلا يصح ذلك أما هنا بخلافه.
قال في كتاب «الأقضية» : ولو أن رجلاً حضر عند القاضي وادعى أن أخاه فلان بن فلان مات وترك من الورثة أباه فلان بن فلان، وأمه فلانة بنت فلانة، ومن البنين فلاناً وفلاناً، ومن البنات فلانة وفلانة، وامرأته فلانة بنت فلان، لا وارث له غيرهم، وأنه أوصى إلي في صحة عقله وجواز أموره في جميع تركته، وأني قبلت منه هذه الوصية، وتوليت القيام بذلك، وأنه كان لأخي هذا على هذا الرجل الذي حضر كذا من الدين،
стр. 3713
وإن أخي هذا مات قبل قبضه شيئاً من هذا الدين، وإنّ على هذا الذي حضر قضاء هذا الدين إلي لأصرفه إلى ورثته، وإلى امرأته، فالقاضي يسمع دعواه ويسأل الخصم أولاً عن الموت؛ لأنه لا يصير وصياً قبل الموت، فإن أقر بالموت توجهت عليه المطالبة من جهة الوصي؛ لأن حق المطالبة كان ثابتاً للميت، وبالموت يحول إلى الوصي، ثم يسأله عن الدين؛ لأنه إنما يصير خصماً له في إثبات الوصاية لكونه غريم الميت، فإن أقر بالدين حينئذٍ يسأله عن الوصاية، فإن أقر بها أيضاً لا يؤمر بدفع المال إليه حتى يثبت وصايته بالبينة.
وذكر الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : رجل ادعى أن فلاناً مات وأنه كان أوصى إليه بقبض دينه الذي له على هذا الرجل، والعين الذي في يديه وصدقه المدعى عليه في جميع ذلك، أمر بتسليم الدين والعين إليه، وفرق بين الوصي والوكيل على ظاهر الرواية، والفرق أن للقاضي ولاية نصب الوصي عن الميت، وأمر المديون والمودع بقضاء الدين وتسليم الوديعة إليه من غير إقرارهما، فلا يكون الأمر بالتسليم في هذه الصورة بحكم إقرارهما ليقال بأن إقراره في حق العين صادف ملك الغير، أما ليس للقاضي ولاية نصب الوكيل عن الغائب، وأمر المودع والمديون بقضاء الدين، وتسليم الوديعة إليه فكان الأمر بالتسليم بحكم إقرار المدعى عليه، وإقراره في حق العين صادف ملك الغير فلهذا افترقا.
وفي «الجامع الكبير» أن على قول محمد ﵀ أولاً: يؤمر المدعى عليه بتسليم الدين التي أوصى، ولا يؤمر بتسليم العين، فما ذكر في «الأقضية» يوافق قول محمد ﵀ آخراً على ما ذكر في «الجامع» ، فعلى هذا القول يحتاج إلى الفرق بين الوكالة وبين الوصاية في الدين، والفرق وهو: أن الوصاية لا تثبت إلا بعد موت الوصي، فلو قضينا بإقراره وأمرناه بتسليم الدين إليه، فقد حكمنا بموت الوصي متعدية إلى الميت من عتق أمهات أولاده وغير ذلك، فيؤدي إلى إثبات تلك الأحكام وإقرار رجوع الموكل على المديون إذا حضر وجحد الوكالة، وهذا الحكم غير ثابت، فإن صاحب الدين إذا حضر وجحد الوكالة كان له أن يرجع على المديون، فالعمل بإقراره لا يؤدي إلى إثبات أحكام متعدية إلى الغير، فلهذا افترقا.
ولو كان الغريم أقر بالموت وأنكر الوصاية والمال، كلف المدعي إقامة البينة على الوصاية أولاً؛ لأن دعوى المال إنما تسمع من الخصم، وإنما ينتصب هذا المدعي خصماً بإثبات الوصاية، فإذا ثبت الوصاية بالبينة حينئذٍ يقيم البينة على المال، وكذلك إذا أنكر جميع ذلك كلف الوصي إقامة البينة على الوصاية والموت جميعاً، فينتصب خصماً، فإذا أقامها حينئذٍ يسمع البينة منه على المال ولو أقام البينة أولاً على المال، ثم أقام البينة على الوصاية لا تقبل بينته على المال لما مر، ويؤمر بإعادتها، لأنها قامت من غير خصم؛ لأنه لم يثبت كونه خصماً في تلك الحالة، وإن كان الشهود على الوصاية والموت والمال فريقاً واحداً، فأقام بينة على ذلك كله جملة، قال أبو حنيفة رضى الله: عنه لا
стр. 3714
تقبل بينته على المال ويؤمر بإعادتها، وقال أبو يوسف ﵀: تقبل بينته عليهما، ولا يؤمر بالإعادة، ولكن إذا آل الأمر إلى القضاء، فالقاضي يقضي بالوصاية أولاً ثم بالمال، هكذا ذكر الخصاف، وفي موضع آخر أن القاضي لا يقبل البينة على المال عند أبي حنيفة ﵁ وعند محمد يقبل، قال: ثمة، وقول أبي يوسف ﵀ مضطرب على نحو ما ذكرنا في الوصاية.
وإن أقر بالوصاية والموت فأنكر المال ولم يكن للمدعي بينة، وطلب من القاضي أن يحلفه على المال أجابه القاضي إليه، وإن أقر بالمال والموت وأنكر الوصاية، كان للقاضي أن ينصب وصياً، ولو لم ينصب ليس له أن يستحلفه لأنه لم يصر خصماً بعد، وإن أقر بالوصاية والمال، وأنكر الموت هل يستحلف عليه؟ فالجواب فيه: نظير الجواب في الوارث قبل هذا، ولو كان المدعى عليه أقر بالمال وأنكر الوصاية والموت، وأقام المدعي البينة عليهما وقضى القاضي بالوصاية وبالموت بالشرائط التي ذكرنا؛ وأراد أن يكتب بذلك كتاباً يكتب: هذا كتاب أشهد عليه القاضي فلان بن فلان إلى قولك حضر في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا فلان بن فلان، ويثبت (١١٢ب٤) معرفته عنده باسمه ونسبه ووجهه وذكر: وحضر معه فلان، أثبت معرفة المدعى عليه بالاسم والنسب؛ لأن المدعى عليه حاضر مشار إليه يلزمه ما أقر به المدعي، هذا الذي حضر أن أخاه فلان بن فلان ينسبه إلى أبيه وجده.
عند أبي حنيفة ﵁ توفي وترك من الورثة أباه فلان وأمه فلانة، ومن البنين فلاناً وفلاناً، ومن البنات فلانة وفلانة لا وارث غيرهم إنما يذكر الورثة؛ لأن التركة بعد الموت صارت حقاً وملكاً للورثة، فهو يدعي ديناً على غيره لهم، فلا بد من بيان مستحقيه، ثم ذكر فإنه أوصى إليه في صحة عقله وبدنه وجواز أمره، لا بد من ذكر صحة العقل وجواز الأمر، لأن الإيصاء تصرف قولي، والتصرفات القولية لا تتحقق إلا ممن له عقل، ولا يعتبر شرعاً إلا ممن هو جائز الأمر، فأما ذكر صحة البدن غير محتاج إليه؛ لأن الإيصاء يصح في المرض كما يصح في الصحة.
ثم ذكر في جميع تركته وما يخلف بعده من قليل وكثير إنما قال: في جميع تركته احترازاً عن قول محمد، فإن عنده الوصاية لا تقبل التخصيص.
ثم ذكر وقبل وصيته إليه وتولى القيام بذلك؛ لأن الوصاية تمامها بالقبول فلا بد من القبول ليعلم أنها تممت، ثم ذكر وإن لأخيه فلان الميت هذا على فلان بن فلان، هذا الذي أحضره معه كذا درهماً وزن سبعة حالاً إنما يذكر حلول الدين؛ لأنه إنما ينتصب خصماً باعتبار حق المطالبة إياه وذلك إذا كان الدين حالاً، أما إذا كان مؤجلاً لا يثبت له حق المطالبة، فلا تسمع دعواه ولا بينته على الوصاية.
ثم ذكر: وإن البينة على ما ادعى ولم يبدأ الجواب المدعى عليه؛ لأنه وإن أقر بالوصاية فإنها لا تثبت بإقراره على أدائه كتاب «الأقضية» ، وهو قول محمد ﵀ حتى لا يبرأ عن الدين بالدفع إليه، ولأن الجواب إنما يستحق بعد دعوى الخصم، وإنما
стр. 3715
يعرف كونه خصماً بإثبات الوصاية.
ثم ذكر وأحضر من الشهود رجلين، فشهدا أن فلان بن فلان أخا فلان بن فلان الوصي حضر وقد عرفاه معرفة قديمة باسمه ونسبه ووجهه إنما ذكرا لمعرفة ليعلم أنهم إنما شهدوا لمعلوم معروف عندهم، فالقضاء بالدين والوصاية نفع للميت، فلا بد من معرفتهم ليمكنهم الشهادة بذلك الاسم والنسب بعد الموت.
ثم ذكر توفي وترك من الورثة أباه فلان بن فلان، وأمه فلانة بنت فلان وابنتين يقال لهما: فلانة وفلانة، وابنين يقال لهما فلان وفلان وامرأة اسمها فلانة بنت فلان ولم يحضروا لا يعرفان له وارثاً غيرهم، فعرف القاضي هذين الشاهدين بالعدالة والرضى فقبل شهادتهما فيما شهدا به، وشهد أحد هذين الشاهدين وشاهد آخر، فشهدوا جميعاً أن فلان ابن فلان أشهدهم في صحة عقله وبدنه وجواز أمره أنه جعل أخاه فلان بن فلان الذي حضر وهو حاضر في مجلس الإشهاد ووصيه بعد وفاته، في جميع ما يخلف، فقيل فلأن الذي حضر وصيته إليه، وإنما ذكر وصيته بعد وفاته، وإن كان ينصرف مطلق لفظ الإيصاء إلى ما بعد الموت، ولكن لو قيده بحال حياته بأن قال: وصيي في حياتي كان توكيلالاً فذكر بعد وفاته ليعلم أنه لم يرد به الوكيل بل أراد به كونه وصياً بعد الموت.
ثم ذكر فعرف هذا القاضي هذين الشاهدين بالعدالة والرضى في الشهادة وإنما قيد الرضى في الشهادة؛ لأنه يجوز أن يكون مرضياً ولا تقبل شهادته لمكان عقلية قال الحسن البصري ﵀: من الناس من أرجو شفاعته ولا أقبل شهادته.x
ثم ذكر فسأل القاضي فلان بن فلان يعني المدعى عليه عما ادعى عليه فلان بن فلان لأخيه فلان من الدراهم الموصوفة فيه، أما سؤال المدعى عليه عما ادعى عليه فلان؛ لأنه لما ثبت الوصاية وثبت موت الموصي بهاتين الشهادتين توجهت الخصومة عليه؛ لأنه ظهر أن الدعوى صدرت عن الخصم، فيلزمه الجواب فيسأله عن ذلك، وأما لأخيه لأنه قد ثبت الموت والوصاية وعدة ورثته بهاتين، فلا حاجة إلى السؤال عن ذلك إنما الحاجة إلى السؤال عن الدين الذي يطالب بها المدعى، وإنما يطالب لأجل الميت، فلهذا قال لأخيه فلان بن فلان.
ثم ذكر: فأقر عنده يعني المدعى عليه أن لفلان بن فلان أخي هذا الذي حضر عليه كذا وكذا درهماً وزن سعة نفذ كذا حاله، فيسأل فلان الذي حضر يعني المدعي القاضي إنفاذ القضاء بما ثبت عنده من وفاة أخيه وعدة ورثته ووصيته إليه، وإلزام فلان يعني المدعى عليه، ما أقر به عنده لفلان بن فلان من الدراهم الموصوفة فيه والقضاء بذلك كله عليه ويأمره بدفعها إليه، وإنما خصم وثبت وصايته بالبينة وصار القضاء بالمال مستحقاً عليه إلا أن القاضي إنما يقضي ويلزم المدعى عليه ما أقر به عنده بطلب الخصم، فذكر سؤال المدعي لهذا.
ثم ذكر وأنفذ القاضي فلان بن فلان إلى أخيه فلان في جميع تركته وقبوله هذه الوصاية بما اجتمع عليه الشاهدان اللذان شهدا بذلك عنده في شهادتهم، وهذا لأن شهود
стр. 3716
الوصاية لما كان غير شهود الوفاة، وعدة الورثة والقضاء بناء على الشهادة بذكر القاضي القضاء بما اجتمع عليه كل فريق على حدة ليعلم أن القضاء واقع بأي شهادة، ثم قال: وذلك بعد أن انتهت إليه عدالته وأمانته وإنه موضع لذلك؛ لأن القاضي لو عرف فسقه أو خيانته لا يقضي بوصايته، فيذكر ذلك ليعلم أن قضاءه وقع في محله.
ثم ذكر وأنه أمره أن يقوم في جميع تركة أخيه فلان بن فلان مقام الوصي فيما يجب في ذلك ثبت عليه، وألزام القاضي فلان بن فلان الذي حضر يعني المدعى عليه ما أقر به عنده لفلان من الدراهم الموصوفة فيه، وقضى بذلك كله عليه، وأمره بدفعها إلى فلان بن فلان الذي حضر وصي أخيه فلان، وهذا لأن المال قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت، فيكون الدين للميت، فلهذا أضاف الدين إليه، ولكن إذا آل الأمر إلى الآمر بالدفع، يأمر القاضي بدفعها إلى الوصي لأنه قائم مقام الميت في قبض حقوقه.
ثم يذكر وأنفذ ذلك كله وقضى به على ما سمى، ووصف في هذا الكتاب بمحضر من فلان وفلان، وهو يومئذ قاضي عبد الله فلان أمير المؤمنين على مدينة كذا، إنما ذكر ذلك لأن الإشهاد على الحكم إنما يصح من القاضي، والقضاء لا ينفذ إلا من القاضي، فشرط أن يذكر أنه قاض يوم الحكم ليعلم أن القضاء وقع صحيحاً ثم يكتب التاريخ والله أعلم.
وليس للقاضي ولاية نصب الأوصياء، ولا ولاية نصب قيّم الأوقاف إذا لم يكن في منشوره ذلك إذا قال القاضي لرجل جعلتك وكيلاً في تركة فلان فهو وكيل بالحفظ خاصة، إلا أن يكون به ما يدل على الوكالة بأن يقول: تبيع ونشتري فحينئذٍ يكون وكيلاً تاماً، ولو قال جعلتك وصياً في تركة فلان فهو وصي تام، وهذا لأن القاضي بمنزلة المالك ولو قال المالك لرجل أنت وكيل في مالي فهو وكيل بالحفظ، ولو قال أنت وصي في مالي فهو وصي تام له بعد الموت، فكذا إذا قال القاضي ذلك.
القاضي إذا خرج إلى القرية ونصب فيما في أمور الصبي أو في وقف أو في نكاح أيتام، حكى فتوى ظهير الدين ﵀ أنه يجوز لأنه ليس بقضاء ولا هو من عمل القضاء، فلا يشترط له المصر وإنه مشكل عندنا لأن القاضي إنما يفعل ذلك بولاية القضاء، ألا ترى أنه لو لم يؤذن له في ذلك لا يملك فكان من جملة القضاء والله أعلم.
الفصل الثاني والثلاثون: في القضاء على الغائب والقضاء الذي ينفذ به إلى غير المقضي عليه، وقيام بعض أهل الحق عن البعض في إقامة البينة
قال: القضاء على الغائب وللغائب لا يجوز إلا إذا كان عنه خصم حاضر، أما قصدي في ذلك بتوكيل الغائب أما هو إما حكمي، وذلك بأن يكون المدعي على الغائب سبباً لثبوت المدعي على الحاضر لا محالة أو شرطاً له على ما ذكره فخر الإسلام ﵀، وعند عامة المشايخ أن يكون المدعي على الغائب سبباً لثبوت المدعى عليه على
стр. 3717
الحاضر لا محالة، وإليه أشار محمد ﵀ في الكتب في مواضع، وقد ذكرنا هذا الأصل بتمامه في كتاب النكاح من «الفتاوي» وبعض المتأخرين من مشايخنا وافقوا فخر الإسلام في انتصاب الحاضر خصماً عن الغائب إذا كان المدعي على الغائب شرطاً لثبوت المدعي على الحاضر، وبه كان يفتى شمس الإسلام محمود الأوزجندي.
حكى عنه ظهير الدين المرغيناني ﵀، وذكر في طلاق «الجامع الأصغر» رجل قال لامرأته إن طلق فلان امرأته فأنت طالق، ثم إن امرأة الحالف ادعت على الحالف أن فلاناً طلق امرأته وفلان غائب وأقامت البينة لا تقبل بينتها هذه، ولا يحكم بوقوع الطلاق عليها، وقد أفتى بعض المتأخرين بقبول هذه البينة وبوقوع الطلاق.
فإن قيل أليس إنه لو قال لامرأته إن دخل فلان الدار، فأنت طالق ثم إن المرأة أقامت البينة أن فلاناً دخل ليس بقضاء على الغائب إذ ليس فيه إبطال حق على الغائب، بخلاف مسألة «الجامع الأصغر» ، لأن ذلك قضاء على الغائب، لأن فيه إبطال نكاح الغائب والحاصل أن الإنسان إذا أقام البينة على شرط حقه بإثبات فعل على الغائب، فإن لم يكن فيه إبطال حق على الغائب أفتى بعض المتأخرين أنه تقبل البينة، ويقضي على الحاضر والغائب جميعاً والأصح أنه لا تقبل (١١٣أ٤) هذه البينة ولا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب وبه كان يفتى ظهير الدين المرغيناني، ومسألة «الجامع الأصغر» تدل على صحة هذا القول.
وما يفعله الوكلاء على باب القضاة اليوم من إثبات البيع أو الوقف أو الطلاق على الغائب يجعله شرطاً لوكالة الحاضر، وصورته: أن يقول زيد مثلاً لجعفر: إن كان عمرو مثلاً باع داره أو طلق امرأته أو وقف ضياعه على سبيل كذا فأنت وكيلي في إثبات حقوقي على الناس، والخصومة فيها وقبضها، ثم إن جعفراً يحضر رجلاً لزيد عليه مال ويدعي أن زيداً قد وكله بقبض حقوقه على الناس وإثباتها والخصومة وكالة معلقة بشرط كامن، وهو بيع عمرو ضياعه من فلان أو طلاق عمرو امرأته، وإن عمراً قد كان باع ضياعه أو طلق امرأته قبل توكيل زيد إياي، وقد صرت وكيلاً من زيد بالخصومة في حقوقه وقبضها، وإن لزيد عليك كذا وكذا فيقول المدعى عليه نعم، إن زيداً قد وكلك على الوجه الذي قلت، إلا أني لا أعلم أن هذا الشرط هل كان؟ وهل صرت أنت وكيلاً؟ فيقيم جعفر البينة على بيع عمرو داره أو على طلاق امرأته، فيقضي القاضي بالبيع على عمرو وبوكالة الحاضر، فهذا فتوى بعض المتأخرين.
وذكر في كتاب الحوالة والكفالة: إذا كفل رجل عن رجل بألف درهم وغاب المكفول عنه، فادعى الكفيل على الطالب أن الألف التي كفلت بها دين فلان من ثمن الخمر، وقال الطالب: لا بل كان من ثمن عبد، فالقول قول الطالب. فإن أراد الكفيل أن يقيم بينة على الطالب بذلك لا تقبل بينته، ولا ينصب الطالب خصماً له في ذلك بخلاف ما لو كان المطلوب حاضراً، وأقام البينة على الطالب على أن الألف التي يدعي عليَّ من
стр. 3718
ثمن خمر، حيث تقبل بينته؛ لأن المطلوب عاقد، فإن المدامة جرت بين الطالب والمطلوب وأحد المتعاقدين إذا ادعى فساد العقد وأقر صاحبه، كان له الإثبات على صاحبه بالبينة، وأما الكفيل أجنبيٌّ عن العقد الذي جرى بين الطالب والمطلوب، والأجنبي إذا ادعى فساد عقد الغير وأراد إثباته بالبينة لا يسمع منه، لأنه ليس يدعي لنفسه حقاً بدعوى هذا الفساد، فأما الكفيل بدعوى الفساد يدعى لنفسه حقاً، وهو براءة نفسه عن ضمان الكفالة، فإنه يقول الألف التي كفلت بها عن الأصيل كان من ثمن خمر وثمن الخمر لا يصير ديناً للمسلم على المسلم، ومتى لم يكن الدين واجباً على الأصيل لا يصح الكفالة، فالكفيل بما يدعى من فساد عقد الغير يدعي براءة نفسه عن الكفالة فكان دعوى الفساد سبباً لثبوت ما يدعيه على الطالب من براءته عن ضمان الكفالة.
والأصل: أن من ادعى حقاً على حاضر بسبب على الغائب، فإنه ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب ويقوم إنكار الحاضر مقام إنكار الغائب، كما لو ادعى عيناً في يد إنسان أنه اشتراه من فلان الغائب وأنكر ذو اليد وأقام البينة على الشراء والملك للغائب، فإنه يقبل بينته وينتصب الحاضر خصماً عن الغائب في إثبات الشراء، حتى لو حضر الغائب وأنكر الشراء لا يكلف إقامة البينة؛ لأنه ادعى حقاً على الحاضر، وهو استحقاق يده بسبب ادعاه على الغائب إذا كان ما يدعى من سبب حقه على الغائب دعوى على الغائب، فأما إذا كان ما يدعي من سبب حقه دعوى للغائب من كل وجه، فأما ما كان يدعي من سبب حقه دعوى على الغائب يمكنه الإثبات بإنكار الغائب متى حضر، فأمكنه الإثبات بإنكار الحاضر الذي قام مقامه.
والدليل على الأصل الأول مسألة الشراء، فإن الحاضر انتصب خصماً في دعوى الشراء على الغائب؛ لأن الشراء من الغائب سبب لثبوت حقه على الحاضر، وإنه دعوى على الغائب، لأنه بالشراء يدعي عليه استحقاق، ويمكنه الإثبات على الغائب بإنكاره متى حضر، فكذا بإنكار ذي اليد الذي قام مقامه.
والدليل على الأصل الثاني: ما قالوا فيمن اشترى عبداً من إنسان شراء فاسداً، فجاء البائع يريد أن يسترده من المشتري فقال المشتري أقررت به لفلان الغائب، وانقطع حقك في الاسترداد، وأنكر البائع ذلك فأراد إقامة البينة على إقراره للغائب لم تسمع بينته ولا ينتصب الحاضر * وهو البائع * خصماً عن الغائب، لأن ما يدعى من سبب الحق وهو الإقرار للغائب دعوى للغائب من كل وجه لا عليه بوجه ما، ولهذا لا يمكنه إثبات ما ادعى على الغائب متى حضر وأنكر بالبينة، وإن كان لو ثبت ذلك للغائب كان سبباً لثبوت ما يدعي من الحق على الحاضر وهو انقطاع حقه في الاسترداد.
إذا ثبت هذا فنقول: ما يدعي الكفيل من فساد العقد الذي بين الطالب والمطلوب وإن كان سبباً لثبوت ما يدعيه على الطالب من براءته عن ضمان الكفالة، إلا أنه ليس
стр. 3719
بدعوى على الغائب بل له، فإنه يقر له ببراءته عن اليمين وإنه دعوى له من كل وجه ألا ترى أنه لو حضر المطلوب، وأنكر أن يكون عليه من ثمن خمر، وإنما كان من ثمن عبد لا يمكن للكفيل إثبات ذلك عليه بالبينة، وإذا لم يمكنه إثبات ما ادعى من سبب الحق على الغائب لو حضر وأنكر، فبإنكار الطالب الذي يقوم إنكاره مقام إنكاره أولى، وإذا لم تصح دعوى الكفيل؛ لأن الطالب لم ينتصب خصماً له، فصار دعوى الكفيل فساد العقد، ودعوى أجنبي آخر سواء.
قال في «الأقضية» وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل ادعى على رجل ألف درهم لنفسه ولغائب من ثمن عبد أو ثوب باعاه وأقام البينة. قال أبو حنيفة ﵁: يقضى بنصيب الحاضر دون الغائب، حتى لو حضر الغائب كلف إعادة البينة، وقال أبو يوسف يقضى بنصيب الحاضر والغائب جميعاً، حتى لا يحتاج الغائب إلى إعادة البينة إذا حضر قال صاحب «شرح الأقضية» وذكر بعد هذا ما يدل على رجوع أبي يوسف إلى قول أبي حنيفة ومحمد في الظاهر، وعلى ما عليه عامة الروايات مع أبي حنيفة، وذكر في «المنتقى» قول محمد مع أبي يوسف قال في «المنتقى» : وإن كان الألف ميراثاً بينه وبين الغائب لا يكلف الغائب إعادة البينة إذا حضر بلا خلاف.
قال في «المنتقى» : والحاصل أن الدين إذا كان مشتركاً بين رجلين لا بجهة الوراثة بل بجهة أخرى، فأحد الشريكين لا ينتصب خصماً عن الآخر عند أبي حنيفة ﵁. وإن كان مشتركاً بجهة الإرث ينتصب خصماً، وعند أبي يوسف ينتصب خصماً على كل حال.
قال محمد ﵀ في «المنتقى» : ما قال أبو حنيفة قياس، وما قاله أبو يوسف استحسان، ومحمد ﵀ أخذ بالاستحسان كأبي يوسف.
وجه قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على ما ذكر في «المنتقى» : أن الحاضر لا يتمكن من إثبات حقه إلا بإثبات حق الغائب، لأن البينة قامت على إثبات دين مشترك بينه وبين الغائب، ولا يتمكن من إثبات حقه في ذلك الدين إلا بإثبات حق الغائب فيه ليكون الدين مشتركاً، وفي مثل هذا ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب.
ولأبي حنيفة ﵁ أن البينة إنما تقبل على الخصم من الخصم، وهنا لا خصم في حق نصيب الغائب، لأن الخصم على طريق الأصالة من الغائب لم بوجد وبطريق النيابة كذلك؛ لأنه لم توجد الإنابة من جهته، ولا ينتصب خصماً باعتبار إيصال حقه بحق الغائب؛ لأن حقه يمتاز عن حق الغائب في الجملة، فلم يكن من ضرورة الحكم له الحكم للغائب، فيقتصر القضاء له.
ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله على ما ذكر في «المنتقى» إذا حضر الغائب وصدق الحاضر فيما ادعى كان بالخيار: إن شاء شارك المدعي فيما قبض ثم يتبعان المطلوب، وإن شاء اتبع المطلوب ويأخذ نصيبه منه.
وإن لم يحضر الغائب حتى رجع الشاهدان عن شهادتهما، فإن على قول أبي حنيفة
стр. 3720
رضي الله عنه: يبطل حق الغائب ولا يقضى له بشيء لأن القضاء لم ينفذ في حق الغائب، ورجوع الشاهد قبل القضاء يمنع القضاء، ولا يعمل هذا الرجوع في حق الحاضر، لأنه بعد تمام القضاء له. ثم يشارك الغائب إذا حضر فيما قبض؛ لأنهما تصادقا على الشركة بينهما، وأحد الشريكين إذا قبض نصيبه من الدين المشترك كان للآخر حق المشاركة معه، ثم إذا شاركه فالحاضر لا يرجع على المطلوب بشيء؛ لأن حق المشاركة إنما ثبت بإقرار الحاضر. وإنه ليس بحجة في حق المطلوب.
قال في «إملاء بشر بن الوليد» : قال أبو يوسف ﵀: إذا صار الشاهدان بحال لا يجوز القضاء بشهادتهما بأن عمي أو خرس قبل قدوم الغائب، ثم قدم (١١٣ب٤) الغائب لم يقض له بشيء، وهذا يدل على رجوع أبي يوسف إلى قول أبي حنيفة لأنه لو نفذ القضاء له قبل حضرته لم يبطل باعتراض هذه العوارض في الشهود.
وإذا ادعى رجل أني وفلان الغائب اشترينا هذه الدار من هذا الرجل بألف درهم ونقدنا له الثمن، وأقام البينة على ذلك، فعلى قياس قول أبي حنيفة ﵁: يقضي للحاضر بنصف الدار، فإذا قدم الغائب كلف إعادة البينة، وعلى قول أبي يوسف: يقضي بالدار كلها للحاضر والغائب، ويدفع إلى الحاضر نصف الدار ويوضع النصف الباقي على يدي رجل ثقة. قال أبو يوسف ولا أقسمها حتى يحضر الغائب، قال في «المنتقى» : فإن قدم الغائب وجحد الشراء بطل نصيبه من ذلك، وجاز نصيب الحاضر، وهذا بلا خلاف وذكر أصل المسألة في «المنتقى» على الخلاف، وذكر هذه المسألة في «المبسوط» : وقال: يقبل هذه البينة في حق الحاضر، ولا يقبل في حق الغائب، ولم يذكر فيها خلافاً، وذكر الجصاص المسألة على الخلاف على حسب ما ذكرنا، وذكرنا في «المنتقى» على قول أبي يوسف: ينزع نصيب الغائب من يد المدعى عليه، بعض مشايخنا قالوا: هذا إذا وصل الثمن إلى البائع، أما إذا لم يصل لا ينزع؛ لأنه لو كان حاضراً، وأراد قبض نصيبه قبل إعطاء الثمن لم يكن له ذلك، فحال غيبته أولى، وبعضهم قالوا: نقد الثمن يحتاج إليه للدفع إلى المشتري، ونحن لا ندفعه إلى المشتري، بل نضعه على يدي العدل، ويد العدل في الحبس نظير يد البائع، كما أن يد العدل في يد الرهن نظير يد المرتهن في الحبس.
قال في كتاب «الأقضية» : وإذا ادعى رجل على رجل أنه كان لأبي على هذا الرجل ألف درهم، وقد مات أبي قبل استيفاء شيء منها وترك من الورثة أباً وابناً آخر هو غائب، وأقام البينة وطلب نصيبه منه فالقاضي يقضي بنصيب الحاضر والغائب حتى إذا حضر الغائب لا يكلف إعادة البينة ولم يحك خلافاً، وذكر في كتاب «المبسوط» أن أحد الورثة إذا أقام البينة على القصاص على رجل يثبت ذلك في حق جميع الورثة، حتى لا يكلف بقية الورثة على إقامة البينة إذا حضروا عند أبي يوسف ومحمد. وعلى قول أبي حنيفة ﵀: يثبت حق الحاضر بهذه البينة، ولا يثبت حق الغائب حتى يكلف الغائب إذا حضر إعادة البينة.
وذكر في دعوى «المبسوط» : دار في يدي رجل، أقام رجل البينة أن أباه مات وترك
стр. 3721
هذه الدار ميراثاً له ولأخيه فلان، لا وارث له غيرهما وأخوه غائب، فإن القاضي يقضي بحصة الحاضر وينزع نصيبه من يده ويسلمه إليه، وأما نصيب الغائب، فيترك في يد ذي اليد حتى يحضر الغائب في قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: إن كان صاحب اليد منكراً كما هو موضوع المسألة حتى احتيج إلى إقامة البينة يخرج نصيب الغائب من يده، ويضعه على يدي عدل. وإن كان مقراً يترك نصيب الغائب في يده، قالا: وهذا استحسان.
فإن ترك نصيب الغائب في يد ذي اليد ثم حضر الغائب، هل يكلف إعادة البينة؟ لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في كتاب الدعوى، واختلف المشايخ فيه على قول أبي حنيفة ﵀، منهم من قال: يكلفه إعادة البينة كما في مسألة القصاص، ومنهم من قال: لا يكلفه إعادة البينة، وجعل هذه المسألة على الوفاق، وهو الصحيح. وقيل مسألة دعوى الدين بالإرث يحتمل أن تكون على الاختلاف أيضاً كمسألة القصاص، وصاحب «الأقضية» ذكرها مطلقة من غير ذكر خلاف، ولكن هذا ليس بصحيح، فقد حكينا آنفا عن «المنتقى» أنها على الوفاق، فيحتاج أبو حنيفة ﵀ إلى الفرق (بين مسألة القصاص و) بين الدين الموروث، ويحتاج أيضاً إلى الفرق بين الدين المشترك بجهة الإرث وبين الدين المشترك لا بجهة الإرث.
أما الفرق بين الدين الموروث وبين القصاص أن في فصل الدين الوارث يثبت الدين لمورثه؛ لأن التركة قبل القسمة مبقاة على حكم ملك الميت على ما عرف في موضعه، فالدعوى تقع للمورث، وأحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت في جميع ما يدعي للميت أو يدعى عليه، فيثبت بدعواه وبينته جميع الدين للورثة، فلا يحتاج الغائب إلى إعادة البينة، ولأجل هذا المعنى قلنا: إن الصحيح في مسألة الدار أن الغائب لا يكلف إعادة البينة على قول أبي حنيفة.
فأما في فصل القصاص، فالوارث لا يثبت القصاص للمورث؛ لأن ملك القصاص ملك استيفاء، فيستحيل ثبوته لمن لا يقدر على الاستيفاء، وإنما يثبت القصاص للورثة ابتداء، وأحد الورثة لا ينتصب خصماً عن باقي الورثة فيما يثبت لهم ابتداء.
وأما الفرق بين الدين المشترك بجهة الإرث وبين الدين المشترك لا بجهة الإرث أن في الدين المشترك بجهة الإرث الوارث يثبت الدين للمورث، وهو خصم عن المورث في جميع ما يثبته له، فأما في الدين المشترك لا بجهة الإرث يثبت الملك لهما ابتداء، وأحد الشريكين ليس بخصم عن الآخر في إثبات ذلك له.
ومن جنس هذه المسائل مسألة الهبة، وصورتها: رجل ادعى على رجل أنه وهب له ولفلان هذا وسلمه إليهما، فإن كان الموهوب شيئاً لا يحتمل القسمة صحت هذه الدعوى وقبلت بينته في حق الحاضر دون الغائب عند أبي حنيفة ﵀، وعلى قول أبي يوسف ﵀ تقبل بينته في حق الحاضر دون الغائب أيضاً، كما في الشراء، وإن كان الموهوب شيئاً يحتمل القسمة بأن كانت داراً لم تصح هذه الدعوى عند أبي حنيفة ﵁؛ لأن عنده هبة الدار من رجلين فاسدة، وعندها هبة الدار من رجلين صحيحة، فتصح هذه الدعوى.
стр. 3722
ومن جنس هذا: مسألة الرهن، وصورتها: رجل (ادعى) أني وفلان الغائب ارتهنا من هذا الرجل الدار التي في يديه بدين لهما عليه، ثم إنه استولى عليها وأقام على ذلك بينة، فعلى قول أبي حنيفة ﵁: لا تقبل هذه البينة؛ لأن عنده إنما تقبل البينة في نصيب الحاضر لا غير، وذلك متعذر ههنا؛ لأنه يصير رهن المشاع، ورهن المشاع لا يجوز، ما يحتمل القسمة وما لا يحتمل القسمة فيه على السواء.
ومن هذا الجنس مسألة الوصية: رجل مات وأوصى بوصايا بشيء لأناس مختلفين في كتاب وصيته، فحضر واحد منهم، وقدم بعض الورثة، وأقام البينة على الوصية، فعلى قول أبي حنيفة ﵁ يقضى بنصيب الحاضر دون الغائب، وعلى قول أبي يوسف: يقضى بجميع الوصية، حتى إذا حضر الغائب لا يكلف إعادة البينة ثانياً.t
ذكر في كتاب «الأقضية» عن أبي يوسف: لو أن رجلاً ادعى على رجلين مالاً في صك، أحدهما حاضر فجحد والآخر غائب، وأقام على ذلك بينة، فإن أبا حنيفة ﵁ قال: أقضي بالمال على الشاهد والغائب جميعاً، قال الشيخ أبو بكر الرازي الكبير ﵀: هذا الجواب على أصل أبي حنيفة لا يستقيم؛ لأن الحاضر لا ينتصب خصماً عن الغائب عنده في جنس هذه المسائل.
قال المصنف: ورأيت في «المنتقى» عن أبي حنيفة ﵀ أنه قال: أقضي على الحاضر بنصف المال، وقال أبو يوسف: أقضي على الحاضر والغائب بجميع المال، واعلم بأن محمداً ﵀ ذكر هذه المسائل في «المبسوط» وأجاب في الكل على نمط واحد أن عند أبي حنيفة ﵁ القضاء على الحاضر وللحاضر يقتصر عليه، وصاحب «الأقضية» ذكر في بعض هذه المسائل أن على قول أبي حنيفة: القضاء على الحاضر، وذكر في بعضها أنه يتعدى القضاء إلى الغائب وتارة ذكر قول أبي يوسف مثل قول أبي حنيفة، وتارة ذكر قول محمد مع أبي يوسف بخلاف قول أبي حنيفة فكان عن أبي حنيفة فيه روايتان.
وأما الفرق فلا وجه له، قال: وكذلك عن أبي يوسف روايتان، وأما الفرق فلا وجه له، قال: وكذلك لو كان كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه، أو كان الحاضر كفيلاً عن الغائب، أو كان الأصل على الحاضر والغائب كفيل عنه، فهذا كله سواء وينتصب الحاضر خصماً عن الغائب، هكذا ذكر في «الأقضية» .
قال الشيخ أبو بكر الرازي ﵀: إن كان كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه بأمره، فالجواب كما ذكر في «الكتاب» ، وينتصب الحاضر عن الغائب؛ لأن المال الذي (١١٤أ٤) يدعيه على الكفيل عين ما يثبت على المكفول عنه؛ لأنه يثبت حق الرجوع بذلك، فيكون خصماً عن الغائب في إثبات الدين عليه، ألا ترى أن من ادعى عبداً في يد رجل أنه اشتراه من فلان الغائب، فإن الحاضر خصم عنه؛ لأن ما يدعيه على الغائب عين ما يدعيه على الحاضر، فكذلك ههنا فتقبل بينته على الحاضر، ويقضى عليه بالألف،
стр. 3723
النصف عليه بالأصالة، والنصف بما على صاحبه بحكم الكفالة بأمره، ولأن هذه الكفالة ما كانت موجبة حق الرجوع على الغائب.
وأما إذا كان كل واحد منهما كفيلاً عن صاحبه بغير أمر صاحبه، فالحاضر لا ينتصب خصماً عن الغائب، لأن ما يدعي على الكفيل الحاضر ليس بسبب لما يدعي على الغائب، ألا ترى أنه لا يرجع به على الغائب، فلم ينتصب الحاضر خصماً عنه، وقوله: أو كان الأصل على الحاضر والغائب كفيلٌ عنه فيه نظر؛ لأنه يجوز أن يكون المال على الأصيل دون الكفيل، كما قبل الكفالة، بخلاف ما إذا كان الأصل على الغائب والحاضر كفيل عنه؛ لأنه لا يجوز أن يكون المال على الكفيل دون الأصيل، فكان من ضرورة وجوب المال على الكفيل وجوبه على الأصيل، فانتصب الحاضر خصماً عن الغائب.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀ من هذا الجنس مسألة، وصورتها: رجل باع عبداً من رجلين بألف درهم على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، ثم إن البائع لقي أحد الرجلين وأقام عليه البينة أن له على هذا وعلى فلان الغائب ألف درهم، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه بأمره، فإنه يقضي له على الحاضر بألف درهم، فإن حضر الغائب قبل أن يأخذ البائع من الحاضر شيئاً لا يكون للبائع أن يأخذ الذي حضر إلا بالخمسمائة، وهي الأصلية عليه؛ لأن القضاء على كفيله له بها قضاء عليه، والقضاء على المكفول عنه لا يكون قضاء على الكفيل.
ولو كان لرجل على رجل ألف درهم، وبها كفيل بأمر الطالب، والطالب لقي الأصيل قبل أن يلقى الكفيل، وأقام عليه بينة أن لي عليك ألفاً وفلان كفيل بها بأمرك، فإنه يقضى عليه بألف درهم ولا يكون هذا قضاء على الكفيل، حتى لو لقي الكفيل ليس له أن يأخذ منه شيء قبل أن يعيد البينة عليه. قال ابن سماعة ﵀: وقد يلزم الذي عليه الأصيل، ولا يلزم الكفيل، ألا ترى أنه إذا أبرأ الكفيل لا يبرأ الكفيل، أمالا يجوز أن يلزم الكفيل بحكم الكفالة، ولا يلزم الأصيل، ألا ترى أنه إذا أبرأ الأصيل يبرأ الكفيل، وإذا لم يكن من ضرورة القضاء بالمال على الأصيل وجوبه على الكفيل لا ينتصب الأصيل خصماً عن الكفيل في إثبات الكفالة عنه وإذا كان من ضرورة وجوب المال على الكفيل بحكم الكفالة وجوبه على الأصيل ينتصب الكفيل خصماً عن الأصيل.
ولو ادعى رجل على رجل أنك كفلت لي وفلان الغائب عن رجل بألف درهم، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه وأقام على ذلك بينة وقضى له عليه بألف درهم ثم حضر الغائب، فله أن يأخذ الغائب بجميع الألف؛ لأنه حين قضى بها على الحاضر قضى بها على أنه كفيل عن المطلوب وعن الكفيل، ألا ترى أني لو لم أجعله كفيلاً عن كل واحد منهما لم يكن له إذا أدى أن يرجع بها كلها على الذي عليه الأصيل.
وفي «نوادر بشربن الوليد» عن أبي يوسف في رجل ادعى شراء دار من نفر هي في أيديهم، وبعضهم حضور وبعضهم غيب، والحاضر مقر للغائب بنصيبه جاحد للبيع، فأقام المدعي بينة على دعواه، فالقاضي لا يقضي إلا على الحاضر في حصته عند أبي حنيفة
стр. 3724
رضي الله عنه، وهو قول أبي يوسف أيضاً فأبو حنيفة ﵁ مر على أصله، فإن من أصله أن الحاضر لا ينتصب خصماً عن الغائب في مثل هذا، فلا يكون القضاء على الحاضر قضاء على الغائب، ألا ترى أن البائع لو كان واحداً، والمشتري اثنان حاضر وغائب، فالحاضر لا ينتصب خصماً عن الغائب.
وأبو يوسف ﵀ فرق بينما إذا كان المشتري واحداً، والبائع اثنان، وبينما إذا كان البائع واحداً والمشتري اثنان، فقال فيما إذا كان المشتري واحداً والبائع اثنان: إن القضاء لا يتعدى إلى الغائب، والفرق أن البائع إذا كان اثنين فحق الغائب غير متصل بحق الحاضر؛ لأن الصفقة متفرقة، فلا ينتصب الحاضر خصماً عن ذلك، فأما إذا كان المشتري اثنين فحق الحاضر متصل بحق الغائب، ألا ترى أنه لو خاطب اثنين بالبيع، فقبل أحدهما لم يصح، فجاز أن ينتصب الحاضر خصماً عن الغائب.
هذا إذا كان الحاضر مقراً بنصيب الغائب، وإن كان جاحداً نصيب الغائب، فالقاضي يقضي بالدار كلها للمدعي، أما في نصيب الحاضر فلا يشكل، وأما في نصيب الغائب، فلأن ذا اليد انتصب خصماً في نصيب الغائب في إثبات الملك له في نصيبه؛ لأنه لا يتوصل إلى إثبات ملكه على الحاضر في نصيب الغائب إلا بإثبات الملك للغائب ثم بإثبات الشراء عليه.
وإذا ادعى هبة أو صدقة أو رهناً من رجلين، وأحد الرجلين حاضر، والدار في يد الحاضر، فأقام بينة على الهبة والقبض، أو على الصدقة والقبض، فإن على قول أبي حنيفة ﵁: لا تقبل هذه البينة في فصل الرهن؛ لأن عنده القضاء يقتصر على نصيب الحاضر، ورهن المشاع باطل. فأما في الهبة، فإن كان مما لا يحتمل القسمة قبلت بينته في حق الحاضر دون الغائب؛ لأن القضاء بنصيب الحاضر ههنا ممكن؛ لأن الشيوع فيه لا يمنع جواز الهبة.
وأما على قول أبي يوسف ﵀ ففي فصل الرهن: القاضي لا يقبل هذه البينة أصلاً، وفي الهبة والصدقة إن كانت الهبة والصدقة مما لا يقسم يقضي على الحاضر والغائب جميعاً، حتى إذا حضر الغائب لا يكلف المدعي إعادة البينة عليه، ويقضي عليه بتلك البينة، وإن كانت الهبة والصدقة مما يقسم، فالقاضي يقضي بهبة الملك، ولكن ينفذ في النصف في الحال، وفي النصف الآخر يتوقف حتى يحضر الغائب، فينفذ عليه.
والفرق له بين الرهن والهبة: أن إثبات الملك في الشائع بالهبة ممكن في الجملة، ألا ترى أنه إذا وهب داره من رجلين، وسلم إليهما صح على قولهما، وثبت لكل واحد منهما الملك في النصف بالهبة شائعاً، وإذا أجاز هذا في الجملة جاز القبول في القضاء بالهبة بجميعها ولكنه لا ينفذ على الغائب حتى يحضر فإذا حضر نفذ عليه، فأما الرهن فلا يجوز بيع الشيوع بحال ما فلا يجوز القول بنفاذ القضاء وثبوته في البعض دون البعض، فلهذا يبطل في الكل.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله: رجل ادعى على رجل مالاً، فقضى
стр. 3725
القاضي له على المدعى عليه ببينة أقامها، ثم غاب المقضي عليه أو مات، وله ورثة وله مال في المصر في يد أقوام وهم مقرون به للمقضي عليه، قال: لا أدفع إلى المدعي من ذلك شيئاً، حتى يحضر هو إن كان غائباً أو ورثته إن كان ميتاً؛ لأن القاضي نصب ناظراً، وليس من النظر في حق الغائب دفع ماله إلى المقضي له، فلعل أنه قضى هذا الدين أو وارثه فوقفنا الأمر لهذا، وإلى هذا أشار محمد ﵀ في «الكتاب» ، حيث قال: لأني لا أدري لعل الذي قضيت عليه قضاه إياه أو وارثه.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد أيضاً: وإذا غاب المدعى عليه أو مات بعد إقامة البينة عليه قبل قضاء القاضي عليه وقد زكيت البينة في السر والعلانية، فالقاضي لا يقضي بتلك البينة حتى يحضر الغائب أو نائبه أو يحضر وارث الميت، فإذا حضر واحد من هؤلاء، فالقاضي يقضي عليه بتلك البينة، ولا يحتاج إلى إعادة البينة للقضاء.
ولو كان المدعى عليه أقر بما ادعاه المدعي ثم غاب، فالقاضي يقضي عليه بإقراره في حال غيبته، بعد هذا ينظر إن كان المقر له عيناً، فالقاضي يأمر من في يديه بالتسليم إذا كان الذي في يديه مقراً أنه ملك المقر، وفي الدين إذا ظفر بجنس حقه يأمره بالأخذ، ولا يبيع في ذلك العروض والعقار، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول محمد ﵀، قال محمد ﵀: وقال أبو يوسف: لا يقضي القاضي حتى يحضر الغائب في البينة والإقرار جميعاً، ذكر قول أبي يوسف ﵀ هكذا، والمحفوظ عن قول أبي يوسف ﵀ المذكور عنه في عامة الكتب غير هذا، فالمذكور عنه في عامة الكتب أنه كان يقول أولاً: إن القاضي (١١٤ب٤) لا يقضي في فصل البينة حتى يحضر الغائب، وفي فصل الإقرار يقضي، ثم رجع حين ابتلي بالقضاء وقال: يقضي فيها جميعاً استحسن ذلك حفظاً لأموال الناس وصيانة لحقوقهم.
وجه ما ذكر من قول أبي يوسف ﵀ في «نوادر ابن سماعة» : أن القضاء احتمل الولاية، ولا ولاية للقاضي على الغائب فلا ينفذ قضاؤه عليه، ألا ترى أنه لو قضى عليه في المصر الذي هو فيه، وإنه ليس بقاضي ذلك المصر لا ينفذ قضاؤه عليه لعدم الولاية، كذا هنا.
وجه ما ذكر من قول أبي يوسف في عامة الكتب: أن القاضي يقضي على الغائب في البينة والإقرار جميعاً إن حضره المدعى عليه، إنما كان شرطاً ليسمع القاضي كلام الخصمين، فيقضي عن علم أو ليعلم إنكاره الذي هو شرط سماع البينة وقد وجد، فلا معنى لتوقيف القضاء.
يوضحه: أن كل مدعى عليه لا يعجز من أن يخفي نفسه متى توجه عليه الحكم، لو لم يجز القضاء حال غيبته تضيع حقوق الناس.
ولأبي حنيفة ﵁ في الفرق بين الإقرار والبينة: أن للمدعى عليه حق الطعن في الشهود والقضاء عليه حال غيبته لا يبطل عليه حقاً، فلهذا افترقا.
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : أمة في يدي رجل يقال له عبد الله، فقال
стр. 3726
رجل يقال له: إبراهيم لرجل يقال له محمد: يا محمد، الأمة التي في يد عبد الله كانت أمتي بعتها منك بألف درهم، وسلمتها إليك، إلا أن عبد الله قد غصبها منك، وصدقه محمد في ذلك كله، وعبد الله ينكر ذلك كله، ويقول: الجارية جاريتي، فالقول في الجارية قول عبد الله؛ لأن اليد عليها لعبد الله، ويقضى بالثمن لإبراهيم على محمد؛ لأنهما تصادقا على البيع والتسليم وتصادقهما حجة في حقهما، فلو استحق رجل الأمة من يد عبد الله بعدما أخذ إبراهيم الثمن من محمد، فأراد محمد أن يرجع بالثمن على إبراهيم، وقال: الجارية التي اشتريتها منك ورد عليها الاستحقاق لا يلتفت إلى ذلك؛ لأن القضاء بالاستحقاق على عبد الله اقتصر على عبد الله، ولم يتعد إلى محمد.
والأصل: أن القضاء بالملك المطلق على ذي اليد، قضاء على ذي اليد، وعلى من تلقى ذو اليد الملك من جهته، ولا يكون قضاء على الناس كافة لما يتبين بعد هذا، وذو اليد وهو عبد الله لا يدعي تلقي الملك من جهة محمد، فلم يصر محمد مقضياً عليه بالقضاء على عبد الله، وما لم يصر محمد مقضياً عليه، لا يرجع بالثمن على إبراهيم.
والدليل على أن محمداً لم يصر مقضياً عليه في هذه الصورة: أن محمداً لو أقام البينة على المستحق أن الجارية جاريته اشتراها من إبراهيم، وهو يملكها قبلت بينته ولو صار مقضياً عليه لما قبلت بينته، وكذلك لو أن الذي استحقها على عبد الله استحقها بالنتاج بأن أقام بينة على أنها جاريته، ولدت في ملكه، وقضى القاضي بها للمستحق لم يرجع محمد بالثمن على إبراهيم، وإن ظهر بينة المستحق أن إبراهيم باع جارية الغير؛ لأن القضاء بالاستحقاق اقتصر على عبد الله، ولم يصر محمد مقضياً عليه.
بيانه: وهو دعوى النتاج هنا غير محتاج إليه؛ لأن المستحق خارج ألا ترى أنه لو أقام البينة على الملك المطلق قبلت بينته، فسقط اعتبار دعوى النتاج ونفى دعوى الملك المطلق، وفي دعوى الملك المطلق لا يصير محمد مقضياً عليه بالقضاء على عبد الله، فكذا هنا، قال في «الكتاب» ألا ترى أن محمداً لو أقام البينة على المستحق أن الجارية جاريته اشتراها من إبراهيم بكذا، وهو يملكها أن يقضي بها لمحمد، ولو صار محمد مقضياً عليه بالقضاء على عبد الله لما قضى له.
فرّع على مسألة الاستشهاد، فقال: لو أعاد المستحق البينة على محمد أنها أمته ولدت في ملكة، قضى بها للمستحق، وترجحت بينته على بينة محمد؛ لأن بينة النتاج لا تعارضها بينة الملك المطلق؛ لأن بينة النتاج أكثر إثباتاً فيما يرجع إلى إثبات أولوية الملك، ويرجع محمد بالثمن على إبراهيم في هذه الصورة؛ لأن محمداً صار مقضياً عليه بهذا القضاء.
قال: ولو لم يستحق الجارية أحد، ولكن أقامت الجارية البينة على عبد الله أنها حرة الأصل، وقضى القاضي بحريتها رجع محمد بالثمن على إبراهيم، لأن محمداً صار مقضياً عليه في هذه الصورة، والقضاء بالحرية وما ألحق بها قضاء على الناس كافة، ولهذا لو أقام محمد البينة على الملك والشراء من إبراهيم لا تقبل بينته، ولو لم يثبت عليه
стр. 3727
بالاستحقاق لقبلت بينته، واستحقاق المشتري على المشترى بسبب سابق على الشراء، يوجب الرجوع على البائع بالثمن.
ثم إنما وقع الفرق بين القضاء بالملك المطلق على ذي اليد وبين القضاء بالحرية وما لحق بها، حتى اقتصر القضاء بالملك المطلق على ذي اليد، وتعدى القضاء بالحرية وما لحق بها إلى الناس كافة؛ لأن الحرية تعلق بها أحكام متعدية إلى الناس من أهلية الشهادة والقضاء والولاية وغير ذلك، فانتصب ذو اليد خصماً عن الناس كافة، فكان القضاء على ذي اليد قضاء على الناس كافة أما الملك المطلق فلم يتعلق به أحكام متعدية إلى الناس كافة، فلم ينتصب ذو اليد خصماً عن الناس كافة.
وكذلك لو أقامت بالبينة على عبد الله أنها كانت أمته أعتقها، وقضى القاضي بذلك رجع محمد بالثمن على إبراهيم؛ لأن دعوى الملك هنا ليست بمقصود، إنما المقصود دعوى العتق ودعوى الملك لكونه وسيلة إلى دعوى العتق، ولما كان المقصود دعوى العتق، وليس بعض الأوقات للقضاء فيه بالعتق بأولى من البعض لما أنه لم يعين وقتاً في الدعوى، فكان هذا والقضاء بحرية الأصل سواء.
وأما القضاء بالوقفية على ذي اليد، هل يكون قضاء على الناس كافة؟ وصورتها: رجل (ادعى أرضاً) في يدي رجل أنها وقف على جهة كذا وقفها فلان، وأنا متولي أوقافها، وأثبت الوقفية بالبينة وقضى القاضي بها على ذي اليد هل يكون قضاء على الناس كافة؟ حكي عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني، والقاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي ﵀ أنه يكون قضاء على الناس كافة، حتى لو ادعى رجل بعد ذلك هذه الأرض لنفسه لا يسمع دعواه وإلحاقه بالقضاء بحرية الأصل. وذكر في «فتاوى أبي الليث» ﵀: أنه لا يكون قضاء على الناس كافة، حتى لو ادعاه رجل بعد ذلك هذه الأرض لنفسه ملكاً مطلقاً يسمع دعواه وألحقه بالقضاء بالملك المطلق، وبه أخذ الصدر الشهيد ﵀، وذكر في شهادات «الجامع» : أن في دعوى العين أحد الورثة إنما ينتصب خصماً عن الميت للمدعي في عين في يد ذلك الوارث، لا في عين ليس في يده، حتى إن من ادعى عيناً من التركة وأحضر وارثاً ليس ذلك العين في يد هذا الوارث الذي أحضره، لا تسمع دعواه عليه، وفي دعوى الدين أحد الورثة ينتصب خصماً عن الميت وإن لم يصل إليه شيء من التركة.
عبد مأذون ادعى داراً في يدي رجل، واستحقها ببينة أقامها، فأقام المدعى عليه بينة على إقرار العبد أنه لاحق له في الدار ليبطل بينة العبد وحقه، فإن جاء مولاه بعد ذلك، وقال: عبدي استحق الدار بالبينة ولست أجيز إقراره، لأنه كان محجوراً عليه، فإنه يقال له أعد البينة على المدعى عليه، فإن أعادها (و) استحقها وما لا فلا.
رجل ادعى داراً في يدي رجل أن أباه مات وتركها ميراثاً له ولأخيه فلان، وأخوه منكر دعواه، ويزعم أنه لا شيء له من الدار، فأقام المدعي البينة على دعواه وقضى له بنصف الدار، ثم رجع أخوه إلى تصديقه، لم يقض له بشيء، فإن جاء غريم للميت بعد
стр. 3728
ذلك، وأثبت دينه بمحضر من الوارث ببينته، وسأل القضاء للميت بالدار، فإن القاضي يستقبل القضاء، فيقضي للميت بالدار كلها بالشهادة الأولى، فتباع الدار ويقضى الغريم حقه من ثمنها، فإن فضل شيء من ثمنها يجعل نصفه للابن المدعي، ويرد الباقي على المقضي عليه بالدار، ولا أجعل للابن المنكر من الفضل شيئاً.
رجل ادعى داراً في يدي رجل أن أب هذا الذي في يديه غصبها إياه، وقال الذي في يديه: الدار داري وله أخوة غيب فأقام المدعي بينة على ما ادعى، وقضى له بالدار، ثم حضر إخوة الذي كان الدار في يديه، لا يكلف المقضي له إعادة البينة عليهم، ولكن يقال لهم: أنتم على حجتكم.
إبراهيم عن محمد: رجلان ورثا داراً عن أبيهما، باع أحدهما نصفها من رجل، ثم أقام رجل بينة أنها داره ورثها من أبيه قال: القضاء على المشتري قضاء على البائع، والقضاء على الأخ قضاء على المشتري إلا أن يقول المشتري: لم يرث هذا عن أبيه.
رجل ادعى أن ميتاً غصب منه شيء وأحضر بعض ورثته وأقام عليه (١١٥أ٤) البينة بذلك، وبعض هذا الشيء في يد هذا الذي حضر، وبعضه في يد وكيل الغائب، ولو كان ذلك في يد هذا الذي حضر قضيت عليه بذلك كله، ودفعته إلى المدعي، فإن قدم الغائب، فقال: كان هذا في يد أخ لنا من غير الوالد لم يقبل قوله، وهذه المسألة إشارة إلى أن في دعوى العين من التركة أحد الورثة إنما ينتصب خصماً عن الميت إذا كان العين في يديه.
هشام قال سألت محمداً ﵀ عن قناة في يد قوم كثير، فيهم الشاهد والغائب والصغير والكبير، فأقام رجل البينة على بعضهم أنهم احتفروا هذه القناة في أرضه غصباً، وهم قوم كثير لا يقدر على أن يجمعهم، قال: جعلت لهم وكيلاً وقضيت على وكيلهم.
ابن سماعة عن محمد: رجل اشترى من رجل عبداً بألف درهم، وقبض المشتري العبد، ثم أخذ البائع العبد بالثمن، فأقام المشتري بينة أنه قد أحاله بالثمن على فلان بن فلان الفلاني وفلان المحتال عليه غائب فحضر، فإن المال لازم له بالبينة التي قامت على الحوالة والله أعلم.
الفصل الثالث والثلاثون: في المتفرقات
شفعوي المذهب إذا جاء إلى القاضي، وادعى الشفعة بالجوار، فالقاضي هل يقضي له بالشفعة؟ لا ذكر لهذه المسألة في شيء من الكتب، وقد اختلف المشايخ فيها، قال: بعضهم لا يقضي؛ لأن المدعي يزعم أنه لاحق له فيما يدعي، فيتعامل القاضي معه بزعمه واعتقاده، ومنهم من قال: يقضي؛ لأنه لما طلب الشفعة بالجوار فقد ركن إلى مذهبنا في هذه المسألة، فتقبل دعواه ويقضي له.
стр. 3729
هذا كما قلنا في أحد الزوجين من أهل الذمة إذا رفع إلى القاضي أنه محرم صاحبه، فالقاضي يفرق بينهما عند أبي يوسف؛ لأنه ركن إلى ديننا، وإن رفعا الأمر إلى القاضي، فالقاضي يفرق بينهما بلا خلاف، والمعنى ما قلنا، ومنهم من قال: إذا تقدم إلى القاضي، فالقاضي يقول له: هل تعتقد الشفعة بالجوار، (فإن) قال: نعم يقضي له بها، وإن قال لا، أقامه من ذلك الموضع ولم يسمع كلامه قال الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني: هذا أوجه الأقاويل وأحسنها.h
وفي «المنتقى» : قضاة ثلاثة ببغداد كل قاض على موضع معلوم، فادعى رجل على رجل دعوى واختلفا فيمن يتخاصمان إليه منهم، فإن كان منزل المدعي والمدعى عليه في موضع واحد يختصمان إلى القاضي الذي هو في موضعهما، وإن كان منزلهما مختلفاً، أحدهما من هذا الجانب، والآخر من ذلك الجانب، قال أبو يوسف ﵀: ذلك إلى المدعى عليه.
القاضي يقبل البينة على عتق العبد بدون الدعوى عند أبي حنيفة ﵁، خلافاً لهما، ويقبل البينة على عتق الأمة وطلاق المرأة حسبة من غير الدعوى.
ولا يحلف على عتق العبد حسبة بدون الدعوى بالاتفاق، وهل يحلف على عتق الأمة وطلاق المرأة حسبة بدون الدعوى؟ أشار محمد ﵀ في آخر كتاب التحري إلى أنه يحلف، فإنه قال: إذا طلق الرجل واحدة من نسائه بعينها ثلاثاً ونسيها، فتبين كلهن إلا واحدة، فالقاضي يمنعه عنها حتى يخبر أنها ليست بمطلقة، فالقاضي يحلفه البتة بالله أنها ليست بمطلقة، ولم يشترط دعواها، وهكذا ذكر في «شرح القدوري» : وذكر الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي في مقدمة باب السلسلة أنه لا يحلف، فيتأمل عند الفتوى.
وإذا قضى القاضي بحضرة وكيل الغائب أو بحضرة وصي الميت؛ يقضى على الغائب وعلى الميت، ولا يقضي على الوكيل والوصي ويكتب في السجل أنه قضى على الميت وعلى الغائب ولكن بحضرة وصيه وبحضره وكيله.
ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : في باب العدوى: إذا أمر القاضي رجلاً بملازمة المدعى عليه، لاستخراج المال، ويسمى بالفارسية موكل فمؤنته على المدعى عليه، كذا ذكره القاضي الإمام صدر الإسلام ﵀، وعليه بعض القضاة، وبعض مشايخ زماننا قالوا: هي على المدعي وهو الأصح؛ لأن منفعته تعود إلى المدعي المديون إذا كان له عقار يحبس لبيعه، ويقضى الدين، وإن كان لا يشترى إلا بثمن قليل، كذا ذكره الخصاف في باب الحبس.
وإن امتنع المديون عن البيع بنفسه، فالقاضي هل يبيعه؟ ذكر في «الجامع الصغير» وفي كتاب «الأقضية» : أن القاضي لا يبيع مال المديون المحبوس لا العروض ولا العقار عند أبي حنيفة ﵁، لكن يحبسه ويأمره بالبيع، ويستديم الحبس ليبيع بنفسه، وعندهما يبيع العروض رواية واحدة، وفي بيع العقار روايتان، ذكر الروايتين في شرح كتاب «الأقضية» .
стр. 3730
وإذا أقر رجل لإنسان بمال ومات المقر، فقال ورثته بعد موته: إن أبانا قد أقر بما أقر كاذباً، فلم يصح إقراره، وأنت أيها المقر له عالم بذلك، وأرادوا تحليفه على ذلك لم يكن لهم أن يحلفوه؛ لأن وقت الإقرار حق الورثة لم يكن متعلقاً بمال المقر، فصح الإقرار وحيث تعلق حقهم لم يتعلق بما صار حقاً للمقر له، فلا يكون لهم ولاية تحليفه.
وإذا حبست المرأة زوجها بدين المهر أو بدين آخر، فقال الزوج للقاضي: احبسها معي في السجن، فإن لي موضعاً في المحبس، فتكون معي، فالقاضي لا يحبسها، ولكنها تصير إلى منزل الزوج، ذكره الخصاف في مطالبة المهر، وقيل: ينبغي للقاضي أن يحبسها؛ لأنها إذا حبست زوجها فلم تحبس هي تذهب حيث تريد، وقيل: القاضي يقول لها: إذا أردت حبس الزوج لو حبست زوجك بحقك (و) لحبستك معه وإلا لا أحبس الزوج، وعلى التقديرين جميعاً يقع الأمن عن ذهابها إلى ما تريد.
وإذا قال المديون: أبيع عبدي هذا وأقضي حقه، ذكر صاحب «شرح مختصر العصام» : في أول مكاتبه أن القاضي لا يحبسه، بل يؤجله يومين أو ثلاثة.
ادعى على آخر مالاً وأنكر المدعى عليه ذلك ثم ادعى عليه ذلك في مجلس آخر أنك استمهلت مني هذا المال، وصرت مقراً بالمال، والمدعى عليه ينكر المال والاستمهال جميعاً، فالقاضي يحلفه على المال أو على الاستمهال، وقد قيل: يحلفه على المال؛ لأنه بالاستمهال يصير مقراً، والإقرار حجة المدعي، والمدعى عليه لا يحلف على حجر المدعي، فإنه لا يحلف بالله ما للمدعي بينة، وألا ترى أنه لو ادعى عليه الاستام أو الإقرار أو ادعى عليه حقاً بسبب الخط، وأنكر المدعى عليه أن يكون هذا خطه، فإنه لا يحلف على ذلك، والمعنى ما ذكرنا.
وفي «نوادر ابن رستم» عن محمد ﵀: رجل قال لآخر: لي عليك ألف درهم، فقال ذلك الرجل: إن حلفت أنها لك علي أديتها، فحلف الرجل فأداها إليه، إن أداها على الشرط الذي شرط كان له أن يرجع فيما دفع إليه.
في «واقعات الناطفي» في كتاب الدعوى: ولو أن السلطان أو الخليفة قلد رجلاً القضاء ورد القاضي ذلك هل له أن يقبل بعد ذلك، لا رواية لهذه المسألة في الكتب. وينبغي أن يكون الجواب على التفصيل: إن قلده مشافهة مواجهة ورد لا يمكنه قبول ذلك الأمر وذلك التقليد بعد ذلك، ولو قلده بطريق المعاينة إن بعث إليه فرده، ثم قبل: كان له ذلك استدلالاً بما ذكر في كتاب النكاح أن امرأة لو كتبت إلى رجل أني زوجت نفسي منك، فلم يقبل الزوج في ذلك المجلس، وقبل في مجلس آخر كان له ذلك؛ لأن الخطاب بالكتاب، والكتاب باق معه، فيكون الخطاب باقياً، فكان له أن يقبل، فكذا في حق المنشور للقاضي، ولو كان بطريق المعاينة ولكن بالرسالة لا بالكتابة فكذلك أيضاً: استدلالاً بالموكَّل والموصى إليه إذا ردّا في غير وجه الموكل والموصي كان لهما أن يقبلا بعد ذلك ما لم يعلم الموكل برده والموصي بالرد؛ لأن الرد من غير علم الموكل والموصي لم يصح، وإذا لم يصح الرد كان حكم التوكيل والإيصاء باقياً، فيعمل قبولهما،
стр. 3731
فكذا أيضاً ههنا يجب أن يكون كذلك.
رجل أخرج صكاً بإقرار رجل، فقال المقر: قد أقررت لك بهذا المال، إلا أنك رددت إقراري، يحلف المقر له، كمن ادعى البيع على إنسان، فقال البائع: بعته منك إلا أنك أقلتني، فإنه يحلف مدعي الشراء.
التحليف بالطلاق والأيمان المغلظة لم يجوزه أكثر مشايخنا ﵏، وإن بالغ المستفتي في ذلك نفتي بأن الرأي فيه للقاضي.
رجل تزوج امرأة وابنتها في عقدين، وقال: لا يدري أيتهما أولى؛ يحلف لكل واحدة منهما بالله ما تزوجتها قبل صاحبتها، فالقاضي في التحليف يبدأ (١١٥ب٤) بأيتهما شاء، فإذا حلّف لأحدهما وحلف ثبت نكاح الأخرى، وإن نكل لزمه نكاح هذه وبطل نكاح الأخرى، وهذا على قولهما، أما على قول أبي حنيفة ﵁: لا (يحترف) الاستحلاف في النكاح، فلا يتأتى هذا الفصل على قوله.
المدعى عليه الدار إذا قال: أنا بنيت بناء هذه الدار، والمدعي يعلم بذلك، وطلب يمين المدعي لا يحلف المدعي، لجواز أن يكون المدعى عليه هو الباني، ويكون البناء للمدعي، فإن بنى المدعى عليه بأمر المدعي حتى لو قال المدعى عليه: بنيت الدار لنفسي بغير أمر المدعي يحلف المدعي الحاكم.
المحكم إذا حلف المدعى عليه وحلف ثم ترافعا إلى قاض متولى، فالقاضي المولى لا يحلفه ثانياً.
دار في يد رجل ادعاها رجل أنه غصبها منه، وقال المدعى عليه: هذه الدار كانت لي وقفتها على كذا وكذا، وأراد المدعي تحليفه يحلف عند محمد ﵀، خلافاً لهما بناء على أن غصب الدار يتحقق عند محمد ﵀، فكان في التحليف فائدة، حتى لو نكل يقضي عليه بالقيمة. ولو أراد أن يحلفه ليأخذ العين لا يأخذ بالاتفاق؛ لأن الدار صارت مستهلكة لصيرورتها وقفاً، والفتوى على قول محمد ﵀ دفعاً للحيلة، وهذا كرجل في يديه عبد قال: هذا العبد لفلان اغتصبه من فلان، ويصدق في حق نفسه حتى يضمن قيمته للثاني.
رجل في يديه ضيعة يزعم أنها وقف جده، ووقفه على ابنه وأولاد ابنه خاصة فجاء رجل وادعاها، وقال: إن الواقف هذا وقفها على جميع أولاده، وأنا من جملة أولاده وأراد تحليف صاحب اليد لا يحلف، فإن كان في يد صاحب اليد شيء من غلة هذه الضيعة فحينئذٍ يحلف على نصيب المدعي؛ لأنه يدعي ملك ذلك القدر لنفسه، وذو اليد ينكر، فيحلف على ذلك، ولا كذلك الوجه الأول، وهذا الجواب مستقيم على قول من يقول: ليس له حق الخصومة ينبغي أن تكون الدعوى من المتولي حتى يحلف المدعى عليه في الوجه الثاني، والقاضي إذا حلف المدعى عليه على العلم في موضع وجب التحليف على الثبات يبقى للمدعي حق التحليف على الثبات، ولا يحتسب بما حلف.
ولو نكل عن اليمين في هذه الصورة وقضى القاضي عليه بنكوله لا ينفذ قضاؤه،
стр. 3732
وبمثله لو حلفه القاضي على الثبات في موضع وجب التحليف على العلم يحتسب بما حلف لا أوفى المستحق عليه، وزيادة طلب المدعي يمين المدعى عليه أخرج كراسة حسابك لأنظر فيه، والتمس من القاضي أن يأمره بذلك أجابه القاضي إليه، ولكن لو أبى لا يجبر عليه، وهو نظير ما لو طلب المدعى عليه من القاضي أن يأمر المدعي ببيان السبب.
قاضي العسكر لا ولاية له على غير أهل العسكر، ولا ينفذ قضاؤه على غير أهل العسكر إلا إذا شرط ذلك عند التقليد، وإذا كان الرجل من أهل العسكر وهو يعمل في السوق ويحترف فهو من أهل العسكر.
سئل شمس الإسلام الأوزجندي ﵀ عمن وقف ضيعة على علماء خواقند، وسلم إلى المتولي، ثم ادعى على المتولي فساد الوقفية بسبب الشيوع بين يدي قاضي خواقند، فحكم بصحة الوقفية على قول من يرى ذلك وقاضي خواقند من علماء خواقند، هل ينفذ قضاؤه؟ قال ينفذ قضاؤه؛ لأنه يصلح شاهداً في هذا، فيصلح قاضياً، وإنما يصلح شاهداً في هذا استدلالاً بما ذكر هلال في «وقفه» إذا وقف الرجل على فقراء جيرانه، ثم شهد بعض فقراء جيرانه على الوقف قبلت شهادتهم؛ لأن الجوار ليس بلا زم.
القاضي لا يملك تزويج الصغار إلا إذا كتب في منشوره ذلك.
إذا مات القاضي قبل استيفاء الرزق من بيت المال يسقط رزقه، ذكره شمس الأئمة الحلواني ﵀ في أول النفقات من «أدب القاضي» .
قاضي كرخ وقاضي حسر إذا ألتقيا وقال أحدهما للآخر: إن فلاناً أقر لفلان بكذا لا يقضي به حتى يبعث إليه الرقعة اتباعاً للسنة في كتاب القاضي إلى القاضي، قالوا: هذا إذا لم يكن كل واحد منهما زمان الإخبار في مكان هو قاض فيه، أما إذا كان كل واحد منهما في مكان هو قاض فيه ينبغي أن يقضي به؛ لأن القول أقوى من الرقعة، والله أعلم.
стр. 3733
كتاب الشهادات
هذا الكتاب يشتمل على أربعة وعشرين فصلاً:
١ * في تحمل الشهادة وحل أدائها والامتناع عن ذلك.
٢ * في أقسام الشهادة وفي شهادة النساء.
٣ * في بيان من تقبل شهادته، ومن لا تقبل.
٤ * في الاستماع إلى الشهود وصفة أداء الشهادة.
٥ * في شهادة الرجل على فعل من أفعاله أو صفة من صفاته.
٦ * في شهادة الرجل على فعل من أفعال ابنه وشهادته لأبيه أو لأمه
٧ * فيما يجوز من الشهادات، وما لا يجوز.
٨ * في الشهادات في المواريث.
٩ * في الشهادة على الشهادة.
١٠ * في شهادة الشهود بعضهم لبعض.
١١ * في شهادة أهل الكفر والشهادة عليهم.
١٢ * في المسائل التي تتعلق بحدود المدعي والمشهود به.
١٣ * في شهادة الوارث على الوصية والرجوع عنها.
١٤ * في الشك في الشهادة والزيادة فيها والنقصان عنها، ووجود الشاهد بعد القضاء بشهادته بصفة لا تجوز شهادته، وشهادة الشهود بعد قضاء القاضي بخلاف ما قضى.
١٥ * في الشهادة على الوكالة والوصاية.
١٦ * في شهادة ولد الملاعنة.
١٧ * في التهاتر بين الشهادات.
١٨ * في ترجيح أحد البينتين على الأخرى والعمل بالشيئين المتضادين.
١٩ * في شاهدي الزور.
стр. 3734
٢٠ * في الدعوى إذا خالف الشهادة.
٢١ * في الاختلاف الواقع بين الشاهدين.
٢٢ * في التناقض في الدعوى والشهادة.
٢٣ * في الشهادة على النسب.
٢٤ * في المتفرقات.
стр. 3735
الفصل الأول: في بيان تحمل الشهادة وحل أدائها والامتناع عن ذلك
في «فتاوي أهل سمرقند» ذكر أن الإشهاد على المداينة والبيع فرض على العباد؛ لأن بدونه يخاف تلف المال وفي تلف الأموال تلف الأبدان، وحرام على الآدمي إتلاف البدن، فيفرض عليه الإشهاد الذي هو طريق الصيانة، إلا إذا كان شيئاً حقيراً لا يخاف عليه التلف، وبعض المشايخ على أن الإشهاد مندوب، وليس بفرض، وهذا القائل يحمل الأمر المذكور في كتاب الله تعالى نحو قوله: ﴿استشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (البقرة: ٢٨٢) ونحو قوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: ٢) على الندب.
واختلف المشايخ في أنه هل يصح تحمل الشهادة على المرأة إذا كانت منتقبة؟ بعض مشايخنا وسعوا وقالوا: يصح عند التعريف، وقالوا: تعريف الواحد كاف، كما في المزكي والمترجم، والاثنان أحوط، وإلى هذا القول مال الشيخ الإمام خواهرزاده ﵀، وبعضهم قالوا لا يصح التحمل عليها بدون رؤية وجهها، وبه كان يفتي القاضي الإمام شمس الإسلام الأوزجندي والشيخ الإمام ظهير الدين المرغيناني.
ووجه ذلك: أن العلم شرط جواز الشهادة، قال الله تعالى: ﴿إلا من شهد بالحق وهم يعلمون﴾ (الزخرف: ٨٦) وقال ﵇: «إذا علمت مثل الشمس فاشهد» العلم لا يحصل إلا بالدليل القطعي، غير أن في كل موضع تعذر الوصول إلى الدليل القطعي يكتفى بالدليل الظاهر، وههنا الوصول إلى العلم وإلى معرفة وجهها ممكن بكشف وجهها، فلا ضرورة إلى إقامة التعريف من الواحد أو المثنى مقامه.
والدليل عليه: أنا أجمعنا على أنه يجوز النظر إلى وجهها للتحمل، والنظر إلى الأجنبية مع ما فيه من خوف الفتنة لا يجوز إلا لضرورة، لو صح تحمل الشهادة عليها بدون رؤية وجهها لتحمل الشهادة، فأما معرفة الاسم والنسب للشهادة حالة الغيبة والعلم بذلك لا يحصل بالمعاينة، فتجوز الشهادة على النسب والاسم بإخبار الغير، ثم على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: إذا أخبره عدلان أنها فلانة فذلك يكفي، ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي كان للقاضي أن يقضي بشهادتهما، والقضاء فوق الشهادة، فلأن يجوز الشهادة بإخبارهما أولى، وعلى قول أبي حنيفة: لا يحل له الشهادة على الاسم ما لم يسمع من جماعة لا يتصور تواطئهم على الكذب؛ لأنا قد ذكرنا أن الشهادة بناء على العلم، ولا يقع العلم إلا بالخبر المتواتر، فأما خبر المثنى ففيه احتمال، والفقيه أبو بكر الإسكاف ﵀ كان يفتى بقولهما في هذه المسألة، وهو اختيار نجم الدين النسفي ﵀، وعليه الفتوى.
فإن عرفها باسمها ونسبها عدلان فينبغي للعدلين أن يشهدا على شهادتهما، وهؤلاء
стр. 3736
الشهود كما هو طريق الإشهاد على الشهادة حتى شهدوا عند القاضي على شهادتهما بالاسم والنسب، وشهدوا بأصل الحق بطريق الأصالة، فيجوز ذلك بلا خلاف.
وفي «الجامع الأصغر» قال أبو بكر الإسكاف ﵀: المرأة إذا ضرب وجهها، وقالت: أنا فلانة بنت فلان وقد (١١٦أ٤) وهبت زوجي مهري فإن الشهود لا يحتاجون إلى شهادة عدلين أنها فلانة بنت فلان ما دامت حية؛ لأنه يمكن للشاهدين أن يسرا لها، فإن ماتت حينئذٍ يحتاج الشهود إلى شهادة شاهدين أنها كانت فلانة بنت فلان.
قال نجم الدين النسفي: ويصلح تعريف من لا يصلح شاهداً لها كان الإشهاد لها أو عليها؛ لأن هذا خبر وليس بشهادة، ولهذا لم يشترط لفظة الشهادة، وفي الخبر الحاجة إلى موثق يوثق به، ومن المشايخ من قال: إذا كان الإشهاد لها لا يصلح تعريف من لا يصلح شاهداً لهما.
وعن محمد بن مقاتل ﵀: إذا سمع الرجل صوت امرأة من وراء الحجاب، وشهد عنده اثنان أنه فلانة بنت فلان لا يجوز أن يشهد عليها أطلق الجواب إطلاقاً وكان الفقيه أبو الليث ﵀ يقول: إذا أقرت المرأة من وراء حجاب وشهد عنده اثنان أنها فلانة لا يجوز لمن سمع إقرارها أن يشهد على إقرارها، إلا إذا رأى شخصها يعني حال ما أقرت فحينئذٍ يجوز له أن يشهد على إقرارها بشرط رؤية شخصها لا رؤية وجهها.
وذكر الخصاف في «أدب القاضي» إذا أراد الرجل أن يعرف المرأة التي تريد أن يشهد لها بوكالة أو بأمر من الأمور ينبغي أن يدخل عليها وعندها جماعة من النساء ممن يوثق بهن ذلك الرجل، فيسألهن: أهذه فلانة بنت فلان؟ فإن قلن نعم يتركها أياماً، ثم نظر إليها بحضرة نسوة أخرى، فيصنع بها مثل ذلك، وكذلك يتردد إليها مراراً شهرين أو ثلاثة، فإذا وقع معرفتها في قلبه بقول نساء ورجال ومن أمكنه شهد عليها بذلك.
وفي «فتاوى النسفي» : إذا شهدا على امرأة سمياها ونسبا وكانت حاضرة وقال القاضي للمشهود: هل تعرفون المدعى عليها؟ فقالوا: لا فالقاضي لا يقبل شهادتهم، ولو قالا: تحملنا الشهادة على امرأة اسمها ونسبها كذا، ولكن لا ندري أن هذه المرأة هل هي تلك المرأة بعينها أم لا؟ صحت شهادتهما على المسماة، فكان على المدعي إقامة البينة أن هذه هي التي سموها ونسبوها بخلاف الأول؛ لأن في الأول أقروا بالجهالة، فبطلت شهادتهم، ولا كذلك هذا الوجه.
وفي «فتاوى أبي الليث» : سئل نصير رحمهما الله عن الشاهد إذا دعي إلى شهادة وهو في الرستاق، إن كان بحال لو حضر مجلس الحكم وشهد يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه يجب عليه الحضور؛ لأنه لا ضرر عليه في الحضور، وإن كان لا يمكنه الرجوع إلى أهله في يومه لا يجب عليه الحضور، وإن كان الشاهد شيخاً كبيراً لا يقدر على المشي بالأقدام، وليس عنده ما يركب فكلف المشهود له بدابة يركب ويحضر فلا بأس به، وهذا من إكرام الشهود.
وعن أبي سليمان الجوزجاني: رجل أخرج شهوداً إلى ضيعة قد اشتراها، فاستأجر
стр. 3737
دواباً لهم، فركبوا وذهبوا لم تقبل شهادتهم، ولو أكلوا طعامهم قبلت شهادتهم، وهو قول أبي يوسف ﵀، وقال محمد ﵀: لا تقبل شهادتهم فيهما جميعاً.
وقال الفقيه أبو الليث ﵀: أما في الركوب إذا كان للشهود قوة المشي أو قال: يستكرون به الدواب لا تقبل شهادتهم كما قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله.
وأما في الطعام، فإن اتخذها الطعام لأجلهم، فأكلوا تقبل شهادتهم، فإن كان الطعام مهيأ عنده، فقدم إليهم فأكلوا تقبل شهادتهم وفيه نظر، فالكبار من الأئمة يباشرون عقود النكاح في ديارنا، ويحضرون الناس للشهادة ويقدمون لهم ماء السكر، وجرت العادة في بعض البلدان أنهم يعطون الشهود السكر واللوز وغير ذلك، ويرون ذلك حسناً. وقال ﵇: «ما رآه المسلمون حسناً، فهو عند الله حسن» وكذلك جرت العادة أن من أخرج الشاهد إلى الرستاق يعطيه دابته، خصوصاً إذا لم يكن للشاهد دابة، وإذا ذهب به لا يمكنه من الرجوع قبل أن يطعمه ورأوا ذلك فيما بينهم حسناً أيضاً.
سئل خلق عمن له شهادة وقعت الخصومة عند قاض وهو غير عدل، هل يسعه أن يكتم الشهادة حتى يشهد عند قاض عدل، قال: له ذلك، وسئل أبو بكر الإسكاف عمن له شهادة عند عدل، وهو مماطل في أدائها قال: إن كان يحفظ الشهادة على وجهها ولا يضطرب قلبه على شيء من أمر شهادته لا يسعه ذلك، وإن فعل فهو سيئ، وسئل الفقيه أبو بكر أيضاً: عمن امتنع عن ذلك لأن القاضي لا يعرفه، قال: إن علم أن القاضي لا يقبل شهادته أرجو أن يسعه أن لا يشهد.
في كراهية «العيون» : إذا امتنع الشاهد عن الشهادة، فإن كان في الصك جماعة ممن تقبل شهادتهم سواه وأجابوه يسعه أن يمتنع عن الشهادة، وإن لم يكن في الصك جماعة سواه أو كانوا لكن ممن لا يظهر الحق بشهادتهم عند القاضي، أو كان يظهر لكن شهادة هذا الشاهد أسرع قبولاً لم يسعه الامتناع؛ لأنه عسى يضيع حق المشهود له لو امتنع عن الشهادة.
وفي شرح سرقة شيخ الإسلام ﵀: أن في حقوق العباد إذا طلب المدعي الشاهد، فشهد له فاجر من غير عذر ظاهر، ثم أدى لا تقبل شهادته، وأشار إلى المعنى، فقال: لما ترك الأداء مع إمكان الأداء فقد احتمل أنه ترك الأداء بعذر بأن نسي أو كان به شغل مانع، واحتمل أنه ترك الأداء؛ لأنه أراد على الأداء أجراً، ولم يسلم له الأجر، فإذا أخذ الأجر بعد ذلك أدى، فتمكن في شهادته نوع تهمة، والتهمة مانعة قبول الشهادة.
وفي أول الوصايا من «أدب القاضي» : لا بأس للإنسان أن يحترز عن قبول الشهادة ويحملها.
وفي العين من كراهة «الواقعات» : رجل طلب منه أن يكتب شهادة أو يشهد على
стр. 3738
عقد، فأبى ذلك، فإن كان الطالب يجد غيره، فللشاهد أن يمتنع، وإلا فلا يسعه الامتناع عنه، وعلى هذا أمر التعديل إذا سئل عن إنسان فإن كان هناك سواه من يعدله يسعه أن لا يجيب، وإلا لم يسعه أن لا يقول فيه الحق، حتى لا يكون مبطلاً للحق عسى.l
وفي وصايا «الفتاوي» : كتب صك وصيته وقال للشهود: اشهدوا بما فيه، ولم يقرأ عليهم قال الفقيه أبو جعفر ﵀: لا يجوز لهم أن يشهدوا حتى يعلموا ما فيه في قول علمائنا المتقدمين، وفي قول نصير ﵀: يجوز، وبه كان يأخذ علي بن أحمد ﵀.
وفي «أدب القاضي» للخصاف: رجل أشهد على صك أو كتاب وصية، ولم يقرأ عليه، فإن ذلك لا يجوز وفرق على قول أبي يوسف بين هذا وبين كتاب القاضي، فإن على قوله علم الشهود بما في الكتاب والختم، لا على ما فيه، وقد وجد الإشهاد على الكتاب والختم، أما في الصك والوصية الإشهاد يقع على البيع، أو على الحق الذي في الصك.
والإشهاد على ما في الصك بأحد أمور ثلاثة: بأن يقرأ الكتاب على الشهود حتى يكون ذلك إقراراً منه، أو بأن يقرأان الكتاب بين يدي الكاتب، وهو يقول: اشهدوا علي بما فيه، أو بأن يكتب بين يدي الشاهد، والشاهد يعلم ما كتب فيه.
وفي شهادات «المنتقى» : ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا كتب الرجل على نفسه لحق، وقال لقوم: اشهدوا عليّ بما في هذا الصك جاز لهم أن يشهدوا عليه، وإن كتب غيره وقال هو اشهدوا علي بما فيه، لم يجز حتى يقرأه عليهم، ثم يشهدهم.
وفي «الأقضية» عن أبي يوسف: إذا كتب الصك والوصية قدام الشاهد ودفعه إليه، وأثبت الشاهد شهادته فيه وبقي الصك في يد الشاهد إلى وقت الشهادة حل له أن يشهد على ذلك؛ لأن الصك إذا كان في يد الشاهد يؤمن على التغيير فيه، بخلاف ما إذا كان في يد غير الشاهد.
وفي «المنتقى» : رجل كتب كتاب رسالة إلى رجل، فكتب من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان سلام عليكم، أما بعد: فإنك قد كتبت إليّ تتقاضى بالألف التي كانت لك علي، وقد كنت قضيت منها خمسمائة وبقي لك علي خمسمائة، جاز لمن علمه أن يشهد عليه بذلك، وإن لم يشهده على نفسه بذلك، وهذا بخلاف ما لو أراه كتب على نفسه ذكر حقاً لرجل، ولم يشهده على نفسه لم يكن له أن يشهد عليه؛ لأن الرجل قد يكتب على نفسه كتاباً لحق قبل أن يلزمه المال، ولا يكتب الرسالة بذلك إلا بعد ما لزم المال.
وإذا رأى الرجل خطه على الصك، ولم يتذكر الحادثة ذكر الخصاف في «أدب القاضي» في باب الرجل يرى اسمه وخطه: أنه لا يجوز له أن يشهد في قول أصحابنا، وذكر هناك أيضاً لو تذكر مجلس الكتابة، وأنه كتب وختم عليه ولم يتذكر أنه شهد على المال لا يشهد أيضاً، وذكر (١١٦ب٤) الفقيه أبو الليث والقاضي المنتسب إلى إسبيجاب، والشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني أن على قول أبي حنيفة ﵀: لا
стр. 3739
يحل له أن يشهد ما لم يتذكر الحادثة، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله: يحل، وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، وهكذا ذكر في «المنتقى» : والمذكور في «المنتقى» بشر عن أبي يوسف: لا ينبغي للشاهد أن يشهد وإن رأى في الصك خطه واسمه إذا لم يذكر الشهادة قال: وكذلك قال أبو حنيفة.
وإذا سمع الرجل إقرار رجل بحق، وطلب صاحب الحق منه أن يشهد له بالحق، جاز له أن يشهد بالحق، وإن لم يعاين سبب الحق، ويكفيه الإقرار، وكذا إذا سمع إقرار إنسان بحق حل له أن يشهد وإن لم يشهد عليه.
وسئل ابن مقاتل عن اثنين يحاسبا بين يدي جماعة، وقالا لهم: لا تشهدوا علينا بما تسمعون بيننا، ثم أقر أحدهما للآخر، قال: ينبغي للشاهد أن يشهد بما سمع من إقراره، وهو قول ابن سيرين قال الفقيه أبو الليث ﵀: وهكذا روي عن أبي حنيفة ﵀، وبه نأخذ.
وإذا دخل في البيت وعلم أنه ليس فيه غير الواحد، ثم خرج وقعد على الباب، وعلم أنه ليس للبيت مسلك آخر، فأقر من في البيت حل له أن يشهد على إقراره.
وفي «واقعات الناطفي» : إذا أشهدت المرأة شهوداً على نفسها لأبيها أو لأختها بمال تريد بذلك إضرار الزوج، أو أشهد الرجل شهوداً على نفسه لبعض الأولاد، ويريد به إضرار باقي الأولاد، والشهود يعلمون ذلك وسعهم أن يقبلوا الشهادة، ويشهدوا بذلك وفيه نظر، فقد صح أن رسول الله ﷺ في مثل هذا قال: «هذا جور فإنا لا نشهد على الجور» فالصحيح أنه لا ينبغي للمرء أن يتحمل هذه الشهادة، ولكن إذا تحمل، فله أن يؤدي.
وفي «فتاوي أبي الليث» : ﵀ سئل أبو الهيثم الصفار ﵀ عن رجل أجر سوق النحاسين مقاطعة من السلطان، وكتب بذلك كتاباً، وأشهد شهوداً، هل يحل للشهود أن يشهدوا بذلك؟ فقال: لو شهدوا حل بهم اللعن؛ لأنهم شهدوا بباطل، ولو شهدوا على إقراره ولكنهم عرفوا السبب، فهم ملعونون أيضاً، ويجب أن يتحروا تحمل هذه الشهادة، وكذا في كل إقرار هو بناء على الحرام، وهذا يؤيد ما ذكرنا في المسألة المتقدمة.
جاء رجل إلى رجلين مع أعوان السلطان، وأقر عندهما أن لفلان علي دين كذا،
стр. 3740
وفلان من أناس السلطان، ثم طلب منهما الشهادة على إقرار هذا المقر، والمقر يزعم أنه أقر خوفاً من المقر له، فإن على الشاهدين أن يشهدا عن هذا الأمر، وإن وقفا على أمر فيه خوف أو إكراه امتنعا عن الشهادة لأن قوله تأيد بمؤيد وإن لم يع على ذلك يشهدان على إقراره ويخبران القاضي أنه أقر، ومعه عوان السلطان حتى يتأمل القاضي فيه.
رجل أقر بين يدي قوم إقراراً صحيحاً أن لفلان عليه كذا وكذا درهماً، فمضت على ذلك مدة ثم جاء عدلان أو ثلاثة إلى هؤلاء الشهود، وقال: شهدوا لفلان على فلان بالدين، فإنه قضاه كله، فالشهود بالخيار إن شاؤوا امتنعوا عن الشهادة، وإن شاؤوا شهدوا بذلك وأخبروا الحاكم بالقصة ثم لا يقضي القاضي بالمال حتى يتفحص، كذا ذكره في «فتاوي أبي الليث» عن الفقيه أبي جعفر وأبي نصر ابن سلام.
وفي «العيون» عن محمد: إذا شهد عدلان عند شاهد الدين أن صاحبه قد استوفاه، لا يسعه أن لا يشهد بالدين إذا طلب منه صاحبه، ولكن يشهد أيضاً بما أشهده بالشاهدين على شهادتهما بالاستيفاء، أراد به أنه يخبر القاضي بذلك، أما لا يشهد على شهادتهما لأنهما ما أشهداه على شهادتهما.
وفي «الواقعات» عن محمد أنهما يشهدان أنه كان عليه ذلك ولا يشهدان أن له عليه. وفي «نوادر هشام» عن محمد ﵀ أنهما بالخيار إن شاءا شهدا، وإن شاءا لم يشهدا.
وفي «نوادر بشر» : عن أبي يوسف ﵀: إذا شهد الرجل على حق لرجل ثم أخبره رجلان يثق بهما أنه قد قبض حقه، فليس له أن يمتنع عن أداء الشهادة إذا سأله الطالب أن يشهد بحقه؛ لأنه ليس إليه إن سمع من الشهود أن يحكم به، قال أبو يوسف ﵀: وكذلك في النكاح إذا أشهد الرجل على نكاح امرأة ثم أخبره رجلان يثق بهما أنه طلقها والمرأة تجحد النكاح، فسأله الرجل أن يشهد له بالنكاح لم يكن له أن يمتنع عن الشهادة ولو كان الطالب أخبره بالطلاق أو القبض ثم دعاه إلى تلك الشهادة لم يشهد بها.
وفي «المنتقى» قال محمد ﵀: إذا شهدت أقبل البيع أو النكاح أو قبل العمد أو الإقرار بشيء من ذلك، ثم شهد عندك عدلان على الزوج أنه طلقها ثلاثاً بحضرتنا، أو أن امرأة واحدة أرضعتهما وهما صغيران في الحول، أو أن المشتري أعتق الجارية أو أن البائع أعتقها قبل أن يبيعها من هذا المشتري، أو أن الميت قد عفى بنفسه قبل أن يموت، وقد أنكرت المرأة أن تكون امرأته وأنكرت الجارية أن تكون أمة المشتري لم يسعك أن تشهد على أصل القود وأشباه ذلك، ألا ترى أنهما لو شهدا عند الزوجة بالطلاق، أو شهدا عند الأمة بالعتق لم يسعهما أن يدعاهما بجامعاهما، فكذا لا يسع للشاهد أن يشهد وإن كان ذلك بحق قبله. وإن كان الشاهد بذلك واحداً عدلاً لم يسع للشاهدين أن يمتنعا عن أداء الشهادة الأولى، ولم يسع الزوجة والأمة منع الزوج والمولى الجماع.
قال: وما أقر به الرجل من مال أو ما أشير به بين يدي رجل لرجل آخر ثم أنكر
стр. 3741
وطلب المقر له شهادة، وأخبر الشاهد عدلان بأن ذلك الذي أقر به المقر قد صار له ببيع أو هبة، قال: يشهد الشاهد بما كان يعلم من ذلك، ولا يلتفت إلى قول العدلين، وقيل: لو وقع في قلبه أن المخبرين صادقان لا يسعه أن يشهد بما كان يعلم من ذلك.
وفي «فتاوى الفضلي» : إذا شهد عند شاهد الدين عدلان أن الطالب أبرأ المطلوب لا يسعهما أن يمسكا عن الشهادة، إلا أن يكونا سمعا إقرار الطالب بالإبراء والاستيفاء.
وفي «الواقعات» : إذا علم الشاهدان أن الدار للمدعي، فشهد عندهما شاهدان عدلان أن المدعي باع الدار من الذي في يديه، قال محمد ﵀ يشهدان بما علما، ولا يلتفتان إلى شاهدي البيع ولو شهد عند شاهدي النكاح أو شاهدي شراء العبد عدلان أنه طلقها ثلاثاً، أو بالعتق على البائع لا يشهدان في هاتين الخصلتين، وبعض مشايخ زماننا اختاروا في هذه المسائل كلها أنه إن شهد عند الشاهد بذلك عدلان ووقع في قلبه أنهما صادقان ليس له أن يشهد بما علم من أصل الحق، فإن شهد عنده شاهد واحد أو شاهدان إلا أنه لم يقع في قلبه صدقهما، فله أن يشهد بما علم من أصل الحق.
وإذا تزوج الرجل امرأة بشهادة شاهدين على مهر مسمى، ومضى على ذلك سنون، وولدت الأولاد أو مضى سنون ثم مات الزوج، ثم إنها استشهدت الشهود أن يشهدوا على ذلك المسمى وهم يتذكرون استحسن مشايخنا أنه لا يسعهم أن يشهدوا بعد اعتراض هذه العوارض، من ولادة الأولاد ومضيّ الزمان؛ لاحتمال سقوط كله أو بعضه، وبه كان يفتي الصدر الكبير برهان الأئمة ﵀، ثم أفتى كما هو جواب الكتاب أنه يسعهم أن يشهدوا، وعليه الفتوى.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: في رجل باع واشترى وهو على حال فساد يستحق أن يحجر عليه، لم ينبغ للرجل إذا دعي للشهادة على مثل هذا أن يشهد؛ لأن من رأي الحاكم أن لا يجر ذلك، قال: قلت: فإن كان الذي يريد أن يشهدني على دفع المال إلى الوارث وهو على حال فساد، يجب أن يحكم الحاكم عليه، قال: وسعك أن تشهد عليه وسعك أن لا تجيب إلى الشهادة على ذلك، فكأنه خيره بين أن يجيب وبين أن لا يجيب.
وفي «المنتقى» : رجل في يديه عبد لا يقر عن نفسه، قال الذي في يديه (١١٧أ٤) هو عبدي وسمع ذلك منه رجل، ثم تكلم الغلام، وقال: أنا حر وسع لذلك الرجل أن يشهد أنه عبده وإن لم يكن سمع منه ذلك لم يسعه أن يشهد أنه عبده.
وفيه أيضاً عن محمد: رجل عنده شهادة لرجل، وهو محدود في قذف أو عبد وسعه أن يشهد ويكتم أنه عبد أو محدود في قذف حتى يقضي للشهود له بالألف الذي يدعيه.
إذا أشهد الرجل على ملك دار بعينها إلا أنه لا يعرف الحدود، يجوز أن يسأل الثقات عن حدودها للشهادة، لكن يشهد بالدار على إقراره، ولا يشهد بالحدود على إقراره حتى لا يكون كذباً، بل يفسر الحدود من ذات نفسه. ونحو ذلك: قال محمد ﵀ في «الجامع الصغير» :
стр. 3742
رجل في يديه شيء سوى العبد والأمة وسعك أن تشهد أنه له، قد ذكرنا قبل هذا إن علم الشاهد بالمشهود به شرط جواز أداء الشهادة، وأقوى الأدلة التي يحصل بها العلم المعاينة فيجب اعتبارها الأداء إذا تعذر فحينئذٍ يعدل عنها، ويعدل إلى دليل آخر دونها والملك في الأشياء المعينة لأشخاص معنيين لا يعرف من طريق الإحاطة، وإنما يعرف بطريق الظاهر بدليله، واليد بلا منازعة دليل الملك بل لا دليل لمعرفة الملك في حق الشاهد سوى اليد؛ لأن أكثر ما في الباب أن يعاين أسباب الملك من الشراء والهبة أو ما أشبه ذلك، إلا أن الشراء والهبة ما يصل الملك إذا كان البائع أو الواهب مالكاً، وإنما يعرف كون الواهب مالكاً بيده بلا منازعة، وإذا كان اليد بلا منازعة دليلاً على الملك، كان للشاهد أن يعتمد عليه، ويشهد بالملك لصاحب اليد اعتباراً للظاهر عند تعذر الوقوف على الحقيقة، ثم إن محمداً ﵀ على رواية «الجامع» جعل اليد فيما سوى العبد والأمة دليل الملك، ولم يجعله في العبد والأمة دليل الملك، ولم يفصل بين الصغير والكبير، وروى ابن سماعة عنه: أنه فرق بينما إذا كان العبد صغيراً لا يعبر عنه نفسه، وبينما إذا كان كبيراً أو صغيراً يعبر عن نفسه، فجعل اليد على الصغير الذي لا يعبر عن نفسه دليل الملك، ولم يجعل اليد على الكبير وعلى الصغير الذي يعبر عن نفسه دليل الملك.
وجه ما ذكر في «الجامع الصغير» : أن العبد في يد نفسه حتى إذا ادعى أنه حر الأصل قبل قوله فلا يثبت لغيره عليه يدعى الحقيقة، حتى يعتبر لإطلاق الشهادة والاستخدام لا يصلح دليلاً على الملك أيضاً لأن الحر قد يستخدم الحر، وقد يخدمه طوعاً، إلا إذا كان العبد بحال لا يعبر عن نفسه، كما هو رواية ابن سماعة فحينئذٍ يجوز له أن يشهد بالملك؛ لأنه لا يد له على نفسه، فثبت يد المولى عليه حقيقة، وصار كالثياب والبهائم.
وعن أبي يوسف ﵀ أنه سوى بين العبد والإماء، وبين سائر الأشياء، وجعل اليد في الكل كيد الملك، وهكذا روي عن محمد، وهكذا روى أبو يوسف في «الأمالي» عن أبي حنيفة ﵀.
وذكر بعض المشايخ في «شرح الجامع الصغير» : فصل العبد والأمة، وقال: إن كان الرائي يعرف أنه رقيق يسع له أن يشهد لذي اليد بالملك؛ لأن الرقيق لا يكون في يد نفسه، بل يكون في يد من هو مستولي عليه من حيث الظاهر، أما إذا لم يعرف أنه رقيق لا يسعه أن يشهد لذي اليد بالملك مجرد اليد؛ لأن الحر قد يخدم الحر طوعاً كأنه عبده، فلا يصح الاستدلال به على الملك.
ثم إن محمداً ﵀ شرط في بعض الروايات مع اليد شيئاً آخر، وهو أن يقع في قلب الرائي أن العين لصاحب اليد، فقال: إذا رأيت في يدي رجل ثوباً أو متاعاً، فوقع في قلبك أنه له، ثم رأيته بعد ذلك في يدي غيره وسعك أن تشهد أنه للأول، فإن لم يقع في قلبك أنه له برؤيتك إياه في يده، لم يسعك أن تشهد أنه له، وهكذا روي عن أبي
стр. 3743
يوسف، وهذا لأن الأصل اعتبار علم اليقين لجواز الشهادة، فلأن بقدر اعتبار علم اليقين أمكن اعتبار علم الفتوى.
وعن هذا قلنا: إذا رأى درة في يد كناس أو حجام، أو رأى كتاباً في يدي جاهل ليس في آبائه من هو أهل لذلك، لا يحل له أن يشهد بالملك له؛ لأن الذي يشير إلى قلب كل أحد أنه كاذب في دعواه، وأبو حنيفة لم يشترط ذلك في رواية، فإنه روي عنه أنه قال: إذا كانت الدار أو العبد أو الثوب في يدي رجل وسعك أن تشهد أن ذلك له ولم يقل: ووقع في قلبه أنه له، وذكر الصدر الشهيد حسام الدين في «شرح الجامع» في آخره: أنه لا يحل له الشهادة بمجرد اليد، وإنما يحل له إذا رآه في يده يتصرف فيه، وكان الفقيه أبو القاسم الصفار يقول: إن كان الكوز في يده على ممر الزمان، وكانت الشبهة عنها مرتفعة، ولم يكن رأى هناك خصماً يخاصم فيها، فالشهادة جائزة.
وذكر القدوري في «شرحه» عن أبي حنيفة وأبي يوسف: إذا رأى الرجل في يدي رجل وعلم أنه له يعرفه بالقلب، ويكتب ذلك عنده زماناً، فليشهد له بالملك، قال القدوري ﵀: وإنما اعتبر أن يبقى في يده زماناً، فيحصل تصرفه تصرف المالكين، فيغلب على الظن أنه له، وشرط الخصاف شرائط آخر لم يشترط أحد تلك الشرائط، فقال: إنما يشهد على الملك إذا رآه في الدار يرمها ويبني فيها ويسكنها ويؤاجرها ويحدث فيها أشياء لا يضرب أحد على يده في ذلك، ويقال فيما بين الناس: إن هذا ملكه.
وبعض مشايخنا شرطوا شرطاً آخر، وهو أن يدعي ذو اليد الملك لنفسه بأن يقول حال ما رآه في يده: هذا ملكي، فأما إذا لم يعلم منه دعوى الملك حال ما رآه في يده، فإنه لا يشهد له بالملك وإن رآه يتصرف فيه.
وفي «المنتقى» : لم يشترط هذا الشرط في بعض هذه المسائل، وقال في مسألة منها ولم يقل هو لي، وصورة ذلك: إذا رأى ثوباً في يدي رجل، ولم يقل: هو ثوبي، ثم ادعاه رجل وسعه أن يشهد أنه ثوبه، وكان القاضي الإمام أبو علي النسفي يقول: لا بد لحل الشهادة من أن يقع في قلب الرائي أنه ملكه، وكان يقول وإن رآه يتصرف فيه والناس يقولون أنه ملكه، إلا أنه وقع في قلب الرائي أنه ملك غيره لا ملكه، وأنه يتصرف بأمر ذلك الغير لا يحل له أن يشهد بالملك وعليه فتوى كثير من مشايخنا.
ثم هذه المسالة على أربعة أوجه.
أحدها: أن يعاين الشاهد المالك والملك، بأن عرف المالك بوجهه واسمه ونسبه، وعرف الملك بحدوده وحقوقه، ورآه في يده يتصرف تصرف الملاك ويقع في قلبه أن له، حل له أن يشهد له بالملك؛ لأن هذه شهادة عن علم وبصيرة، وإن لم يعاين الملك ولا المالك، ولكن سمع من الناس قالوا: لفلان بن فلان في قرية كذا ضيعة، حدها كذا وكذا، لا يحل له أن يشهد له بالملك؛ لأنه مجازف في هذه الشهادة فإن عاين المالك
стр. 3744
وعرفه معرفة تامة ولكن لم يعاين الملك، بأن سمع من الناس أن لهذا في قرية كذا ضيعة حدودها كذا، وهو لم يعرف تلك الضيعة، ولم يعاين يده عليها، لا يحل له أن يشهد له بالملك، وإن عاين الملك دون المالك بأن عاين ملكاً محدوداً وينسب هذا الملك إلى فلان بن فلان الفلاني وهو لم يعاين فلاناً بوجهه ولا يعرفه بنسبه، فالقياس: أن لا تحل له الشهادة، وفي الاستحسان تحل لأن الملك معلوم والنسبة تثبت بالشهرة والتسامع، فكانت هذه شهادة بمعلوم.
توضيحه: أن صاحب الملك ربما يكون امرأة لا تبرز ولا تخرج، فلو اعتبرنا تصرفها بنفسها لجواز الشهادة بالملك يبطل حقها فاكتفى فيه بالتسامع، فإذا سمع أن هذه الضيعة لفلانة وفي يدها، ووقع في قلبه أن الأمر كما سمع، حل له أن يشهد بالملك لها، هكذا ذكره الخصاف في «أدب القاضي» .
وفي «المنتقى» : إذا رأيت رجلاً على حمار يوماً لم أشهد أنه له، ولو رأيته على حمار خمسين يوماً أو أكثر، ووقع في قلبي أنه له شهدت أنه له، ولو وقع في قلبي أنه عارية لم أشهد له قال محمد ﵀ في «المنتقى» : إذا رأيت ثوباً أو متاعاً في يدي رجل، ووقع في قلبك أنه له.
ثم رأيته بعد ذلك في يد غيره فشهد عندك شاهد عدل أنه للذي في يديه اليوم، كأن أودعه الأول بمحضر منها لم يسعك أن تشهد أنه للأول، قال: لأن هذا ينبغي أن يقع في قلبك إذا شهد العدلان بما وصفت لك أنه ليس للأول، فلا يسعك أن تشهد أنه للأول، وإن شهد بذلك عندك واحد وسعك أن تشهد أنه للأول ما لم يقع في قلبك أنه صادق، وإذا وقع في قلبك إنه صادق فلا تشهد به للأول؛ لأن الذي وسعك أن تشهد به للأول لكأنه قد زال عن قلبك بهذه الشهادة، فكأنه لم يقع في قلبك قط أنه للأول.
وفي «شرح شهادات الجامع» : أن من عاين دابة تتبع دابة، وترضع منها حل له أن يشهد بالدابة المرتضعة لصاحب الدابة الأخرى وبالنتاج، وهكذا ذكر شمس الأئمة السرخسي في «شرح دعوى الأصل» (١١٧ب٤) .
نوع آخر من هذا الفصل
قال محمد ﵀: ولا تجوز الشهادة على الأملاك وعلى أسبابها، نحو: البيع والهبة والصدقة بالشهرة والتسامع.
وتجوز الشهادة بالشهرة والتسامع في أربعة أشياء: النسب والنكاح والقضاء والموت، والقياس في هذه الأشياء أيضاً أن لا تحل الشهادة بالتسامع؛ لأن شرط جواز الشهادة علم معاينة، قال ﵇: «إذا علمت مثل الشمس فاشهدوا وإلا فدع» ، فقد شرط لحل الشهادة علم معاينة، ولم توجد، إلا أنا استحسنا وجوزنا الشهادة بالشهرة
стр. 3745
والتسامع في هذه الأشياء الأربعة للتوارث والتعامل بين الناس، ولأنه يتعذر الوقوف على حقيقتها فاكتفى فيها بالدليل الظاهر، فهو الشهرة والتسامع فإنه اقترن بهذه الأشياء ما يوجب الشهرة والشهرة أقيمت مقام العيان في بعض الصور، كما في باب الأخبار، فإن الأخبار إذا اشتهرت من رسول الله ﵇ كانت بمنزلة المسموع من النبي ﵇، حتى جاز التخصيص والنسخ بها.
ثم الشهرة التي تقوم مقام المعاينة الشهرة في الطرفين، فإن الأصل في هذا الباب أخبار رسول الله ﵇ وإنما يثبت حد الشهرة بأخبار النبي ﵇، بوجود التواتر في الطرفين، أما في الطرف الأول والأوسط أو في طرف الأوسط والآخر، أو في الطرف الأول والآخر وفي هذه الأشياء وجد الاشتهار في طرفين أيضاً، في طرف الوقوع وفي طرف البقاء فتقام الشهرة مقام المعاينة.
جئنا إلى بيان صور هذه المسائل.
فأما النسب فصورته: إذا سمع الرجل من الناس أن فلان بن فلان الفلاني، وسعه أن يشهد بذلك وإن لم يعاين الولادة على فراشه للتوارث والتعامل، فإنا نشهد أن أبا بكر الصديق ﵁ ابن قحافة، وعمر رضى الله عنه ابن الخطاب، وعثمان ﵁ ابن عفان، وعلي ﵁ ابن أبي طالب، ونحن ما رأينا أبا قحافة ولا الخطاب ولا أبا طالب، وما أدركناهم، وكذلك الغلام منا إذا أدرك فسمع الناس يقولون: فلان بن فلان ولم يدرك هذا الغلام أباه، فإنه يشهد أنه فلان بن فلان ولأن سبب النسب العلوق منه، وإنه لا يمكن الوقوف عليه حقيقة؛ لأنه أمر باطن لا يعلمه إلا الله تعالى، وسبب العلوق وهو الوطء يكون سراً من الناس لا يعرفه إلا الواطئان، والولادة لا يعرفها غير القابلة، فتعذر الوقوف على حقيقته، فلم يكلف الشهود معرفته حقيقة، واكتفى فيه بالدليل الظاهر، وهو الشهرة وقوعاً وبقاء، فالنسب مشتهر وقوعاً وبقاء، وقوعاً بأن الولادة تكون بين جماعة من النسوان غالباً، ثم يهيأ بعد ذلك لأجلها ويتخذ لذلك وليمة، وهو العقيقة.
وأما بقاء: فلأن بمضي الزمان يشتهر نسبه فيما بين الناس، فيقولون هذا ابن فلان، فيقوم مقام المعاينة.
وأما النكاح فصورته: إذا رأى رجلاً يدخل على امرأة وسمع من الناس أن فلانة زوجة فلان يسعه أن يشهد أنها زوجته وإن لم يعاين عقد النكاح للتوارث، وإنا نشهد أن عائشة ﵂ كانت زوجة النبي ﵇، وفاطمة ﵂ كانت زوجة علي ﵁، ولم نعاين نكاحهما ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأن جواز النكاح يبنى على المسألة بدليل أن نكاح المرتد لا يجوز، وإنه لأمر في باطنه؛ لأن اعتقاده لا يقف على حقيقته غير الله تعالى، فاعتبر الظاهر عند تعذر الوقوف على الحقيقة والنفساء بالشهرة والتسامع فيه فالنكاح يشتهر وقوعاً وبقاء، أما وقوعاً: فلأنه يكون بمحضر من الشهود ويتخذ لذلك وليمة، وأما بقاء: فلأن الناس يرونه يدخل عليها كما
стр. 3746
يفعل الأزواج، ويقولون فيما بينهم: هذا زوج هذه.
وأما القضاء فصورته: إذا رأى رجلاً قضى لرجل بحق من الحقوق، ويسمع من الناس أنه قاضي هذه البلدة وسعه أن يشهد أن قاضي بلدة كذا قضى لفلان، وإن لم يعاين تقليد الإمام إياه قضاء هذه البلدة للتوارث، فإنا نشهد أن شريحاً كان قاضياً، وعلياً رضى الله عنه كان قاضياً، ولم ندركهما، ولم نعاين تقليدهما، ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأن صورته قاضياً ينبني على المسألة، فإنه إذا كان مسلماً صلح قاضياً ونفذ قضاؤه بين المسلمين، وإلا فلا في اعتقاده لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فاعتبر الظاهر وهو الشهرة وقوعاً وبقاء، فالقضاء يشتهر وقوعاً وبقاء، أما وقوعاً: فلأن التقليد غالباً يكون بين يدي جماعة، وبعد ذلك يكتب له منشور، ويقرأ على رؤوس الخلائق ويجتمع الناس إليه كل يوم لفصل الخصومات بينهم، وذلك يفيد من العلم مثل ما يفيد العيان، فجازت الشهادة عليه بالشهرة.
أما الموت فصورته: إذا سمع الناس يقولون: إن فلاناً مات، أو رآهم صنعوا به ما يصنع بالموتى، يسعه أن يشهد على موته وإن لم يعاين ذلك للتوارث، فإنا نشهد أن رسول الله ﷺ توفي وتوفي الصحابة ولم ندرك زمانهم ولم نعاين ذلك، ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأنك ترى إنساناً عليه زي الموتى وسيماهم وهو حي حقيقة، كالذي أخذته السكينة ونحوه، ونرى آخر في صورة الأحياء وهو ميت حقيقة، كما كان سليمان ﵇، مات ومضى عليه زمان طويل، ولا يعلم به أحد من أصحابه، فإذا تعذر الوقوف على حقيقته اكتفينا بالظاهر، وهو الشهرة وقوعاً وبقاء، فالموت يكون بمحضر جماعة من الناس، وبعد ذلك يجتمع الناس للصلاة عليه، ولدفنه وتعزيته، فيكتفى بها لجواز الشهادة عليها بالتسامع، ولأن لهذه الأشياء أحكاماً تبقى بعد القضاء قروناً، فلو لم تجز الشهادة بالتسامع لتغلظت تلك الأحكام.
قال ابن سماعة عن محمد ﵀ في الموت: إذا أخبرك واحد عدل بالموت وسعك أن تشهد به، وأما في النسب فلا يسعك أن تشهد به حتى يشهد عندك عدلان، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وعلى قول أبي حنيفة ﵏ هذا على ما يقع في القلب، وهكذا روى بشر ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يحل له أن يشهد بالنسب حتى يسمع ذلك من العامة، والجواب في النكاح والقضاء نظير الجواب في النسب، وقد فرقوا جميعاً بين الموت وبين الأشياء الثلاثة، فاكتفوا بخبر الواحد في الموت دون الأشياء الثلاثة.
ووجه الفرق: أن الموت قد يتفق في موضع لا يكون ثمة إلا واحد، فلو قلنا إنه لا يسمع الشهادة على الموت بإخباره ضاعت الحقوق المتعلقة بالموت وبطلت بخلاف هذه الأشياء الثلاثة؛ لأن الغالب فيها أن تكون بين الجماعة، أما النكاح فلأنه لا ينعقد إلا بشهادة الاثنين، وتقليد الإمام القضاء يكون بين الجماعة في الغالب، وكذلك الولادة، فاشتراط العدد فيها لا يؤدي إلى تضييع الحقوق.
стр. 3747
وكان الفقيه أبو جعفر البلخي ﵀: يفرق بين الموت والنسب من حيث أن الموت مما يعاين، فقد أخبر عن عيان، فكان فيه زيادة قوة، فلا يشترط العدد، فأما النسب فلا يتصور فيه المعاينة، فيمكن في خبره نوع شبهة، فلا يكتفي فيه بقول الواحد ومن المشايخ من قال: لا فرق بين الموت والنسب والقضاء والنكاح، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع.
موضوع مسألة الموت أنه أخبره واحد عدل موثوق به، ولم يذكر العدل والموثوق به في الأشياء الثلاثة، ولو كان الواحد المخبر في الأشياء الثلاثة عدلاً موثوقاً به حل له أن يشهد، ومنهم من قال بالفرق والفرق ما ذكرنا.
ثم عند أبي يوسف ومحمد يجوز الشهادة بخبر المثنى في النسب والقضاء والنكاح، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا تجوز الشهادة ما لم يسمع ذلك من العامة بحيث يقع في قلبه صدق الخبر.
وجه قولهما: أن خبر الاثنين للعدل حجة مطلقة لو شهدا به عند القاضي قضى بشهادتهما، فإذا شهدا عنده حل له أداء الشهادة أيضاً؛ لأن جواز الشهادة يبنى على العلم، كما أن جواز القضاء يبنى على العلم، فإذا جاز القضاء بهذا العلم لأن تجوز الشهادة به والقضاء أقوى؛ لأن فيه إلزاماً أول، وأبو حنيفة ﵀ يقول: بأن جواز الشهادة يبنى على العلم، وبخبر المثنى لا يحصل العلم لبقاء شبهة الكذب في خبرهما وإن كانا عدلين، وأما بخبر الجماعة التي لا يتصور تواطؤهم على الكذب يحصل العلم، بحيث لا يشك السامع في وجود المخبر به، فإذا أخبره جماعة يحصل له العلم بخبرهم ويقع في قلبه صدقهم، حل له أداء الشهادة وإلا فلا يحل له، ثم في الأشياء الثلاثة إذا ثبت والشهرة والاستفاضة عندهما بخبر عدلين، بشرط أن يكون الإخبار بلفظة الشهادة، كذا ذكره الخصاف وشيخ الإسلام رحمهما الله، وبه أخذ الصدر الشهيد برهان الدين جدي ﵀ لأنه إخبار بالشهادة يوجب زيادة علم شرعاً لا توجبه لفظة الخبر، ألا ترى أن القاضي لا يقضي ما لم يأت الشاهد بلفظة الشهادة، وفي فصل (١١٨أ٤) .
الموت لما ثبتت الشهرة بخبر الواحد بالإجماع لا يشترط فيه لفظية الشهادة، بل يكتفى فيه بمجرد الإخبار، إما لأن لفظ الشهادة من الواحد لا توجب زيادة العلم حتى لا يقضي القاضي بها، أو لأنه لما سقط اعتبار العدد وتأثير العدد في إفادة زيادة العلم أكثر من تأثير لفظة الشهادة، لأن يسقط اعتبار لفظة الشهادة أولى.
وأما الشهادة على الدخول بالشهرة والتسامع ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : أنه يجوز؛ لأن هذا أمر يشتهر، ويتعلق به أحكام مشهورة من النسب والمهر والعدة وثبوت الإحصان، بخلاف الزنا، حيث لا تجوز الشهادة فيها بالتسامع، لأن الزنا فاحشة، والشهادة بالتسامع إنما جازت احتيالاً لإحياء حقوق الناس؛ لأن الذين عاينوا لو ماتوا ومضى عليه قرن بعد قرن لو لم تجز الشهادة بالتسامع أدى إلى إبطال حقوق الناس، والفاحشة لا يحتال لإثباتها.
стр. 3748
وأما الشهادة على المهر بالشهرة والتسامع فقد ذكر في نكاح «المنتقى» أنه يجوز، وهكذا ذكر في شهادات «المنتقى» وصورة ما ذكر في الشهادات: قال هشام: سمعت محمداً ﵀ يقول في قوم خرجوا من ملاك رجل وفي الخارج قوم يشهدوا الملاك، فأخبروهم أنها زوجت على كذا من المهر وسع الخارجين أن يشهدوا بالمهر، ويثبتون الشهادة أن المهر كذا، وكذا ولو قالوا: سمعنا الذين شهدوا الملاك يقولون: المهر كذا وكذا تقبل شهادتهم.
وفي «الإملاء» عن محمد ﵀: أن الشهادة على المهر بالشهرة لا تجوز، وأما الشهادة في الأملاك لا تحل بالشهرة والتسامع في قول علمائنا، إلا في فصل واحد ذكره الخصاف في «أدب القاضي» ، وقال الشافعي ﵀: يحل.
وأجمعوا على أن الشهادة بالشهرة والتسامع في أسباب ملك اليمين لا تحل، كالبيع والهبة والصدقة، وذهب في ذلك أن الشهرة والاستفاضة تتحقق في الأملاك كما تتحقق في الأشياء الأربعة، وإنا قول: غصباً كانت ناقة رسول الله ﷺ ، وهذا دار أبي نعمان ود السامانية، كما في النسب نقول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄، والشهرة والاستفاضة أقيم مقام العيان، كما في الأشياء الأربعة، بخلاف الأسباب من البيع وغيره، لأنها لا تبقى في نفسها لتشتهر، لأنها كلام قد انقضى ومضى، ووقوعاً قد يشتهر وقد لا يشتهر، فإنه قد يقع بين جماعة وقد لا يقع، فلا تثبت الشهرة والاستفاضة في حق الأسباب، فأما الملك مما يبقى وما بقي اشتهر واستفاض.
وعلماؤنا ذهبوا في ذلك إلى أن الشهرة أقيم مقام العيان فيما يشتهر وقوعاً وبقاء، والاشتهار في الأملاك إن كان يوجد بقاء لا يوجد وقوعاً في الغالب قد يشتهر وقوعاً وبقاء في الغالب، فيثبت حد الشهرة في الأشياء الأربعة، والشهرة أقيمت مقام العيان كما في الأخبار.
وإذا شهد شاهدان أن فلاناً مات، وترك هذه الدار ميراثاً لابنه، وهذا لا يعلم له وارثاً آخر، إلا أنهما لم يدركا فلاناً الميت لا تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان بالملك للميت بالشهرة والتسامع.
بيانه: أن الوراثة خلافة، فما لم يثبت الملك للميت لا يتصور فيه الخلافة للوارث، والشهود إذا لم يدركوا الميت لم يعاينوا سبب الملك في حقه، ولا اليد المتصرفة، فتعين أن تكون الشهادة بالشهرة والتسامع، والشهادة على الملك بالشهرة والتسامع لا تجوز.
وأما الشهادة في الوقف هل تحل بالشهرة والتسامع؟ فلا رواية لهذا، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تحل بالشهرة والتسامع لأنه مما يشتهر وقوعاً في الغالب، وبقاء لا محالة، فصار كالأشياء الأربعة، وبعضهم قالوا: لا تحل، لأنه إن كان يشتهر بقاء
стр. 3749
لأن ما بقي اشتهر لا يشتهر وقوعاً لا محالة قد يشتهر وقد لا يشتهر، لأن الوقف قربة يتقرب بها إلى الله تعالى والإخفاء بالقرب أكثر من الإعلان بها، فيصير بمنزلة الأملاك من هذا الوجه، ومن المشايخ من قال: تجوز الشهادة على أصل الوقف بالتسامع، أما على شرائط الوقف لا، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وهو الأصح، لأن أصله يشتهر، أما شرائطه لا تشتهر، وأما الشهادة بالعتق بالشهرة والتسامع لا تحل عندنا، وعند الشافعي: تحل، لأنه مما يشتهر بقاء عنده يكفي لحل الشهادة، وعندنا لا يكفي، بل نشترط الشهرة بقاء ووقوعاً، والعتق إن كان يشتهر بقاء لا يشتهر وقوعاً لا محالة، لأن العتق قربة، وقد ذكرنا أن الإخفاء بالقرب أكثر من الإعلان بها.
فأما الشهادة بالولاء بالشهرة والتسامع لا تحل عند أبي حنيفة ﵀ ما لم يعاين عتق المولى، وهو قول أبي يوسف الأول، وعلى قوله الآخر: تحل، وقول محمد مضطرب في بعض الروايات مع أبي حنيفة، وفي بعضها مع أبي يوسف، فأبو يوسف ذهب في ذلك إلى أن الولاء بمنزلة النسب، على ما قال ﵇: «الولاء لحمة كلحمة النسب» .
والشهادة في الأنساب تحل بالشهرة والتسامع، وكذا فيما له حكم النسب، ألا ترى أنا نقول: نافع مولى ابن عمر، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس، كما نقول: عمر بن الخطاب ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وأبو حنيفة ﵀ قال: إنما تحل الشهادة بالشهرة والتسامع في النسب، لأنه يشتهر وقوعاً وبقاء في الغالب على ما بيّنا، فأما الولاء، فإن كان يشتهر بقاء، لأن ما بقي يشتهر لا محالة، لا يشتهر وقوعاً لا محالة في الغالب، لأن الولاء يثبت بالعتق، والعتق قد يوقع على سبيل الشهرة، وقد يقع على سبيل الخفية، لأنهما قربة، والإخفاء في القرب التي يتطوع بها أصل، وإذا كان يشتهر بقاء لا وقوعاً كان الولاء بمنزلة الأملاك من هذا الوجه.
وذكر شمس الأئمة الحلواني في «شرح أدب القاضي» للخصاف: أن الشهادة على العتق مختلف فيه بين أصحابنا ﵏، كالشهادة على الولاء، قال في كتاب «الأقضية» : وأما الولاء، فلا أشهد به، وإن كان مشهوراً إذا كان بعض الورثة الذين أضافوا إليه الولاء يزعمون أنه رقيق لهم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وإن لم يدّعوا رقه شهدت به، لأنهم إذا ادعوا رقه وهو يدعي الولاء، فقد أقر بملك أبيهم، حيث ادعى الولاء بسبب إعتاقه، فيثبت الملك عليه بإقراره، ولم يثبت الإعتاق مع إنكار الورثة، فحاجته بعد ذلك إلى زوال الملك الثابت لهم، ولا تحل الشهادة على ذلك إلا لمعاينة
стр. 3750
فأما إذا لم يدعوا رقه لم يثبت لهم عليه ملك، ولا حق ملك، فبعد ذلك هو يدعي عليهم الانتساب إلى أبيهم بسبب الولاء وهم ينكرون، فتقبل الشهادة عليهم بالشهرة، كما في النسب.
وإذا شهد شاهدان على موت رجل، فهذا على وجهين: أما إن أطلقا الشهادة إطلاقاً ولم يثبتا شيئاً، أو قالا: لم نعاين موته، وإنما سمعنا من الناس، ففي الوجه الأول: تقبل شهادتهما، ويحمل على سبب يطلق لهما أداء الشهادة، وهو الشهرة أو المعاينة، وفي الوجه الثاني: إن لم يكن موت فلان مشهوراً لا تقبل الشهادة بلا خلاف؛ لأن المطلق الشهرة ولم توجد المعاينة، والشهرة لم تثبت بقولهما: سمعنا من الناس؛ لأن السماع قد يكون على وجه يثبت به الشهرة بأن سمعا من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب أو سمعا من واحد عدل أو جماعة ليسوا بعدول، فلهذا لا تقبل الشهادة.
وإن كان موت فلان مشهوراً ذكر في «الأصل» وفي كتاب «الأقضية» : أنه لا تقبل الشهادة، وهكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ، وقد قال بعض مشايخنا: لا تقبل شهادته، وبه أخذ الصدر الشهيد حسام الدين ﵀، فإن قالا: نشهد أن فلاناً مات، أخبرنا بذلك من شهد موته ممن يوثق به جازت شهادتهما، هكذا ذكر في كتاب «الأقضية» ؛ لأنهما بينا أنهما شهدا عند وجود ما يطلق لهما أداء الشهادة، فلا يكون قد جاؤوا طمعاً في شهادتهما، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، بعضهم قالوا: لا تجوز هذه الشهادة؛ لأنهما ما أسندا هذه الشهادة إلى دليل يوجب العلم قطعاً، والعلم قطعاً شرط لجواز الشهادة لما تلونا من نص الكتاب، فإن اكتفى بهذا الدليل مع هذه الشبهة لإطلاق أداء الشهادة لا يدل على أنه إذا بين القاضي أن القاضي يكتفي فيه؛ لأن الضرورة تمكنت في حق الشاهد، لا في حق القاضي.
ونظيره: أن من رأى عيناً في يد إنسان يتصرف تصرف الملاك، حل له أن يشهد بالملك لذي اليد، ولو شهد عند القاضي، وقال: إن هذا العين ملكه، لأني رأيته في يده يتصرف فيه تصرف الملاك لا تقبل شهادته لما ذكرنا، كذا هنا.
وقد عثرنا على الرواية أنه تجوز الشهادة، وهي رواية كتاب «الأقضية» وكذلك إذا قالا: دفناه أو شهدنا جنازته، لأنه لا يدفن إلا الميت ولا يوضع على الجنازة إلا الميت، فكانت شهادة بالموت، فتقبل هذه الشهادة، ولا يقال عليه بأن هذه شهادة على فعل نفسه، فلا تقبل لأنا نقول: المشهود به في الحقيقة الموت، وأنه ليس من فعلهما، فلا يمنع قبول شهادتهما، وههنا مسألة عجيبة لا رواية لها: أنه إذا لم يعاين. (١١٨ب٤) الموت إلا واحد، ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده، ماذا يصنع؟ قالوا: يخبر بذلك عدلاً مثله، فإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته، فيشهد هو مع ذلك الشاهد، حتى يقضي القاضي بشهادتهما.
وإذا جاء موت الرجل من أرض أخرى، وصنع أهله ما يصنعون على الميت لم يسع أحداً أن يشهد على موته إلا من شهد موته أو سمع ذلك ممن شهد موته؛ لأن مثل هذا
следующие страницы →