← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 10875

المحيط البرهاني

برهان الدين ابن مازه البخاري

Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

يفعل الأزواج، ويقولون فيما بينهم: هذا زوج هذه. وأما القضاء فصورته: إذا رأى رجلاً قضى لرجل بحق من الحقوق، ويسمع من الناس أنه قاضي هذه البلدة وسعه أن يشهد أن قاضي بلدة كذا قضى لفلان، وإن لم يعاين تقليد الإمام إياه قضاء هذه البلدة للتوارث، فإنا نشهد أن شريحاً كان قاضياً، وعلياً رضى الله عنه كان قاضياً، ولم ندركهما، ولم نعاين تقليدهما، ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأن صورته قاضياً ينبني على المسألة، فإنه إذا كان مسلماً صلح قاضياً ونفذ قضاؤه بين المسلمين، وإلا فلا في اعتقاده لا يطلع عليه إلا الله تعالى، فاعتبر الظاهر وهو الشهرة وقوعاً وبقاء، فالقضاء يشتهر وقوعاً وبقاء، أما وقوعاً: فلأن التقليد غالباً يكون بين يدي جماعة، وبعد ذلك يكتب له منشور، ويقرأ على رؤوس الخلائق ويجتمع الناس إليه كل يوم لفصل الخصومات بينهم، وذلك يفيد من العلم مثل ما يفيد العيان، فجازت الشهادة عليه بالشهرة. أما الموت فصورته: إذا سمع الناس يقولون: إن فلاناً مات، أو رآهم صنعوا به ما يصنع بالموتى، يسعه أن يشهد على موته وإن لم يعاين ذلك للتوارث، فإنا نشهد أن رسول الله ﷺ توفي وتوفي الصحابة ولم ندرك زمانهم ولم نعاين ذلك، ولأنه تعذر الوقوف على حقيقته؛ لأنك ترى إنساناً عليه زي الموتى وسيماهم وهو حي حقيقة، كالذي أخذته السكينة ونحوه، ونرى آخر في صورة الأحياء وهو ميت حقيقة، كما كان سليمان ﵇، مات ومضى عليه زمان طويل، ولا يعلم به أحد من أصحابه، فإذا تعذر الوقوف على حقيقته اكتفينا بالظاهر، وهو الشهرة وقوعاً وبقاء، فالموت يكون بمحضر جماعة من الناس، وبعد ذلك يجتمع الناس للصلاة عليه، ولدفنه وتعزيته، فيكتفى بها لجواز الشهادة عليها بالتسامع، ولأن لهذه الأشياء أحكاماً تبقى بعد القضاء قروناً، فلو لم تجز الشهادة بالتسامع لتغلظت تلك الأحكام. قال ابن سماعة عن محمد ﵀ في الموت: إذا أخبرك واحد عدل بالموت وسعك أن تشهد به، وأما في النسب فلا يسعك أن تشهد به حتى يشهد عندك عدلان، وهو قول أبي يوسف ومحمد، وعلى قول أبي حنيفة ﵏ هذا على ما يقع في القلب، وهكذا روى بشر ابن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه لا يحل له أن يشهد بالنسب حتى يسمع ذلك من العامة، والجواب في النكاح والقضاء نظير الجواب في النسب، وقد فرقوا جميعاً بين الموت وبين الأشياء الثلاثة، فاكتفوا بخبر الواحد في الموت دون الأشياء الثلاثة. ووجه الفرق: أن الموت قد يتفق في موضع لا يكون ثمة إلا واحد، فلو قلنا إنه لا يسمع الشهادة على الموت بإخباره ضاعت الحقوق المتعلقة بالموت وبطلت بخلاف هذه الأشياء الثلاثة؛ لأن الغالب فيها أن تكون بين الجماعة، أما النكاح فلأنه لا ينعقد إلا بشهادة الاثنين، وتقليد الإمام القضاء يكون بين الجماعة في الغالب، وكذلك الولادة، فاشتراط العدد فيها لا يؤدي إلى تضييع الحقوق.

стр. 3747

وكان الفقيه أبو جعفر البلخي ﵀: يفرق بين الموت والنسب من حيث أن الموت مما يعاين، فقد أخبر عن عيان، فكان فيه زيادة قوة، فلا يشترط العدد، فأما النسب فلا يتصور فيه المعاينة، فيمكن في خبره نوع شبهة، فلا يكتفي فيه بقول الواحد ومن المشايخ من قال: لا فرق بين الموت والنسب والقضاء والنكاح، وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع. موضوع مسألة الموت أنه أخبره واحد عدل موثوق به، ولم يذكر العدل والموثوق به في الأشياء الثلاثة، ولو كان الواحد المخبر في الأشياء الثلاثة عدلاً موثوقاً به حل له أن يشهد، ومنهم من قال بالفرق والفرق ما ذكرنا. ثم عند أبي يوسف ومحمد يجوز الشهادة بخبر المثنى في النسب والقضاء والنكاح، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: لا تجوز الشهادة ما لم يسمع ذلك من العامة بحيث يقع في قلبه صدق الخبر. وجه قولهما: أن خبر الاثنين للعدل حجة مطلقة لو شهدا به عند القاضي قضى بشهادتهما، فإذا شهدا عنده حل له أداء الشهادة أيضاً؛ لأن جواز الشهادة يبنى على العلم، كما أن جواز القضاء يبنى على العلم، فإذا جاز القضاء بهذا العلم لأن تجوز الشهادة به والقضاء أقوى؛ لأن فيه إلزاماً أول، وأبو حنيفة ﵀ يقول: بأن جواز الشهادة يبنى على العلم، وبخبر المثنى لا يحصل العلم لبقاء شبهة الكذب في خبرهما وإن كانا عدلين، وأما بخبر الجماعة التي لا يتصور تواطؤهم على الكذب يحصل العلم، بحيث لا يشك السامع في وجود المخبر به، فإذا أخبره جماعة يحصل له العلم بخبرهم ويقع في قلبه صدقهم، حل له أداء الشهادة وإلا فلا يحل له، ثم في الأشياء الثلاثة إذا ثبت والشهرة والاستفاضة عندهما بخبر عدلين، بشرط أن يكون الإخبار بلفظة الشهادة، كذا ذكره الخصاف وشيخ الإسلام رحمهما الله، وبه أخذ الصدر الشهيد برهان الدين جدي ﵀ لأنه إخبار بالشهادة يوجب زيادة علم شرعاً لا توجبه لفظة الخبر، ألا ترى أن القاضي لا يقضي ما لم يأت الشاهد بلفظة الشهادة، وفي فصل (١١٨أ٤) . الموت لما ثبتت الشهرة بخبر الواحد بالإجماع لا يشترط فيه لفظية الشهادة، بل يكتفى فيه بمجرد الإخبار، إما لأن لفظ الشهادة من الواحد لا توجب زيادة العلم حتى لا يقضي القاضي بها، أو لأنه لما سقط اعتبار العدد وتأثير العدد في إفادة زيادة العلم أكثر من تأثير لفظة الشهادة، لأن يسقط اعتبار لفظة الشهادة أولى. وأما الشهادة على الدخول بالشهرة والتسامع ذكر الخصاف في «أدب القاضي» : أنه يجوز؛ لأن هذا أمر يشتهر، ويتعلق به أحكام مشهورة من النسب والمهر والعدة وثبوت الإحصان، بخلاف الزنا، حيث لا تجوز الشهادة فيها بالتسامع، لأن الزنا فاحشة، والشهادة بالتسامع إنما جازت احتيالاً لإحياء حقوق الناس؛ لأن الذين عاينوا لو ماتوا ومضى عليه قرن بعد قرن لو لم تجز الشهادة بالتسامع أدى إلى إبطال حقوق الناس، والفاحشة لا يحتال لإثباتها.

стр. 3748

وأما الشهادة على المهر بالشهرة والتسامع فقد ذكر في نكاح «المنتقى» أنه يجوز، وهكذا ذكر في شهادات «المنتقى» وصورة ما ذكر في الشهادات: قال هشام: سمعت محمداً ﵀ يقول في قوم خرجوا من ملاك رجل وفي الخارج قوم يشهدوا الملاك، فأخبروهم أنها زوجت على كذا من المهر وسع الخارجين أن يشهدوا بالمهر، ويثبتون الشهادة أن المهر كذا، وكذا ولو قالوا: سمعنا الذين شهدوا الملاك يقولون: المهر كذا وكذا تقبل شهادتهم. وفي «الإملاء» عن محمد ﵀: أن الشهادة على المهر بالشهرة لا تجوز، وأما الشهادة في الأملاك لا تحل بالشهرة والتسامع في قول علمائنا، إلا في فصل واحد ذكره الخصاف في «أدب القاضي» ، وقال الشافعي ﵀: يحل. وأجمعوا على أن الشهادة بالشهرة والتسامع في أسباب ملك اليمين لا تحل، كالبيع والهبة والصدقة، وذهب في ذلك أن الشهرة والاستفاضة تتحقق في الأملاك كما تتحقق في الأشياء الأربعة، وإنا قول: غصباً كانت ناقة رسول الله ﷺ ، وهذا دار أبي نعمان ود السامانية، كما في النسب نقول عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب ﵄، والشهرة والاستفاضة أقيم مقام العيان، كما في الأشياء الأربعة، بخلاف الأسباب من البيع وغيره، لأنها لا تبقى في نفسها لتشتهر، لأنها كلام قد انقضى ومضى، ووقوعاً قد يشتهر وقد لا يشتهر، فإنه قد يقع بين جماعة وقد لا يقع، فلا تثبت الشهرة والاستفاضة في حق الأسباب، فأما الملك مما يبقى وما بقي اشتهر واستفاض. وعلماؤنا ذهبوا في ذلك إلى أن الشهرة أقيم مقام العيان فيما يشتهر وقوعاً وبقاء، والاشتهار في الأملاك إن كان يوجد بقاء لا يوجد وقوعاً في الغالب قد يشتهر وقوعاً وبقاء في الغالب، فيثبت حد الشهرة في الأشياء الأربعة، والشهرة أقيمت مقام العيان كما في الأخبار. وإذا شهد شاهدان أن فلاناً مات، وترك هذه الدار ميراثاً لابنه، وهذا لا يعلم له وارثاً آخر، إلا أنهما لم يدركا فلاناً الميت لا تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان بالملك للميت بالشهرة والتسامع. بيانه: أن الوراثة خلافة، فما لم يثبت الملك للميت لا يتصور فيه الخلافة للوارث، والشهود إذا لم يدركوا الميت لم يعاينوا سبب الملك في حقه، ولا اليد المتصرفة، فتعين أن تكون الشهادة بالشهرة والتسامع، والشهادة على الملك بالشهرة والتسامع لا تجوز. وأما الشهادة في الوقف هل تحل بالشهرة والتسامع؟ فلا رواية لهذا، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تحل بالشهرة والتسامع لأنه مما يشتهر وقوعاً في الغالب، وبقاء لا محالة، فصار كالأشياء الأربعة، وبعضهم قالوا: لا تحل، لأنه إن كان يشتهر بقاء

стр. 3749

لأن ما بقي اشتهر لا يشتهر وقوعاً لا محالة قد يشتهر وقد لا يشتهر، لأن الوقف قربة يتقرب بها إلى الله تعالى والإخفاء بالقرب أكثر من الإعلان بها، فيصير بمنزلة الأملاك من هذا الوجه، ومن المشايخ من قال: تجوز الشهادة على أصل الوقف بالتسامع، أما على شرائط الوقف لا، وإليه مال شمس الأئمة السرخسي ﵀، وهو الأصح، لأن أصله يشتهر، أما شرائطه لا تشتهر، وأما الشهادة بالعتق بالشهرة والتسامع لا تحل عندنا، وعند الشافعي: تحل، لأنه مما يشتهر بقاء عنده يكفي لحل الشهادة، وعندنا لا يكفي، بل نشترط الشهرة بقاء ووقوعاً، والعتق إن كان يشتهر بقاء لا يشتهر وقوعاً لا محالة، لأن العتق قربة، وقد ذكرنا أن الإخفاء بالقرب أكثر من الإعلان بها. فأما الشهادة بالولاء بالشهرة والتسامع لا تحل عند أبي حنيفة ﵀ ما لم يعاين عتق المولى، وهو قول أبي يوسف الأول، وعلى قوله الآخر: تحل، وقول محمد مضطرب في بعض الروايات مع أبي حنيفة، وفي بعضها مع أبي يوسف، فأبو يوسف ذهب في ذلك إلى أن الولاء بمنزلة النسب، على ما قال ﵇: «الولاء لحمة كلحمة النسب» . والشهادة في الأنساب تحل بالشهرة والتسامع، وكذا فيما له حكم النسب، ألا ترى أنا نقول: نافع مولى ابن عمر، وعكرمة مولى عبد الله بن عباس، كما نقول: عمر بن الخطاب ﵁، وعلي بن أبي طالب ﵁، وأبو حنيفة ﵀ قال: إنما تحل الشهادة بالشهرة والتسامع في النسب، لأنه يشتهر وقوعاً وبقاء في الغالب على ما بيّنا، فأما الولاء، فإن كان يشتهر بقاء، لأن ما بقي يشتهر لا محالة، لا يشتهر وقوعاً لا محالة في الغالب، لأن الولاء يثبت بالعتق، والعتق قد يوقع على سبيل الشهرة، وقد يقع على سبيل الخفية، لأنهما قربة، والإخفاء في القرب التي يتطوع بها أصل، وإذا كان يشتهر بقاء لا وقوعاً كان الولاء بمنزلة الأملاك من هذا الوجه. وذكر شمس الأئمة الحلواني في «شرح أدب القاضي» للخصاف: أن الشهادة على العتق مختلف فيه بين أصحابنا ﵏، كالشهادة على الولاء، قال في كتاب «الأقضية» : وأما الولاء، فلا أشهد به، وإن كان مشهوراً إذا كان بعض الورثة الذين أضافوا إليه الولاء يزعمون أنه رقيق لهم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، وإن لم يدّعوا رقه شهدت به، لأنهم إذا ادعوا رقه وهو يدعي الولاء، فقد أقر بملك أبيهم، حيث ادعى الولاء بسبب إعتاقه، فيثبت الملك عليه بإقراره، ولم يثبت الإعتاق مع إنكار الورثة، فحاجته بعد ذلك إلى زوال الملك الثابت لهم، ولا تحل الشهادة على ذلك إلا لمعاينة

стр. 3750

فأما إذا لم يدعوا رقه لم يثبت لهم عليه ملك، ولا حق ملك، فبعد ذلك هو يدعي عليهم الانتساب إلى أبيهم بسبب الولاء وهم ينكرون، فتقبل الشهادة عليهم بالشهرة، كما في النسب. وإذا شهد شاهدان على موت رجل، فهذا على وجهين: أما إن أطلقا الشهادة إطلاقاً ولم يثبتا شيئاً، أو قالا: لم نعاين موته، وإنما سمعنا من الناس، ففي الوجه الأول: تقبل شهادتهما، ويحمل على سبب يطلق لهما أداء الشهادة، وهو الشهرة أو المعاينة، وفي الوجه الثاني: إن لم يكن موت فلان مشهوراً لا تقبل الشهادة بلا خلاف؛ لأن المطلق الشهرة ولم توجد المعاينة، والشهرة لم تثبت بقولهما: سمعنا من الناس؛ لأن السماع قد يكون على وجه يثبت به الشهرة بأن سمعا من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب أو سمعا من واحد عدل أو جماعة ليسوا بعدول، فلهذا لا تقبل الشهادة. وإن كان موت فلان مشهوراً ذكر في «الأصل» وفي كتاب «الأقضية» : أنه لا تقبل الشهادة، وهكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ، وقد قال بعض مشايخنا: لا تقبل شهادته، وبه أخذ الصدر الشهيد حسام الدين ﵀، فإن قالا: نشهد أن فلاناً مات، أخبرنا بذلك من شهد موته ممن يوثق به جازت شهادتهما، هكذا ذكر في كتاب «الأقضية» ؛ لأنهما بينا أنهما شهدا عند وجود ما يطلق لهما أداء الشهادة، فلا يكون قد جاؤوا طمعاً في شهادتهما، وهذا فصل اختلف فيه المشايخ، بعضهم قالوا: لا تجوز هذه الشهادة؛ لأنهما ما أسندا هذه الشهادة إلى دليل يوجب العلم قطعاً، والعلم قطعاً شرط لجواز الشهادة لما تلونا من نص الكتاب، فإن اكتفى بهذا الدليل مع هذه الشبهة لإطلاق أداء الشهادة لا يدل على أنه إذا بين القاضي أن القاضي يكتفي فيه؛ لأن الضرورة تمكنت في حق الشاهد، لا في حق القاضي. ونظيره: أن من رأى عيناً في يد إنسان يتصرف تصرف الملاك، حل له أن يشهد بالملك لذي اليد، ولو شهد عند القاضي، وقال: إن هذا العين ملكه، لأني رأيته في يده يتصرف فيه تصرف الملاك لا تقبل شهادته لما ذكرنا، كذا هنا. وقد عثرنا على الرواية أنه تجوز الشهادة، وهي رواية كتاب «الأقضية» وكذلك إذا قالا: دفناه أو شهدنا جنازته، لأنه لا يدفن إلا الميت ولا يوضع على الجنازة إلا الميت، فكانت شهادة بالموت، فتقبل هذه الشهادة، ولا يقال عليه بأن هذه شهادة على فعل نفسه، فلا تقبل لأنا نقول: المشهود به في الحقيقة الموت، وأنه ليس من فعلهما، فلا يمنع قبول شهادتهما، وههنا مسألة عجيبة لا رواية لها: أنه إذا لم يعاين. (١١٨ب٤) الموت إلا واحد، ولو شهد عند القاضي لا يقضي بشهادته وحده، ماذا يصنع؟ قالوا: يخبر بذلك عدلاً مثله، فإذا سمع منه حل له أن يشهد على موته، فيشهد هو مع ذلك الشاهد، حتى يقضي القاضي بشهادتهما. وإذا جاء موت الرجل من أرض أخرى، وصنع أهله ما يصنعون على الميت لم يسع أحداً أن يشهد على موته إلا من شهد موته أو سمع ذلك ممن شهد موته؛ لأن مثل هذا

стр. 3751

الخبر قد يكون كذباً، وعند بعد المسافة يغلب مثل هذا، فلا يعتمد عليه حتى يخبره من يثق به عن معاينته فحينئذٍ يسعه أن يشهد. وإذا رأى رجلاً وامرأة سكنا في بيت واحد (وينقط) كل واحد منهما على صاحبه، كما يكون من الأزواج وسعه أن يشهد لهما بالنكاح؛ لأن هذا القدر يكفي لتحمل الشهادَةِ بملك اليمين، فإنه إذا رأى شيئاً في يدي أحد يتصرف فيه تصرف الملاك وسعه أن يشهد بملك ذلك الشيء له، فهذا أولى، ألا ترى لو أن رجلاً يسكن مع امرأة في دار، وحدث بينهما أولاد، وخاصمته في النفقة أو طلقها وراجعها، وقضى القاضي بذلك، أو ظاهر منها وكفّر، ثم مات وجحد أولياؤه ميراثها وأنكروا النكاح لم يسع للجيران ومن معهم في الدار أن يشهدوا أنها امرأته وهذا؛ لأن بعد هذا النوع من الاشتهار الذي يسبق إلى قلب كل أحد قيام النكاح بينهما، لو لم تجز الشهادة على النكاح تعطلت الحقوق، وبطل ميراثها، وإنه أمر قبيح. وإذا قدم عليه رجل من بلد آخر وانتسب إليه، وأقام معه دهراً لم يسعه أن يشهد على نسبه حتى يشهد له رجلان من أهل بلده عدلان أو يكون النسب مشهوراً، وذكر الخصاف هذه المسألة، وشرط لجواز الشهادة شرطين: أحدهما: أن يشتهر الخبر ويعم، الثاني: أن يمكث فيهم سنة، فإنه قال: لا يسعهم أن يشهدوا على نسبه حتى تقع معرفة ذلك في قلوبهم، وذلك بأن يقيم معهم سنة؛ لأن السنة مدة (معتبرة شرعاً) ، ألا ترى أنه قُدِّرَ به أجل العنّين وكثير من الأحكام، فالظاهر أنه لو كان الأمر على خلافه يظهر في هذه المدة، وإن وقع في قلبه معرفة ذلك قبل مضي السنة، لا يجوز له أن يشهد، وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه قدر ذلك بستة أشهر. والصحيح: أنه إذا سمع من أهل بلده من رجلين عدلين حل له أداء الشهادة وإلا فلا، فإذا سمع ذلك ممن سمع من المدعي لا يحل له أن يشهد وإن اشتهر ذلك بين الناس؛ لأنه لما لم يحل له الشهادة بالسماع منه، فكيف يجوز بإخبار من سمع منه، لكن إنه شهد عنده جماعة حتى تقع الشهرة حقيقة وعرفاً، ووقع عنده أنه ثابت النسب من فلان، أو شهد عنده عدلان حتى يثبت الاشتهار شرعاً حتى له أن يشهد. الفصل الثاني: في أقسَام الشهادة وفي شهادة النسَاء أقل ما يجوز في حقوق الناس فيما بينهم من الطلاق والعتاق والنكاح، وكفالة النفس وكفالة الأموال والإبراء، وقضاء القاضي وكتاب القاضي إلى القاضي، والوكالات والرهون والوصايا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، والقياس في ذلك كله: أن يكتفى

стр. 3752

بشهادة الواحد إذا كان عدلاً لظهور الصدق في شهادته لعدالته، والصدق واجب القبول، وبانضمام شاهد آخر لا يزداد دليل الصدق في خبر الأول، لكن عرفنا اشتراط العدد بالنصوص، منها قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (البقرة: ٢٨٢) وقوله: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ (النساء: ١٥) وقوله: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ (الطلاق: ٢٠) وقوله ﵇: «ليس لك إلا شاهداك أو يمينه» وتقدير الشرع إما يكون لمنع الزيادة، كأكثر مدة الحيض، أو لمنع النقصان. كأقل مدة الحيض والسفر، وهذا التقدير ليس لمنع الزيادة، فيكون لمنع النقصان، ولأن طمأنينة القلب إلى قول العدد أبلغ منه إلى قول الواحد، فشرط العدد صيانة للحقوق المعصومة، لكثرة ما يكون في الخصومات من التلبيس والتزوير. وإذا ثبت أن العدد شرط فنقول: الحوادث أقسام ثلاثة، في قسم منها يشترط الأربعة، وهو: الزنا الموجب للحد، عرف ذلك بقوله تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ (النساء: ١٥) ولا يشترط ذلك في غيره، وفي قسم منها يشترط رجلين، وهو العقوبات التي تقدر بالشبهات، نحو: القصاص وسائر الحدود ما خلا حد الزنا، حتى لا تثبت هذه الأشياء بشهادة رجل وامرأتين، بدليل ما روي عن الزهري ﵀ أنه قال: مضت السنّة من لدن رسول الله ﷺ والخليفة من بعده أن لا شهادة للنساء في الحدود.u وفي قسم منها يكتفى بشهادة رجل وامرأتين، وهو المال وما كان من توابع المال؛ لأن الله تعالى قال في آية المداينة ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان﴾ (البقرة: ٢٨٢) وإذا ثبت هذا الحكم في المال ثبت فيما هو تبع المال ضرورة، والحقوق المجردة كالنكاح والطلاق والعتاق والرجعة من هذا القسم، حتى يكتفى فيه بشهادة رجل وامرأتين، بلغنا أن رسول الله ﷺ «أجاز شهادة النساء في النكاح» ، وعن عمر وعلي ﵄ مثل ذلك، وكذلك ما يتوقف عليه كمال العقوبة، وهو الإحصان من هذا القسم، حتى يثبت الإحصان بشهادة رجل وامرأتين عندنا؛ لأن الإحصان عبارة عن خصال حميدة، بعضها مأمور به وبعضها مندوب إليه، فيثبت بشهادة النساء مع الرجال كسائر الحقوق، ولا تقبل شهادة النساء بانفرادهن فيما يطلع عليه الرجال بالإجماع، وفيما لا يطلع عليه الرجال: تقبل شهادتهن بانفرادهن بالإجماع. والوجه في ذلك: أن القياس يأبى كون شهادة النساء حجة؛ لأنه تمكن في شهادتهن زيادة تهمة بسبب الغفلة أو النسيان يمكن الاحتراز عنها بالرجال، لكن جعلناها حجة فيما يطلع عليه الرجال إذا قامت مع الرجال بالنَصّ، والنص الوارد يجعل شهادتِهنّ حجة مع

стр. 3753

الرجال، وقد تمكنت زيادة تهمة في شرط الشهادة لا يكون وارداً بجعلها حجة بانفرادهن، وقد تمكنت التهمة في كل الشهادة، وفيما لا يطلع عليه الرجال جعلنا شهادتهن حجة على الانفراد بالنص، وقد روى مجاهد، وسعيد بن المسّيب، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح ﵃: أن النبي ﷺ «أجاز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه الرجال النظر إليه» ، أي: فيما لا يحل للرجال النظر إليه، والمعنى فيه: أنه لو لم تجز شهادة النساء بانفرادهن فيما لا يطلع عليه الرجال أدى إلى إبطال حقوق تعلقت بهذه الأسباب، والعدد ليس بشرط عندنا في هذا الباب، حتى يثبت ذلك بشهادة امرأة واحدة، وإن كانت امرأتان أو ثلاث فذلك أحب. وهل يشترط لفظة الشهادة؟ قال مشايخ بلخ، ومشايخ بخارى: يشترط، وقال مشايخ عراق: لا يشترط، وأجمعوا على أنه يشترط الحرية والبلوغ عن عقل والإسلام إن قامت على مسلم، وكذلك يشترط العدالة، ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀، وإنما لم يشترط العدد عندنا لما روينا من حديث مجاهد وسعيد بن المسيب. ووجه الاستدلال به: أن النساء اسم جنس واسم الجنس يتناول الأدنى مع احتمال الكل، فصار تقدير أن النبي ﷺ «أجاز شهادة الواحد من النساء فيما لا يطلع عليه الرجال» ، وفي حديث حذيفة ﵁: أن النبي ﵇ «أجاز شهادة القابلة على الولادة» . والمعنى في ذلك: أنه إنما سقط اعتبار الذكورة في هذا الباب مع أن نظر الرجال إلى هذا الموضع غير متعذر ولا ممتنع؛ لأن نظر الجنس أخف، فإذا أمكن تحصيل المقصود بالأخف وهو شهادة النساء سقط اعتبار الأغلظ، وهو الذكورة، ولهذا لا يسقط اعتبار الحرية والعدالة؛ لأن نظر المملوك وغير العدل ليس أخف من نظر الحر والعدل، وهذا المعنى يقتضي سقوط اعتبار العدد؛ لأن نظر الفرد أخف من نظر العدد، وكذا لم يسقط اعتبار الإسلام؛ لأن نظر الكافر ليس أخف من نظر المسلم. جئنا إلى اشتراط لفظة الشهادة، وفيه اختلاف المشايخ على ما ذكرنا، وجه قول من قال: إن لفظة الشهادة ليست بشرط: أن هذا خبر وليس بشهادة، ألا ترى أنه لم يشترط فيه العدد، فلم تشترط لفظة الشهادة أيضاً، وجه قول من قال: إن لفظة الشهادة شرط: أن هذه شهادة على الحقيقة، وليست بخبر، ألا ترى أنه تقع ملزمة على الغير كان القياس فيه أن يشترط العدد، كما في سائر الشهادات، لكن تركنا القياس في اشتراط العدد، لحديث مجاهد وسعيد بن المسيب على نحو ما بينا، وأنه يقتضي إسقاط اعتبار العدد، أما لا يقتضي إسقاط اعتبار لفظة الشهادة، بل يقتضي اعتبارها؛ لأن تقدير الحديث شهادة

стр. 3754

الواحدة من النساء فيما لا يحل للرجال النظر حجة، ولو (١١٩أ٤) نص على هذا لسقط اعتبار العدد، ولا يسقط اعتبار لفظة الشهادة، لأن النبي ﵇ سماها شهادة، لما فيها من لفظة الشهادة، وعبارة بعض المشايخ في هذا: إن هذا أخذ شبهاً من أصلين من الشهادات لمعنى الإلزام ومن الإخبارات، حتى لم يشترط فيه صفة الذكورة، فلشبهها بالشهادات شرطنا لفظة الشهادة والحرية والبلوغ عن عقل، ولشبهها بالإخبارات لم يشترط فيه العدد عملاً بالشبهين بقدر الإمكان. وإن كان مكان المرأة رجلاً واحداً والحادثة مما يطلع عليها الرجال، لم يذكر هذا الفصل في «الكتاب» ، وقد اختلف المشايخ فيه، بعضهم قالوا: تقبل لأن شهادة الرجل أقوى من شهادة المرأة، فإذا قبلت شهادة المرأة الواحدة في هذا الباب، فشهادة الرجل الواحد أولى، وبعضهم قالوا: لا تقبل؛ لأن القياس أن لا تكون شهادة المرأة الواحدة حجة فيما لا يطلع عليه الرجال كما في سائر الشهادات، وإنما جعلناها حجة بالنص الذي روينا، والنص الوارد بجعل شهادة المرأة الواحدة حجة فيما لا يطلع عليه الرجال لا يكون وارداً بجعل شهادة الرجل الواحد حجة؛ لأن في حق الرجل نصّ بخلافه، وهو قوله تعالى ﴿فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتين﴾ (البقرة: ٢٨٢) ثم متى تجعل شهادة الرجل الواحد حجة في هذا الباب؟ من المشايخ اختلفوا فيما بينهم قال بعضهم: إنما تقبل شهادته إذا قال: فاجأتها واتفق نظري إليها، أما إذا قال: تعمدت النظر إليها لا تقبل شهادته؛ لأنه يصير فاسقاً بالنظر إليها متعمداً، وقال بعضهم: وإن تعمد النظر إليها تقبل شهادته كما في الزنا، وأما شهادة النساء بانفرادهن على استهلال الصبي، وهو: صياح الولد بعد الانفصال عن الأمّ، أو على تحرك عضو من أعضائه بعد الانفصال عن الأم مقبولة في حق الصلاة عليه بالإجماع؛ لأنه أمر من أمور الدين. وأما في حق الميراث فقد اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة ﵀: لا تقبل، ويشترط شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وقال أبو يوسف ومحمد: تقبل شهادة امرأة واحدة إذا كانت عدلة، فهما يقولان: استهلال الصبي صياحه عند الولادة، وتلك حالة لا يحضرها الرجال، وفيما لا يطلع عليه الرجال شهادة المرأة الواحدة حجة، ألا ترى أنه تقبل شهادتها في حق الصلاة عليه، وأبو حنيفة ﵀ يقول: الاستهلال صوت مسموع، وفي السماع الرجال يشاركون النساء بانفرادهن ليست بحجة. وإن وقع ذلك في حالة لا يحضرها الرجال كشهادة النساء على الجراحات في حمامات النساء، وأما شهادتهن على تحرك الولد قبل الانفصال عنها، وشهادة رجل وامرأتين أو رجلين على تحرك الولد قبل الانفصال أو على تحركه حالة الانفصال عند الكل لا تقبل؛ لأن تحرك الولد قبل الانفصال قد يكون بحياة نفسه وقد يكون بحياة الأم، إلا أنه ينفصل ميتاً، وكذلك حالة الانفصال قد يكون تحركه بحياة نفسه، وقد يكون بانتقاله من موضع إلى موضع، فلا يدل ذلك على حياته، أما بعد الانفصال فتحركه لا يكون إلا بحياة نفسه.

стр. 3755

الفصل الثالث: في بيان من تقبل شهادته ومن لا تقبل يجب أن يعلم أن العدالة شرط لتصير الشهادة واجبة القبول؛ لأنه ما لم يظهر الحق عند القاضي للمدعي لا يجوز له القضاء به، فضلاً عن الوجوب، وظهور الحق بالشهادة باعتبار صدق الشهود، ودليل صدق الشهود العدالة. وتكلم العلماء في تفسير العدل، منهم من ضيّق فيه غاية التضييق، فشرط انزجار الشاهد عن جميع المحظورات، حتى قال: من سمع الأذان وانتظر الإقامة سقطت عدالته؛ لأنه مشترك بينه وبين غيره، فلا يجوز له أن يمشي عليه من غير رضى ذلك الغير، وعن عبد الله بن المبارك أنه قال: (من زادت) حسناته على سيئاته قبلت شهادته، وقال إبراهيم النخعي: العدل من المسلمين من لم يطعن عليه في بطن أو فرج، وأراد بعدم الطعن في البطن أن لا يقال: إنه أكل مال الربا أوأكل مال المغصوب، وما أشبهه، وأراد بعدم الطعن في الفرج أن لا يقال: أنه زانٍ، وما أشبه ذلك، فموضع الطعن فيهما ولهما توابع، فإذا سلم عنهما وعن توابعهما كان عدلاً مقبول الشهادة. وقال الشعبي ﵀: العدل من لم يعلم منه خير في دينه أو فساد في دينه، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني ﵀: العدل من كان منزهاً عن الكبائر، منزهاً عن الفواحش، متيقظاً، فغلب حسناته على سيئاته. وحكي أن عبد الله (بن) سليمان وزير المعتضد بالله سأل القاضي أبا حازم عن العدل في الشهادة، فقال: أحسن ما قيل في هذا الباب ما نقل عن أبي يوسف فإن العدل في الشهادة أن يكون مجتنباً عن الكبائر، ولا يكون مصرّاً على الصغائر، ويكون صلاحه أكثر من فساده، وصوابه أكثر من خطئه، وأن يستعمل الصدق ديانة ومروءة، ويجتنب عن الكذب ديانة ومروءة. والحاصل: أن ارتكاب الكبيرة يوجب زوال العدالة، وارتكاب الصغيرة لا يوجب زوال العدالة؛ لأن ارتكاب الكبيرة يدل على شهادة الزور؛ لأن حرمة ما ارتكب من الكبيرة كحرمة شهادة الزور أيضاً، قياساً واستدلالاً بها، فأما ارتكاب الصغيرة لا يدل على شهادة الزور، لأن شهادة الزور كبيرة، والإنسان قد يجتنب عن الصغائر، فارتكاب الصغائر لا يدل على شهادة الزور، فلا يوجب زوال العدالة، ولا يكون جرحاً إلا أن يصرَّ على ذلك؛ لأن الصغيرة تصير كبيرة بالإصرار، على ما روي عن النبي ﵇ أنه قال: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار» وحكي عن الشيخ الإمام الأجل شمس الأئمة السرخسي ﵀ أنه قال: الناس لا تخلو عن ارتكاب الصغائر،

стр. 3756

ولا تخلو عن إتيان ما هو مأذون به في الشرع، فيعتبر في ذلك الغالب يريد به في حق الصغائر، فإن كان غالب حاله أن يأتي بما هو مأذون به في الشرع، ويحترز عما لا يحل به في الشرع من الصغائر، كان جائز الشهادة بعد أن يحترز عن كل الكبائر، وإن كان غالب حاله لا يحترز عن الصغائر لا يكون جائز الشهادة، وإن كان يأتي بالمأذون به شرعاً. ثم اختلفوا في تفسير الكبائر، قال بعضهم: هي السبع التي ذكرها رسول الله ﷺ في الحديث المعروف، وهو الإشراك بالله تعالى، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وقتل النفس بغير حق، ونهب المؤمن، والزنا، وشرب الخمر، وهو قول أهل الحجاز وأهل الحديث، وزاد بعضهم على السبع التي ذكرها: أكل الربا، وأكل مال اليتيم بغير حق، وقال بعضهم: ما فيه حد أو قتل فهو كبيرة، وقال بعضهم: ما كان حراماً لعينه فهو كبيرة، وما كان حراماً لغيره فهو صغيرة. وأصح ما قيل في هذا الباب: ما نقل عن الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ أنه قال: ما كان شنيعاً بين المسلمين وفيه هتك حرمة الله تعالى والدين، فهو من جملة الكبائر، وكذلك الإعانة على المعاصي والفجور والحث عليها من جملة الكبائر يوجب سقوط العدالة، وإذا كان حدّ الكبائر هذه الأشياء كان ما عداها من جملة الصغائر. قال الخصاف في «أدب القاضي» : إذا تَرك الرجل الصلاة بالجماعة استخفافاً بذلك أو مجانة أو فسقاً لا تجوز شهادته، لم يرد بهذا الاستخفاف بالدين؛ لأن المستخف بالدين كافر، بل أراد به أن لا يستعظم تفويت الجماعة كما يفعله العوام، وإنما تسقط به العدالة؛ لأن الصلاة بالجماعة ألحقت بالفرائض، ولهذا لو ترك أهل بلدة الصلاة بجماعة قوتلوا عليهم بالسلاح، كما لو تركوا فرضاً من الفرائض، وقد صح أن رجلاً سأل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم بالليل ولا يحضر الجماعات، فقال ابن عباس: هو في النار، فاختلف إليه ذلك الرجل شهراً، وكان سأله، فكان يقول: هو في النار. وقال مكحول ﵀: السنة سنتان: سنة أخذها هدي وتركها لا بأس به، وسنة أخذها هدي وتركها ضلالة، وذكر من جملتها الصلاة بجماعة، فثبت أنها ملحقة بالفرائض، وتارك الفرض فاسق، فكذا هذا، هذا إذا تركها استخفافاً أو مجانة أو فسقاً، وإن تركها متأوّلاً بأن كان الإمام فاسقاً، فكره الاقتداء به، ولا يمكنه أن يصرفه، فصلى في بيته وحده، أو كان ممن يضلل الإمام، ولا يرى الاقتداء به جائزاً، فهذا مما لا يسقط العدالة، أما الأول: فلا شك، وأما الثاني: فلأنه صاحب هوى، وشهادة أهل الأهواء مقبولة على ما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى. وكذلك شهادة تارك الصلوات في أوقاتها لا تقبل؛ لأن أداء الصّلاة في الوقت أداء الأمانة في وقتها؛ لأن الصلاة أمانة وأداء الأمانة (١١٩ب٤) في وقتها لازم، ولأن أداء الصّلاة في الوقت عهد له عِندَ اللهِ تعالى، قال ﷺ «من حافظ الصلوات

стр. 3757

الخمس في مواقيتها كان له عند الله تعالى عهداً يؤديه إليه يوم القيامة وتلا قوله تعالى ﴿إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ (مريم: ٨٧) » فإذا ظهرت منه الخيانة في هذه الأمانة بتفويتها عن الوقت، لا يؤمن به الخيانة في أمانة الشهادة. وكذلك من ترك الجمعة لا تقبل شهادته لما روى قتادة عن عبد الملك بن يعلى أنه قال: لا أجيز شهادة من تقوم البينة عليه أنه ترك الجمعة ثلاث مرات، وروي عن النبي ﵇ أنه قال: «من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله تعالى على قلبه» ، ولأن شهود الجمعة فرض لقوله تعالى ﴿فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (الجمعة: ٩) فكان تاركاً الفرض، فصار مرتكباً الكبيرة، فلا تقبل شهادته، فهذا إذا تركها رغبة عنها، أما إذا تركها بعذر كالمرض أو بعده من المصر، أو بتأويل بأن كان يفسق الإمام أو ما أشبهه، لا ترد شهادته على ما ذكرنا في تارك الجماعة. ثم إن الخصاف وضع المسألة في ترك الجمعة ثلاث مرات، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: التقدير بالثلاث شرط كما ذكر الخصاف، وقال شمس الأئمة الحلواني: هذا ليس بشرط لازم، بل إذا ترك مرة كفى لرد الشهادة، وإليه أشار الخصاف ﵀ في بعض المواضع. ولا تقبل شهادة آكل الربا المشهور بذلك المقيم عليه؛ لأن أكل الربا كبيرة، وإنه حرام بنص الكتاب، وورد النص بالوعيد فيه بنار جهنم، قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة﴾ إلى قوله ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾ (آل عمران: ١٣٠ * ١٣١) وقال ﵇: «لعن الله آكل الربا وموكله» وارتكاب الكبيرة توجب سقوط العدالة، ثم شرط لرد الشهادة أن يكون مقيماً عليه مشهوراً بذلك، وكان ينبغي أن تزول العدالة بالأكل مرة، كأكل مال اليتيم؛ لأن كل واحد من هذه الأشياء كبيرة، مع هذا شرط الإدمان. واختلف المشايخ ﵏ في علته: قال بعضهم: إنما شرط ذلك؛ لأن الإنسان عسى يبتلى بذلك؛ لأن البياعات الفاسدة كلها ربا، ولا يمكنه التحرز عن جميع الأسباب المفسدة للعقد، فقد لا يهتدي إلى ذلك، فلو ردت شهادته إذا ابتلي به مرّة لا يبقى في الدنيا مقبولة الشهادة، فلهذا شرط أن يكون مشهوراً بذلك مقيماً عليه. وقال بعضهم: بأن الربا ليس بحرام محض؛ لأن الربا يفيد الملك عندنا بعد اتصال القبض، والملك مبيح للأكل في غير الخمر إن كانت حرمة السبب بمنع الأكل، فلم يكن

стр. 3758

حراماً محضاً، فكان ناقضاً في كونها كبيرة، فصارت كالملحقة بالصغيرة من هذا الوجه، وهذا لأن حرمة ما ارتكب الشاهد في دينه من التعاطي يجب أن يكون مثل حرمة شهادة الزور حتى يستدل به على شهادة الزور، وشهادة الزور حرام محض؛ لأنه كذب والكذب حرام محض، فارتكاب ما لا يكون حراماً محضاً لا يدل عليه، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: آكل الربا إنما يسقط العدالة إذا أكله مع علمه بكونه ربا. ولا تجوز شهادة مدمن الخمر، فحرمة الخمر ثابتة بالنص، وشرع عليه عقوبة في الدنيا، وهو الحد، فكان من جملة الكبائر، فتسقط العدالة، ثم شرط الإدمان ولم يرد به الإدمان في الشرب؛ لأنه لا يطيق، وإنما أراد به الإدمان في النية، يعني: يشرب ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده، قال شمس الأئمة السرخسي ﵀: ويشترط مع الإدمان أن يظهر ذلك للناس أو يخرج سكراناً، فيسخر منه الصبيان، حتى إن شرب الخمر في السر لا يسقط العدالة، قال في «الأصل» : ولا تجوز شهادة مدمن السكر، وأراد به في سائر الأشربة السكر، فشرط الإدمان على السكر، والمحرم في الخمر نفس الشرب، فشرط الإدمان على الشرب. وكذلك من يجلس مجالس الفجور والمجانة والشرب، لا تقبل شهادته، وإن لم يشرب؛ لأنه تشبه بهم، وقد قال ﵇: «من تشبه بقوم فهو منهم» ، ولأنه رضي بصنيعهم ولم يحترز أن يظهر عليه ما يظهر عليهم، فلا يحترز عن شهادة الزور. ولا تقبل شهادة المخنث؛ لأن التخنث معصية، قال ﵇: «لعن الله المؤنثين من الرجال، والمذكرات من النساء» قال الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀: وهذا إذا كان تخنثه باختياره، أو كان يأتي بالأفعال الرديئة، فأما إذا كان في كلامه تكسر، وفي أعضائه لين بأصل الخلقة، ولا يأتي بشيء من الأفعال الرديئة فهو عدل مقبول الشهادة. ولا تقبل شهادة من يلعب بالحمام ويطيرهن؛ لأنه يرتكب ما هو حرام؛ لأن اللعب حرام، قال ﵇: «ما أنا من ددٍ ولا الدد منّي» ولأنه يصعد العوالي من السطوح، فيطلع على العورات، وذلك منه فسق، ولأن قلبه مع ذلك في عامة أحواله ففسد به عقله، وذكر شيخ الإسلام في «شرح كتاب الكفالة» : في باب الشهادة في الدين: إن كان لا يطيرهن، ولكن يخليهن حتى يخرجن من بيته لا تقبل شهادته، وعلل فقال: لأنه يأتي بيت حمامته حمامات غيره، فيفرخ فيه ثم هو يبيع ذلك ويأكل، ولا يعرف

стр. 3759

حمامته من حمامة غيره، فيصير حراماً ومرتكباً ما لا يحل، قال ثمة: وهذا كما قال مشايخنا ﵏: إن شهادة صاحب الحمام لا تقبل؛ لأنه ينظر إلى عورات الناس، ويجمع قماسات الأعمار للآثار ولا يبالي بذلك، ومن المشايخ من قال: لا تسقط عدالته في هذه الصورة، ويستدل باتخاذ الناس بروج الحمامات من غير نكير منكر، وإن كان يمسكهن في بيته ولا يطيرهن ولا يخليهن لا تسقط عدالته بلا خلاف. ولا تقبل شهادة المغنيِّ والمغنيّة إذا كان يجمع الناس ويؤنسهم، هكذا ذكر الخصاف في «أدب القاضي» ؛ لأنه ملعون على لسان صاحب الشرع، قال ﵇: «لعن المغنيات» ومن يكون ملعوناً على لسان صاحب الشرع يكون ساقط شهادة لا محالة، قال: فأما إذا كان لا يسمع غيره ولكن يسمع نفسه لإزالة الوحشة قبلت شهادته، يجب أن يعلم بأن المغني لإجماع الغير وإيناسه مكروه عند عامة المشايخ، ومن الناس من جوز ذلك في العرس والوليمة، ألا ترى أنّه لا بأس بضرب الدف في العرس والوليمة وإن كان فيه نوع لهو، وإنما لم يكن به بأس؛ لأن فيه إظهار النكاح وإعلانه، وبه أمرنا صاحب الشرع، قال ﵇: «أعلنوا النكاح ولو بالدف» فكذا التغني، ومنهم من قال: إذا كان يتغنى ليستفيد به نظم القوافي، ويصير فصيح اللسان لا بأس به. وأما التغني لإسماع نفسه ودفع الوحشة عن نفسه، هل هو مكروه؟ فقد اختلف المشايخ، منهم من قال: لا يكره، وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي ﵀، وإنما المكروه على قول هذا القائل ما يكون على سبيل اللهو، وهذا القائل يحتج بما روي عن أنس بن مالك ﵁، أنه دخل على أخيه البراء بن مالك وهو كان يتغنى، والبراء من زهاد الصحابة، ومن المشايخ من قال: جميع ذلك مكروه، وبه أخذ شيخ الإسلام خواهر زاده، وهذا القائل يحمل حديث البراء على أنه كان ينشد الأشعار المباحة التي فيها ذكر الوعظ والحكمة، وهذا لأن اسم الغناء كما ينطلق على الغناء المعروف ينطلق على غيره، قال ﵇: «من لم يتغنّ بالقرآن فليس منا» قلنا: وإنشادنا هو مباح من الأشعار لا بأس به، وإذا كان في الشعر صفة المرأة إن كانت امرأة بعينها وكانت حية يكره، وإن كانت ميتة أو كانت امرأة مرسلة لا يكره. وكذلك لا تقبل شهادة النائحات، ولم يرد به التي تنوح في مصيبتها، وإنما أراد التي تنوح في مصيبة غيرها، اتخذت ذلك مكسبة، وهذا لقوله ﵇: «لعن الله النائحات» ولأنها لما ارتكبت ما لا يحل في الشرع، وهو الغناء والنوح لطمعها في

стр. 3760

المال، لا تؤمن من أن ترتكب شهادة الزور لأجل المال، فذلك أيسر عليها من الغناء والنوح في مدة طويلة.Y وكذلك لا تقبل شهادة من يلعب بالشطرنج لكن شرط: بانضمام إحدى معاني ثلاثة: إذا قامر عليه، أو شغله عن الصلوات، أو أكثر الحلف عليها بالكذب والباطل؛ لأن القمار حرام وتفويت الصلاة من أعظم الكبائر، واليمين الكاذبة من جملة الكبائر، فأما بدون انضمام إحدى معاني ثلاثة إليه لا تسقط العدالة؛ لأن العلماء اختلفوا في حرمة اللعب بالشطرنج وإباحته عند انعدام هذه المعاني، قال مالك والشافعي: يحل وأبو زيد الحكيم كان يختار قولهما ذكره شمس الأئمة السرخسي ﵀ فخف حكمه، فمباشرته على الانفراد لا يصلح لسقوط العدالة. ومن يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال، قال ﵇: «الملعون من لعب بالنرد» ومن كان ملعوناً كيف يكون عدلاً؟ وإذا كان الرجل يلعب بشيء من الملاهي وذلك لا يشغله عن الصّلاة، ولا عمّا (١٢٠أ٤) يلزمه من الفرائض، ينظر: إن كانت يستشقيه بين الناس، كالمزامير والطنابير لم تجز شهادته؛ لأن أصحاب هذه الملاهي أهل فسق فيما بين الناس، وإن لم يكن يستشقيه نحو الحد أو ضرب القضيب جازت شهادتهم، والأصل ما روي أن رسول الله ﷺ كان في سفر والحادي يحدو بين يديه، فلم ينهه عن ذلك، فلما طلع الفجر قال ﵇: «أمسك، فإن هذه ساعة ذكر» وكذلك القضيب، فإن صوته مباح عند البعض، فلا يوجب سقوط العدالة، قال: إلا إن تفاحش بأن يرقصون به فيدخل في حد المعاصي والكبائر فحينئذٍ تسقط به العدالة. وإذا كان الرجل معروفاً بالكذب الفاحش لم تقبل شهادته، يريد به إذا اعتاد الكذب؛ لأنه إذا اعتاد ذلك لا يصبر عنه فلا يؤمن من أن يكذب في هذه الشهادة، فأما إذا كان يقع فيه أحياناً قبلت شهادته؛ لأنه لا يسلم أحد من ذلك، وفي «الأقضية» : والذي اعتاد الكذب إذا تاب لا تقبل شهادته؛ لأن من اعتاد الكذب قلّ ما يصبر. وكذلك لا تقبل شهادة الداعر، وهو الفاسق المتهتك الذي لا يبالي ما يصنع؛ لأنه لا يؤمن عليه أن لا يبالي من شهادة الزور، قال محمد ﵀ في «الأصل» : وقال أبو حنيفة وابن أبي ليلى: شهادة أهل الهوى جائزة، قال: هو قول أصحابنا أجمعين. قال شمس الأئمة السرخسي: ومنهم من يفصل بين من يكفر في هواه، وبين من لا يكفر، فكأنه أراد أبا يوسف، فقد روي عنه أنه قال: من كفر به لم أقبل شهادته، ومن أضللته قبلت شهادته، وذكر شيخ الإسلام في «شرحه» : وشهادة أهل الهوى مقبولة عندنا

стр. 3761

إذا كان هوى لا يكفر به صاحبه، ولا يكون ماجناً وَيكون عدلاً في تعاطيه، وهو الصحيح، وما ذكر في «الأصل» ؛ فهو محمول على هذا إلا الخطابية. واستدل محمد ﵀ في «الكتاب» لبيان ذلك فقال: أرأيت أن أصحاب رسول الله ﷺ الذين ساعدوا معاوية مع مخالفة علي ﵁، ثم شدوا بين يدي علي ﵁، أكان يرد شهادتهم؟ ولا شك أن مخالفة عليّ ﵁ بعد عثمان ﵁ بدعة وهوى، فكيف الخروج عليه بالمسايفة لكن لما كان عن تأويل وتدين، لم يمنع قبول الشهادة، فكذا هذا؛ ولأنه مسلم عدل في تعاطيه شهد لغيره من كل وجه، وهو من أهل الشهادة، فتقبل شهادته قياساً على غير صاحب الهوى، وإنما قلنا: مسلم؛ لأن الكلام في هوى لا يكفر به صاحبه، وإنما قلنا: عدل في تعاطيه؛ لأنه لم يرتكب ما هو محرم في دينه واعتقاده حرمته مثل حرمة شهادة الزور، حتى يستدل به ما في شهادة الزور ما وجد من فسق الاعتقاد لا يدل على شهادة الزور، لأنه اعتقده مباحاً، فلا يدل على شهادة الزور الذي يعتقده حراماً، وكان كشهادة الكافر مقبولة على كافر مثله إذا كان عدلاً في تعاطيه، وإن كان فاسقاً من حيث الاعتقاد وهو الكفر؛ لأن اعتقاد الكفر وهو يعتقده مباحاً، وإن كان رأس الفسوق لا يدل على شهادة الزور، وهو يعتقده حراماً في دينه، وكذلك هذا، وليس كالخطابية لأن الخطابية قوم من الروافضة يستجيزون أداء الشهادة بالحلف، ولو تحقق هذا من المسلم لا تقبل شهادته لكونه ماجناً. وإن لم يكن صاحب هوى، فمن هو صاحب الهوى أولى، وليس كما لو كان ماجناً في هوى، فإنه لا تقبل شهادته لكونه ماجناً لا لهواه، فإن غير صاحب الهوى من المسلمين إذا كان ماجناً لا تقبل شهادته؛ لأن الماجن بين العاقل والمجنون، فإن الماجن من شابه بعض أقواله وأفعاله أقوال العقلاء وأفعالهم. ولا تجوز شهادة الرجل على الرجل إذا كان بينهما عداوة؛ لأن طبع كل واحد داع إلى الانتقام من عدوه، فعسى يريد بهذه الشهادة الانتقام منه، فتمكنت الشبهة في هذه الشهادة، فلم تقبل. قالوا: هذا إذا كانت العداوة بينهما بسبب شيء من أمر الدنيا، فأما إذا كانت العداوة بسبب شيء من أمر الدين، فإنه تقبل شهادته عليه لانتفاء تهمة الكذب؛ لأن من تحتمله قوة دينه على أن يعادي غيره بمجاوزة حدّ الدين، لا يقدم على شهادة الزور مع ما علم من الوعيد لشاهد الزور. وفي كتاب «الأقضية» : إذا أسلم الرجل وهو لا يقرأ القرآن، فشهادته جائزة، يريد بقوله: لا يقرأ القرآن لا يتعلم القرآن للحال، فإنما جازت شهادته، لأنه عدل مسلم، فإن لم يتعلّم القرآن للحال لا يصير فاسقاً.

стр. 3762

وأمّا شهادة عمال السلطان، فهي مسألة «الجامع الصغير» ، وقد ذكر أنها جائزة، من العلماء من قال: أراد به الأُجراء؛ لأنه لا يختار للإمارة إلا عدل، وشهادة العدل مقبولة، ولأن نفس العمل ليس بجرح، إنما الجرح هو الظلم، فإن العامل إذا كان عدلاً يستحق به ثواباً عظيماً، على ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «سبعة يظلهم الله تعالى يوم لا ظل إلا ظله» ، وذكر فيه إماماً مقسطاً، وألا ترى أن الكبراء من الصحابة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ كانوا عمالاً، ولو كان نفس العمل جرحاً لتنزهوا عن ذلك. ومنهم من قال: أراد به أعمال الصدقة، وتقبل شهادته إذا كان عدلاً لما بينا أن العمل ليس بجرح، الجرح هو الظلم أو الجور، وروي عن الحسن البصريّ أنه قال: لا تجوز شهادة العاشر؛ لأنه هو الذي يأخذ بغير حق، وزيادة على قدر الحق. والحاصل: أن العمال إذا كانوا عدولاً ولا يأخذون من الناس بغير حق تقبل شهادتهم، وإن أخذوا بغير حق من الناس، ولم يكونوا عدولاً، فالصحيح من الجواب أنه لا تقبل شهادتهم، وإن كان قد قال بعض المشايخ بقبولها، وجه الصحيح من الجواب: ظاهر وجه من قبلها أن الفسق لا يمنع قبول الشهادة لعينه، بل لمكان تهمة الكذب، فالغالب منهم الترفع عن الكذب. وذكر الصدر الشهيد حسام الدين في «واقعاته» : أن شهادة الرئيس والجاني في السكة أو في البلدة الذي يأخذ الدراهم في الجنايات، والصراف الذين يجمعون الدراهم إليه، ويأخذ طوعاً لا تقبل. وتجوز شهادة شريك المفاوض لشريكه إذا لم يكن المشهود مشتركاً بينهما، كالحدود والقصاص والنكاح والوصية؛ لأنها شهادة عدل لغيره من كل وجه، وإن كان المشهود به مشتركاً بينهما لم تقبل؛ لأنه يصير شاهداً لنفسه في البعض، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل، وإذا لم تقبل شهادته لنفسه في نصيبه لا تقبل لشريكه أيضاً في نصيب شريكه؛ لأن هذه شهادة واحدة، فإذا بطل بعضها بطل كلها. وشهادة أحد شريكي العنان لشريكه تقبل فيما ليس من شركتهما، وفيما كان من شركتهما لا تقبل، ذكر المسألة على هذا الوجه في كتاب «الأقضية» ، وفي «الأصل» يقول: شهادة أحد المتفاوضين لصاحبه لا تقبل إلا في الحدود والقصاص والنكاح؛ لأن ما عدا الحدود والقصاص مشتركة بينهما، فكان شاهداً لنفسه من وجه، وشهادة الإنسان لنفسه لا تفيد، وشهادة أحد شريكي العنان لصاحبه فيما كان من تجارتهما لا تقبل، وفيما لم يكن من تجارتهما مقبولة، ولم يذكر مثل هذا التفصيل في المفاوضة؛ لأن العنان قد يكون خاصاً وقد يكون عاماً، فأما المفاوضة لا تكون إلا في جميع الأموال، وقد عرف

стр. 3763

ذلك في كتاب الشركة. وعلى قياس ما ذكر شيخ الإسلام ﵀ في كتاب الشركة أن المفاوضة تجوز خاصة يجب أن يكون الجواب في المفاوضة على التفصيل الذي ذكرنا في العنان، وشهادة الأجير المشترك لأستاذه مقبولة، وشهادة أجير الوحد لأستاذه لا تقبل استحساناً، سواء كان أجير مناوبة أو مشاهرة أو مشابهة، وفي كفالة الأصل: لا يجوز شهادة الأجير لأستاذه، وفي كتاب الديات: تجوز شهادة الأجير لأستاذه، والمراد من المذكور في الديات الأجير المشترك. والقياس: أن تقبل شهادة أجير الوحد أيضاً؛ لأنه عدل شهد لغيره من كل وجه، فتقبل قياساً على الأجير المشترك، وقياساً على شهادة الأستاذ لأجيره، فإنها تقبل، وإن كان أجيراً خاصاً له، ولا شك أنه شهد لغيره من كل وجه؛ لأنه ليس له فيما شهد لا ملك ولا حق ولا شبهة ملك، ولا شبهة اشتباه بسبب اتصال المنافع، ولهذا جاز للأستاذ وضع الزكاة فيه. وجه الاستحسان: ما أشار إليه محمد ﵀ فقال: لما بلغنا في ذلك عن شريح، وبحال الناس التي هم عليها اليوم، أشار إلى أنه إنما ترك القياس لقول شريح، والإجماع المنعقد من أهل زمانه على قول شريح، والإجماع المنعقد على قول واحد من السلف حجة، يترك (بها) القياس ويخص بها الأثر، فإنما ترك القياس في الأجير الوحد لهذا، وبنوع من المعنى: أن الأجير الوحد مملوك للأستاذ من وجه، أعني به منفعة، ألا ترى أنه لا يملك أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، فهذا مملوك من وجه شهد لمالكه فلا تقبل، ألا ترى أن شهادة المرأة لزوجها لا تقبل، لأنها مملوكة لزوجها من وجه ملك النكاح، بخلاف الأجير المشترك؛ لأنه غير مملوك للأستاذ منفعة، ألا ترى أن له أن يؤاجر نفسه من غيره في مدة الإجارة، وبخلاف الأستاذ إذا شهد لأجيره؛ لأنه ليس بمملوك لأجيره أصلاً؛ فهذا هو (١٢٠ب٤) الحرف المعتمد في المسألة. ومن مشايخنا من يقول: الأجير الوحد يستحق الأجر بتسليم النفس في المدة لا بحقيقة العمل، وحال ما يشهد سلم نفسه إلى المستأجر، فيكون مستحقاً بعض الأجر بإزاء ذلك، فيصير شاهداً بأجر، فلا تقبل شهادته، بخلاف الأجير المشترك، إلا أن هذا الوجه لا يكاد يصح؛ لأن الأجير الوحد إنما يستحق الأجر بتسليم نفسه إلى المستأجر في مدة الإجارة إذا سلم نفسه للعمل الذي شرط عليه في العقد، أما إذا سلم نفسه في مدة الإجارة لعمل آخر لا يستحق الأجر، ألا ترى أنه إذا أستأجر إنساناً شهراً ليرعى غنماً له، ثم استخدم في الشهر لا يستحق الأجر، وإنما لا يستحق لما قلنا، كذا هاهنا. وذكر الخصاف في «أدب القاضي» إذا شهد أجير القاتل على المولى أنه عناد عن الدم، ذكر في «المجرد» عن أبي حنيفة ﵀: أنه لا يجوز، وفي ديات «الأصل» :

стр. 3764

أنه يجوز، فيجوز أن يكون المراد من المذكور في «المجرد» الأجير الخاص، ومن المذكور في «الديات» : الأجير المشترك أن لو كان أجيراً خاصاً مشاهرة، فلم يرد القاضي شهادته، ولم تظهر عدالته حتى مضى الشهر، ثم عدّل قال: أبطل شهادته كمن شهد لامرأته ثم طلقها قبل أن تعدل، ولو شهد ولم يكن أجيراً ثم صار أجيراً قبل أن أقضي أبطل شهادته، فإن لم أبطلها حتى بطلت الإجارة، ثم أعادها جاز، هكذا ذكر في «العيون» . وشهادة أهل الصناعات جائزة إذا كانوا عدولالاً قال بعض العلماء: لا تجوز لكثرة خلافهم وكثرة ما يجري من الأيمان الفاجرة بينهم، وعامة العلماء يقولون: المجوز العدالة وقد وجدت. قال الخصاف ﵀ في «أدب القاضي» : شهادة بائع الأكفان لا تقبل، قال شمس الأئمة الحلواني ﵀: عندنا إنما لا تقبل شهادته إذا ابتكر لذلك وترصد لذلك العزل؛ لأنه حينئذٍ يتمنى الموت والطاعون، وأما إذا كان يبيع الثياب هكذا، ويشترى منه الأكفان تجوز شهادتهم، وذكر القاضي الإمام أبو زيد ﵀ في شرح كتاب الشفعة في أوله: وقد قال بعض مشايخنا: إن شهادة الصكاكين لا تقبل؛ لأنهم يكتبون: هذا ما اشترى فلان من فلان، وقبض المشتري ما اشترى وسلم البائع ما باع، وضمن الدرك، وكذا يكتبون مثل هذه الألفاظ في الإجارة، وإن لم يكن شيء من ذلك منهما، فيكون هذا منهم كذباً محضاً، ولا فرق بين الكذب بالقول وبين الكذب بالكتابة، فيكونون فسقة، فلا تقبل شهادتهم، والصحيح أنه تقبل شهادتهم إذا كان غالب حالهم الصلاح. وإذا كان الرجل يبيع الثياب المصورة، أو ينسج الثياب المصورة لا تقبل شهادته، هكذا ذكر في «الأقضية» . وفيه أيضاً: ومن كثر لغوه لا تقبل شهادته: قال ﵇: «من كثر كلامه كثر سقطه» فكيف إذا كثر لغوه، وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: لا تجوز شهادة أصحاب الحمير، وأراد به النخاسون، وإنما قال ذلك لكثرة ما يكذبون ولأيمانهم الفاجرة، وإن علم من واحد منهم أنه لا يجري منه الكذب واليمين الفاجرة وكان عدلاً قبلت شهادتهم. وفي مناقب أبي حنيفة ﵀ أن شهادة البخيل لا تقبل؛ لأنه لبخله يستقضي فيما يقتص من الناس، فيأخذ زيادة على حقه، فلا يكون عدلاً. قال أبو يوسف ﵀: وتجوز شهادة الأقلف إذا كان عدلاً، وهكذا روى الحسن البصري ﵀، وهذا لأن قبول الشهادة يعتمد العدالة، والعدالة لا تنعدم

стр. 3765

بترك الختان إذا كان ترك الختان بعذر، وهذا لأن الختان وإن كان سنة عندنا إلا أن ترك السنة إنما توجب الفسق إذا كان الترك على وجه الإعراض عن السنة، وعندنا: لو ترك الختان على وجه الإعراض عن السنة لا تقبل شهادته، وإنما تقبل شهادته إذا تركه بعذر، قيل: العذر في ذلك الكبر وخوف الهلاك. ثم لا بد من معرفة صفة الختان ووقته، فأما صفته: فقد اختلف العلماء فيه، بعضهم قالوا: إنه فريضة، وقال علماؤنا ﵏: إنه سنة. قال ﵇: «الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة» ، وأراد به سنة إبراهيم ﵇، لأنه أول من ختن واختتن. وأما وقته: فلم يقدر فيه أبو حنيفة ﵀ في ذلك تقديراً، لأنه لم ينزل فيه قرآن ولم يدر فيه سنة، ولم ينقل فيه إجماع الصحابة، وطريق معرفة المقادير السماع، فلهذا لم يقدر فيه تقديراً، والمتأخرون من مشايخنا اختلفوا فيه، بعضهم قالوا: من سبع سنين إلى عشر سنين، وبعضهم قالوا: اليوم السابع من ولادته أو بعد السابع، بعد أن يحتمل الصبي ولا يهلك، لما روي أن الحسن والحسين ﵄ ختنا يوم السابع أو بعد السابع ولكنه شاذ. وشهادة الخصي مقبولة، فقد صح أن عمر ﵁ قبل شهادة علقمة الخصي على قدامة بن مظعون؛ ولأن الذي فات عضو من أعضائه، فصار كما لو فات يده أو عينه، وذلك لا يمنع قبول الشهادة، كذا ههنا. قال أبو يوسف ﵀: وظاهر شهادة من يشتم أصحاب رسول الله ﷺ (لا تقبل) لأنه لو شتم واحداً من الناس لا تجوز شهادته فههنا أولى، وكذلك لا تقبل شهادة قاذف المحصنات؛ لأنه محكوم عليه بالكذب، قال الله تعالى ﴿فإذ لم يأتوا بالشهادة فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ (النور: ١٣) ثم المتهم بالكذب لا تقبل شهادته، فالمحكوم عليه بالكذب أولى أن لا تقبل، وحكي عن نصر بن يحيى أنه سئل عمن يشتم أهله ومماليكه وأولاده لا تقبل شهادته، قال: إذا كان في كل يوم وكل ساعة، وإن كان أحياناً تقبل إن شاء الله، قال الفقيه أبو الليث: هذا في شتم دون القذف، فأما القذف فكبيرة فتسقط به العدالة. وإن كان يتبرأ عن أصحاب رسول الله ﷺ ، فهذا هوى، وقد بينا حكم شهادة أهل الأهواء، وكان رجل يشتم الناس ويشتمونه، فهذا ماجن ولا شهادة لماجن، ومن سألت عنه، فقالوا: يشتم أصحاب رسول الله ﷺ : لم أقبل ذلك وأجيز شهادته، ولو قالوا: يتهمه بالفسق والفجور، ويظن ذلك به، ولم يره، قبلت ذلك، ولم أجز شهادته؛ لأنهم إذا اتهموا بالفسق مطلقاً فقد بينوا أنه عندهم غير عدل بوجه، فلم تظهر عدالته بوجهه من الوجوه، بخلاف ما إذا قالوا: يتهمه بشتم

стр. 3766

أصحاب رسول الله ﷺ ؛ لأن هناك عدلوه فيما سواه، ولم يثبت هذا الجرح بمجرد التهمة، فبقي اعتبار العدالة، ذكر المسألة على هذا الوجه في «الأقضية» . وتجوز شهادة المحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر إذا تابوا، بخلاف المحدود في القذف، فإنه لا تقبل شهادته وإن تاب، والفرق: أن رد شهادة المحدود في القذف من تمام الحد، عرف ذلك بالنص، وأصل الحد لا يرتفع بالتوبة، فكذا ما كان من تمام الحد، وأما رد شهادة هؤلاء ليس من تمام الحد؛ لأن النص لم يرد به، ولا يدخل القياس في الحدود، وإنما رد شهادة هؤلاء لفسقهم وقد زال الفسق بالتوبة. ولا تجوز شهادة المتهم به ورد الأثر عن رسول الله ﵇، ولا تجوز شهادة الفاسق عندنا، وعن أبي يوسف ﵀ أن الفاسق إن كان ذا مروءة وكان وجيهاً تقبل شهادته؛ لأنه لو جاء بيته لا يتجاسر أحد على استئجاره، ولمروءته لا يرتكب الكذب من غير منفعة له، إلا أن في ظاهر الرواية لم يفصل، بل أطلق الجواب إطلاقاً وهو الأصح؛ لأن في قبول الشهادة والعمل بها إكرام الشهود، والفاسق يستحق الإهانة، ولو قضى قاض بشهادة الفاسق نفذ قضاؤه عندنا، والمسألة مرت في كتاب «أدب القاضي» . ولا تقبل شهادة الأخرس عند علمائنا ﵏، ولا تقبل شهادة الأعمى في شيء من الحقوق في المسموعات والمنقولات عند علمائنا ﵏، وقد صح عن عليّ ﵁ أنه رد شهادة الأعمى، فهذا قد روي عن علي ﵁، ولم يرو عن أقرانه خلافاً يحل محل الإجماع، ولأنه تحمل الشهادة من وراء الحجاب وأداها من وراء الحجاب، فلا تقبل شهادته قياساً على البصير إذا تحمل الشهادة وأداها من وراء الحجاب، وإنما لا تقبل ثمة؛ لأنه تتمكن فيها زيادة تهمة لا تتمكن متى عاين المشهود له وعليه؛ لأنه متى لم يعاين إنما يشير إلى المشهود له والمشهود عليه بالسماع والاسم والنسب، وإنه مما لا يقطع الشركة، ومتى عاين حالة التحمل وأشار حالة الأداء ينقطع الشركة، أو لما تمكن زيادة تهمة بالحجاب، وأمكن الاحتراز عنه بأن يتحمل ويؤدي من غير حجاب منع قبول الشهادة، فكذا مما تمكنت زيادة تهمة في شهادة الأعمى يمكن الاحتراز عنها بحبس الشهود وهم البصراء، فإن إشهاد البصراء على الحوادث ممكن من غير حرج. هذا إذا تحمل الشهادة وهو أعمى وشهد وهو أعمى، فأما إذا تحمل الشهادة وهو بصير، ثم أدى وهو أعمى، هل تقبل شهادته عند علمائنا ﵏؟ أجمعوا على أنه في المنقول لا تقبل؛ لأن الإشارة إلى المنقول شرط لصحة الشهادة، ولا يقوم الوصف مقام الإشارة في المنقول عندهم جميعاً، ولا عبرة لإشارة الأعمى؛ لأنه لا يعاين المشهود به، فصار وجود الإشارة منه والعدم بمنزلة وبدون الإشارة لا تقبل الشهادة في المنقول (١٢١أ٤) . أما إذا كان المشهود به ديناً أو عقاراً اختلفوا فيه، قال أبو حنيفة ومحمد رحمهما

стр. 3767

الله: لا تقبل هذه الشهادة، وقال أبو يوسف ﵀: تقبل، فأبو يوسف جعل العمى مانعاً صحة التحمل، ولم يجعله مانعاً صحة الأداء، وإنما فعل كذلك؛ لأن الاحتراز عن عمى الشاهد ممكن لصاحب الحق حالة التحمل من غير حرج بإشهاد البصراء، فيكون العمى مانعاً صحة التحمل، وإنه حاجز بين المشهود له وبين المشهود عليه، فأما إذا صح التحمل من البصير، فالاحتراز عن العمى غير ممكن لصاحب الحق، فقام الاسم والنسبة حالة الأداء مقام الإشارة كما في الميت والغائب، وأبو حنيفة ومحمد رحمهما الله احتجا بما روينا من حديث علي ﵁ أنه رد شهادة الأعمى، ولم يفصل ولم يستفسر أنه تحمل وهو بصير أو عمي، فدل أن الحكم لا يختلف. والمعنى في ذلك أن التحرز عن العمى حالة الأداء ممكن لصاحب الحق من غير حرج، بأن يشهد على حقه جماعة كثيرة من البصراء، حتى إذا عمي البعض يمكنه إثبات الحق بالبعض، ولما أمكنه الاحتراز عنه من غير حرج لم يسقط اعتبار الإشارة إلى المشهود والمشهود عليه، ولم يكتف بالاسم والنسب، كالبصير إذا شهد من وراء الحجاب بالاسم والنسب والإشارة إلى نائب من عليه الحق مقام الإشارة إلى من عليه الحق. ولو كان بصيراً وقت التحمل والأداء إلا أنه إذا عمي قبل القضاء، فكذلك الجواب على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله: القاضي لا يقضي بشهادته، وعلى قول أبي يوسف: يقضي.m وأجمعوا على أن الشاهد إذا خرس أو ذهب عقله أو ارتد بعد الشهادة قبل القضاء أن القاضي لا يقضي بشهادته، والوجه في ذلك: أن المقصود من الشهادة القضاء بما يمنع الأداء يمنع القضاء، والخرس والردة وذهاب العقل يمنع الأداء بالإجماع، فيمنع القضاء، والعمى بعد التحمل يمنع الأداء عندهما، فيمنع القضاء أيضاً، وعند أبي يوسف ﵀: لا يمنع الأداء، فلا يمنع القضاء. قال مشايخنا: وهذا كله فيما لا يجوز الشهادة عليه بالشهرة والتسامع، أما فيما يجوز الشهادة عليها بالشهرة والتسامع فشهادة الأعمى مقبولة بلا خلاف، واستشهد في كتاب «الأقضية» حجة لأبي حنيفة ومحمد على أبي يوسف بمسألة، فقال: ألا ترى أن الشاهدين لو قالا نشهد أن فلاناً أشهدنا أنه جعل لابنه فلان هذا العبد وهذه الدار، وقد عرفناه يومئذ بوجهه واسمه ونسبه، إلا أنا لا نعرفه الساعة؛ لأنه شيخ أو لأنه قد نبتت لحيته، لم يجز القضاء بشهادتهما، ووجه الاحتجاج: أن في تلك المسألة لم يكتف بالمعرفة وقت التحمل، بل شرط المعرفة وقت الأداء، فكذا ههنا لا يكتفي بآلة التمييز وقت التحمل، ويشترط وجودها وقت الأداء. ثم فرق بين شهادة الأعمى وبين شهادة الشهود على غائب لأجل كتاب القاضي، والفرق: أن ثمة الشهود يعرفون المدعى عليه، ويقولون: لو رأيناه عرفناه، ولا يكون ذلك شهادة على من لا يعلمون بوجوب الحق عليه، حتى لو قالوا: لا نعرفه اليوم لا تقبل

стр. 3768

شهادتهم، فأما الأعمى لا يشهد على من علم بوجوب الحق على الحقيقة، فلا يصح منه أداء الشهادة. وعن أبي حنيفة ﵀ في رواية: أن المدعي والمدعى عليه إذا كانا معروفين ليس على اسمهما ونسبهما غيرهما تقبل شهادة الأعمى عند بيان الاسم والنسب. وإذا كان الرجل يجن ساعة ويفيق ساعة، فشهد في حال إفاقته تقبل شهادته، وقدّر شمس الأئمة الحلواني ﵀ بيومين، وقال: إذا كان جنونه يومين أو أقل من ذلك ثم يفيق هكذا، فشهد في حال إفاقته تقبل شهادته، ذكر في «شرح أدب القاضي» في باب شهادة الأعمى. نوع آخَرَ مِن هذا الفصْل وتجوز شهادة الرجل لمن أرضعته امرأته؛ لأن الرضاع تأثيره في الحرمة خاصة دون ما سواه من الأحكام، ألا ترى أنه لا يستحق بها النفقة والإرث، وكذلك حكم الشهادة، وحقيقة النفقة في ذلك أنه ليس لأحدهما تأويل ملك، ولا بسوطة يد في مال صاحبه، فلم تكن التهمة في هذه الشهادة فقبلت، كما في شهادة الأجانب. وكذلك تقبل شهادته لأخيه وأخته، وعمه وعمته، وخاله وخالته من الرضاع والنسب، أما من الرضاع: لأنه لما قبلت شهادته لهؤلاء من الرضاع أولى، وأما من النسب: فلما نبين بعد هذا إن شاء الله تعالى. ولا تجوز شهادة الوالد لولده، ولا شهادة الولد لوالده، ولا شهادة الزوج لزوجته، ولا شهادة المرأة لزوجها، به ورد الأثر عن رسول الله ﷺ ، والمعنى: تمكنت التهمة في هذه الشهادات. بيان تمكن التهمة في شهادة الوالد لولده. إن كان المشهود به مالاً، فلوجهين: أحدهما أن للأب شبهة الملك في مال الولد قال ﵇: «أنت ومالك لأبيك» فصار الأب كالشاهد لنفسه، والإنسان متهم فيما شهد لنفسه، وهذه تهمة يمكن الاحتراز عنها بحبس الشهود، بأن يشهد له غير الوالد. والثاني: أن الأب وافر الشفقة على ولده، فيتهم بالميل إليه. وإن كان المشهود به نكاحاً أو قصاصاً فالتهمة من وجه واحد، وهو الوجه الثاني. بيان تمكن التهمة في شهادة الولد لوالده: إن كان المشهود به مالاً من وجهين: أحدهما: أن منافع الأملاك متصلة بينهما عرفاً وعادة، فصار الشاهد شاهداً لنفسه من وجه، والثاني: أن الولد وافر الشفقة على والديه، فيتهم بالميل إليه، فإن (كان) المشهود به نكاحاً أو قصاصاً، فالتهمة من وجه واحد، وهو الوجه الثاني. بيان تمكن التهمة في شهادة الزوج لامرأته، وشهادة المرأة لزوجها من وجهين:

стр. 3769

أحدهما: أن كل واحد من الزوجين شديد الشفقة على صاحبه، وإليه أشار ، فقال ﴿وجعل بينكم مودة ورحمة﴾ (الروم: ٢١) فيتهم كل واحد منهما بالميل إلى صاحبه، كما في الوالدين والمولودين، وهذه تهمة يمكن الاحتراز عنها بحبس الشهود بأن يشهد لكل واحد منهما الأجنبي. والثاني: أن الأملاك بينهما متصلة عرفاً وشرعاً في حق المنافع بسبب الزوجية أيضاً؛ لأنه يمنع وضع كل واحد منهما زكاة ماله عند صاحبه عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد: يمنع الزوج صرف زكاته إلى امرأته إن كان لا يمنع صرف زكاتها إلى الزوج، ويثبت بسبب هذا الاتصال للزوج شبهة الاشتباه في مال امرأته حتى لو وطئ جارية امرأته وقال: ظننت بأنها تحل لي، فإنه لا يحد، كالابن إذا وطئ جارية أبيه، ثبت أن الأملاك بينهما متصلة في حق المنافع نظير الاتصال فيما بين الوالدين والمولودين، لا نظير الاتصال فيما بين الأخوة والأخوات، فمتى قبلنا شهادة كل واحد منهما لصاحبه حصل لكل واحد منهما نوع منفعة في المشهود به مضافاً إلى الشهادة، وهذا يمنع قبول الشهادة. والدليل عليه: أن يد كل واحد منهما ثابتة في مال صاحبه، فيصير كل واحد منهما شاهداً لنفسه باليد، ولا يلزم صاحب الدين إذا شهد لغريمه بحبس حقه تقبل شهادته، وإن كان يثبت لنفسه منفعة، فإنه يأخذ المشهود به فيصير ملكاً له؛ لأنا نقول: حصول المنفعة للشاهد فيما شهد به إنما يمنع قبول الشهادة إذا كان حصول المنفعة مضافاً إلى الشهادة، وإذا لم يكن مضافاً إلى الشهادةِ، بل كان مضافاً إلى سبب آخر يحدثه الشاهد بعد الشهادة باختياره، فإنه لا يمنع قبول الشهادة، وفي مسألة الغريم: لا يملك شيئاً من المشهود به بنفس الشهادة، وإنما يملكه أخذ يحدثه بعد الشهادة باختياره، فإن الأخذ في حبس حقه سبب ملك، كقبول الهبة والبيع، وفي مسألتنا: ما يحصل من المنفعة لأحد الزوجين يحصل بنفس الشهادة؛ لأنه يحصل بالزوجيّة والملك، والملك آخرهما وجوداً، فيكون مضافاً إلى الملك الثابت، كما في الوالدين والمولودين ما يحصل من المنفعة يحصل بالولاد والملك، إلا أن الملك آخرهما وجوداً، فكان حصول المنفعة إلى الملك الثابت بالشهادة. وشهادة الأخ لأخيه مقبولة، والأصل قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (البقرة: ٢٨٢) من غير فصل بين القريب والأجنبي، فهو على الكل إلا ما صار مخصوصاً عنه، ولما خص عنه شهادة الوالد والمولودين بالإجماع، وتخصيص الوالدين والمولودين لا يوجب تخصيص الأخ والأخت؛ لأن الظاهر فيما بين الأخوة والأخوات العداوة، دليله: قصة يوسف ﵇، وهذا الجواب لا يشكل فيما إذا شهد لأخيه والأب مّيت، إنما يشكل فيما إذا شهد لأخيه والأب حيّ، وينبغي أن لا تقبل شهادته، لأن منافع الأملاك بين أبيه وأخيه متصلة، وإذا شهد لأخيه فكأنه شهد لأبيه، والجواب: شهادة الإنسان لأبيه إنما لا تقبل؛ لأن منافع الأملاك بين الأب وبين الابن متصلة، فكانت الشهادة للأب شهادة لنفسه من وجه، وشهادة الإنسان لنفسه لا تقبل، وأما شهادته لأخيه ليست بشهادة لنفسه

стр. 3770

أصلاً؛ لأن منافع الأملاك بين الأخوين متباينة لا ينتفع الأخ بمال أخيه لا ابتداءً ولا بواسطة الأب، فلم تكن هذه شهادة لنفسه (١٢١ب٤) بوجه ما فقبلت. وإذا ثبت الكلام في الكلام في الأخ ثبت في الأخت؛ لأنهما سيان في القرابة، وثبت الكلام في سائر القرابات، نحو العمّ والخال والعمة والخالة؛ لأن الأخ أقرب من هؤلاء، فإذا قبلت شهادته للأخ، فلهؤلاء أولى. ولا تجوز شهادة الرجل لولد ولده وإن سفل، ولا لجده وإن علا، وتجوز شهادته لأم امرأته وابنتها، ولزوج ابنته وامرأة أبيه وأخت امرأته؛ لأن الثابت بينه وبين هؤلاء حرمة المناكحة لا غير، وإنها لا تمنع قبول الشهادة كما في الرضاع، ومن لا تجوز شهادته له لا تجوز شهادته لعبده، ولا لمكاتبه ولا أم ولده ولا المدبّر، ولا تجوز شهادة العبد والمكاتب والمدبر وأم الولد في حقوق العباد عندنا، وكذلك شهادة معتق البعض عند أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة المكاتب ما دام يسعى. نوع آخَر من هذا الفصل العبد إذا شهد في حادثة، ورد القاضي شهادته، ثم أعتق وأعاد تلك الشهادة قبلت شهادته، وكذلك الصبي والكافر إذا شهدا على مسلم، فرد القاضي شهادتهما، ثم أسلم الكافر وبلغ الصبي، ثم أعاد تلك الشهادة، فإنه تقبل شهادتهما. فرق بين هذا وبين الفاسق إذا شهد في حادثة ورد القاضي شهادته، ثم زال الفسق بالتوبة، فأعاد تلك الشهادة، فإنه لا تقبل شهادته وكذلك الزوج إذا شهد لزوجته وهو حر، والزوجة لزوجها وهي حرة، فرد القاضي شهادتهما، ثم ارتفعت الزوجية فأعاد تلكَ الشهادة لا تقبل شهادته. ووجه الفرق بينهما: أن رد الشهادة في الفاسق والزوج والزوجة إذا كانا حرين محال على تهمة الكذب، غير محال على كونه غير أهل الشهادة؛ لأن الفاسق أهل للشهادة، والزوج والزوجة كذلك؛ لقيام ولاية كل واحد منهم على نفسه على الكمال، إلا أنه تمكنت في شهادتهم زيادة تهمة بسبب الفسق، أو بسبب وصلة الزوجية، فكان الرد محالاً على تهمة الكذب، وإذا كان الرد محالاً إلى تهمة الكذب صار الشاهد بِرَدِّ القاضي شهادته بتهمة الكذب مكذّباً من جهة الشرع فيما شهد به، وتكذيب الشرع ينزل منزلة التكذيب من حيث العيان، ولو ثبت الكذب من حيث العيان لا يكون لشهادته عبرة بعد ذلك، فكذلك هذا. فأما في العبد إن كان عدلاً، فرد الشهادة غير محال له على تهمة الكذب؛ لأنه عدل فيكون محالاً على كونه غير أهل، فلم يصر مكذباً فيما أخبر من جهة الشرع، وقيل خبره إذا صار من أهل الشهادة بالعتق كما قبل الشهادة، وإن كان العبد فاسقاً فقد تمكن في شهادته عدم الأهلية وتهمة الكذب، فكان الرد محالاً على عدم الأهلية، لا على تهمة الكذب، حتى يتوقف الرد ولا يتأبد، فيكون تقليلاً للرد بقدر الإمكان.

стр. 3771

وفي الصبي عدم الأهلية وتمكن تهمة الكذب أيضاً؛ لأنه لا يبالي من الكذب من حيث إنه لا يحرم عليه. وفي الكافر تمكن تهمة الكذب؛ لأن عداوته مع المسلم أمر ظاهر وتمكن عدم الأهلية؛ لأنه لا ولاية له على المسلم، فأحيل بالرد على عدم الأهلية لا على تهمة الكذب، فلم يصر مكذباً فيما أخبر من جهة الشرع، فقبل خبرُه إذا صار أهلاً. النصراني إذا حُدَّ حَد القذف ثم أسلم، فإن شهادته جائزة، والعبد إذا حُدَّ حَد القذف ثم عتق، فإن شهادته جائزة، والفرق: أن رد الشهادة موجب القذف، وإنه من تمام الحد، والنصراني حال ما قذف كانت له شهادة أخرى لم تكن، وأما العبد حال ما قذف لم تكن له شهادة، فتوقف كون القذف هو موجباً رد الشهادة على حدوث الشهادة. وإذا تحمل العبد شهادة لمولاه، فلم يؤدها حتى عتق، ثم شهد بها جازت؛ لأن التحمل منه قد صح؛ لأن التحمل بالمعاينة والسماع والرق لا ينافي ذلك، وعند الأداء هو من أهل الشهادة، ولا تهمة في شهادته، فقلنا بقولها وكذلك إذا تحمل أحد الزوجين شهادة لصاحبه، ثم وقعت الفرقة بينهما، وأدى تلك الشهادة جاز لما قلنا. ولو شهد لصاحبه حال قيام النكاح، فلم يقبل القاضي شهادته ولم يردها حتى وقعت الفرقة بينهما، لم يذكر محمد ﵀ هذا الفصل في «الأصل» ، وعن أبي يوسف أن القاضي لا يقضي بتلك الشهادة إلا أن يعيدها. وإذا شهد المولى لعبده بشيء أو شهد لمكاتبه، فرد القاضي شهادته ثم أعتقا وأعاد المولى تلك الشهادة لا تقبل شهادته؛ لأن رد الشهادة في هذه الصورة محال على تهمة الكذب، لا على عدم الأهلية، فالمولى أهل للشهادة، والتقريب ما ذكرنا. ولو شهد العبد أو المكاتب لمولاه، ورد القاضي شهادته، ثم عتقا، وأعاد تلك الشهادة تقبل شهادتهما، والمعنى ما ذكرنا. وفي «المنتقى» : إذا أشهد الأعمى على شيء، فشهد به عند القاضي، ورد القاضي شهادته، ثم ذهب العمى، فأشهد المشهود عليه ثانياً، فشهد بها عند القاضي جاز؛ لأنه إنما رد الأولى؛ لأنه لم تكن شهادة. وإن أشهد على شهادة وهو بصير، فشهد عليها عند القاضي في حالة العمى، فردها القاضي ثم ذهب العمى، فشهد بها ثانية، فعلى قول أبي يوسف: لا تقبل؛ لأنها كانت شهادة قاطعة فردت. وإذا شهد حران مسلمان بالغان في حق من الحقوق، وكانا يوم أشهدا صغيرين أو كافرين أو عبدين قبلت شهادتهما؛ لأن هؤلاء من أهل التحمل للشهادة؛ لأن مبناها وقت السماع والمعاينة، وهؤلاء من أهله لكنهم ليسوا من أهل الأداء بسبب الرق والكفر والصبا، فإذا زال الرق والكفر والصبا صاروا من أهل الأداء، فتحققت الشهادة عن تحمل صحيح ممن هو من أهل الأداء فقبلت الشهادة، والله أعلم.

стр. 3772

الفَصْل الرابِع: في الاستماع إلىَ الشُهُود وَصِفَةِ أداء الشَّهَادَة ابن سماعة عن أبي يوسف ﵀: شاهدان شهدا على رجل بمال، فقبل أن يقضي القاضي بشهادتهما شهد عليهما رجلان أنهما رجعا عن شهادتهما، فإن كان الذي أخبر عن رجوعهما ممن يعرفه القاضي ويعدله وقف في أمرهما، ولم ينفذ شهادتهما، وإذا شهد شاهد على الحق مفسراً، وشهد الآخر على شهادته لا تقبل، وكذلك إذا شهد الآخر على مثل شهادته؛ لأن مثلها قد يكون صلة، فصَار هذا وما لو قال: أشهد على شهادته سواء، أما إذا قال الآخر: أشهد بمثل ما شهد به الأول، فعند الخصاف لا تقبل شهادة الشهادة؛ لأن قوله أشهد بمثل ما شهد به الأول محتمل: يحتمل أشهد بمثل ما شهد الأول كملاً، ويحتمل بمثل ما شهد به الأول نقصاً، وعند عامة المشايخ: تقبل هذه الشهادة، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة الحلواني ﵀ يقول: إن كان الشاهد الأخير فصيحاً يمكنه أداء الشهادة على وجهها إلا أنه دخله حصر بسبب هيبة مجلس القضاء، أو كان عجمياً غير فصيح، إلا أنه يمكنه بيان الشهادة بلسانه على وجهها لولا حشمة مجلس القضاء، لا يكلف تفسير الشهادة، وإذا شهد بمثل ما شهد به الأول يقبل. وإن كان الشاهد عجمياً لا يمكنه بيان الشهادة بلسانه أصلاً لا يقبل منه الإجمال، وكان الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي يقول: إن أحس القاضي بخيانة من الشهود لا بد وأن يفسر الثاني الشهادة على الوجه الذي شهد به الأول، وإن لم يحس بخيانة لا يكلفه تفسير الشهادة، وإذا شهد بمثل ما شهد به الأول تقبل، قال الصدر الشهيد ﵀ في «شرح أدب القاضي» : وعليه الفتوى، وكان شمس الإسلام الأوزجندي ﵀ يقول: إنما يقبل الإجمال من الشاهد الآخر إذا قال في شهادته: لهذا المدعي على هذا المدعى عليه، هذه الجملة في «شرح أدب القاضي» للخصاف، في باب القاضي يقضي في المسجد. وفي هذا الباب أيضاً: إذا كتب شهادة الشاهدين في بياض وقُرِئ عليه ذلك، فقال: أشهد أن لهذا المدعي جميع ما سمى ووصف في هذا الكتاب على هذا المدعى عليه الذي قرئ ووصف في هذا الكتاب في يد هذا المدعى عليه بغير حق وواجب عليه تسليمه إلى هذا المدعي، فهذه شهادة صحيحة، وهذا لأن الشهادة قد تكون طويلة على وجه لا يمكن للشاهد ضبطها وأداؤها على ظهر القلب، لو لم يجز أداؤها عن نسخة أو صك لتعطلت الحقوق، وحكى فتوى شيخ الإسلام شمس الأئمة السرخسي في رجل ادعى داراً من نسخة أو صك قرأها، فقال الشهود وهم آمنون ما هم جنين كواهي سيد هيم لهذا المدعي على هذا المدعى عليه: إن شهادتهم صحيحة، وسئل شمس الإسلام الأوزجندي عن الشهود إذا قالوا بالفارسية: ما كواهي وهيم كه أين عين مدعي به ملك أين مدعي است، هل تقبل شهادتهم؟ قال: نعم. وقيل: ينبغي أن لا تقبل؛ لأن قوله: ما كواهي

стр. 3773

دهيم في العرف للاستقبال، وللحال ما كواهي سيد هيم. وفي «فتاوى المنتقى» : سئل عن شهود كان في لفظ شهادة كل واحد منهم: ما كواهي سيد هيم كه فلان جبرآن فلانست، هل يكون هذا بمنزلة قوله: ملك فلا ينست، قال: نعم؛ لأن الناس اعتادوا استعمال كلا اللفظين استعمالاً واحداً، وكان الإمام ظهير الدين المرغيناني ﵀ يقول: ينبغي للقاضي أن يستفسرهم أنهم أرادوا به الملك أو غيره، فإن فسروا أخذ بتفسيرهم، وإن لم يفسروا (١٢٢أ٤) وغابوا أو ماتوا، فالقاضي يقضي بشهادتهم بالملك، وسيأتي بعد هذا من هذا الجنس إن شاء الله تعالى. وفي «فتاوى أبي الليث» ﵀: وإذا وقع البيع بين رجلين بالتعاطي، ووقعت الحاجة إلى الشهادة، فالشهود كيف يشهدون قيل: يشهدون على الأخذ والإعطاء ولا يشهدون على البيع؛ لأنّ التعاطي بيع حكمي، وليس ببيع حقيقي، وقيل: لو شهدوا على البيع يجوز. شهد الشهود بعين في يد رجل أنه ملك هذا المدعي، ولم يشهدوا أنه في يد المدعى عليه بغير حق، حكي عن الشيخ شمس الأئمة الحلواني أنه قال: لا تقبل هذه الشهادة، وكان الصدر الشهيد ﵀ يفتي بقبول هذه الشهادة، وهكذا حكى فتوى جماعة من المشايخ، وبعض مشايخنا قالوا: تقبل هذه الشهادة في حق القضايا بالملك، ولا تقبل في حق إيجاب التسليم إلى المدعي، وهو الأشبه والأقرب إلى الصواب؛ لأن وجوب التسليم ينفك عن الملك في الجملة، وهذا القائل يقول: لو سأل القاضي الشاهد، أهو في يد هذا المدعى عليه بغير حق، فقال الشاهد: لا أدري، أنه تقبل الشهادة على الملك؛ لأن القضاء بالملك لا يستدعي كون المدعى عليه مبطلاً في يده لا محالة؛ لجواز أن تكون العين ملكاً لإنسان، وتكون في يد غيره بحق، بأن كان رهناً أو مستأجراً أو ما أشبه، وسَيَأتي بعد هذا من هذا الجنس إن شاء الله تعالى. في «فتاوى النسفي» : أدعى على آخر عشرة دراهم، وشهد الشهود أن لهذا المدعي على هذا المدعى عليه مبلغ عشرة دراهم أو بمبلغ عشرة دراهم، لا تقبل الشهادة؛ لأن الشهود شهدوا بخلاف ما ادعاه المدعي؛ لأن المدعي أدعى عشرة دراهم، والشهود شهدوا بمبلغ عشرة دراهم، ومبلغ عشرة دراهم مال سوى الدراهم، يبلغ قيمته دراهم، وقيل: يقبل، وهو الأصح؛ لأن المبلغ عبارة عما ينتهي إليه العدد المذكور. ولو ادعى بالفارسّية: ده درهم، وشهد الشهود بهذه العبارة أن لهذا المدعي على هذا المدعى عليه: ده دوازده درهم، لا تقبل لمكان الجهالة، وكذلك: إذا ذكر الشهود التاريخ في شهادتهم على هذا الوجه لا تقبل شهادتهم. وفي فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي: إذا شهد الشهود أن هذا العين حق هذا المدعي، ولم يقولوا ملكه قبلت الشهادة؛ لأن الحق مع الملك يستعملان استعمالاً واحداً، وقيل: لا تقبل، وقيل: ينبغي للقاضي أن يستفسرهم عن الحق أرادوا به الملك أو ما هو حقيقة الحق، ويبنى الأمر على ما فسروا.

стр. 3774

وعلى هذا الاختلاف دعوى الحق إذا ادعى أن هذه الدار حقي، ولم يقل: ملكي، هل تصح منه هذه الدعوى؟ وفي «الفتاوى» : سئل شداد عن ثلاثة نفر شهدوا في حادثة، ثم قال أحدهم قبل القضاء: أستغفر الله قد كذبت في شهادتي، فسمع القاضي ذلك ولم يعلم أيّهم قال ذلك، فسألهم القاضي بعد ذلك، فقالوا: كلنا على شهادتنا، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم، ويقيمهم من عنده حتى ينظر في ذلك، فإن جاء المدعي باثنين في اليوم الثاني يشهدان له بذلك قبلت شهادتهما. إذا شهد في حادثة قبل الدعوى، ثم أعادها بعد الدعوى قبلت شهادته وإذا شهد الشهود على إقرار رجل بشراء محدود أو ما أشبه ذلك، لا بد وأن يذكروا في الشهادة أنه أقر على نفسه، أو يقولوا: أقر بشرائه لنفسه، أو ببيعه بنفسه؛ لأن إقراره كما يكون على نفسه يكون على غيره، وما على غيره لا يكون حجة، فلا بد من ذكره. وإذا شهد الشهود أن هذا العين ملك هذا المدعي، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، ولم يقولوا: فواجب عليه قصر يده عنه، وتسليمه إلى هذا المدعي. حكي عن شيخ الإسلام أبي الحسن السغديّ أن فيه اختلاف المشايخ، منهم من قال: لا بد وأن يقولوا ذلك، يعنى للقضاء بالتسليم؛ لأنه لا يجوز أن يكون الشيء ملك إنسان، ولا يجب على صاحب اليد تسليمه إليه، ويكون معنى قوله: وفي يده بغير حقٍ حقُ الملك، ومنهم من قال: لا حاجة إلى ذكره، وتكون الشهادة مقبولة، ويجبر المدعى عليه على التسليم إذا طلب المدعي ذلك؛ لأن كون العين مملوكة لإنسان تقتضي وجوب التسليم إليه يقتضيه الأصل، إلا لعارض، ولم يثبت العارض كما قالوا، وفي يد هذا المدعى عليه بغير حق، وإن كان التسليم واجباً يقضيه الملك، كان قولهم: فواجب عليه تسليمه إلى هذا المدعي بيان هذا الحكم، فلا حاجة إلى ذكره، وعليه أدركنا كثيراً من مشايخ زماننا، قال شيخ الإسلام: هذا، وأنا أفتي أن في تلك الشهادة قصوراً.h ادعى على آخر عشرة أقفزة حنطة ديناً، وذكر جميع شرائطه، وجاء بشهود شهدوا على إقرار المدعى عليه أن هذا المدعي أرسل إليه عشرة أقفزة حنطة لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنه بمجرد الإرسال لا يثبت وصول العين إلى المدعي، ألا ترى أنه في العرف والعادة يقال: فلان أرسل إلي كذا، ولكن لم يصل إلي، وبعد أن يثبت الوصول إليه لا تثبت جهة الدينية. وإذا قال المدعي للقاضي: لا بينة لي، وحلَّف القاضي المدعى عليه بطلب المدعي، ثم جاء المدعي ببينة، روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة أنه يقبل بينته، وعن محمد ﵀: لا يقبل بينته لمكان التناقض، وأبو حنيفة ﵀ يقول: الجمع بين الكلامين ممكن؛ لجواز أنه لم تكن بينة له حال ما قال: لا بينة لي، ثم حدث له بعد ذلك بأن أقر المدعى عليه بعد ذلك بين يدي الشهود بما ادعاه المدعي، فلا يثبت التناقض. ذكر الخصّاف هذه المسألة على هذا الوجه في «أدب القاضي» ، وذكر الطحاوي

стр. 3775

رحمه الله في «مختصره» أن المدعي إذا قال لا بينة لي، أو قال الشهود: ما لنا شهادة، ثم جاء المدعي بشهود، أو شهد الذين قالوا: لا شهادة لنا، أي: على أصحابنا فيه روايتان، في رواية: لا تقبل لمكان التناقض، وفي رواية: تقبل. وعلى هذا إذا قال المدعي: كل بينة آتي بها فهم شهود زور، ثم أتى ببينة. وعلى هذا إذا قال: ليس لي عند فلان شهادة فيما ادعى على هذا، فلما حلفه القاضي جاء بفلان شهد. وعلى هذا الخلاف إذا قال: ما لي عند فلان وفلان شهادة على هذا ثم ادعى بعد ذلك شهادتهما. رجل له دعوى في عبد في يدي رجل، وله على ذلك شهود، فقال واحد من الشهود عند القاضي لعبد من عبيد المدعى عليه: هذا العبد ليس هو العبد الذي لفلان فيه الدعوى، ثم المدعي ادعى ذلك العبد بعينه لنفسه، وشهد له ذلك الذي قال تلك المقالة بين يدي القاضي، فقد قيل: يجب أن لا تقبل شهادته لمكان التناقض، وقيل: يجب أن تقبل في إحدى الروايتين على ما ذكره الطحاوي؛ لأنه ليس في كلام الشاهد أكثر من أنه لا شهادة لي في هذا العبد، ومن قال: لا شهادة له في هذه الحادثة، ثم شهد بعد ذلك، ففي قبولها روايتان على ما ذكره الطحاوي، وعلى ما ذكره الخصاف تقبل على قول أبي حنيفة ﵀، فههنا كذلك. وفي «فتاوى النسفي» وينبغي للشاهد أن يقول في شهادته: أين عين تلك أين يدعي است وحق ويست، حتى لا يمكن أن يلحق به، وحق وي ني، وكان الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي يقول: إذا قال المدعي فلان جيبر ملك ينست، وحق من، لا يكتفى به، وينبغي أن يقول: وحق ينست، ويقول في قوله: وبدست فلان بنا حق است، وكذلك في نظائره، حتى لا يلتحق به كلمة النفي، قال: الاحتياط في هذا، ولكن هذا الاحتياط في موضع يطالب بالتسليم، وقد ذكرنا جنس هذا قبل هذا. وفي «فتاوى الفقيه أبي الليث» ﵀: إذا ادعى على آخر أنه استهلك دواباً له عدداً معلوماً، وأقام البينة على ذلك ينبغي أن يبين الشهود الذكر والأنثى وإن لم يثبتوا ذلك، قال الفقيه أبو بكر: أخاف أن يبطل الشهادة، ولا يقضي للمدعي بشيء من دعواه، وإن بينوا الذكور والإناث جازت شهادتهم. ولا يحتاج إلى ذكر اللون؛ لأنَّ باختلاف اللون لا تختلف المنافع، فلا يصير المشهود به مجهولاً، ولا كذلك الذكورة والأنوثة، قيل اشتراط ذكر الذكورة والأنوثة في هذه الصورة مستقيم، خصوصاً على أصل أبي حنيفة ﵀؛ لأن القضاء بالقيمة عنده بناءٌ على القضاء بملك المستهلك، لما عرف أن حق المالك باق في العين بعد الاستهلاك على أصله، وإنما ينتقل الحق إلى القيمة بقبض القيمة أو بقضاء القاضي، وهذا القائل يقول: مع ذكر الأنوثة والذكورة لا بد من ذكر النوع بأن يقولوا فرس أو حمار ونحوه، ولا يكتفى بذكر اسم الدابة؛ لأنها مجهول النوع، ولا يحتاج إلى ذكر اللّون كما في الوكالة، ومن المشايخ من أبى ذكر الذكورة والأنوثة، وقال: المقصود من دعوى الدابة المستهلكة القيمة والمدعي والشهود لا يستغنون عن بيان القيمة، والشهادة على القيمة

стр. 3776

مقبولة، فلا يشترط بيان الذكورة والأنوثة كما في اللون، ألا ترى أن من أدعى على رجل مالاً مقدراً، وشهد الشهود له بذلك، فسألهم القاضِي عن السبب، فقالوا: استهلك عليه دابة، فالقاضي يقبل ذلك منهم، وطريقه ما قلنا. وكذلك الرجلان إذا ادعيا نكاح امرأة معينة (١٢٢ب٤) وأقاما البيّنة، فالقاضي يقضي لهما بالميراث والقضاء بالنكاح لرجلين على امرأة واحدة متعذر، ولكن طريق القبول أن المقصود من دعوى النكاح بعد الموت دعوى الميراث، ولا تنافي في الميراث، فقضى بالميراث لهما لهذا، والأول أصح. ووجه الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة النكاح: أن دعوى النكاح من كل واحد من المدعيين صحيح، والشهادة من كل فريق صحيحة، إلا أن في حالة الحياة لا يقضي بالنكاح؛ لأن المقصود من النكاح حالة الحياة الحل، وإنه لا يقبل الشركة، فلم يقض بالنكاح حالة الحياة لهذا المعنى، لا لخلل في الدعوى أو الشهادة، أما بعد الموت: المقصود هو الميراث، والقضاء لهما بالميراث ممكن فقضينا، أما في مسألتنا الدعوى لم تصح، وكذلك الشهادة، لأنهم شهدوا بملك المتلف، والمدعي ادعى ملك المتلف، والقاضي يقضي بذلك، ثم القضاء بالقيمة بناء على القضاء بملك المتلف، والقضاء بالمجهول لا يصح، فلا يقضي، وفيما ادعي مقدراً وشهد الشهود بمال مقدر، وأثبتوا السبب استهلاك الدابة نقول: بأن القاضي لا يقضي بشهادتهم، إنما يقضي إذا أثبتوا صفة الذكورة والأنوثة، وأثبتوا مع ذلك نوع الدابة. رجل ادعى على غيره أنك أبرأتني عن جميع الدعاوى والخصومات، والمدعى عليه لم يخاصمه بعد، ولم يدع عليه شيئاً، وجاء المدعي بشاهدين شهدا على ما ادعاه، فقد قيل: لا تقبل هذه الشهادة وقد قيل: تقبل، وعلى قياس مسألة ذكرناها في «أدب القاضي» أن المطلوب إذا ادعى عند القاضي: أن الطالب أبرأني عن كل قليل وكثير، وهو اليوم في بلد كذا، وشهودي ههنا حضور، فاسمع من شهودي واكتب لي إلى قاضي تلك البلدة أن على قول أبي يوسف القاضي لا يسمع من شهوده، ولا يكتب له على ذلك، وعلى قول محمد يسمع ويكتب، يجب أن تكون هذه المسألة على ذلك الخلاف. ولو قال المدعي في هذه المسألة: خاصمني وجحد الابراء مرة يجب أن تقبل شهادة شهوده بلا خلاف، كما في تلك المسألة. رجل ادعى عبداً في يدي رجل أنك بعتني هذا العبد، ونقدتك الثمن، وهو ألف درهم، فجحد البائع البيع وقبض الثمن، فشهد له شاهدان على إقراره بالبيع، وقبض الثمن، وقالا: لا نعرف العبد، ولكنه قال لنا: عبدي زيد، وشهد آخران (أن) هذا العبد اسمه زيد أو شهدا على إقرار البائع أن هذا العبد اسمه زيد، فالبيع لا يتم بهذه الشهادة ويحلف البائع، فإن حلف رد الثمن، وإن نكل لزمه البيع بنكوله، هكذا قال أبو يوسف ﵀، فإن شهد شاهدا البيع أنه أقر أنه باعه عبده زيداً المولود، نسبوه إلى شيء يعرف، من عمل أو صناعة أو حلية، فوافق ذلك هذا العبد، فهذا والأول سواء في

стр. 3777

القياس، لكني أستحسن إذا نسبوه إلى أمر معروف أن أجيزه، وكذلك الأمة. وفي «المنتقى» : شهد شاهدان أن لهذا في هذه الدار ألف ذراع، فإذا الدار خمسمائة ذراع أو شهدا أن له في هذا القراح عشرة أجربة، فإذا القراح خمسمائة أجربة، فالشهادة باطلة، ولو كان أقر بذلك أخذ المقر له كلها. وفيه أيضاً: شاهدان شهدا أن شاة هذا دخل غنم هذا، ولم يعرف الشاة لا تقبل شهادتهما، ولو شهدا أنه غصب شاة وأدخلها في غنمه قضيت عليه بالقيمة، ولو شهدا أن داره في دار هذا، ولم يجدوا من أي موضع هي، فالشهادة باطلة. ولو شهدوا أنه غصب داره، وأدخلها في داره قضيت عليه بالقيمة. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف ﵀ في ثلاث نفر، لهم على رجل دين بألف درهم، فشهد اثنان منهم على الثالث أنه قد أبرأه من حصته لا يجوز؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما شركته إذا قبضا حصتهما، وهو بمنزلة ما لو قبضا نصيبهما، ثم شهدا أنه قد أبرأه عن نصيبه، وقال محمد ﵀: إن كانا قد قبضا نصيبهما، فشهادتهما باطلة، وإن كانا لم يقبضا، فشهادتهما جائزة. إذا شهدا على رجل أنه أقر أن اسمه عارية في هذا الدين، وهو لفلان، وفلان يدعيه فهو جائز. نوع آخر منه قال محمد ﵀ في «الأصل» : إذا شهد رجلان أن لهما ولفلان على هذا الرجل ألف درهم، فهذا على وجوه: الأول: أن ينصا على الشركة، بأن شهدا أن لفلان ولهما على هذا الرجل ألف درهم مشترك بينهم، وفي هذا الوجه لا تقبل شهادتهما أصلاً؛ لأن المشهود به مشترك بينهم، بحيث لا يمكن تمييز نصيب فلان عن نصيبهما، وقد تعذر قبول شهادتهما في نصيبهما، فيمنع قبولهما في نصيب فلان ضرورة. الثاني: إذا نصا على قطع الشركة، بأن قالا: نشهد أن لفلان على هذا خمسمائة، وجبت بسبب على حدة، ولنا عليه خمسمائة وجبت بسبب على حدة، وفي هذا الوجه تقبل شهادتهما في حق فلان، فهذا ظاهر. الثالث: إذا أطلقا الشهادة إطلاقاً، وفي هذا الوجه لا تقبل الشهادة أصلاً؛ لأنه يحتمل أن المشهود مشترك بينهم، وعلى هذا التقدير لا تقبل شهادتهما، فلا تقبل بالشك. وإذا كان لرجل ألف درهم على ثلاثة نفر شهد اثنان منهم أن صاحب الدين أبرأهما وفلاناً عن الألف التي كانت له عليه وعليهما، فإن كان البعض كفلاً عن البعض لا تقبل شهادتهما أصلاً؛ لأنهما يدفعان بهذه الشهادة عن أنفسهما مغرماً؛ لأن براءة فلان عما عليه، وهو أصل في حقهما يوجب براءتهما، وإن لم يكن البعض كفلاً عن البعض، فإن شهدا أنه أبرأهما وفلاناً بكلمة واحدة لا تقبل شهادتهما أصلاً؛ لأن الشهادة حصلت

стр. 3778

بكلمة واحدة، وقد بطلت في البعض فيبطل في الباقي ضرورة. وإن شهدا أنه أبرأهما على حدة، وفلاناً على حدة تقبل شهادتهما في حق فلان، ونظير هذا ما ذكر في كتاب الحدود إذا شهد رجلان أن فلاناً قذف....، وهذه بكلمة واحدة لا تقبل شهادتهما ولو شهدا أنه قذف.... على حدة، وهذا على حدة قبلت شهادتهما في حق هذه، وطريقه ما قلنا. وفي «المنتقى» : إذا شهد رجل وامرأتان أن زوج المرأتين قال لنسائه: أنتن طوالق لم تجز الشهادة على طلاقهما وعلى طلاق غيرهما. ولو شهد شاهدان أنه أوصى بثلث ماله لفقراء بني تميم، وهما من بني تميم، وهما فقيران جازت الشهادة، ولا يعطيان شيئاً، لأنه لو قسم في بعضهم جاز. ولو شهدا أنه أوصى بثلث ماله لفقراء أهل بيته وهما فقيران من أهل بيته، أو ولد لهما فقير من أهل بيته لم تجز الشهادة لهما ولا لغيرهما، وإن كانا غنيين ولا ولد لهما فقير جازت الشهادة. وفي الوصايا لو أوصى بثلث ماله لفقراء جيرانه، فشهد على ذلك رجلان لهما أولاد يحتاجون في جوار الموصي، قال محمد: لا تقبل هذهِ الشهادة أصلالاً أما في حق أولاد الشهود فظاهر، وأما في حق الباقين فلأن الشهادة واحدة. وفي «وقف هلال» : لو وقف على فقراء جيرانه، فشهد على ذلك شاهدان من فقراء جيرانه قبلت شهادتهما، وإذا شهد أهل مسجد على وقفية كراسة على مسجدهم أو على أهل مسجدهم وهم يحصون، حتى يجوز الوقف، هل تقبل شهادتهم؟ ينظر إن كان الشاهد ممن يقرأ أو له ولد يقرأ لا تقبل شهادته، وإن كان ممن لا يقرأ، وليس له ولد يقرأ تقبل شهادته، وهو نظير أهل مدرسة شهدوا على وقف تلك المدرسة، أو أهل محلة شهدوا على وقف تلك المحلة. وهناك بعض المشايخ فصلوا الجواب تفصيلاً، فقالوا في شهادة أهل المدرسة إن كانوا يأخذون الوظيفة من ذلك الوقف لا تقبل شهادتهم، وإن كانوا لا يأخذون تقبل، وكذلك في أهل المحلة من شهد وهو ممن يأخذ شيئاً من ذلك لا تقبل شهادته؛ لأنه حينئذٍ يكون هذا شهادة جار المغنم، وعلى هذا الشهادة على وقف المكتب وللشاهد صبي في المكتب، أو ليس له صبي في المكتب. وبعض مشايخنا قالوا: يجب أن تقبل الشهادة في هذه المسائل كيف ما كان، لأن كون الفقيه في المدرسة أو كون الداخل في المحلة أو كون الصبيّ في المكتب ليس بأمر لازم، بل ينتقل الفقيه من مدرسة إلى مدرسة، ومن محلة إلى محلة، وينتقل الصبي من مكتب إلى مكتب، ومثل هذا لا يمنع قبول الشهادة، بخلاف ما إذا كان أمراً لازماً، وهذا القائل يقول: ولأجل هذا المعنى وقع الفرق بينما إذا شهدا أنه أوصى لفقراء جيرانه على ما ذكره هلال، وفيما إذا شهدا أنه أوصى لفقراء

стр. 3779

قرابته؛ لأن الجوار ليس بلازم، والقرابة لازمة، ولكن هذا الفرق لا يشكل بما إذا شهدا أنه أوصى لفقراء بني تميم، وهم من فقراء بني تميم، حيث تقبل شهادتهما، وكونهما من بني تميم أمر لازم. إذا شهدوا أن جميع ما في قرية فلان من الدور والأراضي وغيرهما، التي هي معروفة لفلان ميراث من جهته لفلان ابنه، هذا المدعي لا وارث له غيره، ذكر الصدر الشهيد في «فتاوى الصغرى» أن الشهود إن كانوا يعرفون حدود ذلك جاز، وإن كانوا لا يعرفون لا يجوز؛ لأنهم شهدوا بالمجهول، وقيل: إذا كان الشهود لا يعرفون حدود ذلك لا يحل لهم أداء الشهادة، وإن عرفوا إلا أنهم لم يشهدوا بها، فالقاضي لا يقبل شهادتهم، وهو الأصوب. إذا ادعى على رجل نقرة جيدة موروثة بوزن معلوم، وشهد الشهود بالنقرة بذلك الوزن، ولم يذكروا صفة الجودة في شهادتهم، ولا صفة الرداءة، فالقاضي يقبل (١٢٣آ٤) شهادتهم، ويقضي بالنقرة الرديئة بذلك الوزن، هكذا كان يفتي بعض مشايخنا؛ لأنهم شهدوا بأقل مما ادعاه المدعي، وعلى هذا القياس إذا ادعى مقداراً معلوماً من دقيق غير منخول، وشهد الشهود بالدقيق مطلقاً، وقيل: لا بل بينهما فرق؛ لأن الدقيق مع النخالة متفاوت، بخلاف النقرة الرديئة، ولو أدعى دقيقاً مع النخالة وشهد الشهود بدقيق منخول لا تقبل. الفصل الخامس: في شهادة الرجل على فعل من أفعاله أو صفة من صفاته يجب أن يعلم بأن شهادة الإنسان على فعل من أفعاله أو صفة من صفاته أو نفي ذلك لا تقبل؛ لأنه شهادة لنفسه، والشهادة لنفسه دعوى، وبالدعوى لا يقطع الحكم، قال ابن سماعة عن محمد: كان أبو حنيفة ﵀ يجيز شهادة القاسمين على قسمتهما، وكان أبو يوسف ﵀ لا يجيز ذلك، ثم رجع إلى قول أبي حنيفة ﵀، وقال محمد ﵀: لا تجوز شهادتهما، وذكر الخصاف قول محمد مع قول أبي حنيفة رحمهما اللهُ، ولم يذكر فيه الاختلاف، قالوا: إن ما ذكره الخصاف آخر قول محمد، فقد رجع إلى قول أبي حنيفة، فأما في ظاهر الرواية، فقول محمد يخالف قولهما في هذه المسألة. ووجه قول محمد أنهما شهدا على فعل أنفسهما، فلا تقبل شهادتهما، سواء كان فيه منفعة لهما أو لم تكن، كالوكيل بالنكاح إذا شهد بعقده، وكما إذا قال لرجلين: إن كلمهما عبدي فهو حر، فشهدا أنهما كلماه لا تقبل شهادتهما، وإن لم يكن فيه جر منفعة إليهما؛ لأن ما أتيا به دعوى لا شهادة على ما ذكرنا، كذا هذا. كيف وإن ههنا فيه جر منفعة إليهما؛ لأنه إذا ثبتت قسمتهما يستحقان أجر القاسمين، ولا تقبل شهادة من يجرّ إلى نفسه مغنماً.

стр. 3780

وأبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله قالا: إن هذه الشهادة قامت لإثبات الملك للغير؛ لأنه لا حق له في المقسوم ولا ملك، وقد خلت عن التهمة لانتفاء سبب التهمة من السبب أو اتصال الملكين، فوجب أن تقبل هذه الشهادة، ولأن الحاجة ماسة إلى قبول شهادتهما، لأنه لا يمكن للقاضي أن يبعث معهما شاهدين عدلين يشهدان على فعلهما، ولو فعل يلحق المؤنة على أصحاب القسمة، فلو لم تقبل شهادتهما لضاق الأمر على الناس، ولأن قاسم القاضي أمين القاضي ونائبه في القسمة، فكان فعله كفعل القاضي، والدليل على أن فعله كفعل القاضي أن القاضي وإن لم يكن مأذوناً في الاستخلاف يملك أن يفوض القسمة إلى غيره، فلولا أن فعله كفعل القاضي، وإلا لما ملك التفويض؛ لأنه ليس للقاضي أن يولي غيره الحكم بدون إذن الإمام، فثبت أن فعله منقول إليه حكماً، والدليل عليه أنه لا تلحقه العهدة، ولولا أن فعله منقول إلى القاضي حتى كان من القضاء وإلا للحقه العهدة والدليل على أنه من القضاء أن للقاسم أن يجبر الممتنع من القسمة، ولو لم يكن من القضاء لما كان له ولاية الجبر فإنه ليس لغير القاضي ولاية الجبر. إذا ثبت هذا فنقول: تقريره من وجهين: أحدهما: أنه لما كان فعله منقولاً إلى القاضي يعتبر فعله بفعل القاضي بنفسه، ثم القاضي إذا تذكر القضاء لرجل، والمقضي عليه ينكر، كان له أن يلزمه القضاء بقوله، فكذلك القاسم يملك أن يثبته بشهادته. والثاني: أن فعله لما كان منقولاً إلى القاضي لم تكن هذه شهادة على نفسه من حيث التقدير، بل كان على فعل القاضي حكماً، وشهادتهما على فعل القاضي مسموعة، على أن هذه الشهادة في الحقيقة ما قامت على فعلهما، فإن فعلهما تعيين الأنصباء، فأما ثبوت الملك لكل واحد منهما في نصيبه لقبوله وقبض نصيبه، وذلك فعل أصحاب الأملاك، وشهادة الإنسان على فعل غيره مقبولة. وقوله إنهما يجران إلى أنفسهما مغنماً؛ لأنهما يستحقان الأجر بالقسمة، قلنا: إنما تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا كانا لا يطلبان الأجر، وأما إذا طلبا الأجر لا تقبل شهادتهما، هذا كما قلنا في شهادة الشفيعين على بيع الدار: إنهما إن طلبا الشفعة لا تقبل شهادتهما، وإن كانا لا يطلبان الشفعة تقبل شهادتهما إذا شهدا على القسمة لا غير، ثم قالا بعد ذلك: نحن قسمنا واشتغلا بالتفصيل، فأما إذا شهدا على أنفسهما من الابتداء لا تقبل شهادتهما، ولكن إطلاق ما ذكر في «الكتاب» يدل على أنه تقبل شهادتهما في الأحوال كلها، وأن الصحيح ما ذكر من جواز شهادتهما على الإطلاق على قسمة أنفسهما لما ذكرنا من المعاني. قال: فإن فرزا الأرض وقوماها ثم عرضا ذلك على القاضي، ثم حضرت الورثة وأقروا بالتحديد والقيمة، فأقرع القاضي بينهم، ثم أجبر عن قسمته فذلك جائز؛ لأن هذه قسمة من القاضي، وإنه بمنزلة القضاء منه، والقاضي إذا قال: قضيت على فلان بكذا قبل قوله بالاتفاق كذا هذا، بخلاف شهادة قاسمي القاضي على قول محمد؛ لأنه ليس بقضاء

стр. 3781

من القاضي، بل هي شهادة على فعلهما. وذكر ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف: إذا شهد شاهدان أن فلاناً أمرنا أن نبلغ فلاناً أنه قد وكله ببيع عبده وقد أعلمناه، أو أمرنا أن نبلغ امرأته أنه جعل أمرهَا في يدها وبمعناها، وقد طلقت نفسها جازت شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل المرسل، فالرسول ينقل كلام المرسل فقد شهدا على فعل غيرهما، وقوله: فيقبل شهادتهما، وبمثله لو قالا: نشهد أنه قال لنا خيّرا امرأتي فخيرناها فاختارت نفسها، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل أنفسهما، وهو التخيير، فلا تقبل منهما، لأنه دعوى لا شهادة، بخلاف الأول، فإنهما شهدا على فعل المرسل على ما ذكرنا. وفيه أيضاً: إذا شهدا على فعل المرسل على ما ذكرنا. وفيه أيضاً: إذا شهدا على رجل بمال أنه قبضه من آخر وهو ينكر، فشهدا على قبضه، وقالا: نحن وزناها عليه، قال إن كانا زعما أن ربّ المال كان حاضراً جازت شهادتهما، وإن لم يكن حاضراً عند الوزن لم تقبل شهادتهما، لأنه إذا كان حاضراً ينقل فعل الوزن إليه، فكان شاهداً على فعل غيره، فأما إذا كان غائباً تعذر إضافته إليه، فبقي الفعل مقصوراً عليه، فكان شاهداً على فعل نفسه، فلا تقبل شهادتهما، فالحاصل أن شهادة الإنسان على فعل نفسه لا تقبل إذا لم يكن ذلك الفعل منتقلاً إلى غيره سواء كان له منفعة في المشهود به أو لم يكن، فإذا كان فعله منقولاً إلى غيره تقبل شهادته عليه. قال في «المنتقى» على طريق الاستشهاد: ألا ترى أنه لو وزن له الغريم ألف درهم ووضعها، وقال: خذها لك قد وفيتك، فقال المقضي له لرجل: ناولني هذه الدراهم فناوله، ثم شهدا على المقضي له أنه هو الذي دفع الدراهم إليه إن شهادته جائزة، وذكر هلال البصري في «الشروط» أنه لا تقبل شهادة الذي كال في المكيل، وتقبل شهادة الذي ذرع في المذروع. ووجهه: أن الكيل من القبض؛ لأن للكيل أثراً في التعيين؛ لأن قدر المبيع إنما يعرف بالكيل، حتى لا يجوز البيع فيما سواه، ألا ترى أنه إذا اشترى صبرة حنطة على أنها كرّ، فوجدها كرين إن الزيادة لا تكون له بل تكون للبائع، والقبض لا يصح ولا يتم بدون التعيين والتقدير، فكان الكيل من جملة القبض، فكانت الشهادة على التعيين شهادة على فعل نفسه، وهو الكيل فلا تقبل، وأما الذرع لا يفيد التعيين والتقدير، ألا ترى أنه إذا اشترى أرضاً على أنها مائة ذراع، فوجدها مائتي ذراع إن الزيادة للمشتري أيضاً، فلم يكن الذرع من القبض في شيء، فكانت هذه شهادة على فعل غيرهما فقبلت. وفي «المنتقى» رواية بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن شهادة الكيالين باطلة. ادعى على آخر أنه أقرضه كر حنطة، وشهد شاهدان بهذا اللفظ: أين كندم بخران ما آورد وماكد أكس بودنم، فقيل: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما، وقيل: تقبل؛ لأنهما أضافا الفعل إلى المدعى عليه، حيث قالا: بخران ما آورد حتى لو قالا: ما آورديم بترديك دي بي دستوري دي، لا تقبل هذه الشهادة على قياس

стр. 3782

مسألة الكيال، وقيل: ينبغي أن يقال: إن قالا: مدعى عليه باما بود تقبل شهادتهما، وإن قالا: بأماني بود لا تقبل على قياس مسألة الوزان. قال ابن سماعة عن محمد في رجل اشترى من رجل عبدين شراءً صحيحاً أو فاسداً، فقبضهما المشتري وأعتقهما، ثم اختلف والمشتري في ثمن العبدين في البيع الصحيح، وفي قيمتهما في البيع الفاسد يوم قبضهما، فشهد هذان العبدان على ثمنهما أو على قيمتهما يوم قبضهما المشتري، فإنه لا تقبل شهادتهما. أما إذا شهدا على قيمتهما، فلأن هذه شهادة على صفتهما؛ لأن القيمة تزداد بزيادة وصف مرغوب وتنقص بنقصانه، فكانت الشهادة على زيادة القيمة شهادة على زيادة وصف مرغوب، وعلى نقصان القيمة شهادة بنقصان الوصف، فكانت هذه الشهادة قائمة لإثبات وصف فيهما، فكانت الشهادة لأنفسهما من حيث الحقيقة، فلا تقبل. وأما إذا شهدا على ثمنهما، فلأن الثمن تقدير لقيمة المبيع والمماثلة في ثمنه في جميع البياعات لتحقق المعادلة، وذلك (١٢٣ب٤) بأن لا يزول ملكه عن المبيع إلا ببدل يَعْدِله، وهو قدر قيمته، فالمتعاقدان إذا قدرا شيئاً من الأثمان صار ذلك بمنزلة تسمية القيمة التي هي للعين، وقد ذكرنا أن شهادتهما على قيمتهما غير مقبولة. وروي عن أبي يوسف أنه يقبل شهادتهما على زيادة الثمن أو نقصانه، ووجهه: أن الشهادة على الثمن شهادة على عقد جرى بين البائع والمشتري أوجب ذلك الثمن على المشتري، وذلك العقد وحكمه ليس بواقع للعبد، لتكون شهادته عليه شهادة على فعله، أو وصفه حتى يصير شاهداً لنفسه، يوضحه أن وجوبه وصحته يعتمد صحة القسمة في العقد، لا زيادة وصف ولا نقصانه، وقيام العقد بالعاقدين، فكانت شهادة على فعل غيرهما فتقبل. قال: ولو شهد العبدان بعد العتق أن المشتري وفّى البائع الثمن وهو يجحد ذلك، قبلت شهادتهما لأن هذه الشهادة لغيرهما، وهو المشتري ببراءته عن الثمن بسبب الإيفاء، وليس بينهما ما يمنع قبول الشهادة، فقبلت شهادتهما، قال: أرأيت لو شهدا أن البائع أبرأه عن الثمن ألم يكن جائزاً؟ وهذا إشارة إلى ما قلنا: إن المشهود به برأه المشتري من حيث الحقيقة، والبراءة عسى تكون بالاستيفاء، وعسى تكون بالإبراء، وكيف ما كان فهذه شهادة لغيرهما، وقد استجمع شرائط الجواز، فقبلت. قال: ولو أن رجلين شهدا أن فلاناً أمرهما أن يزوجا فلانة منه فزوجاها، أو شهدا أنه أمرهما أن يخلعا منه فلانة فخلعا، أو أمرهما أن يشتريا له عبداً فاشتريا فكل مسألة من هذه المسائل على ثلاثة أوجه: أن يجحد الموكل الأمر والعقد جميعاً، أو يقر بالأمر ويجحد العقد، أو يقر بهما، وكل وجه على وجهين: إما أن يكون الخصم يدعي العقد مع الوكيل في الفصول كلها أو يجحد. فإن كان الموكل جحد الأمر والعقد جميعاً لا تقبل هذه الشهادة في الفصول كلها؛ لأنها إن كانت شهادة صورة، فهي دعوى معنى؛ لأن الشاهد من يثبت الحق لغيره وههنا

стр. 3783

هما يثبتان الوكالة لأنفسهما، فكانا مدعيين لا شاهدين، فلا تقبل شهادتهما. فإن كان الآمر يقر بهما، فإن كان الخصم مقراً بالعقد، فالقاضي يقضي بذلك لا بشهادتهما، بل بتصادقهم، البيع والنكاح والخلع في ذلك على السواء. وإن كان الخصم يجحد العقد، فالقاضي لا يقضي بالبيع والنكاح، ويقضي في الخلع بالطلاق بغير مال لا بشهادتهما، ولكن بإقرار الزوج، وإنما لا يقضي بسائر العقود بشهادتهما؛ لأنهما يثبتان فعل أنفسهما، فكانا شاهدين لأنفسهما. وإن كان الآمر يقر بالأمر ولكن يجحد العقد، فإن (كان) الخصم مقراً، فإنه يقضي لأنفسهما في العقود كلها، إلا في النكاح عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن التوكيل ثبت بتصادقهما، والوكيل في هذه العقود إذا قال: فعلت وساعده الخصم، فإنه يثبت العقد وإن جحد الموكل إلا في النكاح، فإنه لا ينفذ إقرار الوكيل على الموكل بالنكاح عند أبي حنيفة ﵀ من غير تصديق الموكل، ويحتاج فيه إلى إثباته بالبينة، وإذا احتيج إلى البينة لا تقبل شهادة الوكيلين؛ لأنه يثبت فعل نفسه، فكان شاهداً لنفسه، وعندهما ينفذ إقرار الوكيل على الموكل، وإن كان الخصم جاحداً لا يقضى بشيء من العقد؛ لأنه إذا كان جاحداً يحتاج لإثباتهما إلى البينة، وشهادة الوكيلين لا تقبل؛ لأنهما يثبتان فعل أنفسهما. وإذا شهد رجلان بالمهر لأختهما بسبب تزويجهما وقالا: نشهد أنا زوجنا هذا أختنا بألف درهم، والزوج يجحد النكاح، أو قال كان المهر خمسمائة، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا بالمهر لأختهما بسبب تزويجها، فكان السبب مشهوداً به كالمهر، والشهادة على السبب شهادة على فعل نفسه، فلا تقبل. ولو أقر الزوج بالمهر والنكاح وادعى البراءة أو الأداء، فشهدا بذلك للزوج قبلت شهادتهما، لأنه لا تعلق لهذه الأشياء بفعلهما. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا اشترى الرجل عبدين وقبضهما وأعتقهما، وأراد أن يرجع بنقصان عيب قد أنكره البائع، فشهد العبدان أن هذا العيب كان بهما لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة بإثبات وصف فيهما وهو العيب، أو زوال صفة السلامة، وكيف ما كان لا يثبت بهذه الشهادة؛ لأنهما يشهدان لأنفسهما. وكذلك لو شهدا لرجل على المشتري أنه كان له نصفهما، فشهادتهما باطلة لوجهين: أحدهما: أنهما يشهدان لأنفسهما، فإنهما يثبتان انتقاض البيع في نصفهما لمكان الاستحقاق، والثاني: أن في قبول شهادتهما ابتداء إبطالها انتهاء؛ لأنا إذا قلنا: شهادتهما أبطلتا الإعتاق عن أنصافهما، فكانا معتقي البعض، ومعتق البعض بمنزلة المكاتب، ولا شهادة للمكاتب. وهذا على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن عنده الإعتاق متجزئ. وكذلك لو شهدا أن المشتري قد كان وهب نصف كل واحد منهما لرجل قبل أن يعتقهما لم أقبل شهادتهما، لأنا لو قبلنا شهادتهما بطل العتق عن أنصافهما، فكان بمنزلة

стр. 3784

المكاتب ولا شهادة للمكاتب، فكان في تصحيحها في الابتداء إبطالها في الانتهاء، ولأنهما يريدان إبطال العتق عن بعضه بعد ما كان ثابتاً من طريق الحكم، وقد ذكرنا أن شهادة الإنسان على إثبات صفة لنفسه، أو على نفي صفة عن نفسه لا تقبل. وكذلك أم ولد الرجل مات عنها أو أعتقها، فشهدت هي وامرأة ورجل أنها كانت بين الميت ورجل آخر لا أقبل شهادتها، ولا أقضي على المستولد بنصف قيمتها ونصف عقرها وهذه المسألة لا تخرّج على الطريقة الأولى في المسألة المتقدمة؛ لأنه ليس في تصحيح هذه الشهادة ابتداء إبطالها انتهاء، فإن أحد الشريكين إذا استولد الجارية المشتركة بينهما ملك نصيب صاحبه بالضمان، فنفذ الاستيلاد عليه حتى تعتق بموته، فلا يكون في قبولها ابتداء إبطالها انتهاء، وإنما تخرج على الطريقة الثانية؛ لأنهما بهذه الشهادة ينفيان ملك المستولد عن نصفهما، والملك صفة، وقد ذكرنا أن شهادة الإنسان على نفي صفة عن نفسه لا تقبل. وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة ﵀: رجل قال لعبده إن دخلت دار هذين الرجلين أو قال: إن مسست ثوبهما فأنت حر، ففعل العبد ذلك، فجاء الرجلان يشهدان على ذلك، فشهادتهما جائزة، لكن هذه الشهادة قامت على فعل العبد، وهو الدخول والمس، ولا تهمة في شهادتهما للعبد فقبلت، بخلاف ما إذا قال: إن كلمتما عبدي أو مسستما ثوبه فهو حر، فشهدا أنهما فعلا ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما. ولو قال لعبده: إن كلمت فلاناً وفلاناً فأنت حر، فشهدا أنه كلمهما لا تقبل شهادتهما، بخلاف ما لو قال له: إن دخلت دارهما، فشهدا على الدخول، حيث تقبل شهادتهما، والفرق: أن شهادتهما بكلامهما شهود بحضورهما؛ لأنه لا يتصور الكلام معهما إلا بحضورهما، ألا ترى أن من حلف لا يكلم فلاناً فكلمه وهو غائب لا يحنث في يمينه، وحضورهما فعلهما، فكانا شاهدين بفعل أنفسهما، فأما شهادتهما بدخوله الدار شهادة بفعل غيرهما؛ لأنه لا تعلق لدخوله الدار بهما، فكانا شاهدين بفعل غيرهما من كل وجه. وفي شهادات «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀: رجل قال: إن دخل داري هذه أحد، (فامرأتي طالق) ، فشهد ثلاثة نفر أو أربعة نفر أنهم دخلوا، فهذا على وجهين: إن قالوا دخلنا لا يقبل قولهم، ولا يحكم بحرية العبد؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم. وإن قال اثنان منهم: دخلنا ودخل هذا الثالث والرابع معنا قبل قولهم، وحكم بحرية العبد؛ لأن قول كل واحد منهم إخبار وشهادة، فيقبل قول كل واحد منهم في حق القضاء بالحرية من حيث إنه شهادة لا من حيث إنه خبر. وروى الحسن بن زياد فيمن حلف بعتق مماليكه أن لا يستقرض أبداً شيئاً، فشهد رجلان أنهما أقرضاه لا تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما، ولهما في هذه الشهادة منفعة، وكل ذلك مانع قبول الشهادة. ولو شهدا أنه طلب ذلك منهما، ولم

стр. 3785

يقرضاه قبلت شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل غيرهما؛ لأن الاستقراض طلب القرض، وإنه فعل المستقرض، ولا منفعة لهما في هذه الشهادة؛ لأنهما قالا: ما أقرضناه. ولو كان حلف لا يقرض فلاناً وفلاناً شيئاً، فشهدا أنه أقرضهما حنث في يمينه؛ لأنهما يشهدان على فعل غيرهما وهو الإقراض ولا تهمة فيها، فقبلت. وعن أبي يوسف ﵀ في رجل ادعى داراً في يدي رجل وشهد له شاهدان بها، وأنه كان أستأجرهما على بنائه وغير ذلك قبلت شهادتهما. ولو قالا: استأجرنا على هدمها، فهدمناها لم تقبل شهادتهما، وضمن المدعى عليه قيمة البناء؛ لأن في الفصل الثاني يدفعان عن أنفسهما مغرماً بشهادتهما؛ لأنهما يريدان بذلك إسقاط ضمان لزمهما بالهدم؛ لأن البناء للمدعى عليه، فظاهر اليد وهدم بناء الغير سبب للضمان، وشهادة دافع المغرم لا تقبل، فأما في الفصل الأول لا يدفعان عن أنفسهما مغرماً، ولا يجران إلى أنفسهما مغنماً، فقبلت شهادتهما، وعلى هذا يقاس نظائره. الفصل السادس: في شهادة الرجل على فعل من أفعال (١٢٤أ٤) ابنه، وشهادته لأبيه وأمّه وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا شهد ابنا القاضي على كتابه إلى قاض آخر من القضاة، أو على قضائه أو على شهادته وهو مدع أو ميت جاز ذلك. وفي «المنتقى» رواية إبراهيم عن محمد أنه لا يجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وعلى كتابه، كما لا يجوز شهادة الابن على شهادة أبيه. وفي «المنتقى» في باب من لا تجوز شهادته له: رواية الحسن بن مالك عن أبي حنيفة أنه قال: لا تجوز شهادة الولد على قضاء أبيه بأن شهدا أن أباه قضى لفلان بكذا، وتجوز شهادته على شهادة أبيه، قال: وهو قول أبي يوسف ﵀: وذكر بعد هذا في هذا الباب أيضاً: لو كان قاضياً يوم ما شهد الابن على قضائه أنه تجوز شهادته. وفي آخر هذا الباب عن أبي حنيفة أنه لا تجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وإن كان الأب قاضياً يوم الشهادة. والحاصل: أن شهادتهما على فعل أبيهما فعلاً ملزماً لا يقبل إذا كان للأب فيها منفعة بالاتفاق، يعني بها المنفعة المطلوبة من الشهادة، وإن لم يكن للأب فيه منفعة، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا تقبل شهادتهما، وعن محمد روايتان. وجه رواية القبول عنه أن شهادة الابن لأبيه إنما تقبل لمكان تهمة الميل، وذلك إنما تحقق فيما للأب فيه منفعة، والمنفعة المطلوبة من الشهادة في هذه الصورة إنما تحصل للمدعي لا للأب، ومنفعة نفاذ القول على الغير وظهور صدقه عند الناس غير معتبرة في إفادة التهمة المانعة من قبول الشهادة، ألا ترى أن الأب إذا شهد مع ابنه في حادثة قبلت
следующие страницы →