Полный текст (4 583 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
من القاضي، بل هي شهادة على فعلهما.
وذكر ابن سماعة في «نوادره» عن أبي يوسف: إذا شهد شاهدان أن فلاناً أمرنا أن نبلغ فلاناً أنه قد وكله ببيع عبده وقد أعلمناه، أو أمرنا أن نبلغ امرأته أنه جعل أمرهَا في يدها وبمعناها، وقد طلقت نفسها جازت شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل المرسل، فالرسول ينقل كلام المرسل فقد شهدا على فعل غيرهما، وقوله: فيقبل شهادتهما، وبمثله لو قالا: نشهد أنه قال لنا خيّرا امرأتي فخيرناها فاختارت نفسها، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا على فعل أنفسهما، وهو التخيير، فلا تقبل منهما، لأنه دعوى لا شهادة، بخلاف الأول، فإنهما شهدا على فعل المرسل على ما ذكرنا. وفيه أيضاً: إذا شهدا على فعل المرسل على ما ذكرنا.
وفيه أيضاً: إذا شهدا على رجل بمال أنه قبضه من آخر وهو ينكر، فشهدا على قبضه، وقالا: نحن وزناها عليه، قال إن كانا زعما أن ربّ المال كان حاضراً جازت شهادتهما، وإن لم يكن حاضراً عند الوزن لم تقبل شهادتهما، لأنه إذا كان حاضراً ينقل فعل الوزن إليه، فكان شاهداً على فعل غيره، فأما إذا كان غائباً تعذر إضافته إليه، فبقي الفعل مقصوراً عليه، فكان شاهداً على فعل نفسه، فلا تقبل شهادتهما، فالحاصل أن شهادة الإنسان على فعل نفسه لا تقبل إذا لم يكن ذلك الفعل منتقلاً إلى غيره سواء كان له منفعة في المشهود به أو لم يكن، فإذا كان فعله منقولاً إلى غيره تقبل شهادته عليه.
قال في «المنتقى» على طريق الاستشهاد: ألا ترى أنه لو وزن له الغريم ألف درهم ووضعها، وقال: خذها لك قد وفيتك، فقال المقضي له لرجل: ناولني هذه الدراهم فناوله، ثم شهدا على المقضي له أنه هو الذي دفع الدراهم إليه إن شهادته جائزة، وذكر هلال البصري في «الشروط» أنه لا تقبل شهادة الذي كال في المكيل، وتقبل شهادة الذي ذرع في المذروع.
ووجهه: أن الكيل من القبض؛ لأن للكيل أثراً في التعيين؛ لأن قدر المبيع إنما يعرف بالكيل، حتى لا يجوز البيع فيما سواه، ألا ترى أنه إذا اشترى صبرة حنطة على أنها كرّ، فوجدها كرين إن الزيادة لا تكون له بل تكون للبائع، والقبض لا يصح ولا يتم بدون التعيين والتقدير، فكان الكيل من جملة القبض، فكانت الشهادة على التعيين شهادة على فعل نفسه، وهو الكيل فلا تقبل، وأما الذرع لا يفيد التعيين والتقدير، ألا ترى أنه إذا اشترى أرضاً على أنها مائة ذراع، فوجدها مائتي ذراع إن الزيادة للمشتري أيضاً، فلم يكن الذرع من القبض في شيء، فكانت هذه شهادة على فعل غيرهما فقبلت.
وفي «المنتقى» رواية بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أن شهادة الكيالين باطلة.
ادعى على آخر أنه أقرضه كر حنطة، وشهد شاهدان بهذا اللفظ: أين كندم بخران ما آورد وماكد أكس بودنم، فقيل: لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما، وقيل: تقبل؛ لأنهما أضافا الفعل إلى المدعى عليه، حيث قالا: بخران ما آورد حتى لو قالا: ما آورديم بترديك دي بي دستوري دي، لا تقبل هذه الشهادة على قياس
стр. 3782
مسألة الكيال، وقيل: ينبغي أن يقال: إن قالا: مدعى عليه باما بود تقبل شهادتهما، وإن قالا: بأماني بود لا تقبل على قياس مسألة الوزان.
قال ابن سماعة عن محمد في رجل اشترى من رجل عبدين شراءً صحيحاً أو فاسداً، فقبضهما المشتري وأعتقهما، ثم اختلف والمشتري في ثمن العبدين في البيع الصحيح، وفي قيمتهما في البيع الفاسد يوم قبضهما، فشهد هذان العبدان على ثمنهما أو على قيمتهما يوم قبضهما المشتري، فإنه لا تقبل شهادتهما.
أما إذا شهدا على قيمتهما، فلأن هذه شهادة على صفتهما؛ لأن القيمة تزداد بزيادة وصف مرغوب وتنقص بنقصانه، فكانت الشهادة على زيادة القيمة شهادة على زيادة وصف مرغوب، وعلى نقصان القيمة شهادة بنقصان الوصف، فكانت هذه الشهادة قائمة لإثبات وصف فيهما، فكانت الشهادة لأنفسهما من حيث الحقيقة، فلا تقبل.
وأما إذا شهدا على ثمنهما، فلأن الثمن تقدير لقيمة المبيع والمماثلة في ثمنه في جميع البياعات لتحقق المعادلة، وذلك (١٢٣ب٤) بأن لا يزول ملكه عن المبيع إلا ببدل يَعْدِله، وهو قدر قيمته، فالمتعاقدان إذا قدرا شيئاً من الأثمان صار ذلك بمنزلة تسمية القيمة التي هي للعين، وقد ذكرنا أن شهادتهما على قيمتهما غير مقبولة.
وروي عن أبي يوسف أنه يقبل شهادتهما على زيادة الثمن أو نقصانه، ووجهه: أن الشهادة على الثمن شهادة على عقد جرى بين البائع والمشتري أوجب ذلك الثمن على المشتري، وذلك العقد وحكمه ليس بواقع للعبد، لتكون شهادته عليه شهادة على فعله، أو وصفه حتى يصير شاهداً لنفسه، يوضحه أن وجوبه وصحته يعتمد صحة القسمة في العقد، لا زيادة وصف ولا نقصانه، وقيام العقد بالعاقدين، فكانت شهادة على فعل غيرهما فتقبل.
قال: ولو شهد العبدان بعد العتق أن المشتري وفّى البائع الثمن وهو يجحد ذلك، قبلت شهادتهما لأن هذه الشهادة لغيرهما، وهو المشتري ببراءته عن الثمن بسبب الإيفاء، وليس بينهما ما يمنع قبول الشهادة، فقبلت شهادتهما، قال: أرأيت لو شهدا أن البائع أبرأه عن الثمن ألم يكن جائزاً؟ وهذا إشارة إلى ما قلنا: إن المشهود به برأه المشتري من حيث الحقيقة، والبراءة عسى تكون بالاستيفاء، وعسى تكون بالإبراء، وكيف ما كان فهذه شهادة لغيرهما، وقد استجمع شرائط الجواز، فقبلت.
قال: ولو أن رجلين شهدا أن فلاناً أمرهما أن يزوجا فلانة منه فزوجاها، أو شهدا أنه أمرهما أن يخلعا منه فلانة فخلعا، أو أمرهما أن يشتريا له عبداً فاشتريا فكل مسألة من هذه المسائل على ثلاثة أوجه: أن يجحد الموكل الأمر والعقد جميعاً، أو يقر بالأمر ويجحد العقد، أو يقر بهما، وكل وجه على وجهين: إما أن يكون الخصم يدعي العقد مع الوكيل في الفصول كلها أو يجحد.
فإن كان الموكل جحد الأمر والعقد جميعاً لا تقبل هذه الشهادة في الفصول كلها؛ لأنها إن كانت شهادة صورة، فهي دعوى معنى؛ لأن الشاهد من يثبت الحق لغيره وههنا
стр. 3783
هما يثبتان الوكالة لأنفسهما، فكانا مدعيين لا شاهدين، فلا تقبل شهادتهما.
فإن كان الآمر يقر بهما، فإن كان الخصم مقراً بالعقد، فالقاضي يقضي بذلك لا بشهادتهما، بل بتصادقهم، البيع والنكاح والخلع في ذلك على السواء. وإن كان الخصم يجحد العقد، فالقاضي لا يقضي بالبيع والنكاح، ويقضي في الخلع بالطلاق بغير مال لا بشهادتهما، ولكن بإقرار الزوج، وإنما لا يقضي بسائر العقود بشهادتهما؛ لأنهما يثبتان فعل أنفسهما، فكانا شاهدين لأنفسهما.
وإن كان الآمر يقر بالأمر ولكن يجحد العقد، فإن (كان) الخصم مقراً، فإنه يقضي لأنفسهما في العقود كلها، إلا في النكاح عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن التوكيل ثبت بتصادقهما، والوكيل في هذه العقود إذا قال: فعلت وساعده الخصم، فإنه يثبت العقد وإن جحد الموكل إلا في النكاح، فإنه لا ينفذ إقرار الوكيل على الموكل بالنكاح عند أبي حنيفة ﵀ من غير تصديق الموكل، ويحتاج فيه إلى إثباته بالبينة، وإذا احتيج إلى البينة لا تقبل شهادة الوكيلين؛ لأنه يثبت فعل نفسه، فكان شاهداً لنفسه، وعندهما ينفذ إقرار الوكيل على الموكل، وإن كان الخصم جاحداً لا يقضى بشيء من العقد؛ لأنه إذا كان جاحداً يحتاج لإثباتهما إلى البينة، وشهادة الوكيلين لا تقبل؛ لأنهما يثبتان فعل أنفسهما.
وإذا شهد رجلان بالمهر لأختهما بسبب تزويجهما وقالا: نشهد أنا زوجنا هذا أختنا بألف درهم، والزوج يجحد النكاح، أو قال كان المهر خمسمائة، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شهدا بالمهر لأختهما بسبب تزويجها، فكان السبب مشهوداً به كالمهر، والشهادة على السبب شهادة على فعل نفسه، فلا تقبل. ولو أقر الزوج بالمهر والنكاح وادعى البراءة أو الأداء، فشهدا بذلك للزوج قبلت شهادتهما، لأنه لا تعلق لهذه الأشياء بفعلهما.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف رحمهما الله: إذا اشترى الرجل عبدين وقبضهما وأعتقهما، وأراد أن يرجع بنقصان عيب قد أنكره البائع، فشهد العبدان أن هذا العيب كان بهما لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة بإثبات وصف فيهما وهو العيب، أو زوال صفة السلامة، وكيف ما كان لا يثبت بهذه الشهادة؛ لأنهما يشهدان لأنفسهما.
وكذلك لو شهدا لرجل على المشتري أنه كان له نصفهما، فشهادتهما باطلة لوجهين: أحدهما: أنهما يشهدان لأنفسهما، فإنهما يثبتان انتقاض البيع في نصفهما لمكان الاستحقاق، والثاني: أن في قبول شهادتهما ابتداء إبطالها انتهاء؛ لأنا إذا قلنا: شهادتهما أبطلتا الإعتاق عن أنصافهما، فكانا معتقي البعض، ومعتق البعض بمنزلة المكاتب، ولا شهادة للمكاتب. وهذا على قول أبي حنيفة ﵀؛ لأن عنده الإعتاق متجزئ.
وكذلك لو شهدا أن المشتري قد كان وهب نصف كل واحد منهما لرجل قبل أن يعتقهما لم أقبل شهادتهما، لأنا لو قبلنا شهادتهما بطل العتق عن أنصافهما، فكان بمنزلة
стр. 3784
المكاتب ولا شهادة للمكاتب، فكان في تصحيحها في الابتداء إبطالها في الانتهاء، ولأنهما يريدان إبطال العتق عن بعضه بعد ما كان ثابتاً من طريق الحكم، وقد ذكرنا أن شهادة الإنسان على إثبات صفة لنفسه، أو على نفي صفة عن نفسه لا تقبل.
وكذلك أم ولد الرجل مات عنها أو أعتقها، فشهدت هي وامرأة ورجل أنها كانت بين الميت ورجل آخر لا أقبل شهادتها، ولا أقضي على المستولد بنصف قيمتها ونصف عقرها وهذه المسألة لا تخرّج على الطريقة الأولى في المسألة المتقدمة؛ لأنه ليس في تصحيح هذه الشهادة ابتداء إبطالها انتهاء، فإن أحد الشريكين إذا استولد الجارية المشتركة بينهما ملك نصيب صاحبه بالضمان، فنفذ الاستيلاد عليه حتى تعتق بموته، فلا يكون في قبولها ابتداء إبطالها انتهاء، وإنما تخرج على الطريقة الثانية؛ لأنهما بهذه الشهادة ينفيان ملك المستولد عن نصفهما، والملك صفة، وقد ذكرنا أن شهادة الإنسان على نفي صفة عن نفسه لا تقبل.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن أبي يوسف: قال أبو حنيفة ﵀: رجل قال لعبده إن دخلت دار هذين الرجلين أو قال: إن مسست ثوبهما فأنت حر، ففعل العبد ذلك، فجاء الرجلان يشهدان على ذلك، فشهادتهما جائزة، لكن هذه الشهادة قامت على فعل العبد، وهو الدخول والمس، ولا تهمة في شهادتهما للعبد فقبلت، بخلاف ما إذا قال: إن كلمتما عبدي أو مسستما ثوبه فهو حر، فشهدا أنهما فعلا ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما.
ولو قال لعبده: إن كلمت فلاناً وفلاناً فأنت حر، فشهدا أنه كلمهما لا تقبل شهادتهما، بخلاف ما لو قال له: إن دخلت دارهما، فشهدا على الدخول، حيث تقبل شهادتهما، والفرق: أن شهادتهما بكلامهما شهود بحضورهما؛ لأنه لا يتصور الكلام معهما إلا بحضورهما، ألا ترى أن من حلف لا يكلم فلاناً فكلمه وهو غائب لا يحنث في يمينه، وحضورهما فعلهما، فكانا شاهدين بفعل أنفسهما، فأما شهادتهما بدخوله الدار شهادة بفعل غيرهما؛ لأنه لا تعلق لدخوله الدار بهما، فكانا شاهدين بفعل غيرهما من كل وجه.
وفي شهادات «المنتقى» عن أبي يوسف ﵀: رجل قال: إن دخل داري هذه أحد، (فامرأتي طالق) ، فشهد ثلاثة نفر أو أربعة نفر أنهم دخلوا، فهذا على وجهين: إن قالوا دخلنا لا يقبل قولهم، ولا يحكم بحرية العبد؛ لأنهم شهدوا على فعل أنفسهم. وإن قال اثنان منهم: دخلنا ودخل هذا الثالث والرابع معنا قبل قولهم، وحكم بحرية العبد؛ لأن قول كل واحد منهم إخبار وشهادة، فيقبل قول كل واحد منهم في حق القضاء بالحرية من حيث إنه شهادة لا من حيث إنه خبر.
وروى الحسن بن زياد فيمن حلف بعتق مماليكه أن لا يستقرض أبداً شيئاً، فشهد رجلان أنهما أقرضاه لا تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان على فعل أنفسهما، ولهما في هذه الشهادة منفعة، وكل ذلك مانع قبول الشهادة. ولو شهدا أنه طلب ذلك منهما، ولم
стр. 3785
يقرضاه قبلت شهادتهما؛ لأنهما يشهدان على فعل غيرهما؛ لأن الاستقراض طلب القرض، وإنه فعل المستقرض، ولا منفعة لهما في هذه الشهادة؛ لأنهما قالا: ما أقرضناه.
ولو كان حلف لا يقرض فلاناً وفلاناً شيئاً، فشهدا أنه أقرضهما حنث في يمينه؛ لأنهما يشهدان على فعل غيرهما وهو الإقراض ولا تهمة فيها، فقبلت.
وعن أبي يوسف ﵀ في رجل ادعى داراً في يدي رجل وشهد له شاهدان بها، وأنه كان أستأجرهما على بنائه وغير ذلك قبلت شهادتهما. ولو قالا: استأجرنا على هدمها، فهدمناها لم تقبل شهادتهما، وضمن المدعى عليه قيمة البناء؛ لأن في الفصل الثاني يدفعان عن أنفسهما مغرماً بشهادتهما؛ لأنهما يريدان بذلك إسقاط ضمان لزمهما بالهدم؛ لأن البناء للمدعى عليه، فظاهر اليد وهدم بناء الغير سبب للضمان، وشهادة دافع المغرم لا تقبل، فأما في الفصل الأول لا يدفعان عن أنفسهما مغرماً، ولا يجران إلى أنفسهما مغنماً، فقبلت شهادتهما، وعلى هذا يقاس نظائره.
الفصل السادس: في شهادة الرجل على فعل من أفعال (١٢٤أ٤) ابنه، وشهادته لأبيه وأمّه
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: إذا شهد ابنا القاضي على كتابه إلى قاض آخر من القضاة، أو على قضائه أو على شهادته وهو مدع أو ميت جاز ذلك.
وفي «المنتقى» رواية إبراهيم عن محمد أنه لا يجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وعلى كتابه، كما لا يجوز شهادة الابن على شهادة أبيه. وفي «المنتقى» في باب من لا تجوز شهادته له: رواية الحسن بن مالك عن أبي حنيفة أنه قال: لا تجوز شهادة الولد على قضاء أبيه بأن شهدا أن أباه قضى لفلان بكذا، وتجوز شهادته على شهادة أبيه، قال: وهو قول أبي يوسف ﵀: وذكر بعد هذا في هذا الباب أيضاً: لو كان قاضياً يوم ما شهد الابن على قضائه أنه تجوز شهادته. وفي آخر هذا الباب عن أبي حنيفة أنه لا تجوز شهادة الابن على قضاء أبيه وإن كان الأب قاضياً يوم الشهادة.
والحاصل: أن شهادتهما على فعل أبيهما فعلاً ملزماً لا يقبل إذا كان للأب فيها منفعة بالاتفاق، يعني بها المنفعة المطلوبة من الشهادة، وإن لم يكن للأب فيه منفعة، فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لا تقبل شهادتهما، وعن محمد روايتان.
وجه رواية القبول عنه أن شهادة الابن لأبيه إنما تقبل لمكان تهمة الميل، وذلك إنما تحقق فيما للأب فيه منفعة، والمنفعة المطلوبة من الشهادة في هذه الصورة إنما تحصل للمدعي لا للأب، ومنفعة نفاذ القول على الغير وظهور صدقه عند الناس غير معتبرة في إفادة التهمة المانعة من قبول الشهادة، ألا ترى أن الأب إذا شهد مع ابنه في حادثة قبلت
стр. 3786
شهادتهما، ولولا شهادة الابن لكان لا تقبل شهادة الأب، فالابن بهذه الشهادة يسعى إلى إظهار صدقة، وتنفيذ قوله على الخصم، ولم يمنع ذلك قبول شهادته كذا ههنا.
وجه قول أبي حنيفة وأبي يوسف قوله ﵇: «لا تقبل شهادة الولد لوالده» ، وإذا شهد على فعل والده فقد شهد له بإثبات فعله، ولأنه متهم في هذه الشهادة، لأن للأب فيه منفعة، وهو نفاذ قضائه وظهور صدقه إذا كان يدعى، ومنفعة ظهور الصدق فوق سائر المنافع، وأقوى في إيراث الشبهة وإيقاع التهمة.
ثم إن أبا حنيفة وأبا يوسف فرقا بين شهادتهما على شهادة أبيهما وبين شهادتهما على قضاء أبيهما، والفرق أن الشهادة ليست بملزمة والقضاء ملزم، وقد احتج أبو يوسف على محمد فقال: الابن جزء الأب، فشهادته على فعل أبيه كشهادة الأب على نفسه من حيث الحكم والاعتبار، وشهادة الأب على فعل نفسه لا تقبل، فكذا شهادة الابن على فعله.
ولو قال لعبده إن كلمك فلان فأنت حر، فادعى فلان أنه كلمه العبد، وشهد ابناه بذلك لا تقبل الشهادة عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وفي إحدى الروايتين عن محمد تقبل.
وإذا قال لرجلين: إذا دخلتما هذه الدار فعبدي حر فماتا، فشهد ابناهما أن أبويهما قد دخلا الدار فهو على الخلاف الذي ذكرنا، قال: ولو أنكر الأبوان وهما حيان جازت شهادة الابنين على دخولهما بلا خلاف؛ لأنهما صارا مشهوداً عليهما بالدخول عند الجحود، وتلك المنفعة التي صورناها عند دعواهما، وهو ظهور صدقهما، وتنفيذ قولهما لا تتحقق ههنا، فكانت شهادة على الأب فقبلت، وهذا هو الحكم في كل شيء شهد الابن به يثبت بشهادته فعلاً من أبيه: من نكاح أو طلاق أو بيع أو غير ذلك إنه لا تجوز شهادته إذا كان الأب حياً يدعي أو ميتاً كان عندهما، وإن كان حياً وهو ينكر تقبل شهادتهما بلا خلاف؛ لأن مع جحوده لا يمكن أن يجعل هذا شهادة للأب، بل يكون شهادة على الأب.
وإذا شهد ابنا الوكيل على عقد الوكيل، فهو على ثلاثة أوجه، الأول: أن يقر الموكل والوكيل بالأمر والعقد جميعاً، وإنه على وجهين: إن كان الخصم يدعي ذلك كله، فالقاضي يقضي بالعقود كلها، ولكن بتصادقهم لا بالشهادة، وإن كان الخصم ينكر ذلك، فإن على قول أبي حنيفة وأبي يوسف لا تقبل شهادتهما، ولا يقضي بشيء من هذه العقود إلا في الخلع، فإن هناك يقضى بالطلاق بغير مال لإقرار الزوج وهو الموكل.
وعلى قول محمد ﵀ في إحدى الروايتين: يقضى بالعقود كلها إلا بعقد ترجع الحقوق فيه إلى العاقد، كالبيع وما أشبهه؛ لأن الحقوق إذا كانت ترجع إلى الأب كان للأب فيه منفعة، وكان الشهادة واقعة للأب، فأما كل عقد لا ترجع حقوقه إلى العاقد
стр. 3787
لا يكون للأب فيه منفعة سوى تنفيذ القول، وهذه المنفعة عند محمد ﵀ لا تصلح مانعة قبول الشهادة في إحدى الروايتين.
وإن كان الوكيل والموكل يجحدان ذلك كله، فإن كان الخصم يجحد أيضاً لا يلتفت إلى هذه الشهادة، لأنها خلت عن الدعوى. وإن كان الخصم يدعي تقبل شهادتهما عندهم جميعاً، لأنه لا منفعة للأب في هذه الشهادة، بل له فيه ضرر؛ لأنه ثبت كذبه، فكانت شهادة على الأب، والشهادة على الأب مقبولة.
وإن كان الوكيل يقر بكلا الأمرين والموكل يدعي الأمر ويجحد العقد، فإن كان الخصم يدعي ذلك، فإنه يقضي بالعقود كلها إلا في النكاح على قول أبي حنيفة؛ لأن عنده إقرار الوكيل على موكله بالعقود كلها صحيح إلا بالنكاح، فتقع الحاجة إلى إثباته بالبينة، وشهادة ابن الوكيل على ذلك لا تقبل. وعندهما القاضي يقضي بالعقود كلها؛ لأن إقرار الوكيل على الموكل بالعقود كلها صحيح، ولا يحتاج فيه إلى البينة.
وإذا جعل الرجل أمر امرأته بيد أبيها و (..........) أنه طلقها والآمر حي يدعي ذلك، أو ميت لا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة (وأبي) يوسف رحمهما الله، يقول جعل أمر امرأته بيد أجنبي توكيل له بالطلاق، وقد بينا هذه المسألة، ثم جعل موت الموكل بمنزلة ادعائه حال حياته، وعن أبي يوسف أن غيبته بمنزلة موته، ووجه ذلك: أن المانع من القبول وقوع الشهادة للأب، فإذا كان الأب حياً يدعي، فالشهادة واقعة بإثبات فعله، وإذا كان حياً وهو يجحد، فالشهادة واقعة عليه. وإذا لم يعرف جحوده بأن مات أو غاب كانت الشهادة واقعة للأب باعتبار الأصل حيث إن فيها إثبات فعله فلا تقبل.
قال محمد ﵀ في «الجامع» : رجلان شهدا أن أباهما طلق أمهما، فإن كان الأب يدعي، فلا حاجة إلى الشهادة؛ لأنه أقر على نفسه بالطلاق، وإن كان الأب يجحد تقبل شهادتهما، لأن الطلاق في حق الأم دائر بين الضرر والنفع، من حيث إن به يحصل لها الخلاص عن حبالة الزوج، ويرتفع عنها قيد النكاح نفع، من حيث إن ثمرات النكاح ومقاصده وحقوقه مشتركة بين الزوجين، والطلاق يبطل ذلك عليها ضرر، وكل منفعة يشوبها ضرر تترجح المنفعة بالدعوى والضرر بالجحود؛ لأن أحداً لا يجحد ما ينفعه ولا يدعي ما يضره، فإن ادعت الأم الطلاق يرجح النفع فيها على الضرر، فكانت الشهادة واقعة للأم، وإن جحدت ذلك يرجح الضرر على النفع، فكانت الشهادة واقعة على الأم فقبلت.
وفي «فتاوى شمس الإسلام الأوزجندي» ﵀ أن الأم إذا ادعت الطلاق تقبل شهادتهما، قال: وهو الأصح؛ لأن دعواها لغو، فإن الشهادة على الطلاق تقبل حسبة من غير دعواها، فصار دعواها لغواً، فجعل وجودها وعدمها بمنزلة، ولو عدم دعواها تقبل
стр. 3788
شهادتهما فههنا كذلك. قال مولانا تغمده الله بالرحمة: وعندي أن ما ذكرنا في «الجامع» أصح.
ولو أن رجلين شهدا أن امرأة أبيهما ارتدت عن الإسلام، والمرأة تنكر ذلك، فإن كانت أمّهما حية وهي في نكاح أبيهما لا تقبل الشهادة ادعى الأب ذلك أو جحد، أما إذا ادعى فلأن هذه الشهادة وقعت للأب، بيانه: أن الأب لما ادعى الردّة عليها، فقد ادعى سقوط جميع الصداق إن لم يكن مدخولاً بها، وسقوط نفقة العدة إن كانت مدخولاً بها، إلا أنه لا يصدق على ذلك إذا لم تصدقه المرأة فهما بهذه الشهادة يثبتان ذلك. وأما إذا كان الأب يجحد، فلأن هذه الشهادة وقعت للأم لخلوص الفراش لها، وهذه منفعة لا يشوبها ضرر فمنعت قبول الشهادة ادعت الأم ذلك أو جحدت.
وإن كانت أمهما ميتة، فإن ادعى الأب ذلك لا تقبل شهادتهما، وإن جحد تقبل؛ لأنه لا منفعة للأمّ في هذه الشهادة، فتعين جانب الأب، وفي جانب الأب يترجح النفع بالدعوى والضرر بالجحود.
وإن شهدا أن أباهما خالع أمهما على صداقها، فإِن ادعى الأب ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان لأبيهما، لأن الطلاق قد وقع بإقرار الأب، بقيت هذه الشهادة لبراءة الأب عن الصداق كلاً أو بعضاً، فلا تقبل. وإن جحد الأب ذلك، فإِن كانت الأم تدعي ذلك لا تقبل شهادتهما، وإِن كانت تجحد تقبل شهادتهما لما ذكرنا.
وإن شهدا أن أباهما خالع امرأته وأنها ميتة، فإن كان الأب يدعي لا تقبل شهادتهما، وإن كان يجحد تقبل شهادتهما.
ولو أن رجلاً تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول بها، ثم تزوجها مرة أخرى، فشهد ابناه أنه كان طلقها ثلاثاً في (١٢٤ب٤) النكاح الأول، وتزوجت ثانياً قبل أن تتزوج بزوج آخر، فهذه المسألة أيضاً لا تخلو من الوجوه التي ذكرناها من دعوى الأب أو إنكاره، ومن دعوى المرأة أو إنكارها، فإن صدقته المرأة ثبتت الفرقة وسقط جميع المهر بتصادقهما، فوقع الاستغناء عن الشهادة، وإن أنكرت المرأة لا تقبل شهادتهما؛ لأن هذه الشهادة واقعة للأب.
بيانه: أن الحرمة وإِن ثبتت بإقرار الزوج إلا أنه لزمه نصف المهر؛ لأن النكاح صحيح بظاهر الحال، فالفرقة فيه بالطلاق قبل الدخول توجب نصف المهر، فلو قبلنا شهادتهما سقط المهر كله؛ لأن النكاح في المطلقة ثلاثاً لا يوجب المهر، إلا إذا اتصل به الدخول، ولم يوجد الدخول، فكانت هذه شهادة للأب من هذا الوجه، فلم يقبل. وإن أنكر الأب تقبل شهادتهما ادعت المرأة بذلك أو أنكرت؛ لأنه إن كان في هذه الشهادة منفعة الأب لسقوط جميع الصداق، ففيه ضرر له أيضاً بزوال ملك النكاح، وقد بينا أن فيما يدور بين النفع والضرر تعتبر الدعوى والإنكار، وعند الإنكار يترجح جانب الضرر، فكانت شهادة على الأب، وسقط جميع الصداق عنه ضرورة قبول الشهادة على الطلاقات.
ثم في هذه المسائل إنما قلنا: (تقبل) شهادتهما وإن لم يسبق دعوى أحد ما شهدا به؛
стр. 3789
لأنه شهادة على تحريم الفرج، وإنه حق الله تعالى، والشهادة في حقوق الله تعالى تقبل حسبة من غير دعوى.
ولو أن أمة لرجل شهد ابناها وهما حران مسلمان أن مولاها أعتقها على ألف درهم، فإن ادعى المولى ذلك، فالعتق واقع بإقراره، فتمحض هذا شهادة على أمهما بالمال فقبلت، وإن أنكر المولى، فإِن ادعت لا تقبل شهادتهما وإِن أنكرت تقبل شهادتهما؛ لأن العتق على مال دار بين الضرر والنفع في زوال الملك والرق عنها والضرر في لزوم المال عليها، فيعتبر جانب النفع عند الدعوى، فتكون الشهادة لها، ويعتبر جانب الضرر عند الإنكار، فتكون شهادة عليها فتقبل، أكثر ما فيه أن هذه الشهادة خلت عن الدعوى، إلا أن الشهادة على عتق الأمة تقبل من غير الدعوى، ومتى ثبت العتق وجب المال؛ لأنه بيع المعتق.
وإِن شهد ابنا المولى بذلك، فإن ادعى المولى لا تقبل؛ لأن العتق يقع بإقراره والشهادة بالمال شهادة لأبيهما، وإن أنكر المولى قبلت شهادتهما؛ لأن العتق دائر بين الضرر والنفع في حق المولى، فيترجح جانب الضرر بالإنكار في حقه، فكان شهادة على الأب.
ولو كان مكان الجارية غلاماً، وقد شهد ابنا المولى بذلك، وأنكر المولى والغلام ذلك لا تقبل شهادتهما عند أبي حنيفة ﵀؛ لأن هذه شهادة على عتق، وعنده الدعوى من العبد على شرط قبول الشهادة، وعندهما تقبل الشهادة؛ لأن دعوى العبد عندهما ليس بشرط.
ولو شهد رجلان أن أباهما باع هذه الجارية من هذا الرجل، أو قال هذا العبد، فأعتقه المشتري هذا، فإن ادعى الأب ذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأن البيع دائر بين الضرر والنفع في حق المولى، لما فيه من زوال ملكه إلى خلف، فيعتبر النفع عند الدعوى، فكانت هذه شهادة لأبيهما، ولكن يعتق العبد؛ لأن البائع مالكه ظاهراً وقد أضاف المعتق بإقراره إلى من زعمه مالكاً، فنفذ إقراره عليه، والولاء موقوف؛ لأنه تعذر إثباته من جهة المشتري لإنكاره ومن البائع؛ لأنه أقر بالعتق على غيره، ويعتبر قبول الشهادة على الولاء على المشتري؛ لأنه لا بد لذلك من إثبات الشراء منه، وفي ذلك نفع للبائع، فلا تقبل شهادة ابنيه في ذلك.
وإِن أنكر الأب وادعت الجارية وأنكر المشتري أيضاً أو هو غائب، فشهادتهما جائزة؛ لأن عند الإنكار يترجح جانب الضرر، فكانت شهادة على أبيهما فقبلت، ولا يقال بأنه قضاء على الغائب بالشراء أو للغائب، أو قضاء بالشراء عند حضرة المشتري من غير دعوى، والبينة في الشراء لا تقبل من غير دعوى الخصم؛ لأنه من حقوق العباد؛ لأنا نقول هذه البينة قامت بعد دعوى صحيحة من خصم، وهي الجارية؛ لأنها ادعت العين من جهة المشتري، ولا يتوصل إلى إثبات العتق لنفسه، فكأن هذه البينة قائمة من خصم على خصم فقبلت وقضي بالشراء؛ لأنه يثبت بيعاً للعتق، ووجب للبائع الثمن على المشتري ضرورة إثبات الشراء.
стр. 3790
وفي كتاب «الأقضية» : ذكر ابن سماعة عن محمد ﵀ في رجل ضمن لرجل ما باع فلاناً من شيء، فقال الطالب: قد بايعت فلاناً بيعاً بألف درهم، فجحد الضامن ذلك، فشهد عليه ابناه أنه قد بايعه بيعاً بألف درهم، فإن شهادتهما جائزة؛ لأن هذه شهادة على أبيهما فقبلت، وكذلك إذا جحد الضامن، فشهد ابناه أن فلاناً أمرك أن تضمن عنه وأنك ضمنت عنه لفلان ما باعه من شيء، وقد باعه بيعاً بألف درهم، قال: شهادتهما جائزة، ويؤخذ بالألف ويرجع بها على الذي أمره أن يضمن عليه، فقد جوزت شهادتهما على الضمان وعلى الأمر، حتى قال: يؤخذ بالألف ويرجع بها على الذي أمره أن يضمن عنه.
أما قبول الشهادة على الضمان فظاهر، وأما قبول الشهادة على الأمر ورجوع الأب على الأمر بالضمان مشكل، أما الشهادة على الأمر فوجهين: أحدهما: أن الشهادة في حقوق العبد لا تقبل إلا بعد سابقة الدعوى ولم يوجد؛ لأن الضامن يجحد الأمر والضمان جميعاً، ولا حق للطالب في الأمر ليدعيه، فكيف تقبل هذه الشهادة. والثاني: أن الشهادة على الأمر شهادة لأبيهما؛ لأن فيه منفعة خالصة من غير شوب مضرة، فإنه يرجع بما يؤدي على الأمر والشهادة لأبيهما لا يجوز أن تقبل.
وأما رجوع الأب على الذي عليه الأصل مشكل؛ لأن في زعمه أنه لا رجوع له على الذي عليه الأصل الجواب عنه: أما الأول فنقول هذه شهادة بعدَ دعوى صحيحة من الطالب، فإنه يدعي الضمان بأمر، وهو أحد نوعي الضمان، وقد أثبت ذلك بهذه البينة.
قوله: لا حق للطالب في الأمر، فكيف يعتبر دعواه، قلنا: ليس كذلك، بل للطالب فيه حق، فإنه لو ثبت الأمر بتساهل الكفيل في الأداء لأنه إنما يؤدي بعوض، وإذا لم يثبت الأمر يؤدي بغير عوض، فيتعاسر في المدا فثبت أن له حقاً في الكفالة والأمر جميعاً، فصحت دعواه وقبلت هذه البينة لما قلنا إنهما شهادة على أبيهما.
قوله: بأن الشهادة بالأمر شهادة لأبيهما، فإنه يرجع بما يؤدي على الأمر، قلنا: فيه روايتان، في رواية: لا يرجع به عند الأداء، ووجهه ما ذكرنا في الإشكال، وعلى هذه الرواية يرجع به، ووجه قبول هذه الشهادة أن هذه شهادة على الأب؛ لأن الكفالة بأمر دائر بين الضرر والنفع من حيث إنه يجب عليه الأداء من ماله فيه ضرر، ومن حيث إنه يستوجب الرجوع به على الأصيل فيه نفع، ولكن قد ذكرنا أن المنفعة المجحودة لا عبرة لها، وهي مجحودة ههنا، فلهذا اعتبرناها شهادة على أبيهما. وقوله: بأن من زعمه أنه ليس له حق الرجوع على الأصيل، فكيف يرجع إليه، قلنا: صار مكذباً في زعمه، حيث قضى القاضي بخلافه عليه، فلا يعتبر زعمه أصلاً.
قال في كتاب «الحوالة» : رجل كفل عن رجل بمال بأمره، فشهد على ذلك ابنا المطلوب الذي عليه الأصل، فهو جائز ويؤاخذ الكفيل بالمال، وإذا أدى يرجع على الذي عليه الأصل، أما جواز شهادتهما في حق الكفيل، فلأنهما أجنبيان عنه غير متهمين في حقه، فقبلت شهادتهما، وأما في حق الأصيل بالرجوع عليه؛ لأنها شهادة على أبيهما، فقبلت.
стр. 3791
ولو كان الشهود أبناء الكفيل، فإِن ادعى الكفيل ذلك فقد ثبتت الكفالة بإقراره، فوقع الاستغناء عن الشهادة، وإنما يحتاج إلى الشهادة لإثبات الأمر، وإنه شهادة لأبيهما من حيث إنه يثبت له حق الرجوع على الذي عليه الأصل، فلم تقبل. وإن جحد الكفالة قبلت شهادتهما، لأنها شهادة على أبيهما، فإِن أدى رجع على الأصيل؛ لأن الثابت بشهادتهما أحد نوعي الكفالة، وهو الكفالة بأمر، وقد ثبتت شهادتهما؛ لأنها عليه؛ لأن هذه الكفالة وإن ترددت بين الضرر والنفع في حقه باعتبار حق الرجوع عند الأداء، ولكنها لما كانت مجحودة لم يعتبر النفع، فبقي شهادة على أبيهما فقبلت لهذا. وإذا ثبتت الكفالة والأمر استحق الرجوع لما ذكرنا من الأمثلة.
قال ابن سماعة عن محمد ﵀ في رجل ادعى أن له على رجل ألف درهم، وضمنها عنه ثلاثة نفر، قال ابن سماعة: وكل واحد منهم كفيل ضامن عن صاحبه بأمره، فأخذ الطالب أحد الضمناء الثلاثة، فشهد عليه ابنا الضامنين الأخيرين أن لهذا الطالب على فلان ألف درهم، وأن أبوينا وهذا ضمنوا عنه لهذا بأمره، وكل واحد منهم ضامن عن صاحبه بأمره، وأبواهما غائبين، فإني أقضي الساعة على هذا الضامن الحاضر بألف درهم، وإذا (١٢٥أ٤) أدى رجع بها على الذي عليه الأصل؛ لأنه لا تهمة في شهادتهما لا على الحاضر ولا على الأصيل؛ لأنهما أجنبيان عنه لا ينتفعان بشهادتهما بوجه ما، فلا يكونان متهمين فيها، فقبلت شهادتهما ثبت المشهود به، والمشهود به الكفالة بأمره، وإنه يقتضي الرجوع عند الأداء، فإذا أدى رجع بها على الأصيل، وأما شهادتهما على أبويهما بالضمان، فحكمها موقوف؛ لأن الكفالة بأمرهِ مترددة بين النفع والضرر، وإنما يترجح أحدهما على الآخر بالدعوى أو الإنكار، فيوقف إلى حضورهما حتى يُنظر أيقران بذلك أم ينكران؟ فإذا حضرا فإن جحدا ذلك قبلت شهادتهما؛ لأنه يرجح جانب الضرر، فكانت شهادة عليهما وإن ادعيا لم تقبل؛ لأنه ترجح جانب النفع في شهادتهما، فكانت شهادة لأبيهما فلا تقبل، ولكن بقيت الشهادة على الضامن الثالث مقبولة لخلوها عن التهمة، فإن أداها الثالث وأراد أن يرجع على أبوي الشاهدين بحصتهما كان له ذلك؛ لأنهما قد أقرا بالضمان والأمر، وإقرارهما حجة عليهما، فإن رجع عليهما لم يرجعا على الأصيل بشيء إذا جحد الأصيل أن يكونا ضمنا عنه بأمره؛ لأن إقرارهما بالضمان صح؛ لأنه إقرار على أنفسهما، فأما بالأمر فلأنه إقرار على الأصيل، ولا يجوز أن يكون الإقرار حجة على غير المقر، وكذلك إذا ضمنهما الطالب لم يرجعا على الأصيل، ولا على الضامن الثالث إذا جحد الأمر؛ لأن ضمانهما إنما ثبت بالإقرار، وإنه حجة قاصرة، فلا يعدوهما، فلا يثبت الأمر به، والرجوع من حكم
الأمر بالضمان.
قال ابن سماعة عن محمد رحمهما الله في رجل اشترى من رجل عبداً فأعتقه، فاشترى ذلك العبد عبداً فأعتقه، فاشترى ذلك العبد عبداً فأعتقه فمات المولى الأسفل، والأوسط والأعلى حيان، فأقام رجل البينة أن الميت عبده، وأراد أخذ تركته، فشهد ابنا المولى الأعلى أن الأوسط اشتراه من فلان وهو يملكه، فأعتقه جازت شهادتهما؛ لأن
стр. 3792
هذه الشهادة إنما قامت من حيث الحقيقة لإثبات الولاء لمولى أبيهما دون أبيهما فقبلت، أقصى ما في الباب أنه يثبت نسبة الولاء إلى أبيهما إذا ثبت الولاء لمولى أبيهما، ولكن المعتبر في رد الشهادة وقبولها النظر إلى ما وقعت عليه الشهادة دون غيرهما، وباعتباره ما قامت هذه الشهادة لأبيهما فقبلت.
ألا ترى أنه إذا شهدا لأخيه بمال تقبل شهادته، والمشهود به إذا ثبت للأخ ثبت للأب فيه حق بملك، وشهادته لأبيه غير مقبولة، لكن لما كان نفس المشهود به حق الأخ دون الأب تقبل شهادته، وإن كان يفضي إلى إثبات الحق للأب، كذا هذا.
وإن كان المولى الأوسط مات أيضاً ولم يترك وارثاً إلا المولى الأعلى؛ لأن بموت الأوسط أنجز الولاء إلى الأعلى فقد شهدا لأبيهما بالميراث فلا تقبل، ولا تعتبر الدعوى والإنكار من المولى الأعلى؛ لأن هذه شهادة بما ينفعه من كل وجه، وإنما يعتبر الإنكار والدعوى فيما يدور بين الضرر والنفع.
ولو مات المولى الأوسط ثم مات المولى الأسفل، ولم يترك وارثاً إلا ابنتاً له والمولى الأعلى، فادعى رجل أن المولى الأسفل كان عبداً له، وأقام البينة وادعت الابنة أنه كان حراً، وأن المولى الأوسط اعتقه وهو يملكه، والمولى الأعلى ينكر ذلك، فشهد ابنا المولى الأعلى أن الأوسط اشتراه من فلان وهو يملكه ثم أعتقه، فإني أجيز شهادتهما وأجعله حراً من المولى الأوسط، ويكون الميراث بين ابنته والمولى الأعلى نصفان، وإنما شرط إنكار الأب لجواز شهادتهما؛ لأن عند إنكاره تمحض هذه الشهادة للأبنة فوجب قبولها. وإذا قضى بها ثبت الولاء للمولى الأعلى بواسطة الأوسط، فكان الميراث للابنة ونصفه للمولى الأعلى بالعصوبة من جهة الولاء.
واستشهد لهذا برجل شهد عليه ابناه أن هذا ابنه وهو ينكر ذلك، إني أجيز شهادتهما لأن شهادتهما؛ قامت على الأب، وإذا جازت شهادتهما ثبت نسبه منه، فإن مات هذا الابن ورثه منه وإن أنكر ثبوته؛ لأنه صار مكذباً بقضاء القاضي، فلا يبقى لزعمه عبرة.
وإذا اشترى الرجل عبداً وقبضه ودفع الثمن، فادعى العبد أن البائع كان اعتقه قبل أن يبيعه منه، وشهد له بذلك ابنا البائع، فإني لا أعجل بعتق العبد حتى يقدم البائع وأسأله؛ لأن فيه منفعة للبائع، من حيث ثبوت الولاء له، ومضرة له، فإنه يسترد الثمن من يده لبطلان البيع، وقد ذكرنا أن شهادة الابن فيما يتردد بين الضرر والنفع يتوقف على إنكار الأب. وإِذا حضر وأنكر العتق قبلت شهادتهما وبطل البيع؛ لأنه ظهر أنه باع الحر، ووجب على البائع رد الثمن؛ لأنه قبضه على جهة الوجوب بحكم البيع، وقد ظهر أنه لم يكن فيرده عليه، وليس لأحد أن يقول: ينبغي أن يقضي القاضي بعتق العبد للحال؛ لأن الحال لا يخلو إما أن يكون البائع مقراً بالعتق أو كان جاحداً له، إن كان جاحداً له كانت البينة مقبولة عليه، فيقضي القاضي عليه بالعتق بالبينة، وإن كان مقراً فالقاضي يقضي عليه بإقراره، فجواز القضاء بالعتق عليه متيقن؛ لأنا نقول: حكم الإقرار يخالف حكم البينة، فيتوقف القاضي في القضاء بالعتق إلى حضرة البائع ليعلم أنه يقضي بالإقرار أو بالبينة.
стр. 3793
قال في كتاب «الأقضية» رجل عليه مال لرجل شهد ابنا المطلوب أن الطالب أبرأ أبانا عنه، أو احتال به على فلان والطالب منكر، فنقول: لا شك أن شهادتهما بالإبراء لا تقبل؛ لأنهما يشهدان للأب، وأما الشهادة بالحوالة، فإن كانت الحوالة بغير أمر لا تقبل؛ لأنهما شهدا بإبراء الأب بغير عوض؛ لأن الحوالة إذا كانت بغير أمر حتى أدى المحتال عليه المال لا يرجع على الأصيل بشيء، وإن كانت الحوالة بأمر، فقد تردد بين أن تكون شهادة لأبيهما وبين (حيث) أن يرجع المحتال عليه عند الأداء إن لم يكن له على المحتال عليه دين، ويسقط دينه عن المحتال عليه إن كان له دين عليه كانت شهادة على أبيهما، فيعتبر فيه الدعوى والإنكار للرد والقبول، هكذا ذكر في كتاب «الأقضية» : وعندي أن الشهادة لا تقبل في هذه الصورة ادعى الأب أو جحد، إن ادعى فلأن هذه شهادة للأب، وإن جحد فلأن هذه شهادة خلت عن الدعوى.
ولو كان المال على غير أبيهما، فشهدا أن الطالب احتال به على أبيهما والطالب ينكر، والمطلوب يدعي، إن كانت الحوالة بغير أمر تقبل شهادتهما؛ لأن هذه شهادة على أبيهما، فإنه لا رجوع له عند الأداء، وإن كانت الحوالة بأمر فقد تردد بين أن تكون شهادة لأبيهما أو على أبيهما، فإن ادعى لا تقبل شهادتهما، وإِن أنكر تقبل.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل باع داراً ولم يقبضها المشتري حتى جاء شفيع الدار وخاصم فيها، فشهد ابنا البائع أن المشتري قد سلم الدار للشفيع بشفعته، ثم اشتراه منه بالثمن لا تقبل شهادتهما، أما على قول من لا يرى بيع العقار قبل القبض، فلأنهما بهذه الشهادة يدفعان خصومة الشفيع عن أبيهما؛ لأن الخصم في الشفعة قبل قبض البائع، ولهذا كانت العهدة عليه. وكذلك لو شهدا أن الشفيع سلم الشفعة في الدار لا تقبل شهادتهما لما ذكرنا، وهذا إذا دعي الأب ما شهدا به، فأما إذا جحد ما شهدا به تقبل شهادتهما، لأنهما يشهدان على الأب بوجوب تسليم الدار إلى المشتري، فكانت شهادة على أبيهما من هذا الوجه، ولو كان المشتري قبض الدار من البائع، ثم شهد ابنا البائع على تسليم المشتري الدار إلى الشفيع بشفعة لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما بهذه الشهادة يريدان تنفيذ العهدة عن أبيهما، فكانا شاهدين لأبيهما، وسواء ادعى البائع ما شهدا به أو جحد ذلك، لأن تسليم المشتري للدار إلى الشفيع محض منفعة في حق البائع، لا يشوبه ضرر.
وإِن شهدا أن الشفيع سلم الشفعة في الدار للمشتري تقبل الشهادة؛ لأن هذه الشهادة على الأب بتقريب العهدة إليه.
قال في كتاب «الحوالة» : رجلان عليهما مال لرجل أحالا به على غريم لهما، وجحد الطالب الحوالة، فشهد على الطالب ابناه أو أبواه أو أمه أو امرأته قبلت شهادتهم؛ لأن هذه شهادة على الطالب بسقوط مطالبته عن الأولين، فلم تتمكن التهمة في شهادتهم فقبلت.
ولو شهد ابنا المطلوبين الأولين، فإن ادعى أبوهما ذلك لا تقبل شهادتهما، وإن
стр. 3794
جحدا ذلك تقبل شهادتهما؛ لأنها دائرة في حق أبيهما بين النفع، وهو براءتهما وبين الضرر وهو ثقل الدين لو كان لهما على المحتال عليه دين وثبوت حق الرجوع عليهما، ولو لم يكن لهما عليه دين، فتعتبر فيه الدعوى والإنكار. وأما شهادة ابني المحتال عليه إن ادعى ذلك أبوهما لا تقبل شهادتهما؛ لأنه يدور بين النفع في حق أبيّهما وهو سقوط مطالبة المحتالين عنه، والضرر، فهو يوجه مطالبة المحتال له نحوه، فيعتبر فيه الدعوى والإنكار.
وقال محمد ﵀ في «الجامع» : جارية في يدي رجل ادعى رجل أنه اشترى هذه الجارية من فلان بمائة دينار، وأن فلاناً ذلك اشتراها منك بألف درهم، وقبضها قبل أن تبيعها مني، وأنكر الذي في يده الجارية، والمشتري الأول فشهد ابنا الذي في يديه الجارية بذلك قبلت شهادتهما؛ لأنهما شهدا بمعنى اشتمل على النفع والضرر والمنفعة مجحودة فقبلت (١٢٥ب٤) .
شهادتهما على أبيهما وعلى المشتري الأول بالبيع، وإذا قبلت قضي لصاحب اليد على المشتري الأول بألف درهم، وقضى للمشتري الأول على المشتري الثاني بمائة دينار، وإن كان المولى والمشتري الأول ينكران ذلك بصيرورتهما مكذبين في إنكارهما بالبينة العادلة، وإن كان الذي في يديه الجارية مالك الجارية ظاهراً وقد أقر بكونها مملوكة للمشتري الأخير، فصح إقراره بذلك ولا يقضي للذي في يديه على المشتري الأول بشيء، لأن الشهادة إن لم تقبل خرجت من البين، بقي إقرار الذي في يديه، وإقرار الإنسان حجة عليه، وليس بحجة على غيره ولا يكون لذي اليد أن يحبس الجارية من المشتري الآخر حتى يستوفي الثمن منه سواء ادعى المشتري الآخر أنه قبض الجارية من المشتري الأول وصدقه صاحب اليد في ذلك، أو لم يدع ذلك؛ لأن حق حبس المبيع من حقوق العقد، فإنما يثبت للبائع، أو لمن قام مقام البائع، وذو اليد لم يبع الجارية من المشتري الآخر، وليس هو قائم مقام البائع فيه، فلهذا لا يكون له ذلك، ولا يكون لذي اليد أن يقبض المائة دينار من المشتري الآخر قضاء بدينه الذي وجب له على المشتري الأول في زعم المشتري الآخر ألف درهم، والواجب للمشتري الأول على المشتري الآخر في زعمه مائة دينار، وعند اختلاف الجنس لو وجد عينها عند من عليه الدين أو عند غيره لا يكون له حق الأخذ، فإذا وجد ديناً عند غيره أولى أن لا يكون له حق الأخذ، ولو كان المشتري الآخر ادعى أنه اشتراها بألف وخمسمائة حتى كان الثمنان من جنس واحد والمشتري الأول يجحد ذلك فالذي في يديه الجارية صدق المشتري الآخر فيما قال، فإن ادعى المشتري الآخر أنه قبض الجارية من المشتري الأول بإذنه وصدقه ذو اليد في ذلك، لا يكون لذي اليد أن يحبس الجارية من المشتري الآخر؛ لما قلنا، ولا يعطيه المشتري الآخر من الثمن شيئاً لما ذكرنا أن ذا اليد لم يبعها منه، ولكنَّ المشتري الآخر إن خلى بين المشتري الأول وبين الثمن حتى صار
الثمن ملكاً للمشتري الأول بتصادق ذي اليد والمشتري الآخر، كان لذي اليد أن يأخذه، لأنه ظفر بحبس حقه من مال المشتري الأول، وإن لم يكن خلى لا يؤمر المشتري الآخر بالتخلية؛ لأن الحق في ذلك للمشتري الأول وهو ينكر.
стр. 3795
ولو أن المشتري الآخر أقر أنه لم يقبض الجارية من المشتري الأول، ففي القياس الجواب كذلك لا يكون لذي اليد أن يحبس الجارية من المشتري الآخر، وفي الاستحسان: يكون له حق حبس الجارية من المشتري الآخر حتى يستوفي منه ألفاً إن كان المشتري الآخر اشتراها بألف أو بألف وخمسمائة. وجه القياس ما مرّ أن الحبس بالثمن من حقوق العقد، فلا يثبت إلا للعاقد، أو لمن قام مقام العاقد ولم يوجد شيء من ذلك في حق ذي اليد، فلا يكون له حق الحبس كما في المسألة المتقدمة.
وجه الاستحسان: أن صاحب اليد بائع للجارية من المشتري الآخر من وجه، من حيث إن البيع من المشتري الآخر إنما ظهر بتصديق ذي اليد إياه، فيما إذا ادعياه ليس ببائع لها من وجه حيث إنه لم يجر بينهما بيع حقيقة، ولو كان بائعاً لها من كل وجه، ولم يكن المشتري الآخر قبضها منه كان له حبسها من المشتري الآخر حتى يستوفي الثمن منه سواء باعها بدراهم أو بدنانير، ولو لم يكن بائعاً لها منه من كل وجه لم يكن له حق الحبس من المشتري الآخر، سواء باعها بدراهم أو بدنانير، فإذا كان بائعاً لها من وجه دون وجه عملنا بهما، فمن حيث إنه ليس ببائع لها منه من وجه لا يثبت له حق الحبس إذا كان الثمنان من جنسين مختلفين ومن حيث إنه بائع لها من وجه كان له حق الحبس عند اتحاذ جنس الثمنين عملاً بالدليلين بقدر الإمكان، ولو تصادق ذو اليد والمشتري الأول على شراء المشتري الأول وتسليم الجارية إليه إلا أنهما جحدا شراء المشتري الآخر، فأقام المشتري الآخر أننى ذي اليد، فشهدا له قبلت شهادتهما وثبت البيع الثاني، ثم ينظر: إن كان المشتري الآخر ادعى القبض يأخذ العبد، ولا يكون لذي اليد حق الحبس، وإن لم يدع القبض فإن كان الثمنان من جنسين مختلفين فكذلك الجواب وإن كانا من جنس واحد، ففي القياس الجواب كذلك، وفي الاستحسان: له حق الحبس.b
وأصل هذه الجملة ما قال محمد ﵀ في رجل اشترى جارية وقبضها ونقد الثمن، ثم جاء رجل وادعى على المشتري الأول أنه كان اشتراها بكذا قبل شرائه ولم يقبضها ولم ينقد ثمنها وكذبه البائع وصدقه المشتري المعروف: قضى القاضي بالجارية للذي ادعى الشراء أولاً، ثم إن كان الثمن من جنسين مختلفين لم يملك المشتري المعروف حبسها بالثمن، سواء ادعى المجهول أنه قبضها من البائع بإذنه إلا أنه لم ينقد الثمن فكذلك، وإن ادعى أنه لم يكن قبضها ففي القياس: ليس له حق الحبس، وفي الاستحسان: له ذلك والمعنى: ما مر كذا ههنا.
قال: وإذا شهدا أنه أباهما وكَّل هذا الرجل بقبض ديونه بالكوفة، لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما بشهادتهما ينصبان من يقوم بحقوق الأب واستيفائه، فكانا شاهدين لأبيهما فلا تقبل شهادتهما، ولكنَّ هذا إذا كان المطلوب يجحد الوكالة، فأما إذا أقر المطلوب بها جازت الشهادة.
فرق بين هذه المسألة وبين مسألة ذكرها في كتاب الوكالة: أن من وَكَّل رجلاً بالخصومة في دار بعينها وقبضها وغاب، فشهد ابنا الوكيل أن أباهما وَكَّل هذا الرجل
стр. 3796
بالخصومة في هذه الدار وقبضها: لا يقبل شهادتهما، سواء جحد المطلوب الوكالة أو أقر بها.
ووجه الفرق أن في مسألة الدين المطلوب إذا كان مقراً بوكالته يجبر على دفع المال بإقراره بدون الشهادة، فإنما قامت الشهادة لإبراء المطلوب عند الدفع إلى الوكيل إذا حضر الطالب وأنكر الوكالة، فكانت هذه شهادة على أبيهما، وشهادة الانسان على أبيه مقبولة، أما في مسألة كتاب الوكالة: المطلوب وإن كان مقراً لا يجبر على دفع الدار إلى الوكيل بحكم إقراره، وإنما يجبر عليه بالشهادة، فكانت هذه الشهادة واقعة لأبيهما فلا يقبل.
أصل هذه المسألة: أن من جاء إلى مديون رجل وقال: أنا وكيل فلان بقبض الدين منك وصدقه المديون بذلك يؤمر بتسليم الدين إليه، وإن قال لآخر: أنا وكيلُ فلان بقبض الوديعة منك لا يجبر على الدفع إليه وإن صدقه في ذلك لأن المديون مقر على نفسه، لأنه مقرٌ بحق القبض له في ملكه، فكان إقراراً على نفسه فصح، وفي الوديعة إنما يقر بحق قبض ملك الغير وإقراره على غيره لا يصح.
وروي عن أبي يوسف ﵀: أن في الوديعة أيضا يجبر المودع على الدفع إلى الوكيل؛ لأنه يقر على نفسه بأن الوكيل أولى منه بقبض العين، وأنه ضامن لهذا العين إذا منعه عن الوكيل، فكان مقراً على نفسه فيصح إقراره عليه، فعلى قياس هذه الرواية: يجب أن يكون الجواب في الوكالة بالخصومة في الدار وفي الدين سواء، هذا إذا كان الموكل هو الطالب، فإن كان الموكل هو المطلوب وقد ادعى الطالب في داره دعوى فشهد ابنا المطلوب أن أباهما وكل هذا الرجل بخصومة، فإن كان الوكيل يجحد الوكالة لا تقبل هذه الشهادة، لأن هذه شهادة خلت عن الدعوى، وبدون الدعوى لا تقبل الشهادة في حقوق العباد، وإن كان الوكيل يدعي الوكالة لا تقبل شهادتهما أيضا، أقر الطالب بالوكالة أو جحدها؛ لأن هذه بينة قامت على غير الخصم، لأن الطالب لا يكون مجبراً على الدعوى، وإن كان هو وكيلاً عن المطلوب كما لا يجبر عند حضرة المطلوب، فلم يكن خصماً في حق إثبات الوكالة، والبينة لا تقبلُ إلا على خصم، ولأنهما بهذه الشهادة ينصبان نائباً عن أبيهما، لأن بإقرار الطالب لا تثبت وكالة الوكيل، وإنما تثبت بالشهادة، فهما ينصبان بشهادتهما نائباً عن أبيهما ليخاصم عنه ويقيم حجة الدفع حتى يستقر ملك ابيهما فيما وقعت فيه الخصومة، فكانا شاهدين لأبيهما، فلا تقبل شهادتهما.
وإن شهد ابنا المطلوب على أن فلانا وكّل هذا الرجل بالخصومة مع أبيهما في هذه الدار والطالب غائب، فإن جحد الأب الوكالة قبلت هذه الشهادة، لأنه شهادة على أبيهما، لأنه يستحق الجواب عن الخصومة عليه بدعواه، والشهادة على أبيهما مقبولة. وإن أقر الأب بالوكالة لا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادة خلت عن الدعوى، فإن الوكيل لا يجبر على الدعوى كالموكل، فلا يدعي المطلوب بهذه الوكالة شيئا يلزم الوكيل فلم يصح الدعوى.
стр. 3797
وذكر ابن سماعه في «نوادره» عن أبي يوسف ﵀: لو أن رجلاً ادعى على غائب دعوى زعم أن هذا الرجل وكيله في الخصومة، فشهد ابنا الغائب أن أباهما وكل هذا الرجل بالخصومة مع المدعي إن كان الوكيل منكراً للوكالة فشهادتهما جائزة، لأن هذه شهادة على أبيهما، لأن الدعوى (١٢٦ أ٤) وقعت على الأب.
بيانه: أن المدعي بإثبات وكالة الحاضر يريد إلزام الحق على الغائب؛ لأنه يتضرر به من حيث يلزمه الحق عند إقامة البينة على الوكيل في غير حضرته، والشهادة على أبيهما مقبولة، فهو معنى قولنا: إن الدعوى وقعت على الأب، فكانت الشهادة واقعة على الأب، وإن كان الوكيل يدعي الوكالة والطالب يجحد لا تقبل شهادتهما، لأن هذه شهادةٌ قامت لأبيهما بإثبات من يخاصم عنه ويدفع عنه ويقيم حجة الدفع فلا تقبل.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله: إذا شهد شاهدان أن فلاناً وكّل أباهما ببيع هذا العبد، فباعه من رجل والمشتري يجحد والأب يدعي لم أقبل شهادتهما، وإن جحد الأب البيع وادعاه المشتري قبلت شهادتهما، لأن البيع دائر بين الضرر والنفع، لأنه يثبت حقوقاً له وحقوقاً عليه، فيعتبر فيه الدعوى والإنكار.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀ في رجلين شهدا أن الميت أوصى إلى أبينا وورثة الميت يقرون بذلك أو ينكرون، فإن كان أبوهما يدعي الوصاية لا تقبل شهادتهما، وإن جحد الوصاية قبلت شهادتهما؛ لأن الوصاية تتضمن أحكاماً على الوصي والموصى، لأنها تفيد ولاية التصرف في مال الميت وإنها للوصي وتفيد رجوع العهدة إليه ولزوم أمر المدعى عليه من يتعمد وصاياه وقضاء ديونه، ويوجه المطالبة بتلك الحقوق عليه ومن هذا الوجه عليه، فيعتبر قيمة الدعوى والإنكار.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀ قال: وقال أبو حنيفة ﵀: إذا شهد ابنا الميت أو رجلان أوصى لهما الميت بوصية أو رجلان للميت عليهما دين أو رجلان لهما على الميت دين أن الميت أوصى إلى هذا الرجل، والموصى إليه يدعي الوصية، فالشهادة جائزة.
يجب أن تعلم جنس هذه المسائل خمسة أقسام: الغريمان اللذان للميت عليهما دين إذا شهدا بالوصاية أو الوصية أو الوارث إن كان الخصم جاحداً لا تقبل شهادتهما، إما لأن هذه الشهادة خلت عن الدعوى في حقوق العباد، وإما لأنهما يثبتان لأنفسهما من يحصل لهما البراءة لأداء الدين إليه، فكانا متهمين في هذه الشهادة، فلا تقبل شهادتهما، وإن كان الخصم يدعي ذلك قبلت شهادتهما سواء كان الموت ظاهراً أو لم يكن، أما إذا كان الموت ظاهراً فلأنه زال ملك الموت بالموت وانتقل إلى الوارث، فقد أقر بهذه الشهادة أن حق القبض لهذا المدعي بحكم الوصاية أو الوراثة، فصح إقراره على نفسه، وأما إذا كان الموت غير ظاهر، فلأنهما يقولان: إن رب الدين قد مات، فإن الدين الذي علينا حقك وإن ولاية الاستيفاء لك، وهذا إقرار منهما على أنفسهما لأن الدين إنما يقضى من مال المديون، فصح إقراره بما عليه، فإذا استوفى منهما، فإن ظهر أنه ميت فقد
стр. 3798
تم الاستيفاء، وإن ظهر أنه حي استرد ما دفع إليه.
وأما الغريمان اللذان لهما على الميت دين إذا شهدا بالوراثة والوصاية أو الوصية، فان كان الموت غير ظاهر لا تقبل شهادتهما لأنهما يريدان إثبات الموت ليحل الدين في التركة، وفي ذلك نفع لهما فلا تقبل شهادتهما، فإن كان الموت ظاهراً فإن كان المشهود له لا يدعي، فكذلك لا تقبل شهادتهما؛ لأن الشهادة في حقوق العباد بدون سابقة الدعوى، ولأنهما يثبتان خليفة للميت يمكنهما مطالبته بإيفاء الدين، ولهما فيه منفعة ظاهرة، ولا تقبل شهادتهما لما ذكرنا من تمكن التهمة في شهادتهما؛ لأنهما ينصبان لأنفسهما بهذه الشهادة خصماً يطالبانه بإيفاء الدين.
وفي الاستحسان: تقبل شهادتهما؛ لأن الموت إذا كان ظاهراً كان للقاضي ولاية نصب الوصي ليقوم بما هو من حقوق الميت نحو قضاء الديون وتنفيذ الوصايا وما أشبه ذلك، إلا أن القاضي يحتاج إلى التعيين، فمتى شهدا بوصايته فقد كفياه مؤنة التعيين، فتقبل شهادتهما، وبه ظهر انتفاء التهمة عن شهادتهما من هذا الوجه، بخلاف ما إذا كان الموصى لا يدعي ذلك؛ لأنه ليس للقاضي ولاية نصب الإنسان وصياً على كره منه؛ فإذا كان لا يدعي الإيصاء لو قضى القاضي عليه إنما يقضي بشهادتهما، فيحصل المنفعة للشاهدين بشهادتهما على ما مر، وأما الوارثان إذا شهد للموصى إليه وكان الموت غير ظاهر لا يقبل شهادتهما سواء كان المشهود له طالباً بذلك أو كان جاحداً؛ لأنهما يثبتان لأنفسهما وجوب الميراث بالموت وينصبان لأنفسهما من يقوم بحقوقهما، وعلى التصرف لهما فقد جرّا إلى أنفسهما مغنماً فلا تقبل شهادتهما، وإن كان الموت ظاهراً وكان المشهود له مخالفاً لذلك يقبل ذلك استحساناً لما مر: أن للقاضي ولاية نصب الوصي، لكنه يحتاج إلى التعيين فقد تحملا عنه مؤنة التعيين فيقبل شهادتهما، بخلاف ما إذا شهدا بالوكالة حالة حياة الأب، إذ ليس للقاضي أن ينصب عنه وكيلاً في حياته، فلو نصبه نصبه بشهادتهما وهما يشهدان لأبيهما، وبخلاف ما إذا لم يكن ظاهراً، فليس للقاضي أن ينصب عنه وصياً، فلو نصبه، نصبه بشهادتهما، وهما يشهدان لأبيهما فلا تقبل شهادتهما، وأما الموصى إليهما إذا شهدا لوصي آخر معهما، فإن كان الموت غير ظاهر لا تقبل الشهادة؛ لأنهما يثبتان حلول الوصاية بالموت ويثبتان عوناً معهما فلا تقبل شهادتهما، وإن كان الموت ظاهراً وكان المشهود له طالباً لذلك تقبل شهادتهما استحساناً، لأنهما يثبتان بشهادتهما، إلا ما كان للقاضي أن يفعله بدون شهادتهما، وهو نصب الوصي إذا أحس بخلل، وإذا ذكروا وصاية آخر فقد نسبوا أنفسهم إلى العجز، حيث لم يكتف الميت بهما وصياً، فيقبل شهادتهما.
وأما الموصى لهما إذا شهدا بالموصى إليه، فهو على الأقسام التي ذكرناها، فإن كان الموت ظاهراً، والمشهود له يطلب ذلك قبلت بشهادتهما، وإن كان الموت غير ظاهر لا تقبل شهادتهما، لأنهما شهدا بحلول حقهما بالموت وأثبتا للميت ما يمكنهما من
стр. 3799
مطالبته بالوصية، فكانا متهمين فيه فلا يقبل. وإن كان المشهود له طالباً لذلك لا تقبل شهادتهما في الفصول كلها، لانعدام الشهادة فيما هو حقوق العباد.
الفصل السابع: فيما يجوز من الشهادات وما لا يجوز
قال محمد ﵀: رجلان في أيديهما مال وديعة لرجل، فادعاه رجل فشهد المودعان بذلك جازت شهادتهما. وروي عن أبي يوسف ﵀ أنه لا تجوز شهادتهما؛ لأن بقبول الوديعة صارا مقرَّين بالملك للمودع، فكانا متناقضين في أن هذا العين ملك المدعي، فيطلب شهادتهما لمكان التناقض. وجه ظاهر الرواية أن هذه شهادة خلت عن التهمة؛ لأنها شهادة للغير من كل وجه، وليس فيهما جرُّ منفعة إلى الشاهد، ولا دفع مغرم عنه، وشهادة العدل إذا خلت عن التهمة، فالأصل فيها القبول، وما يقول بأن بقبول الوديعة صار مقراً بالملك للمودع هذا ممنوع؛ فإن الإيداع كما يكون من المالك يكون من نائب المالك، فلم تنتف جهة النيابة ههنا إذ لم يمكن للمودعين أن يقولا: قبلنا الوديعة من فلان، إلا أنه كان نائبا عن هذا المدعي في الإيداع، ومهما أمكن التوفيق لا يحمل على وجه التناقض، ولئن سلمنا أن قبول الوديعة إقرارٌ بالملك للمودع لكن هذا ليس بإقرار مفصح به، بل هو إقرار في ضمن الوديعة، وقد يطلب الوديعة بهذه الشهادة، فيبطل ما ثبت في ضمنه، ولو أن المدعي أقام شاهدين سوى هذين المودعين، ثم شهد المودعان على إقرار المدعي أن هذا العين للمودع لا تقبل شهادتهما، سواء كانت الوديعة قائمة أو مستهلكة إن كانت قائمة؛ لأنهما بهذه الشهادة يجران إلى أنفسهما مغنماً وهو.... يدهما على هذا المال وإن كانت مستهلكة لأنهما يدفعان بهذه الشهادة عن أنفسهما مغرماً، لأنه ظهر أنهما كانا مودعا الغاصب والمودع الغاصب ضامن، فهما بهذه الشهادة يبرآن أنفسهما عن الضمان بخلاف المسألة الأولى، لأن هناك المودعان بشهادتهما يبطلان يد أنفسهما إن كانت الوديعة قائمة، ويوجبان الضمان على أنفسهما إن كانت الوديعة مستهلكةً، ولو أنهما كانا ردا الوديعة على المودع ثم شهدا على إقرار المودع أن الوديعة خرجت عن أيديهما بالرد ولا يبرآن ذمتهما عن الضمان لبراءتها عن الضمان بالرد، لأن مودع الغاصب يبرأ
بالرد على الغاصب.
وفي «المنتقى» وإذا شهد المودع أن الذي أودعه أقر أنه عبد جازت شهادته، وكذلك الجارية؛ لأنه لم يشهد على الوديعة والعارية بعينها، ولو شهدا أن الذي استودعها أو أعارها باعها من هذا المدعي لم تجز شهادتهما، لأنه يبطل سبيل رب الوديعة عليه، حتى لا يجوز دفعها إليه، وفيما إذا شهدا على إقرار المودع أنه عبد ما أبطلا سبيله: (١٢٦ب٤) لأن العبد يأخذها ويبرأ بالدفع إليه، وإذا كان العبد وديعة في يدي الرجلين
стр. 3800
شهدا أن المولى كاتبه أو دبّره أو أعتقه والعبد يدعي ذلك جاز، ولا يشبه هذا البيع؛ لأن العتق خروج عن ملك إلى غير ملك.
قال في «الجامع» : رجلان ارتهنا من رجل غلاماً بألف درهم لهما عليهما، ثم ادعى رجل أن الرهن له، وشهد له المرتهنان بذلك جازت شهادتهما؛ لأنهما لم يشهدا لأنفسهما، بل شهدا على أنفسهما بإبطال اليد والحبس، ولم يصيرا متناقضين أيضاً؛ لأن قبول الرهن لا يكون إقراراً بالملك للأمن، لأن الرهن كما يكون من المالك يكون من غير المالك، بأن يستعير رجل من آخر عيناً ليرهن بالدين.
ولو شهد المرتهنان على إقرار المدعي أن العبد للراهنين والعبد قائم في يده أو هلك، لا يقبل شهادتهما؛ لأنهما يدفعان عن أنفسهما مغرماً، وهو: الضمان إن كان قد هلك، ويجران إلى أنفسهما مغنماً وهو تقرير اليد التي هي حقهما، وإن كانا قد ردا الرهن إلى الراهن تقبل شهادتهما، ولو أنكر المرتهنان ما ادعاه المدعي وشهد به الراهنان لا تقبل شهادتهما على المرتهنين، لأنهما بعقد الرهن أوجبا حقاً للمرتهنين في المرهون، وإذا شهدا أنه ملك المدعي فقد سعيا في نقض ما تم بهما، فلا تقبل شهادتهما، بخلاف المرتهنين حيث تقبل شهادتهما وإن صارا ساعيين في نقض ما تم بالإنسان، إنما يمنع قبول الشهادة إذا كان لا يملك البعض إلا بالشهادة، والمرتهن يملك النقض من غير رضا الراهن بالرد، إذ الرهن من جانب المرتهن غير لازم فلا يمنع قبول الشهادة، بخلاف جانب الراهن، وإذا لم تقبل شهادة الراهنين على المرتهن ضمن الراهنان قيمة العبد للمرعي؛ لأنهما لما شهدا للمدعي فقد صارا مقرين أنهما كانا غاصبين لهذا العبد وقد عجزا عن رده إلى المدعي لحق المرتهنين فيضمنان القيمة.
ولو ارتهن رجلان من رجل جارية قيمتها ألف درهم بألف درهم وقبضاها، فماتت في أيديهما ثم ادعاها رجل، فشهد المرتهنان أنها كانت لهذا المدعي لا تقبل شهادتهما، لأنهما بشهادتهما يجران إلى أنفسهما مغنماً، فإنهما صارا مستوفين دينهما بالهلاك، وبهذه الشهادة يعيدان الدين على الراهن بعدما سقط من حيث الظاهر، إلا أنهما يضمنان قيمتها للمدعي؛ لأنهما أقرا أنهما كانا غاصبين للجارية وقد عجزا عن رد الجارية، فكان عليهما قيمة الجارية، بخلاف ما لو شهد المرتهنان بذلك حال قيام الرهن، حيث تقبل شهادتهما؛ لأنهما بشهادتهما لا يعيدان ديناً على الراهن بعد السقوط؛ لأن الدين في ذمة الراهن قبل هلاك الرهن وإنما يسقط بالهلاك، ولا يحولان ضماناً وجب عليهما للراهن إلى المدعي، لأن الرهن مضمون عليهما بالدين لا بالقيمة، وبشهادتهما لا يتحول ضمان الدين إلى المدعي بل تجب عليهما القيمة للمدعي على اعتبار الهلاك، ويسقط ملك اليد الثابت لهما، فكانا جارَّين إلى أنفسهما مغرماً لا مغنماً.
رجلان غصبا من رجل عبداً وثبت ذلك عند القاضي بإقرارهما أو ببينة قامت عليهما، ثم ادعى رجل آخر العبد المغصوب، وشهد له الغاصبان بذلك، فإن شهدا بعدما رد المغصوب قبلت شهادتهما لخلو شهادتهما عن المناقضة والتهمة، أما المناقضة
стр. 3801
مظاهر، وأما التهمة: فلأنه ليس فيها جر مغنم، ولا دفع مغرم لبراءة الشاهدين عن الضمان بالرد عن المغصوب منه.
ولو شهدا والعبد في أيديهما لا تقبل هذه الشهادة، لتمكن التهمة في هذه الشهادة؛ لما فيها من تحويل ضمان الرد إلى غير المغصوب منه، وللشاهدين في ذلك فائدة للتفاوت بين الناس في المطالبة والخصومة.
وكذلك لو شهدا بعد هلاك المغصوب في أيديهما لا تقبل شهادتهما، سواء قضى القاضي بالقيمة أو لم يقض، وسواء دفعا القيمة إلى المغصوب منه أو لم يدفعا، أما قبل القضاء فلتحويلهما ما وجب عليهما من الضمان للمغصوب منه إلى المدعي، ولهما فيه فائدة على ما مر، فكانت في هذه الشهادة نوع تهمة، وأما بعد القضاء قبل دفع القيمة، فلهذه العلة ولعلة أخرى: وهي أن الشاهدين عند قضاء القاضي ملكا العبد بمقابلة الضمان، فصار من حيث الحكم كأنهما اشتريا العبد، ولو صارا مشتريين للعبد حقيقة ثم شهدا بالعبد للمدعي لا تقبل شهادتهما، فكذا إذا ثبت بينهما بيع حكمي، وأما بعد دفع القيمة فللعلة الثانية.
ثم قال: وكذلك العرض وكل دين فشهادتهما في ذلك باطلة قضياه أو لم يقضيا، وصورته: إذا شهد المستقرضان أن ما أقرضهما المقرض كان للمدعي لا تقبل شهادتهما، أما قبل قضاء الدين فلوجهين، أحدهما: أنهما يحولان ما وجب عليهما من الضمان للمقرض إلى المدعي، والثاني: أن الاستقراض بدأ حقيقة إن كان استعاره حكماً، فكان المستقرض بمعنى المشتري، والمشتري إذا شهد بالمشترى لغيره لا تقبل شهادته لما قلنا، كذا ههنا، وأما بعد القضاء فللعلة الثانية.
رجلان اشتريا من رجل جارية شراء فاسداً بألف، وقبضاها ثم ادعاها الآخر، فشهد المشتريان أنها للمدعي، فهو على التفاصيل التي قلنا في الغصب، لأن المشترى شراء فاسداً مضمون على المشتري بنفسه لا بغيره فكان كالغاصب، إلا أن بين هذه المسألة وبين مسألة الغصب فرق من وجه أن في مسألة الشراء، المدعي يأخذ الجارية من المشتريين قبل نقض البيع، وفي الغصب لا يأخذ، لأن في الغاصب إنما أقر بالجارية للمدعي، وهي ملك غيره ظاهراً، فلم يصح إقراره، والمشترى شراء فاسداً أقر بالجارية للمدعي وهي ملكه في الظاهر فيؤمران بردها إلى المدعي، ثم يضمن المشتريان قيمة الجارية للبائع لعجزهما عن رد عين الجارية إليه.
قال محمد في «الأصل» : ولو كان المشتريان مع بائعهما نقضا البيع أو نقض القاضي البيع فلم يقبض البائع الجارية حتى شهدا للمدعي بالجارية يعني المشتريان، لم يلزمهما تسليم الجارية، لإقرارهما بالجارية للمدعي وهي ملك غيرهما.
رجل اشترى من رجل جارية شراء صحيحاً، وتقابضا وتقالا البيع أوردَّها المشتري بالعيب بغير قضاء وقبلها البائع، ثم جاء رجل وادعى أن الجارية له، فشهد المشتري ورجل آخر أن الجارية للمدعي، فشهادتهما باطلة، سواء كانت هي محبوسة بالثمن عند المشتري أو دفعا إلى البائع، لأن الرد بالعيب بعد القبض بتراضيهما، والإقالة بمنزلة بيع
стр. 3802
جديد في حق غيرهما والمدعي غيرهما، فصار في حق المدعي كأن المشتري باعها من البائع ثانياً، ثم شهد بها بعد ذلك للمدعي، وعلى هذا الاعتبار كان في زعم المدعي أن شهادته باطلة، لكونها متضمنة السعي إلى نقض ما تم به، والمدعي متى زعم بطلان الشهادة القائمة له لا تقبل الشهادة.
ولو كان الرد بالعيب بعد القبض بقضاء أو قبل القبض بغير قضاء أو كان الرد بخيار رؤية أو بخيار شرط ثم شهد بها للمدعي مع غيره جازت شهادتهما؛ لأن الرد بهذه الأسباب فسخ من كل وجه، ولهذا لا يتجدد للبيع حق الشفعة، فإذا انفسخ البيع من كل وجه صار كأن لم يكن، فلم يكن مبطلاً بشهادته ما أوجب قبل ذلك ولا محولاً ضمانه إلى المدعي، لأنه إذا ردها إلى البائع لم يبق مضموناً عليه وإذا حبسها بالثمن، فكذلك الجواب.
وإن كانت مضمونة عليه إلا أنها مضمونة عليه بغيرها وهو الثمن لا بنفسها، فكانت بمنزلة الرهن وشهادة المرتهن للمدعي بالجارية حال قيام الرهن يقبل كذا ههنا، فلو حبسها بالثمن فماتت الجارية في يدي المشتري ثم شهدا بالجارية للمدعي بطلت شهادتهما؛ لأنها لما (ما) تت في يدي المشتري بطل الفسخ، وعاد حكم البيع، فصار هذا الشاهد شاهداً بما اشتراه لغيره، فلا يصح لما يأتي بيانه بعد هذا إن شاء الله تعالى.k
رجل اشترى من آخر جارية بعبد وتقابضا، فوجد مشتري الجارية بها عيباً فردها بالعيب، إلا أنه حبسها بالعبد، ثم جاء رجل وادعاها، فشهد المشتري بالجارية مع رجل آخر للمدعي لا تقبل شهادتهما، ولو شهدا بعدما دفعها إلى البائع تقبل؛ لأن الجارية مضمونة عليه بنفسها، حتى لو هلكت في يد المشتري ضمن المشتري قيمتها لبائع الجارية، فيأخذ العبد ولا تنتقض الإقالة، فكانت شبيهة المغصوب وشهادة المغصوب، وشهادة الغاصب بالمغصوب للمدعي قبل الرد لا تقبل، وبعد الرد تقبل كذا ههنا، بخلاف ما إذا كانت الجارية مشتراة بالدراهم والجارية محبوسة بالثمن، حيث تقبل شهادة المشتري، لأنها مضمونة عليه بالثمن لا بنفسها، فكانت شبيهة المرهون على ما مر.
فإن مات العبد في يد مشتريه قبل رد الجارية، ثم رد الجارية بالعيب بقضاء قاض صح الرد؛ لأن الرد لا يمتنع بهلاك أحد العوضين، عرف هذا في كتاب البيوع فإذا حبسها المشتري حتى يأخذ قيمة العبد ثم شهد بها مع غيره للمدعي صحت شهادتهما؛ لأنها مضمونة عليه بغيرها وهو قيمة العبد، ولهذا لو هلكت الجارية لا تضمن لبائعها قيمتها بل سقط عن بائعها قيمة العبد، فكانت شبيهة المرهون.
وفي «المنتقى» : رجلان استأجرا من رجل داراً شهراً بأجر معلوم وسكنا فيها الشهر كله، ثم جاء مدع يدعي الدار فشهد له المستأجران جازت شهادتهما، (١٢٧أ٤) فإن قضى القاضي بالدار للمدعي ثم إن المدعي ادعى أنه كان أمر الذي أجر بإجارتها، وأراد أخذ الغلة، فإنه ينبغي للقاضي أن يبطل قضاءه بالدار للمدعي ويردها إلى الذي كانت الدار في يديه، وينبغي للقاضي أن يسأل المدعي في أول الأمر عن الإجارة: أكانت بأمرك أو بغير أمرك؟ فإن قال: كانت بأمري لا تقبل شهادة المستأجر، وإن قال: كانت
стр. 3803
بغير أمري تقبل شهادة المستأجر، ولو لم يسكن المستأجر الشهر كله حتى ادعى المدعي الدار، فشهد به المستأجر ولم يدع المدعي أن الإجارة كانت بأمره لم تجز شهادة المستأجر.
وفيه أيضاً: رجل له دار وفيه سكان بغير أجر، فشهد السكان في الدار شهادة يثبتون الدار له، أو شهدوا بالدار عليه الأجر، فشهادتهم جائزة في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وإن كان هؤلاء السكان بأجر معلوم لشهور معلومة بأجر رخيص، أو بأجر عال، فشهدوا للذي أجر لتحقيق الإجارة أو شهدوا لإنسان عليه ليفسخوا الإجارة، فإن أبا حنيفة ﵀ قال: جازت شهادتهما في الموضعين جميعاً، وشهادتهم في هذا كإقرار رب الدار أنها لفلان، وقال أبو يوسف ﵀: لا تقبل شهادتهم لا فيما يثبتونها ولا فيما ينقضونها.
رجل اشترى من آخر جارية، ثم جاء رجل وادعى أنه اشترى هذه الجارية من هذا المشتري، والمشتري يجحد ذلك، فشهد البائع ورجل آخر للمشتري بالشراء من المشتري لا تقبل شهادته، وكذلك لو ادعى المشتري أنه باعه من فلان وفلان يجحد، فشهد له البائع لم تقبل.
ولو أن رجلاً اشترى من آخر عبداً وبرء البائع عن عيوبه، فباعه المشتري من رجل آخر، ودلس العيب الذي به، فخاصم المشتري الآخر المشتري الأول فيه، فشهد البائع الأول ورجل آخر أن هذا العيب كان به عند البائع، قال: أقبل شهادة البائع الأول في رده على البائع الثاني ولا أقبل في تبرئته منه.
رجل له على رجل ألف درهم، فشهد الذي عليه المال ورجل آخر أن الطالب أقر أن هذا الألف لهذا الرجل والرجل يدعي ذلك لا تقبل شهادة الذي عليه المال، ذكره في «المنتقى» في موضع، وذكر في موضع آخر منه أنه لا تقبل شهادته إذا كان لم يؤده، فإن كان أداه تقبل.
ولو مات رجل وترك مالاً على رجلين وترك أخاً، فشهد الرجلان لغلام يدعي أنه ابن الميت أنه ابنه لا يعلم له وارثاً آخر غيره، أجزت شهادتهما، ولا يشبه هذا الدّين في المسألة الأولى من قبل أن الدين لم يثبت عليهما للأخ، ولم يجعله القاضي وارث الميت.
ولو أن رجلين اشتريا ثوباً من رجل ونقدا الثمن أو لم ينقدا، فجاء رجل وادعى أن الثوب له فشهد المشتريان له بالثوب، أو شهدا على إقرار البائع أن الثوب له لم تجز شهادتهما.
أما قبل نقد الثمن: أما إذا أجاز البيع، فلأنهما يريدان تحويل ما وجب عليهما للبائع من حيث الظاهر إلى غيره، ولهما فيه منفعة؛ لأن الناس يتفاوتون في المطالبة، وأما إذا لم يجز البيع، فلأنهما سعيا في نقض ما تم بهما.
وأما بعد نقد الثمن: أما إذا لم يجز البيع فلما قلنا، وأما إذا أجاز وقال: باع بأمري، فلأن الثمن الذي نقداه صار ملكاً للبائع بتمليكهما، فهما بهذه الشهادة يريدان نقض ذلك التمليك.
стр. 3804
وذكر في كتاب «الأقضية» لو أن رجلاً مات، وله على رجلين ألف درهم أو كان له في أيديهما عبد غصب أو وديعة، جاء رجل وادعى أنه أخوه لأبيه وأمه ووارثه لا وارث له غيره، وقضى القاضي بذلك بشهادة شهود شهدوا عليه، وجعله وارثاً له وقضى له بالمال العين والدين، فقضى الغريمان دينهما للأخ بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض، أو لم يكونا قضياه لو كانا صارفاه على دنانير أو كان الأخ وهب لهما المال على عوض، أو كانا اشتريا من الأخ جارية من تركة الميت أو تصدق عليهما بصدقة على عوض، ثم جاء رجل آخر وادعى أنه ابن الميت ووارثه، ولا وارث له غيره، وشهد الغريمان له بذلك فشهادتهما باطلة، أما قبل قضاء الدين فلأنهما يريدان تحويل المال الذي وجب عليهما للأخ إلى الابن، وقد ذكرنا أن الشهادة تبطل به، وأما بعد القضاء فلأنهما يريدان أن ينقضا أمراً تم بهما؛ لأن القضاء قد تم.
ولو ظهر أن الأخ ليس بوارث وأن الوارث هو الابن كان للغريم أن يسترد ما كان دفعه إلى الأخ، لأنه ظهر أنه قبض ما ليس له، ومن سعى في نقض ما تم به لم يقبل سعيه، وكذلك المصارفة لأن هذا العقد قد تم به، فلا يقبل منه نقضه، وكذلك أخذ العوض عنه لما قلنا. هذا هو الكلام في الدين.
جئنا إلى العين فنقول في الغصب: إذا شهد الغاصبان بالابن، وكان العبد قائماً بعينه في أيديهما لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يحولان الضمان من الابن إلى الأخ، وإن كانا دفعا العبد إلى الأخ ثم شهدا بذلك فإنه لا يخلو، إما إن دفعا بقضاء أو بغير قضاء، فإن كان بقضاء فشهادتهما جائزة، وإن كان بغير قضاء لا تقبل شهادتهما.
فرق بين هذا وبينما إذا دفعا المغصوب إلى المغصوب منه، ثم شهدا بالملك لغيره تقبل سواء كان الدفع والرد بقضاء أو بغير قضاء، وههنا فرق بين القضاء وغير القضاء. ووجه الفرق: أن في تلك المسألة الضمان إنما وجب باعتبار تفويت يد المغصوب منه، فإذا أعاده إلى يده انفسخ حكم فعله وانعدمت الجناية فارتفع الضمان، فلم يحولا بهذه الشهادة ضماناً وجب للمغصوب منه إلى المدعي.
وفي مسألتنا: الضمان وجب باعتبار تفويت يد الميت ولم توجد الإعادة إلى يد الميت حقيقة، وإنما ظاهر وكذا حكماً، لأنه إنما يتحقق الرد إليه حكماً بالرد إلى خليفته ونائبه، وليس من ضرورة القضاء بنسب الأخ ثبوت نيابته وخلافته عن الميت في الرد عليه لجواز أن يكون هناك من يحجب عن الميراث، أو يكون في التركة دين مستغرق، فاحتمل أن يكون خليفة عن الميت في الحكم واحتمل أن لا يكون، فلا يبطل الضمان الواجب عليه بالاحتمال، وإذا لم يبطل الضمان عنهما كانا بهذه الشهادة محولين ذلك إلى الابن.
فأما إذا كان الرد بقضاء القاضي وبأمره فقد تحقق الرد إلى الميت حكماً، لأن للقاضي ولاية في مال الميت بالحفظ وأن يضعه حيث أحب، فإذا أمره بالرد إليه صارا تعييناً من جهة القاضي، فخرج عن جهة الضمان بالرد إليه، فلم يحولا بهذه الشهادة الضمان من الأخ إلى الابن، وإن كان الغصب وديعة قبلت شهادتهما، سواء كان الدفع بأمر القاضي أو بغير أمره؛ لأن الضمان لم يكن واجباً وقع الشك في وجوب الضمان لاحتمال أنه خليفة الميت ووارثه، فلا يجب الضمان عليه بالاحتمال.
стр. 3805
ولو أن رجلين شهدا أن فلاناً توفي وترك هذا الرجل أخاه لأبيه وأمه ووارثه، فقضى القاضي بشهادتهما، ثم شهد هذان الرجلان لآخر أنه ابنه ووارثه، لم تجز شهادتهما للابن؛ لأنهما شهدا أول مرة بأن الأخ وارثه، ثم شهدا بوراثة الابن، وبين كون الأخ وارثاً وكون الابن وارثاً تناف إن لم يكن بين كون الأول أخاً والثاني ابناً تناف، وقد اتصل القضاء بالشهادة الأول فتأيدت بها، فلا يمكن إبطالها بالثانية.
ونظير هذه: مسألة الملكية والكوفية أن القضاء لو اتصل بالأولى صحت الأولى وبطلت الثانية لما قلنا، وإن لم يتصل القضاء بالأولى بطلتا جميعاً فكذلك ههنا، ولكنهما يضمنان الابن ما قبض الأخ من الميراث؛ لأنهما زعما أن الميراث للابن دون الأخ، وأنهما أتلفا على الابن ذلك بشهادتهما، فقد أقرا بسبب الضمان على أنفسهما فيضمنان، فصار هذا كما لو رجعا عن شهادتهما، واعتبر في «الكتاب» الشهادة الثانية رجوعاً عن الأولى؛ لأن بينهما تناف، فكانت الثانية رجوعاً عن الأولى ضرورة ولو شهد بالابن غير الأولين وقد استهلك الأخ، فالابن بالخيار إن شاء ضمن الشاهدين الأولين ورجعا بذلك على الأخ، وإن شاء ضمن الأخ ولم يرجع على أحد، إما يقبل شهادتهم لأنه ليس بينهما مناقضة، فكل فريق اعتمد دليلاً مطلقاً لأداء الشهادة، فالشهادة على النسب: جواز أدائها بناء على الشهرة والتسامع، فقد علم الأولان بنسب الأخ بالشهرة، ولم يشتهر عندهما، ولم يبلغهما نسب الابن، فشهدا بوراثة الأخ، ثم الفريق الثاني علموا من طريق الشهرة نسب الابن، ولم يسبق منهم ما يناقض شهادتهم فقبلت شهادتهم، وقضي بنسب الابن، لأنه ليس بين الأخ والابن منافاة، وإذا ثبت نسب الابن كان أولى بالميراث من الأخ، فإن كان المال قائماً في يد الأخ يسترده منه، وإن كان قد استهلكه، فالابن بالخيار إن شاء ضمن الأخ، لأنه قبض ماله بغير حق، وإن شاء ضمن الشهود، لأنهم بشهادتهم أتلفوا ماله وظهر بطلان شهادتهم بشهادة الآخرين، فصار كما لو ظهرت ذلك برجوعهم، وصار هذا كما لو شهدوا بالقتل واقتصَّ منه بقضاء القاضي (١٢٧ب٤) ثم جاء المشهود بقتله حياً إنهم يضمنون كما لو رجعوا بذلك على الأخ؛ لأنهم ملكوا المضمون بأداء الضمان، فصار الأخ غاصباً مالهم، فكان لهم حق تضمينه.
ولو كان الأولان أو غيرهما شهدا أن الثاني أخو الميت لأبيه وأمه ووارثه مع الأول قبلت شهادتهما سواء كان قبل القضاء الأول أو بعد القضاء، لأنه لا تناف بين الشهادتين لجواز أن يكون له أخوان، وكل واحد منهما يرث مع الآخر، ولا يضمنان لأنه لم يظهر كذبهما، لعدم التنافي بينهما، ولكن لو كان الأول قبض المال دفعا نصفه إلى الثاني: لأنه ظهر أن المستحق لهذا النصف هو الثاني، وقبلت شهادتهما؛ لعدم التنافي.
فإن قيل: إذا كان الشاهدان بالثاني هما اللذان شهدا بالأول ينبغي أن لا تقبل شهادتهما بالثاني، لأنهما شهدا للأول أنه وارثه لا وارث له غيره، وكما شهد بالوراثة للثاني كانا متناقضين، قلنا: قوله: لا وارث له غيره، ليس من صلب الشهادة؛ لأنه نفي والشهادة على النفي لا تقبل، ألا ترى أنهما لو لم يذكرا ذلك في الشهادة قبل القاضي
стр. 3806
شهادتهما أيضاً، إنما هذا لإسقاط التلوم عن القاضي، فلا يوجب مناقضته بين الشهادة الأولى والثانية، فقلنا جميعاً ولا يضمنان لأحد لما ذكرنا.
إذا شهد الكفيلان بنفس المدعى عليه على المدعي أن المدعى عليه أوفاه الدين، فقد قيل: تقبل شهادتهما، وقد قيل: لا تقبل لأنهما يريدان إخراج أنفسهما عن عهدة الكفالة بالنفس بهذه الشهادة، والصحيح من الجواب: أنها إن شهدا بإيفاء الدين الذي حصلت الكفالة بالنفس لأجله لا تقبل، وإن شهدا بإيفاء دين آخر لم تحصل الكفالة بالنفس لأجله تقبل.
الوكيل شراء شيء بغير عينه إذا اشترى وقال: اشتريت لنفسي، وقال الموكل: لا بل اشتراه لي، فأقام الموكل البينة على إقرار الوكيل أنه اشتراه للموكل وأحد الشهود البائع، فالقاضي لا يقبل هذه الشهادة من البائع لأنه متهم فيها، لأنه يبعد العهدة عن نفسه، فإن الوكيل بالشراء إذا سلم المشترى إلى الموكل لا ينفرد بالرد بالعيب، بل يشترط رضا الموكل الشاهد إذا كتب شهادته على صك البيع أو على صك الشراء ثم إن رجلاً آخر ادعى العين المشترى لنفسه، وشهد له الذي كتب شهادته على الصك، فإن كتب الشهادة على وجه يمنع الكاتب عن دعوى الملك لنفسه في ذلك العين لا تقبل شهادته للمدعي، وإن كتب الشهادة على وجه لا يمنع الكاتب عن دعوى الملك لنفسه في ذلك العين تقبل شهادته للمدعي، ومسألة دعوى الشاهد على الصك تأتي في كتاب الدعوى إن شاء الله تعالى.
عشرة وكَّلوا رجلا بشراء محدود معين، فذهب الوكيل واشترى فأنكر واحد من العشرة كونه وكيلاً من جهته، فشهد التسعة على العاشر أنك وكلته معنا بالشراء تقبل هذه الشهادة، ولو كان هذا وكيلاً بالبيع وباقي المسألة بحالها لا تقبل شهادة التسع؛ لأنهم يشهدون لأنفسهم لأنهم يريدون إثبات لزوم البيع في نصيبهم، وأما في الفصل الأول لا يشهدون لأنفسهم، وفي «فتاوى النسفى» سئل عن وكيل مجلس القضاء إذا ادعى بحضرة المدعي الذي وكله على آخر أن لهذا المدعي علي مثلاً كذا، فأجاب المدعى عليه: إنه قد قضاه ذلك، فأنكر المدعي، فشهد هذا الوكيل مع رجل آخر على القضاء لا تقبل شهادة هذا الوكيل؛ لأنه هو الذي ادعى عليه هذا المال في الحال، وذلك يمنعه عن الشهادة بالقضاء، فقيل له: أليس ثبت عن أصحابنا ﵏ أن من ادعى على آخر مالاً فقد أقرضه فشهد له شاهدان أنه أقرضه، وشهد آخر أنه أقرضه ثم قضاه ثبت القرض ولم يثبت القضاء ولم تصر شهادته بالقضاء مبطلة شهادته بالإقراض، قال: هناك شهد بالإقراض وشهد مرتباً عليه والقضاء مرتباً على الإقراض يقرر الإقراض ولا ينافيه، أما هذا شهد بقيام الدين عليه للحال وقيام الدين عليه ينافي القضاء قبله، فصار دعوى قيام الدين عليه للحال من هذا الوجه مبطلاً شهادته بالقضاء قبل هذا.
رجلان باعا عبداً من رجل ثم إن البائعين شهدا أن المشتري أعتق هذا العبد لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما بهذه الشهادة يخرجان عن العهدة، فإن المشتري إذا أعتق العبد
стр. 3807
المشترى ثم اطّلع على عيب به قد كان عند البائع لا يمكنه الرد على البائع.
شهادة أهل القرية بعضهم على بعضهم بزيادة الخراج على ضيعة المشهود عليه لا تقبل؛ لأن الشاهد بهذه الشهادة يريد إثبات نقصان خراجه حتى لو شهد من لا خراج عليه تقبل شهادته، وكذلك إذا كان لكل ضيعة خراج على حدة فشهد بعضهم على البعض بزيادة الخراج تقبل شهادتهم؛ لأن الشاهد بهذه الشهادة لا يثبت نقصان خراجه.
ولو أن أهل قرية شهدوا على بعض ضياع بجوار قريتهم أنه من ضياع قريتهم لا يجوز؛ لأنهم يريدون إثبات نقصان خراج ضيعتهم، ويجب أن يكون في هذا الفصل على التفصيل الذي ذكرنا في الفصل الأول.
وإذا شهد أهل السكة بشيء من مصالح السكة إن كانت السكة غير نافذة لا تقبل شهادتهم، وإن كانت نافذة تقبل شهادتهم؛ لأن السكة إذا كانت غير نافذة فهي كالمملوكة لأهل السكة، فهذه الشهادة راجعة الى مصلحة أملاكهم، وإذا كانت نافذة فهي حق العامة والشهادة على حق العامة مقبولة.
وإذا شهدا أن فلاناً غصب من أب هذا المدعي هذه القرية وهذه القرية في يد غير الغاصب، والغاصب غائب أو ميت، فهذه الشهادة ليست بشيء حتى شهدا أنها وصلت إلى هذا المدعى عليه من قبل الغاصب أو يشهد بذلك غيرهما.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد ﵀: رجل شهد عليه شاهدان أنه باع هذه الدار من هذا الرجل بألف درهم على أنهما ضمنا للمشتري الدرك يعني الشاهدين، قال: إن كان الضمان في أصل البيع لا تقبل شهادتهما؛ لأن البيع لا يتم إلا بضمانهما، فكأنهما شهدا على فعلهما، وإن لم يكن الضمان في أصل البيع جازت شهادتهما؛ لأن البيع ههنا تام بدون ضمانهما.
وفي «المنتقى» : ادعى رجل داراً في يدي رجل أنها له اشتراها من فلان، وقبضها فشهد له شاهدان بذلك إلا أنهما لم يسميا ثمناً، فإني أسألهما قبضها بأمره أو بغير أمره؟ فإن قالا: لا نزيد على هذا، لا تقبل شهادتهما، وإنما وجب السؤال عن الشهود أنه قبضها بأمره أو بغير أمره؛ لأنه تعذر القضاء بالشراء بثمن معلوم؛ لأن الشهود لم يشهدوا بذلك، فلا بد أن يقضي بالشراء بغير ثمن والشراء بغير ثمن شراء فاسدٌ والشراء الفاسد لا يفيد الملك بدون القبض، والقبض بغير إذن البائع في البيع الفاسد ليس بصحيح، فلهذا وجب السؤال عن الشهود، وأنه قبضها بأمره أو بغير أمره، وإذا قالا: لا نزيد على هذا إنما لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما لم يشهدا بما هو سبب الملك لما لم يشهدا بإذن البائع بالقبض، وإن ماتا قبل أن يسألهما، فهذا عندنا على أنه قبضها بإذن البائع وأمره؛ لأن الظاهر أنه إنما تمكن من قبضها بتسليم البائع، لولا ذلك لتعذر عليه القبض؛ لأن البائع يمنعه عن ذلك، وليس له ولاية القبض شرعاً حتى يقدر على قبضها بقوة القاضي والناس و ... ؟ على الظاهر واجب حتى يقوم الدليل على خلافه.
стр. 3808
قال: ولا العرض له في الثمن يعني لا أقف التسليم على قبض الثمن؛ لأن القبض حصل بأمر البائع، والقبض متى كان بأمر البائع لا يتمكن من استرداد لأجل الثمن، فلا يتوقف القبض ههنا على أخذ الثمن، وكذلك لو أن الشاهدين قالا من الابتداء: إنه قبضها بأمر البائع؛ لأن هذا الشراء فاسد لما لم يشهدا بالثمن والشراء الفاسد يفيد الملك عند القبض فإن لم يسم الشاهدان الثمن ولا قبض المدعي الدار فالقاضي لا يقضي للمدعي؛ لأنه تعذر القضاء بالعقد لأنه فاسد، ولا يجوز القضاء بالعقد الفاسد وتعذر القضاء بالملك؛ لأن البيع الفاسد لا يفيد الملك بدون القبض.
وفي «الأقضية» قال محمد ﵀: ولو أن رجلاً ادعى داراً في يدي رجل أنها داره اشتراها من فلان وهو يملكها بألف درهم، فشهد الشهود له بذلك إلا أنهم لم يقولوا: إنه قبضها بأمره، قال: فإني لا آخذ الدار من صاحب اليد ولا أدفعها إليه حتى يدفع إلى صاحب اليد، ثم أدفع الدار إليه، وقد روي عنه رجوعه عن هذا القول، وقال: تؤخذ الدار من يده ولا تدفع إلى المدعي حتى يؤخذ الثمن من يده، فقد أشار إلى سماع دعوى المدعي في هذه المسألة، وذكر في «المنتقى» أنه لا تصح هذه الدعوى منه أصلاً حتى ينقد الثمن عند القاضي.
ووجه ذلك: أن صحة الدعوى في هذه الصورة تعتمد نقد الثمن، وهذا لأن المرافعة إلى القاضي غير محتاج إليها لإثبات الملك في العين؛ لأن الملك لا يثبت بقضاء القاضي وإنما ثبت بسببه، فإذا (١٢٨أ٤) وجد سبب الملك ثبت الملك وجد القضاء أو لم يوجد وإنما يحتاج إلى المرافعة ليقصر القاضي يد المدعى عليه بولاية القضاء فإنما تصح الدعوى إذا كان له ولاية مطالبة القاضي بقصر يد المدعى عليه، وقبل نقد الثمن ليس للمشتري ولاية قبض المبيع فلا يكون له ولاية دعوى الملك.
ووجه ما ذكر في «الأقضية» : أن المدعي ادعى على ذي اليد حقاً لنفسه لا يمكنه إثبات ذلك الحق إلا بإثبات أمر على الغائب وهو الشراء منه؛ لأنه ادعى الملك بسبب الشراء منه، فانتصب ذو اليد خصماً عن الغائب، فكأنه حضر وأنكر الشراء، ولو كان كذلك تسمع دعوى المدعي كذا ههنا.
وإذا سمع دعواه وقبلت بينته لا تدفع الدار إليه حتى ينقد الثمن، كما لو كان حاضراً وقضي عليه بالشراء لا يدفع الدار إلى المدعي قبل نقد الثمن كذا ههنا، إلا أن على القول المرجوع إليه يقول: لمّا صح القضاء عليه بالملك ظهر أنه مبطل في إمساك المدعي له ظالم في منعه، فيخرجه القاضي عن يده إزالة لظلمه ثم إذا أخرجه من يده لا يدفعه إلى المدعي قبل نقد الثمن، إذ ليس للمشتري ولاية أخذ المبيع قبل نقد الثمن، وإن حضر الذي ادعى المدعي الشراء منه، وأنكر أن يكون باعه إياه أخذ القاضي الدار من المدعي، وسلمها إلى الذي حضر؛ لأن الذي حضر لم يصر مقضياً عليه بالشراء؛ لأن صاحب اليد لم ينتصب خصماً عنه في إثبات الشراء عليه؛ وهذا لأن القضاء لابد له من الدعوى والإنكار، وذو اليد لا يمكن أن يجعل منكراً بطريق الأصالة؛ لأن الأصل في الإنكار أن لا يتعدى ضرر إنكاره إلى غيره، وضرر إنكار
стр. 3809
صاحب اليد ههنا يتعدى إلى الغائب بإثبات البيع عليه، ولا يمكن أن يجعل ذو اليد نائباً عن الغائب في الإنكار؛ لأن الحاضر إنما يجعل خصماً عن غيره في الإنكار إذا جرى بينهما سبب له اتصال بما وقع فيه الدعوى، ولم يجر بين الغائب وذو اليد ههنا سبب حتى يقام إنكار ذي اليد مقام إنكار الغائب، فظهر أن البينة على البيع قامت على غير خصم.n
فرق بين هذا وبينما إذا شهد شاهدان على رجل بمال فطعن المشهود عليه أنهما عبدان لفلان، وادعى الشاهدان أن فلاناً أعتقهما وأقاما البينة قبلت بينتهما وقضي بعتقهما على الغائب، ولم يجر بين المشهود عليه وبين الغائب سبب حتى يقام إنكاره مقام إنكار الغائب، ومع هذا قضى بعتقهما وظهر ذلك في حق الغائب، حتى لو حضر لا يحتاج إلى إعادة البينة.
والفرق: أن في مسألة العتق المشهود عليه أصل في إنكار العتق، وليس بنائب عن المولى؛ لأن دعوى العتق على المولى دعوى على كافة الناس، ألا ترى أن كل واحد من آحاد الناس يصير مقضياً عليه بالعتق، بالقضاء على واحد من الناس فكان دعوى العتق على المولى ودعوى العتق على المشهود عليه من حيث الاعتبار على السواء، وأما دعوى الملك على ذي اليد فدعوى عليه خاصة، ألا ترى أن غير ذي اليد لا يصير مقضياً عليه بالقضاء على ذي اليد في الملك المطلق، وإنما يتعدى القضاء من ذي اليد إلى الغائب، إذا كان ذو اليد نائباً عن الغائب، وإنما ثبتت النيابة إذا جرى بينهما سبب، ولم يجر بينهما سبب ههنا، فلم يصر الغائب مقضياً عليه، فكان للذي حضر أن يأخذها من يد المدعي لإقرار له بذلك.
وقد ذكر في «الجامع» وفي «الأصل» ما يدعي على أن الغائب يصير مقضياً عليه في مسألتنا حتى لا يكون له أن يأخذ الدار من يد المدعي، فقد ذكر في «الجامع» :
رجل في يديه دار ادعاها رجل أنها له اشتراها من عبد الله بألف درهم ونقده الثمن، وقال ذو اليد: أودعنيها عبد الله، فإنه تندفع عنه الخصومة، ولكن للمدعي أن يحلفه بالله لقد أودعك عبد الله، فإن قال حين حلفه: ما أودعنيها عبد الله ولكن غصبتها منه وحلف على ذلك، فإن القاضي لا يلتفت إلى مقالته للتناقض بين كلاميه، ويجعله خصماً ويقضي بالدار للمدعي على ذي اليد، فإن قضى بذلك ثم قدم عبد الله وادعى أن الدار داره أودعها من ذي اليد، وأراد أن يأخذها من المدعي حتى يعيد المدعي البينة عليه ليس له ذلك؛ لأن القاضي لما جعل ذا اليد خصماً، وأنزله منكراً حكماً وقضى بالشراء عليه انتصب خصماً عن الغائب، فصار كما لو أقام البينة عليه حقيقة فنفذ القضاء عليه، فكذا ههنا ذو اليد خصم له حتى سمعت البينة عليه، وقضى بالملك والبيع عليهما، فانتصب خصماً عن الغائب ضرورة، فصار كما لو أقيم البينة عليه حقيقة.
وهكذا ذكر في دعوة «الأصل» إلا أن ثمة وضع المسألة فيما إذا شهدوا بقبض الثمن وذلك يصير رواية فيما إذا لم يشهدوا بقبض الثمن، إذ المعنى يجمعهما، فإن كان في المسألة اختلاف الروايتين ووجهه ما ذكرنا، وإن كان اختلاف الجواب لاختلاف
стр. 3810
الموضوع فإن موضوع مسألة «الجامع» و «الأصل» : أن الشهود شهدوا بقبض الثمن، وموضوع مسألة الأقضية أن الشهود لم يشهدوا بقبض الثمن.
فوجه الفرق أن البيع قبل قبض المبيع وتسليم الثمن قائم حكماً لبقاء أحكامه، فلا بد من القضاء به، وذو اليد لا يصلح خصماً في العقد عن الغائب لما قلنا، فيتعذر القضاء بالبيع فلا يقضى به، فأما بعد قبض الثمن وتسليم المبيع البيع قد انتهى نهايته، فكان هذا دعوى الملك فحسب، وذو اليد خصم فيه، فصلح القضاء عليه بالملك من كل وجه، ومن ضرورته صيرورة الغائب مقضياً عليه؛ لأن المدعي يدعي الملك من جهته.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل تزوج امرأة على مهر مسمى ثم إن هذا الرجل شهد مع رجل آخر أنها أمة هذا الرجل والرجل يدعيها، فهذه المسألة على وجهين:
إما أن يقول المدعي أمرتها بالتزوج أو يقول: ما أمرتها بالتزوج، فإن قال: لم آمرها بالتزوج فالقاضي لا يقبل، أما إذا لم يكن دخل بها؛ فلأنه يشهد ببطلان نكاحها، وأن لا مهر لها عليه إن لم يدفع لها المهر، وبثبوت الرجوع لنفسه عليها إن دفع إليها المهر، أما إذا دخل بها؛ فلأنه يريد تحويل ما وجب عليه لها بحكم الدخول إلى غيرها، وهو المولى إن لم يكن دفع إليها ذلك، وإن كان دفع إليها ذلك فلأنه يثبت لنفسه حق الرجوع عليها بعد العتق بما قبضت، وإن قال: أمرتها بالتزوج لا أقبل شهادة الزوج أيضاً لما قلنا، وإن كان الرجل المشهود له قال: قد كنت أمرتها بالتزوج وأذنت لها في قبض المهر فإن كان الزوج لم يدفع إليها المهر لا تقبل شهادته، وإن كان الزوج قد دفع إليها المهر قبلت شهادتهما؛ لأنه إذا ثبت الإذن لها بقبض المهر فقد برء الزوج عن المهر بالدفع إليها ولم يبق لها عليه شيء حتى يحوله إلى غيرها، ولا يثبت لنفسه حق الرجوع عليها أيضاً؛ لأنه استفاد البراءة فالمولى لا يرجع عليه حتى يرجع هو عليها بما دفع إليها.
قالوا: وهذا إذا كان تزوجها على مهر مثلها أو أكثر، فإن خطب عن مهر مثلها بما يتغابن الناس فيه كانت مخالفة لأمره ولا يصلح النكاح، فينبغي أن لا تقبل الشهادة؛ لأنه بهذه الشهادة يريد إبطال عقد باشره وإسقاط المهر عن نفسه إن لم يدخل بها وتحويل ما وجب عليه بحكم الدخول بها إلى غيرها إن لم يكن دفع المهر إليها أو إثبات حق الرجوع لنفسه دفع إليها إن كان دفع المهر إليها، ثم هذا الذي ذكرنا يحتمل أنه قول أبي يوسف ومحمد لا قول أبي حنيفة بناء على مسألة الوكيل بالنكاح، فإن الوكيل بالنكاح عند أبي حنيفة ﵀ يملك النكاح بأي مهر شاء، وعندهما تنفيذ التوكيل بمهر المثل.
وإن كان هذا قول الكل يحتاج أبو حنيفة ﵀ إلى الفرق بين أمر المولى عبده أو أمته بالتزوج وبين أمره أجنبياً.
والفرق: أن عند أبي حنيفة ﵀ تصرف المأمور بغبن فاحش إنما ينفذ على الأمر إذا انتفت التهمة، أما إذا لم تنتفِ فلا، ألا ترى أن الوكيل بالشراء لا يتحمل منه الغبن الفاحش لما كان متهماً.
إذا ثبت هذا فقبول التهمة في حق الوكيل بالنكاح منتفية؛ لأنه لا يرجع إليه بشيء
стр. 3811
من منافع العقد ليتحمل العين لتحصيل منفعة تعود إليه، أما العبد والأمة فهما متهمان في حق أنفسهما؛ لأن منافع النكاح تعود إليهما، فلعل أنهما تحملا العين لتحصيل نفع يعود إليهما، فلا يصح نكاح كل واحد منهما على هذا الوجه.
وفي «المنتقى» : رجل شهد مع آخر على امرأته أنها أقرت أنها آمة هذا المدعي وهي مجهولة النسب، والزوج يصدقها في إقرارها أو يكذبها وقد دخل بها أو لم يدخل بها، والمدعي يجز النكاح (١٢٨ب٤) أو يقول لا آمره، فإن الشهادة في جميع ذلك جائزة كان الزوج نقد المهر أو لم ينقد، وليس للمولى أن يفرق بينهما إلا إذا صدق الزوج المرأة في الإقرار، وله أن ينقض النكاح في هذا الوجه، وله في هذا الوجه أن يضمن الزوج إن كان قد دخل بها، ولا يرجع على المرأة بما أعطاها.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: في عبد مأذون له في التجارة، عليه دين شهد رجلان من غرماء العبد أن مولاه أعتقه والمولى ينكر، فالمسألة على وجهين: إما أن يختار الشاهدان اتباع المولى بتضمينهما القيمة إياها، أو يختاران استسعاء العبد، وهذا لأن قبل الإعتاق للغرماء حق بيع العبد في ديونهم أو حق استسعاء العبد، والمولى بالإعتاق أبطل محلية أحد الحقين، وهو البيع دون الاستسعاء فإن شاءا ضمنا المولى لإتلافه محلية وهو أخذ حقهم، وإن شاءا استسعى العبد لبقاء محلية الاستسعاء، فإن اختار التضمين فلا تقبل شهادتهما؛ لأنهما شاهدان لأنفسهما بإثبات حق التضمين، فلا تقبل شهادتهما، وإن أبرأاه عن القيمة واختارا إتباع العبد المعتق بدينهما قبلت شهادتهما؛ لأن التهمة منتفية، فإنهما لا يستفيدان بهذه الشهادة ما لم يكن لهما قبل ذلك، فإن حق لاستسعاء قبل ذلك ثابت لهما كما هو ثابت بعد الإعتاق، فقبلت شهادتهما.
قال: ولو شهد رجلان أن هذا أعتق عبده فجنى العبد على أحدهما ففقأ عينه والمولى ينكر العتق، فلا شيء للمجني عليه فلا تقبل شهادتهما، أما لا تقبل هذه الشهادة؛ لأن المجني عليه يريد إلزام القصص عليه بهذه الشهادة؛ لأن قبل العتق كان لا يجري القصاص؛ لأن القصاص لا يجري في أطراف العبد؛ لأنه يسلك بها مسلك الأموال، والقصاص لا يجري في المال، فكان شاهداً لنفسه من حيث إثبات القصاص لنفسه، فلا تقبل شهادته ولا يثبت العتق ولا شيء للمجني عليه، وإن كانت جناية العبد فيما دون النفس موجباً للمال على مولاه حتى خوطب بالدفع أو الفداء أو قد أقر المولى بلزوم هذا الحق على نفسه، ولكن لم يثبت حكم إقراره لتكذيب المجني عليه إياه؛ لأنه زعم أن الجاني جنى، وأن عليه القصاص ولا شيء على المولى بسبب هذه الجناية، والمقر له إذا أكذب المقر لا يبقى لإقراره غيره، فما ادعاه لم يثبت لعدم الحجة، وما أقر به المولى لم يثبت؛ لتكذيب المجني عليه، فلهذا لا شيء عليه.
وفي «نوادر ابن سماعة» قال: قلت لمحمد ﵀: أرأيت شركاء في أرض اقتسموها فصار في يد كل واحد منهم حق معلوم، وادعى رجل من غير أهل هذه الأرض قطعة منها وقعت في نصيب واحد منهم، فشهد أهل المقاسمة أن الذي وقعت تلك
стр. 3812
الأرض في يده أقر بهذه الأرض للمدعي، قال: الشهادة باطلة؛ لأنه يجد بها إلى نفسه مغنماً أو يدفع عن نفسه مغرماً؛ لأنه يريد بهذه الشهادة سد طريق الرد عليه بأسباب الرد والفسخ كالعيب ونحوه، وصار هذا كرجل باع من آخر جارية بثمن معلوم وتقابضا، فادعى الجارية رجل فشهد البائع مع آخر أن المشتري أقر أن هذه الجارية لفلان المدعي هذا لا تقبل شهادة البائع؛ لأنه متهم في هذه الشهادة، لأنه يريد بشهادته أن يسد طريق الرد عليه حتى لا يملك ردها وإن وجد عيناً بهذا كذا ههنا.
وإنما قلنا: إنه يسد عليه طريق الرد؛ لأن الإقرار حجة على المقر خاصة دون من سواه، ففي حق البائع في المسألة الثانية وشركائه في المقاسمة في المسألة الأولى، كأنه ملكها من المدعي بسبب مبتدأ، ولو كان كذلك كان لا يقدر على الرد بالعيب، ولا الرجوع بنقصان العيب؛ لأن ذلك الملك الذي استفاده بالبيع قد زال فيثبت أنه يجر بشهادته مغنماً أو يدفع عن نفسه مغرماً فلا تقبل شهادته.
قال ابن سماعة: قلت لمحمد ﵀: إن ادعى جار لهم حقاً في يد الأقضى، فشهد شركاء المدعي أن هذا حدهم الذين اقتسموا عليه، وأن ما وراءه للمدعي والمدعي يدعيه، أو قالوا: نشهد أن هذه الأرض للمدعي والمدعي يدعيه، والمدعى عليه ينكر ذلك ويقول: إنما شهدوا به لينقصوا من حقي، فإن الشهادة جائزة؛ لأنه لا تهمة فيها، إذ ليس فيه جر منفعة ولا دفع مضرة بوجه ما، وكذلك ليس فيها سعي إلى نقص ما تم بهم؛ لأنهم يقولون: إن المشهود به مما لم يدخل تحت القسمة، وإن ما قاسموه عليه وراء ذلك، فهم عدول شهدوا لغيرهم، ولا تهمة في شهادتهم فقبلت شهادتهم.
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف ﵀ قال في خمسة نفر بينهم دار وطعام، فشهد أربعة منهم على الخامس أن فلاناً غصب حصته من الدار والطعام وذلك غير مقسوم، فالشهادة باطلة، لأنهم يجرون إلى أنفسهم بذلك منفعة، لأنهم يريدون قطع ولاية طلب شريكهم القسمة فيه، وفي ذلك منفعة لهم.
بيانه: أنه إلى الآن كان للمشهود عليه أن يأخذهم بالمقاسمة، ولو ثبت غصب الغاصب تعذرت القسمة معه حتى يستخلصه من الغاصب؛ لأن القسمة نوع بيع، وإنه لا يجوز في المغصوب، ولأنه يريد أن يشاركهم فيما في أيديهم من غير أن يكون لهم مما في يده شيء، وإنه خلاف طريق المعادلة فلا يجوز. وهذه المسألة دليل على أن غصب المشاع متصور، بخلاف ما يقول بعض المشايخ.
قال ابن سماعة: سمعت محمداً قال في قوم لهم أرضون على نهر بينهم، فباع رجل أرضه في أسفل الشرب بحقوقها وشربها، فشهد هذا البائع لبعض أهل النهر بزيادة في شرب بينهم وبين أهل أسفل الشرب. إنه لا يجوز شهادته؛ لأنه لما ذكر الشرب في البيع
стр. 3813
صار مبيعاً حتى قابله الثمن، نص عليه في كتاب الشرب، فإنه ذكر فيه:
إذا شهد شاهدان على أنه باع منه هذه الأرض بألف درهم، وذكر أحدهما شربها ولم يذكر الآخر لا تجوز هذه الشهادة، لأنهما اختلفا في الثمن من حيث الحقيقة، لأن من شهد أنه باعه بشربها، فقد شهد أن بعض الألف بمقابلة الشرب، والباقي بالأرض، والآخر يشهد أن جميع الألف بمقابلة الأرض، والاختلاف بين الشاهدين في الثمن يمنع قبول شهادتهما على البيع، فثبت أن الشرب مبيع، فإذا شهد بزيادة شرب لهم فقد شهد لنفسه بشيء من ذلك أولاً ثم بمشربه بحكم الشراء منه، فلا تقبل شهادته.
ولا تقبل شهادة الصبيان على الجراحات وتمزيق الثياب بينهم في الملاعب، وكذلك شهادة النساء على الجراحات في الحمامات لا تقبل.
رجل في يديه شاة مر به رجل فقال الذي في يديه الشاة للمار: اذبح هذه الشاة فذبحها، فجاءه رجل وادعى أنها شاته اغتصبها منه الذي كانت في يديه، وأقام على ذلك شاهدين، أحدهما الذابح لم تجز شهادة الذابح، علل فقال: لأنه دفع عن نفسه مغرماً، طعن عيسى في هذا فقال: يجب أن تقبل شهادته؛ لأنه جر إلى نفسه مغرماً؛ لأنه لما استحقها المدعي ظهر أن الآمر كان غاصباً، وأن الذابح ذبح شاة الغير بغير إذن ذلك الغير، وذبح شاة الغير بغير إذنه سبب الضمان، فعلم أنه جار إلى نفسه بهذه الشهادة مغرماً.
والجواب: لا بل هو دافع مغرماً عن نفسه بهذه الشهادة؛ لأنا لو لم نقبل شهادته يجب الضمان عليه خاصة؛ لأنه يجب بحكم إقراره أن الملك للمدعي، وأن الآمر كان غاصباً وإقراره حجة في حقه، وليس بحجة في حق غيره، وإذا قبلنا الشهادة يظهر ملك المدعي، وكون الآمر غاصباً في حق الكل، ويتخير المدعي بين تضمين الآمر وبين تضمين الذابح، وإذا ضمن الذابح كان له الرجوع على الآمر، فكان دافع مغرم من هذا الوجه، فلهذا لا تقبل شهادته.
وإذا شهد الوصي بالدين، إن شهد بالدين للميت على غيره لا يقبل؛ لأنه يثبت لنفسه حق القبض والاستيفاء فيصير شاهداً لنفسه، وإن شهد على الميت بالدين تقبل لأنه يطالب به، فيصير شاهداً على نفسه لا لنفسه فيقبل، قال: إلا أن يكون قضى الدين أولاً من التركة ثم شهد بعد ذلك فحينئذ تقبل شهادته، لأنه يقصد به إسقاط الضمان عن نفسه، فيكون شاهداً لنفسه، وإن شهد لبعض ورثة الميت على الميت أو على أجنبي أو على بعض الورثة بدين، فإن كان المشهود له صغيراً لا تقبل، لأنه يثبت حق القبض والاستيفاء لنفسه، فيصير شاهداً لنفسه، وإن كان المشهود له كبيراً، ذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ أن الشهادة مقبولة ولم يذكر فيه خلافاً، وذكر شيخ الاسلام ﵀ أن على قول أبي حنيفة ﵀ لا تقبل، وعلى قولهما: تقبل، وأحال المسألة إلى كتاب الوصايا.
стр. 3814
الفصل الثامن: في الشهادات في المواريث
قال محمد ﵀ في «الزيادات» : وإذا شهد شاهدان عند القاضي أن هذا الرجل وارث هذا الميت لا وارث له غيره ولم يخبرا بسبب الميراث، ثم إنهما ماتا أو غابا قبل أن يسألهما القاضي عن السبب، فالقاضي لا يقضي بشهادتهما؛ لأنهما شهدا (١٢٩أ٤) بالمجهول؛ لأن الوارث مجهول غاية الجهالة؛ لأن أسباب الإرث كثيرة؛ أحكامها مختلفة، فكانت الجهالة ساحة لا يمكن تداركها، فيعجز القاضي عن القضاء؛ لأنه لا يدري بأي سبب يقضي، ألا ترى أنه لو جاء آخر وادعى أنه ابن الميت أو أبوه، فالقاضي لا يدري أنه يشاركه في الميراث أو لا يشاركه، فكيف يشاركه، وهذا بخلاف ما لو شهدا بالدين أو بملك الغير، فإنه تقبل شهادتهما، وإن لم يبينا سبب ذلك؛ لأن الدين لا يختلف باختلاف سببه، وكذلك ملك الغير لا يختلف باختلاف سببه، فلا يكون المشهود به مجهولاً بخلاف الإرث؛ لأنه يختلف باختلاف أسبابه، فلا بد من بيان السبب، فإن قالا: هو ابنه ووارثه لا يعلم له وارثاً آخر صار المشهود به معلوماً للقاضي فيقضي بشهادتهما، فقد شرط مع بيان السبب أن يقول هو وارثه لا نعلم له وارثاً سواه، ولا شك أن قولهما: ووارثه شرط فيمن يحتمل الحجب والسقوط بحال، فأما من لا يحتمل الحجب والسقوط بحال نحو الأب والأم والابن والبنت هل هو شرط؟ فقد اختلف المشايخ فيه.
وإشارات محمد ﵀ في «الكتاب» : متعارضة، فوجه قول من قال: إنه شرط هؤلاء قد لا يرثون بعارض القتل والكفر والرق؛ ولأنهم قد يكونون بجهة الرضاع، فيشرط ذكره ليزول الاحتمال، وجه قول من قال بأنه ليس بشرط وهو الصحيح: أن هذه العوارض ليست بظاهرة، فلا يلتفت إليها، والنسبة المطلقة بهذه الأشياء هي بجهة الرضاع غير ثابتة عادة فلا تورث شبهة، وقول الشاهدين: لا نعلم وارثاً آخر ليس من صلب الشهادة، وإنما هو لإسقاط مؤنة التلوم عن القاضي، فإنه يدونه القاضي يتلوم زماناً، ولو شهدوا أنه عم الميت لابد وأن ينسبا الميت والوارث حتى يلتقيا إلى أب واحد؛ ليعلم أنه عمه، ويتسامع ذلك أنه عمه لأبيه وأمه، أو لأبيه أو لأمه، حتى إذا جاء آخر وادعى ميراث الميت يعلم أن الأول حاجب للعالي أو ليس بحاجب له، وبعد أن لا يكون حاجباً له في أي قدر يشاركه الثاني، وينبغي أن يتسامع ذلك أنه وارثه لا يعلم له وارثاً غيره؛ لأن العمل يحتمل الحجب والسقوط بغيره، والذي ذكرنا من الجواب فيما إذا شهدوا أنه عم الميت وكذلك إذا شهد أنه أخ الميت، لا بد وأن يبينا أنه أخوه لأبيه وأمه أو لأبيه أو لأمه لأن الأخّوة في نفسها مختلفة، وقد يتعلق بها العصوبة، وهو ما إذا كان لأب وأم أو لأب، وقد تتعلق بها الفرضية، وهو ما إذا كانت لأم وأحكامها مختلفة، فلا بد من بيان ذلك ليصير المشهود به معلوماً للقاضي، ويشترط مع ذلك أن يقولا ووارثه: لا نعلم له
стр. 3815
وارثاً غيره، لما قلنا في العم، ولو شهدوا أنه مولاه ووارثه لا يقبل القاضي هذه الشهادة حتى يشهد أنه مولاه أعتقه؛ لأن المولى اسم مشترك يتناول الأعلى وهو المعِتق، ويتناول الأسفل وهو المعَتق، ومن الناس من يورث الأسفل.
وعندنا: لا ميراث للأسفل ولعل الشاهدين أرادا الأسفل، فلو قضى القاضي بهذه الشهادة قبل البيان يقع القضاء لغير الوارث وإنه لا يجوز، ولو شهدا أن هذا ابن ابن الميت أو هذه بنت ابن الميت لا بد أن يقولا: وهو وارثه، لأنهما يسقطان بحال، فلا بد منه لينقطع الاحتمال، ولو شهدا أنه جد الميت لابد وأن يبينا أنه جده من قبل الأب أو من قبل الأم؛ لأن كل واحد منهما جد على الحقيقة وأحدهما صحيح، والآخر فاسد ويتسامع ذلك أيضاً أنه وارثه؛ لأنه يحتمل السقوط والحجب لغيره، وكذلك إذا شهدوا أن هذه جدته لابد وأن يبينا أنها أم أم الميت أو أم أبيه؛ لأن الجدة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة، ويبينا مع ذلك أنها وارثته لما قلنا في الجد.
ولو شهدا أنه جده أب أبيه ووارثه لا نعلم له وارثاً سواه، وقضى القاضي بذلك ثم جاء رجل وادعى أنه أب الميت، وأقام على ذلك بينة قضى القاضي به؛ لأنه لا تنافي بين كون الأول جد الميت، وبين كون الثاني أباً له، ويجعل الميراث للأب وينقض القضاء بالمال للجد؛ لوقوعه خطأً أو الجد محجوب بالأب، ويجعل الجد أباً لهذا الذي ادعى الأبوة، فإن قال الأب للقاضي: إن هذا الذي أقام البينة أنه جد الميت ليس بأب لي فمره بإعادة البينة، فالقاضي لا يكلفه ذلك؛ لأن نسب الجد ثابت بقضاء القاضي بالبينة القائمة على النسب، عند وجود شرطها، وهو دعوى الميراث ولم يوجد ما يوجب النقض في حق النسب فبقي نسبه كما كان.
فإن قيل: القضاء بالنسب ثبت في ضمن القضاء بالوراثة، وقد تبين بطلان القضاء بالوراثة فتبين بطلان القضاء بالنسب أيضاً.
قلنا: القضاء بالوراثة، لم يبطل إنما بطل القضاء بدفع المال إليه، وهذا لأن الجد وارث مع الأب لوجود سبب الوراثة في حقه إلا أن الأب أقرب، والميراث يدفع إلى أقرب الوارثين مع كون الأبعد وارثاً، فإنما يبطل القضاء بدفع المال، أما لا يبطل القضاء بالوراثة، وإذا لم يبطل القضاء بالوراثة كيف يبطل ما ثبت في ضمنه من القضاء بالنسب، نظيره الجار مع الشريك، فإن الشريك مقدم على الجار، وإن اجتمعا عند القاضي فالقاضي يقضي بالشفعة للشريك مع كون الجار شفيعاً في نفسه حتى لو سلم الجار الشفعة يصح تسليمه كذا ههنا.
واستشهد في «الكتاب» لإيضاح ما قلنا بمثله فقال: ألا ترى أن الأول لو أقام بينة أنه أخو الميت لأب وأم، وقضى القاضي بذلك وجعل الميراث له، ثم جاء آخر وأقام البينة أنه ابن الميت، جعل القاضي الميراث للابن، ويجعل الأول عماً لهذا الابن فإن قال الابن: إنه ليس بعمي، فمره بإعادة البينة، لا يكلفه القاضي ذلك. [
والمعنى ما ذكرنا، وكتاب القاضي إلى القاضي في نقل الشهادة في هذا الباب
стр. 3816
مقبول؛ لأنه ثبت مع الشبهات، فيقبل فيه كتاب القاضي كما في سائر الحقوق التي تثبت مع الشبهات.
وإذا مات الرجل فأقام رجل البينة أنه فلان ابن فلان الفلاني، وأن الميت فلان بن فلان الفلاني حتى التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة، وهو عصبة الميت ووارثه، لا نعلم له وارثاً غيره قضى له بالميراث؛ لأنه أثبت بالبينة أنه ابن عم الميت لأبيه وأمه، أو لأبيه؛ لأنهما التقيا إلى أب واحد وإنما يلتقيان إلى أب واحد إذا كان المدعي ابن عم الميت من جهة الأب والأم أو من جهة الأب، فأما إذا كان ابن عمه لأم لا يلتقيان إلى أب واحد، وهو معنى قولنا: إنه أثبت بالبينة أنه ابن عم الميت لأبيه وأمه أو لأبيه وقد شهدوا أنه وارثه لا نعلم له وارثاً غيره له فوجب القضاء له بالميراث، فإن جاء آخر بعد ذلك وأقام بينة أنه عصبة الميت، فإن أثبت الثاني مثل ما أثبته الأول بأن أثبت أنه فلان بن فلان الفلاني، والميت فلان بن فلان الفلاني حتى التقيا إلى أب واحد قبلت بينة الثاني، إذا التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة وإن كانا من قبيلتين بأن ادعى الأول أنه من العرب، وادعى الثاني أنه من العجم لا تقبل بينة الثاني؛ لأن العمل بالبينة متعذر، إذ يستحيل أن يكون للرجل ابنا عم من قبيلتين، فترجحت البينة الأولى بالقضاء، وإن أثبت الثاني نسباً أبعد عن الأول بأن أثبت الثاني أنه ابن ابن عمه، فالقاضي لا يلتفت إلى بينته التقيا إلى أب واحد من قبيلة واحدة، أو من قبيلتين؛ لأنه لا يستحق شيئاً من الميراث مع الأقرب.
وإن أثبت الثاني نسباً فوق الأول، بأن ادعى الثاني أن الميت ابنه ولد على فراشه، وأنه أبوه لا وارث له غيره.
فهذا على وجهين: إن ادعى الأب نسبه من القبيلة التي ادعاها ابن العم تقبل بينة الأب، وينقض القضاء الأول في حق الميراث دون النسب حتى لا يبقى الأول ابن عم له حتى لو مات هذا الأب يرث الأول منه إذا لم يكن له وارث أقرب منه؛ لأن العمل بالبينتين في حق ثبات النسب ممكن، إذ يجوز أن يكون للإنسان أب وابن عم من قبيلة واحدة، وإذا أمكن العمل في حق ثبات النسب لم ينقض القضاء الأول في حق النسب، وينقضه في حق الميراث؛ لأن ابن العم لا يرث مع الأب.
وإن ادعى الأب نسبه من قبيلة أخرى قبلت بينة الأب وينقض القضاء الأول في حق الميراث والنسب جميعاً؛ لأن العمل بالبينتين في حق النسب متعذر ههنا، لأن.... دعواهما أن للميت أبوان، هذا المدعي وأخ أب ابن العم، ولا يتصور من حيث الحقيقة أن يكون للشخص الواحد أبوان، وإذا تعذر العمل بهما في حق النسب وجب العمل ببينة الأب، لأن في بينة (١٢٩ب٤) الأب زيادة إثبات؛ لأن الأب أقرب.
فإن قيل: لا بل العمل بالبينتين في حق النسب ممكن بأن كان بين رجلين جارية جاءت بولد فادعياه، فينبغي أن لا ينقض القضاء الأول في حق النسب، فلا يجوز أن
стр. 3817
يكون للولد الواحد أبوان من حيث الحكم كما قلتم، إلا أن من شرط ثبوت أبوتهما للواحد أن يدعيا معاً، أما إذا سبق أحدهم الآخر في الدعوة لا يصح دعوة الثاني، وههنا مدعي الأبوة صار سابقاً معنى وإن كان ابن العم سابقاً في الدعوة صورة؛ لأن الأب ادعى لنفسه زيادة قرب لم يدعيه ابن العم، فصار الأب منفرداً بهذه الزيادة ولم يزاحمه ابن العم في ذلك، فصار سابقاً معنى، فيعتبر بما لو كان سابقاً حقيقة لا تصح دعوى ابن العم في ذلك كذا ههنا، فإن قيل: إذا تعذر العمل بها من حيث الحقيقة والحكم كان يجب أن تترجح البينة التي اتصل بها القضاء كما ادعى الثاني أنه ابن عمه من قبيلة أخرى.
قلنا: إنما تترجح البينة التي اتصل بها القضاء حالة التنافي إذا لم يكن في البينة الثانية زيادة إثبات كما في ابني العم، فعند الاستواء في الإثبات تترجح الأولى بحكم اتصال القضاء بها، وههنا في البينة الثانية زيادة إثبات، وفي مثل هذا، الترجيح بزيادة الإثبات لا باتصال القضاء؛ لأن الترجيح من حيث زيادة الإثبات ترجيح في نفس الشهادة، والترجيح من حيث القضاء ترجيح من حيث الحكم.
وخرج على المعنى الذي قلنا الولد إذا تنازع فيه رجلان، فأقام أحدهما البينة وقضى القاضي بالولد، ثم أقام الآخر بينة بعد ذلك لم تقبل بينته، وترجح الأول بالقضاء؛ لأنه ليس في البينة الثانية زيادة إثبات، والجمع بينهما غير ممكن، فرجحنا الأول باتصال القضاء بها.
وإذا شهد شاهدان أن فلاناً أعتق هذا الميت وأن الرجل عصبة الذي أعتق، وأنه عصبة المعتق لذلك لا تقبل شهادتهما ما لم يبينا سبب العصوبة (من) أنه ابن الذي أعتق أو أبوه أو أخوه أو ما أشبه ذلك، وهذا لأن أسباب العصوبة كثيرة، ومن العصبات من لا يصير محجوباً بغيره، ومنهم من يصير محجوبا بغيره، فلا بد من أن يعلم القاضي سبب عصوبته حتى إذا جاء آخر فادعى عصوبته، فالقاضي يعلم أن الثاني محجوب بالأول وهو حاجب له، وصارت الشهادة على الميراث، ودعوى الميراث دعوى تلقي الملك من جهة الميت، نظير الشهادة على دعوى تلقي الملك من جهة حالة الحياة.
ومن ادعى تلقي الملك من جهة الحيوة وشهد الشهود بذلك ولم يبينوا سببه، فالقاضي لا يقضي بشهادتهم؛ لأن في أسباب الملك كثيرة وأحكامها مختلفة، فالبيع لا يوجب ملكاً لأنه جاء بعوض، والهبة توجب ملكاً غير لازم بغير عوض، فكذا في دعوى الميراث.
وإذا شهد الشهود بوراثة رجل وبينوا سببه ولم يزيدوا عليه، فاعلم بأن ههنا فصول:
أحدها: هذا، والحكم فيه أن الشهادة مقبولة إلا أن القاضي لا يدفع المال إلى المشهود له للحال بل يتلوم زماناً لجواز أن يظهر وارث آخر للميت هو مزاحم للمشهود له، أو هو مقدم عليه.
стр. 3818
الثاني: إذا شهدوا بوراثته وبينوا سببه وقالوا: لا نعلم له وارثاً آخر، وهذه الشهادة مقبولة، ويدفع القاضي المال إليه للحال من غير تلوم، وقوله: لا نعلم له وارثاً سوى هذا ليس من صلب الشهادة، بل هو لإسقاط مؤنة التلوم عن القاضي؛ لأن بدون ذكر هذه الزيادة القاضي يتلوم، وبعد ذكر هذه الزيادة لا يتلوم.
الثالث: إذا شهد أنه وارثه لا وارث له غيره، وهذه الشهادة مردودة قياساً مقبولة استحساناً، وجه القياس: أن هذه شهادة بما يعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به لا من حيث الحقيقة، ولا من حيث الحكم بمعاينة الحكم، أما من حيث الحقيقة فظاهر، وأما من حيث الحكم بمعاينة السبب؛ لأنه لا يوجد في النفي سبب موضوع يوجب النفي بخلاف الشهادة على الإثبات؛ لأن من الإثبات ما يعلم حقيقة، كالأفعال نحو الغصب والقتل، ومنها ما يعلم من حيث الظاهر بمعاينة الأسباب كالأملاك، فلم تكن الشهادة على الإثبات شهادة بما يعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به وبخلاف قوله: لا نعلم له وارثاً غيره لأن قوله لا نعلم له وارثاً غيره إخبار عن عدم علمه بوارث آخر، وهو يعلم عدم علمه بوارث آخر، فلم تكن هذه شهادة بعلم القاضي أنه لا علم للشاهد به، وأما قوله: لا وارث له غيره إخبار عن نفي وارث آخر في نفسه، ولا علم له بذلك لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الظاهر بمعاينة السبب على ما ذكرنا.
وجه الاستحسان: أن العمل بحقيقة هذه الشهادة إن تعذر من الوجه الذي قلتم أمكن العمل بمجازها بأن يجعل قولهما: لا وارث له غيره، كناية عن قولهما: لا نعلم وارثاً غيره، لأن عدم وارث آخر غير هذا المدعي متى ثبت على الحقيقة ثبت عدم العلم بوارث آخر غيره، فيمكن أن يجعل نفسه على الحقيقة كناية عن نفي علم.
الرابع: إذا قالا: لا نعلم له وارثاً آخر بأرض كذا غير فلان، قال أبو حنيفة ﵀: هذه الشهادة جائزة ويقضي له بالميراث، وقالا: لا تجوز هذه الشهادة ولا يقضى له بالميراث، وجه قولهما، أن وجود وارث في مكان آخر إن لم يثبت بشهادتهما نصاً فقد ثبت مقتضى تخصيصهما هذا المكان بنفي وارث آخر فيه، لأنه لو لم يكن له وارث آخر في مكان آخر لم يكن لتخصيص هذا المكان بالنفي فائدة والثابت اقتضاءً والثابت نصاً سواء، ولو ثبت وجود وارث آخر في مكان آخر نصاً بأن قالا: لا نعلم له وارثاً آخر في مكان كذا وله وارث آخر في مكان كذا، أليس إن القاضي لا يدفع المال إليه؟ كذا ههنا، ألا ترى أنهما لو قالا: لا نعلم له وارثاً آخر في هذا المجلس لا يقضى بالميراث له وطريقه ما قلنا، ولأبي حنيفة ﵀ أن وجود آخر في مكان آخر لم يثبت بشهادتهما لا نصاً، ولا يقتضي تخصيصهما هذا المكان بالنفي فيه؛ لأن بهذا التخصيص فائدة أخرى.
ووجه ذلك: أنما لما لم يكن له وارث آخر في هذا المكان مع أنه مسقط رأسه، أولى أن لا يكون له وارث آخر في مكان آخر، ثم يقول: إن في هذا الكلام تقديم وتأخير يمكن تصحيح الشهادة لو حمل عليه، فيحمل عليه إذ يحتال بتصحيح الشهادة بقدر
стр. 3819
الممكن، ووجه التقديم والتأخير أنا لا نعلم له وارثاً آخر غير فلان بأرض كذا، فيكون ذكر الأرض لكون فلان فيها، ونفي غيره على العموم، أما أن يكون ذكر الأرض لتخصيصه بالنفي فيه فلا، ثم الشهود إذا شهدوا على وراثة شخص وبينوا سببها، وهذا الشخص ممن يستحق جميع المال، ولا يصير محجوباً بغيره، كالابن والبنت والأب إن قالوا: لا نعلم له وارثاً آخر غيره، فالقاضي يدفع جميع المال إليه من غير تلوم؛ لأن الثابت بالبينة العادلة كالثابت بعلم القاضي، ولو علم القاضي بذلك كان يدفع المال إليه كذا ههنا.
فإن قيل: نفي وارث آخر ثابت بعضه بالأصل، فإن الأصل هو العدم، فلماذا يشترط نفيه بالشهادة؟.
قلنا: نعم الأصل هو العدم، إلا أن العدم ثابت باستصحاب الحال لا بدليله، والثابت باستصحاب الحال يصلح للدفع لا للاستحقاق، فلهذا شرطنا ثبوت النفي بدليله حتى يصلح لاثبات استحقاق ما لم يكن ثابتاً، فأما إذا شهدوا أنه ابنه ولم يزيدوا على هذا، فالقاضي لا يدفع جميع المال إليه بل يتلوم زماناً يقع في غالب رأي القاضي أنه لو كان معه وارث آخر لظهر في هذه المدة، ولم يقدر محمد ﵀ في «الأصل» لذلك مقداراً، ولكن فوض ذلك إلى رأي القاضي، وهكذا ذكر في «الجامع» فالمذكور في «الجامع الكبير» : أن القاضي يتأنى ويتلوم في ذلك زماناً قدر ما يقع في غالب رأيه أنه لو كان له وارث آخر لظهر في مثل هذه المدة، وذكر الطحاوي ﵀ في مختصره وقدر لذلك حولاً؛ لأن الغيبة قد تمتد إلى حول، قالوا: ما ذكر الطحاوي قولهما؛ لأنهما يثبتان المقدار فيما لا نص فيه ولا إجماع بالاجتهاد، وما ذكر في «الأصل» وفي «الجامع» قول أبي حنيفة؛ لأنه لا يثبت المقدار فيما لا نص فيه ولا إجماع بالاجتهاد، بل يفوضه إلى رأي من ابتلي به، فإنه إذا تلوم حولاً أو مقداراً وقع في قلبه أنه لو كان له وارث آخر لظهر دفع المال إليه؛ لأن نفي وارث آخر ثبت بنوع دليل وهو التلوم، فصار كما لو ثبت بالشهادة، فأما قبل التلوم لا يدفع المال إليه؛ لأن نفي وارث آخر قبل التلوم ثابت باستصحاب الحال (١٣٠أ٤) وإنه لا يصح لإثبات استحقاق ما لم يكن ثابتا فرق بين هذا وبينما إذا شهدوا أنه جد الميت أب أبيه أو أخوه لأبيه وأمه ولم يزيدوا على هذا فإن القاضي لا يدفع المال إليه بالتلوم ما لم يشهد الشهود بالنفي، وفي الابن قال: يدفع المال اليه بالتلوم والفرق أن في مسألة الابن وقع الشك في دفع بعض المال لا في دفع الكل لأنه مستحق للبعض على كل حال، وفي مسألة الجد والأخ الشك وقع في الكل لأنهما
يحجبان بوارث آخر ولا شك أن الشك للتمكن في دفع الكل فوق الشك المتمكن في دفع البعض، والنفي الثابت بالتلوم دون النفي الثابت بالشهادة من حيث الحقيقة؛ فاكتفى بالتلوم للنفي متى وقع الشك في دفع البعض، ولم يكتف متى وقع الشك في دفع الكل ليظهر نقصان ريبة التلوم عن ريبة الشهادة وصار وزان مسألة الجد والأخ مسألة الابن: أن لو شهد أنه جده أب أبيه ووارثه، أو شهدا أنه أخوه لأبيه وأمه ووارثه حتى
стр. 3820
ثبت له استحقاق البعض ووقع الشك في الباقي، ولو كان كذلك كان يدفع المال إليه بالتلوم، وإذا عرفت الجواب في الابن فهو الجواب في الابنة والأبوين؛ لأن الشك في حقهم يمكن في البعض؛ لأنهم لا يحجبون بحال، والجواب في ابن الابن وفي ابن الأخ والعم وابن العم، كالجواب في الجد والأخ؛ لأن في حق هؤلاء وقع الشك في دفع الكل؛ لأنهم يحجبون بغيرهم هذا الذي ذكرنا إذا كان المدعي استحق جميع المال، وهو ممن لا يحجب بغيره كالابن والابنة أو ممن يحجب بغيره كالأخ والعم وابن الأب وأشباههم، وأما إذا كان المدعي وارثاً لا يستحق جميع المال ولكن لا يصير محجوباً بغيره.
كالزوج والزوجة إن شهدا أنه زوجها أو أنها زوجته لا يعلم له وارثاً غيره دفع إلى الزوج النصف وإلى المرأة الربع، لأن نفي وارث آخر ثبت بالشهادة فصار كالثابت بعلم القاضي، وأما إذا شهدوا أنه زوجها أو شهدوا أنها زوجته ولم يزيدوا على هذا؛ أجمعوا على أن قبل التلوم لا يدفع إليه أكثر النصيبين؛ لأن استحقاق أكثر النصيبين معلق بعدم الولد وأنه لم يثبت بدليله، والعدم الثابت باستصحاب الحال لا يكفي، وأما إذا تلوم زماناً ولم يظهر وارث آخر.
قال محمد ﵀ في دعوى «الأصل» : إن القاضي يدفع إليه أكثر النصيبين، إن كان زوجاً يدفع إليه النصف، وإن كان زوجة يدفع إليها الربع، وقال أبو يوسف ﵀: يدفع إليه أقل النصيبين؛ إن كان زوجاً الربع وإن كان زوجة الثمن، ولم يذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف في «المبسوط» و «الطحاوي» : في مختصره ذكر قول أبي حنيفة مع أبي يوسف والخصاف ذكر قوله مع قول محمد.
وإذا ادعى داراً في يدي إنسان أنها له ورثها عن أبيه وجاء شهود وشهدوا أنها كانت لأبيه إلى أن مات وتركها ميراثاً له لا يعلم له وارثاً غيره، فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي وهذا ظاهر، وكذلك إذا شهدوا أنها كانت لأبيه يوم الموت، فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي، وإن لم يشهدوا أنه تركها ميراثاً له؛ لأنهم إن لم يشهدوا بذلك صريحاً فقد شهدوا بذلك دلالة، لأن ما كان للإنسان يوم الموت يصير ميراثا لورثته لا محالة، وكذلك إذا شهدوا أنها كانت في يد أبيه إلى أن مات، أو شهدوا أنها كانت في يد أبيه يوم الموت فالقاضي يقبل هذه الشهادة ويقضي بالدار للمدعي؛ لأن الشهادة باليد يوم الموت شهادة بالملك له يوم الموت، لأن اليد المجهولة تنقلب يد ملك عند الموت؛ لأن الظاهر من حال من حضره الموت أن يسوي أسبابه، ويبين ما كان عنده من الودائع أو الغصوب، فإذا لم يبين فالظاهر أن ما في يده ملكه فجعلنا اليد عند الموت ملك من هذا الوجه، وروى الحسن بن زياد وعلي بن يزيد الطبري صاحب محمد بن الحسن ﵏، أنه لا تقبل الشهادة في هذه الصورة؛ لأنهم شهدوا بيد عَرَف القاضي زوالها، ولم يشهدوا بالملك للمورث، ولكن ما ذكر في ظاهر الرواية أصح لما ذكرنا أن الأيدي المجهولة تنقلب عند الموت يد ملك، فكانت
следующие страницы →