← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 108

منتقى الألفاظ بتقريب علوم الحديث للحفاظ

الحارث بن علي الحسني

Полный текст (485 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فائدة: لا يُعلَم عن أحد من المتقدمين وصف الصحابة بالتدليس، وإنما كانوا يرسلون، وغالب مرسلاتهم عن صحابة مثلهم، وإذا أرسلوا عن تابعي بيَّنوا. حكم عنعنة المدلس اعلم أنَّ المتقدمين لا يعتبرون عنعنة المدلس في الغالب، عند حكمهم على الحديث. فالعنعنة غالبًا ما تكون ممن دون المدلس، أو الراوي عمومًا، كما أن التصريح بالتحديث أحيانًا قد يكون وهمًا ممن دون المدلس. وكثيرًا ما تجد الحفاظ يقولون: دخول التحديث في هذا الإسناد خطأ. عنعنة المدلس على الاتصال بشروط: ١ - أن لا يكون المدلس مقلًا من التدليس، وهو كثير الروايات المتصلة. ٢ - وأن يثبت لقاء المعنعن بمن روى عنه. ٣ - فإن كان مكثرًا زيد في الشرط: ٤ - أن يكون ممن أكثر من الرواية عن شيخه. ٥ - ولم يثبت في هذا كله أنه دلسه عن ضعيف. فائدة: من عرف بالتشديد في الأخذ ممن عرف بالتدليس، فالأصل فيما رواه عن شيوخه المدلسين بعنعنتهم الاتصال. كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان. مهمات في التدليس - التدليس ليس جرحًا. - إذا أطلق لفظ التدليس فالمراد تدليس الإسناد. - فعلُ الراوي نوعًا من أنواع التدليس لا يلزم منه فعل باقي أنواعه. - من نص النقاد على تدليسه فالأصل عدَّه مدلسًا.

стр. 72

- من ذكر في المدلسين فلا بد من التحقق من أمره، ولا بد من التحقق تعيين نوع تدليسه. - مما يعرف به التدليس: نصُّ النقاد على أنه مدلَّس. إقرار المدلس. جمع الطرق والأسانيد. التدليس والمتابعات حديث المدلس يصلح في المتابعات إذا علم أنَّ الراوي المسقط ليس شديد الضعف. فائدة: قد يروي المدلس الحديث عن شيخ، ويتابعه عن شيخه الذي روى عنه راو آخر، فقد يكون هذا المتابِع هو نفس الواسطة التي أسقطها المدلس عن شيخه. فتنبه لهذا فإن كثيرًا من المتأخرين خصوصًا المعاصرين توهموا في مثل هذا فعدوه متابعًا. مثال ذلك: كحديث: ابن جريج عن عمرو بن شعيب قال: طاف محمد - جده - مع أبيه عبد الله بن عمرو، فلما كان سبعهما، قال محمد لعبد الله حيث يتعوذون: استعذ؛ فقال عبد الله: أعوذ بالله من الشيطان؛ فلما استلم الركن تعوذ بين الركن والباب، وألصق جبهته وصدره بالبيت، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع هذا. أخرجه عبد الرزاق. وتابع ابنَ جريج في روايته عن عمرو به: المثنى بنُ الصباح، أخرجه أبو داود. ورواه عبدُ الرزاق عن ابن جريج عن المثنى عن عمرو بن شعيب به. أخرجه عبدُ الرزاق في (المصنف). فتبين أن ابن جريج دلسه عن المثنى نفسه.

стр. 73

الاعْتِبَارُ والمُتَابَعَاتُ والشَّوَاهِدُ الاعْتِبَار: هو البحث عن طرق وشواهد حديث يُظن أنه فردٌ. وهو اصطلاح يندر عند المتقدمين. ويستعملونه بمعنى تقوية الحديث فيقال: فلان يُعْتَبرُ به ليتقوى الحديث. ففي حديث: إسماعيل بن أمية عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث رجل من بني عذرة عن أبي هريرة عن أبي القاسم ﷺ قال فذكر حديث الخط. أخرجه أبو داود. قال سفيان: ولم نجد شيئًا يشد هذا الحديث ولم يجيء إلّا من هذا الوجه. قال سفيان: وكان إسماعيل إذا حدّث بهذا الحديث يقول: عندكم شيء تشدونه به؟ قال الجوزجاني: ومنهم الضعيف في حديثه غير سائغ لذي دين أن يحتج بحديثه وحده، إلا أن يقوية من هو أقوى منه فحينئذ يعتبر به. أحوال الرجال (٣٣). المُتابَعَة: أن يشارك الراوي غيره في رواية الحديث. وهي نوعان: تامة، وقاصرة. التَّامَّة: هي أن تحصل المشاركة للراوي من شيخه إلى آخر السند وفي نفس المتن. كأن يروي راوٍ الحديث عن أبي الزِّناد عن الأعرج عن أبي هريرة، فيرويه راو آخر معه عن أبي الزِّناد بنفس السند. القَاصِرَة: وهي أن تحصل المشاركة للراوي أثناء الإسناد. كأن يروي الشافعي حديثًا عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر. فيروى الحديث من غير طريق مالك عن غير شيخ مالك، عن ابن عمر. أحاديث صححها المتقدمون لطرقها حديث: أفطر الحاجم والمحجوم.

стр. 74

وحديث: لا نكاح إلّا بولي. قال أحمد بن حنبل: يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها. البيهقي في الكبرى (٤/ ٢٦٧). وحديث: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ثم كل صلاة. أخرجه: الترمذي. وقال أبو عيسى: وحديث أبي هريرة إنما صح لأنه قد روي من غير وجه. الشَّاهِد: هو أن يروى الحديث بالمعنى من طريق عن غير الصحابي الذي رواه. كأن يروى الحديث عن حذيفة بلفظ، ويروى عن أبي الدرداء بمعنى يفيده. وَالمتقدمون ليس عندهم ما يسمى بالشاهد، ولا يتوسعون في هذا أبدًا. فلا يعضدون الحديث بمجيئه عن صحابي آخر. وغالب المتأخرين على التفريق بين المتابع والشاهد. والمتأخرون يجعلون من الآية وقول الصحابي أو فعله شاهدًا. واعلم أن المتقدمين وإن صححوا بالمتابعات فلا يكثرون من ذلك ويتحرزون أشد التحرز، إلا إذا قويت طرقها، ولم يكن في رواته كذابٌ ولا مُتهمٌ، ولم تعارض أصلًا، ولم يكن في العقائد والأحكام. فَقلَّ أن يَصِحَّ حديث بتعدد الطرق عند المتقدمين، والمتأخرون على عكسهم. أحاديث صححها المتأخرون لطرقها لم يعرف عن المتقدمين تصحيحها حديث: طلب العلم فريضة على كل مسلم. حديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله. حديث: الأذنان من الرأس. حديث: المسح على الجبيرة.

стр. 75

حديث: وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. شروط قبول الحديث بالمتابعات - أن لا يشتد ضعفه. - أن يصح السند للمُتابِع والمتابَع. - أن يكون المُتَابِع من طبقة المُتابَع. - أن تتقارب الألفاظ. - أن لا يكون أحد المتابعات مستنكرًا، أو يعارض أصلا. وقد حقق بعض إخوتنا ممن نهج منهج المتقدمين: أنَّ الشاهد الضعيف لا يتقوى بمثله بل لابد أن تكون المتابعة من نفس حديث الراوي (١). فائدة: لا يلزم من كثرة الطرق قبول الحديث، بل ربما تزيده كثرة الطرق وهنًا. كحديث: من حفظ عن أمتي أربعين حديثًا. وحديث: صلوا خلف كل من قال لا إله إلا الله. وحديث: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. حديث: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. تنبيه: كَثُرَ في صنيع المتأخرين خاصة المعاصرين معاضدة الحديث الضعيف ذي الألفاظ المتنوعة بأحاديث قصار، أو ببعض ألفاظ من أحاديث تضمنت شواهد لها، وهذا منهج فاسد يلزم منه أن لا يبقى حديث ضعيف في الدنيا، إذ ما من حديث إلّا وله شاهد من حديث غيره إلّا ما قل. كحديث: أحب للناس ما تحب لنفسك. أخرجه: ابن سعد وعبد بن حميد، والبخاري في "التاريخ الكبير". وحديث: إذا أويت إلى فراشك فقل: أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه عقابه، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون. أخرجه: ابن السني.

стр. 76

وحديث: نهى عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب. أخرجه: أحمد وأبو داود. فائدة: ربما صلح الموقوف لشد المرفوع إذا كان عليه العمل عند الصحابة ﵃، وكان في غير العقائد والأحكام. كحديث: من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال. أخرجه مسلم. ما يصلح للاعتبار اعلم أن من تُكلِّمَ فيهم من جهة حفظه غالبًا لا ينزلون عن درجة الاعتبار، وأما من جرح في عدالته فلا يعتبر به. مرسل كبار التابعين، ومرسل من لا يروي إلّا عن ثقة، المختلط، أو في الإسناد عنعنة مدلس، مجهول من طبقة التابعين. يعتبر به، يكتب حديثه، يكتب حديثه ولا يحتج به، شويخ. ليس بذاك القوي، فيه شيء، فيه مقال، فيه ضعف، تكلموا فيه، مطعون فيه، فيه لين، ضُعِّف، يستضعف. ليس بالقوي، ليس بالمتين، ليس بالحافظ، ليس بالمتقن، ليس كأقوى ما يكون، ليس هناك، ليس من جمال المحامل. يخالف في بعض حديثه، تَعرِف وتُنكر، في حديثه ما ينكر، في حديثه بعض الإنكار، ذو مناكير، صاحب مناكير، ليس بمنكر الحديث ولا يحتج به. لم يكن بمحكم الحديث، لا يحمدونه، ليس يحمدونه. نزكوه، سكتوا عنه، فيه نظر (١). يحتاج إلى فلان في الحديث الذي يحتج به، في القلب منه شيء، سيء الحفظ، رديء الحفظ، لا يُستهوى حديثه، لا أنبسط لحديثه، لم يشته الناس حديثه، فيه بعض النظر، حديثه ليس بالقائم، لا يقطع به في حديث.

стр. 77

لم نأخذ منه إلّا ما نجده عند غيره، لا يضبط الإسناد، لا يقيم الإسناد، لم يكن يحفظ، لم يكن له حفظ، ليس حديثه بذاك الجائز، متماسك، شبه الضعيف. مضطرب الحديث، منكر الحديث. لا يترك، لا يستحق الترك، لم يهدر، لا يسقط حديثه، ليس بالقوي ولا بالساقط. ليس بالقوي ولا بالمتروك، يحتمل حديثه، أحتمل حديثه، حديثه محتمل. كثير الخطأ، كثير الوهم، يهم وهمًا، قليل الضبط، كثير الخلل، في حديثه خلل كبير. حديثه ليس بالمعروف، في حديثه وهاء، لا يعول عليه. يكتب من حديثه الرقاق، لا بأس به في الرقاق، يشبه حديثه حديث الصالحين. لم يكن نافقًا، ثقيل، يكتب حديثه زحفًا، أحاديثه لا تشبه أحاديث الناس. يُغرب، يؤخذ من حديث المعروف (١)، ليس من أهل التثبت في الرواية. كان نسيًا، يكتب حديثه على المجاز، صحفي، كان رفاعًا، لا يسكن القلب إليه. شروط عضد المرسل: أ - أن يكون المُرسِل من طبقة كبار التابعين. ب - أن يروى من وجه آخر عن تابعي كبير أخذ عن غير شيوخ الأول. ت - ألّا تعرف له رواية من طريق أخرى عن مردود الرواية. ث - أن يعضده مسند من طريق صحيحة بنفس معناه. ج - أن يعضده موقوف. ح - أن يفتي بمقتضاه عامة أهل العلم. اعتبار الموقوفات يحتمل في الموقوفات ما لا يحتمل في المرفوعات في القبول بالمتابعات.

стр. 78

وتعدد الطرق في موقوف بعينه عن جمع من الصحابة لا يعضد بعضه بعضًا، وإنما يعتبر بما تعددت طرقه عن صحابي واحد. الإسْنَادُ والاتِّصَالُ والانْقِطَاعُ اعلم أنَّ الأصل في السند الانقطاع حتى يثبت اتصاله. اتِّصَالُ السَّنَد: هو أخذ الراوي الحديث عمن روى عنه مباشرة. المُتَّصِل: ما ثبت فيه أخذ رواته بعضهم عن بعض مباشرة. التَّحَمُّل: أخذ الراوي الحديثَ عمن رواه، وهو ثمانية أقسام: السماع، والعرض، والإجازة، والمناولة، والمكاتبة، والإعلام، والوصية، والوجادة. السَّمَاع: أن يسمع الراوي الحديث ممن روى عنه مشافهةً. العَرْض: أن يقرأ الراوي الحديث على الشيخِ، والشيخُ يسمع منه. الإِجَازَة: أن يجيز المرء غيره برواية مروياته. تنبيه: قد اشتهرت الإجازات في عصرنا، وكثر التباهي بها، وهي عندي لا قيمة لها، إلا أن تكون أخذًا تامًا على الشيخ فهذا إنما يطلب لضبط الرواية، وحفظ سلاسل الإسناد. المُنَاوَلَة: أن يناول المرء أحدًا كتابًا فيه مروياته ليرويه عنه. المُكَاتَبَة: أن يكتب الشيخ إلى الطالب وهو حاضر أو غائب شيئًا من حديثه بخطه. الإِعْلَام: إعلام المرء لأحد بأن هذا الحديث أو هذا الكتاب سماعه أو من روايته (١). الوَصِيَّة: أن يوصي المرء بكتبه أن تروى عند موت أو سفر لشخص أو أكثر. الوجَادَة: الوقوف على مرويات راوٍ يرويها بخطه ولم يَلْقَه، أو لقيه ولكن لم يسمع منه ذلك الموجود، ولا له منه إجازة ولا نحوها. وشرط قبولها: التحقق من نسبتها لمن نُسِبَت إليه.

стр. 79

والعمل اليوم في الحديث كله على الوجَادَات، وهنا لا بد من جمع نسخ المخطوط، ولا يكتفى في تحقيق الكتاب بمخطوطة واحدة، ثم لا بد من التأكد من دور النشر، ومعرفة المؤتمن منها من غير المؤتمن. وصِيَغُ التَّحَمُّلِ مِنْ حَيْثُ ألفَاظهَا ثَلَاثَة: أوَّلًا: الصِّيَغُ الصَّرِيْحَةُ بِالسَّمَاع: وأعلاها سمعت، وقال لي (١)، ويليها: حدثني، وحدثنا، ويليها: أخبرني وأخبرنا، ويليها: أنبأني وأنبأنا، وقرأ علينا وسمعنا عليه، وقال لنا وحكى لنا، وذكر لنا وشافهنا، وعرض علينا وعرضنا عليه، وناولنا وكتب لنا، ونحوها من العبارات الدالة على الاتصال. والأصل المساواة بين هذه الصيغ، وهذا صنيع كثير من المتقدمين. وقد فرَّق بين هذه الألفاظ بعض المتقدمين وتبعهم عليه المتأخرون. ثَانِيًا: الصِّيَغُ الصَّرِيْحَةُ بِعَدَمِ السَّمَاع: مثل أُخْبِرْت، أو حُدِّثْتُ "بالبناء للمجهول"، فهي تدل على انقطاع في السند بين الراوي وشيخه الذي حدَّث عنه. ثالثًا: الصِّيَغُ المُحْتَملَةُ لِلسَّمَاعِ وَعَدَمِه: كصيغ (أنَّ)، و (عَنْ)، و (قَال)، و (ذَكَر). تَنْبِيْه: (أنَّ) و (عَنْ) ليستا في الحقيقة ألفاظًا للأداء، وإنما أُدخِلَتا في ألفاظ الأداء؛ لأنهما تُذْكَران في سياق الإسناد كألفاظ الأداء ونيابة عنها. العَنْعَنَة: أداء الراوي صيغة التحمل بلفظ (عَنْ). المُعَنْعَن: هو الإسناد الذي تكون بعض أو كل صيغ التحمل فيه بين الرواة (عَنْ، عَنْ). المُؤنَّن: هو الإسناد الذي تكون بعض أو كل صيغ التحمل فيه بين الرواة (أنَّ، أنَّ). واعلم: الأصل المساواة بين الصيغ الصريحة في السماع، ولم يأت من فرَّق بينها بطائل. والصيغ الصريحة بعدم السماع الأصل فيها انقطاع السند. أما الصيغ المحتملة للسماع وعدمه: فإن صدرت عن راو ثبت له السماع من شيخه، فهي محمولة على الاتصال، وإن لم يثبت السماع فهو منقطع، وإذا لم يترجح ثبوت السماع من عدمه فهو منقطع، إلا أن يكون احتمال سماعه كبيرًا بقرائن تدل على صحة السماع.

стр. 80

التفريق بين الرواية بـ (عَنْ) والرواية بـ (أنَّ). فإن الرواية بـ (أنَّ) فيها تفصيل: فإن كان خبر (أنَّ) مما يمكن أن يكون الراوي قد شهده، أو سمعه ممن روى عنه، فهذا حكمه حكم (عَنْ). كقول جابر: أن سليكًا جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب. وعن جابر عن سليك: أنه جاء والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخطب. لأنه يمكن أن يكون جابر شهد ذلك وحضره. ويمكن أن يكون رواه عن سليك. ومثل رواية ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: كذا وكذا، في أحاديث متعددة. وروي بعضها عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فمن رواه عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر؛ جعله من مسند ابن عمر. ومن رواه عن ابن عمر عن عمر؛ جعله من مسند عمر. (وإن كان خبر (أنَّ) مما لا يمكن أن يكون الراوي قد شهده؛ فهذا حكمه منقطع (١). كقول عروة: إن عائشة قالت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كذا وكذا. قال أبو داود: وسمعت أحمد قيل له: إن رجلًا قال: عن عروة قالت عائشة يا رسول الله. وعن عروة عن عائشة سواء؟ . قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء. والحفاظ كثيرًا ما يذكرون مثل هذا، ويعدونه اختلافًا في إرسال الحديث واتصاله، وهو موجود كثيرًا في كلام أحمد، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والدارقطني، وغيرهم من الأئمة.

стр. 81

ومن الناس من يقول: هما سواء، كما نُقِلَ عن مالك. وهذا إنما يكون فيمن اشتهر بالرواية عن المحكيِّ قِصَّتهُ، كعروة مع عائشة. أما من لم يعرف له سماع منه فلا ينبغي أن يحمل على الاتصال، ولا عند من يكتفي بإمكان اللقي. وقد ذكر الإسماعيلي في صحيحه أن المتقدمين كانوا لا يفرقون بين هاتين العبارتين. وكذلك ذكر أحمد أيضًا أنهم كانوا يتساهلون في ذلك مع قوله: إنهما ليسا سواء، وإن حكمهما مختلف، لكن كان يقع ذلك منهم أحيانًا على وجه التسامح وعدم التحرير. قال أحمد في رواية الأثرم في حديث سفيان عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن حذافة في النهي عن صيام أيام التشريق. ومالك قال فيه: عن سليمان بن يسار أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبد الله بن حذافة. قال أحمد: هو مرسل، سليمان بن يسار لم يدرك عبد الله بن حذافة. قال: وهو كانوا يتساهلون بين (عن عبد الله بن حذافة) وبين (أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث عبد الله بن حذافة). قيل له: وحديث أبي رافع: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه يخطب ميمونة. وقال مطر: عن أبي رافع؟ : قال: نعم، وذاك أيضًا. شرح علل الترمذي لابن رجب (ص: ٢٢١). ولكن كان القدماء كثيرًا ما يقولون عن فلان ويريدون الحكاية عن قصته، والتحديث عن شأنه، لا يقصدون الرواية عنه. وقد حكى الدارقطني عن موسى بن هارون الحافظ أن المتقدمين كانوا يفعلون ذلك. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (٢/ ٤٨). تنبيه: غالبًا ما تكون العَنْعَنَةُ في الإسناد: هي ممن دون الراوي الذي جاء لفظ (عَنْ) بعده، وليست من كلام الراوي.

стр. 82

عنعنة الثقة والخلاف في اشتراط اللقاء واشتراط السماع والاكتفاء بالمعاصرة هذه المسألة فيها اختلاف معروف بين العلماء. فاختار مسلم في: "مقدمة كتابه" وتوهم الإجماع عليه: قبول العنعنة من الثقة غير المدلس عمن عاصره وأمكن لقيه له، وان لم يثبت لقيه. واستدل مسلم على صحة قوله، باتفاق العلماء على: قبول الخبر إذا رواه الثقة عن آخر ممن تيقن أنه سمع منه من غير اعتبار أن يقول: (ثنا) أو (سمعت) ومما استدل به مسلم على المخالف له: إن من تكلم في صحة الحديث من السلف لم يفتش أحد منهم على موضع السماع، وسمى منهم شعبة، والقطان، وابن مهدي. وذكر أن: عبد الله بن يزيد روى عن حذيفة وأبي مسعود حديثين، ولم يرد أنه سمع منهما ولا رآهما قط، ولم يطعن فيهما أحد. إن عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد، ولم يرد التصريح بسماعهم منهما. وهؤلاء لم يحفظ لهم عن هؤلاء الصحابة سماع، ولا لقاء، وقد قبل الناس حديثهم عنهم. وكثير من العلماء المتأخرين على ما قاله مسلم ﵀، وهو ظاهر كلام ابن حبان وغيره. واختار: ابن المديني، والبخاري، وجمهور المتقدمين: اشتراط ثبوت لقاء الراوي عمن روى عنه. واختار أحمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: اشتراطَ ثبوتِ سماعِ الراوي ممن روى عنه. فإنهم قالوا في الأعمش، ويحيى بن أبي كثير، وأيوب، وابن عون، وقرة بن خالد: رأوا أنسًا ولم يسمعوا منه، فرواياتهم عنه مرسلة.

стр. 83

وقال أحمد: ابن جريج لم يسمع من طاووس ولا حرفًا، ويقول: رأيت طاووسًا. وقال أبو حاتم الرازي أيضًا: الزهري لا يصح سماعه من ابن عمر، رآه ولم يسمع منه. وأثبت أيضًا دخول مكحول على واثلة بن الأسقع ورؤيته له ومشافهته، وأنكر سماعه منه. وقال: لم يصح له منه سماع. وجعل رواياته عنه مرسلة. ولم يجعلوا روايتهم عنهم متصلة بمجرد الرؤية، والرؤية أبلغ من إمكان اللقي. واختار أبو عمرو الداني: أن يكون معروفًا بالرواية عنه. واختار أبو المظفر بن السمعاني: اعتبار اللُّقِيِّ وطولِ الصحبة. وهذا أشد من شرط غيرهم. ومما يستدل به الأئمة على عدم السماع والاتصال: أن يروي عن شيخ من غير أهل بلده، لم يعلم أنه دخل إلى بلده، ولا أن الشيخ قدم إلى بلد كان الراوي عنه فيه. قال أحمد: لم يسمع زرارة بن أوفى من تميم الداري، تميم بالشام وزرارة بصري. وقال ابن المديني: لم يسمع الحسن من الضحاك بن قيس، كان الضحاك يكون بالبوادي. وقال أبو حاتم في رواية ابن سيرين عن أبي الدرداء: لقد أدركه، ولا أظنه سمع منه، ذاك بالشام وهذا بالبصرة. ومما يستدل به الأئمة على عدم السماع والاتصال: إن يروي الثقة عمن عاصره ثم يدخل أحيانًا بينه وبينه واسطة. قال أحمد: البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروي عن عروة عن عائشة. وقال أبو حاتم: الزهري لم يثبت له سماع من المسور، يدخل بينه وبينه سليمان بن يسار وعروة بن الزبير. وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هي خطأ، يعني ذكر السماع:

стр. 84

قال في رواية هدبة عن حماد عن قتادة: نا خلاد الجهني: هو خطأ، خلاد قديم، ما رأى قتادة خلادًا. وذكر أبو حاتم: أن بقية بن الوليد كان يروي عن شيوخ ما لم يسمعه، فيظن أصحابه أنه سمعه، فيروون عنه تلك الأحاديث ويصرحون بسماعه لها من شيوخه ولا يضبطون ذلك. وحينئذ فينبغي التفطن لهذه الأمور، ولا يغتر بمجرد ذكر السماع والتحديث في الأسانيد. فاتفاق هؤلاء الأئمة على قولهم هذا، يقتضي حكاية إجماع الحفاظ المعتد بهم على هذا القول، وأن القول بخلاف قولهم لا يعرف على أحد من نظرائهم، ولا عمن قبلهم ممن هو في درجتهم وحفظهم. ويشهد لصحة ذلك حكاية أبي حاتم كما سبق اتفاق أهل الحديث على أن حبيب بن أبي ثابت لم يثبت له السماع من عروة، مع إدراكه له. وحكى ابن عبد البر نحوه عن العلماء. فلا يبعد حينئذٍ أن يقال: هذا هو قول الأئمة من المحدثين. فإن قال قائل: هذا يلزم منه طرح أكثر الأحاديث وترك الاحتجاج بها! ؟ قيل: من هاهنا عظم ذلك على مسلم ﵀. والصواب: أن ما لم يرد فيه السماع من الأسانيد لا يحكم باتصاله، ويحتج به مع إمكان اللقي، كما يحتج بمرسل أكابر التابعين، كما نص عليه الإمام أحمد. ويرد على ما ذكره مسلم: أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبي ﷺ بل هذا أولى، لأن هؤلاء ثبت لهم اللقي، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع. ويلزمه أيضًا الحكم باتصال حديث كل من عاصر النبي ﷺ وأمكن لقيه له إذا روى عنه شيئًا، وإن لم يثبت سماعه منه، ولا يكون حديثه عن النبي ﷺ مرسلًا، وهذا خلاف إجماع أئمة الحديث، والله أعلم. ثم إن بعض ما مثل به مسلم ليس كما ذكره.

стр. 85

فقوله: إن عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم رويا عن أبي مسعود، وأن النعمان بن أبي عياش روى عن أبي سعيد، ولم يرد التصريح بسماعهم منهما، ليس كما قال. فإن مسلمًا ﵀ خرّج في صحيحه التصريح بسماع النعمان بن أبي عياش من أبي سعيد في حديثين. وأما سماع عبد الله بن يزيد وقيس بن أبي حازم عن أبي مسعود فقد وقع مصرحًا به في صحيح البخاري، والله أعلم. ولهذا المعنى تجد في كلام شعبة، ويحيى، وأحمد، وعلي، ومن بعدهم، التعليل بعدم السماع، فيقولون: لم يسمع فلان عن فلان، أو لم يصح له سماع منه، ولا يقول أحد منهم قط: لم يعاصره. انظر شرح علل الترمذي لابن رجب (ص: ٢١٩). صيغ الجزم والتمريض في الرواية قد شاع عند المتأخرين أن عبارة الجزم إذا صدرت بها الرواية تفيد الصحة. وان عبارة التمريض مثل (يُروى) (يذكر) (قيل) بالبناء للمجهول إذا صدرت بها الرواية تفيد الضعف. أما المتقدمون فليس يجري هذا في صنيعهم، وإنما هي كغيرها من الصيغ يستخدمونها لنقل الرواية أو المتن الأثر وشبهه بحذف اسم الراوي، وهذا كثير في استعمالات المحدثين قديمًا، ولا يقصدون بها التضعيف أبدًا. فهم يذكرونها فيما صح وثبت يقينًا من الأخبار الصحاح، وهذا تجده كثيرًا في كتب الحديث المتقدمة. وكل من قسم الصيغ إلى تمريض وجزم؛ للتفريق بين ما يثبت وعدمه، فقد أخطأ ولم يأت ببرهان. المُسْنَد وهو على أقوال: ١ - كل ما اتصل إلى من عُزِيَ إليه. وعلى هذا يدخل المرفوع والموقوف والمقطوع.

стр. 86

٢ - المرفوع المتصل. ٣ - المرفوع؛ وإن لم يتصل. وقد يراد به معنى آخر: وهو كل كتاب جُمع فيه مرويات كل صحابي على حدة (١). كـ "مسند الطيالسي" و "مسند الحميدي" و"مسند أحمد". المُسْنِد: هو الذي روى الحديث مسندًا. المسند إِلَيْه: هو من نسب إليه الحديث مسندًا. السَّنَد: رواة الحديث. الإِسْنَاد: هو السند، أو حكاية طريق السند. المُنْقَطِعُ المُنْقَطِع: ما لم يتصل إسنادُه، على أي وجه كان انقطاعه. وهذا عند المتقدمين. وعند المتأخرين: كل انقطاع في السند، عدا المرسل، والمعلق، والمعضل. والبعض ربما أطلق الانقطاع على ما فيه مبهم، كالحاكم. وأطلقه البَرْدِيجي على ما أضيف إلى التابعين أو من دونهم. فهو على هذا بمعنى المقطوع عند المتأخرين. المزِيْدُ فِي مُتَّصِلِ الأسَانِيْد: هو أن يزيد راو في الإسناد، راويًا لم يذكره غيره من الرواة في نفس السند من طريق أخرى متحدةً معها. وَشَرْطُهُ: أن يقع التصريح بالسماع في موضع الزيادة من الرواية الناقصة، وإلا فمتى كان مُعَنْعَنًا ترجحت الزيادة.

стр. 87

وهذا على مذهب من يرى قبول مطلق زيادة الثقة، والحق أن منها ما يحكم بقبول الزيادة في الإسناد، ومنها ما يُحكَمُ فيه برد الزيادة. وهو من المباحث التي زادها المتأخرون وليست تعرف عند المتقدمين. كحديث ابن المبارك قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد، حدثني بُسْر بن عُبيد الله، قال سمعت أبا إدريس، قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مَرْثد يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تجلسوا على القبور ولا تُصَلُّوا إليها". الزيادة في هذا المثال في موضعين، الأولى (سفيان)، والثانية (أبا إدريس) أما زيادة (سفيان) فوهم ممن دون ابن المبارك؛ لأن عددًا من الثقات رووا الحديث عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن يزيد، ومنهم من صرح فيه بالإخبار. وأما زيادة (أبا إدريس) فوهم من ابن المبارك؛ لأن عددًا من الثقات رَوَوا الحديث عن عبد الرحمن بن يزيد فلم يذكروا أبا إدريس، ومنهم من صرح بسماع بُسْر من واثلة. المُرْسَل: كل منقطع على أي وجه كان انقطاعه. وهذا عند المتقدمين. وعند المتأخرين: ما رواه التابعي عن النبي ﷺ . كقول ابن المُسَيِّب وعطاء ومكحول: قال رسول الله ﷺ . مُرْسَلُ الصَّحَابِيّ: هو ما أخبر به الصحابي ﵁ عن الرسول ﷺ ، وثبت عدم سماعه منه، أو شهوده لما نقل بعينه. إما لصغر سنه، أو لتأخر إسلامه، أو لغيابه. وفي ذلك أحاديث كثيرة لصغار الصحابة كابن عباس وابن الزبير وغيرهما. ولا أعرفه في استخدام المتقدمين.

стр. 88

مثال: حديث: الزُّهْرِيّ قَالَ: أخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. أخرجه الطيالسي، وعبد الرزاق، وأحمد، وإسحاق، والبخاري، ومسلم. المرسل مراتب: فما كان عن كبار التابعين، أقوى مما كان عمن دونهم، وما كان عمن لا يروي إلا عن ثقة أقوى مما كان عمن يروي عن كل ضرب (١). والمرسل ضعيف إلا ما كان من رواية كبار التابعين ممن لا يروي إلا عن ثقة. المُرْسَلُ الخَفِيّ: رواية الراوي عمن لقيه ولم يسمع منه شيئًا (٢). كرواية الأعمش عن أنس، وإبراهيم النَخعي عن عائشة، وعطاء بن أبي رباح عن ابن عمر. وهؤلاء رأوا من رووا عنهم ولم يسمعوا منهم. ويطلق بعض المتقدمين على المراسيل مصطلح "الأحاديث البُتْر". المُعْضَل: هو: الموضوع، والباطل، والمنكر، وإن اتصل سنده. وهذا عند المتقدمين. قال البخاري: عمر بن غياث عن عاصم ولم يذكر سماعًا من عاصم معضل الحديث. التاريخ الصغير (٢/ ٢٣٦). وقال الجوزجاني: عبد الله بن يزيد الذي يروي عنه أبو عقيل الثقفي أحاديثه منكرة، حديثه في الراسخين في العلم حديث معضل. أحوال الرجال (٢٩٠). وعند بعض المتقدمين كابن المديني، وأبي داود، والحاكم، وتابعهم عليه المتأخرون: هو ما سقط من إسناده راويان، ولا يكون السقط من مبدئه.

стр. 89

قَالَ أبُو دَاوُدَ: وَرَوَى الأوْزَاعِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آمُرُهُ أنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمْسَي دِينَارٍ" وَهَذَا مُعْضَلٌ. سنن أبي داود (١/ ٦٩). قال الحاكم: ذِكْرُ النَّوْعِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ عُلُومِ الحَدِيثِ هَذَا النَّوْعُ مِنْ هَذِهِ العُلُومِ هُوَ المُعْضَلِ مِنَ الرِّوَايَاتِ، فَقَدْ ذَكَرَ إِمَامُ الحَدِيثِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله المَدِينِيُّ، فَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أئِمَّتِنَا: أنَّ المُعْضَلَ مِنَ الرِّوَايَاتِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ المُرْسِلِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ أكْثَرُ مِنْ رَجُلٍ. معرفة علوم الحديث (ص: ٣٦). كقول: مالك، وعمرو بن شعيب، ومن في طبقتهم من أتباع التابعين، قال النبي ﷺ . وأطلقه الحاكم على الحديث المقطوع (١)، ويجيء في رواية أخرى متصلًا عن النبي ﷺ . كحديث: القَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ أنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ أنَّ أبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لِلمَمْلُوكِ طَعَامُهُ، وَكِسْوَتُهُ بِالمَعْرُوفِ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ" هَذَا مُعْضَلٌ أعْضَلَهُ، عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا فِي "الموطأ" إِلَّا أنَّهُ قَدْ وَصَلَ عَنْهُ خَارِجَ "الموطأ" معرفة علوم الحديث (ص: ٣٧). المُعَلَّق: هو ما حُذف من مبتدأ إسناده راو فأكثر تواليًا ولو إلى آخر الإسناد. وهو من اصطلاحات المتأخرين. كقول البخاري في كتابه الصحيح سواء في تراجم الأبواب: وقال أبو هريرة عن النبي ﷺ ... أو عقب بعض الأحاديث: وقال فلان. المعلقات في الصحيحين قد أكثر البخاري في صحيحه منها وعدتها (١٣٤١) حديثًا، سواء المرفوع أو الموقوف أو المقطوع. وهي من حيث التخريج قسمان: القسم الأول: علقه البخاري في مكان، ووصله في مكان آخر من كتابه نفسه. القسم الثاني: علقه، ولم يصله، وقد وصلها كلها ابن حجر، في كتابه "تغليق التعليق". ومن حيث الصحة وعدمها، فقسمان: فمنها الصحيح، ومنها الضعيف.

стр. 90

ومن حيث نوع التعليق فقسمان: منها ما علقه بصيغة الجزم، ومنها ما علقه بصيغة التمريض. فأما ما علقه بصيغة الجزم: فالأصل فيه صحته عنده. وأما ما علقه بصيغة التمريض: فقد قال ابن رجب: أن هذه الصيغة عنده لا تقتضي ضعفًا فيما علقه بها، وأنه يعلق بها الصحيح والضعيف إلا أن أغلب ما يُعلَّقُ بها ما ليس على شرطه. فتح الباري (٤/ ٣٦٦) ولكن قال ابن حجر: (وأما المعلق بصيغة التمريض مما لم يورده في موضع آخر، فلا يوجد فيه ما يلتحق بشرطه إلا مواضع يسيرة، قد أوردها بهذه الصيغة لكونه ذكرها بالمعنى، نعم فيه ما هو صحيح وإن تقاعد عن شرطه إما لكونه لم يخرج لرجاله، أو لوجود علة فيه عنده، ومنه ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف، وهو على قسمين: أحدهما: ما ينجبر بأمر آخر. وثانيهما: ما لا يرتقي عن مرتبة الضعيف. وحيث يكون بهذه المثابة فإنه يبين ضعفه ويصرح به حيث يورده في كتابه). اهـ. النكت على ابن الصلاح (١/ ٣٢٥). فيتحصل من هذا: أن المتتبع لصنيع البخاري في الصحيح يتبين له أن الأكثر من استخدامه لصيغة التمريض الأصل فيه التضعيف، إلا أنه قد يستعملها للتصحيح في حالة اختصاره للخبر أو روايته بالمعنى، ونحو ذلك. وأما المعلقات في "صحيح مسلم" فيسيرة، وقد اختلف العلماء في عددها: فقال أبو علي الجياني: إنها أربعة عشر موضعًا، وتابعه المازري، والعراقي، وغيرهم. انظر: التقييد والإيضاح (ص ٣٣) والنكت على ابن الصلاح (ص ٩٩). ويزاد عليها أربعة تعاليق لم يذكرها ابن الصلاح، ولا غيره ممن جمع التعاليق فيصبح عدد المعلقات في صحيح مسلم ستة عشر موضعًا. والله أعلم. وهي أنواع:

стр. 91

١ - ما علقه ووصله في صحيحه، وهي خمسة أحاديث. ٢ - ما علقه هو ووصله غيره، وهي خمسة أحاديث. ٣ - ما أبهم فيه شيخه وهي ستة أحاديث. البَلَاغَات: ما قال فيه الراوي بلغني عن النبي ﷺ أو عن غيره. وهو كثير في "موطأ" مالك. والمنقطع بالجملة ضعيف لا يصح، إلا ما كان من مراسيل كبار التابعين، ومن لا يروي إلا عن ثقة. الضَّعِيف الحَدِيث الضَّعِيْف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط قبول الحديث. ويقال للضّعِيفِ أيضًا: المردود. وليس له مثال معين يمثَّل به يشمل كل معانيه، وإنما أمثلته كلّ واحد منها مختص بنوع من أنواعه. فَلِمَا فيه راو ضعيف مثال، وَلِمَا فيه راو مجهول مثال، وللمنكر مثال، وللمعل مثال، وللموضوع مثال. أُصُولُ الحَدِيث الضَّعِيْف ثَلَاثَة: ضعف الرواة بأقسامه، والانقطاع بأقسامه، والمُعَلُّ بأقسامه. ولا تحل رواية الضعيف إلا مُبَيَّنًا ضَعْفه. الرَّاوِي الضَّعِيْف: هو كل راو ثبت الطعن في ضبطه أو عدالته، أو كليهما معًا. كأبان بن أبي عياش العبدي: متروك، والحسن بن علي النوفلي: منكر الحديث، وسيف بن محمد الثوري: كذاب، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني: واه، والوليد بن عبد الله بن أبي ثور المرهبي الهمداني: ليس بشيء. أسباب ضعف الرواة عشرة، خمسة منها تتعلق بالضبط، وخمسة تتعلق بالعدالة.

стр. 92

أما المتعلقة بالضبط فهي: سوء الحفظ، والوهم، والغفلة، وفحش الغلط، ومخالفة الثقات. وأما التي تتعلق بالعدالة: فالبدعة، والجهالة، والفسق، والتهمة بالكذب، والكذب. تقسيم أنواع الحديث المردود من حيث الطعن في الضبط والعدالة: فأما باعتبار الضبط: فالمنكر والشاذ، والمضطرب، والمعل، والمدرج، والمقلوب، والمصَحف، والمحرف. وأما باعتبار العدالة: فالمجهول، والمنقطع، والمدلس، والمكذوب. جملة مراتب الحديث الضعيف ثلاثة: محتمل، وشديد، وشديد جدًّا. فالضعف المحتمل: كالذي يصلح للاعتبار والاعتضاد. والضعف الشديد: كالاضطراب، والوهم الشديد. والشديد جدًّا: كالنكارة، والموضوع، والباطل. ولا يلزم من الإسناد الذي فيه راوٍ ضعيف ضعفه مطلقًا، فقد يكون له متابع يعضده. العمل بالضعيف والأصل في الضعيف أنه مردود بكل أقسامه لا يحتج به ولا يعمل به مطلقًا. وأما قول السلف ﵏: إذا جاء الحلال والحرام شددنا، وإذا جاء الترغيب والترهيب ترخصنا، فهذا ليس على إطلاقه. وإنما يخرجون الحديث مما فيه كلام إذا كان في الفضائل أو المناقب، وله ما يشهد له ولم يصادم أصلًا، وحفته من القرائن ما يمكن مثله أن يعتبر. وفي الصحيحين منها شيء.

стр. 93

كحديث: كل أمتي معافى. وهو في الصحيحين. وحديث: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. انفرد به البخاري. وحديث: اللهمَّ رب هذه الدعوة التامة. انفرد به البخاري. وحديث: من صام رمضان واتبعه ستًا من شوال. انفرد به مسلم. وحديث: كان يذكر الله على كل أحيانه. انفرد به مسلم. لكن ربما يضطرون إلى ما كان ضعفه محتملًا، وليس فيه ما يعارض أصلًا ثابتًا وشهدت له العمومات وليس في الباب غيره، فمذهب الحفاظ المتقدمين كأحمد وأبي داود وغيرهم العمل به فهو خير من رأي الرجال. قال ابن عبد البر: "وأصل مذهب مالك والذي عليه جماعة من المالكيين أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل، كما يجب بالمسند سواء". التمهيد لابن عبد البر (١/ ٢). وقال أحمد: "طريقتي لست أخالف ما ضعف من الحديث إذا لم يكن في الباب ما يدفعه". خصائص المسند لأبي موسى المديني ص (٢٧). كحديث: كان إذا أرادَ البَرَازَ انطلَقَ حتَّى لا يَرَاهُ أحَدٌ. أخرجه أبو داود. وحديث: الدّعاء بين السجدتين. أخرجه أحمد. مَرَاتِبُ الحَدِيث الضَّعِيْف: هي درجاته من حيث القوة في الضعف (١). وإليك ذكرها من أخفها إلى أشدها ضعفًا: ١ - المرسل (٢) ٢ - الغريب (٣) ٣ - الشاذ. ٤ - المضطرب.

стр. 94

٥ - الواهي. ٦ - المنكر. ٧ - الضعيف جدًّا. ٨ - المعضل (١). ٩ - لا أصل له. ١٠ - الموضوع. ١١ - الباطل (٢). المُنْكَر: على معان: ١ - تفرد الراوي ثقة كان أو ضعيفًا بحديث لم يشاركه فيه غيره، وهو مذهب غالب المتقدمين. ٢ - ما تفرد به الشيوخ (٣). ٣ - مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. ٤ - تفرد الضعيف. ٥ - تفرد المتروك. ٦ - مخالفة الضعيف للمقبول. وهو الذي عليه المتأخرون. التَّفرُّد: إشارتهم إلى استغراب ذلك التفرد، وإعلال الرواية به، وأحيانًا قليلة يريدون إعلال متابعاتها وعدم الاعتداد بتلك المتابعات؛ وقد يريدون به معنى التفرد النسبي. وهذا عند المتقدمين. أما المتأخرون فعندهم: انفراد الراوي بالحديث بحيث لم يشاركه فيه أحد.

стр. 95

الفَرْدُ المُطْلَق: وهو ما تفرد به راويه لم يروه أحد غيره. الفَرْدُ النِّسْبِيّ: وهو ثلاثة أنواع: ١ - ما تفرد به ثقة، لم يروه أحد من الثقات إلا هو، وإن كان مرويًا عن غيره من الضعفاء. ٢ - ما تفرد به أهل بلد معين، فلم يروه غيرهم. ٣ - ما تفرد به راو اختص بغيره، كقولهم: لم يروه عن فلان إلا فلان، وإن كان مرويًا من وجوه عن غيره. تَنْبِيْه: فرَّقَ البعض بين الحديث الغريب والحديث الفرد خلافًا لمن جعلهما مترادفين. فهم يطلقون الغريب على الفرد النسبي، والفرد يطلقونه على الفرد المطلق (١). وفرق البعض بينه وبين الشاذ والمنكر، بأن الشاذ والمنكر ما كان عن مخالفة، وقد علمتَ أن هذه طريقة المتأخرين. ومن ثم جمعوا وفرقوا بين الشاذ والمنكر، فهما يشتركان في مسمى المخالفة ويفترقان في نوعها. فإن المنكر مخالفة ضعيف للأرجح، والشاذ مخالفة ثقة أو صدوق للأرجح. ويكثر التفرد في عهد الصحابة، وفي عهد التابعين أقل، وفي عهد تَبَع التابعين أقل، ثم قل التفرد بعد ذلك، فلربما كان للشيخ الواحد ثلاثمائة راو، فإذا انفرد عنه واحد، دلَّ على الضعف والنكارة. فإذا كان المتفرد مقبولًا، ومن طبقة التابعين أو تابع التابعين، فهذا مقبول ما لم يُخَالِف من هو أرجح منه. أما مَنْ دون تابع التابعين، فإن مطلق التفرد عند المتقدمين نكارة، وإنما يقبل من الثقة المُكثر المشهور بالطلب خاصة، ولطالما ردَّ الحفاظ رواية الثقة لمجرد كونه تفرد بها.

стр. 96

فإذا تفرد الإمام الحافظ المعروف بكثرة الرواية، وكثرة الرحلة وكثرة الأخذ، فهذا يُعَدُّ تفرده دليلًا على عنايته بالحديث. وكذا إذا انفرد راو له اختصاص بمن تفرد عنه، فيقبل ولا يعد نكارة. وقال ابن رجب: أكثر الحفاظ المتقدمين يقولون في الحديث إذا تفرد به واحد وإن لم يرو الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه، كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضًا، ولهم في كل حديث نقد خاص، وليس عندهم لذلك ضابط يضبطه. انظر "شرح علل الترمذي" (٢/ ٢٦). فائدة: كل رواية بعد عصر الرواية، إن كانت موافقة لما روي في عصر الرواية، فالذي في عصر الرواية يغني عنها، وما كان في غير عصر الرواية مخالفًا لما في عصر الرواية، أو فيها زيادة عليها، أو لم تُرو في عصر الرواية، فهذه مُعَلَّة أو منكرة، وان كان إسنادها كالشمس ظاهرًا. فإن الأسانيد لها طرق معروفة مسلوكة؛ فمن أتى فيها بغير الطريق المعروفة فقد أغرب. والمنكر أبدًا منكر. وإذا نصَّ المتقدمون أو أحدهم على استنكار حديث، ولم يخالف فيه من في طبقتهم، فالتسليم لهم واجب سواء أدركنا سبب الاستنكار أو خفي علينا. مَظِنّةُ المنكرات الكتب المتأخرة عن عصر النقد - نهاية القرن الثالث فما بعده - كمعجمي الطبراني "الأوسط" و "الصغير"، و "الأفراد والغرائب" للدارقطني، "سنن الدارقطني"، و "مستدرك" الحاكم، و "سنن البيهقي"، وكتب أبي نُعَيْم الأصبهاني، والخطيب البغدادي، وكتب الضعفاء "كضعفاء العقيلي"، و "الكامل" لابن عدي، و"المجروحين" لابن حبان، فإن هذه الكتب يعرف بها الحديث الغريب والمنكر. وهذه لا بدّ من العناية بها، ويلزم طالب الحديث والمشتغل به أن يحفظ جماعها ويستحضرها ساعة يحتاج إليها.

стр. 97

الوُحْدَان: جمع واحد، وهو الراوي الذي لم يرو عنه إلا راو واحد. كالحَارِث بن زِيَاد الأنْصَارِيّ لم يرو عَنهُ إِلَّا حَمْزَة بن أبي أسيد. وبصرة بن أكْثَم الخُزَاعِيّ لم يرو عَنْهُ إِلَّا سعيد بن المسيب. وسُوَيْد بن النُّعْمَان لم يرو عَنهُ إِلَّا بشير بن يسَار. وعُمَيْر بن قَتَادَة اللَّيْثِيّ لم يرو عَنهُ إِلَّا ابْنه عبيد بن عُمَيْر. وأُبي عزة يسَار بن عبد لم يرو عَنهُ إِلَّا أبُو المليح الهُذلِيّ. الرَّاوِي المَتْرُوْك: هو الراوي المتهم بالكذب في حديث النبي ﷺ ، أو لكذبه في حديث الناس، أو لتهمته بالفسق، أو اشتد ضعفه لغفلته أو لكثرة الوهم. كإبراهيم بن يزيد الخوزي: قال أحمد متروك. وعبد الله بن يزيد بن الصلت: قال أبو حاتم متروك. ومحمد بن عبد الله بن علاثة الحراني: قال الدارقطني متروك. وقصره المتأخرون: على من كان متهمًا بالكذب. كعمرو بن خالد، ومحمد بن القاسم الأسدي، وسلم بن إبراهيم. الحَدِيث الَمتْرُوْك: هو الذي في إسناده: متهم بالكذب في حديث النبي ﷺ ، أو لكذبه في حديث الناس، أو لتهمته بالفسق، أو اشتد ضعفه لغفلته أو لكثرة الوهم. كحديث: سليم بن إبراهيم الوَرّاق، عن سعيد بن محمد الزهري، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أحسنوا إلى الماعز، وأميطوا عنها الأذى، فإنها من دواب الجنة". أخرجه البزار، والخطيب في "تاريخه". سلم بن إبراهيم: متهم بالكذب. وقد يطلق المتقدمون المتروك على الحديث المنكر والباطل والموضوع والشاذ. وحديث المتروك من أضعف الأحاديث.

стр. 98

المَقْلُوب: هو ما تغيرت فيه بعض الألفاظ في سند الحديث أو متنه، تقديمًا أو تأخيرًا، بعضها ببعض، أو بلفظ آخر. ففي السند: أن يُقَدَّم ويؤخر في اسم أحد الرواة واسم أبيه، كحديث مروي عن (كعب بن مُرَّة) فيجعله (مُرَّة بن كعب). أو يُبْدِل الراوي بآخر كحديث مروي عن (سالم) فيجعله عن (نافع). والقلب في المتن: أن يُقَدَّم ويؤخر في بعض متن الحديث. كحديث أبي هريرة المرفوع: ... ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله. أخرجه مسلم. الوهم فيه من يحيى القطان. والصواب: حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، هكذا رواه مالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي. أو يجعل سند حديث لمتنٍ غير متنه. كما روى جَرِيْر بن حازم، عن ثابت البُنَانِيّ عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" أخرجه الطيالسي، وعبد بن حميد، والترمذي. والصواب عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه. ولا يجوز القلب في الحديث إلّا لغرض الامتحان، شريطة أنْ لا يراد عيب الممتحن، وأن يُبين الصحيح قبل انفضاض المجلس. قَالَ أحمد بْن منصور الرمادي: خرجت مع أحمد بْن حنبل، ويحيى بْن معين إلى عبد الرَّزَّاق، خادمًا لهما، فلما عدنا إلى الكوفة، قَالَ يحيى بْن معين لأحمد بْن حنبل: أريد أختبر أبا نعيم، فقال له أحمد بْن حنبل: لا تريد، الرجل ثقة، فقال يحيى بْن معين: لا بد لي، فأخذ ورقة، فكتب فيها ثلاثين حديثًا من حديث أبي نعيم، وجعل على رأس كل عشرة منها حديثًا ليس من حديثه، ثم جاءوا إلى أبي نعيم، فدقوا عليه الباب، فخرج، فجلس على دكان طين حذاء بابه، وأخذ أحمد بن حنبل فأجلسه عَنْ يمينه، وأخذ يحيى بْن معين فأجلسه عَنْ يساره،

стр. 99

ثم جلست أسفل الدكان، فأخرج يحيى بْن معين الطبق، فقرأ عليه عشرة أحاديث، وأبو نعيم ساكت، ثم قرأ الحادي عشر، فقال له أبُو نعيم: ليس من حديثي اضرب عليه، ثم قرأ العشر الثاني، وأبو نعيم ساكت، فقرأ الحديث الثاني، فقال أبُو نعيم: ليس من حديثي، فاضرب عليه، ثم قرأ العشر الثالث، وقرأ الحديث الثالث، فتغير أبُو نعيم، وانقلبت عيناه، ثم أقبل على يحيى بْن معين، فقال له: أما هذا، وذراع أحمد في يده، فأورع من أن يعمل مثل هذا، وأما هذا يريدني، فأقل من أن يفعل مثل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رجله فرفس يحيى بْن معين، فرمى به من الدكان، وقام فدخل داره، فقال أحمد ليحيى: ألم أمنعك من الرجل، وأقل لك: إنه ثبت، قَالَ: وَالله لرفسته إلي أحب إليَّ من سفري. تاريخ بغداد (١٤/ ٣٠٧) فائدة: بعض القلب لا يؤثر على الحديث، وإن كان اللفظ غير المقلوب أصح. كحديث رواه الجمع عنْ مُحَمَّدُ بْنُ الفُضَيْلِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أبِي زُرْعَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ الله العَظِيمِ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ". أخرجه: ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم. "والترمذي والنسائي وأبو يعلى. قلبه أحمد بن أشكاب فرواه عن محمد بن فضيل به فقال: كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ. صحيح البخاري (٧٥٦٣). المُضطَرِب: هو الذي اختلف الرواة في سنده أو متنه على وجه لا يمكن فيه الجمع ولا الترجيح. فإن أمكن الجمع فلا اضطراب، أو رجحت إحدى الروايتين بوجه من وجوه الترجيح فالحكم للراجحة، ولا يكون مضطربًا. وقد يعبر به بعض المتقدمين عن مطلق الضعف، كقولهم: فلان مضطرب الحديث، يريدون أنه ضعيف الحديث. الاضطراب أكثر ما يقع في حديث الضعفاء؛ وهو في أحاديث الثقات نادر.

стр. 100

مثال الاضطراب في السند: كحديث: "شَيَّبَتْني هُوْدٌ وأخواتها". اخْتُلِفَ فيه على أكثر من عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسَلًا، ومنهم من رواه موصولًا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة، ومنهم من جعله من مسند ابن عباس، وغير ذلك (١). مثال مضطرب المتن: كحديث: شريك عن أبي حمزة عن الشَّعْبِي عن فاطمة بنت قيس ﵂ مرفوعًا: "ليسَ في المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" رواه ابن ماجه. وبنفس السند روي بلفظ: "إنَّ في المال لَحقًّا سِوَى الزَّكَاة" رواه الترمذي. فهذا اضطراب لا يحتمل التأويل. شروط الاضطراب: الاختلاف المؤثر، واتحاد المخرج، إلَّا أنْ يكون الراوي مكثرًا، فلا يؤثر. والاختلاف بين الرواة في الحديث الواحد إن كان ناشئًا من الراوي المختلف عليه دلَّ على أنه لم يحفظه، فيعل الحديث بالاضطراب. وَسُئِلَ الدارقطني عَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالحِنْطَةُ بِالحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، مَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أرْبَى؟ فَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ يَرْوِيهِ أبُو حَمْزَةَ مَيْمُونٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ. رَوَاهُ عَنْهُ مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ أبِي قَيْسٍ، وَخَلَّادٌ الصَّفَّارُ، وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ سَيْفُ بْنُ مُحَمَّدٍ: عَنْ مَنْصُورٍ، وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ. وَقَالَ جَرِيرٌ: عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيِّبِ، عَنْ بِلَالٍ. وَقِيلَ: عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ، عَنْ بِلَالٍ.

стр. 101

وَقَالَ عَمْرُو بن أبي قيس، وخلاد الصفار: عَنْ أبِي حَمْزَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، عَنْ عُمَرَ. وَأبُو حَمْزَةَ مُضْطَرِبُ الحَدِيثِ، وَالِاضْطِرَابُ فِي الإِسْنَادِ مِنْ قِبَلِهِ، وَاللهُ أعْلَمُ. علل الدارقطني (١٨٥). فاختلاف الثقات على الضعيف لا يحتاج إلى جمع بين رواياتهم، فإن الضعيف ضعيف. وإن كان من قبل الرواة فيرجح بينهم حسب القرائن، فلكل حديث قرائنه المحتفة به، وكثيرًا ما تكون بالكثرة والإتقان والاختصاص بالشيخ. وَسُئِلَ الدارقطني عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أبِي طلحة، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلبٌ وَصُورَةٌ.؟ فَقَالَ: يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ؛ فَرَوَاهُ يُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أبِي ذِئْبٍ، وَشُعْيَبٌ، وَالزُّبَيْدِيُّ، وَالمَاجِشُونُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أبِي طَلحَةَ. وَخَالَفَهُمُ الأوْزَاعِيُّ، فَرَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ أبِي طَلحَةَ، لَمْ يَذْكِرِ ابْنَ عَبَّاسٍ. وَالقَوْلُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ. وَرَوَاهُ سَالِمٌ أبو النضر، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي طلحة، نحو رواية الأوزاعي. علل الدارقطني (٩٤٢). وإذا وقع اختلاف بين الرواة يصار إلى الجمع من غير تعسف، إذا دلت القرائن على أن الوجوه محفوظة عن الراوي المختلف عليه. وغالبًا ما يكون ذلك إذا كان المختلفون ثقات، والمختلف عليه ثقة حافظًا واسع الرواية، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة. كاختلاف أصحاب السبيعي الثقات عليه في لفظ حديث.

стр. 102

وقد يكون الاختلاف على حافظ واسع الرواية ولا يمكن أن يصار إلى الجمع بتعدد الطرق، فلا يصار إلى الترجيح. قال أبو داود: سمعت أحمد ذكر حديث ابن عيينة عن علي بن زيد عن الحسن عن ابن مغفل (الدجال قد أكل الطعام ومشى في الأسواق)؟ قال أحمد: اختلفوا على سفيان - يعني ابن عيينة - فيه وما أراه إلا من سفيان، يعني اضطرابه فيه. اهـ. مسائل أبي داود للإمام أحمد (٣١٦). المُدْرَج: ما زيد في سنده أو متنه ما ليس منه دون بيان. مثال مدرج الإسناد: حديث ابن مسعود ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك"، قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ورواه سفيان عن الأعمش ومنصور بن المعتمر وواصل الأسدي: عن شَقِيق، عن عمرو بن شرحبيل، عن ابن مسعود ... وساق الحديث. رواه الترمذي. فلما رواه الثوري عنهم أدرج سند واصل في سند الأعمش ومنصور، ولم يبين الاختلاف في رواياتهم. ورواية واصل الأسدي، عن شَقِيق، عن ابن مسعود، ليس فيها عمرو. مثال مدرج المتن: كحديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أسبغوا الوضوء، وويل للأعقاب من النار". أخرجه الخطيب. فقوله: "أسبغوا الوضوء" من قول أبي هريرة، أُدرج فيه. كذا أخرجه: الطيالسي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وابن الجعد، والبخاري، ومسلم. ويكون الإدراج في أول الحديث، وفي وسطه، وفي آخره. والمدرج، وإن صح إلى مُدْرِجِهِ فليس يحتج به. شدة خطر الإدراج تكمن في خفائه، فلا بد من العناية بالكتب المصنفة في المدرج.

стр. 103

الشَّاذ: هو المنكر. عند غالب المتقدمين كما يطلقه صالح جزرة، والخليلي. ويطلقه الحاكم على تفرد الثقة مطلقًا. وعند المتأخرين: أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الأرجح (١). ويطلقه بعض المتأخرين: على تفرد الضعيف. الأرْجَح: من قُدِّمَ لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو لخصوصية ملازمة، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات. مثال الشاذ في السند: ما رواه حماد بن زيد، عن عَمرو بن دينار، عن عوسجة: أن رجلًا توفي على عهد رسول الله ﷺ ولم يدع وارثًا إلا مولى هو أعتقه. وخالفه ابن عُيَيْنَة وابن جُرَيْج وغيرهم فرووه: عن عمرو بن دينار، عن عَوْسَجَة، عن ابن عباس به. أخرجه: ابن ماجه، والترمذي، والنسائي. فزادوا ابنَ عباس في السند. مثال الشذوذ في المتن: ما رواه زائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب في حديث صفة صلاة النبي ﷺ "في التشهد" وفيه: "ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا". فقد خالف زائدةَ جمعٌ منهم: عبد الواحد بن زياد، وشعبة، وسفيان الثوري، وزهير بن معاوية، وسفيان بن عُيَيْنَة، وسَلَام بن سُليم، وبِشْر بن المُفَضَّل، وعبد الله بن إدريس، وقيس بن الربيع، وأبو عوانة الوضاح بن يزيد، وخالد بن عبد الله الواسطي، جميعهم رووه ولم يذكروا (يحركها). وتقدم لك الفرق بين الشاذ والمنكر عند المتأخرين. فائدة: لا يعتضد بالشاذ، إذا كان الشذوذ بمعنى المخالفة، وأما إذا كان بمعنى التفرد؛ فالتفرد لا متابع له أصلًا. تقبل مخالفة الثقة وإن خالف من هو أولى منه في أحوال:

стр. 104

أ - إذا كان المخالف من أثبت الناس في شيخه المختلف عليه. ب - أن يكون المخالف من الأئمة المشاهير. ج - أن يأتي راو غير المخالف، وغير الذين خالفوه، فيروي الحديث على الوجهين، فيدل هذا على أن رواية المخالف محفوظة هي الأخرى. د - أن يكون الشيخ المختلف عليه مكثرًا، فيحمل الحديث على ما رواه الفرد والجماعة. هـ - أن يكون المخالف صاحب كتاب وحدَّثَ من كتابه، ومن خالفه ليس كذلك. و- إذا احتفَّت بالحديث قرائن خارجية تدل على حفظه للحديث، كأن يروي مع الحديث قصة. ك - إذا كان الإسناد يدور على راوٍ ينقص في الحديث إذا شك فيه كما هو حال مالك وغيره، وروى الجماعة أو الأحفظ الحديث ناقصًا، ورواه عنه واحد تامًا، فيحمل الحديث على الوجهين. - من علامات الزيادات الشاذة أن يخرج الشيخان أو أحدهما حديثًا يشاركهما فيه غيرهما بزيادة، لم يخرجاها. كحديث: ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ وَأبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أنَّهُما أخْبَرَاهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أمَّنَ الإِمَامُ فَأمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". أخرجه: البخاري، ومسلم. قال ابن حجر في شرح الحديث - فائدة: وقع في أمالي الجرجاني عن أبي العباس الأصم عن بحر بن نصر عن ابن وهب عن يونس في آخر هذا الحديث "وما تأخر" وهي زيادة شاذة. فتح الباري (٢/ ٢٦٥). - الراوي إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة واحدة لم يتفق لفظهم؛ فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم. المَحْفُوْظ: ما يقابل الشاذ، ورجح عند التعارض.

стр. 105

مثاله: هو المثالان المذكوران في نوع الشاذ، على العكس (١). ويكون مثاله في المحفوظ متنًا: "رَفَعَ أُصْبُعَهُ يَدْعُو بِهَا". المَوْضُوْع (٢): هو الكذب المنسوب إلى رسول الله ﷺ . وبعض العلماء يعتبره قسمًا مستقلًا، وليس نوعًا من أنواع الأحاديث الضعيفة. كحديث: إنَّ الله خلق الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها. أخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات". وضعه الكذاب: محمد بن شجاع الثلجي الجهمي. الكَذَّاب: من يصنع حديثًا، أو يسرقه ثم ينسبه للنبي ﷺ ، أو من يدَّعي سماع ما لم يسمع، أو لقاء من لم يلقه. كَأبرد بن أشرس، قَالَ ابْن خُزَيْمَة: كَذَّاب وَضاع. وَجَعْفَر بن إبان، قَالَ ابْن عدي: كَذَّاب. وَسعيد بن سَلام العَطَّار، قَالَ أحمد: كَذَّاب. وَفطر بن مُحَمَّد العَطَّار الأحدب، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: كَذَّاب. وَيُوسُف بن خَالِد السَّمْتِي، قَالَ ابْن معِين: كَذَّاب. المُتَّهَمُ بِالكَذِب: من غلب على الظن أنه يتعمد الكذب في أخباره. كَأحمد بن سَلمَة كُوفِي. وَالحُسَيْن بن عَليّ الألمعي. وَدَاوُد بن عَفَّان. وَصاعد بن الحسن الربعِي. وَعبد الله بن عَمْرو بن حسان. الموضوع أشد أنواع الضعيف بعد الباطل.

стр. 106

رواية التائب عن الكذب ذهب الإمام مالك، والثوري، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الحميدي - شيخ البخاري - وابن معين وغيرهم من أهل العلم، إلى أن التائب عن الكذب في حديث الناس تقبل روايته، أما التائب عن الكذب في حديث رسول الله؟ فلا تقبل روايته وإن حسنت توبته. وذهب النووي والصنعاني إلى قبول توبة التائب عن الكذب مطلقًا سواء أكان تائبا عن الكذب في حديث الناس أم تائبًا عن الكذب في حديث النبي؟ . فقال النووي: (وهذا الذي ذكره الأئمة ضعيف مخالف للقواعد الشرعية). قلت: ليست هذه صنعة النووي والصنعاني، وأمثالهم إنما هي صنعة الأئمة المتقدمين أهل الحديث، ومثلهم لا يقال لقولهم: ضعيف مخالف للقواعد الشرعية. بل الضعيف: هو المخالف لقول من لم يدلوا بدلوهم وينهل من معينهم. ثم اعلم أنَّ هذه المسألة نظرية لا تفعيل عملي لها. فليس لرواية التائب من الكذب في الحديث النبوي، وجود في كتب الجرح والتعديل المتقدمة، ولا يوجد سوى أربعة رواة وصفوا بالكذب وذُكر عنهم أنهم تابوا، وهم عند التحقيق لا أثر لهم في الرواية، وهم: - أحمد بن عبيد الله أبو العز بن كادش. - علي بن أحمد، أبو الحسن النعيمي الصوري. - أبُو العَيْنَاءِ مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ بنِ خَلادٍ البَصْرِيُّ. وهؤلاء لا رواية لهم في كتب عصر الرواية، ولا رواية للأئمة عنهم، فمثالهم لا قيمة له في المسألة. - إسماعيل بن أبي أويس المدني. والحق أنه لم يكن يكذب في الحديث، إنما وضع على من دون الصحابة ثم هو فعل هذا جهلًا منه وفي شبيبته.

стр. 107

وقد أدركه الأئمة وخالطوه فلم يؤثروا عنه كذبًا. فائدة: لا يلزم من كون الإسناد فيه كذاب أن يكون المتن موضوعًا. فقد يسرق صحيحًا ويدعيه لنفسه. ولا يلزم من كون الحديث موضوعًا أن يكون فيه وضاع. فإن الراوي قد يكون مختلطًا، أو مغفلًا يدخل عليه ما ليس من حديثه، أو من الصالحين يجري الكذب على لسانه ولا يعلم. السَّارِق: هو من يَدَّعِي - في الغالب - سماع حديث صحيح ليرغِبَ الناس في حديثه. فهو لم يكذب - تأصيلًا - في إيراد متن الحديث، وإنما كذب في ادعاء سماعه "إسناده". كَإِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الغَسِيِليِّ، وَجحدر بن الحَارِث، وَرَجَاء بن سهل، وَالسّري بن عَاصِم بن سهل، وعبد الحميد بن بَحر بَصرِي. البَاطِل: هو المكذوب، أو شديد النكارة، أو ما عظم فيه وهم راويه. وهذا عند المتقدمين. ولم أقف له على تعريف واضح عند المتأخرين. ويمكن أن يعرف بأنه المكذوب مع كونه مُخالفًا للثابت، ولكن كما قدمنا لا بد من ضبط مصطلحات المتقدمين والبناء عليها. قال ابن الجنيد: قيل ليحيى بن معين وأنا أسمع: يزيد الفارسي روى عنه أحد غير عوف؟ قال: "لا"، قلت ليحيى: فإنهم يزعمون أن يزيد بن هرمز هو يزيد الفارسي الذي روى عنه، الزهري وقيس بن سعد حديث نجدة، فقال: "باطل، كذب، شيء وضعوه، ليس هو ذاك". سؤالات ابن الجنيد (٦١٩) وقد استخدموه في حديث الثقة، بمعنى الخطأ في الإسناد والمتن جميعًا أو في أحدهما.

стр. 108

قال عبد الله: سَمِعت أبِي يَقُول: مَا أنْكرت من حَدِيث عَبَّاس الأنْصَارِيّ إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا عَن سَعِيد، عَن قَتَادَة، عَن عِكْرِمَة أو جَابِر بْن زَيْد، عَن ابن عَبَّاس، عَن كَعْب قَالَ: قَالَ لي يَا ابن عَبَّاس يَلِي من ولدك رَجُل، وقص الحَدِيث. قَالَ أبي: مَا حَدثهُ عَن يُونُس وخَالِد وَدَاوُد وَشعْبَة صَحِيح مَا أرى بحَديثه بَأْسًا. إِلَّا هَذَا الحَدِيث - حَدِيث سَعِيد هُوَ عِنْدِي كَذِبٌ بَاطِل. قَالَ أبِي: وَكَانَ من أصْحَاب سَعِيد. العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية ابنه عبد الله (٢٤١٢) وقَالَ ابن أبي حاتم: وسألتُ أبِي عَنْ حديثٍ رَوَاهُ حَامِدُ بْنُ يَحْيَى البَلخي، عَنْ سُفيان بْنِ عُيَينة، عَنِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَامِرِ بن عبد الله بْنِ الزُّبَير، عَنْ أبِيهِ؛ قَالَ: كان اسمُ أبي بكر: عبد الله بْنُ عُثْمَانَ، فَلَمَّا قَالَ رسولُ الله ﷺ : أنْتَ عَتِيقُ الله مِنَ النَّارِ؛ سُمِّيَ عَتِيقًا؟ قَالَ أبِي: هَذَا حديثٌ باطِلٌ. علل الحديث لابن أبي حاتم (٢٦٦٨). وحامد بن يحي البلخي: ثقة وهو من أعلم الناس بابن عيينة. لَا أصْلَ لَه: ما لا يصح أصله إلى من نسب إليه، وهذا عند المتقدمين. فقد يكون له سند لكن لا يصح. كحديث روي عن سفيان، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي ﷺ قال: "دفن البنات من المكرمات". أخرجه الخليلي في "الإرشاد". وقال: وهذا لا أصل له من حديث سفيان وغيره، إنما يروى عن ابن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسلًا، وابن عطاء متروك. اهـ. وعند المتأخرين، لا أصل له: أي لا سند له. كحديث: حسبي من سؤالي علمه بحالي. المُصَحَّف: ما تغيَّرت بعض الألفاظ في سنده أو متنه إلى غير حقيقتها لفظًا أو معنى.

стр. 109

تَصْحِيْفُ الإِسْنَاد: كالعَوَّام بن مُرَاجِم، صُحِّفَت إلى: (العَوَّام بن مُزاحم) (١). تَصْحِيْفُ المَتْن: كحديث: "احْتَجَرَ في المسجد" صُحِّفَت إلى: احْتَجَمَ في المسجد. تَصْحِيْفُ بَصَر: توهم في قراءة لفظة في سند أو متن بسبب سوء البصر، أو رداءة الخط، أو عدم تشكيله. كحديث: سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصَارِيِّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكأنَّما صَامَ الدَّهْرَ" أخرجه الطيالسي، وعبد الرزاق، والحميدي، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بن حميد، والدارمي، ومسلم، وابن ماجه، وأبو داود، والترمذي. صَحِّفَهُ أبو بكر الصُّوْلي فقال: "من صام رمضان وأتبعه شيئًا من شوال". تَصْحِيْفُ السَّمْع: هو تَوَهُّمٌ في سماع لفظة في سند أو متن بسبب بعد السامع، أو ضعف في سمعه. كعاصم الأحول صَحَّفَ إلى (واصل الأحدب). تَصْحِيْفُ الَمعْنَى: هو أن يُفَسَّرَ اللفظ على غير حقيقته. كقول أبي موسى العَنَزي: نحن قوم لنا شرف نحن من عَنَزَة، صَلَّى إلينا رسول الله ﷺ . يريد بذلك حديث: عَوْنِ بْنِ أبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَلَّى إِلَى عَنَزَةٍ أوْ شَبَهِهَا، وَالطَّرِيقُ مِنْ وَرَائِهَا" أخرجه الطيالسي وعبد الرزاق والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري ومسلم وابن ماجه وأبو داود والترمذي والنسائي وأبو يعلى. وهي الحرْبَةُ تُنْصَبُ بين يدي المصلي، فتوهم أنه صلى إلى قبيلتهم. المُحَرَّف: هو ما وقع التغيير - عمدًا أو بغير قصد - في أحرف كلمة فيه مما تختلف به صور الخط. مثل (وكيع بن حُدُس) تحرفت إلى: (وكيع بن عباس). اللَّحْنُ فِي الحَدِيث: هو الخطأ في قراءة الحديث، وأكثر ما يراد به مخالفة قواعد النحو.

стр. 110

كأن يرفع منصوبًا. الحَدِيث المُعَلُّ (١): هو الذي اُطُّلِعَ فيه على مانع من قبوله، مع أنَّ الظاهر سلامته. والأصل في الحديث العلة، فلا يحكم عليه بالصحة حتى يعلم عدمها. فلا بدّ من التثبت والتحرز في الرواية، ولئن يتوقف في قبول حديث صحيح خير من أن يُجْسَر على تصحيح حديث يكون بعد التفتيش مردود. العِلَّة: سبب خفي يقدح في أصل حديث ظاهره القبول. ومعرفة الحديث إلهام، فلو قلت للعالم يُعِّل الحديث: من أين قلت هذا؟ ربما لم يكن له حجة مفهومة عند غيره، وليس هذا إلا لأهل الحديث المتقدمين خاصة. قال عبد الرحمن بن مهدي: (معرفة الحديث إلهام، لو قلت للعالم يُعَلِّل الحديث من أين قلت هذا؟ لم يكن له حجة). مقدمة العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٨٩). قال الأوزاعي: (كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة، فما عرفوا أخذنا وما أنكروا تركنا). تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٣٧٧) وقال عمرو بن قيس: (ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثل الصيرفي الذي ينقد الدرهم الزائف والبهرج، وكذا الحديث). الكفاية للخطيب (ص: ٣٩٥). وقال ابن مهدي: (إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة). مقدمة العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٨٩). وفي حديث: عُبَيد الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عن النبيِّ ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أهْلِ الصَّوْمِ والصلاة وَالزَّكَاةِ وَالحَجِّ - حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الخَيْرِ - فَمَا يُجْزَى يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا بِقَدْرِ عَقْلِهِ؟ ". قال أبُو محمد عبد الرحمن: حدَّثَنا عبدُ الرحيم بْن شُعَيبٍ؛ قَالَ: حدَّثنا ابنُ أبي الثَّلج؛ قال: كنا نذكُر هذا الحديثَ ليحيى بن مَعين سنتَيْنِ أو ثلاثة، فيقول: هو باطلٌ، ولا يدفعُه
следующие страницы →