← Акыда

Акыда · id 10903

الوحي والإنسان - قراءة معرفية

محمد السيد الجليند

Полный текст (232 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أنها وحي ودين، وأن الخروج عليها كفر وإلحاد يكون جزاؤه الطرد من رحمة الكنيسة والقتل والإحراق والطرد من البلاد، وكانت تستعين الكنيسة في تنفيذ أوامرها بالإمبراطور وسلطانه؛ لأن تعيين الإمبراطور وعزله خاضع لسطان رجال الكنيسة وأوامرهم. وكان مما فرضته الكنيسة على أتباعها أن يؤمنوا بأن الأرض ليست كروية وأنها مركز الكون، والغريب أنهم جعلوا هذه الآراء عقيدة ودينا لأتباعهم، ولما جرب العلماء هذه الآراء وأخضعوها للبحث العلمي وجدوها خرافة لا أساس لها من الصحة، وجهلا لا حظ لها من العلم. فأعلن العلماء رفضهم لها وللكنيسة معا، وحين رفضها العلماء لم يرفضوها على أنها آراء شخصية قال بها رجال الكنيسة وإنما رفضوها على أنها الدين الذي بشرت به الكنيسة، رفضوها على أنها الوحي الذي ادعت الكنيسة أنه ينزل عليهم، وأعلن العلماء حربهم على الكنيسة وعلى الدين الذي بشرت، فما كان من الكنيسة إلا أن استعانت بالسلطة وقررت حرمان هؤلاء العلماء من رحمة الكنيسة، وكان جزاء العلماء هو الإحراق أو القتل والطرد من البلاد باسم الدين، ولا يخفى على قارئ التاريخ ما جرى لكوبرنيق وجاليليو ونيوتن وتلامذتهم من تعذيب واضطهاد على يد الكنيسة. ورغم ما أصاب العلماء على يد الكنيسة من تعذيب واضطهاد إلا أنهم استطاعوا أن يثبتوا للأجيال التالية أن ما تدعيه الكنيسة دينا

стр. 107

وعقيدة ليس إلا خرافة ومظهرا من مظاهر الجهل، وبدأت من هذا التاريخ قصة الصراع الطويل بين الكنيسة والعلم، وبدأت ثقة العلماء في الكنيسة ورجالها تختفي رويدا رويدا، وأصبح رجل الدين في نظر العلماء رمزا للجهل، وأصبحت آراؤه الدينية مظهرا من مظاهر الخرافة والتخلف، واختفت من هذه المعركة كلمة الكنيسة ليحل محلها لفظ الدين والوحي، كما اختفى لفظ رجل الكنيسة ليحل محله رجل الدين, وأخذت هذه الازدواجية الدين والعلم تأخذ العلاقة بينهما شكل التناقض، فهما لا يلتقيان أبدا, إما العلم وإما الدين، الدين عندهم رمز التخلف والجهل والخرافة, والعلم رمز التنوير والتقدم وعنوان النهضة المنشودة. وأخذت هذه العلاقة التناقضية في الظهور والشيوع إلى أن عمت أنحاء أوروبا كلها، وترتب على ذلك أن أفرزت هذه المعركة مجموعة من المصطلحات التي حملت في طياتها معنى الرفض لكل ما هو ديني، مثل: الحداثة, التنوير، العلمانية، وأخذت الفجوة تتسع شيئا فشيئا إلى أن سيطرت النزعة العلمية على الحياة في أوروبا وبدأت الكنيسة يتراجع سلطانها ويتحدد نشاطها داخل جدرانها فقط، وأخذت النزعة العلمانية تمد سلطانها لتحل محل الكنيسة في إدارة شئون المجتمع ونظام الحكم، وتبدلت النظرة إلى الكون وعلاقة الإنسان به، كما أخذت قضية اللاهوت وما يتبعه من قضايا إيمانية تتلاشى ويتلاشى أثرها من مظاهر الحياة.

стр. 108

وأخذت العلمانية تنشر على المجتمع مبادئها لتحل محل تعاليم الكنيسة، وأخذت مظاهر التقديس التي كانت تحظى بها التعاليم الكنسية تختفي أو تتلاشى من قلوب أتباعها، وأخذ العقل يحتل مكان الوحي، وتحولت نظرة العلماء وتقديسهم للمطلق "الله" إلى الكون والإنسان فكانت الطبيعة هي قبلتهم والإنسان محل تقديسهم، والاهتمام بما هو دنيوي حل محل الاهتمام بكل ما هو أخروي، كذلك كانت علاقة الإنسان بالطبيعة قائمة على أساس قطع الصلة بينها وبين ما هو غيبي "الله" ومصدر قوة الإنسان عندهم ليست مستمدة من قوى غيبية بل من قوة سيطرته على الطبيعة وقامت النزعة العلمانية على هذا الأساس؛ بتر الصلة بين كل ما هو دنيوي وما هو أخروي، وصار الواقع الفعلي الذي يعيشه المرء أولى بالاهتمام من كل ما هو غائب عن هذا العالم. وخلال هذا التحول الخطر من الإيمان باللاهوت إلى تقديس الطبيعة تبدلت مفاهيم كثيرة وظهرت قيم جديدة، احتلت مكان الصدارة في حياة الإنسان الأولى. فتحولت النظرة إلى الكون من النظرة اللاهوتية المطلقة لتجعل الإنسان والكون محور الوجود كله ومركزه، وليست هذه النظرة مستمدة من الوحي وإنما أساسها العقل الرافض لكل ما هو لاهوتي، وليس الكون والإنسان علامات يستدل بها على موجود خالق لها "الله" بل هما مستقلان تماما في وجودهما عن أي موجود حقيقي

стр. 109

سواهما. بل هما الحقيقة الحقة الجديرة بهذا الاسم في هذا الوجود؛ لأنهما واقع لا مجال للشك فيه أما ما يدعيه علماء اللاهوت في ربطهما بوجود غيبي "الله" فإن ذلك أسطورة وخيال زائف لا يمكن التحقق من وجوده، والحقيقة المطلقة التي يمكن التحقق من ثبوتها ووجودها هي هذا الكون والإنسان، وما وراءهما فمحض خيال وأسطورة. وسادت نزعة نقدية لكل ما هو مقدس في أوروبا تبنتها ظاهرة الحداثة والعلمانية التي تنفي كل ما هو ديني ليحل مكانه الواقع، وحاول النقد العلماني للدين أن يجهز على تعاليم الكنيسة لتفسح مكانها للعقل والعلم، وليحل النور العلمي والتنوير العقلي محل هذا الكلام الذي سيطر على عقول أوروبا في العصور الوسطى. وعلى سبيل الإجمال, تولدت نزعة نقدية ذات طابع علمي قوامها تحويل اهتمام الإنسان من اللاهوت إلى الواقع، وبدلا من أن يكون اللاهوت منظما لحركة المجتمع تحت سطوة الكنيسة ينبغي أن يحتل مكانه التنظيم العقلاني الذي يتم في ضوئه فصل المجتمع عن الدين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا, وأن تتخلى الكنيسة ورجالها عن دورهم ليحتل مكانهم العلماء ويحتل العلم مكانة الدين. ولقد تم ذلك فعلا وتحول رجال الكنيسة إلى مجرد موظفين يتقاضون رواتبهم من الدولة، ويتم تعيينهم في الوظائف وعزلهم منها بأمر الإمبراطور, شأنهم في ذلك شأن أي موظف في الدولة.

стр. 110

ولم تنته هذه المعركة بين العلماء والكنيسة إلا بعد أن سيطرت ظاهرة الحداثة والعلمانية وتبلورت معالمها في أمور محددة أصبحت شعارا لعصر النهضة في أوروبا, ومن أهم هذه المعالم: ١- العلمية، ويقصدون بذلك أن يكون الواقع موضوعا للعلم والعقل مقياسا للحقيقة، والواقع هنا هو الكون, هو الطبيعة فقط وكل أمور ليس لها رصيد في الطبيعة ولا يعبر عنها في الواقع الحسي بألفاظها مقابل موضوعي فهي خرافة وأسطورة، وبالتالي فإن أي حديث عن أمر غيبي ليس مقبولا. ٢- قانون العلية، أن تقوم هذه النزعة العلمية على مبدأ العلية أو قانون السببية، وأن ارتباط كل ظاهرة بعلتها وسببها يكفي في الإجابة عن السؤال كيف حدثت الظاهرة, وهذا هو هدف العلم وغايته. أما الإجابة عن السؤال: لماذا حدثت الظاهرة فإن ذلك ليس داخلا في مهمة العلم, ولا يعنينا البحث عنه أو الانشغال به. ٣- أن يتم ذلك كله خلال التجربة والمنهج التجريبي, وكل ما لم يخضع للتجربة يكون الحديث عنه خرافة وأسطورة. ٤- أن تؤسس المعرفة العقلية على النقد, واستبعاد كل ما هو أسطوري "ديني" لا تسنده التجربة ولا يستمد صدقه من الواقع الموضوعي. ويكون الموقف هو جوهر العقلانية الحديثة كما يكون جوهر العلمانية والحداثة هو رفض الدين واللاهوت.

стр. 111

ولقد حرص أصحاب هذا الاتجاه أن يبرزوا ما تتميز به نظرتهم العملية في مواجهة الكنيسة والنظرة اللاهوتية؛ ليجعلوا رجل الدين رمزا للجهل والخرافة, فقالوا: ١- إن التفسيرات اللاهوتية التي يدعونا إليها رجل الدين ليست بذي موضوع, لا سند لها من الواقع، لا تخضع للتجربة، مستمدة من النظرة الغيبية. أما الموقف العلمي فإنه يكشف زيف هذه التفسيرات، ويوضح ما وراءها من جهل وأسطورة. إنه موقف يعمل على إزالة الأسطورة لتحل محلها الحقائق العلمية، يعمل على إزالة الظلام ليحل محله التنوير، إنه موقف يبدأ من الواقع ويعيد كل شيء إلى الواقع ولا علاقة له بما وراء الواقع المادي. ٢- إن التفسيرات اللاهوتية تستمدّ قداستها من المطلق "الله" ليتحكم به في الواقع عن طريق العلاقة الأسطورية بين الواقع والمطلق, أما النزعة النقدية فإنها تستمدّ قداستها من الواقع الذي هو مستقل في وجوده عن المطلق ولا علاقة بينهما, فالكون هو الحقيقة فقط ولا شيء وراءه يستحق أن يسمى بالحقيقة المطلقة. أما السلوك الإنساني والظواهر الاجتماعية, فهي ترجع في تفسيرها إلى عوامل نفسية ومؤثرات اجتماعية وبيولوجية وكل شيء يخضع في تفسيره للمادة والعلاقات المتبادلة بين ظواهرها، فالدين والأخلاق ليسا إلا إفرازا لحالات نفسية وبيولوجية, وآثارا لظروف اجتماعية وثقافية يعيشها الأفراد في مجتمعاتهم.

стр. 112

٣- في هذه النزعة العلمية ينبغي أن تتحول القداسة من المطلق "الله" إلى الطبيعة وإلى الإنسان، فيحتل الإنسان مكانة المطلق "الله" وهو في علاقة تلازمية مع الطبيعة ليجعل منها موضوعا للمعرفة، فالطبيعة وحدها هي موضوع المعرفة ولا شيء وراءها قابل لأن يعرف أو يكون موضوعا للمعرفة التجريبية، وبالتالي فإن أي حديث عما وراء الطبيعة فهو حديث خرافة. ٤- يترتب على ما سبق أن تكون "العقلانية النقدية" قائمة على نفي الدين والارتباط بالواقع، فالشعائر والطقوس الدينية عندهم خداع، والأخلاق والقيم أوهام اجتماعية، وينبغي أن يحتل العمل مكانة الشعائر والطقوس الدينية، وأن يتم تغيير الواقع من خلال الثورة على العقائد اللاهوتية؛ ليحتل الواقع مكانة اللاهوت حتى يتخلص المجتمع من زيف الأساطير. هذا كله قد حدث في الغرب خلال القرون الثلاثة الأخيرة، ولا شك أن ما حدث هناك كانت له مبرراته وأسبابه. فالعلم ينبغي أن يحتل مكانة الجهل. والنور يحتل مكانة الظلام. والحقائق تحتل مكانة الأساطير والخرافات. فهذا أمر ضروري لنهضة الأمم وتقدم الشعوب.

стр. 113

لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: إذا كانت هذه المعركة قامت في الغرب لتقضي على خرافات الكنيسة وجهلها وليحل فيها العلم والنور محل الجهل والظلام, فما علاقة هذه المعركة بالإسلام؟ وما شأن الإسلام بقصة الصراع التي نشأت في بلاد غير بلاد المسلمين، وفي ظل ثقافة الجهل والخرافة التي جاء الإسلام ليقضي عليها ويحاربها؟ إن الإسلام يبارك الثورة على الجهل والخرافة والأسطورة؛ ليفسح المجال للعلم والنور والحقائق العلمية. فما هو السبب في نقل هذه المعركة إلى أرضنا وبلادنا؟ لقد أفرزت قصة الصراع بين الكنيسة والعلماء ثلاثة مواقف متباينة, تختلف فيما بينها في تفسيرها للدين الكنسي حسب الحقول الدراسية التي تنتمي إليها هذه المواقف، لكنها كلها رافضة للوحي معارضة له: الموقف الأول: ويمثله علماء الطبيعة ابتداء من نيوتن، ويذهب أصحاب هذا الموقف إلى القول بأن الكون الذي نعيشه ليس في حاجة إلى قوى غيبية يستمد منها حركته، إنه مكتفٍ بنفسه عن غيره، إن قوانيه كامنة فيه، وهي التي تتولى حركته وتنظيم مسيرته، وكل فرد من أفراده، إنسانا كان أو حيوانا، نباتا كان أو جمادا، يشتمل على قانونه الطبيعي الذي ينظم حركة وجوده ويسوقه سوقا إلى أداء مهمته، ولا حاجة به إلى التعلق بقوى

стр. 114

أخرى وراءه يستمد منها نظامه أو حركته، فطبيعة كل كائن هي نظامه, هي قوامه وحياته والعلم قد كشف لنا عن قوانين هذه الكائنات ووضعنا أيدينا عليها وجربناها وعرفنا حقيقتها، فأصبح الكون عندنا هو الحقيقة, بل هو حقيقة الحقائق. وكل ما وراء هذا الكون هو محض خيال وهم تتشبث به الكنيسة لتستمد منه سلطانها, وتفرض به جبروتها على الناس. إن التفسير اللاهوتي للظواهر الكونية كان يمثل مرحلة متقدمة من عمر البشرية اضطر الإنسان خلال هذه الفترة أن يفسر كل شيء يراه باسم الإله لعجزه عن مواجهة الطبيعة الخارجية وجهله بقوانينها. أما بعد اكتشاف قوانين الطبيعة والتثبت من صدقها بالتجربة المباشرة فلم يعد هناك مجال للقول بالقوى الغيبية التي لا يمكن إخضاعها للتجربة أو التأكد من صدقها بالمشاهدة الحسية، والحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها عقليا ليست إلا ما يخضع للتجارب ويمكن فحصه علميا، والوحي والدين قائم على مسلمات لا يمكن التحقق من صدقها بالتجربة ولا سبيل إلى مشاهدتها وفحصها علميا، وكل ما لا يمكن إثباته بالتجربة فهو وهم باطل لا حقيقة له، ومن هنا قالوا: إن الدين تفسير زائف للظواهر الكونية، ولا بد من إزاحته ليحل العقل والعلم مكانه. الموقف الثاني: ويمثله تفسير علماء النفس للدين, لقد رأوا أن الدين ظاهرة تنعكس خلالها كوامن اللاشعور المخزون في النفس

стр. 115

الإنسانية من عمر الطفولة، فالجنة والنار وما يحيط بهما من ترغيب وترهيب صورة مثالية لآمال الإنسان، والوحي والإلهام صور لأساطير عاشها الإنسان في سن طفولته، والإله صورة مثالية لإنسان الأرض تتجسد فيه صفات العدل والحق وقيم الخير المفقودة في عالم الواقع، وما الدار الآخرة إلا صورة يتحقق فيها للإنسان ما كان يحلم به في حياته الدنيا, ولكنه فشل في تحقيقها فخلق لنفسه عالما آخر تتحقق فيه أحلامه وآماله. وصار الإنسان عندهم هو الذي يخلق إلهه ويصنعه لنفسه من واقع تاريخه النفسي, ومخزونه اللاشعوري. أما الموقف الثالث: ويرجع إلى علماء الاجتماع الذين فسروا الدين على أنه ظاهرة تاريخية أحسن اختراعها الإنسان ليلوذ إليها ويحتمي بها من نوازل التاريخ, سواء كانت هذه النوازل كوارث طبيعية كالزلازل والبراكين والأمراض، أم كانت نوازل إنسانية كظلم الحكام وطغيان الملوك. لقد أحس الفقراء والضعفاء بحاجتهم إلى قوى عظمى يلتفون حولها ويهرعون إليها عند النوازل واخترعوا اسم الإله، واشتقوا له مجموعة من الصفات التي وصفوا بها الإنسان، فإذا كان في بني البشر ملك يظلم فهناك ملك أكبر منه يقتص منه للمظلوم، وإذا كان هنا قاضٍ غير عادل فهناك قاضٍ أكبر منه عادل يجازي على الخير

стр. 116

والشر، وعلى ذلك يقولون: إن الدين ظاهرة اجتماعية خلقها العقل الإنساني وأتم خلقها في حالة عجز الإنسان عن مواجهة القوى الخارجية, لقد اخترع الإنسان قوة ما وراء الطبيعة طلبا لحمايتها. وجاء بالسحر ثم بالعمليات الروحية، ثم بالعقيدة الإلهية حتى اخترع فكرة الإله الواحد ... وهذه العقائد قد فات أوانها وفقدت ضرورتها؛ لأنها ظهرت في فترة تاريخية معينة استجابة لعجز الإنسان وعنوانا لجهله, أما بعد سيادة العلم والعقلانية فلم يعد الإنسان بحاجة إلى هذا الاعتقاد. إن هذه المواقف الثلاثة قد نشأت كنتيجة طبيعية لرفض العلماء للكنيسة واللاهوت المسيحي إبان المعركة التي نشبت بين الكنيسة والعلماء، ولم يشهد تاريخ الفكر الديني ثورة أشد ولا أقسى من ثورة العلماء على الدين خلال هذه المعركة. لقد كان موقف الرافضين للوحي قبل هذه المعركة قاصرا على الدهريين والطبيعيين، فالدهريون أسندوا الفعل إلى الدهر قالوا: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وكان رد القرآن عليهم مكتفيا بقوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤] . وكان الموقف الطبيعي يشبه إلى حد كبير الموقف الدهري، لكن لم نقرأ في تاريخ الفكر الديني هذا الهجوم الشرس على الوحي إلا بعد هذا الصراع الذي شهدته أوروبا بين الكنيسة والعلم.

стр. 117

فالفلسفة اليونانية وهي الأم الشرعية للفلسفة الأوروبية في العصور الوسطى والحديثة لم ترفض فكرة الإله ولم تنفِ وجوده, وكلام أرسطو عن المحرك الأول وكلام أفلاطون عن الأول والعلة الأولى قد أشبع نهمهم العقلي بالبحث في هذه القضية، فهم لم ينكروا وجود الإله وإن كان تصويرهم له يختلف عما أتى به الوحي, لكنهم لم يقولوا باكتفاء الكون بذاته واستغنائه عنه؛ لأنه عندهم المحرك الأول لهذا الكون، وأن هذا الكون بما فيه يتحرك حسب قوانينه شوقا وتشبها بالإله. كما لم نقرأ في تاريخ الفكر الديني أن الدين ظاهرة تاريخية مضى وقتها وفات أوانها, ولم يعد لنا حاجة إليها إلا على يد أوجست كونت ومدارس علم الاجتماع التي سارت على منهجه. كما لم نقرأ أن التدين حالة نفسية يخلقها الإنسان لنفسه يحقق فيها آماله وطموحاته ويهرب إليها من واقعه المؤلم. إن هذه التفسيرات كلها نشأت في ظل النهضة الأوروبية المعاصرة التي ثبتت أركانها على أنقاض الكنيسة وتراثها. وظهر الدين بمعناه العام في هذه المعركة معارضا للعلم، رافضا له، رمزا للجهل والتخلف، ورجال الدين دعاة إلى الخرافة محاربين للعلم ومعاندين للعقل، وظهرت العلمنة عنوانا لرفض الدين

стр. 118

وإقصائه عن شئون الحياة تربويا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، وظهرت الحداثة عنوانا لرفض القداسة ومحاربتها، فليس هناك ما يستحق القداسة إلا الإنسان والطبيعة، وفكرة الإله والتراث والقداسة كلها أفكار بالية خدعتنا بها الكنيسة لتستذل بها عقولنا وتملك بها رقابنا، والعقل وحده هو الذي ينبغي أن يحتل مكانة الإله والعمل والإنتاج يأخذ مكانة الشعائر الدينية وقداستها. وبذلك قضت هذه النزعة الإلحادية على كل ما هو ديني, وعكفت على الكون تستنطقه أسراره، وتقف على قوانينه، وتكشف عن نظامه، وكان العلم والعقل هما سلاح هذه المعركة. في العالم الإسلامي: لقد انتقلت هذه المعركة بكامل حيثياتها وملابساتها إلى العالم الإسلامي, واختفت منها كلمة الكنيسة وحل مكانها لفظ الدين, الدين بالمعنى العام. وبدلا من أن يصوروا قصة هذا الصراع على أنه صراع بين آراء رجال الكنيسة والعلماء, صوروها على أنه صراع بين الدين بمعناه العام والعلم. وصار الدين نقيضا للعلم وأصبح الإيمان بأحدهما يعني نفي الآخر ورفضه، وارتبط لفظ الدين بالتخلف والرجعية والخرافة والأسطورة, كما صار رجاله رموزا لهذه المعاني السيئة.

стр. 119

لقد صدّر الغرب هذه المعركة إلى بلاد المسلمين ضمن الصادرات الثقافية خلال القرنين الأخيرين, وحمل لواءها نيابة عن الغرب مجموعة من تلاميذ المستشرقين في العالم الإسلامي, ومن أبناء العربية ممن يعرفون شعار العلمانية والتنوير والحداثة. ومن الإنصاف أن نقرر هنا أن المسيحية الصحيحة التي بشر بها نبي الله عيسى ﵇ بريئة تماما من كل الخرافات والأساطير التي فرضتها الكنيسة على أتباعها في العصور الوسطى، فليست المسيحية طرفا في هذه المعركة؛ لأن نصوصها لم تتعرض لتفسير الظواهر الكونية لا من قريب ولا من بعيد، وهذه التفسيرات الخرافية التي قال بها رجال الكنيسة لا علاقة لها بالوحي الذي نزل على نبي الله عيسى، ولكنها كانت أحد الأساليب التي استذل بها رجال الكنيسة عقول السذج من الناس بدعوى أن الوحي نزل بها, وأنها دين وعقيدة. لقد تبنى رواد العلمانية والتنوير الدعوة إلى رفض الدين وإقصائه عن حركة المجتمع كما فعلت أوروبا، دون أن يفرقوا بين الإسلام والكنيسة, ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن علاقة الإسلام بالعلم وموقفه من الخرافة والأسطورة ومحاربته للجهل. وكما صورت أوروبا الكنيسة على أنها سبب تخلف أوروبا وانحطاطها قال بذلك رواد التنوير والعلمانية في بلاد المسلمين، فجعلوا الإسلام سببا لتخلف المسلمين وانحطاطهم.

стр. 120

وكما جعلت أوروبا رجال الكنيسة رموزا للتخلف والجهل, نادى التنويريون والعلمانيون في بلادنا بأن رجال الدين هم رموز التخلف والجهل. وكما أن أوروبا لم تتقدم ولم تنهض إلا بعد أن نفضت يدها من سلطان الكنيسة وأبعدتها عن شئون الحياة, نادى رواد التنوير بأن المسلمين لن يتقدموا وينهضوا إلا إذا تخلوا عن الإسلام ونفضوا أيديهم منه, وأبعدوه تماما عن حركة الحياة. وكما نادى علماء الغرب بأنه ليس هناك شيء "مقدس" يعلو على نقد العقل، كذلك نادى رواد التنوير في بلادنا بأنه ليس هناك شيء "مقدس" يعلو على النقد، وأخضعوا القرآن الكريم لمنطق النقد العقلي, وحاولوا أن يجعلوه محلا للشك وموضعا للتشكيك, بل إن بعضهم حاول أن يطبق على القرآن الكريم بعض نظريات النقد الحديثة ليقول: إن القرآن قد اشتمل على بعض الأساطير التي عرفها العرب قبل الإسلام. هذا هو جوهر حركة التنوير التي يروج لها العلمانيون في العالم العربي، ولقد شجعهم على ذلك بعض المؤسسات التبشيرية التي انتشرت في أنحاء شتى من بلاد المسلمين، كما أسهم في الترويج لها كثير من النصارى أمثال فرح أنطون وشبل شميل

стр. 121

وسلامة موسى وغيرهم من الذين يسبح الإعلام بأسمائهم, باسم التنوير وأعلامه. وفي الحقيقة لقد ظلم هؤلاء وأولئك العلم والدين معا. لقد ظلموا الدين حين نقلوا إلينا صراع الكنيسة والعلم على أنه صراع بين الدين والعلم؛ ذلك أن الدين الذي بشر به عيسى ﵇ بريء مما فرضته الكنيسة على أتباعها وجعلته دينا لها. ولو كان عيسى ابن مريم بينهم لأعلن براءته منهم ومن دينهم الذي نسبوه إليه, ولقد توعد القرآن الكريم أمثال هؤلاء في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩] . وظلموا العلم ثانيا حين قالوا: إن العلم ينفي الدين ويناقضه؛ ذلك أن الأديان السماوية الصحيحة كلها حق, والعلم الصحيح في ذاته حق, ومحال أن ينفي حق حقا آخر أو يعارضه. كما ظلموا الإسلام ثالثا حين أقحموه في هذه المعركة وجعلوه مثل الكنيسة دون أن يفرقوا بين الإسلام واحتضانه للعلماء ودعوته للعلم, والكنيسة وموقفها الرافض للعلم المحارب للعلماء.

стр. 122

وهنا أمران ينبغي أن ننبه إليهما: الأمر الأول: لا ينبغي أن نجعل واقع المسلمين المعاصرين مقياسا نحكم به على الإسلام؛ لأن واقع المسلمين لا شك أنه واقع متخلف علميا, فلا ينبغي أن نجعل تخلف المسلمين دليلا على تخلف الإسلام. كما أن واقع المسلمين متردٍّ اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا, فليس من الحكمة أن نجعل هذا الواقع المؤلم مقياسا نحكم به على سلامة المبدأ وصحته الذاتية, فكم من المبادئ الصحيحة تحولت على يد أبنائها إلى فساد وانحلال عند التطبيق, وهذا أمر لم يخلُ منه مجتمع ولا خلت منه حضارة. فعلى سبيل المثال نجد الإسلام في نصوصه من الكتاب والسنة يجعل العدل أساسا لاستقرار الحكم ودوام الملك، وقديما كنا نحفظ في مقررات الدراسة أن العدل أساس الملك، وأن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، وكم من النصوص النبوية والآيات القرآنية تؤكد على هذ المبدأ. ولكن الواقع الذي يعيشه العالم الإسلامي تلاشى من قاموسه مبدأ العدل وأصبح الظلم عنوانا لقوة الحكم, وشعارا لهيبة الدولة، ورمزا لاستتباب الأمن في البلاد. وكم من ألفاظ اخترعوها ليلبسوها ثوبا اجتماعيا مقبولا عند الناس ليمارسوا تحتها ألوانا من الظلم لم يعرفه التاريخ. فهل

стр. 123

نجعل واقع الحكم في العالم الإسلامي -وهو بهذه الصورة المزرية- دليلا على أن الإسلام لا يجعل العدل أساسا للحكم فيه؟ والإسلام يجعل الشورى مبدأ الحكم في الإسلام، نزل به الوحي الإلهي آمرا الرسول وهو مصدر التشريع أن يجعل الشورى أصلا من أصول العلاقة بينه وبين أصحابه مع أنه المعصوم والمؤيد بالوحي المعصوم، لكن لكي يستقر هذا المبدأ على يديه وهو بين أصحابه نزل به قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . كما جعل مبدأ الشورى عنوانا لجماعة المؤمنين وصفة لازمة لهم؛ لأنها من لوازم الإيمان, فقال تعالى عن جماعة المؤمنين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] . فإذا تحولت الشورى على يد حكام المسلمين إلى استبداد سياسي لا يعرفه تاريخ البشرية، وأصبح مصير بعض شعوبه مرهونا بأسر وعائلات يتوارثون حكم الشعوب وكأن الحكم تركة عقارية تنتقل تلقائيا من جيل الآباء إلى الأبناء ثم الأحفاد, فما دخل الإسلام في ذلك؟ وما علاقة هذه الأنظمة الاستبدادية بالإسلام ونظامه السياسي القائم على مبدأ الشورى؟ وهل من الإنصاف أن نجعل استبداد الحكام في بلادهم دليلا على أن الإسلام لم يجعل الشورى أصلا من أصول الحكم؟

стр. 124

نعم, لقد أصبح معروفا بل من المقرر في تاريخ الحكم ونظامه العالمي، أن سياسة الاستبداد والطغيان صناعة شرقية، وأن شعوب الشرق هي التي تعرف تماما كيف تصنع الحاكم الظالم المستبد الطاغية, بل ترعاه وتعبده أحيانا, لكن ما علاقة ذلك بالإسلام؟ وإذا كان الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، ويجعل مداد العلماء عند الله كدم الشهداء, ويجعل العلوم الكونية "الفيزياء, الكيمياء, الرياضيات, الهندسة, الفلك, الطب ... إلخ" هي المدخل الطبيعي للعلم بالله ومرآة لتجلي صفاته من الحكمة والعلم والقدرة، وربط خشية الله بهذا العلم الكوني، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧، ٢٨] . فليس المقصود بالعلم هنا ولا بالعالم: عالم التفسير أو الحديث أو الفقه، إنما هو العالم بالكون ودقائقه, هذا هو العلم الكوني في التصور القرآني. فإذا انصرف المسلمون عن هذا العلم وأداروا له ظهورهم, وفضلوا الجهل بالكون على العلم به وبدقائقه, وآثروا الكسل والدعة على التعلم والبحث حتى صاروا أضحوكة العصر وذيل الركب والقافلة، فما دخل الإسلام في هذا التخلف الذي يعيشه المسلمون؟

стр. 125

وإذا كان هذا هو واقع المسلمين: التخلف, الجهل، الأمية, الفقر، فهل من الإنصاف أن نجعل هذا الواقع المتردي دليلا نحكم به على الإسلام بأنه سبب تخلف المسلمين؟ أليس من الأجدى والأقرب إلى روح المنهج العلمي أن يقرأ هؤلاء الإسلام في نصوصه من الكتاب والسنة ليتعرفوا على موقفه من العلم كمفتاح للنهضة، وعلى العدل والشورى كأساس للحكم، ويعرفوا أن الإسلام يجعل هذه الأسس أصولا لقيام الممالك واستقرارها, وازدهار الحضارات ونهضتها؟ إن الحكم على الإسلام من واقع المسلمين أمر مقصود في ذاته يلجأ إليه البعض ويروجون له؛ لأنهم لم يجدوا في نصوص الإسلام دليلا على موقفهم المعادي للإسلام إلا واقع المسلمين المتخلف, فجعلوه سندا لهم ودليلا على ترويج أفكارهم ضد الإسلام، فخلعوا على الإسلام أوصاف الكنيسة، كما خلعوا على علماء الإسلام أوصاف رجال الكنيسة, فصاروا رموزا للتخلف والجهل والخرافات. وسار في نفس الطريق جمهور كبير من العلمانيين ودعاة التنوير في بلادنا ممن لا تربطهم بالإسلام إلا صلة الاسم وشهادة الميلاد, فقرءوا الإسلام في كتابات المستشرقين بدلا من أن يقرءوه في نصوصه الأصلية, وصادف رأي المستشرقين عندهم قلبا خاليا فتمكن, فأصبحوا دعاة لهذه الافتراءات مدافعين عنها، وتولا نيابة عن

стр. 126

المستشرقين الدفاع عن موقفهم من الإسلام. ولعل الذي يتابع الحركة الثقافية المعاصرة في عالمنا العربي بالذات يجد آراء المستشرقين في الإسلام وفي القرآن والسنة جعلها البعض عناوين لبعض المؤلفات العربية، ولا شك أن خطر هؤلاء على الإسلام أشد وأقسى من خطر المستشرقين أنفسهم؛ لأنهم من أبناء جلدتنا، يعيشون بين ظهورنا بل قد تسنم معظمهم ذرا المؤسسات الثقافية والإعلامية؛ ليجعل منها منبرا لبث أفكاره بين الجمهور، ويجعلها منطلقا للتأثير في سير الحركة الثقافية في البلاد، ويرصد الجوائز المالية لتكريم من يسير في ركبه وينهج نهجه, ويجعل فكره ورأيه مبدأ ومقياسا للولاء والبراء بين المثقفين. وهكذا أصبح الإسلام مظلوما بين أهله كما هو مظلوم من أعدائه وخصومه، فلا العلماء به قد مكن لهم الدفاع عنه، ولا أنظمة الحكم في العالم الإسلامي منعوا -بحكم موقعهم- الأقلام المتربصة من النيل منه. وقد يحتجّ هؤلاء على ما يذهبون إليه بأقوال بعض المشتغلين بالعلم ممن يملكون عاطفة التدين وحماسة المتدينين، ولكن ينقصهم الزاد النافع من العلم بمقاصد الشريعة الكلية فيقعون في أخطاء ويفتون بأقوال قد لا تتفق مع روح الشرع، ولكنها من وجهة نظرهم تسد الذرائع وتمنع الفتن من باب أن الوقاية خير من العلاج، فيجد

стр. 127

فيها هؤلاء المتربصون فرصة للتشنيع على الإسلام بأنه يعارض التقدم ويحارب التطور، مع أن هذه آراء واجتهادات لا تمثل إلا رأي أصحابها, وربما لو تأملها هؤلاء المتربصون بعين الإنصاف لوجدوها صوابا من حيث عللها الغائية ومقاصدها العامة، ولكن أنَّى لهم ذلك وهم لا يفرقون بين آراء الرجال والنصوص الأصلية للإسلام. أما الأمر الثاني الذي أودّ أن أنبه إليه هنا، فهو موقف الإسلام من توظيف العلم وتسخيره، فإن نتائج العلم والمعرفة أمر محايد صالح لأن يستعمله الإنسان في الخير الذي يسعد البشرية ويحقق لها الرفاهية وطيب العيش، كما أنه صالح في الوقت نفسه لأن يستعمله الإنسان في دمار البشرية وخراب العالم, فهو صالح لأن يستعمل في الخير أو الشر على سواء، صالح لفعل الضدين، وتوجيهه إلى فعل الخير أو الشر خاضع لإرادة الإنسان ومقاصده منه وغايته فيه. وهنا لا بد أن تختلف الغايات وتتعارض المقاصد حسب ثقافة العالم وحضارته، والقيم التي يدين بها، والمجتمع الذي يستظل بسياسته، وحسب الدين الذي يؤمن به. والإسلام يؤكد هنا على أمر مهم جدا وهو أن العلم نعمة كبرى من الله وهبه للإنسان, وأن موضوع العلم هو هذا الكون وما فيه من آيات كبرى وظواهر طبيعية فهو أيضا مخلوق لله، لتحقيق مصالح الإنسان ودفع الضار عنه، ووسائل المعرفة التي يتعامل بها الإنسان مع الكون في الموقف المعرفي هي أيضا مخلوقة لله وخلقت على هيئة مخصوصة لتحصيل هذه المعرفة

стр. 128

والإفادة منها، ثم إن القوانين التي يكتشفها الإنسان في هذا الكون هي أيضا من صنع الخالق سبحانه, فهو الذي خلق السبب وجعله مؤثرا، وخلق المسبب وجعله قابلا للأثر. وإذا كانت هذه الأمور التي يتشكل منها الموقف المعرفي كله مخلوقة لله بما فيها الإنسان نفسه، فإن فلسفة الإسلام في هذا الموقف تفرض على الإنسان أن يحسن توظيف العلم لصالح الإنسان ودفع الضار عنه وليعمر به الكون؛ لأن العناصر المكونة للموقف المعرفي كله مخلوقة لله كما سبق، وينبغي أن يوظف العلم الناتج عن هذا الموقف المعرفي لتحقيق إرادة الله في كونه. وننبه هنا إلى أمور قصدها الشارع من توظيف العلم وعلاقة العلم بالوحي: الأمر الأول: تحقيق الوظيفة الكونية وهي أن نجعل هذا الكون آية دالة على خالقه, كما أشار القرآن في قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] , وأن نجعله مفتاحا يلج منه الإنسان إلى الإيمان بعالم الغيب: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ وما لم يجعل الإنسان هذا الكون آية دالة على خالقه فإنه بذلك يكون قد فاته المعنى الإلهي من معرفته بالكون؛ لأن الخلق في ذاته آية دالة على وجود الخالق.

стр. 129

ويتعلق بهذه الوظيفة الكونية معنى آخر حرص الشرع على تحقيقه وتحصيله واستحضاره في عقل الإنسان، وهو أن هذا الكون بما فيه من دقائق الصنعة وما يشتمل عليه من حكمة الصانع يعتبر مرآة تتجلى فيها الصفات الإلهية, ويقرأ العقل فيها حكمة الصانع وحسن تدبيره، ومطلق قدرته وعموم إرادته، وكلما ازداد العقل البشري علما بدقائق الصنعة ازداد قلب العالم إيمانا ويقينا بصفات الصانع وما يجب له من صفات الجلال والجمال والكمال ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ هذه المعاني الكونية حرص الشرع على تحقيقها وتحصيلها من معرفة الإنسان بالكون, وما فيه. أما الأمر الثاني: وهي تحقيق الوظيفة الاجتماعية للكون, بمعنى أن يحسن المرء تسخير هذا الكون وتوظيفه لتحقيق منافع الإنسان ودفع الضار عنه، والكون هنا كلمة جامعة، تطلق على ما سوى الله تعالى، فالعالم من سمائه إلى أرضه سخر لخدمة الإنسان وتحقيق منافعه كما سبق، فكل ما يمكن أن يوظفه العلم لتحقيق خير الإنسانية من هذا الكون يصير مطلبا شرعيا، فاستخراج المعادن من باطن الأرض وتسخير الأفلاك والإفادة من السببية الكامنة فيها، وما في البحر من عوالم وتسخير الرياح.. كل هذا مطلب شرعي ووظيفة إنسانية في الكون، فإذا ما قصر المسلمون في تحصيل هذه الوظائف لا بد أن يجنوا الثمرة المرة القاسية تخلفا وتأخرا عن ركب التاريخ الذي لا

стр. 130

مكان فيه إلا لمن ملك مفاتيح العلم بأسرار هذا الكون، ولا يحسب هذا الموقف على الإسلام في مصادره بل يحسب على المسلمين الذين أخلدوا إلى الأرض واتبعوا أهواءهم، كما تحسب على ولاة أمور المسلمين الذين آثروا أن يكونوا قادة لقطيع من الجهلاء بدلا من أن يحملوا راية العلم أمام موكب العلماء. إن القضية هنا ليست علاقة بين الوحي والعلم وإنما هي علاقة أصحاب الوحي وأتباعه بالعلم ومعرفة قوانينه، سواء على مستوى العلم الكوني أم على مستوى العلم الاجتماعي، وكما سبق أن قلنا: إن هذه سنة الله في كونه من أخذ بها وأحسن توظيفها لا بد أن يجني ثمرتها ولو كان من الكافرين، ومن أدار لها ظهره وأعرض عنها جنى ثمرتها مرارة وتخلفا، ولو كان من المؤمنين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ . الأمر الثالث: إن الدين والعلم يكملان منظومة الموقف المعرفي للإنسان ومعرفته بالوجود وغايته، بدءا ونهاية, بهيئته وهويته، بما شاهده العقل وبما غاب عنه، فالعلم يقف العقل على عالم الشهادة وخصائصه وماهيته, والوحي يقدم للعقل تفسيرا لما عجز عنه العلم من التعرف على عالم الغيب وما فيه ومسائله، كما يعرفه على علل الوجود وغاياته، ومقاصد الخالق سبحانه منه, فيكتمل للعقل عناصر المنظومة المعرفية كلها، فيقف العقل

стр. 131

منها على ما استطاع فهمه وإدراكه، وما عجز عنه البعض فإن البعض الآخر قد يعلمه، ويأتي الوحي كمعلم للعقل يأخذ بيده ليعرفه ما غاب عنه, ويعطيه الإجابة المطمئنة للنفس والقلب معا عن علة الوجود، ومقاصد الخالق منه، وغايته فيه؛ لأن الإجابة عن السؤال المتعلق بالعلل الغائية للوجود ليست من أهداف العلم ولا من مقاصده؛ لأنه يكتفي بالبحث في الظواهر وأسبابها وتوظيفها. أما الإجابة عن علة الوجود وغايته فلا علاقة للعلم بها؛ لأنها من خصائص الوحي ومقاصده, وهي التي تنفي القول بالعبثية عن هذا العالم، ولا مفر للعقل البشري عنها إذا هو لم يتلق إجابة الوحي عن هذا السؤال: لماذا؟ وكم ضلت عقول في هذا المقام وذلت أفهام, وتواردت شبهات ولم تجد العقول أمانا ولا النفوس اطمئنانا إلا في تعاليم الوحي, قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧] . ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] . ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩] .

стр. 132

الوحي والكون: قراءة معرفية لقد انتقلت المعركة بين الكنيسة والعلم من الغرب إلى العالم الإسلامي على أيدي المستشرقين وتلامذتهم، انتقلت المعركة على أنها صراع بين الدين والعلم، واستعملت كلمة الدين هنا بالمعنى المطلق واختفت كلمة الكنيسة تماما واستعمل مكانها لفظ الدين بالمعنى العام، ثم استعملت كلمة الإسلام بدلا من الدين في مرحلة تالية لتصبح المعركة بين الإسلام والعلم بدلا من أن تكون بين الكنيسة والعلم كما هو معروف تاريخيا، وتوالت الكتابات لتؤسس هذه العلاقة التناقضية بين الإسلام والعلم وتولى إثم هذه الفرية مجموعة من العلمانيين العرب في مصر ولبنان والمغرب وتونس وكلهم ممن تأثر بالمستشرقين, فتغذى منهم بهذه الأفكار المسمومة ولم يحاولوا أن يفرقوا في موقفهم العلماني بين الإسلام والكنيسة من جانب ولا بين علماء الإسلام ورجال الكنيسة من جانب آخر، وإنما ثبتوا هذه الفرية الظالمة وعملوا على إذاعتها في أجهزة الإعلام والندوات والمؤتمرات ليخرج جيل جديد من المشتغلين بالثقافة في

стр. 133

العالم العربي فيتبنى هذه القضية وكأنها إحدى مسلمات العصر التي لا تقبل نقاشا ولا حوارا، فإما العلم وإما الدين، وحمّلوا الإسلام أوزار المسلمين فجعلوه سببا للتخلف والركود الذي أصاب المسلمين. ومن هنا وجب علينا أن نوضح موقف الإسلام من العلم والمعرفة؛ ليعرف الخاصة والعامة ما في دعاوى هؤلاء من تضليل وأكاذيب ساعد على الترويج لها المناصب التي ائتمنتهم عليها الدولة, فخانوا الأمانة واستغلوا مناصبهم فجعلوها منابر لهم ولمن يسير في فلكهم, فيردد أكاذيبهم ويعتقد صحة أفكارهم. وسوف نعالج علاقة الوحي بالكون في هذه العجالة من جانبها المعرفي لتتعرف على منهج القرآن في تأسس المعرفة بالكون وتوظيفه لأداء مهام معينة ترتبط بمقاصد الشارع من جانب, وتدور كلها حول تحقيق مصالح الإنسان ودفع المضار عنه من جانب آخر. وسوف تجد أن منهج القرآن في قضية المعرفة يختلف عن المدارس الفلسفية في كثير من جوانب هذه القضية وغاياتها ومقاصدها. إذ من المعلوم أن المعرفة لها أركانها الأساسية التي تتم خلالها عملية المعرفة ويكتمل بها الموقف المعرفي، وكثيرا ما تقرأ في الحديث عن نظرية المعرفة أن أهم عناصر الموقف المعرفي هي: ١- وسائل المعرفة. ٢- موضوع المعرفة "الكون".

стр. 134

٣- الذات العارفة. ٤- غاية المعرفة ومقاصدها. وتختلف وجهات النظر بين المفكرين حول هذه العناصر الأربعة حسب ثقافة المفكر انتمائه المذهبي، فهذا مادي حسي وذاك عقلي مثالي وثالث حدسي فطري ... إلخ. والتصور الإسلامي للموقف المعرفي قد يلتقي مع بعض هذه المدارس في تفسيرهم للموقف المعرفي وقد يختلف مع البعض الآخر، وهذا أمر طبيعي؛ فإن حديث الإنسان عن الموقف المعرفي مهما علا شأنه لا بد أنه يحمل معه طابع هذا الإنسان ولون ثقافته ومذهبه الفكري، كما يعبر عن وجهة نظره التي تأثر بها وانحاز إليها، وهذا الخلاف يفسر لنا تعدد وجهات النظر الفلسفية حول الموقف المعرفي بكامله، بالتالي يفسر لنا الفوارق الأساسية بين الحضارات الإنسانية من عصر إلى عصر, ومن بيئة ثقافية إلى أخرى. فالحضارات الإنسانية تستمد أصولها وأهدافها ومقاصدها في الموقف المعرفي، من وجهة نظر الإنسان التي تحمل معها طابعه ولون ثقافته وعوامل بيئته الزمانية والمكانية. أما في الحضارة الإسلامية فإنها تستمد أصولها وغايتها ومقاصدها المعرفية من الوحي المنزه عن التأثر بوجهات النظر الإنسانية المتعالي على عوامل الزمان والمكان.

стр. 135

وبالتالي فإن وظيفة الإنسان في الموقف المعرفي ليست مرتبطة بتحقيق غايته وأهدافه الشخصية بقدر ما هي مرتبطة بتحقيق أهداف الوحي, ومقاصده من الموقف المعرفي. إن أهداف الإنسان ومقاصده من المعرفة قاصرة على تحقيق مطالبه هو, ومقاصده هو, وأهوائه هو، حتى ولو كان ذلك على رقاب الآخرين ومقاصدهم. أما أهداف الوحي ومقاصده فهي تحقيق الخير لكل بني الإنسان, وتوظيف المعرفة لصالح كل بني الإنسان. فأهداف الوحي ومقاصده عامة للإنسان من حيث هو إنسان, مؤمنا كان أو كافرا, بخلاف المذاهب الفلسفية الأخرى فإن مقاصدها خاصة وغاياتها قاصرة على أتباعها فقط. ففي تصور الإسلام لقضية المعرفة ومقاصدها نجد الإنسان مؤتمنا على هذا الكون، مكلفا بعمارته، مطالبا باكتشاف قوانينه كما هو مكلف بتوظيف العلم والمعرفة حسب أوامر الوحي وليس حسب أهواء العلماء ومقاصدهم, يوظف الكون لتحقيق خير الإنسان عامة وليس لتحقيق جموحالمهووسين. نعم إن هناك فارقا كبيرا بين تصور الإسلام لأهداف المعرفة ومقاصدها وأهداف العلماء ومقاصدهم من المعرفة، ولعل الفارق يبدو واضحا بين عالم يوظف علمه ومعرفته لصالح الإنسان وعمارة الكون، وعالم آخر يوظف علمه لتدمير الإنسان وخراب هذا الكون, فالعالم الثاني يحقق بعلمه

стр. 136

أهدافه الشخصية ومقاصده من المعرفة وتوظيفها, أما العالم الأول فيحقق أهداف الوحي ومقاصده ليعم النفع لكل بني الإنسان. والقرآن الكريم يربط في تناسق عجيب بين أركان المعرفة السابقة ووظيفة الإنسان من جانب وبينه وبين الكون كموضوع للمعرفة من جانب آخر، كما يربط بين هذين الركنين وأهداف المعرفة وغايتها من جانب ثالث؛ ليكتمل بذلك وحدة الموقف المعرفي في موضوعه، وفي غايته، وفي وسائله، ويكون الإنسان نفسه باعتباره سميعا بصيرا عاقلا ذاتا عارفة، وتتوحد به ومعه وسائل المعرفة وأدواتها، وباعتباره جزءا من هذا العالم يكون هو نفسه موضوعا للمعرفة، وفيه يتوحد الموقف المعرفي كله وبه تتحقق أهدافه ومقاصده، فيكون هو الذات العارفة وهو وسيلة المعرفة, وهو موضوع المعرفة، وبه تتحقق غاية المعرفة، فالموقف المعرفي كله يتوحد في الإنسان. الإنسان ومسئوليته عن الكون: أ- الكون الطبيعي: لقد خلق الله الإنسان على نحو جعله قابلا ومستعدا للمعرفة، وهبه أدوات تحصيل المعرفة من الحواس والعقل، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨] .

стр. 137

وكما خلق الله الإنسان على هذا النحو, فقد وضعه أمام مسئوليته المباشرة عن حسن توظيف أدوات المعرفة وتحصيل المطلوب منها, فقال : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] . ومن المفيد هنا أن نلاحظ عند قراءة الآيتين السابقتين من سورة النحل وسورة الإسراء نجد أن أدوات المعرفة التي ذكرت فيهما جاءت بنفس الترتيب: "السمع. البصر. الفؤاد" وتكرر ذكر هذه الأدوات بنفس الترتيب في القرآن الكريم كثيرا. وحين نلاحظ وظائف هذه الأدوات ودورها في تحصيل المعرفة نجد أن حاستي السمع والبصر تتعلق وظائفهما بعالم الشهادة فقط، فأنت تسمع وتبصر ما هو موجود متعين في عالم الشهادة. أما الفؤاد فيتعدى هذا العالم الحسي إلى تحصيل المعارف المجردة عن الحواس، إلى معرفة القوانين والعلاقات الكامنة بين الأشياء المحسوسة، إلى تحصيل المعارف الكلية، إلى معرفة الخصائص والطبائع. أما حاستا السمع والبصر فيقتصر دورهما على تحصيل المعارف الجزئية الحسية الآنية اللحظية فقط، أما الفؤاد فيتجاوز في وظيفته كل المعارف الجزئية إلى المعارف الكلية كما يتجاوز المعارف الآنية اللحظية إلى الماضي والمستقبل, ويتعرف على الماضي كما يتصور المستقبل ويتخيله. وبذلك يستطيع الإنسان أن

стр. 138

يجمع في أطراف الموقف المعرفي الزمن بعناصره الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، ومن هنا يستطيع أيضا أن يستخلص من الموقف المعرفي الدرس المستفاد من الماضي ليضيء به الحاضر, ويرسم به المستقبل لتتحقق غاية المعرفة, وأهدافها المطلوبة. ولقد وضع القرآن الكريم أمام الإنسان مجموعة من التساؤلات التي يتعلق بعضها بالكون الطبيعي، ويتعلق بعضها الآخر بالكون الاجتماعي، والتي ينبغي أن يشغل نفسه بالتأمل فيها ويحاول البحث عن الإجابة عنها خلال توظيفه لأدوات المعرفة التي منحها الله له. وخلال تأملنا لهذه التساؤلات القرآنية نجدها تتعلق بمواقف متنوعة يعيشها الإنسان في صباحه ومسائه، قد يتنبه المرء إلى بعضها فيقف أمامها متسائلا متعجبا، وقد يغيب عن بعضها الآخر فلا ينشغل بها ولا يفطن إليها، فيسوقها القرآن إليه في شكل سؤال يحتاج إلى إجابة لا بد أن يشغل المرء بها نفسه؛ لأن طرح هذه التساؤلات والانشغال بها تسهم إلى حد كبير في اكتمال الموقف المعرفي، وتقود الإنسان إلى تحقيق المقاصد والغايات الإلهية من الموقف المعرفي؛ لأنها تنبه الإنسان إلى النظر فيما يشاهد من ظواهر كونية يتأملها بعقله, ويتساءل حولها: كيف خلقت؟ لماذا خلقت؟ ومن خلق؟ ولماذا جاءت على هذا النحو من الوجود دون

стр. 139

غيره؟ وما سر ارتباطها بما سبقها وما لحق بها من الظواهر ... إلخ هذه التساؤلات, والقرآن الكريم يسوق لنا هذه التساؤلات في صيغة الأمر الإلهي المباشر. فكما أمر بالصلاة والزكاة والحج أمر كذلك بالنظر والتساؤل حول هذه الظواهر الكونية، ولا فرق عندي بين صيغة الأمر في الحالتين من حيث ضرورة وجود ما أمر به الوحي وتحصيله إلا من حيث إن الأمر بالصلاة والزكاة يتعين على كل مسلم القيام به, والأمر بالتساؤل هنا حول مظاهر الكون وظواهره يكفي في القيام به بعض من أهل الاختصاص والعلماء والباحثين. فالأمر بالعبادات فرض عيني والأمر بالتساؤل فرض كفائي, لكن ذلك لا يعني عدم وجوده, ولا يعني خلو المجتمع ممن ينهض بهذه المسئولية. وإذا كان الفرض العيني يتعين على كل فرد القيام به ويتعين مسئوليته عنه أمام الله، فإن الفرض الكفائي يتعين على مجموع الأمة القيام به، وتتعين مسئولية الأمة عنه أمام الله. وإذا كانت مسئولية الفرض العيني مسئولية شخصية فردية، فإن مسئولية فرض الكفاية مسئولية جماعية يتعين على شخص الحاكم والراعي أن يكلف من ينهض بها نيابة عن مجموع الأمة إذا لم يتقدم أحد للنهوض بها. وتلك قضية على جانب كبير من الأهمية في النهوض بالأمة والترقي

стр. 140

بها من مستوى الجهل إلى مستوى العلم؛ ذلك أن الأمر الإلهي بالنظر والتفكر قد تكرر وروده في القرآن بصيغ متعددة وأساليب مختلفة وحول قضايا متنوعة, تناول عالم الشهادة بأنواعه المختلفة, بدءا من الأمر بالنظر في بدء الخلق وبدء خلق الإنسان وكيفية الخلق: قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] . ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ [عبس: ٢٤-٢٨] . ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ، خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ، يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ، إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ [الطارق: ٥-٨] . ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] . ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ، وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠] . ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ

стр. 141

زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦-١١] . ومن اللافت للنظر في هذه الأوامر الإلهية, وفي هذه التساؤلات أنها جاءت أحيانا في صيغة الأمر المباشر ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ وأحيانا في صيغة الاستفهام الإنكاري الذي يفيد التعجب من عدم الانشغال بهذه التساؤلات ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ مما يتضمن اللوم والعتاب, وأحيانا يجيء في صيغة الأمر المؤكد باللام ليفيد الإلزام والإيجاب ﴿فَلْيَنْظُرِ ... ﴾ . ولا شك أن تعدد الصيغ وتنوعها حول هذه التساؤلات يشير إلى ضرورة الانشغال بها والاهتمام بها كجزء أساسي في تنوير الوعي بالكون, وتثقيف العقل الجماعي للأمة, وبناء الجسور التي يعبر خلالها الإنسان من رؤيته الحسية لعالم الشهادة إلى بناء رؤيته العقلية لما وراء عالم الشهادة. وهذا ركن أساسي في بناء الموقف المعرفي، أن يجعل عالم الشهادة منطلقا له إلى عالم الغيب، أن يتخذ عالم الشهادة دليلا له لإثبات ما وراءه, ومنهجه في ذلك هو طرح هذه التساؤلات القرآنية على العقل لينتقل من المحسوس إلى اللامحسوس, ومن الشهادة إلى الغيب في شكل تتوحد فيه الرؤيتان معا: الحسية والعقلية بحيث لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، رؤية الحواس لعالم الشهادة وظواهره ومظاهره, ورؤية العقل والفؤاد لما وراء عالم

стр. 142

الشهادة، فلا يقتصر الموقف المعرفي على مجرد الرؤية الحسية للأشياء مجزأة منفصلا بعضها عن بعض، بل لا بد من الرؤية العقلية أيضا لتجمع شتات المحسوسات في شكل كلي منظم دقيق ينبئ عن حكمة صانعه، ويدل على العناية الإلهية بالكون والقصد الغائي منه, وهذا لا يتأتى إلا بالمزاوجة بين رؤية الحواس ورؤية العقل معا. ولعل هذا يفسر لنا السر وراء جمع القرآن بين الإدراك الحسي, والإدراك العقلي معا ولم يفصل بينهما أبدا, فجاء بذكر الفؤاد أو الأفئدة بعد السمع والبصر في كل موارد هذه الحواس في آيات الذكر الحكيم. ب- الاجتماع البشري: وكما أمر القرآن بالنظر في الكون الطبيعي والتساؤل حول بدء الخلق وأصله وكيفيته, فقد أمر أيضا بالنظر والتساؤل حول سنن الله الكونية وعن قوانين الاجتماع البشري وآثارها في تاريخ الأمم الماضية، وكيف قامت الممالك واستقرت، وكيف بادت وانحدرت, وكيف ازدهرت الحضارات, ولماذا انهارت وانكسرت. وما سبب قيام الممالك واستقرارها، وما سبب انهيارها وزوالها ليأخذ المسلم من تاريخ الممالك درسا وعبرة يستضيء بهما في استقرار حاضره وبناء مستقبله. ولقد نبه القرآن في آيات كثيرة إلى هذه القضية خلال ما قصّه علينا من تاريخ الأمم الماضية.

стр. 143

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩، فاطر: ٤٤] . ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] . وتكرر الأمر بالنظر في عاقبة المكذبين، والمفسدين، والمجرمين؛ ليبين لنا القرآن الكريم أن الظلم والفساد والبغي في الأرض بغير الحق وتكذيب الرسل, كل ذلك وما يترتب من سلوك اجتماعي يتناقض مع أوامر الوحي كان سببا في انهيار الممالك واندثار الحضارات، والعلاقة الثابتة بين استقرار الممالك وسيادة العدل والإنصاف مطردة لا تتخلف أبدا فهي أشبه بالعلاقات السببية الكامنة في الكون الطبيعي, فإذا ما وجد السبب حصلت النتائج سواء كان ذلك على مستوى الكون الطبيعي, أم على مستوى الكون الاجتماعي. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] فربط سبحانه بين هلاك الأمم وانهيار الممالك والظلم, وكان ضياع العدل وسيادة الظلم سببا طبيعيا في انهيار الملك، ولك أن تتأمل معي أسباب انهيار الملك في تاريخ الأمم الماضية والحاضرة أيضا, وكيف نبه القرآن الكريم إليها وأشار إلى خطورة إهمالها أو غضّ الطرف عنها من قبل المسئولين. ومن أهم هذه الأسباب سيادة الظلم وضياع العدل؛ مما يترتب على ذلك ضياع الحقوق والأمانات

стр. 144

ويأس الضعفاء وطمع الأقوياء وتفشي المحسوبية والوساطات, وهذا أخطر ما تصاب به المجتمعات؛ ولذلك فقد ربط القرآن الكريم بين الظلم والإهلاك في أكثر من آية. قال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] . ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٦] . ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] . وهذه إحدى السنن الكونية في الاجتماع البشري، وهي لا تتخلف أبدا, سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولا يغيب عن الذهن أن السنن الكونية لا علاقة لها بالدين أو الثقافة, فمتى وجدت أسبابها وقعت النتائج، سواء كانت الأسباب في أمة كافرة أو أمة مسلمة؛ لأن أسباب استقرار الملك أو انهياره لا علاقة له بدين ولا ثقافة. ولذلك كان من مواريث أمتنا أن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، وهذا أمر ينبغي أن يستقر في أذهان الجميع حتى إذا نظر المسلم المعاصر حوله في شرق البلاد وغربها, فوجد بلاد أوروبا وأمريكا قد استقرت فيها الممالك وازدهرت فيها مظاهر العمران, وسادت لغة العلم فلا يعتبر ذلك خروجا عن السنن الإلهية في الكون، فهذا أمر طبيعي, حيث ساد العدل واختفى الظلم، وأصبح العالم آمنا في بيته، وآمنا على عرضه، وآمنا على ماله، وكان للإنسان هناك قيمة، ولكلمة العلم وصوت العالم أثر، وتلك مؤشرات الاستقرار والأمان.

стр. 145

وعلى العكس من ذلك لا ينبغي أن يعجب المرء إذا رأى التخلف والهلع النفسي والاضطراب الاجتماعي سائدا في بلاد كثيرة من أوطان المسلمين، فليس ذلك شيئا غريبا عن مسار السنن الكونية ولا هو شذوذ عن منطقها، حيث يسود الظلم, والخسف، والتنكيل، والتغريب، والتصفية الجسدية أحيانا لمن يرفع صوته في وجه الظالم ليقول له: قف وارحم الرعية من ظلمك. وعليك أن تدور ببصرك, وإن استطعت فببصيرتك لترى أين مكانة العلم ومكانة العالم في بلاد المسلمين وأين نظيرها في بلاد غير المسلمين، وكم ينفق على البحث العلمي والعلماء في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين, وسوف تجد نفسك بعد هذه المقارنة البسيطة موقنا تماما أن سنة الله لا تتخلف في كونه أبدا، وسوف تؤمن معي أن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، وهذا قانون عام له أثره الفعال في طبائع العمران البشري ازدهارا أو انهيارا، يستوي في ذلك المجتمع المؤمن والمجتمع الكافر على حد سواء؛ لأن سنن الله محايدة لا تجامل أحدا. ولم يكتفِ القرآن الكريم بالإشارة إلى هذا المبدأ فقط، وإنما أشار إلى كثير من المبادئ التي هي بمثابة القوانين الاجتماعية العامة, وإن شئت فقل: هي أسباب تتعاون فيما بينها لتشكل مجموعة
следующие страницы →