زَوْجٍ بَهِيجٍ، تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ، رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق: ٦-١١] .
ومن اللافت للنظر في هذه الأوامر الإلهية, وفي هذه التساؤلات أنها جاءت أحيانا في صيغة الأمر المباشر ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ وأحيانا في صيغة الاستفهام الإنكاري الذي يفيد التعجب من عدم الانشغال بهذه التساؤلات ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ مما يتضمن اللوم والعتاب, وأحيانا يجيء في صيغة الأمر المؤكد باللام ليفيد الإلزام والإيجاب ﴿فَلْيَنْظُرِ ... ﴾ .
ولا شك أن تعدد الصيغ وتنوعها حول هذه التساؤلات يشير إلى ضرورة الانشغال بها والاهتمام بها كجزء أساسي في تنوير الوعي بالكون, وتثقيف العقل الجماعي للأمة, وبناء الجسور التي يعبر خلالها الإنسان من رؤيته الحسية لعالم الشهادة إلى بناء رؤيته العقلية لما وراء عالم الشهادة. وهذا ركن أساسي في بناء الموقف المعرفي، أن يجعل عالم الشهادة منطلقا له إلى عالم الغيب، أن يتخذ عالم الشهادة دليلا له لإثبات ما وراءه, ومنهجه في ذلك هو طرح هذه التساؤلات القرآنية على العقل لينتقل من المحسوس إلى اللامحسوس, ومن الشهادة إلى الغيب في شكل تتوحد فيه الرؤيتان معا: الحسية والعقلية بحيث لا تنفصل إحداهما عن الأخرى، رؤية الحواس لعالم الشهادة وظواهره ومظاهره, ورؤية العقل والفؤاد لما وراء عالم
стр. 142
الشهادة، فلا يقتصر الموقف المعرفي على مجرد الرؤية الحسية للأشياء مجزأة منفصلا بعضها عن بعض، بل لا بد من الرؤية العقلية أيضا لتجمع شتات المحسوسات في شكل كلي منظم دقيق ينبئ عن حكمة صانعه، ويدل على العناية الإلهية بالكون والقصد الغائي منه, وهذا لا يتأتى إلا بالمزاوجة بين رؤية الحواس ورؤية العقل معا. ولعل هذا يفسر لنا السر وراء جمع القرآن بين الإدراك الحسي, والإدراك العقلي معا ولم يفصل بينهما أبدا, فجاء بذكر الفؤاد أو الأفئدة بعد السمع والبصر في كل موارد هذه الحواس في آيات الذكر الحكيم.
ب- الاجتماع البشري:
وكما أمر القرآن بالنظر في الكون الطبيعي والتساؤل حول بدء الخلق وأصله وكيفيته, فقد أمر أيضا بالنظر والتساؤل حول سنن الله الكونية وعن قوانين الاجتماع البشري وآثارها في تاريخ الأمم الماضية، وكيف قامت الممالك واستقرت، وكيف بادت وانحدرت, وكيف ازدهرت الحضارات, ولماذا انهارت وانكسرت.
وما سبب قيام الممالك واستقرارها، وما سبب انهيارها وزوالها ليأخذ المسلم من تاريخ الممالك درسا وعبرة يستضيء بهما في استقرار حاضره وبناء مستقبله. ولقد نبه القرآن في آيات كثيرة إلى هذه القضية خلال ما قصّه علينا من تاريخ الأمم الماضية.
стр. 143
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الروم: ٩، فاطر: ٤٤] .
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] .
وتكرر الأمر بالنظر في عاقبة المكذبين، والمفسدين، والمجرمين؛ ليبين لنا القرآن الكريم أن الظلم والفساد والبغي في الأرض بغير الحق وتكذيب الرسل, كل ذلك وما يترتب من سلوك اجتماعي يتناقض مع أوامر الوحي كان سببا في انهيار الممالك واندثار الحضارات، والعلاقة الثابتة بين استقرار الممالك وسيادة العدل والإنصاف مطردة لا تتخلف أبدا فهي أشبه بالعلاقات السببية الكامنة في الكون الطبيعي, فإذا ما وجد السبب حصلت النتائج سواء كان ذلك على مستوى الكون الطبيعي, أم على مستوى الكون الاجتماعي.
قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩] فربط سبحانه بين هلاك الأمم وانهيار الممالك والظلم, وكان ضياع العدل وسيادة الظلم سببا طبيعيا في انهيار الملك، ولك أن تتأمل معي أسباب انهيار الملك في تاريخ الأمم الماضية والحاضرة أيضا, وكيف نبه القرآن الكريم إليها وأشار إلى خطورة إهمالها أو غضّ الطرف عنها من قبل المسئولين. ومن أهم هذه الأسباب سيادة الظلم وضياع العدل؛ مما يترتب على ذلك ضياع الحقوق والأمانات
стр. 144
ويأس الضعفاء وطمع الأقوياء وتفشي المحسوبية والوساطات, وهذا أخطر ما تصاب به المجتمعات؛ ولذلك فقد ربط القرآن الكريم بين الظلم والإهلاك في أكثر من آية. قال تعالى:
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] .
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٦] .
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣٩] .
وهذه إحدى السنن الكونية في الاجتماع البشري، وهي لا تتخلف أبدا, سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولا يغيب عن الذهن أن السنن الكونية لا علاقة لها بالدين أو الثقافة, فمتى وجدت أسبابها وقعت النتائج، سواء كانت الأسباب في أمة كافرة أو أمة مسلمة؛ لأن أسباب استقرار الملك أو انهياره لا علاقة له بدين ولا ثقافة. ولذلك كان من مواريث أمتنا أن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، وهذا أمر ينبغي أن يستقر في أذهان الجميع حتى إذا نظر المسلم المعاصر حوله في شرق البلاد وغربها, فوجد بلاد أوروبا وأمريكا قد استقرت فيها الممالك وازدهرت فيها مظاهر العمران, وسادت لغة العلم فلا يعتبر ذلك خروجا عن السنن الإلهية في الكون، فهذا أمر طبيعي, حيث ساد العدل واختفى الظلم، وأصبح العالم آمنا في بيته، وآمنا على عرضه، وآمنا على ماله، وكان للإنسان هناك قيمة، ولكلمة العلم وصوت العالم أثر، وتلك مؤشرات الاستقرار والأمان.
стр. 145
وعلى العكس من ذلك لا ينبغي أن يعجب المرء إذا رأى التخلف والهلع النفسي والاضطراب الاجتماعي سائدا في بلاد كثيرة من أوطان المسلمين، فليس ذلك شيئا غريبا عن مسار السنن الكونية ولا هو شذوذ عن منطقها، حيث يسود الظلم, والخسف، والتنكيل، والتغريب، والتصفية الجسدية أحيانا لمن يرفع صوته في وجه الظالم ليقول له: قف وارحم الرعية من ظلمك.
وعليك أن تدور ببصرك, وإن استطعت فببصيرتك لترى أين مكانة العلم ومكانة العالم في بلاد المسلمين وأين نظيرها في بلاد غير المسلمين، وكم ينفق على البحث العلمي والعلماء في بلاد المسلمين وفي غير بلاد المسلمين, وسوف تجد نفسك بعد هذه المقارنة البسيطة موقنا تماما أن سنة الله لا تتخلف في كونه أبدا، وسوف تؤمن معي أن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة، وهذا قانون عام له أثره الفعال في طبائع العمران البشري ازدهارا أو انهيارا، يستوي في ذلك المجتمع المؤمن والمجتمع الكافر على حد سواء؛ لأن سنن الله محايدة لا تجامل أحدا.
ولم يكتفِ القرآن الكريم بالإشارة إلى هذا المبدأ فقط، وإنما أشار إلى كثير من المبادئ التي هي بمثابة القوانين الاجتماعية العامة, وإن شئت فقل: هي أسباب تتعاون فيما بينها لتشكل مجموعة
стр. 146
السنن الاجتماعية التي يترتب عليها استقرار الممالك أو انهيارها، وإذا كان مبدأ العدل يأتي في مقدمتها فهناك أيضا مجموعة من الضوابط السلوكية التي تتعلق بالأفراد وعلاقاتهم الاجتماعية بعضهم ببعض، مثل ظهور الفساد، وتفشي المنكر، واللامبالاة، وضياع رابطة الأخوة الدينية، وسيادة عيشة الترف والرفاهية التي تتحول على يد المترفين من مستوى الوسائل إلى مستوى الغايات والمقاصد؛ مما يترتب على ذلك من خلل في ترتيب الأولويات في المجتمع، حيث تتحول الوسائل إلى غايات ومقاصد؛ وبالتالي تتنافس الأفراد والمجتمعات في أمور لا يجوز التنافس فيها وتتناسى أمورا هي أولى بالتنافس والاهتمام, وذلك كله بسبب الخلل الواقع في ترتيب الأولويات في المجتمع. ومن هنا سادت مظاهر الانحلال والفساد كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦] .
هذه القوانين الاجتماعية وضعها القرآن الكريم أمام المسلم ليتأملها بعين البصيرة كما يتأمل القوانين الطبيعية تماما بعين البصر, فكلاهما خاضع لقانون السببية. وكما أن الأسباب لا تتخلف عنها مسبباتها في الكون الطبيعي إلا عند حدوث المعجزة, فكذلك الأمر في الكون الاجتماعي, إذا وجدت أسباب انهيار الممالك كالظلم، والفساد، واللامبالاة، وتفشي المنكرات, وضياع العلم وإهمال دور العلماء ... إلخ، فلا بد أن تتبع المسببات أسبابها وهذا ما حذر منه
стр. 147
القرآن الكريم في أكثر من آية، وتكررت إليه الإشارة في أكثر من صيغة؛ لتفيد كلها معنى التحذير من الغفلة عنها، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] , وقال : ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٧] . وتكرر ذلك في القرآن كثيرا، ومن له خبرة باللغة ودلالة هذه الصيغ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا ... ﴾ ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا ... ﴾ يعلم تماما أهمية الإشارات القرآنية إلى اكتشاف السنن الكونية التي نبه إليها القرآن وأثرها في العمران البشري. ولكن للأسف الشديد لقد غفل المسلمون عن النظر في هذين النوعين من القوانين: قوانين الكون الطبيعي، وقوانين الكون الاجتماعي, أو تغافلوا عنهما أو أريد لهم وبهم أن ينصرفوا عن ذلك؛ فكان واقعهم المتردي علميا واجتماعيا هو النتيجة الطبيعية لهذه الغفلة.
ولا ينبغي لأحد أن يتشدق بلغو الحديث فيربط بين هذا الواقع المؤلم الذي يعيشه المسلمون والإسلام ليجعل الإسلام سببا في هذا الواقع؛ فإن الإسلام بريء مما فيه ومما عليه المسلمون من هذا التخلف والانهيار، ولو كان للإسلام الكلمة العليا لما وقع المسلمون في هذا القيد الحديدي من التخلف والانهيار الذي يعيشون فيه.
стр. 148
الكون موضوع المعرفة:
والمقصود هنا هو هذا الكون بطرفيه؛ الكون الطبيعي والكون الاجتماعي، وكلاهما صفحة مفتوحة أمام العقل البشري يقرأ فيها ويقرأ منها على قدر استطاعته، يقرأ في العالم الأرضي كما يقرأ في العالم العلوي وما يحتويه هذا وذاك من مظاهر, وظواهر فالكون كله خاضع لسلطان العقل قابل لأن يعرف، بل إنه يجود في كثير من الأحيان بإظهار أسراره والكشف عن قوانينه, وعلى الإنسان أن يلاحظ ويتأمل, وأن يربط بين الظواهر وأسبابها ليتعرف على العلاقات الكامنة بين ظواهر الكون.
وفي التصور الإسلامي نجد أن هذا الكون موضوع المعرفة لم يخلق عبثا ولا مصادفة، وإنما خلق لتحقيق غاية مقصودة ووظائف منشودة. قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ , ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ .
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ .
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ , فقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ .
стр. 149
وهذه قضية حاسمة في الفرق بين التصور الإسلامي للمعرفة وغاياتها وأهدافها والتصور الفلسفي عند الماديين، فلا مجال هنا للقول بالعبثية أو المصادفة، والكون كله من سمائه إلى أرضه ما علمناه منه وما لم نعلمه مظهر من مظاهر الحكمة والإتقان والعلم, علم ذلك من علمه وجهله من جهله، إنه صنع الله الذي أتقن كل شيء.
﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣، ٤] .
وهذا عكس ما تجده لدى المدارس الفلسفية المادية.
فالكون عندهم ليس له غاية ولا وظيفة؛ ولذلك كان القول بالعبثية أو المصادفة هو الجواب عن علة الخلق وسبب الوجود، وبالتالي فقد قطعوا العلاقة بين الكون وخالقه من جانب وبينه وبين غايته وأهدافه من جانب آخر، وأصبحت الحياة كلها مظهرا من مظاهر العبث واللهو, فلا غاية عندهم من خلق الكون ولا هدف مقصودا, وإنما هي أرحام تدفع وقبور تبلع كما قال الدهريون.
وفي التصور الإسلامي تتجسد الغاية والمقاصد وتنتفي المصادفة والعبثية، وفي القرآن الكريم نجد الإشارات المتكررة التي تلفت نظرنا إلى وظائف هذا الكون, وغاياته التي أمرنا الوحي
стр. 150
بالكشف عنها والإيمان بها، والعمل في ضوئها وبمقتضاها، والسير نحو تحقيق هذه الوظائف وتلك الغايات وعدم التعارض معها أو العمل على عكس مقتضاها. ومن أهم هذه الوظائف ما يلي:
الوظيفة الأولى:
١- إن هذا الكون بطرفيه: الطبيعي والاجتماعي آية دالة على خالقه، وكل جزئية منه تحمل في طياتها هذا المعنى. إنها آية دالة على أن لها خالقا، فهي لم توجد من العدم، وهي لم تخلق نفسها كما قال : ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] .
ويؤكد القرآن الكريم في الكثير من الآيات على هذه الوظيفة, وعلى أهميتها في التعامل مع الكون موضوع المعرفة باعتبار أن الكون كله آية وبرهان عملي واقعي على أن له خالقا.
وعليك أن تقف معي أمام هذه الآيات متأملا لتعرف أهمية هذه الوظيفة في دلالة الكون على خالقه, قال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ، وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠، ٢١] .
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ، لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٣، ٣٤] .
اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ، أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٠-٦٤] .
وعليك أن تراجع آيات القرآن المكي الذي عُني بتأسيس اليقين وبناء العقيدة وما ذكره من آيات بينات دالة كلها على خالقها سواء كانت هذه الآيات تتعلق بالآفاق أو بالأنفس, وسواء كانت تتعلق بالكون الطبيعي وقانونه، أو بالكون الاجتماعي وسنن الله في قيامه أو انهياره. وكلها تؤكد أن هذا الكون آية، وكل جزئية منه آية. وصدق الشاعر لبيد حين قال:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الخالق
وكما أرشدنا القرآن إلى التأمل في الكون الطبيعي وآيات الله فيه, نبهنا كذلك إلى تأمل آيات الله في الكون الاجتماعي وسنن الله في استقرار الملك فيه، فكان يذكر القصة وما يحيط بها من ملابسات وعوامل الاستقرار أو الانهيار, ثم يختمها بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً ... ﴾ . ولقد تكرر ذلك في القرآن كثيرا؛ ليفيد منه المسلمون ويعوا الدرس ويأخذوا العبرة كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] وقال سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي
стр. 155
هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] . فبالإضافة إلى تثبيت فؤاده ﷺ كان على المسلمين أن يفقهوا الموعظة ويتذكروا سنة الله في الأمم الخالية, ويجب على المسلم أن يراجع ما قصه القرآن الكريم من أحوال الأمم الماضية؛ ليعلم يقينا أن السنن ماضية في الكون الاجتماعي بنفس الدرجة التي تعمل بها في الكون الطبيعي، وكما أن النار سبب في الإحراق فكذلك الظلم والفساد سبب في انهيار الملك, ولا فرق بين تحقق القانون هنا أو هناك إذا وجد المقتضى التام وارتفعت الموانع, وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
الوظيفة الثانية:
٢- الكون مرآة تتجلى فيه صفات الخالق:
يرتبط بالوظيفة السابقة ارتباطا مباشرا أن هذا الكون وما يحتويه من آيات بينات دالة على خالقها, أنه في نفس الوقت مرآة تنعكس على صفحتها صفات الصانع، وتتجلى فيه آثار صفاته الإلهية. فما أشبه الكون بطرفيه الطبيعي والاجتماعي بمعرض صناعي تظهر في أرجائه أنواع الصنعة الإلهية وتتجلى في أقطاره الأرضية وعوالمه العلوية صفات الحق سبحانه من العلم الذي تنكشف به دقائق هذا الكون وتتجلى غوامضه، ومن الإرادة الشاملة العامة، والقدرة المطلقة، والحكمة التي تنبئ عنها كل جزئيات هذا الكون صغيرة أو كبيرة, ظاهرة وباطنة، علوية وسفلية.
стр. 156
نعم, إنه معرض للصنعة الإلهية بفتح أبوابه أمام العقل من خلال آياته، وللعقل أن يجول في أنحاء هذا المعرض يقرأ فيه ويقرأ منه على قدر استطاعته، وما يراه العقل في هذه الصنعة من مظاهر المعرفة والإحكام والقدرة، فعليه أن يعلم أن هذه المظاهر مستمدة من صفات صانعها, وكلما ازداد العقل قراءة في هذه الصنعة ازداد فقها بها، فقها لها وقربا من صانعها, فيمتلئ قلبه شوقا وحبا ومعرفة به، ويتولد في القلب خشية منه، وطلبا للمزيد من العلم به والعلم منه كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ، ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّه﴾ .
وحين تقرأ آيات القرآن الكريم تجد الحق سبحانه ينبّهنا في كثير من الآيات إلى مظاهر صفات الخالق سبحانه التي تنعكس آثارها في مفردات هذا الكون، وخاصة تلك الآيات التي أقسم بها القرآن الكريم والتي تتجلى في كل واحدة منها آثار صفات الله الحق سبحانه من دقة، وإتقان، وإرادة، وقدرة، وعلم، وحكمة.
وعليك أن تراجع ما أقسم به القرآن الكريم من آيات الله في الآفاق أو آيات الأنفس، وتتأمل ما فيها من دلائل حكمته، وطلاقة قدرته، وشمول إرادته. قال تعالى:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ، وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٦-١٨] .
стр. 157
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ، وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ، وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٥-١٨] .
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥، ٧٦] .
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ، وَمَا لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩] .
وإذا كانت هذه الآيات قد صرح القرآن فيها بلفظ القسم, فهناك آيات أخرى أقسم بها القرآن بدون تصريح بلفظ القسم وليست أقل دلالة على صفات الخالق من سابقتها، قال تعالى:
﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ١-٨] .
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ١، ٢] .
﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ، النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١-٣] .
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوج﴾ [البروج: ١] .
وهناك آيات آخرى نبهنا إليها القرآن الكريم على سبيل الإخبار عنها لنقرأ فيها حكمة الصانع وقدرته, قال تعالى:
стр. 158
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٣٨-٤٠] .
﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥-٩٧] .
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٥] .
والتذكير بهذه الآلاء الدالة على صفات الخالق سبحانه كثير الورود في القرآن الكريم, ولم نقصد من ذكر هذه الآيات إلا أن نلفت الانتباه إلى هذه الوظيفة الكونية الغائبة عن العقول. إن كل جزئية في هذا العالم تحمل في دلالتها أثرا من آثار صفات الخالق لها, واستجلاء هذه الآثار إحدى مهام العقل ووظيفته ولا سبيل للعقل إليها إلا إذا وقف أمامها متأملا متعجبا متسائلا كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] , ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩] .
стр. 159
فأنت إذا ألقيت سمعك أو قلبت ناظريك في العالم الذي تعيشه ترى فيه من العجائب ما يبهر العقول، فانظر مليا في هذه الأرض التي جعلها الله مهادا للإنسان، وجعلها كفاتا لحاجاته من الطعام والشراب, يلقي فيها البذرة والحبة فتتغذى بماء واحد, وتربتها واحدة, وتتنفس هواء واحدا كما قال سبحانه: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد: ٤] ، ومع وحدة الأصول والمصادر تختلف الألوان, وتتنوع المذاقات.
فهذا ثمره حلو وذاك مر وهذا حامض وذاك حارّ، فانظر كيف تتحد الأصول وتتنوع الثمار، وتختلف ألوانها فهذا لونه أبيض وذاك أحمر أو أخضر كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر: ٢٧] ليقرأ فيها العقل طلاقة قدرة الخالق وكمال إرادته، كيف يتحول الماء العذب في جذوع هذه الثمار إلى مرارة في بعضها وحلاوة في بعضها الآخر، كيف يتم ذلك داخل هذا المصنع النباتي إلا إذا كان الصانع مطلق الإرادة والقدرة يفعل ما يشاء وكيف يشاء، ولا يقولن أحد: إن ذلك محكوم بطبيعة البذرة وخصائصها؛ لأن ذلك من لغو الحديث, فإن الذي طبع الثمار وخلقها على هذا النحو العجيب هو هو الذي جعلها مصنعا لهذه الثمار المتنوعة طعما ولونا وشكلا.
стр. 160
وإذا تأملت جسم الإنسان فإنك تقرأ فيه من آثار الحكمة والعلم ومن صفات الخالق ما يسعه وعاء عقلك, وما غاب عنك أكثر وأكثر فالجسم غذاؤه واحد، وشرابه واحد، وهواؤه واحد، ولكن هذه المواد تتحول في جسم الإنسان إلى طاقات متنوعة الوظائف.
فكيف تتحول هذه المواد إلى طاقة باصرة في العين.
وكيف تتحول إلى طاقة سامعة في الأذن.
وكيف تتحول إلى طاقة هاضمة في المعدة.
وكيف تتم عملية تصنيع الدم بمكوناته المختلفة. وكيف وكيف ... ألا يقرأ العقل في هذا كله آثار الصفات الإلهية من الحكمة والعلم والقدرة.
ولقد أشار القدماء إلى بعض هذه المعاني كالإمام الأشعري في رسالة أهل الثغر وابن القيم في إغاثة اللهفان وابن رشد في مناهج الأدلة ما بين إيجاز وإطناب, ثم جاءت الكشوف العلمية فكشفت الستار عن كثير من هذه الغوامض، وأظهرت الكثير من معالم الحكمة والتقدير الإلهي في مفردات هذا العالم، والتي نبه القرآن الكريم إلى كلياتها أحيانا، وإلى مفرداتها أحيانا أخرى، ولقد وقف العلماء المعاصرون أمام حشرة النحلة في حيرة كيف يتم تصنيعها للعسل, وكيف يتحول غذاء النحل إلى هذا الشراب, متسائلين عن أسرار
стр. 161
صنعه وهو الشافي لكثير من الأمراض، ووضعوا الكثير من المؤلفات التي حملت معها عجبهم وإيمانهم بحكمة الصانع وإتقان الصنعة في هذه الحشرة الضئيلة، وكذلك الحيوان, كيف يتم تصنيع اللبن واستخراجه من بين فرث ودم سائغا للشاربين.
ألم تشاهد يوما ما حيوانا يداعب طفله الصغير وكيف يحنو عليه، كيف يحمله بين فكيه لينقله من مكان إلى آخر أكثر آمنا ومجلبة للاطمئنان.
ألم تشاهد طيرا وهو يطعم صغيره ويضع حبات الطعام في فيه بطريقة هندسية تلفت النظر؟ إن هذه المظاهر وغيرها كثير لا بد أن تنبه الإنسان ليتساءل حولها: من أودع الرحمة في قلب هذا الحيوان المفترس حتى صار رحيما بطفله؟ من علم الطير كيف يلتقط الغذاء ويختزنه ويحمله من مكان قصي ليضعه في فم طفله؟ من علم طفل الحيوان كيف يلتقط ثدي أمه بطريقة تدل على أنه قد تدرب عليها منذ زمن بعيد؟
إن هذه المشاهدات كلها تحمل معها آثار صانعها وصفاته من الرحمة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والإرادة، مما يدل على أن الكون كله مظهر من مظاهر صفات الحق سبحانه. يقول أبو الحسن الأشعري مشيرا إلى هذا المعاني الدقيقة: ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم، من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع باتفاق، فيتم من
стр. 162
غير مرتب له، ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها دون ما كان يجوز وقوعه عليها من الهيئات المخالفة لها، وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها، وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها، ثم يضرب مثالا شارحا لمعنى القصد والإرادة الإلهية والغاية المطلوبة وتحققها دون غيرها فيقول: "لأن سلالة الطين والماء المهين يحتمل من الهيئات ضروبا كثيرة لا يقتضي واحد منها سلالة الطين ولا الماء المهين بنفسه، ولا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق لاحتمالها لغيره، فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام، وما فيه من الآلات المعدة لمصالحه كسمعه وبصره وشمه وحسه وآلات ذوقه، وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ما قد أحوج إليه من ذلك، حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنعه من غذائه، وتحول بينه وبين مرضعته، فإذا نقل من ذلك وأحوج إلى غذاء ولا ينتفع به ولا يصل منه إلى غرضه إلا بطحنها له، جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه، والمعدة المعدَّة لطبخ ما يصل إليها من ذلك وتلطيفه حتى وصل إلى الشعر والظفر وغير ذلك من سائر الأعضاء، في مجار لطاف قد هيئت لذلك بمقدار ما يقيمها، والكبد المعدَّة لتسخينها بما يصل إليها من حرارة القلب، والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب، وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد وباجتذاب المناخر له وما فيها من الآلات المعدة لخروج ما يفضل من الغذاء عن مقدار الحاجة في مجار ينفذ منها ذلك ... وغير ذلك مما يطول
стр. 163
شرحه مما لا يصح وقوعه بالاتفاق، ولا يستغني فيما هو عليه من مقدر له يرتبه ... ولا مدبر ... كما لا يصح أن تترتب الدار على ما يحتاج إليه فيها من البناء بغير مدبر يقسم ذلك فيها, ويقصد إلى ترتيبها"١.
إن المعاني التي نبه إليها الأشعري في بنية الإنسان توجد كذلك في كل كائن حي، كما توجد في النبات، وهي معانٍ جامعة لصفات القصد والغاية التي ينتفي معها القول بالمصادفة والقول بالعبثية، وجامعة لصفات العلم والحكمة التي ينتفي معها الجهل واللهو والعبث، وجامعة لصفات الإرادة والقدرة التي ينتفي معها العجز.
وكلها في النهاية تؤدي إلى العناية بالمخلوق ورعايته، وينبغي استجلاء هذه المعاني من القرآن الكريم والتنبيه إليها والاهتمام بها وتربية النشء عليها وامتلاء قلوبهم بالإيمان بها، والاعتقاد فيها لأنها قطب الرحى في تثبيت قضية الإيمان في القلوب. إن مناهج الدراسة في المؤسسات التعليمية ينبغي أن تجعل من هذه القضية محورا أساسيا تربي عليها الشباب حتى ينشأ المرء عارفا بربه من خلال تعرفه على دقائق صنعته في كل جزئيات هذا الكون، فيتعرف الطبيب والمهندس وعالم النبات والفلكي وعالم الحشرات، كل فيما يخصه على دقائق الصنعة التي هو بصددها ويستخرج ما فيها من
стр. 164
دلائل القدرة والعلم والحكمة والقصد والغاية ليزداد إيمانا على إيمانه إن كان مؤمنا، وليعلم أن هذه المعاني لا يمكن أن تقع مصادفة وبلا قصد ولا غاية من الفاعل الخالق, فيؤمن أن وراءها خالقا قادرا وليعلم أنها ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] .
إن محاربة الإلحاد لا يكفي فيها الوعظ والإرشاد واستعمال العبارات المسيلة للدموع، وإنما ينبغي أن يعيش المسلم لغة عصره وثقافته، فيتخذ من العلم سلاحا يتزود به في مواجهة الإلحاد المتفشي في بؤر كثيرة ومستنقعات عفنة لا سبيل إلى تطهيرها من هذا المرض إلا بسلاح العلم ولغته، والسبيل إلى هذا هو أن تشتمل مناهج الدراسة في مؤسساتنا على هذا الزاد العلمي, وأن يدرس الطلاب هذه العلوم بروح قرآنية تربط بين موضوعات هذه العلوم والغاية منها وأنها لم تخلق عبثا, وأن تربط بينها وبين خالقها من جانب آخر، حتى لا يقع الشباب في أودية الضلال.
وكذلك فمن الضروري أن يقف الشباب على أن هذه المفردات الكونية تحمل معها آثار صفات خالقها فيتحول الكون كله أمام العالم والمتعلم إلى مرآة يقرءون على صفحتها دلائل قدرة الخالق وعلمه وحكمته وإرادته, بالإضافة إلى كون ذلك كله آية دالة على الخالق سبحانه، وليس من الحكمة ولا من الصواب منهجيا أن يدرس الطلاب هذه العلوم بروح إلحادية تقطع صلة الكون بخالقه, وتقف بالطلاب عند مجرد اكتشاف الأسباب المادية دون أن يصلوا هذه
стр. 165
الأسباب بالمسبب الأول وهو الله، ودون أن يشرحوا للطلاب أن هذه الأسباب ليست فاعلة ولا مؤثرة بذاتها وإنما هي فاعلة بفعل الله فيها، فهو الذي أودع فيها خاصية التأثير فكانت مؤثرة، وهو الذي جعل المسببات قابلة للأثر فكانت منفعلة بأسبابها، أما أن تدرس هذه العلوم الكونية بمعزل عن روح القرآن فإن ذلك عين العبث بعقول الأمة وضياع للناشئة في متاهات الحيرة وأودية الشكوك والشبهات. إن المنهج الذي تدرس به هذه العلوم الكونية في مؤسساتنا منهج غربي نشأ وتأسس على مبدأ قطع الصلة بين الكون وخالقه، وأن هذا الكون المادي ليس وراءه خالق نبحث عنه أو نؤمن به، وأن محاولة البحث عن الخالق أو مجرد الحديث عنه لون من ألوان الخرافة والجهل، وليس وراء المادة والعلم ما ينبغي أن نتعلق به أو نشغل أنفسنا به. على هذا النحو من بتر الصلة بين الكون والخالق، تأسس المنهج الغربي في دراسة الكون وعلومه، فلماذا الحرص على الأخذ بهذا المنهج في بلادنا؟
ولماذا الحرص على أن نربي عليه أبناءنا؟ ولماذا الإصرار على الالتزام بهذا المنهج الذي يزرع الشكوك ويثير الشبهات أمام الناشئة؟
أليس من الحكمة أن نربي أبناءنا بمنهج نربط به بين الكون, وخالقه لنحقق خلاله هذه الوظائف التي نبهنا إليها القرآن الكريم.
стр. 166
الوظيفة الثالثة:
٣- دلالته على عالم الغيب:
إن وجود هذا الكون شاهد على عالم الغيب ودليل عليه، هو دليل على النشأة الآخرة، ذلك أن هذا العالم الحسي قد ثبت وجوده بحكم الواقع والمشاهدة، ولا شك في أن الواقع دليل عملي أكثر يقينا من الدليل النظري بحكم التجربة والمشاهدة، ولا شك أن هذا العالم لم يخلق نفسه، ولم يوجد من غير خالق، والذي أوجده أول مرة يكون قادرا على إعادة خلقه مرة ثانية، وإذا أخبرنا القرآن أن الله سوف يعيد الخلق مرة ثانية، فإنه بذلك يكون صادقا، وليس في منطق العقل دليل على امتناع ذلك بل إن العقل يقبل ذلك ويؤيده من خلال مشاهدته لهذا العالم الحسي، ومن خلال المشاهدات اليومية لأفعال البشر -ولله المثل الأعلى- فإنك إذا رأيت إنسانا يحمل أثقالا، مائة كيلو جرام مثلا, ثم جاء من يحدثك أنه رأى نفس الشخص يحمل ٥٠ كيلو جراما فإن العقل يكون أكثر أمانا لقبول هذا الخبر وتصديقه؛ لأن مشاهدتك له وهو يحمل مائة كيلو خير دليل على صدق من حدثك بأنه يحمل ٥٠ كيلو أقل مما رأيته أنت بنفسك، وهذا يعني أن عوامل صدق الخبر أكثر.
ولو جاء من حدثك أنه رأى الشخص يحمل مائتين أو ثلاثمائة، ربما توقفت في قبول الخبر وتصديقه، وربما خالجك نوع من الريب في ذلك، ولكن لما رأيته يحمل مائة كيلو وجاء من حدثك بأنه يحمل أقل مما رأيته كان الخبر أولى بالقبول والصدق من باب أولى.
стр. 167
والله تعالى قد خلق هذا العالم أول مرة من العدم، وأخبرنا في كتابه الكريم أن هذه الحياة الدنيا ليست غاية في ذاتها، وإنما هي مزرعة الآخرة, حيث تجزى فيها كل نفس بما كسبت، يقتص فيها من الظالم للمظلوم تحقيقا لمعنى العدل الإلهي كما قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ، والعقل يجد قبولا لأخبار القرآن عن اليوم الآخر وتصديقا له وذلك من خلال مشاهدته لهذا العالم، وإيمانه بأن الذي خلق أول مرة يكون قادرا على إعادة الخلق مرة ثانية.
ومعلوم أن الخلق الأول كان من العدم، والخلق الثاني لا يكون من العدم وإنما يكون من وجود، ذلك أن الإنسان إذا مات تحلل جسده وعاد إلى أصله الترابي، فالجسد الإنساني ليس غريبا على التراب وإنما هو منه وإليه كما قال سبحانه: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] ، ولما كان الخلق أول مرة من العدم كان أكثر صعوبة في منطق العقل من الخلق الثاني، وبالتالي يكون الخلق الثاني أهون وأيسر من باب أولى. فالذي يخلق من عدم أولى به أن يكون قادرا على الخلق من الوجود، والأمر في ذلك يشبه تماما المثال الذي سقناه لتوضيح الموقف من عالم الشهادة.
وهذا ما نبه إليه القرآن الكريم في أكثر من آية حيث نبهنا إلى أن الخلق الثاني أهون على الله من الخلق الأول؛ لأن بدء الخلق كان
стр. 168
من العدم وإعادة خلقه يكون من وجود، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧] .
وهذا ما يسمى بلغة المنطق بقياس الأولى وقد أشرنا إليه تفصيلا في دراسات لنا سابقة، وهو يعني ثبوت الحكم لشيء بناء على ثبوته لما هو أولى بالثبوت منه، وقد أشرنا إلى المثال التوضيحي له من قبل، وهو قياس برهاني عقلا ونقلا أشار إليه القرآن في كثير من آياته، قال تعالى مستدلا على البعث: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ، أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس: ٧٨-٨١] .
تأمل معي هذه الآية الكريمة تجدها تنطلق من عالم الشهادة باعتباره واقعا محسوسا لا يمكن إنكاره، وتستدل به على الخلق الثاني. وقد تضمنت الآية عددا من الأدلة تعتمد كلها على عالم الشهادة كركيزة أساسية للاستدلال على البعث:
الدليل الأول: ﴿ضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ وسبب نزول الآية أن أحد المشركين قد أنكر البعث وقال للرسول وقد أمسك قطعة
стр. 169
عظم "رميما" بيديه: يا محمد, أترى أن الله يبعث هذه العظم بعدما أصبحت رميما؟ فقال له الرسول: "نعم, يبعثها ويبعثك ويدخلك النار". ونزلت الآية لتقول له: كيف تضرب لله الأمثال بهذه القطعة وتنسى أنك كنت عدما فأصبحت موجودا؟ أليس الذي أوجدك من العدم أول مرة قادرا على إعادتك مرة ثانية؟ ألا تكون الإعادة أهون من الخلق الأول؟
الدليل الثاني: ثم جاءت الآية الثانية بدليل أكثر عموما, فقال للرسول: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ليفهم المخاطب أن الذي تكفل بالخلق الأول من العدم قادر على الخلق الثاني من وجود.
الدليل الثالث: ثم ساقت الآية دليلا علميا يحتاج إلى مستوى أرقى من التعقل, فقال : ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ومن المعلوم أن من خصائص الشجر الأخضر أنه رطب بارد، وأن من خصائص النار أنها حارة يابسة، وخصائص الخضرة على النقيض من خصائص النار, وفي لغة العقل أن الجمع بين النقيضين محال، والآية تنبهنا إلى أن الله تعالى قد خلق النار من الشجر الأخضر، أي: خلقها من نقيضها. وإذا كان الله قد خلق النار من نقيضها فإنه يكون قادرا على إعادة خلق الشيء من أصله, بل إن ذلك أولى في القبول وأدعى للصدق. وهذه الأدلة كلها تنطلق من عالم الشهادة وتتخذ منه أساسا ومرتكزا لإثبات عالم الغيب، ولست هنا في مقام الاستدلال على البعث أو الاستدلال
стр. 170
على عالم الغيب, وإنما قصدنا الأول التنبيه إلى إحدى وظائف عالم الشهادة التي غاب عنها البعض وراح يتحدث عن عالم الغيب بأنه حديث خرافة وأن المؤمنين به رافضون لمنطق العقل ويقودون القافلة إلى الوراء ... و ... و ... إلخ ما يثيره دعاة التنوير الغربي في مجتمعنا. ولو أداروا بعقولهم فيما حولهم وتأملوا الموقف بعين الإنصاف لعلموا أن حديثهم في ذلك عين الخرافة والجهل.
الوظيفة الرابعة:
٤- الكون مسخر للإنسان:
إن هذا الكون بعالميه السفلي والعلوي مسخر لخدمة الإنسان وتحقيق مصالحه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ ، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٣، ٣٤] , ﴿هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ [النحل: ١٤] .
وقانون التسخير هذا عام وشامل لكل ما في السموات والأرض برا وبحرا وجوا، فالكل مسخر للإنسان، فكما جعل الشمس والقمر والليل والنهار مسخرات بإذنه سبحانه، أرسل الرياح مبشرات، وأرسل الرياح لواقح، فأنزل من السماء ماء, وجعلها حاملة للماء لتنقله إلى الأرض الجرز لتخرج به الزرع مختلفا ألوانه, ومظاهر التسخير واضحة في كل جزئيات الكون لا تحتاج إلى بيان
стр. 171
وكان من رحمة الله بالإنسان أن جعل الكون قابلا لفعل الإنسان ومنفعلا بإرادته منه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] .
قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ ، ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ , ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ .
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ، وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ، وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ٥-١٣] .
والانتفاع بهذا الكون ليس خاصا بالمؤمن دون الكافر وإنما هو نفع عام لكل بني البشر المؤمن والكافر على سواء؛ ولذلك تجد خطاب القرآن الكريم في الآيات موجها إلى الناس عامة بلفظ ﴿لَكُمْ﴾ , ﴿خَلَقَ لَكُمْ﴾ ، ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾ وصيغة الخطاب هذه
стр. 172
﴿لَكُمْ﴾ تدل على أن التسخير مقصود وهو إحدى وظائف الكون المطلوبة، والتي ينبغي أن يتنافس حول تحقيقها المتنافسون لارتباط هذه الوظيفة بالوظيفتين السابقتين ارتباطا وثيقا، فهي بمثابة المقدمة لهما، ذلك أن تسخير الكون للإنسان لن يتم إلا إذا استطاع الإنسان أن يعمل عقله في أشياء الكون من سمائه إلى أرضه كاشفا عن قوانينه، باحثا في ظواهره بقصد الوصول إلى معرفة العلاقات المتبادلة بين هذه الظواهر وجودا وعدما، وهذا كله هو مفتاح الطريق إلى معرفة آثار الله في كونه ومعرفة آثار صفاته, وبالتالي فإن ذلك كله يقود العالم المتأمل إلى الإيمان بأن هذا الكون بما فيه من براهين بينات تبهر العقول آية من آيات خالقه سبحانه.
ولذلك فقد نبه القرآن الكريم في العديد من آياته أن هذه الآيات الكونية المسخرة لخدمة الإنسان، يجد الإنسان فيها خلال انتفاعه بها وتسخيره لها كثيرا من الآيات الناطقة بصفات خالقها الدالة عليه، وينبغي على الإنسان أن يتنبه لها لأنها ليست بعيدة عنه، بل إنها حوله مصاحبة له في غدوه ورواحه، وفي صباحه ومسائه، وفي نومه ويقظته.
فمن أراد الانتفاع بالماء فعليه التعرف على قوانينه، متى يتحول إلى جماد، ومتى يتحول إلى بحار، ومتى يستخدمه لتوليد الطاقة.
стр. 173
ومن أراد أن ينتفع بالرياح, أو الهواء فعليه أن يتعرف على قوانينها, ومتى يستطيع تسخيرها والإفادة منها.
ومن أراد الانتفاع بالأرض وتربتها فعليه التعرف على خصائص التربة, ومتى تكون صالحة للإنبات ومتى لا تكون.
وكذلك عالم الأفلاك، وعالم الطب، وعالم الحشرات ... إلخ، والتسخير لا يتم إلا بمعرفة هذه القوانين وإعمالها، وهذا هو مضمار السبق الحضاري بين الأمم، وميدان السبق والتنافس بين الشعوب. وهذه القوانين التي يتم بها تسخير العالم لا تتأبى على من تعرف عليها مؤمنا كان أو كافرا؛ لأن ذلك مما أودعه الله في الكون وجعله ذلولا لمن توصل إلى اكتشافه وتعرف عليه. ويستطيع بذلك أن يخضع الكون كله لصالحه, فيفيد منه, وينتفع بخبراته، وينافس غيره من أمم الأرض.
حول قانون السببية:
وهنا نقطة على جانب كبير من الأهمية نود الإشارة إليها، ذلك أنه ينبغي ألا يظن المرء أنه حين يكتشف القوانين ويتوصل إلى معرفة العلاقة بين ظواهر الكون أنه بذلك قد استقل بهذا الكون, أو أن هذه القوانين التي اكتشفها تكفي وحدها في الاستقلال بالفعل في هذا الكون, أو أنها تعمل أثرها منعزلة عن خالق الكون. لا, إن هناك بعدا آخر على درجة كبيرة من الأهمية ينبغي ملاحظته، فقد نعرف
стр. 174
القانون ونكتشف السبب المؤثر الفاعل، ثم نحاول أن نضعه حيث يؤثر في محله القابل للأثر. فنجد أن هذا المحل معطل غير قابل للأثر فلا ينفعل ولا يتأثر، وبالتالي لا يؤثر القانون ويتعطل الأثر. وقد يكون له أيضا ضد يمانعه، ذلك أن كل سبب ليس مستقلا بالتأثير منفردا به، بل لا بد له من أسباب تعاونه، فإذا لم تتم معاونة الأسباب الأخرى المشاركة وتنتفي الأضداد والعوائق المانعة لم يحصل المسبب، فالمطر وحده لا ينبت النبات بل لا بد أن تنضم إليه عوامل أخرى لا تقل في تأثيرها عن المطر، فلا بد من اعتدال الهواء، وكون التربة صالحة للإنبات, فإذا نزل المطر وبذر النبات في أرض جدباء أو في صخر فمن العبث أن ننتظر إنبات الزرع؛ لأن التأثير هنا منتفٍ لانتفاء المحل القابل للأثر، والزرع لا ينمو ولا يؤتي ثماره إلا بتعهد صاحبه له وصرف الآفات المضرة عنه والطعام لا يغذي الإنسان منفردا بل لا بد من قابلية الجسم لنوع الطعام وسلامة الأعضاء والقوى المنبثة في الجوارح, وكل ذلك لا يفيد شيئا ما لم يكن الجسم قد صرفت عنه الآفات والعوائق. فلا بد من انتفاء الموانع ووجود الأسباب المعاونة، وكل سبب معين أو شرط مطلوب تحققه في حدوث الأثر يعتبر جزءا من السبب العام للفعل ويكون مؤثرا في أحداث المسبب بقدر الحاجة إلى تحصيله ومعاونته، وليس في الوجود سبب تام مقتضٍ للفعل بذاته مستقل عن الأسباب المعاونة، وإذا كان بعض الباحثين يسمي الأسباب المساعدة شروطا والبعض
стр. 175
يسميها مقتضيات, فإن هذا نزاع لفظي لا يلتفت إليه هنا لأن المقصود هنا هو بيان أن المسبب لا يحصل إلا بتوفر هذه العوامل المساعدة لسببه ولا مشاحة في تسميتها سببا أو شرطا، وينبغي ألا يصرف نظرنا هذا الخلاف اللفظي عن دور هذه الأسباب المساعدة في التأثير في الفعل, وتوقف الفعل عليها. وحينئذ فلا بد في كل سبب مؤثر من توفر ثلاثة أمور:
١- وجود المقتضي التام للفعل.
٢- توفر الأسباب المساعدة أو الشروط الخارجية.
٣- انتفاء المانع العائق.
فإذا تحققت هذه الشروط الثلاثة في السبب فلا بد أن يوجد المسبب، أما أن يكون في الوجود علة تامة تستلزم معلولها، أو يكون في الوجود سبب تام مستقل بالتأثير, فهذا قول باطل يكذبه الواقع، ولا فرق في ذلك بين الأسباب الطبيعية في الكون والأسباب الإنسانية في حركة المجتمع, فقد يكون هناك عائق أقوى من السبب فيمنعه عن التأثير، وهذا ما عبر عنه القدماء في قولهم: إن السبب لا يستقل بالتأثير, بل لا بد من ارتفاع الموانع التي قد تعوق السبب عن التأثير في المسبب، وهذه الموانع منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه, وهي كلها بيد الله فهو سبحانه المسبب الأول، فهو الذي يجعل السبب مؤثرا وفي نفس الوقت يجعل المحل غير قابل للأثر, فلا ينفعل
стр. 176
بالسبب ولا يتأثر به. وهذه قضية ينبغي أن يتنبه لها المرء حتى لا يصاب بالغرور العقلي, وحتى لا يقطع الصلة بين الكون وخالقه أو يفصل بين الأسباب ومسبب الأسباب, فهو وحده سبحانه له الخلق وله الأمر، فعلى المرء أن يبحث ويكتشف ويعمل عقله, وفي نفس الوقت يكون قلبه معلقا بالخالق والمسبب يستمد منه العون والتوفيق, ولقد لفت القرآن نظرنا لذلك قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ، أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ، نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ، عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ، أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ، أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ، أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ، نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٥٨-٧٣] .
هذه الإشارات القرآنية توجه نظرنا إلى ضرورة ربط الكون بخالقه بدءا ونهاية؛ لنعلم أن الذي خلق هو الذي يحفظ على الكون نظامه، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] .
стр. 177
وحين نحاول دراسة الكون وقوانين تسخيره بعيدا أو منفصلا عن خالقه, فإننا بذلك نكون قد أبطلنا الوظيفتين السابقتين للكون، كونه آية دالة على خالقه وكونه مرآة لصفات الخالق، وحينئذ لا يجد الباحث أمامه إلا القول بالعبثية المطلقة أو الصدفة العشواء وتنتفي الغائية والحكمة. وهذا ما فعله الماديون في بحوثهم الكونية، لقد بتروا الصلة تماما بين الكون وخالقه، وأصبح العالم عندهم مادة فاعلة ومادة منفعلة وليس وراء ذلك فاعل حكيم ولا غاية مقصودة.
إن تحقيق الوظائف الكونية السابقة هدف أساسي من أهداف المعرفة بالكون، وغاية مقصودة للشارع، أمر بها القرآن وكلف بها الإنسان، فلا بد أن يكون الكون موظفا بواسطة الإنسان لتحقيق هذه الأهداف الكبرى:
١- أنه آية دالة على الخالق.
٢- أنه مرآة تنعكس على صفحتها صفات الخالق وآثار صفاته.
٣- أنه دليل على عالم الغيب.
٤- أنه مسخر لخدمة الإنسان.
وهذه الوظائف الكبرى لا تتحقق واحدة منها إلا بالعلم وبمجهود العلماء.
стр. 178
الوحي والواقع:
إن بحث العلاقة بين الوحي والواقع هو أحد موضوعات الساعة، ولقد شغل بعض الدارسين أنفسهم ببحث هذه القضية وطرحها على الشباب في بعض الندوات الفلسفية كواحدة من القضايا التي ينبغي مناقشتها بعقلانية ونظرة نقدية, فطرح خلالها مجموعة من الأسئلة التي يرونها ضرورية للتخلص من قيود النص وعوائق الماضي، فلماذا الالتفات إلى الوراء والتمسك بالنصوص التي نزلت قبل أربعة عشر قرنا لتعالج مشكلات قد مضى وقتها, ولم يعد لها مبرر في هذا العصر؟
ولماذا لا نطوع الوحي ونصوصه لظروف العصر ومقتضياته كما فعل الغرب مع كتبهم المقدسة؟ وينبغي ألا يظل الواقع وهو متحرك أسيرا للنصوص المقدسة وهي ثابتة.
إنهم يجعلون الغرب قبلتهم في الأخذ عنه, وهو المثال والنموذج الذي ينبغي الاقتداء به في شئون الحياة، وإن الغرب قد تجاوز النص الديني وأخضعه للواقع ولم يعد للنص الديني علاقة
стр. 179
بحياتهم اليومية ولم يمثل قيدا ولا عائقا في مسيرتهم العلمية؛ ولذلك أبدعوا واخترعوا فلماذا لا نفعل كما فعل الغرب؟
ويحاول بعضهم أن يجدد مسائل دينية معينة ليقول: إن الزمن قد تجاوزها, وينبغي أن نتخلص من قيود النصوص التي تحكمها وتحكم مسيرتنا معها، فيقول: إذا كان الأقدمون قد مضوا على تقديس الله وعبادته فلماذا نتوقف نحن عند ما وقف عنده الأقدمون ونصر على تقديس الله وعبادته, وقد تجاوز العلم هذه القضية فلم يعد في منطق العلم متسع لفكرة الله، لماذا لا نقدس الإنسان بدلا من تقديس الله؟
ولماذا لا نؤله الطبيعة وقوانينها بدلا من تأليه إله غائب؟ ولماذا لا نشغل أنفسنا بالطبيعة بدلا من الانشغال بهذه الغيبيات؟
لماذا لا نقلد علماء الغرب في تأنيس الإله أو تأليه الإنسان. وإذا كان هذا هو موقف بعضهم من قضية الألوهية، فإن بعضا منهم نادى وينادي بتغيير أحكام الميراث التي أنزل بها الوحي خاصة ميراث المرأة التي نزل الوحي ليجعل نصيبها نصف نصيب الرجل، ويرون أن في ذلك إجحافا بحقوق المرأة، فلماذا تأخذ المرأة نصف الرجل؟ ولماذا لا يكون نصيبها مثل نصيب الرجل سواء بسواء؟ ويرى هؤلاء أن تطور حركة التاريخ تفرض علينا ضرورة إعادة النظر في هذه الأحكام, ولا يتقيد بها حتى لا تكون عائقا يقيد حركة التطور الاجتماعي والاقتصادي, هكذا يقولون.
стр. 180
وهذا ما سمعته من رءوسهم في أكثر من مناسبة، وكنت أسمع ذلك كله نقلا عنهم ولا أجد عندي مبررا لتصديق هذه السخافات أو قبولها عنهم فهم مسلمون، هكذا يقولون ويتسمون بأسماء المسلمين, وهكذا نعرفهم ولكن لما جلسنا معهم في الندوات واستمعنا إليهم في المؤتمرات تأكدنا من صحة ما سمعنا عنهم ولم نسجل هذا كتابة إلا بعد أن سمعته بنفسي مشافهة منهم في أكثر من مناسبة، وسمعنا غير ذلك منهم مما هو موجود في كتبهم، فالله عند بعضهم فكرة وهمية اخترعها الإنسان، والوحي ينبغي أن يخضع للواقع ويتطور مع حركة التاريخ.
وعند بعضهم الآخر ينبغي أن لا نتقيد بأحكام المواريث بعد أن تجاوزها الواقع الاجتماعي, وأصبحت المرأة كيانا اجتماعيا مستقلا.
ولقد تأثر بهذه الآراء مجموعة من شباب الباحثين الذين غرّهم بريق هذه الأسماء في الندوات الثقافية والمحافل الإعلامية, وأخذوا يرددون هذه الآراء دون فهم لأبعادها, ودون مناقشة لمصادر هذه الآراء ولا معرفة بها، وإنما من منطلق حسن الظن بأصحابها تقليدا لهم. وقد يُلتمَس لهذا الشباب نوع من العذر, فلقد تربوا على موائد علمية اقتصر زادها العلمي على نوع معين من المناهج والمؤلفات التي تربي في النفس الزهد في كل ما هو ديني والنفور منه، وتعمل