← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.

стр. 11096

رَبِّي بِمِنَىً عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ عَلَيْهِ جُبَّة (١)) . وَقَالَ ابْنُ عَسَاكِر فِي (تَبيين كذب المفترِي (٢)) :لاَ يَسْتَبعدنَّ جَاهِلٌ كَذِبَ الأَهْوَازِيّ فِيمَا أَوْرَدَهُ مِنْ تِلْكَ الحِكَايَات، فَقَدْ كَانَ مِنْ أَكذبِ النَّاسِ فِيمَا يَدَّعِي مِنَ الروَايَاتِ فِي القِرَاءاتِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ طَاهِرٍ المِلحِي: كُنْت عِنْد رَشَأُ بن نَظيف فِي دَارِهِ عَلَى بَابِ الجَامِع، فَاطَّلع مِنْهَا، وَقَالَ: قَدْ عبر رَجُلٌ كَذَّابٌ. فَاطَّلعتُ، فَوَجَدتُهُ الأَهْوَازِيّ (٣) . وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ السَّمَرْقَنْدِيّ: قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ: أَبُو

стр. 11097

عَلِيٍّ الأَهْوَازِيّ كَذَّابٌ فِي القِرَاءاتِ وَالحَدِيْثِ جَمِيْعاً (١) . قُلْتُ: يُرِيْد تركيبَ الإِسْنَادِ، وَادِّعَاء اللِّقَاءِ، أَمَّا وَضَع حُرُوف أَوْ متُوْن فَحَاشَا وَكلاَّ، مَا أُجَوِّزُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَحرٌ فِي القِرَاءاتِ، تلقَّى المُقْرِئون تَوَالِيفه وَنَقْلَه لِلفنِّ بِالقَبُولِ، وَلَمْ يَنْتقدُوا عَلَيْهِ انتقَاد أَصْحَاب الحَدِيْث، كَمَا أَحْسَنُوا الظَّنَّ بِالنقَاش (٢) وَبِالسَّامرِيّ (٣) ، وَطَائِفَة رَاجُوا عَلَيْهِم. تُوُفِّيَ أَبُو عَلِيٍّ - سَامَحَهُ اللهُ -:فِي رَابع ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ١٢ - الأَزَجِيُّ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ * الشَّيْخُ، الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، المُفِيْدُ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ الفَضْلِ بنِ شَكَّرَ البَغْدَادِيُّ، الأَزَجِيُّ. سَمِعَ الكَثِيْر مِنِ: ابْنِ كَيْسَان، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ العَسْكَرِيّ، وَأَبِي الحَسَنِ ابْن لُؤْلُؤ، وَأَبِي سَعِيْدٍ الحُرْفِي (٤) ، وَعَبْد العَزِيْزِ الخِرَقِيّ، وَمُحَمَّد

стр. 11098

بن أَحْمَدَ الجَرجَرَائِيّ المُفِيْد، وَابْنِ المُظفر، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَخَلْق. وَعُنِي بِالحَدِيْثِ. رَوَى عَنْهُ: الخَطِيْبُ، وَالقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَعَبْدُ اللهِ بنُ سَبْعُوْنَ القَيْرَوَانِيّ، وَالحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ الكَاشْغَرِيّ (١) ، وَحَمْدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الهَمَذَانِيّ، وَالمُبَارَكُ بنُ الطُّيُوْرِيّ، وَخَلْق. لَهُ مصَنّف فِي الصِّفَاتِ لَمْ يُهَذِّبْهُ. قَالَ الخَطِيْبُ (٢) :كتبنَا عَنْهُ، وَكَانَ صَدُوْقاً كَثِيْرَ الكِتَاب. مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَتُوُفِّيَ: فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ١٣ - عَبْدُ الغَافِرِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الغَافِرِ الفَارِسِيُّ * ابْنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سَعِيْدٍ الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الثِّقَةُ، المُعَمَّرُ، الصَّالِحُ، أَبُو الحُسَيْنِ الفَارِسِيُّ، ثُمَّ النَّيْسَابُوْرِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ نَيِّفٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَحَدَّثَ عَنْ: أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بن عِيْسَى بنِ عَمْرويه الجُلُودي بـ (صَحِيْح مُسْلِم) سَمِعَهُ مِنْهُ سَنَة خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَحَدَّثَ عَنِ:

стр. 11099

الإِمَام أَبِي سُلَيْمَانَ الخَطَّابِيّ بـ (غَرِيْب الحَدِيْث) لَهُ، وَحَدَّثَ عَنْ: بِشْرِ بنِ أَحْمَدَ الإِسفرَايينِيّ، وَإِسْمَاعِيْلَ بنَ عَبْدِ اللهِ بنِ مِيكَال، وَكَانَ يُمكنه السَّمَاعُ مِنْ أَبِي عَمْرٍو بنِ نُجيد، وَأَبِي عَمْرٍو بنِ مَطَر، وَطَائِفَة. حَدَّثَ عَنْهُ: نَصْرُ بنُ الحَسَنِ التُنْكَتِي (١) ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ الطَّبرِيّ، وَعبيدُ الله بن أَبِي القَاسِمِ القُشَيْرِيّ، وَعبدُ الرَّحْمَن بن أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيّ، وَمُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ الصَّاعدي الفَرَاوِيّ، وَإِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي بَكْرٍ القَاري، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ زَعْبَل العَالِمَة، وَآخَرُوْنَ. قَالَ حَفِيْدُهُ الحَافِظُ عبدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بن عبدِ الغَافِر: هُوَ الشَّيْخ الجَدُّ، الثِّقَةُ، الأَمِيْن، الصَّالِح، الصَّيِّنُ، الدَّيِّن، الْمَحْظُوظ مِنَ الدُّنْيَا وَالِدّين، الملحوظُ مِنَ الحَقِّ تَعَالَى بِكُلِّ نُعمَى، كَانَ يَذكر أَيَّام أَبِي سهلٍ الصُّعلوكِيّ، وَيَذكُره، وَمَا سَمِعَ مِنْهُ شَيْئاً، وَسَمِعَ مِنَ الخَطَّابِيّ بِسَبَب نُزوله عِنْدَهُم حِيْنَ قَدِمَ نَيْسَابُوْر، وَلَمْ تَكن مسموعَاتُهُ إِلاَّ مِلءَ كُمَّين مِنَ الصَّحِيْح وَالغَرِيْب، وَأَعدَادٍ قَلِيْلَةٍ مِنَ المتفرِّقَات مِنَ الأَجزَاءِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ محظوظاً مجدوداً فِي الرِّوَايَة، حَدَّثَ قَرِيْباً مِنْ خَمْسِيْنَ سَنَةً مُنفرداً عَنْ أَقرَانِهِ، مَذكوراً، مَشْهُوْراً فِي الدُّنْيَا، مقصوداً مِنَ الآفَاق، سَمِعَ مِنْهُ الأَئِمَّةُ وَالصُّدُوْر، وَقَدْ قرَأَ عَلَيْهِ الحَسَنُ بنُ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيّ الحَافِظ (صَحِيْح مُسْلِم) نَيِّفاً وَثَلاَثِيْنَ مرَّة، وَقرَأَه عَلَيْهِ أَبُو سَعْدٍ البَحِيرِيّ نَيِّفاً وَعِشْرِيْنَ مرَّة، هَذَا سِوَى مَا قرَأَهُ عَلَيْهِ المشَاهيرُ مِنَ الأَئِمَّةِ. اسْتكمل خَمْساً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَطعنَ فِي السَّادِسَة وَالتِّسْعِيْنَ، وَأَلحق الأَحفَاد بِالأَجدَاد، وَعَاشَ فِي النِّعمَة

стр. 11100

عزِيزاً مُكرَّماً فِي مُروءةٍ وَحِشْمَة إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِي خَامِسِ شَوَّال سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة بِنَيْسَابُوْرَ. وفيهَا مَاتَ: شَيْخُ الشَّافِعِيَّة مَعَ القَاضِي أَبِي الطَّيب، أَبُو سَعِيْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ نُمَيْر الخُوَارَزْمِيّ الضّرِير (١) ، وَالفَقِيْهُ عَبْدُ اللهِ بنُ الوَلِيْدِ الأَنْدَلُسِيّ (٢) بِمِصْرَ، وَالزَّاهِد أَبُو حَفْصٍ بنُ مَسْرُوْر (٣) ، وَعَلِيُّ بنُ إِبْرَاهِيْمَ البَاقِلاَّنِيّ (٤) ، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الطَّفَّال (٥) ، وَالزَّاهِدُ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ ابْنِ التَّرْجُمَان (٦) بغزَة، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ بِشْرَان (٧) ، وَالمُفْتِي أَبُو الفَرَجِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّارِمِيُّ الشَّافِعِيّ (٨) . ١٤ - الخَوْلاَنِيُّ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ * الإِمَامُ، المُحَدِّثُ، الثَّبْتُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُثْمَانَ بنِ سَعِيْدِ بنِ غَلْبُوْنَ الخَوْلاَنِيُّ، القُرْطُبِيُّ؛ وَالِدُ المُسْنِدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ. كَانَ أَحَدَ عُلَمَاءِ الأَثَرِ بقُرْطُبَة. حَدَّثَ عَنْ: أَبِيْهِ، وَعَمِّه أَبِي بَكْرٍ، وَأَبِي مُحَمَّدِ بنِ أَسَد، وَأَحْمَدَ بنِ

стр. 11101

القَاسِم التَّاهَرْتِيّ، وَأَبِي عُمَرَ بنِ الجَسُور، وَأَبِي عُمَرَ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ البَاجِي، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي زَمَنِيْنَ، وَأَبِي المُطَرِّف بن فُطَيْس، وَخَلْق. وَكَانَ مَعْنِيَّا بِالحَدِيْثِ وَجَمْعِهِ، ثِقَةً، ثَبْتاً، صَيِّناً، خَيِّراً. عَاشَ سِتَّا وَسَبْعِيْنَ سَنَةً (١) . رَوَى عَنْهُ: وَلَدُهُ وَجَمَاعَة. تُوُفِّيَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ (٢) . ١٥ - ابْنُ الصَّبَّاغِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ البَغْدَادِيُّ * مُفْتِي الشَّافِعِيَّةِ، أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُحَمَّدٍ البَغْدَادِيُّ، البَيِّعُ، ابْنُ الصَّبَّاغِ. سَمِعَ: أَبَا حَفْصٍ بنَ شَاهِيْنٍ، وَالمُعَافَى بنَ طَرَارَا (٣) ، وَابْنَ حَبَابَة (٤) ، وَعِدَّةً. وَتَفَقَّهَ بِالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ. وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ وَلَدُهُ أَبُو نَصْرٍ (٥) ؛صَاحِبُ (الشَّامِلِ) . قَالَ الخَطِيْبُ (٦) :كتبنَا عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً، لَهُ حَلْقَةٌ لِلفَتْوَى، مَاتَ فِي

стр. 11102

ذِي القَعْدَةِ، سَنَة ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. قُلْتُ: ورَوَى عَنْهُ: أُبَيٌّ النَّرْسِيُّ. ١٦ - أَبُو العَلاَءِ المَعَرِّيُّ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سُلَيْمَانَ * هُوَ: الشَّيْخُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الآدَابِ، أَبُو العَلاَءِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ سُلَيْمَانَ (١) بنِ مُحَمَّدِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ أَحْمَدَ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ دَاوُدَ بن مُطَهِّرِ بن زِيَادِ بنِ رَبِيْعَةَ بنِ الحَارِثِ (٢) بنِ رَبِيْعَةَ بنِ أَنْوَرَ (٣) بنِ أَرْقَمَ (٤) بنِ أَسْحَمَ بنِ

стр. 11103

النُّعْمَانِ - وَيُلَقَّبُ بِالسَّاطِعِ لِجَمَالِهِ - ابْنِ عَدِيِّ بنِ عَبْدِ غَطَفَانَ (١) بنِ عَمْرِو بنِ (٢) برِيحِ (٣) بنِ جَذِيْمَةَ (٤) بنِ تَيْمِ اللهِ (٥) - الَّذِي هُوَ مُجْتَمعُ تَنُوخ (٦) - بنِ أَسَدِ بنِ وَبْرَةَ بنِ تَغْلِبَ (٧) بنِ حُلْوَانَ بنِ عِمْرَانَ بنِ الحَافِ (٨) بنِ قُضَاعَةَ بنِ مَالِكِ بنِ عَمْرِو بنِ مُرَّةَ بنِ زَيْدِ بنِ مَالِكِ بنِ حِمْيَرِ بنِ سَبَأَ بنِ يَشْجُبَ بنِ يَعْرُبَ بنِ قَحْطَانَ بنِ عَامِرٍ - وَهُوَ هُودٌ ﵇ القَحْطَانِيُّ، ثُمَّ التَّنُوْخِيُّ، المَعَرِّيُّ، الأَعْمَى، اللُّغَوِيُّ، الشَّاعِرُ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ السَّائِرَةِ، وَالمُتَّهَمُ فِي نِحْلَتِهِ. وُلِدَ: فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ (٩) وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَأَضرَّ بِالجُدَرِيِّ وَلَهُ أَرْبَعُ سِنِيْنَ وَشهر؛ سَالتْ وَاحِدَةٌ، وَابيضَّتِ اليُمْنَى، فَكَانَ لاَ يذكُرُ مِنَ الأَلوَانِ إِلاَّ الأَحْمَر، لثَوْبٍ أَحْمَر أَلبسوهُ إِيَّاهُ (١٠)

стр. 11104

وَقَدْ جُدِّر، وَبَقِيَ خَمْساً وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً لاَ يَأْكُل اللَّحْم تَزُهُّداً فَلسفِيّاً (١) . وَكَانَ قَنوعاً مُتَعفِّفاً لَهُ وَقْفٌ يَقومُ بِأَمرِهِ، وَلاَ يَقبلُ مِنْ أَحَدٍ شَيْئاً، وَلَوْ تَكسَّبَ بِالمديحِ، لحصَّلَ مَالاً وَدُنْياً، فَإِنَّ نَظمه فِي الذِّروَة، يُعَدُّ مَعَ المتنبِيّ وَالبُحْتُرِيّ. سَمِعَ جُزْءاً مِنْ يَحْيَى بنِ مِسْعَر، رَوَاهُ عَنْ أَبِي عَرُوْبَةَ الحَرَّانِيّ. وَأَخَذَ الأَدب عَنْ بنِي كوثر، وَأَصْحَاب ابْنِ خَالويه (٢) ، وَكَانَ يَتوَقَّدُ ذكَاء. وَمِنْ أَرْدَأ تَوَالِيفه (رِسَالَة الغفرَان) فِي مُجَلَّد (٣) ، قَدِ احْتَوَتْ عَلَى مَزْدَكَةٍ وَفرَاغ، وَ (رِسَالَة المَلاَئِكَة (٤)) وَرِسَالَة (الطَّير) عَلَى ذَلِكَ الْأُنْمُوذَج، وَديوَانه (سقط الزَّنْد (٥)) مَشْهُوْر، وَلَهُ (لُزُوم مَا لاَ يَلزم (٦)) مِنْ نَظمه، وَكَانَ إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي حَفِظ اللغَات.

стр. 11105

ارْتَحَلَ فِي حُدُوْدِ الأَرْبَعِ مائَة إِلَى طرَابلس وَبِهَا كتب كَثِيْرَةٌ، وَاجتَاز بِاللاَّذقيَّة، فَنَزَلَ ديراً بِهِ رَاهِبٌ مُتفلسِفٌ، فَدَخَلَ كَلاَمُه فِي مسَامعِ أَبِي العَلاَءِ، وَحَصَلَتْ لَهُ شكوكٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ نورٌ يَدفعُهَا، فَحصلَ لَهُ نوعُ انحَلاَلٍ دَلَّ عَلَيْهِ مَا يَنظمه وَيلهج بِهِ. وَيُقَالُ: تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَارعوَى (١) . وَقَدْ سَارَتِ الفُضَلاَءُ إِلَى بَابه، وَأَخَذُوا عَنْهُ. وَكَانَ أَخَذَ اللُّغَة عَنْ أَبِيْهِ، وَبحلبَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ سَعْدٍ النَّحْوِيّ. وَكَانَتْ غَلَّتُه فِي العَامِ نَحْو ثَلاَثِيْنَ دِيْنَاراً، أَفرز مِنْهَا نِصْفهَا لمَنْ يَخدُمه. وَكَانَ غذَاؤُه العَدَسَ وَنَحْوهُ، وَحلوَاهُ التِّين، وَثيَابُه الْقطن، وَفِرَاشه لبَّادٌ وَحصِيْر بَرْدِي (٢) ، وَفِيْهِ قوَةُ نَفْس، وَتَرْكٌ لِلْمِنَنِ، عُورِضَ فِي وَقْفِهِ، فَسَافر إِلَى بَغْدَادَ يَتظلَّم فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ، وَحَدَّثَ بِهَا بسَقط الزّند (٣) . يُقَالُ: كَانَ يَحفظُ كُلَّ مَا مرَّ بِسَمِعَهُ، وَيُلاَزم بَيْتَه، وَسَمَّى نَفْسه رهن المَحْبِسَيْنِ؛ لِلزومه مَنْزِلَه وَلِلعمَى، وَقَالَ الشِّعرَ فِي حدَاثته، وَكَانَ يُمْلِي تَصَانِيْفَه عَلَى الطَّلَبَةِ مِنْ صَدْره (٤) . خَرَجَ صَالِح بنُ مِرْدَاسٍ ملك حلب (٥) ، فَنَازل المَعَرَّة يُحَاصرهَا،

стр. 11106

وَرمَاهَا بِالمجَانِيق، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَبُو العَلاَءِ يَتشفَّع، فَأَكْرَمَه، وَقَالَ: أَلكَ حَاجَة؟ قَالَ: الأَمِيْرُ - أَطَالَ الله بقَاءهُ - كَالسَّيْف القَاطع، لاَن مسُّهُ، وَخَشُنَ حدُّهُ، وَكَالنَّهَار المَاتِع (١) ، قَاظ (٢) وَسطُه، وَطَابَ أَبْردَاهُ (٣) ﴿خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِين﴾ [الأَعرَاف:١٩٩] . فَقَالَ: قَدْ وَهبتُكَ المَعَرَّةَ، فَأَنْشِدنَا مِنْ شعرِكَ. فَأَنْشَدَهُ عَلَى البديهِ أَبيَاتاً، وَترحَّل صَالِحٌ (٤) . كَانَ لأَبِي العَلاَءِ خلوَةٌ يَدخُلهَا لِلأَكلِ، وَيَقُوْلُ: الأَعْمَى عورَة، وَالوَاجِبُ اسْتَتَارُهُ. فَأَكَلَ مرَّةً دُبسَا، فَنقط عَلَى صَدْرِهِ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ لِلإِفَادَة؛ قِيْلَ لَهُ: أَكَلتُم دُبساً؟ فَأَسرع بِيَدِهِ إِلَى صَدْره، فَمسحه وَقَالَ: نَعَمْ، لَعَنَ اللهُ النَّهَم. فَعجبُوا مِنْ ذكَائِهِ، وَكَانَ يَعتذر إِلَى مَنْ يَرحل إِلَيْهِ، وَيَتَأَوَّهُ لعدم صلته (٥) . قَالَ البَاخَرزِي (٦) :أَبُو العَلاَءِ ضرِيرٌ مَا لَهُ ضرِيب (٧) ، وَمكفوفٌ فِي قَمِيْص الفَضْل مَلْفُوف، وَمحجوبٌ خَصمه الأَلد مَحْجُوج، قَدْ طَالَ فِي ظلّ (٨) الإِسْلاَم آنَاؤُهُ، وَرشَح (٩) بِالإِلْحَاد إِنَاؤُه، وَعِنْدنَا خَبَرُ بصرِهِ، وَاللهُ العَالِمُ بِبصِيْرتِهِ وَالمطَّلعُ عَلَى سرِيرته، وَإِنَّمَا تحدَّثتِ الأَلْسُنُ (١٠) بِإِسَاءته

стр. 11107

بِكِتَابه (١) الَّذِي عَارض بِهِ القُرْآن، وَعنونه بـ (الْفُصُول وَالغَايَات فِي محَاذَاة السُّوْر (٢) وَالآيَات) . وَقَالَ غَرسُ النِّعمَة مُحَمَّدُ بنُ هِلاَلٍ بن المُحَسَّن (٣) :لَهُ شِعْرٌ كَثِيْر، وَأَدب غزِيْر، وَيُرمَى بِالإِلْحَاد، وَأَشعَارُه دَالَّة عَلَى مَا يُزَنُّ (٤) بِهِ، وَلَمْ يَأْكُل لحماً وَلاَ بيضاً وَلاَ لَبَناً، بَلْ يَقتصر عَلَى النّبَات، وَيُحرِّمُ إِيلاَمَ الحيوَان، وَيُظهر الصَّوْم دَائِماً. قَالَ: وَنَحْنُ نَذكُر مِمَّا رُمِي بِهِ فَمِنْهُ (٥) : قِرَانُ المُشْتَرِي زُحَلاً يُرَجَّى ... لإِيقَاظِ النَّوَاظِرِ مِنْ كرَاهَا تَقضَّى النَّاسُ جِيلاً بَعْدَ جِيْلٍ ... وَخُلِّفتِ النُّجُوْمُ كَمَا ترَاهَا تَقدَّم صَاحِبُ التَّوْرَاةِ مُوْسَى ... وَأَوقَعَ بِالخَسَارِ مَنِ اقْترَاهَا فَقَالَ رِجَالُهُ (٦) :وَحْيٌّ أَتَاهُ ... وَقَالَ الآخرُوْنَ: بَلِ افْترَاهَا وَمَا حَجِّي (٧) إِلَى أَحْجَارِ بَيْتٍ ... كؤوسُ الخَمْرِ تُشْرَبُ فِي ذُرَاهَا إِذَا رَجَعَ الحَكِيمُ (٨) إِلَى حِجَاهُ ... تَهَاوَنَ بِالمذَاهبِ وَازْدَرَاهَا

стр. 11108

وَلَهُ (١) : صَرْفُ الزَّمَانِ مُفَرِّقُ الإِلْفَيْنِ ... فَاحْكُم إِلهِي بَيْنَ ذَاكَ وَبَينِي أَنَهيْتَ عَنْ قَتْلِ النُّفُوْس تَعمُّداً ... وَبَعَثْتَ أَنْتَ لِقَبْضِهَا مَلَكَيْنِ وَزَعَمْتَ أَنَّ لَهَا مَعَاداً ثَانِياً ... مَا كَانَ أَغنَاهَا عَنِ الحَالَيْنِ وَلَهُ (٢) : عُقُوْلٌ تَسْتَخِفُّ بِهَا سُطور (٣) ... وَلاَ يَدْرِي الفَتَى لِمَنِ الثُّبورُ كِتَابُ مُحَمَّدٍ وَكِتَابُ مُوْسَى ... وَإِنجيلُ ابْنِ مَرْيَمَ وَالزَّبُورُ وَمِنْه (٤) : هَفَتِ الحنِيفَةُ وَالنَّصَارَى مَا اهتدَتْ ... وَيَهُوْدُ حَارتْ وَالمَجُوْسُ مُضَلَّلَهْ رَجُلاَنِ أَهْلُ الأَرْضِ هَذَا عَاقلٌ ... لاَ دينَ فِيْهِ وَدَيِّنٌ لاَ عَقْلَ لَهُ وَمِنْه (٥) : قُلْتُمْ لَنَا خَالِقٌ قَدِيْمُ ... صَدَقْتُمُ هَكَذَا (٦) نَقُوْلُ زَعَمْتُمُوْهُ بِلاَ زَمَانٍ ... وَلاَ مَكَانٍ أَلاَ فَقُوْلُوا هَذَا كَلاَمٌ لَهُ خَبِيءٌ ... مَعْنَاهُ لَيْسَتْ لَكُم عُقُوْلُ

стр. 11109

وَمِنْه (١) : دينٌ وَكفرٌ وَأَنبَاءٌ تقَال وَفُر ... قَانٌ يُنَصُّ وَتَوْرَاةٌ وَإِنجيلُ فِي كُلِّ جيلٍ أَبَاطيلُ يُدَانُ بِهَا ... فَهَلْ تَفَرَّد يَوْماً بِالهُدَى جيلُ؟ فَأَجَبْتُه: نَعَمْ أَبُو القَاسِمِ الهَادِي وَأُمَّتُهُ ... فَزَادَكَ اللهُ ذُلاً يَا دُجَيْجِيلُ وَمِنْه (٢) - لُعِنَ -: فَلاَ تَحْسَبْ مَقَالَ الرُّسْلِ حَقّاً ... وَلَكِنْ قَوْلُ زُورٍ سَطَّرُوهُ وَكَانَ النَّاسُ فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ ... فَجَاؤُوا بِالمُحال فَكَدَّرُوهُ وَمِنْه (٣) : وَإِنَّمَا حَمَّلَ التَّوْرَاةَ قَارِئَهَا ... كسبُ الفَوَائِدِ لاَ حُبُّ التِّلاَوَاتِ وَهل أُبِيحَتْ نِسَاءُ الرُّوْم (٤) عَنْ عُرُضٍ (٥) ... لِلعُرْبِ إِلاَّ بِأَحكَامِ النُّبُوَّاتِ أَنشدتنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عليّ كِتَابَةً، أَخْبَرَنَا فَرْقَدُ الكِنَانِيّ، سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتّ مائَة، أَنشدنَا السِّلَفِيّ، سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا التبرِيزِي (٦) يَقُوْلُ: لَمَّا قَرَأْتُ عَلَى أَبِي العَلاَءِ بِالمَعَرَّة قَوْله (٧) :

стр. 11110

تَنَاقُضٌ مَا لَنَا إِلاَّ السُّكوتُ لَهُ ... وَأَن نَعُوذَ بِمَوْلاَنَا مِنَ النَّارِ يَدٌ بِخَمْسِ مِئٍ (١) مِنْ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بِالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِيْنَارِ؟ سَأَلتُهُ، فَقَالَ: هَذَا كَقَوْل الفُقَهَاء: عبَادَة لاَ يُعْقَلُ معنَاهَا. قَالَ كَاتِبهُ: لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ؛ لقَالَ: تَعَبُّدٌ. وَلَمَّا قَالَ: تَنَاقضٌ. وَلَمَّا أَرْدَفَه بِبَيْتٍ آخَر يَعترِضُ عَلَى رَبّهُ. وَبإِسْنَادِي قَالَ السِّلَفِيّ: إِنْ كَانَ قَالَهُ مُعْتَقداً مَعْنَاهُ، فَالنَّارُ مأوَاهُ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الإِسْلاَمِ نصِيْب. هَذَا إِلَى مَا يُحَكَى عَنْهُ فِي كِتَابِ (الْفُصُول وَالغَايَات) فَقِيْلَ لَهُ: أَيْنَ هَذَا مِنَ القُرْآن؟ فَقَالَ: لَمْ تَصْقُلْهُ المحَارِيب أَرْبَعِ مائَةِ سَنَةٍ. وَبِهِ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الخَلِيْلُ بنُ عبد الجَبَّار بقَزْوِيْن وَكَانَ ثِقَةً، حَدَّثَنَا أَبُو العَلاَءِ بِالمَعَرَّة، حَدَّثَنَا أَبُو الفَتْحِ مُحَمَّد بن الحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا خَيْثَمَةُ ... ، فَذَكَرَ حَدِيْثاً. ثُمَّ قَالَ السِّلَفِيّ: وَمِنْ عَجِيْب رَأْي أَبِي العَلاَءِ تركُهُ أَكل مَا لاَ يَنْبُتُ حَتَّى نُسِبَ إِلَى التَّبَرْهُم، وَأَنَّهُ يَرَى رَأْي البرَاهِمَةِ (٢) فِي إِثْبَات الصَّانعِ وَإِنْكَارِ الرُّسلِ، وَتَحْرِيْم إِيذَاء الحيوَانَاتِ، حَتَّى العقَارب وَالحيَّات، وَفِي شِعْرِهِ مَا يَدلُّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لاَ يَسْتَقِرُّ بِهِ قرَار، فَأَنشدنِي أَبُو المَكَارِمِ الأَسَدِيّ، أَنشدنَا أَبُو العَلاَءِ لِنَفْسِهِ (٣) : أَقَرُّوا بِالإِلهِ وَأَثْبِتُوهُ ... وَقَالُوا: لاَ نَبِيَّ وَلاَ كِتَابُ

стр. 11111

وَوطءُ بنَاتِنَا حِلٌّ (١) مُبَاحٌ ... رُوَيْدَكُمُ فَقَدْ طَالَ (٢) العِتَابُ تَمَادَوا فِي الضَّلاَل فَلَمْ (٣) يَتوبُوا ... وَلَوْ سَمِعُوا صَليلَ السَّيْفِ تَابُوا قَالَ: وَأَنشدنَا أَبُو تَمَّام غَالِبُ بنُ عِيْسَى بِمَكَّةَ، أَنشدنَا أَبُو العَلاَءِ المَعَرِّيّ لِنَفْسِهِ (٤) : أَتَتْنِي مِنَ الإِيْمَان سِتُّوْنَ حِجَّةً ... وَمَا أَمْسَكَتْ كَفِّي بِثِنْيِ عِنَانِ وَلاَ كَانَ لِي دَارٌ وَلاَ رُبْعُ مَنْزِلٍ ... وَمَا مسَّنِي مِنْ ذَاكَ رَوْعُ جَنَانِ تَذكَّرتُ أَنِّي هَالكٌ وَابْنُ هَالِكٍ ... فَهَانَتْ عليَّ الأَرْضُ وَالثَّقَلاَنِ وَبِهِ: قَالَ السِّلَفِيّ: وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّة عَقيدَتِهِ مَا سَمِعْتُ الخَطِيْب حَامِدَ بنَ بختيَار، سَمِعْتُ أَبَا المَهْدِيّ (٥) بنَ عبدِ الْمُنعم بن أَحْمَدَ السَّرُوجِي، سَمِعْتُ أَخِي أَبَا الفَتْح القَاضِي يَقُوْلُ: دَخَلتُ عَلَى أَبِي العَلاَءِ التنوخِي بِالمَعَرَّة بَغْتَةً، فَسمِعتُهُ يُنشدُ (٦) : كَمْ غُودِرَتْ (٧) غَادَةٌ كَعَابٌ ... وَعُمِّرت أُمُّهَا العَجُوْزُ أَحرَزَهَا الوَالِدَانِ خَوفاً ... وَالقَبْرُ حِرْزٌ لَهَا حَرِيزُ يَجوزُ أَنْ تُخْطِئ (٨) المنَايَا ... وَالخُلْدُ فِي الدَّهْرِ لاَ يَجُوْزُ ثُمَّ تَأَوَّهَ مَرَّات، وَتَلاَ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ

стр. 11112

الآخِرَةِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُم شَقِيٌّ وَسَعِيْدٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٥] . ثُمَّ صَاح وَبَكَى، وَطرح وَجهه عَلَى الأَرْضِ زَمَاناً، ثُمَّ مَسحَ وَجْهَهُ، وَقَالَ: سُبْحَانَ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَذَا فِي القِدَمِ! سُبْحَانَ مَنْ هَذَا كَلاَمُه! فَصبرتُ سَاعَةً، ثُمَّ سَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَرَى فِي وَجْهِكَ أَثَرَ غِيظٍ؟ قَالَ: لاَ، بَلْ أَنشدتُ شَيْئاً مِنْ كَلاَم المَخْلُوْق، وَتَلَوْتُ شَيْئاً مِنْ كَلاَم الخَالِق، فَلَحِقَنِي مَا تَرَى. فَتحققت صِحَّة دينه. وَبِهِ: قَالَ السِّلَفِيّ: سَمِعْتُ أَبَا زَكَرِيَّا التبرِيزِي يَقُوْلُ: أَفْضَلُ مَنْ قَرَأْتُ عَلَيْهِ أَبُو العَلاَءِ (١) . وَسَمِعْتُ أَبَا المَكَارِم (٢) بِأَبهر - وَكَانَ مِنْ أَفرَاد الزَّمَان - يَقُوْلُ: لمَّا تُوُفِّيَ أَبُو العَلاَءِ اجْتَمَع عَلَى قَبْرِهِ ثَمَانُوْنَ شَاعِراً (٣) ، وَخُتِمَ فِي أُسْبُوْعٍ وَاحِدٍ مِئتَا ختمَة، إِلَى أَنْ قَالَ السِّلَفِيّ: وَفِي الجُمْلَةِ فَكَانَ مِنْ أَهْلِ الفَضْل الوَافر، وَالأَدبِ البَاهرِ، وَالمَعْرِفَةِ بِالنَّسبِ وَأَيَّامِ العَرَبِ، قَرَأَ القُرْآنَ بِروَايَات، وَسَمِعَ الحَدِيْثَ عَلَى ثِقَات، وَلَهُ فِي التَّوحيد وَإِثْبَات النّبوَات، وَمَا يَحُضُّ عَلَى الزُّهْدِ، وَإِحيَاء طرق الفتوَّة وَالمُروءة شعرٌ كَثِيْرٌ، وَالمُشكل مِنْهُ، فَلَهُ عَلَى زَعْمِهِ تَفْسِيْر. قَالَ غَرْسُ النِّعمَة: حَدَّثَنَا الوَزِيْرُ أَبُو نَصْرٍ بنُ جَهِير، حَدَّثَنَا المنَازِي الشَّاعِر (٤) قَالَ: اجْتَمَعتُ بِأَبِي العَلاَءِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي يُرْوَى عَنْكَ؟ قَالَ:

стр. 11113

حسدونِي، وَكَذَبُوا عليّ. فَقُلْتُ: عَلَى مَاذَا حَسَدُوك، وَقَدْ تركتَ لَهُم الدُّنْيَا وَالآخِرَة؟ فَقَالَ: وَالآخِرَة؟! قُلْتُ: إِي وَاللهِ. ثُمَّ قَالَ غَرس النِّعمَة: وَأَذْكُرُ عِنْد وَرود الخَبَر بِمَوْته وَقَدْ تذَاكرنَا إِلحَادَهُ، وَمَعَنَا غُلاَمٌ يُعْرَفُ بِأَبِي غَالِب بن نَبْهَانَ مِنْ أَهْلِ الخَيْر وَالفِقْه، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الغَدِ، حَكَى لَنَا قَالَ: رَأَيْتُ البَارِحَةَ شَيْخاً ضرِيراً عَلَى عَاتقه أَفعيَان مُتدَلِّيَان إِلَى فَخِذَيْهِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَرْفَعُ فَمَهُ إِلَى وَجهِهِ، فِيقطع مِنْهُ لحماً، وَيَزْدَرِدُهُ، وَهُوَ يَسْتَغِيثُ، فَهَالنِي، وَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيْلَ لِي: هَذَا أَبُو العَلاَءِ المعرِّي المُلْحِدِ (١) . وَلأَبِي العَلاَءِ (٢) : لاَ تَجْلِسَنْ حُرَّة، موفَّقَةٌ ... مَعَ ابْنِ زَوْجٍ لَهَا وَلاَ خَتَنِ فَذَاكَ خَيْرٌ لَهَا وَأَسْلَمُ لِلـ ... إِنْسَانِ إِنَّ الفَتَى مِنَ الفِتَنِ (٣) أَنشدنَا أَبُو الحُسَيْنِ الحَافِظُ بِبَعْلَبَك، أَنشدنَا جَعْفَرُ بنُ عَلِيّ، أَنشدنَا السِّلَفِيّ، أَنشدنَا أَبُو المَكَارِمِ عَبْدُ الوَارِثِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَسَدِيُّ، أَنشدنَا أَبُو العَلاَءِ بنُ سُلَيْمَانَ لِنَفْسِهِ (٤) : رَغِبْتُ إِلَى الدُّنْيَا زَمَاناً فَلَمْ تَجُدْ ... بِغَيْرِ عَنَاءٍ وَالحَيَاةُ بلاغُ وَأَلقَى (٥) ابْنَه اليَأْسُ الكَرِيْمُ وَبِنْتَهُ ... لَدَيَّ فَعِنْدِي رَاحَةٌ وَفرَاغُ

стр. 11114

وَزَادَ فَسَادَ النَّاسِ فِي كُلِّ بلدَةٍ ... أَحَادِيْثُ مَيْنٍ (١) تُفْتَرَى وَتُصَاغُ وَمِنْ شَرِّ مَا أَسْرَجْتَ فِي الصُّبْح وَالدُّجَى ... كُمَيْتٌ (٢) لَهَا بِالشَّاربينَ مَرَاغُ وَبِهِ (٣) : أَوحَى المليكُ إِلَى مَنْ فِي بَسيطتِهِ ... مِنَ البَرِيَّةِ جُوسُوا الأَرْضَ أَوْ حُوسُوا (٤) فَأَنْتُم قَوْمُ سُوءٍ لاَ صلاَحَ لَكُم ... مَسْعُوْدُكُم عِنْدَ أَهْل الرَّأْي منَحْوسُ أَنشدنَا مُوْسَى بنُ مُحَمَّدٍ بِبَعْلَبَك، أَنشدنَا الشَّرَف الإِرْبِلِيّ، أَنشدنَا أَحْمَدُ بنُ مُدْرِك القَاضِي، أَنشدنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُؤيد بن أَحْمَدَ بنِ حوَارِيّ، أَنشدنَا جَدِّي أَبُو اليَقْظَان أَحْمَد، أَنشدنَا أَبُو العَلاَءِ بنُ سُلَيْمَانَ لِنَفْسِهِ: يَا سَاهِرَ البَرْقِ أَيقظ رَاقد السَّمُرِ (٥) ... لَعَلَّ بِالجِزْعِ (٦) أَعْوَاناً عَلَى السَّهَرِ وَإِن بَخِلْتَ عَلَى الأَحْيَاءِ كُلِّهمِ ... فَاسْقِ المَوَاطِرَ (٧) حيّاً مِنْ بَنِي مَطَرِ وَيَا أَسيرَةَ حِجْلَيْهَا (٨) أَرَى سَفَهاً ... حَمْلَ الحُلِيِّ لِمَنْ أَعيَى عَنِ النَّظَرِ مَا سِرْتُ إِلاَّ وَطَيْفٌ مِنْكَ يَطرحُنِي (٩) ... يَسرِي (١٠) أَمَامِي وَتَأْويباً (١١) عَلَى أَثَرِي

стр. 11115

لَوْ حَطَّ رَحْلِي فَوْقَ النَّجْمِ رَافِعُهُ ... أَلْفَيْتُ ثَمَّ خيَالاً مِنْكَ مُنْتَظِرِي يَوَدُّ أَنَّ ظلاَمَ اللَّيْل دَامَ لَهُ ... وَزِيْدَ فِيْهِ سوَادُ القَلْبِ وَالبَصَرِ لَوِ اخْتَصَرتُم مِنَ (١) الإِحسَانِ زُرْتُكُمُ ... وَالعَذْبُ يُهْجَرُ لِلإِفرَاط فِي الخَصَرِ (٢) وَهِيَ طَوِيْلَة بَدِيْعَة نَيِّفٌ وَسَبْعُوْنَ بَيْتاً (٣) ، وَشِعْرُه مِنْ هَذَا النَّمَط. قِيْلَ: إِنَّهُ أَوْصَى أَنْ يُكتب عَلَى قَبْرِهِ: هَذَا جنَاهُ أَبِي عليَّ ... وَمَا جَنِيْتُ عَلَى أَحَدِ قُلْتُ: الفَلاَسِفَة يَعدُّوْنَ اتخَاذ الوَلَدِ (٤) وَإِخرَاجَهُ إِلَى الدُّنْيَا جنَايَةً عَلَيْهِ، وَيظهرُ لِي مِنْ حَال هَذَا المَخْذُول أَنَّهُ مُتَحَيِّرٌ لَمْ يَجزِم بِنِحْلَةٍ. اللَّهُمَّ فَاحفظ عَلَيْنَا إِيْمَاننَا. وَنَقَلَ القِفْطِيّ (٥) أَنَّ أَبَا العَلاَء قَالَ: لَزِمْتُ مسكنِي مُنْذُ سَنَةَ أَرْبَع مائَة، وَاجتهدتُ أَنْ أَتوفَّرَ عَلَى الحمدِ وَالتَّسْبيحِ، إِلاَّ أَنْ أُضْطَرَّ إِلَى غَيْر ذَلِكَ، فَأَمْلَيْتُ أَشيَاءَ تَولَّى نسخَهَا أَبُو الحَسَنِ ابْن أَبِي هَاشِمٍ (٦) فِي الزُّهْدِ وَالعظَاتِ وَالتَّمجيدِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ (الْفُصُول وَالغَايَات) مائَة كُرَّاسة، وَمُؤلَّفٌ فِي غَرِيْب ذَلِكَ عِشْرُوْنَ كرَّاسَة (٧) ، وَ (إِقليد الغَايَات فِي اللُّغَة) عَشر كَرَارِيْس، وَكِتَاب (الأَيك وَالغصُوْنَ) أَلف وَمائتَا كرَّاسَة. وَكِتَاب (مُخْتَلف

стр. 11116

الْفُصُول) (١) نَحْو أَرْبَع مائَة كُرَّاس، وَ (تَاج الحرّة فِي وَعظ النِّسَاء) نَحْو أَرْبَع مائَة كرَّاسَة، وَ (الْخطب (٢)) مُجَلَّد، وَكِتَاب فِي الْخَيل (٣) عشر كَرَارِيْس، وَكِتَاب (خطبَة الفَصِيْح) خَمْسَ عَشْرَةَ كرَّاسَة، وَ (ترسِيْل الرُّمُوز (٤)) مُجَلد، وَ (لُزُوم مَا يَلزم) نَحْو مائَة وَعِشْرِيْنَ كرَّاسَة، وَ (زجر النَّابح (٥)) مُجَلد، وَكِتَاب (نَجر الزّجر (٦)) مِقْدَاره، وَكِتَاب (شَرْح لُزُوم مَالاَ يَلزم (٧)) ثَلاَث مُجَلَدَات، وَكِتَاب (مُلْقَى السَّبِيل (٨)) جُزْء، وَ (موَاعِظ) (٩)

стр. 11117

فِي مُجَلَّد، وَ (خُمَاسيَّة الرَّاح (١) فِي ذَمّ الخَمْر) عشر كَرَارِيْس - قُلْتُ: أَظنّه يَعْنِي بِالكرَّاسَة: ثَلاَث وَرقَات - وَكِتَاب (سقط الزَّنْد) وَكِتَاب (القوَافِي وَالأَوزَان (٢)) سِتُّوْنَ كرَّاسَة، وَسرد أَشيَاء كَثِيْرَة أَدبيَات، وَكِتَابُه فِي الزُّهْد، يُعرفُ بِكِتَاب (اسْتَغْفر وَاسْتَغْفرِي) مَنظومٌ نَحْو عَشْرَة آلاَف بَيْت، الْمَجْمُوع خَمْسَة وَخَمْسُوْنَ مُصَنّفاً (٣) . قَالَ: فِي نَحْو أَرْبَعَة آلاَف وَمائَة وَعِشْرِيْنَ (٤) كرَّاسَة. قُلْتُ: قَدْ قدَّرتُ لَكَ الكرَّاسَة. قَالَ القِفْطِيّ (٥) :أَكْثَرُ كتبِهِ عُدِمَتْ، وَسلم مِنْهَا مَا خَرَجَ عَنِ المَعَرَّة قَبْل اسْتبَاحَةِ الكُفَّار لَهَا. قُلْتُ: قَبْرُهُ دَاخِل المَعَرَّة فِي مَكَان دَاثِرٍ، وَقَدْ حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو طَاهِرٍ بنُ أَبِي الصَّقْر الأَنْبَارِيّ، وَطَائِفَة، وَقَدْ طَالَ المَقَالُ، وَمَا عَلَى الرَّجُلِ أُنْسُ زُهَّادِ

стр. 11118

المُؤْمِنِيْنَ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا خُتِمَ لَهُ. وَمِنْ خَبِيْثِ قَوْله (١) : أَتَى عِيْسَى فَبَطَّلَ شَرْعَ مُوْسَى (٢) ... وَجَاءَ مُحَمَّدٌ بصَلاَةِ خَمْسٍ وَقَالُوا: لاَ نَبِيَّ بَعْدَ هَذَا ... فَضلَّ القَوْمُ بَيْنَ غَدٍ وَأَمْسِ (٣) وَمهمَا عِشْتَ مِنْ دُنْيَاك هذِي (٤) ... فَمَا تُخْلِيكَ مِنْ قَمَرٍ وَشَمْسِ إِذَا قُلْتُ المُحَالَ رَفَعتُ صَوْتِي ... وَإِنْ قُلْتُ الصَّحِيْحَ (٥) أَطَلْتُ هَمْسِي وَمِمَّنْ رثَاهُ تِلْمِيْذُه أَبُو الحَسَنِ عليّ، فَقَالَ (٦) : إِنْ كُنْتَ لَمْ تُرِقِ الدِّمَاءَ زَهَادَةً ... فَلَقَدْ أَرَقْتَ اليَوْمَ مِنْ جَفْنِي دمَا سَيَّرْتَ ذِكْرَكَ (٧) فِي البِلاَدِ كَأَنَّهُ ... مِسْكٌ فَسَامِعَةً (٨) يُضَمَّخُ أَوْ فَمَا وَأَرَى (٩) الحَجِيْجَ إِذَا أَرَادُوا لَيْلَةً ... ذِكرَاكَ أَخرجَ (١٠) فِديَةً مَنْ أَحرمَا وَومن رَوَى عَنْهُ: أَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ المُحَسّن التَّنوخِي - وَمَاتَ قَبْلَهُ -، وَغَالِبُ بنُ عِيْسَى الأَنْصَارِيّ. وَكَانَتْ عِلَّتُهُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، وَمَاتَ فِي أَوَائِل شَهْر ربيع الأَوَّل مَنْ سَنَة تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَعَاشَ سِتّاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً.

стр. 11119

١٧ - الصَّابُونِيُّ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَحْمَدَ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، القُدْوَةُ، المُفَسِّرُ، المُذَكِّرُ، المُحَدِّثُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بنِ عَابِدِ (١) بن عَامِرٍ النَّيْسَابُوْرِيُّ، الصَّابُوْنِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَأَوّل مَجْلِس عَقدَه لِلْوَعْظِ إِثر قَتْلِ أَبِيْهِ فِي سَنَةِ ثِنْتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَهُوَ ابْنُ تِسْع سِنِيْنَ. حَدَّثَ عَنْ: أَبِي سَعِيْدٍ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَأَبِي بَكْرٍ ابْن مِهْرَانَ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ المَخْلَدي، وَأَبِي طَاهِر بنِ خُزَيْمَةَ، وَأَبِي الحُسَيْنِ الخفَّاف، وَعبد الرَّحْمَن بنِ أَبِي شُرَيْح، وَزَاهِرِ بنِ أَحْمَدَ الفَقِيْه، وَطَبَقَتهم، وَمِنْ بَعْدهُم. حَدَّثَ عَنْهُ: الكتَّانِي، وَعَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ صَصْرَى، وَنجَا بنُ أَحْمَدَ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ أَبِي العَلاَءِ، وَالبَيْهَقِيُّ، وَابْنُه عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ، وَخَلْقٌ آخِرهُم أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ الفَرَاوِي.

стр. 11120

قَالَ أَبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنَا إِمَام المُسْلِمِيْنَ حَقّاً، وَشيخُ الإِسْلاَم صدقاً، أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيّ. ثُمَّ ذَكَرَ حِكَايَة (١) . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ المَالِكِيّ: أَبُو عُثْمَانَ مِمَّنْ شَهِدَتْ لَهُ أَعيَانُ الرِّجَال بِالكَمَال فِي الحِفْظِ وَالتَّفْسِيْر (٢) . وَقَالَ عبد الغَافِر فِي (السِّيَاق (٣)) :الأُسْتَاذُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيْلُ الصَّابُوْنِيّ شَيْخُ الإِسْلاَمِ، المُفَسِّرُ المُحَدِّث، الوَاعِظ، أَوحدُ وَقته فِي طرِيقه، وَعَظَ المُسْلِمِينَ سبعينَ سَنَةً، وَخَطَبَ وَصَلَّى فِي الجَامِع نَحْواً مِنْ عِشْرِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ حَافِظاً، كَثِيْرَ السَّمَاع وَالتَّصَانِيْف، حرِيصاً عَلَى العِلْم، سَمِعَ بِنَيْسَابُوْرَ وَهرَاةَ وَسَرْخَس وَالحِجَازِ وَالشَّامِ وَالجِبَالِ، وَحَدَّثَ بِخُرَاسَانَ وَالهِنْد وَجُرْجَان وَالشَّام وَالثُّغُوْرِ وَالحِجَازِ وَالقدس، وَرُزِقَ العِزَّ وَالجَاهَ فِي الدِّين وَالدُّنْيَا، وَكَانَ جَمَالاً لِلبلد، مقبولاً عَنِ المُوَافِق وَالمُخَالف، مجمعٌ عَلَى أَنَّهُ عديمُ النّظير، وَسيفُ السُّنَّةِ، وَدَامغُ البِدعَة، وَكَانَ أَبُوْهُ الإِمَامُ أَبُو نَصْرٍ مِنْ كِبَارِ الوَاعِظين بِنَيْسَابُوْرَ، فَفُتِكَ بِهِ لأَجْلِ المَذْهَب، وَقُتِلَ، فَأُقْعِدَ ابْنُه هَذَا ابْنُ تِسْعِ (٤) سِنِيْنَ، فَأُقْعِدَ بِمَجْلِس الْوَعْظ، وَحضرهُ أَئِمَّةُ الوَقْت، وَأَخَذَ

стр. 11121

الإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ الصُّعلوكِيُّ (١) فِي تَرْتِيْبهِ وَتهيئَةِ شَأْنِهِ، وَكَانَ يَحضُر مَجْلِسَهُ هُوَ وَالأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسفرَايينِيّ، وَالأُسْتَاذ أَبُو بَكْرٍ بنُ فُورَك، وَيَعْجَبُوْنَ مِنْ كَمَال ذكَائِهِ، وَحُسْنِ إِيرَاده، حَتَّى صَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ، وَكَانَ مُشْتَغِلاً بكَثْرَةِ العِبَادَاتِ وَالطَّاعَاتِ، حَتَّى كَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَل. قَالَ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ الكُتُبِيّ فِي (تَارِيْخِهِ) :فِي المُحَرَّمِ تُوُفِّيَ أَبُو عُثْمَانَ سَنَة تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَقَالَ السِّلَفِيّ فِي (مُعْجَم السَّفَر) :سَمِعْتُ الحَسَنَ بن أَبِي الْحر بِسَلَمَاسَ (٢) يَقُوْلُ: قَدِمَ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُوْنِيّ بَعْد حجِّه وَمَعَهُ أَخُوْهُ أَبُو يَعْلَى فِي أَتْبَاعٍ وَدوَابّ، فَنَزَلَ عَلَى جَدِّي أَحْمَدَ بن يُوْسُفَ الهِلاَلِي، فَقَامَ بِجمِيْع مُؤَنِه، وَكَانَ يَعْقدُ المَجْلِسَ كُلَّ يَوْم، وَافْتَتَنَ النَّاسُ بِهِ، وَكَانَ أَخُوْهُ فِيْهِ دُعَابَة، فَسَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ يَقُوْلُ وَقت أَن وَدَّع النَّاس (٣) :يَا أَهْل سَلَمَاسَ! لِي عِنْدكُم أَشْهُرٌ أَعِظُ وَأَنَا فِي تَفْسِيْر آيَةٍ وَمَا يَتعلَّقُ بِهَا، وَلَوْ بَقِيْتُ عِنْدكُم تَمَّام سَنَةٍ لمَا تَعرَّضتُ لغَيْرهَا، وَالحَمْدُ للهِ. قَالَ عبد الغَافِر فِي (تَارِيْخِهِ (٤)) :حَكَى الثِّقَاتُ أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ كَانَ يَعِظُ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ كِتَابٌ وَردَ مِنْ بُخَارَى، مُشْتَمِلٌ عَلَى ذكرِ وَبَاءٍ عَظِيْم بِهَا، لِيَدْعُوَ لَهُم، وَوصف فِي الكِتَاب أَنَّ رَجُلاً أَعْطَى خَبَّازاً دِرْهَماً، فَكَانَ يَزِنُ، وَالصَّانِعُ يَخْبِزُ، وَالمُشْتَرِي وَاقف، فَمَاتَ ثَلاَثتهُم فِي سَاعَة.

стр. 11122

فَلَمَّا قرَأَ الكِتَابَ هَالَهُ ذَلِكَ، وَاسْتقرَأَ مِنَ القَارِئ ﴿أَفأَمِنَ الَّذِيْنَ مَكَرُوا السَّيِّآتِ﴾ [النَّحْل:٤٥] الآيَات، وَنظَائِرهَا، وَبَالَغَ فِي التّخويف وَالتَّحذِير، وَأَثَّرَ ذَلِكَ فِيْهِ وَتغَيَّرَ، وَغَلَبَهُ وَجعُ البَطنِ، وَأُنْزِلَ مِنَ المِنْبَرِ يَصيح مِنَ الوجعِ، فَحُمِلَ إِلَى حمَّامٍ، فَبَقِيَ إِلَى قَرِيْب المَغْرِب يَتقَلَّب ظَهْراً لبَطْن، وَبَقِيَ أُسْبُوْعاً لاَ يَنفَعُهُ عِلَاج، فَأَوْصَى، وَودَّعَ أَوْلاَدَهُ، وَمَاتَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ عقيبَ عصرِ الجُمُعَة رَابع المحرَّم، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُه أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ أَخُوْهُ أَبُو يَعْلَى. وَأَطنب عبدُ الغَافِرِ فِي وَصْفِهِ، وَأَسهب ... ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَقَرَأْتُ فِي كِتَابٍ كتَبَهُ زَيْنُ الإِسْلاَم مِنْ طُوْس فِي التَّعزِيَة لِشيخِ الإِسْلاَم: أَلَيْسَ لَمْ يَجْسُرْ مُفْتَرٍ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ فِي وَقته؟ أَلَيْسَتِ السُّنَّةُ كَانَتْ بِمَكَانِهِ مَنْصُوْرَة، وَالبِدْعَةُ لِفَرْطِ حِشمتِهِ مقهورَة؟ أَلَيْسَ كَانَ دَاعِياً إِلَى اللهِ، هَادِياً عِبَادَ اللهِ، شَابّاً لاَ صَبْوَةَ لَهُ، كَهْلاً لاَ كَبْوَةَ لَهُ، شَيْخاً لاَ هَفْوَة لَهُ؟ يَا أَصْحَابَ المحَابر، وَطِّؤُوا رِحَالكُم، قَدْ غُيِّبَ مَنْ كَانَ عَلَيْهِ إِلمَامكُم، وَيَا أَربَابَ المَنَابِر، أَعْظَمَ اللهُ أُجوركُم، فَقَدْ مَضَى سَيِّدَكُم وَإِمَامُكُم. قَالَ الكَتَّانِي: مَا رَأَيْتُ شَيْخاً فِي مَعْنَى أَبِي عُثْمَانَ زُهْداً وَعِلماً، كَانَ يَحفَظُ مِنْ كُلِّ فَن لاَ يَقْعُدُ بِهِ شَيْءٌ، وَكَانَ يَحفظُ التَّفْسِيْر مِنْ كُتُب كَثِيْرَة، وَكَانَ مِنْ حُفَّاظ الحَدِيْث. قُلْتُ: وَلَقَدْ كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الأَثر، لَهُ مُصَنَّف فِي السُّنَةِ وَاعْتِقَادِ السَّلَف، مَا رَ?هُ مُنْصِفٌ إِلاَّ وَاعْتَرف لَهُ (١) . قَالَ مَعْمَر بن الفَاخر: سَمِعْتُ عبدَ الرَّشِيْد بنَ نَاصِر الوَاعِظ بِمَكَّةَ،

стр. 11123

سَمِعْتُ إِسْمَاعِيْلَ بنَ عبد الغَافِر، سَمِعْتُ الإِمَام أَبَا المعَالِي الجُوَيْنِيّ يَقُوْلُ: كُنْتُ بِمَكَّةَ أَترَدَّدُ فِي المذَاهب، فَرَأَيْت النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ لِي: عَلَيْك بَاعْتِقَاد ابْن الصَّابُوْنِيّ. قَالَ عبدُ الغَافِر: وَمِمَّا قِيْلَ فِي أَبِي عُثْمَانَ قَوْلُ الإِمَام أَبِي الحَسَنِ؛ عَبْد الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّدٍ الدَّاوُوْدِيّ: أَودَى الإِمَامُ الحَبْرُ إِسْمَاعِيْلُ ... لَهَفِي عَلَيْهِ لَيْسَ مِنْهُ بَدِيْلُ بَكَتِ السَّمَا وَالأَرْضُ يَوْمَ وَفَاتِهِ ... وَبَكَى عَلَيْهِ الوَحْيُ وَالتَّنْزِيلُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ المُنِير تَنَاوحَا ... حُزْناً عَلَيْهِ وَللنُّجومِ عَوِيلُ وَالأَرْضُ خَاشِعَةً تَبْكِي شَجْوَهَا ... وَيْلِي تَوَلْوِلُ أَيْنَ إِسْمَاعِيْلُ؟ أَيْنَ الإِمَامُ الفَرْدُ فِي آدَابِهِ ... مَا إِنْ لَهُ فِي العَالِمِينَ عَدِيْلُ لاَ تَخْدَعَنْكَ مُنَى الحَيَاةِ فَإِنَّهَا ... تُلهِي وَتُنسِي وَالمُنَى تَضليلُ وَتَأَهَّبَنْ لِلموتِ قَبْلَ نُزُولِهِ ... فَالموتُ حَتْمٌ وَالبقَاءُ قَلِيْلُ (١) ١٨ - الخَبَّازِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ * شَيْخُ القُرَّاءِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُوْرِيُّ، الخَبَّازِيُّ. حَدَّثَ بِـ (صَحِيْحِ البُخَارِيِّ) عَنِ الكُشْمِيهَنِيِّ (٢) رَوَاهُ عَنْهُ

стр. 11124

الفَرَاوِيُّ (١) ، وَكَانَ ارْتَحَلَ إِلَى الكُشْمِيهَنِيِّ. قَالَ ابْنُ نقطَة (٢) :قَالَ عبدُ الغَافِر: شَيْخ نَبِيل، مُشَاور فِي فَهْمِ الأُمُوْر، مُبَجَّلٌ فِي المحَافلِ، عَارِفٌ بِالقِرَاءات. تُوُفِّيَ: فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. قُلْتُ: وَوُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَتَلاَ عَلَى: وَالِده أَبِي الحُسَيْنِ الخَبَّازِي، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ الطِّرَازِي، صَاحِب ابْنِ مُجَاهِد (٣) . وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي أَحْمَدَ الحَاكِم، وَجَمَاعَة. وَكَانَ ذَا تَعبُّدٍ وَتَهَجُّدٍ. رَوَى عَنْهُ: مَسْعُوْدٌ الركَّاب، وَتَلاَ عَلَيْهِ الهُذَلِيّ (٤) وَغَيْرهُ. وَمَاتَ: أَبُوْهُ نَحْو سَنَةِ أَرْبَعِ مائَة. ١٩ - عَمِيْدُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بنُ أَيُّوْبَ المَرَاتِبِيُّ * الوَزِيْرُ الكَبِيْر، أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ ابنُ الوَزِيْرِ أَبِي الفَضْلِ أَيُّوْبَ بنِ سُلَيْمَانَ المَرَاتِبِيُّ.

стр. 11125

كَانَ أَبُوْهُ كَاتِبَ القَادِر. وَوزرَ هَذَا لِلقَائِمِ أَيَّامَ وِلاَيَةِ عَهْده، ثُمَّ وَزر لِلقَادِر بَعْد ابْنِ حَاجِب النُّعْمَان، ثُمَّ وَزر لِلقَائِمِ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَكَانَ بَلِيْغاً مُتَرَسِّلاً، صَاحِبَ فُنُوْن، صَنّف كِتَاباً فِي الخَرَاج، وَرَوَى (ديوَان) البُحْتُرِيّ، عَنِ الحُسَيْن بن مُحَمَّدٍ الخَالع، عَنْ أَبِي سَهْلٍ القَطَّان، عَنْ أَبِي الْغَوْث بن البُحْتُرِيّ. وَرَوَى عَنْ: أَبِي نَصْرٍ بن نُبَاتَة (١) شِعره. رَوَى عَنْهُ: أَبُو الجَوَائِز هِبَةُ اللهِ بنُ حَمْزَةَ، وَغَيْرهُ. وُلِدَ: سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَمَاتَ: فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ (٢) . وَهُوَ القَائِلُ: الكُتَّابُ سَبْعَةٌ: الكَامِلُ الَّذِي يُنشِئُ وَيُمْلِي وَيَكْتُب، وَالأَعزل: وَهُوَ المُنشِئُ وَلاَ خطَّ لَهُ (٣) ، وَالثَّالِث: المُبْهَمُ: وَهُوَ صَاحِبُ الخَطِّ وَلاَ إِنشَاءَ لَهُ، الرَّابِع: الرُّقَاعِي: وَهُوَ مَنْ يُجِيْد رُقْعَةً وَلاَ خَطَّ لَهُ فِي طول نَفَسٍ (٤) ، الخَامِس: المُخَبَّل: وَهُوَ ذُو الحِفْظ وَالرِّوَايَة، وَلاَ عبَارَة لَهُ، فِيجِيْءُ مِنْهُ نَديم (٥) ، السَّادِس: المُخَلِّط؛ وَهُوَ الآتِي بِدُرِّهِ مَعَ بَعْرِهِ (٦) ،

стр. 11126

السَّابِع: السُّكَّيْتُ؛ وَهُوَ الَّذِي يُجهد نَفْسَهُ حَتَّى يَأْتِي بِمَا يَسْتَحْسِن (١) . ٢٠ - ابْنُ بَطَّالٍ عَلِيُّ بنُ خَلَفِ بنِ بَطَّالٍ القُرْطُبِيُّ * شَارِحُ (صَحِيْحِ البُخَارِيِّ) ، العَلاَّمَةُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ خَلَفِ بنِ بَطَّالٍ البَكْرِيُّ، القُرْطُبِيُّ، ثُمَّ البَلَنْسِيُّ، وَيُعْرَفُ: بِابْنِ اللَّجَّامِ (٢) . أَخَذَ عَنْ: أَبِي عُمَرَ الطَّلَمَنْكِي (٣) ، وَابْنِ عَفِيْف، وَأَبِي المُطرَّف القَنَازعِي، وَيُوْنُس بنِ مُغِيْث. قَالَ ابْنُ بَشْكُوَال (٤) :كَانَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَة، عُنِي بِالحَدِيْثِ العنَايَة التَّامَة؛ شرح (الصَّحِيْح) فِي عِدَّة أَسفَار، رَوَاهُ النَّاس عَنْهُ (٥) ، وَاسْتُقضِيَ (٦) بِحِصْن لُوْرَقَةَ. تُوُفِّيَ: فِي صَفَرٍ، سَنَةَ تِسْعٍ (٧) وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة.

стр. 11127

قُلْتُ: كَانَ مِنْ كِبَارِ المَالِكِيَّة. ذَكَرَهُ القَاضِي عِيَاض (١) . ٢١ - العُشَارِيُّ أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ * الشَّيْخُ الجَلِيْلُ، الأَمِيْنُ، أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الفَتْحِ الحَرْبِيُّ، العُشَارِيُّ. سَمِعَ: أَبَا الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبَا الفَتْح القوَّاس، وَأَبَا حَفْصٍ بنَ شَاهِيْن، وَأَبَا عَبْدِ اللهِ بن بطَّة، وَمُحَمَّدَ بن يُوْسُفَ العلاَّف، وَالكَتَّانِي، وَالمُخَلِّص، وَأَبَا بَكْرٍ بنَ شَاذَانَ، وَعِيْسَى بن الوَزِيْر، وَالمُعَافَى (٢) . قَالَ الخَطِيْبُ (٣) :كَتَبْتُ عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً صَالِحاً، وُلِدَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَقَالَ لِي: كَانَ جَدِّي طُوَالاً فَقِيْلَ لَهُ: العُشَارِي (٤) . قُلْتُ: قَدْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ فَقِيْهاً، عَالِماً، زَاهِداً، خَيِّراً، مُكْثِراً، صحب أَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ بَطَّة، وَأَبَا عَبْدِ اللهِ بنَ حَامِدٍ، وَتَفَقَّهَ لأَحْمَدَ. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو الحُسَيْنِ ابْن الطُّيورِي، وَأَبُو عَلِيٍّ البرَادَانِي، وَشُجَاعٌ الذُّهْلِيّ، وَأَبُو الْعِزّ بن كَادش (٥) ، وَأَحْمَدُ بنُ قُرَيْش، وَأَبُو بَكْرٍ

стр. 11128

مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي القَاضِي، وَآخَرُوْنَ. وَقَدْ أُدْخِلَ فِي سَمَاعه مَا لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ. قَالَ ابْنُ الطُّيُوْرِيِّ (١) :لَمَّا قَدِمَ عَسْكَرُ طُغْرُلْبَك (٢) لقِي بَعْضُهُم ابْن العُشَارِي، فَقَالَ: يَا شَيْخ! أَيْشٍ مَعَكَ؟ قَالَ: مَا مَعِي شَيْءٌ. ثُمَّ ذَكَرَ أَن فِي جَيبه نَفَقَةً، فَنَادَاهُ، وَأَخْرَج مَا مَعَهُ، وَقَالَ: هَذَا مَعِي. فَهَابه الرَّجُلُ وَعَظَّمَهُ وَلَمْ يَأْخُذ النفقَة. قَالَ ابْنُ الطُّيُوْرِيِّ (٣) :قَالَ لِي بَعْضُ أَهْل البَادِيَة: نَحْنُ إِذَا قُحِطْنَا اسْتَسقينَا بِابْنِ العُشَارِي، فَنُسْقَى. وَقِيْلَ: إِنَّ رَجُلاً قرَأَ عَلَى العُشَارِي كِتَاب (الرُّؤيَا) لِلدَارقطنِي، فَلَمَّا وَصلَ إِلَى خَبَر أُمِّ الطُّفَيْل؛ قَالَ: وَذَكَرَ الحَدِيْثَ (٤) ، فَقَالَ لِلقَارِئ:

стр. 11129

اقرَأَ الحَدِيْثَ عَلَى وَجهه فَهُوَ مِثْلُ السَّارِيَة. تُوُفِّيَ: سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ٢٢ - ابْنُ التَّرْجُمَانِ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ العَزِّيُّ * الإِمَامُ، الصَّالِحُ، شَيْخُ الصُّوْفِيَّةِ، أَبُو الحُسَيْنِ (١) مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ (٢) بنِ عَلِيِّ بنِ التَّرْجُمَانِ العَزِّيُّ. حَدَّثَ عَنْ: أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بن أَحْمَدَ الحُنْدُرِي (٣) المُقْرِئ، وَبُكير ابْن مُحَمَّدٍ الطَّرَسُوْسِيّ، وَعَبْدِ الوَهَّابِ بن الحَسَنِ الكِلاَبِيّ، وَالحَسَنِ بن إِسْمَاعِيْلَ الضَّرَّاب (٤) ، وَأَبِي سَعدٍ المَالِيْنِيّ (٥) ، وَعَلِيِّ بن أَحْمَدَ

стр. 11130

الحُنْدُرِي (١) ، وَعِدَّة. حَدَّثَ عَنْهُ: القَاضِي أَبُو عَبْدِ اللهِ القُضَاعِي، وَمُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ بنِ عَقِيْل الكَرَجِي، وَأَحْمَدُ بنُ أَسَد، وَعبدُ البَاقِي بنُ جَامِع، وَسَهْلُ بنُ بِشْرٍ الإِسفرَايينِي، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الرَّازِيّ، وَبَالإِجَازَة أَبُو الحَسَنِ ابْنُ الموَازِينِي. وَكَانَ شَيْخَ المَشَايِخ بِمِصْرَ فِي زَمَانِهِ. عَاشَ خَمْساً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً. مَاتَ: فِي جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَقبرُه عِنْد ذِي النُّوْنِ المِصْرِيّ، رحمهُمَا الله. ٢٣ - الحَمَّالُ أَبُو الحَسَنِ رَافِعُ بنُ نَصْرٍ البَغْدَادِيُّ * العَلاَّمَةُ، المُفْتِي، الزَّاهِد، أَبُو الحَسَنِ رَافِعُ بنُ نَصْرٍ البَغْدَادِيُّ، الشَّافِعِيُّ، الحَمَّالُ. رَوَى عَنْ: أَبِي عُمَرَ بنِ مَهْدِيٍّ، وَأَخَذَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ البَاقِلاَّنِيّ، وَغَيْره. وَكَانَ يَدْرِي الأُصُوْلَ، وَلَهُ نَظْمٌ جَيِّدٌ (٢) .

стр. 11131

قَالَ: هَيَّاجُ بنُ عُبَيْد: كَانَ لرَافِع قَدمٌ (١) فِي الزُّهْد، وَإِنَّمَا تَفَقَّهَ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاقَ (٢) ، وَأَبُو يَعْلَى بنُ الفَرَّاء بِمعَاونَة رَافِع لَهُمَا، لأَنَّه كَانَ يَحْمِلُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِمَا (٣) ، وَتَفَقَّهَ بِالشَّيْخ أَبِي حَامِد. جَاور، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ، وَلَهُ قَدمٌ رَاسخ فِي التَّقْوَى. رَوَى عَنْهُ: سَهْلُ بنُ بِشْرٍ الإِسفرَايينِي، وَجَعْفَرٌ السَّرَّاج. تُوُفِّيَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة وَقَدْ شَاخَ. ٢٤ - أَبُو الفَرَجِ الدَّارِمِيُّ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّة، أَبُو الفَرَجِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ مَيْمُوْن الدَّارِمِيُّ، البَغْدَادِيُّ، الشَّافِعِيُّ، نَزِيْلُ دِمَشْقَ. سَمِعَ: أَبَا الحُسَيْنِ مُحَمَّدَ بنَ المُظفر، وَأَبَا عُمَر بن حَيّويَه، وَأَبَا الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبَا بَكْرٍ بنَ شَاذَانَ، وَجَمَاعَة. وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ مَاسِي، وَضَاع سَمَاعهُ مِنْهُ.

стр. 11132

حَدَّثَ عَنْهُ: الخَطِيْبُ، وَأَبُو عَلِيٍّ الأَهْوَازِيّ، وَالكَتَّانِي، وَأَبُو طَاهِرٍ الحِنَّائِي، وَالفَقِيْهُ نَصْر المَقْدِسِيّ، وَآخَرُوْنَ. قَالَ الخَطِيْبُ (١) :هُوَ أَحَدُ الفُقَهَاء، مَوْصُوْفٌ بِالذّكَاء، وَحُسنِ الفِقْه وَالحسَاب، وَالكَلاَمِ فِي دقَائِق المَسَائِل، وَلَهُ شِعْرٌ حسن، كَتَبْتُ عَنْهُ بِدِمَشْقَ، وَقَالَ لِي: كَتَبتُ عَنِ ابْنِ مَاسِي، وَأَبِي بَكْرٍ الوَرَّاق، وَوُلِدتُ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. سَكَنَ الرَّحْبَةَ (٢) مُدَّة، وَحَدَّثَنِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عُمَر بن حَيُّويَه يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أَبَا العَبَّاسِ بن سُرَيْج (٣) يَقُوْلُ - وَقَدْ سُئِلَ عَنِ القِرد - فَقَالَ: هُوَ طَاهِر، هُوَ طَاهِر. وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي (الطَّبَقَات (٤)) :كَانَ فَقِيْهاً حَاسباً، شَاعِراً مُتَصَرِّفاً، مَا رَأَيْتُ أَفصحَ مِنْهُ لَهْجَةً، قَالَ لِي: مرضتُ، فَعَادنِي الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، فَقُلْتُ: مَرِضْتُ فَارتَحْتُ إِلَى عَائِدٍ ... فَعَادَنِي العَالَمُ فِي وَاحِدِ ذَاكَ الإِمَامُ ابْنُ أَبِي طَاهِرٍ ... أَحْمَدُ ذُو الفَضْلِ أَبُو حَامِدِ وَرَوَى عَنْهُ مَنْ شعره: أَبُو الحُسَيْنِ ابْنُ النَّقُّوْرِ، وَالحَسَنُ بنُ أَبِي الحَدِيْد. وَلَهُ كِتَاب (الاسْتَذْكَار) فِي المَذْهَب، كَبِيْر (٥) .

стр. 11133

مَاتَ: فِي أَوّل ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ ثَمَانٍ (١) وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة وَلَهُ تِسْعُوْنَ عَاماً، وَدُفِنَ بِبَابِ الفَرَادِيْس (٢) ، وَشَيَّعَهُ خَلْقٌ عَظِيْم ﵀. ٢٥ - الفَالِيُّ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ النَّحْوِيُّ * بِفَاءٍ، الإِمَامُ، النَّحْوِيُّ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ سَلَّك (٣) الفَالِيُّ، الخُوزِسْتَانِيُّ، الشَّاعِرُ. سَمِعَ مِنْ: أَبِي عُمَرَ الهَاشِمِيّ، وَابنِ خَرْبَان النُّهَاوَنْدي، وَأَبِي الحَسَنِ بن النَّجَّار (٤) ، وَعِدَّة. وَسَكَنَ بَغْدَاد. رَوَى عَنْهُ: الخَطِيْب فِي (تَارِيْخِهِ (٥)) وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الطُّيورِي، وَطَائِفَة.

стр. 11134

وَلَهُ نَظْمٌ جَيِّد وَفضَائِل، وَقَدِ اشْتَرَى مِنْهُ الشَّرِيْفُ المرتضَى كِتَاب (الجَمْهَرَة (١)) بِسِتِّيْنَ دِيْنَاراً، فَإِذَا عَلَيْهَا لِلفَالِي (٢) : أَنِسْتُ بِهَا عِشْرِيْنَ حَوْلاً وَبِعْتُهَا ... لَقَدْ طَالَ وَجدِي بَعْدهَا وَحَنِينِي وَمَا كَانَ ظَنِّي أَنَّنِي سَأَبِيعُهَا ... وَلَوْ خَلَّدَتْنِي فِي السُّجُونِ دُيُونِي وَلَكِنْ لِضَعْفٍ وَافتِقَارٍ وَصِبْيَةٍ ... صِغَارٍ عَلَيْهِم تَسْتَهِلُّ شُؤُونِي (٣) وَقَدْ (٤) تُخْرِجُ الحَاجَاتُ يَا أُمَّ مَالِك ... كَرَائِمَ مِنْ رَبٍّ بهنَّ ضَنِيْنِ (٥) تُوُفِّيَ الفَالِي: فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَة ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ٢٦ - السَّمَّانُ أَبُو سَعْدٍ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ * الإِمَامُ الحَافِظُ، العَلاَّمَةُ البَارِعُ المُتْقِنُ، أَبُو

стр. 11135

سَعْدٍ (١) إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ. وَقِيْلَ فِي جدِّهِ: الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ زَنْجُوَيْه الرَّازِيّ (٢) ، السَّمَّان. وُلِدَ: سَنَةَ نَيِّفٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَلحق السَّمَاع مِنْ: أَبِي طَاهِر المُخَلِّص بِبَغْدَادَ، وَسَمِعَ بِالرَّيّ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ مُحَمَّدِ بنِ فَضَالَة، وَبِمَكَّةَ أَحْمَدَ بنَ إِبْرَاهِيْمَ بنِ فِرَاس، وَبِدِمَشْقَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبِي نَصْرٍ التَّمِيْمِيّ، وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن عُمَرَ ابْنِ النَّحَّاسِ بِمَكَّةَ. وَمَا أَظنُّهُ دَخَلَ مِصْرَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِر (٣) :قَدِمَ دِمَشْق طَالبَ علم، وَكَانَ مِنَ المُكْثِرِيْنَ الجوَالِين، سَمِعَ مِنْ نَحْو أَرْبَعَةِ آلاَف (٤) شَيْخ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَعَبْدُ العَزِيْزِ الكتَّانِي، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الرَّيّ مِنْهُم: ابْنُ أَخِيْهِ طَاهِرُ بنُ الحُسَيْنِ. قُلْتُ: وَرَوَى عَنْهُ: أَبُو عَلِيٍّ الحَدَّاد.
следующие страницы →