← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.

стр. 11236

قُلْتُ: كَانَ إِمَاماً ديِّناً، ثِقَة، مُتْقِناً، علاَمَة، مُتَبَحِّراً، صَاحِبَ سُنَّةٍ وَاتِّبَاع، وَكَانَ أَوَّلاً أَثرِياً ظَاهِرِياً فِيْمَا قِيْلَ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مَالِكيّاً مَعَ مَيْلٍ بَيِّنٍ إِلَى فَقه الشَّافِعِيّ فِي مَسَائِل، وَلاَ يُنكر لَهُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ بلغَ رُتْبَة الأَئِمَّة المُجْتَهِدين، وَمَنْ نَظَرَ فِي مُصَنَّفَاتِهِ، بانَ لَهُ مَنْزِلَتُهُ مِنْ سعَة العِلْم، وَقُوَّة الفَهم، وَسَيَلاَن الذّهن، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْركُ إِلاَّ رَسُوْل اللهِ ﷺ وَلَكِن إِذَا أَخْطَأَ إِمَامٌ فِي اجْتِهَادِهِ، لاَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ ننسَى مَحَاسِنهُ، وَنُغطِي معَارِفه، بَلْ نستغفرُ لَهُ، وَنَعْتَذِرُ عَنْهُ. قَالَ أَبُو القَاسِمِ بنُ بَشْكُوَال (١) :ابْنُ عبدُ البَرِّ إِمَامُ عَصْرِهِ، وَوَاحِدُ دَهْرِهِ، يُكْنَى أَبَا عُمَر. رَوَى بقُرْطُبَة عَنْ: خَلَف بن القَاسِمِ، وَعبد الوَارِث بن سُفْيَانَ، وَسَعِيْدِ بن نَصْرٍ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بن عبد المُؤْمِن، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بن أَسَد، وَجَمَاعَةٍ يَطُولُ ذكرهُم. وَكَتَبَ إِلَيْهِ مِنَ المَشْرِق السَّقَطِيّ، وَالحَافِظ عَبْدُ الغَنِيِّ، وَابْنُ سِيْبُخْت، وَأَحْمَدُ بنُ نَصْرٍ الدَّاوُوْدِيّ، وَأَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ بنُ النَّحَّاسِ. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ بنُ سُكَّرَة: سَمِعْتُ أَبَا الوَلِيْدِ البَاجِي يَقُوْلُ: لَمْ يَكُنْ بِالأَنْدَلُسِ مِثْل أَبِي عُمَرَ بنِ عَبْدِ الْبر فِي الحَدِيْثِ، وَهُوَ أَحْفَظُ أَهْلِ المَغْرِب (٢) . وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ: أَلَّف أَبُو عُمَرَ فِي (المُوَطَّأِ) كتباً مُفِيْدَة مِنْهَا: كِتَاب (التّمهيد لمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيْد) فَرتَّبَهُ عَلَى أَسْمَاء شُيُوْخ مَالِك، عَلَى حُرُوف المُعْجَم، وَهُوَ كِتَابٌ لَمْ يَتَقَدَّمه أَحَدٌ

стр. 11237

إِلَى مِثْلِهِ، وَهُوَ سَبْعُوْنَ جُزْءاً (١) . قُلْتُ: هِيَ أَجزَاء ضَخْمَة جِدّاً. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لاَ أَعْلَمُ فِي الكَلاَم عَلَى فِقه الحَدِيْث مِثْلَه فَكَيْفَ أَحْسَن مِنْهُ (٢) ؟ ثُمَّ صَنَعَ كِتَاب (الاسْتذكَار لمَذْهَب عُلَمَاء الأَمصَار فِيمَا تَضَمَّنَهُ المُوَطَّأ مِنْ معَانِي الرَّأْي وَالآثَار (٣)) شرح فِيْهِ (المُوَطَّأ) عَلَى وَجهه، وَجَمَعَ كِتَاباً جَلِيْلاً مُفِيْداً وَهُوَ (الاسْتيعَاب فِي أَسْمَاء الصَّحَابَة (٤)) ، وَلَهُ كِتَاب (جَامِع بيَان العِلْم وَفضله، وَمَا يَنْبَغِي فِي رِوَايَته وَحمله (٥)) وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ تَوَالِيفه. وَكَانَ مُوَفَّقاً فِي التَأْلِيف، مُعَاناً عَلَيْهِ، وَنَفَع الله بتوَالِيفه، وَكَانَ مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي علم الأَثر وَبَصَرِهِ بِالفِقْه وَمعَانِي الحَدِيْث لَهُ بَسْطَةٌ كَبِيْرَة فِي علم النّسَب وَالخَبَر (٦) . وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ أَبَا عُمَر وَلِيَ قَضَاءَ الأُشبونَة وَشَنْتَرِيْنَ (٧) فِي مُدَّة المُظَفَّر ابْن الأَفْطَس (٨) .

стр. 11238

وَلأَبِي عُمَرَ كِتَاب (الكَافِي فِي مَذْهَب مَالِك (١)) خَمْسَةَ عَشَرَ مُجلداً، وَكِتَاب (الاَكتفَاء فِي قِرَاءة نَافِع وَأَبِي عَمْرٍو) ، وَكِتَاب (التقصّي فِي اخْتصَار المُوَطَّأ) ، وَكِتَاب (الإِنباهُ عَنْ قبَائِل الرُّوَاة) ، وَكِتَاب (الاَنتقَاء لمذَاهب الثَّلاَثَة العُلَمَاء مَالِك وَأَبِي حَنِيْفَةَ وَالشَّافِعِيّ) ، وَكِتَاب (البيَان فِي تِلاَوَة القُرْآن) ، وَكِتَاب (الأَجوبَة الموعبَة) ، وَكِتَاب (الكنَى) ، وَكِتَاب (المَغَازِي) ، وَكِتَاب (الْقَصْد وَالأُمَم فِي نسب العَرَب وَالعجم) ، وَكِتَاب (الشوَاهد فِي إِثْبَات خَبَر الوَاحِد) ، وَكِتَاب (الإِنصَاف فِي أَسْمَاء الله) ، وَكِتَاب (الفَرَائِض) ، وَكِتَاب (أَشعَار أَبِي العتَاهية (٢)) وَعَاشَ خَمْسَةً وَتِسْعِيْنَ عَاماً. قَالَ أَبُو دَاوُدَ المُقْرِئ: مَاتَ أَبُو عُمَرَ لَيْلَة الجُمُعَة سلخ ربيع الآخر، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَاسْتكمل خَمْساً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَيَّام ﵀. قُلْتُ: كَانَ حَافظَ المَغْرِب فِي زَمَانِهِ. وَفِيْهَا مَاتَ: حَافظُ المَشْرِقِ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ (٣) ، وَمُسْنِدُ نَيْسَابُوْر أَبُو

стр. 11239

حَامِد أَحْمَدُ بنُ الحَسَنِ الأَزْهَرِيّ الشُّروطِي (١) ، عَنْ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ سَنَةً، وَشَاعِرُ الأَنْدَلُس الوَزِيْر أَبُو الوَلِيْدِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن أَحْمَدَ بنِ غَالِب بن زِيدُوْنَ المَخْزُوْمِيّ القُرْطُبِيّ (٢) ، وَرَئِيْس خُرَاسَان أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بنُ سَعِيْدٍ المَخْزُوْمِيّ المَنِيْعِيّ (٣) وَاقفُ الجَامِع المَنِيْعِيّ بِنَيْسَابُوْرَ، وَشَاعِر القَيْرَوَان أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ رَشيق الأَزْدِيّ (٤) ، وَمُسْنِدُ هَرَاة أَبُو عُمَرَ عبدُ الوَاحِد بن أَحْمَدَ المَلِيْحِي (٥) ، وَمُسْنِدُ بَغْدَاد أَبُو الغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَلِيِّ بنِ الدَّجَاجِي المُحْتَسِب (٦) ، وَمُسْنِدُ مَرْو أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي الهَيْثَمِ عبدَ الصَّمد التُّرَابِي (٧) ، وَلَهُ سِتٌّ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً، وَالمُسْنِد أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بنُ وَشَاح الزَّيْنَبِيّ مَوْلاَهم البَغْدَادِيّ. وَقِيْلَ: إِنَّ أَبَا عُمَر كَانَ يَنْبَسِط إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ بن حَزْم، وَيُؤَانسُهُ، وَعَنْهُ أَخَذَ ابْنُ حَزْمٍ فَنَّ الحَدِيْث. قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ أَبِي الفَتْحِ: كَانَ أَبُو عُمَرَ أَعْلَمَ مَنْ بِالأَنْدَلُسِ فِي السُّنَن وَالآثَار وَاخْتِلاَفِ عُلَمَاء الأَمصَار. قَالَ: وَكَانَ فِي أَوّل زَمَانه ظَاهِرِيَّ المَذْهَب مُدَّةً طَوِيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى القَوْلِ بِالقيَاس مِنْ غَيْرِ تَقليدِ أَحَد، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ كَثِيْراً مَا يَمِيْلُ إِلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ. كَذَا قَالَ. وَإِنَّمَا المَعْرُوفُ أَنَّهُ مَالِكِيّ.

стр. 11240

وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ (١) :أَبُو عُمَرَ فَقِيْهٌ حَافظ، مُكْثِر، عَالِم بِالقِرَاءات وَبَالخلاَف وَعُلُوْم الحَدِيْث وَالرِّجَال، قَدِيْمُ السَّمَاع، لَمْ يَخْرُج مِنَ الأَنْدَلُس، وَكَانَ يَمِيْلُ فِي الفِقْه إِلَى أَقْوَال الشَّافِعِيّ. قُلْتُ: وَكَانَ فِي أُصُوْل الدّيَانَة عَلَى مَذْهَب السَّلَف، لَمْ يَدْخُلْ فِي علم الكَلاَم، بَلْ قفَا آثَارَ مَشَايِخه ﵏. أَخْبَرَنَا أَبُو الحُسَيْنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ الحَافِظُ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ هِبَةِ اللهِ الخَطِيْب، أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ الرُّعَيْنِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ بنُ هُذَيل، أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ بنُ نَجَاح قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ الْبر، أَخْبَرَنَا سَعِيْدُ بنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا قَاسِمُ بنُ أَصْبَغ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ وَضاح، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ، أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بنُ الوَلِيْدِ بن عُبَادَة، عَنْ أَبِيْهِ، عَنْ جدِّه قَالَ: بَايَعنَا رَسُوْلُ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي اليُسْرِ وَالعُسْرِ، وَالمَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُوْلَ أَوْ نَقُوْمَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا، لاَ نَخَافُ فِي اللهِ لُوْمَةَ لاَئِمٍ. وَأَخْبَرَنَاهُ عَالِياً بدرجَات إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الفَضْلِ المُبَارَكُ بنُ المُبَارَكِ السِّمْسَار بِقِرَاءتِي سَنَة (٥٦١) ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ طَلْحَةَ، أَخْبَرَنَا عبدُ الوَاحِد بن مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ المَدَنِيّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، فَذَكَره. أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٢) ، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ بنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ مَالِك.

стр. 11241

كتبَ إِلَيَّ القَاضِي أَبُو الْمجد عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عُمَرَ العُقَيْلِيّ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ عَلِيِّ بنِ قُشَام الحَنَفِيّ بِحَلَب، أَخْبَرَنَا الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدٍ الأَشيرِي (١) ، أَخْبَرَنَا أَبُو الحَسَنِ بنُ مَوْهب، أَخْبَرَنَا يُوْسُفُ بنُ عَبْدِ اللهِ الحَافِظ، أَخْبَرَنَا خَلَفُ بنُ القَاسِمِ، حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ رَشيق، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ بنِ يُوْنُس، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بنُ رَجَاء، عَنِ الوَلِيْدِ بنِ جَمِيْل، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ، وَأَهْلُ السَّموَاتِ وَالأَرْض، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوْتَ فِي البَحْرِ، لَيُصَلُّوْنَ عَلَى مُعَلِّمِ الخَيْرِ) تَفَرَّد بِهِ الوَلِيْد، وَلَيْسَ بِمُعْتَمَدٍ (٢) . أَنْبَأَنَا عِدَّة، عَنْ أَمثَالهم، عَنْ أَبِي الفَتْح بن البَطِّي، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ أَبِي نَصْرٍ الحَافِظ، عَنِ ابْنِ عبدِ الْبر، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيْدٍ بنُ الأَعْرَابِيِّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ العَبْسِيّ، عَنْ وَكِيْعٍ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الوَالبِيّ قَالَ: كُنَّا نُجَالِسُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ

стр. 11242

فِيتنَاشدُوْنَ الأَشعَارَ، وَيَتَذَاكَرُوْنَ أَيَّامَ الجَاهِلِيَّةِ (١) . قَالَ ابْنُ الأَبَّار (٢) فِي (الأَرْبَعِيْنَ) لَهُ: وَفِي (التّمهيد) يَقُوْلُ مُؤَلّفُه: سَمِيْرُ فُؤَادِي مُذْ ثَلاَثُونَ حِجَّةً ... وَصَيْقَلُ ذِهْنِي وَالمُفَرِّجُ عَنْ هَمِّي بَسَطْتُ لَكُم فِيْهِ كَلاَمَ نَبِيِّكُم ... بِمَا فِي مَعَانِيهِ مِنَ الفِقْهِ وَالعِلْمِ وَفِيْهِ مِنَ الآثَارِ مَا يُقْتَدَى بِهِ ... إِلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَيَنَهَى عَنِ الظُّلْمِ ٨٦ - البَيْهَقِيُّ أَحْمَدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُوْسَى * هُوَ الحَافِظُ العَلاَّمَةُ، الثَّبْتُ، الفَقِيْهُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ

стр. 11243

بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُوْسَى الخُسْرَوْجِرديُّ (١) ، الخُرَاسَانِيُّ. وَبَيْهَق: عِدَّة قُرَى مِنْ أَعْمَالِ نَيْسَابُوْر عَلَى يَوْمَيْن مِنْهَا. وُلِدَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة فِي شَعْبَانَ. وَسَمِعَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ: أَبِي الحَسَنِ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ العَلَوِيّ؛ صَاحِبِ أَبِي حَامِدٍ بن الشَّرْقِيّ، وَهُوَ أَقدمُ شَيْخٍ عِنْدَهُ، وَفَاته السَّمَاعُ مِنْ أَبِي نُعَيْمٍ الإِسفرَايينِي؛ صَاحِبِ أَبِي عوَانَة، وَرَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَة فِي الْبيُوع. وَسَمِعَ مِنَ: الحَاكِم أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَافِظ، فَأَكْثَر جِدّاً، وَتَخَرَّج بِهِ، وَمِنْ أَبِي طَاهِر بن مَحْمِش الفَقِيْه، وَعَبْدِ اللهِ بن يُوْسُفَ الأَصْبَهَانِيّ، وَأَبِي عَلِيٍّ الرُّوْذْبارِي، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ فُوْرَك المُتَكَلِّم، وَحَمْزَة بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ المُهَلَّبِيّ، وَالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الحِيْرِيّ، وَيَحْيَى بنِ إِبْرَاهِيْمَ المُزَكِّي، وَأَبِي سَعِيْدٍ الصَّيْرَفِيّ، وَعَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السقَّا، وَظَفَرِ بن مُحَمَّدٍ العَلَوِيِّ، وَعَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ بنِ عَبْدَان، وَأَبِي سَعْدٍ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ المَالِيْنِيّ الصُّوْفِيّ، وَالحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ المُؤمّلِي، وَأَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بن الحُسَيْنِ البِسْطَامِي، وَمُحَمَّدِ بنِ يَعْقُوْبَ الفَقِيْه، بِالطابَرَان (٢) ، وَخَلْقٍ سِوَاهُم. وَمِنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مَنْصُوْر، بنَوقَان. وَأَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ الشيرَازِي، وَمُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ

стр. 11244

ابْن رَجَاء الأَدِيْب، وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الشَّاذْيَاخِيّ، وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُزَاحِم الصَّفَّار، وَأَبِي نَصْرٍ أَحْمَدَ بنِ عَلِيِّ بنِ أَحْمَدَ الفَامِي، وَإِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّدٍ الطُّوْسِيّ الفَقِيْه، وَإِبْرَاهِيْم بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُعَاوِيَةَ العَطَّار، وَإِسْحَاقَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ يُوْسُفَ السُّوسِي، وَالحَسَنِ بن مُحَمَّدِ بنِ حَبِيْبٍ الْمُفَسّر، وَسَعِيْدِ بن مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدَان، وَأَبِي الطَّيِّبِ الصُّعْلُوْكِي، وَعَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ المِهْرَجَانِي (١) ، وَعبد الرَّحْمَن بن أَبِي حَامِدٍ المُقْرِئ، وَعبدِ الرَّحْمَن ابْن مُحَمَّدِ بنِ بَالويه، وَعُبَيْدِ بن مُحَمَّدِ بنِ مَهْدِيّ، وَعَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيّ الإِسفرَايينِي، وَعَلِيِّ بن مُحَمَّدٍ السُّبْعِي، وَعَلِيِّ بن حَسَن الطَّهْمَانِي، وَمَنْصُوْرِ بنِ الحُسَيْنِ المُقْرِئ، وَمَسْعُوْدِ بنِ مُحَمَّدٍ الجُرْجَانِيّ؛ وَهَؤُلاَءِ العِشْرُوْنَ مِنْ أَصْحَابِ الأَصَمّ (٢) . وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ مِنْ: هِلاَلِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ الحَفَّار، وَعَلِيِّ بنِ يَعْقُوْبَ الإِيَادِيّ، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَان، وَطَبَقَتهم. وَبِمَكَّةَ مِنَ: الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ بنِ فِرَاس، وَغَيْره. وَبَالكُوْفَةِ مِنْ: جَنَاح بنِ نذِير القَاضِي، وَطَائِفَة. وَبُورِكَ لَهُ فِي عِلمه، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ النَّافعَةَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ (سُنَن النَّسَائِيّ) ، وَلاَ (سُنَن ابْنِ مَاجَه) ، وَلاَ (جَامِعُ أَبِي عِيْسَى) بَلَى عِنْدَهُ عَنِ الحَاكِم وِقْرُ بعيرٍ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ (سُنَن أَبِي دَاوُدَ) عَالِياً، وَتَفَقَّهَ عَلَى نَاصِر العُمَرِيّ، وَغَيْرِهِ. وَانقطع بقرِيته مُقْبِلاً عَلَى الْجمع وَالتَأْلِيف، فَعمل (السُّنَن الكَبِيْر) فِي

стр. 11245

عشر مُجَلَّدَات (١) ، لَيْسَ لأَحدٍ مِثْلُهُ، وَأَلَّفَ كِتَابَ (السُّنَن وَالآثَار) فِي أَرْبَعِ مُجَلَّدَات (٢) ، وَكِتَابَ (الأَسْمَاء وَالصِّفَات) فِي مُجَلَّدتين (٣) ، وَكِتَابَ (المُعتقد) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (البَعْث) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (التَّرغِيب وَالتَّرهيب) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (الدَّعوَات) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (الزُّهْد) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (الخلاَفِيَات) ثَلاَث مُجَلَّدَات، وَكِتَابَ (نُصُوص الشَّافِعِيّ) مُجَلَّدَان، وَكِتَابَ (دلاَئِل النُّبُوَّة) أَرْبَع مُجَلَّدَات (٤) ، وَكِتَابَ (السُّنَن الصَّغِيْر) مُجَلَّد ضَخْم، وَكِتَابَ (شُعَب الإِيْمَان) مُجَلَّدَان (٥) ، وَكِتَابَ (الْمدْخل إِلَى السُّنَن) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (الآدَاب) مُجَلَّد، وَكِتَابَ (فَضَائِل الأَوقَات) مُجيليد، وَكِتَابَ (الأَرْبَعِيْنَ الكُبْرَى) مُجيليد، وَكِتَابَ (الأَرْبَعِيْنَ الصُّغْرَى) ، وَكِتَابَ (الرُّؤْيَة) جُزْء، وَكِتَابَ (الإِسْرَاء (٦)) ، وَكِتَابَ (مَنَاقِب الشَّافِعِيّ) مُجَلَّد (٧) ، وَكِتَابَ (مَنَاقِب أَحْمَد) مُجلَّد، وَكِتَابَ (فَضَائِل

стр. 11246

الصَّحَابَة) مُجلد، وَأَشيَاءَ لاَ يَحضُرنِي ذكرهَا (١) . قَالَ الحَافِظُ عبد الغَافِر بن إِسْمَاعِيْلَ فِي (تَارِيْخِهِ) :كَانَ البَيْهَقِيّ عَلَى سيرَة العُلَمَاء، قَانِعاً بِاليَسِيْر، مُتَجَمِّلاً فِي زُهْده وَوَرَعه. (٢) وَقَالَ أَيْضاً: هُوَ أَبُو بَكْرٍ الفَقِيْهُ، الحَافِظُ الأُصُوْلِي، الدَّيِّنُ الوَرِع، وَاحِدُ زَمَانِهِ فِي الحِفْظِ، وَفَردُ أَقرَانه فِي الإِتْقَان وَالضَّبط، مِنْ كِبَارِ أَصْحَاب الحَاكِم، وَيَزِيْدُ عَلَى الحَاكِم بِأَنْوَاع مِنَ العلُوْم، كتبَ الحَدِيْثَ، وَحَفِظه مِنْ صبَاهُ، وَتَفَقَّهَ وَبَرَعَ، وَأَخَذَ فَنَّ الأُصُوْل، وَارْتَحَلَ إِلَى العِرَاقِ وَالجِبَال وَالحِجَاز، ثُمَّ صَنَّف، وَتوَالِيفُهُ تُقَارِبُ أَلفَ جُزْءٍ مِمَّا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ أَحَدٌ، جمع بَيْنَ علم الحَدِيْث وَالفِقْه، وَبيَانِ علل الحَدِيْث، وَوجهِ الْجمع بَيْنَ الأَحَادِيْث، طلبَ مِنْهُ الأَئِمَّةُ الاَنتقَالَ مَنْ بَيْهَقَ إِلَى نَيْسَابُوْرَ، لسَمَاع الكُتُب، فَأَتَى فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَعَقدُوا لَهُ المَجْلِس لسَمَاع كِتَاب (المَعْرِفَة (٣)) وَحضره الأَئِمَّة (٤) . قَالَ شَيْخُ القُضَاة أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيْلُ بنُ البَيْهَقِيّ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حِيْنَ ابْتدَأْتُ بتصنِيف هَذَا الكِتَاب - يَعْنِي: كِتَاب (المَعْرِفَة فِي السُّنَن وَالآثَار) - وَفرغتُ مِنْ تَهْذِيْب أَجزَاء مِنْهُ، سَمِعْتُ الفَقِيْه مُحَمَّد بن أَحْمَدَ (٥) - وَهُوَ مِنْ صَالِحِي أَصْحَابِي وَأَكْثَرهم تِلاَوَة وَأَصدقهم لَهْجَة - يَقُوْلُ: رَأَيْتُ الشَّافِعِيّ -

стр. 11247

رَحِمَهُ اللهُ - فِي النَّوْمِ، وَبِيَدِهِ أَجزَاءُ مِنْ هَذَا الكِتَاب وَهُوَ يَقُوْلُ: قَدْ كَتَبتُ اليَوْم مِنْ كِتَاب الفَقِيْه أَحْمَد سَبْعَة أَجزَاء - أَوْ قَالَ: قرَأْتُهَا -. وَرَآهُ يَعْتَدُّ بِذَلِكَ. قَالَ: وَفِي صبَاح ذَلِك اليَوْم رَأَى فَقِيْهٌ آخر منْ إِخْوَانِي الشَّافِعِيَّ قَاعِداً فِي الجَامِع عَلَى سرِير وَهُوَ يَقُوْلُ: قَدِ اسْتفدتُ اليَوْمَ مِنْ كِتَاب الفَقِيْهِ حَدِيْثَ كَذَا وَكَذَا (١) . وَأَخْبَرَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ الفَقِيْه أَبَا مُحَمَّدٍ الحَسَنَ بنَ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيّ الحَافِظ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ الفَقِيْه مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ العَزِيْزِ المَرْوَزِيّ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأنَّ تَابوتاً علاَ فِي السَّمَاءِ يَعلُوْهُ نورٌ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذِهِ تَصنِيفَاتُ أَحْمَد البَيْهَقِيّ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُ القُضَاة: سَمِعْتُ الحِكَايَاتِ الثَّلاَثَة مِنَ الثَّلاَثَة المَذْكُوْرِيْنَ (٢) . قُلْتُ: هَذِهِ رُؤْيَا حق، فَتصَانِيفُ البَيْهَقِيّ عَظِيْمَةُ الْقدر، غزِيْرَةُ الفَوَائِد، قلَّ مَنْ جَوَّد تَوَالِيفَهُ مِثْل الإِمَام أَبِي بَكْرٍ، فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَعتَنِي بِهَؤُلاَءِ سِيمَا (سُننَه الكَبِيْر) وَقَدْ قَدِمَ قَبْلَ مَوْته بِسَنَة أَوْ أَكْثَر إِلَى نَيْسَابُوْرَ، وَتَكَاثر عَلَيْهِ الطلبَةُ، وَسَمِعُوا مِنْهُ كُتُبهُ، وَجُلِبَتْ إِلَى العِرَاقِ وَالشَّام وَالنَّوَاحِي، وَاعْتَنَى بِهَا الحَافِظُ أَبُو القَاسِمِ الدِّمَشْقِيّ، وَسَمِعَهَا مِنْ أَصْحَابِ البَيْهَقِيّ، وَنقلَهَا إِلَى دِمَشْقَ هُوَ وَأَبُو الحَسَنِ المُرَادِيّ. وَبَلَغَنَا عَنْ إِمَام الحَرَمَيْنِ أَبِي المَعَالِي الجُوَيْنِيّ قَالَ: مَا مِنْ فَقِيْهٍ شَافعِيٍّ إِلاَّ وَللشَافعِيّ عَلَيْهِ مِنَّةٌ إِلاَّ أَبَا بَكْرٍ البَيْهَقِيّ، فَإِنَّ المِنَّةَ لَهُ عَلَى الشَّافِعِيّ لِتَصَانِيْفه فِي نُصرَة مَذْهَبِهِ (٣) .

стр. 11248

قُلْتُ: أَصَاب أَبُو المَعَالِي، هَكَذَا هُوَ، وَلَوْ شَاءَ البَيْهَقِيّ أَنْ يَعمل لِنَفْسِهِ مَذْهَباً يَجتهد فِيْهِ؛ لَكَانَ قَادِراً عَلَى ذَلِكَ، لسعَة علُوْمه، وَمَعْرِفَته بِالاخْتِلاَف، وَلِهَذَا ترَاهُ يُلوِّح بِنَصْر مَسَائِل مِمَّا صَحَّ فِيْهَا الحَدِيْثُ. وَلَمَّا سَمِعُوا مِنْهُ مَا أَحَبّوا فِي قَدَمته الأَخيرَة، مرض، وَحَضَرت المنِيَّة، فَتُوُفِّيَ: فِي عَاشر شَهْر جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَة ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ (١) وَأَرْبَعِ مائَة، فَغُسِّلَ وَكُفِّنَ، وَعُمِلَ لَهُ تَابوت، فَنُقِلَ وَدُفِنَ بِبيهق؛ وَهِيَ نَاحِيَةٌ قصبتُهَا خُسْرَوْجِرد، هِيَ مَحْتِدهُ، وَهِيَ عَلَى يَوْمَيْن مِنْ نَيْسَابُوْر، وَعَاشَ أَرْبَعاً وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. وَمِنَ الرُّوَاة عَنْهُ: شَيْخُ الإِسْلاَمِ أَبُو إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيُّ، بِالإِجَازَة، وَوَلَده إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَحْمَدَ، وَحَفِيْده أَبُو الحَسَنِ عبيدُ الله بن مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ، وَأَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ مَنْدَة الحَافِظ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ الفَضْلِ الفَرَاوِي، وَزَاهِرُ بنُ طَاهِرٍ الشَّحَّامِيّ، وَأَبُو المَعَالِي مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيّ، وَعبدُ الجَبَّار بن عَبْدِ الوَهَّابِ الدَّهَان، وَعبدُ الجَبَّار بن مُحَمَّدٍ الخُوَارِي (٢) ، وَأَخُوْهُ عبدُ الحمِيد بن مُحَمَّدٍ الخُوَارِي، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَبْدِ اللهِ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ البَحيرِي النَّيْسَابُوْرِيّ؛ المُتوفَى سَنَة أَرْبَعِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُم. وَمَاتَ مَعَهُ: أَبُو الطَّيِّبِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بنُ عُمَرَ بنِ شَمَة الأَصْبَهَانِيّ (٣) ، صَاحِبُ ابْنِ المُقْرِئ، وَإِمَام اللُّغَة أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ سيدَة (٤) ، وَشيخُ الحنَابلَة القَاضِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ الفَرَّاء البَغْدَادِيّ (٥) .

стр. 11249

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ سَمَاعاً، عَنْ زَيْنَبَ بِنْت عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيْلَ الفَارِسِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ عبدَان، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ عُبَيْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ حِجَّة، حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيْدِ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ العَلاَءِ اليَشْكُرِيّ، عَنْ صَالِحِ بنِ سَرْج (١) ، عَنْ عِمْرَانَ بنِ حِطَّانَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (يُؤْتَى بِالقَاضِي العَدْلِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الحِسَابِ مَا يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثنِيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ (٢)) . غَرِيْبٌ جِدّاً. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ هِبَةِ اللهِ، أَخْبَرَنَا زَينُ الأُمنَاء الحَسَن بن مُحَمَّدٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بن الشِّيْرَجِي، وَابْنُ غَسَّان قَالُوا: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ الحَافِظ، أَخْبَرَنَا أَبُو القَاسِمِ المُسْتَمْلِي، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوْسُفَ، أَخْبَرْنَا ابْنُ الأَعْرَابِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي أَبُو عَلِيٍّ المَدَائِنِيّ، حَدَّثَنَا فِطْرُ بنُ حَمَّاد بن وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي: سَمِعْتُ مَالِكَ بنَ دِيْنَارٍ يَقُوْلُ: يَقُوْلُوْنَ: مَالِكٌ زَاهِد! أَيُّ زُهْدٍ عِنْد مَالِك وَلَهُ جُبَّةٌ وَكِسَاء؟ إِنَّمَا الزَّاهِد عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ، أَتَتْهُ الدُّنْيَا فَاغرَةً فَاهَا، فَأَعرضَ عَنْهَا. ٨٧ - حَيْدَرَةُ بنُ الحُسَيْنِ الأَمِيْرُ المُؤَيَّدُ * نَائِبُ دِمَشْقَ لِلمُسْتَنْصِرِ، مِنْ كِبَارِ الدَّوْلَةِ.

стр. 11250

وَلِي سَنَة إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَدَام تِسْع سِنِيْنَ ثُمَّ صُرف، ثُمَّ وَلِي سَنَةَ ثَلاَثٍ وَخَمْسِيْنَ، ثُمَّ عُزل بَعْد عَامَيْن بِبَدْرٍ الجَمالِي (١) - ذَكَرَهُ ابْن عَسَاكِرَ مُخْتَصَراً - ثُمَّ فَرَّ بدرٌ مِنَ البَلَد بَعْدَ سَنَةِ، فَوليَه حَيْدَرَة (٢) بنُ منزو (٣) الكُتَامِي، عُرف بِحِصْن الدَّوْلَة، فَقَدم فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتٍّ، ثُمَّ عُزل بَعْد شَهْرَيْنِ (٤) ، وَوَلِيَ دُرِّي المُسْتنصِرِي. ٨٨ - الكَازَرُوْنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ بَيَانِ بنِ مُحَمَّدٍ * الإِمَامُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ بَيَان (٥) بنِ مُحَمَّدٍ الكَازَرُوْنِيُّ، المُقْرِئُ، فَقِيْهُ أَهْلِ آمِد. حَدَّثَ عَنْ: أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ الصَّيَّاح الْبَلَدِي، وَالقَاضِي أَبِي عُمَرَ الهَاشِمِيّ، وَابْن رَزْقُوَيْه (٦) ، وَابْن أَبِي الفوَارس (٧) . وَقَرَأَ القُرْآنَ عَلَى الحَمَّامِي (٨) ، أَوْ غَيْره.

стр. 11251

ارْتَحَلَ إِلَيْهِ الفَقِيْه نَصْر المَقْدِسِيّ، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ. وَقرَأَ عَلَيْهِ القُرْآن أَبُو عَلِيٍّ الفَارِقِيُّ الفَقِيْه. وَحَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو غَانِمٍ عَبْد الرَّزَّاقِ المَعَرِّي (١) ، وَعَبْدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ النَّحَاس، وَإِبْرَاهِيْم بن فَارِس، وَآخَرُوْنَ. وَحَدَّثَ بِدِمَشْقَ، قَدِمهَا لِلْحَجِّ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِر: حَدَّثَنِي ضَبَّةُ بنُ أَحْمَدَ أَنَّهُ لقِيه وَسَمِعَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ النَّجَّار: تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (٢) . ٨٩ - الخِضْرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ المَرْوَزِيُّ * الإِمَامُ العَلاَّمَةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الخِضْرِيُّ (٣) - مَنْسُوْبٌ إِلَى بَعْضِ أَجْدَادِهِ - المَرْوَزِيُّ، الشَّافِعِيُّ؛ صَاحِبُ القَفَّالِ المَرْوَزِيُّ (٤) .

стр. 11252

كَانَ مِنْ أَسَاطين المَذْهَب، يُضْرَبُ بذكَائِهِ وَقُوَة حَفِظه المَثَلُ، وَإِذَا حَفِظ شَيْئاً لاَ يَكَاد يَنسَاهُ، وَهُوَ صَاحِبُ وَجهٍ فِي المَذْهَب، لَهُ وُجُوهٌ غرِيبَة نَقلهَا الخُرَاسَانِيون، وَقَدْ نَقَلَ أَنَّ الشَّافِعِيّ صَحَّحَ دلاَلَة الصَّبيّ عَلَى القِبْلَة (١) . وَكَانَ مُوَثَّقاً فِي نَقلِهِ، وَلَهُ خِبْرَةٌ بِالحَدِيْثِ. عَاشَ نَيِّفاً وَسَبْعِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ حَيّاً فِي حُدُوْدِ الخَمْسِيْنَ إِلَى السِّتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (٢) . ٩٠ - ابْنُ أَبِي الطَّيِّبِ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ النَّيْسَابُوْرِيُّ * الإِمَامُ العَلاَّمَةُ، المُفَسِّر الأَوْحَدُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبِي الطَّيْبِ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ النَّيْسَابُوْرِيُّ. لَهُ تَفْسِيْرٌ فِي ثَلاَثِيْنَ مجلداً، وَآخر فِي عَشْرَة، وَضَعهُ فِي ثَلاَث مُجَلَّدَات. وَكَانَ يُمْلِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِهِ، وَمَا خَلَّفَ مِنَ الكُتُب سِوَى أَرْبَعِ مُجَلَّدَات، إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ آيَةً فِي الحِفْظِ، مَعَ الوَرَع وَالعِبَادَة وَالتَّأَلُّه. قِيْلَ: إِنَّهُ حُمِلَ إِلَى السُّلْطَانِ مَحْمُوْدِ بنِ سُبُكْتِكِين ليسمع وَعْظَهُ، فَلَمَّا

стр. 11253

دَخَلَ جلسَ بِلاَ إِذن، وَأَخَذَ فِي رِوَايَة حَدِيْثٍ بِلاَ أَمر، فَتَنَمَّرَ لَهُ السُّلْطَانُ، وَأَمر غُلاَماً، فَلَكَمَهُ لَكْمَةً أَطْرَشَتْهُ، فَعَرَّفَهُ بَعْضُ الحَاضِرِيْنَ منزلَتَهُ فِي الدِّينِ وَالعِلْمِ، فَاعْتذر إِلَيْهِ، وَأَمَرَ لَهُ بِمَال، فَامْتَنَعَ، فَقَالَ: يَا شَيْخُ: إِنَّ لِلمُلْكِ صَولَةً، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى السِّيَاسَة، وَرَأَيْتُ أَنَّكَ تَعَدَّيْتَ الوَاجِبَ، فَاجعلْنِي فِي حِلٍّ. قَالَ: اللهُ بَيْنَنَا بِالمِرصَاد، وَإِنَّمَا أَحَضَرتَنِي لِلوعظ، وَسَمَاعِ أَحَادِيْث الرَّسُول ﷺ وَللخشوع لاَ لإِقَامَة قوَانِيْنَ الرِّئَاسَة. فَخَجِلَ المَلِكُ وَاعْتَنَقَهُ (١) . ذكره يَاقُوْت فِي (تَارِيخ الأُدبَاء) وَقَالَ (٢) :تُوُفِّيَ فِي شَوَّال سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة بِسَانْزُوَار (٣) . قُلْتُ: رُتْبَةُ مَحْمُوْدٍ رفِيعَةٌ فِي الجِهَادِ وَفتحِ الهِنْد وَأَشيَاء مليحَة، وَلَهُ هَنَاتٌ، هَذِهِ مِنْهَا، وَقَدْ نَدِمَ وَاعْتَذَرَ، فَنَعُوذ بِاللهِ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ جَبَّار. وَقَدْ رَأَينَا الجَبَّارِيْنَ المُتَمَرِّدين الَّذِيْنَ أَمَاتُوا الجِهَاد، وَطَغُوا فِي البِلاَد، فَوَاحسرَةً عَلَى العِبَاد. ٩١ - اللَّوْزَنْكِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ سَعِيْدٍ الأَنْدَلُسِيُّ * مُفْتِي طُلَيْطُلَةَ، الإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ سَعِيْدٍ الأَنْدَلُسِيُّ، اللَّوْزَنْكِيُّ المَالِكِيُّ. امْتَحَنَهُ ملك طُليطلَة المَأْمُوْن (٤) ، هُوَ وَابْنَ مُغِيْث، وَابْنَ أَسَد،

стр. 11254

وَجَمَاعَة، اتَّهمهم عَلَى سُلْطَانه، فَأَحضرهم مَعَ قَاضِيهم أَبِي زَيْدٍ (١) القُرْطُبِيّ، وَقَيَّدهُم، فَهَاجتِ العَامَّةُ، وَنفرُوا إِلَى السِّلاَح، فَقُتِلَ طَائِفَة، فَكفوا، وَاسْتبيحت دورُ المَذْكُوْرِيْنَ فِي سَنَةِ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة وَسُجِنُوا، وَسُجِنَ الوَزِيْر ابْن غُصن الأَدِيْب (٢) ، فَصَنّف كِتَاب (المُمْتَحَنِيْنَ) مِنْ لَدُنْ آدَم ﵇ إِلَى زَمَانه؛ اتُّهم بِالنمِّ عَلَى المَذْكُوْرين ابْنُ الْحَدِيدِي كَبِيْرُ طُلَيْطُلَةَ، ثُمَّ مَاتَ المَأْمُوْنُ، وَقَامَ بَعْدَهُ حَفِيْدُه القَادِر (٣) ، وَالعَقْدُ وَالحِلُّ بِالبَلَد لابْنِ الْحَدِيدِي (٤) ، فَخُوطِبَ فِيْهِ القَادِرُ، فَأَخْرَجَ أَضدَادَه مِنَ السجْن، فَقتلُوا ابْن الْحَدِيدِي (٥) ، وَطِيْفَ بِرَأْسِهِ، وَأَضر ابْنُ اللَّوْزَنْكِي فِي الحَبْسِ (٦) .

стр. 11255

٩٢ - ثَابِتُ بنُ أَسْلَمَ أَبُو الحَسَنِ الحَلَبِيُّ * العَلاَّمَةُ أَبُو الحَسَنِ الحَلَبِيُّ، فَقِيْهُ الشِّيْعَةِ، وَنَحْوِيُّ حَلَبَ، وَمِنْ كِبَارِ تَلاَمِذَةِ الشَّيْخِ أَبِي الصَّلاَحِ. تصدَّر لِلإِفَادَة، وَلَهُ مصَنّف فِي كشف عُوَار الإِسْمَاعِيليَّة وَبَدْءِ دعوتِهم، وَأَنَّهَا عَلَى المخَارِيق، فَأَخَذَهُ دَاعِي القَوْم، وَحُمِلَ إِلَى مِصْرَ، فَصَلَبَهُ المُسْتنصر (١) ، فَلاَ رَضِيَ اللهُ عَمَّنْ قَتله، وَأُحرقت لِذَلِكَ خِزَانَةُ الكُتُب بِحَلَب، وَكَانَ فِيْهَا عَشْرَةُ آلاَف مجلدَة، فَرَحِمَ الله هَذَا المُبْتَدِع الَّذِي ذَبَّ عَنِ المِلَّة، وَالأَمْرُ للهِ. ٩٣ - الحَمَّادِيُّ أَبُو عَلِيٍّ حَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مَكِّيٍّ ** شَيْخُ الحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، العَلاَّمَةُ أَبُو عَلِيٍّ حَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ مَكِّيِّ بنِ إِسْرَافِيْلَ بنِ حَمَّادٍ الحَمَّادِيُّ النَّسَفِيُّ أَحَدُ الأَعْلاَمِ. كَانَ حَنَفِيّاً، ثُمَّ تَحَوَّل شَافعياً. سَمِعَ مِنْ: أَبِي نُعَيْمٍ عَبْد الْملك الإِسفرَايينِي، وَإِسْمَاعِيْل بن حَاجِب الكُشَانِي. وَعُمِّرَ دَهْراً. حَدَّثَ عَنْهُ: حُسَيْن بن الخَلِيْلِ، شَيْخ أَبِي سَعْدٍ السَّمْعَانِيّ.

стр. 11256

تُوُفِّيَ: سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ٩٤ - الحَلْوَائِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ أَحْمَدَ بنِ نَصْرٍ * الشَّيْخُ، العَلاَّمَةُ، رَئِيْسُ الحَنَفِيَّةِ، شَمْسُ الأَئِمَّةِ الأَكْبَرُ، أَبُو مُحَمَّدٍ (١) عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ أَحْمَدَ بنِ نَصْرِ بنِ صَالِحٍ البُخَارِيُّ، الحَلْوَائِي - بِفَتح الحَاء وَبَالمَدِّ (٢) - إِمَامُ أَهْلِ الرَّأْي بِتِلْكَ الدِّيَار. تَفقَّه بِالقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ الحُسَيْن بن الخَضِر النسفِي. وَحَدَّثَ عَنْ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ حُسَيْن الكَاتِب، وَأَبِي سَهْلٍ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَكِّيّ الأَنْمَاطِيّ، وَمُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ غُنْجَار الحَافِظ، وَصَالِحِ بن مُحَمَّدٍ، وَجَمَاعَة. وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ، وَتَخَرَّجَ بِهِ الأَعْلاَم. أَخَذَ عَنْهُ: شَمْسُ الأَئِمَّة مُحَمَّدُ بنُ أَبِي سَهْل السَّرْخَسِيّ، وَفخرُ الإِسْلاَم عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحُسَيْنِ البَزْدَوي، وَأَخُوْهُ صدرُ الإِسْلاَم أَبُو الْيَسْر مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ، وَالقَاضِي جَمَالُ الدِّيْنِ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشَمْسُ الأَئِمَّة أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ الزَّرَنْجَرِي (٣) ، وَآخَرُوْنَ سمَّاهم أَبُو

стр. 11257

العَلاَء الفرضِي. ثُمَّ قَالَ: وَمَاتَ بِبُخَارَى فِي شَعْبَانَ سَنَة سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَدُفِنَ بِمَقْبَرَة الصُدُوْر. وَأَمَّا السَّمْعَانِيّ فَقَالَ فِي (الأَنسَاب (١)) :تُوُفِّيَ بِكسّ، وَحُمِلَ إِلَى بُخَارَى سَنَة ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ. وَقَالَ عَبْدُ العَزِيْزِ النَّخْشَبِيّ فِي (مُعجمه) :هُوَ شَيْخٌ عَالِم بِأَنْوَاع العُلُوْم، مُعْظِّمٌ لِلْحَدِيْثِ، غَيْرَ أَنَّهُ مُتسَاهل فِي الرِّوَايَة. تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (٢) . وَفِيْهَا (٣) مَاتَ: عَلِيّ بن حُمَيْدٍ الذُّهْلِيّ (٤) ؛خطيب هَمَذَان وَشيخُهَا، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ القَزْوِيْنِيّ؛ مُقْرِئ مِصْر، وَشيخ المَالِكِيَّة أَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عُمْروس البَغْدَادِيّ (٥) . ٩٥ - ابْنُ سِرَاجٍ سِرَاجُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ الأُمَوِيُّ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، قَاضِي الجَمَاعَةِ، أَبُو القَاسِمِ سِرَاجُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ (٦) بنِ سِرَاجٍ الأُمَوِيُّ مَوْلاَهُم (٧) ، الأَنْدَلُسِيُّ، القُرْطُبِيُّ، المَالِكِيُّ؛ قَاضِي قُرْطُبَةَ.

стр. 11258

سَمِعَ: (صَحِيْح البُخَارِيّ) مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الأَصيلِي، بِفَوْتٍ يَسير، وَسَمِعَ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ بَرْطَال، وَأَبِي مُحَمَّدٍ بن مَسْلَمَةَ، وَأَبِي المَطَرف عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن فُطَيْس. وَوَلِيَ القَضَاءَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَحُمدَ إِلَى الغَايَة، وَلاَ حُفِظَتْ عَلَيْهِ سَقْطَة. كَانَ فَقِيْهاً صَالِحاً، خَيِّراً حليماً، عَلَى مِنْهَاج السَّلَف، حمل عَنْهُ جَمَاعَة جِلَّةٌ، وَعَاشَ سِتّاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً (١) . مَاتَ: فِي شَوَّال سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَهُوَ وَالِدُ عَبْد الْملك بنِ سِرَاج، إِمَام اللُّغَة (٢) . ٩٦ - القَبْرِيُّ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَوْهَبٍ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، أَبُو شَاكِرٍ عَبْدُ الوَاحِدِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَوْهَبٍ التُّجِيْبِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، القَبْرِي - نِسْبَة إِلَى مَدِيْنَة قَبْرَة (٣) - المَالِكِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَتَفَرَّد فِي وَقتِهِ بِالإِجَازَة مِنَ الفَقِيْه أَبِي مُحَمَّدٍ بن أَبِي زَيْدٍ (٤) .

стр. 11259

وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ الأَصِيلِي، وَأَبِي حَفْصٍ بن نَابِلٍ، وَأَبِي عُمَرَ ابْن أَبِي الحُبَابِ، وَطَائِفَة. وَلَهُ أَيْضاً إِجَازَة مِنْ أَبِي الحَسَنِ القَابِسِي (١) ، وَوَلِيَ القَضَاءَ وَالخطَابَة بِبَلَنْسِية. ذكره الحُمَيْدِيّ (٢) ، فَقَالَ فِيْهِ: مُحَدِّثٌ أَديب، خطيبٌ شَاعِر. تُوُفِّيَ: فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (٣) . قُلْتُ: أَخَذَ عَنْهُ أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ، وَغَيْرهُ. وَهُوَ خَالُ أَبِي الوَلِيْد البَاجِي، وَكَانَ وَالِدُهُ قَدْ رَحل، وَتَفَقَّهَ عَلَى ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، وَالقَابِسِي، فَاسْتجَازَ مِنْهُمَا لوَلَده، وَسَكَنَ أَبُو شَاكِر شَاطِبَةَ مُدَّة. وَلَهُ شِعرٌ رَائِق (٤) . ٩٧ - العَبَّادِيُّ أَبُو عَاصِمٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ * الإِمَامُ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّة، القَاضِي، أَبُو عَاصِمٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عبَّادٍ العَبَّادِيُّ، الهَرَوِيُّ، الشَّافِعِيُّ. حَدَّثَ عَنْ: أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ سَهْل القَرَّاب، وَغَيْرِهِ.

стр. 11260

وَتَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي أَبِي مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ الأَزْدِيّ بهَرَاة، وَعَلَى أَبِي عُمَرَ البِسْطَامِي بِنَيْسَابُوْرَ. تَفقَّه بِهِ القَاضِي أَبُو سَعْدٍ الهَرَوِيّ، وَغَيْرهُ. وَحَدَّثَ عَنْهُ: إِسْمَاعِيْلُ بنُ أَبِي صَالِحٍ المُؤَذِّن. وَكَانَ إِمَاماً مُحَقِّقاً مُدَقِّقاً، صَنَّفَ كِتَاب (المبسَوْط) ، وَكِتَاب (الهَادِي) ، وَكِتَاب (أَدب القَاضِي) ، وَكِتَاب (طَبَقَات الفُقَهَاء (١)) وَغَيْر ذَلِكَ (٢) . وَتَنَقَّلَ فِي النَّوَاحِي وَاشْتُهِرَ اسْمُهُ. عَاشَ ثَلاَثاً وَثَمَانِيْنَ سَنَةً. وَتُوُفِّيَ: فِي شَوَّال سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَفِيْهَا تُوُفِّيَ: الإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ (٣) ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، وَقَاضِي سَارِيَة أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّدٍ السَّرَوِي الشَّافِعِيّ (٤) ، وَالمُعَمَّر أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ غَالِبٍ بن المُبَارَكِ المُقْرِئ بِبَغْدَادَ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ بنُ شَمَة الأَصْبَهَانِيّ (٥) ، وَصَاحِب (المُحْكَم) أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيْلَ المُرسِي اللُّغَوِيّ الضّرِير (٦) ، وَالعَارِف الزَّنجَانِي فَرَج الزَّاهِد، المُلَقَّب بِأَخِي فَرج، وَشيخُ الحنَابلَة القَاضِي أَبُو يَعْلَى بن الفَرَّاء (٧) .

стр. 11261

٩٨ - البَاطَرْقَانِيُّ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ الفَضْلِ بنِ مُحَمَّدٍ * الإِمَامُ الكَبِيْرُ، شَيْخُ القُرَّاءِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ الفَضْلِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرٍ الأَصْبَهَانِيُّ، البَاطَرْقَانِيُّ. حمل الكَثِيْر عَنْ: أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ مَنْدَة، وَإِبْرَاهِيْم بنِ خُرَّشيذ قُوْله (١) ، وَأَبِي مُسْلِم بن شَهْدَل، وَأَحْمَدَ بنِ يُوْسُفَ الثَّقَفِيّ، وَأَبِي جَعْفَرٍ الأَبْهَرِيّ، وَعَبْدِ اللهِ بن جَعْفَرٍ، وَالحَسَن بن يَوَه، وَعِدَّة. وَتَلاَ بِالروَايَات عَلَى الكِبَار، وَصَنَّفَ كِتَاب (طَبَقَات القُرَّاءِ) ، وَكِتَاب (الشَّوَاذ) . حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو عَلِيٍّ الحَدَّاد، وَتَلاَ عَلَيْهِ بِالروَايَات، وَسَعِيْدُ بنُ أَبِي الرَّجَاءِ، وَالحُسَيْنُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الأَدِيْب، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الوَاحِدِ الدَّقَّاق، وَأَحْمَدُ بنُ الفَضْلِ المَهَّاد، وَشَبِيْب بن مُحَمَّدِ بنِ جُوره (٢) ، وَعَبْدُ السَّلاَمِ بن مُحَمَّدٍ الحَسَنَابَاذِي (٣) ، وَآخَرُوْنَ. وَحَدَّثَ عَنْهُ مِنَ القُدَمَاءِ الحَافِظَان: عَبْدُ العَزِيْزِ النَّخْشَبِيّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الوَخْشِي.

стр. 11262

وَتَلاَ عَلَيْهِ: أَبُو القَاسِمِ الهُذَلِيّ. وَأَمَّ بِجَامِع أَصْبَهَان بَعْد أَبِي المُظَفَّر بن شَبِيْب (١) . قَالَ يَحْيَى بنُ مَندَة: هُوَ كَثِيْرُ السَّمَاع، وَاسِعُ الرِّوَايَة، دقيقُ الْخط، قرَأَ عَلَى جَمَاعَة. وَقَالَ لِي: إِنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَذكره عمِي يَوْماً وَالحَافِظُ عَبْدُ العَزِيْزِ النَّخْشَبِيّ - وَجَمَاعَة حَاضِرُوْنَ - فَقَالَ عَبْدُ العَزِيْزِ: صَنَّف (مُسْنَداً) مُخَرَّجاً عَلَى (صَحِيْح البُخَارِيّ) إِلاَّ أَنَّهُ كتبَ أَكْثَرَه مِنَ الأَصْل، ثُمَّ أَلحقه الإِسْنَادَ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ شَرط أَصْحَاب الحَدِيْث. ثُمَّ قَالَ يَحْيَى: وَتَكَلَّم فِي مَسَائِلَ لَا يَسع المَوْضِع ذكرهَا، لَوِ اقْتصر عَلَى التَّحَدِيْث وَالإِقْرَاء كَانَ خَيراً لَهُ (٢) . وَقَالَ الدَّقَّاق: لَمْ أَرَ بِأَصْبَهَانَ شَيْخاً جمع بَيْنَ علم القُرْآن وَالقِرَاءات وَالحَدِيْث وَالروَايَات، وَكَثْرَة الكِتَابَة وَالسَمَاعَات أَفْضَلَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ البَاطَرْقَانيّ، وَكَانَ حَسَنَ الْخلق وَالهيئَة وَالقِرَاءة وَالِدِّرَايَة، ثِقَةً فِي الحَدِيْثِ (٣) . قَالَ ابْنُ مَنْدَة: تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (٤) .

стр. 11263

٩٩ - ابْنُ حَزْمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدٍ القُرْطُبِيُّ * الإِمَامُ (١) الأَوْحَدُ، البَحْرُ، ذُو الفُنُوْنِ وَالمعَارِفِ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ بنِ سَعِيْدِ بنِ حَزْمِ بنِ غَالِبِ بنِ صَالِحِ بنِ خَلَفِ بنِ مَعْدَانَ (٢) بنِ سُفْيَانَ بنِ يَزِيْدَ الفَارِسِيُّ الأَصْلِ، ثُمَّ الأَنْدَلُسِيُّ القُرْطُبِيُّ اليَزِيْدِيُّ مَوْلَى الأَمِيْر يَزِيْدَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ الأُمَوِيِّ ﵁ المَعْرُوف بيَزِيْد الخَيْر، نَائِب أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ أَبِي حَفْصٍ عُمَر عَلَى دِمَشْقَ، الفَقِيْهُ الحَافِظُ، المُتَكَلِّمُ، الأَدِيْبُ، الوَزِيْرُ، الظَّاهِرِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، فَكَانَ جَدُّهُ يَزِيْد

стр. 11264

مَوْلَى لِلأَمِيْر يَزِيْد أَخِي مُعَاوِيَة. وَكَانَ جَدُّهُ خَلَفُ بنُ مَعْدَانَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ الأَنْدَلُس فِي صحَابَة (١) ملك الأَنْدَلُس عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن مُعَاوِيَةَ بنِ هِشَامٍ؛ المَعْرُوف بِالدَّاخل. وَلد: أَبُو مُحَمَّدٍ بقُرْطُبَة فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَسَمِعَ فِي سَنَةِ أَرْبَع مائَة وَبعدهَا مِنْ طَائِفَة مِنْهُم: يَحْيَى بن مَسْعُوْدِ بنِ وَجه الجَنَّة؛ صَاحِبِ قَاسِم بن أَصْبَغ، فَهُوَ أَعْلَى شَيْخ عِنْدَهُ، وَمِنْ أَبِي عُمَرَ أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ (٢) الجَسور، وَيُوْنُس بن عَبْدِ اللهِ بنِ مُغِيْث القَاضِي، وَحُمَامِ (٣) بن أَحْمَدَ القَاضِي، وَمُحَمَّدِ بن سَعِيْدِ بنِ نبَات، وَعَبْدِ اللهِ بن رَبِيْع التَّمِيْمِيّ، وَعبد الرَّحْمَن بن عَبْدِ اللهِ بنِ خَالِدٍ، وَعَبْدِ اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ، وَأَبِي عُمَرَ أَحْمَد بن مُحَمَّدٍ الطَّلَمَنْكِي، وَعَبْدِ اللهِ بن يُوْسُفَ بنِ نَامِي، وَأَحْمَد (٤) بن قَاسِم بن مُحَمَّدِ بنِ قَاسِم بن أَصْبَغ. وَيَنْزِلُ إِلَى أَنْ يَرْوِي عَنْ: أَبِي عُمَرَ بن عبدِ البرِّ، وَأَحْمَدَ بنِ عُمَرَ بنِ أَنَس العُذْرِيّ. وَأَجْوَد مَا عِنْدَهُ مِنَ الكُتُب (سُنَن النَّسَائِيّ) يَحمله (٥) عَنِ ابْنِ رَبيع، عَنِ ابْنِ الأَحْمَر، عَنْهُ. وَأَنْزَل مَا عِنْدَهُ (صَحِيْحُ مُسْلِم) ، بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ خَمْسَةُ رِجَال، وَأَعْلَى مَا رَأَيْتُ لَهُ حَدِيْثٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَكِيْع فِي ثَلاَثَةُ أَنْفُس. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُهُ أَبُو رَافِعٍ الفَضْل، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيُّ، وَوَالِد (٦)

стр. 11265

القَاضِي أَبِي بَكْرٍ بنِ العَرَبِي، وَطَائِفَة. وَآخر مَنْ رَوَى عَنْهُ مَرْوِيَّاتِهِ بِالإِجَازَة أَبُو الحَسَنِ شُرَيْح (١) بن مُحَمَّد. نشَأَ فِي تَنَعُّمٍ وَرفَاهيَّة، وَرُزِقَ ذكَاء مُفرطاً، وَذِهْناً سَيَّالاً، وَكُتُباً نَفِيْسَةً كَثِيْرَةً، وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ كُبَرَاء أَهْل قُرْطُبَة؛ عَمل الوزَارَةَ فِي الدَّوْلَة العَامِرِيَّة، وَكَذَلِكَ وَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي شَبِيْبته، وَكَانَ (٢) قَدْ مَهر أَوَّلاً فِي الأَدب وَالأَخْبَار وَالشّعر، وَفِي الْمنطق وَأَجزَاءِ الفلسفَة، فَأَثَّرت فِيْهِ (٣) تَأْثيراً لَيْتَهُ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَقَدْ وَقفتُ لَهُ عَلَى تَأَلِيف يَحضُّ فِيْهِ عَلَى الاعتنَاء بِالمنطق، وَيُقَدِّمه (٤) عَلَى العلُوْم، فَتَأَلَّمت لَهُ، فَإِنَّهُ رَأْسٌ فِي علُوْم الإِسْلاَم، مُتَبَحِّر فِي النَّقْل، عَديمُ النّظير عَلَى يُبْسٍ فِيْهِ، وَفَرْطِ ظَاهِرِيَّة فِي الْفُرُوع لاَ الأُصُوْل. قِيْلَ: إِنَّهُ تَفَقَّهَ أَوَّلاً لِلشَافعِيّ، ثُمَّ أَدَّاهُ اجْتِهَاده إِلَى القَوْل بنفِي القيَاس كُلّه جَلِيِّه وَخَفِيِّه، وَالأَخْذ بِظَاهِرِ النَّصّ وَعمومِ الكِتَاب وَالحَدِيْث، وَالقَوْلِ بِالبَرَاءة الأَصْليَّة، وَاسْتصحَاب الحَال، وَصَنَّفَ فِي ذَلِكَ كتباً كَثِيْرَة، وَنَاظر عَلَيْهِ، وَبسط لِسَانَه وَقلمَه، وَلَمْ يَتَأَدَّب مَعَ الأَئِمَّة فِي الخَطَّاب، بَلْ فَجَّج (٥) العبَارَة، وَسبَّ وَجَدَّع (٦) ، فَكَانَ جزَاؤُه مِنْ جِنس فِعله، بِحَيْثُ إِنَّهُ أَعْرَضَ

стр. 11266

عَنْ تَصَانِيْفه جَمَاعَةٌ مِنَ الأَئِمَّةِ، وَهَجَرُوهَا، وَنفرُوا مِنْهَا، وَأُحرقت فِي وَقت، وَاعْتَنَى بِهَا آخرُوْنَ مِنَ العُلَمَاءِ، وَفَتَّشوهَا انتقَاداً وَاسْتفَادَة، وَأَخذاً وَمُؤَاخذَة، وَرَأَوا فِيْهَا الدُّرَّ الثّمِينَ ممزوجاً فِي الرَّصْفِ بِالخَرَزِ المَهين، فَتَارَةٌ يَطربُوْنَ، وَمرَّةً يُعجبُوْنَ، وَمِنْ تَفَرُّدِهِ يهزؤُون. وَفِي الجُمْلَةِ فَالكَمَالُ عزِيز، وَكُلُّ أَحَد يُؤْخَذ مِنْ قَوْله وَيُتْرَك، إِلاَّ رَسُوْل اللهِ ﷺ . وَكَانَ يَنهض بعلُوْمٍ جَمَّة، وَيُجيد النَّقل، وَيُحْسِنُ النّظم وَالنثر. وَفِيْهِ دِينٌ وَخير، وَمقَاصدُهُ جمِيْلَة، وَمُصَنّفَاتُهُ مُفِيدَة، وَقَدْ زهد فِي الرِّئَاسَة، وَلَزِمَ مَنْزِله مُكِبّاً عَلَى العِلْم، فَلاَ نغلو فِيْهِ، وَلاَ نَجْفو عَنْهُ، وَقَدْ أَثْنَى عَلَيْهِ قَبْلنَا الكِبَارُ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ الغزَالِي (١) :وَجَدْتُ فِي أَسْمَاء الله تَعَالَى كِتَاباً أَلفه أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيّ يَدلُّ عَلَى عِظَمِ حَفِظه وَسَيَلاَن ذِهنه. وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو القَاسِمِ صَاعِدُ بنُ أَحْمَدَ: كَانَ ابْنُ حَزْمٍ أَجْمَعَ أَهْل الأَنْدَلُس قَاطبَة لعلُوْم الإِسْلاَم، وَأَوسعَهم مَعْرِفَة مَعَ تَوسعه فِي عِلم اللِّسَان، وَوُفور حَظِّه مِنَ البلاغَة وَالشّعر، وَالمَعْرِفَة بِالسير وَالأَخْبَار؛ أَخْبَرَنِي ابْنُه الفَضْل أَنَّهُ اجْتَمَع عِنْدَهُ بِخَط أَبِيْهِ أَبِي مُحَمَّدٍ مِنْ تَوَالِيفه أَرْبَعُ مائَةِ مُجَلد تَشتمِل عَلَى قَرِيْب مِنْ ثَمَانِيْنَ أَلفِ وَرقَة (٢) . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيّ (٣) :كَانَ ابْنُ حَزْمٍ حَافِظاً لِلْحَدِيْثِ وَفقهه،

стр. 11267

مُسْتنبطاً لِلأَحكَام مِنَ الكِتَاب وَالسُّنَّة، مُتَفَنِّناً فِي عُلُوْمٍ جَمَّة، عَامِلاً بِعِلْمه، مَا رَأَينَا مِثْلَه فِيمَا اجْتَمَع لَهُ مِنَ الذّكَاء، وَسُرعَةِ الحِفْظ، وَكَرَمِ النَفْس وَالتَّدين، وَكَانَ لَهُ فِي الأَدب وَالشّعر نَفَس وَاسِع، وَبَاعٌ طَوِيْل، وَمَا رَأَيْتُ مَنْ يَقُوْلُ الشِّعر عَلَى البَديهِ أَسرعَ مِنْهُ، وَشِعره كَثِيْر جَمَعتُه عَلَى حُرُوف المُعْجَم. وَقَالَ أَبُو القَاسِمِ صَاعِد: كَانَ أَبُوْهُ أَبُو عُمَرَ مِنْ وَزرَاء المَنْصُوْر مُحَمَّد بن أَبِي عَامِرٍ، مُدبِّر دَوْلَة المُؤَيَّد بِاللهِ بن المُسْتنصر المَرْوَانِي، ثُمَّ وَزَرَ لِلمظفر، وَوَزَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ لِلمُسْتظهر عَبْدِ الرَّحْمَنِ بن هِشَامٍ، ثُمَّ نَبذ هَذِهِ الطّرِيقَة، وَأَقْبَلَ عَلَى العلُوْم الشرعيَّة، وَعُنِي بِعِلْم الْمنطق وَبَرَعَ فِيْهِ، ثُمَّ أَعرض عَنْهُ. قُلْتُ: مَا أَعرض عَنْهُ حَتَّى زرع فِي بَاطِنه أُمُوْراً وَانحرَافاً عَنِ السّنَة. قَالَ: وَأَقْبَلَ عَلَى علُوْم الإِسْلاَم حَتَّى نَال مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنَلْهُ أَحَد بِالأَنْدَلُسِ قَبْلَهُ (١) . وَقَدْ حَطَّ أَبُو بَكْرٍ بنُ العَرَبِي عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ فِي كِتَابِ (القوَاصم وَالعوَاصم (٢)) وَعَلَى الظَّاهِرِيَّة، فَقَالَ: هِيَ أمة سخيفَة، تَسَوَّرتْ عَلَى مرتبَة لَيْسَتْ لَهَا، وَتَكلمت بكَلاَمٍ لَمْ نَفْهمه (٣) ، تَلَقَّوهُ (٤) مِنْ إِخْوَانهم الخَوَارِج حِيْنَ حكَّم عليّ ﵁ يَوْمَ صفِّين، فَقَالَتْ: لاَ حُكْمَ إِلاَّ للهِ. وَكَانَ أَوّلَ

стр. 11268

بدعَة لقيتُ فِي رحلتِي القَوْلُ بِالبَاطِن، فَلَمَّا عُدتُ وَجَدْت القَوْل بِالظَّاهِر قَدْ ملأَ بِهِ المَغْرِبَ سخيفٌ كَانَ مِنْ بَادِيَة إِشْبِيلِية يُعْرَفُ بِابْنِ حَزْم، نشَأَ وَتعلَّق بِمَذْهَب الشَّافِعِيّ، ثُمَّ انْتسب إِلَى دَاوُد، ثُمَّ خلع الكُلَّ، وَاسْتقلَّ بِنَفْسِهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ إِمَام الأُمَّة يَضع وَيَرفع، وَيْحَكم وَيَشرع، يَنْسِبُ إِلَى دين الله مَا لَيْسَ فِيْهِ، وَيَقُوْلُ عَنِ العُلَمَاء مَا لَمْ يَقولُوا تَنفِيراً لِلقُلُوْب مِنْهُم، وَخَرَجَ عَنْ طَرِيْق المُشبِّهَة فِي ذَات الله وَصِفَاته، فَجَاءَ فِيْهِ بطوَامَّ، وَاتَّفَقَ كَوْنُهُ بَيْنَ (١) قَوْم لاَ بَصَرَ لَهم إِلاَّ بِالمَسَائِل، فَإِذَا طَالبهم بِالدليل كَاعُوا (٢) ، فَيَتَضَاحكُ مَعَ أَصْحَابه مِنْهُم، وَعَضَدَتْهُ الرِّئَاسَةُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْ أَدب، وَبشُبَهٍ كَانَ يُورِدُهَا عَلَى المُلُوْك، فَكَانُوا يَحملونه، وَيَحمُونه، بِمَا كَانَ يُلقِي إِلَيْهِم مِنْ شُبه البِدَع وَالشِّرْك، وَفِي حِيْنَ عَوْدي مِنَ الرّحلَة أَلفيتُ حضَرتِي مِنْهم طَافحَة، وَنَارَ ضلاَلهم لاَفحَة، فَقَاسيتهم مَعَ غَيْر أَقرَان، وَفِي عدمِ أَنْصَار إِلَى حسَاد يَطؤون عَقِبِي، تَارَة تَذْهَب لَهم نَفْسِي، وَأُخْرَى يَنكشر (٣) لَهم ضِرسِي، وَأَنَا مَا بَيْنَ إِعرَاضٍ عَنْهم أَوْ تَشغِيبٍ بِهِم، وَقَدْ جَاءنِي رَجُلٌ بِجُزء لابْنِ حَزْم سَمَّاهُ (نكت الإِسْلاَم) فِيْهِ دوَاهِي، فَجردت عَلَيْهِ نوَاهِي، وَجَاءنِي آخر برِسَالَة فِي الاعْتِقَاد، فَنَقَضْتُهَا برِسَالَة (الغُرَّة (٤)) وَالأَمْرُ أَفحش مِنْ أَنْ يُنقض. يَقُوْلُوْنَ: لاَ قَوْلَ إِلاَّ مَا قَالَ اللهُ، وَلاَ نَتْبَعُ إِلاَّ رَسُوْل اللهِ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يَأْمر بِالاَقتدَاءِ بِأَحد، وَلاَ بِالاَهتدَاء بِهَدْيِ بشر. فِيجب أَنْ يَتحققُوا أَنَّهم لَيْسَ لَهم دَلِيل، وَإِنَّمَا هِيَ سَخَافَة فِي تَهويل، فَأُوصيكُم بِوَصِيَّتَيْنِ: أَنْ لاَ تَسْتدلُوا عَلَيْهِم، وَأَن تُطَالبوهم بِالدَّليل، فَإِنَّ المُبْتَدِع إِذَا اسْتدللت عَلَيْهِ شَغَّبَ

стр. 11269

عَلَيْك، وَإِذَا طَالبته بِالدليل لَمْ يَجِدْ إِلَيْهِ سَبِيلا. فَأَمَّا قَوْلهُم: لاَ قَوْلَ إِلاَّ مَا قَالَ اللهُ، فَحق، وَلَكِنْ أَرنِي مَا قَالَ. وَأَمَّا قَوْلهُم: لاَ حُكْمَ إِلاَّ للهِ، فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ عَلَى الإِطلاَق، بَلْ مِنْ حُكْمِ الله أَنْ يَجْعَلَ الحُكْمَ لغَيْرِهِ فِيمَا قَالَهُ وَأَخبر بِهِ. صَحَّ (١) أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: (وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَلاَ تُنْزِلْهم عَلَى حُكْمِ الله، فَإِنَّكَ (٢) لاَ تَدْرِي مَا حُكْمُ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهم عَلَى حُكْمِكَ (٣)) . وَصَحَّ أَنَّهُ قَالَ: (عَلَيْكُم بِسَنَّتِي وَسُنَّة الخُلَفَاء ... ) الحَدِيْث (٤) . قُلْتُ: لَمْ يُنْصِفِ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ ﵀ شَيْخَ أَبِيْهِ فِي العِلْمِ، وَلاَ تَكَلَّمَ فِيْهِ بِالقِسْطِ، وَبَالَغَ فِي الاسْتخفَاف بِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ فَعَلَى عَظمته فِي العِلْمِ لاَ يَبْلُغُ رُتْبَة أَبِي مُحَمَّدٍ، وَلاَ يَكَاد، فَرحمهُمَا الله وَغفر لَهُمَا. قَالَ اليَسَعُ ابْنُ حَزْمٍ الغَافِقِيّ وَذَكَرَ أَبَا مُحَمَّدٍ فَقَالَ: أَمَا مَحْفُوْظُهُ فَبحرٌ عَجَّاج، وَمَاءٌ ثَجَّاج، يَخْرُج مِنْ بحره مَرجَان الحِكَم، وَيَنبت بِثَجَّاجه أَلفَافُ النِّعم فِي رِيَاض الهِمم، لَقَدْ حَفِظ علُوْمَ المُسْلِمِيْنَ، وَأَربَى عَلَى كُلّ أَهْل دين، وَأَلَّف (الْملَل وَالنحل) وَكَانَ فِي صِبَاهُ يَلْبَس الحَرِيْر، وَلاَ يَرْضَى مِنَ المَكَانَة إِلاَّ بِالسَّرِيْر (٥) . أَنْشَدَ المعتمدَ، فَأَجَاد، وَقصد بَلَنْسِيةَ وَبِهَا المُظَفَّر

стр. 11270

أَحَد الأَطوَاد. وَحَدَّثَنِي عَنْهُ (١) عُمَرُ بنُ وَاجِب قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْد أَبِي بِبَلَنْسِيةَ وَهُوَ يُدَرِّسُ المَذْهَب، إِذَا بِأَبِي مُحَمَّدٍ بن حَزْم يَسْمَعُنَا، وَيَتَعَجَّب، ثُمَّ سَأَلَ الحَاضِرِيْنَ مَسْأَلَةً مِنَ الفِقْهِ، جُووب فِيْهَا، فَاعْترَض فِي ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الحُضَّار: هَذَا العِلْمُ لَيْسَ مِنْ مُنْتَحَلاَتِكَ، فَقَامَ وَقَعَدَ، وَدَخَلَ مَنْزِله فَعكَف، وَوَكَفَ (٢) مِنْهُ وَابِلٌ فَمَا كَفَّ، وَمَا كَانَ بَعْدَ أَشْهُرٍ قَرِيْبَة حَتَّى قَصَدْنَا إِلَى ذَلِكَ المَوْضِع، فَنَاظر أَحْسَن منَاظرَة، وَقَالَ فِيْهَا: أَنَا أَتبع الحَقَّ، وَأَجتهد، وَلاَ أَتَقَيَّدُ بِمَذْهَب (٣) . قُلْتُ: نَعم، مَنْ بَلَغَ رُتْبَة الاجْتِهَاد، وَشَهِد لَهُ بِذَلِكَ عِدَّة (٤) مِنَ الأَئِمَّةِ، لَمْ يَسُغْ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ، كَمَا أَنَّ الفَقِيْه المُبتدئ وَالعَامِي الَّذِي يَحفظ القُرْآن أَوْ كَثِيْراً مِنْهُ لاَ يَسوَغُ لَهُ الاجْتِهَاد أَبَداً، فَكَيْفَ يَجْتَهِدُ، وَمَا الَّذِي يَقُوْلُ؟ وَعلاَم يَبنِي؟ وَكَيْفَ يَطيرُ وَلَمَّا يُرَيِّش؟ وَالقِسم الثَّالِث: الفَقِيْهُ المنتهِي اليَقظ الفَهِم المُحَدِّث، الَّذِي قَدْ حَفِظ مُخْتَصَراً فِي الْفُرُوع، وَكِتَاباً فِي قوَاعد الأُصُوْل، وَقرَأَ النَّحْو، وَشَاركَ فِي الفضَائِل مَعَ حِفْظِهِ لِكِتَابِ اللهِ وَتشَاغله بتَفْسِيْره وَقوَةِ مُنَاظرتِهِ، فَهَذِهِ رُتْبَة مِنْ بلغَ الاجْتِهَاد المُقيَّد، وَتَأَهَّل لِلنظر فِي دلاَئِل الأَئِمَّة، فَمتَى وَضحَ لَهُ الحَقُّ فِي مَسْأَلَة، وَثبت فِيْهَا النَّصّ، وَعَمِلَ بِهَا أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَعْلاَمِ كَأَبِي حَنِيْفَةَ مِثْلاً، أَوْ كَمَالِك، أَوِ الثَّوْرِيِّ، أَوِ الأَوْزَاعِيِّ، أَوِ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاق، فَلْيَتَّبع فِيْهَا الحَقّ وَلاَ يَسْلُكِ الرّخصَ، وَلِيَتَوَرَّع، وَلاَ يَسَعُه فِيْهَا بَعْدَ قيَام الحُجَّة عَلَيْهِ تَقليدٌ. فَإِن خَاف مِمَّنْ

стр. 11271

يُشَغِّب (١) عَلَيْهِ مِنَ الفُقَهَاء فَلْيَتَكَتَّم بِهَا وَلاَ يَترَاءى بِفعلهَا، فَرُبَّمَا أَعْجَبته نَفْسُهُ، وَأَحَبّ الظُهُوْر، فَيُعَاقب، وَيَدخل عَلَيْهِ الدَّاخلُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكم مِنْ رَجُلٍ نَطَقَ بِالْحَقِّ، وَأَمر بِالمَعْرُوف، فَيُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِ مَنْ يُؤذِيْه لِسوء قَصدهِ، وَحُبِّهِ لِلرِّئَاسَة الدِّينِيَّة، فَهَذَا دَاءٌ خَفِيٌّ سَارٍ فِي نُفُوْسِ الفُقَهَاء، كَمَا أَنَّهُ دَاءٌ سَارٍ فِي نُفُوْسِ المُنْفِقِين مِنَ الأَغنِيَاء وَأَربَاب الوُقُوْف وَالتُّرب المُزَخْرَفَة، وَهُوَ دَاءٌ خفِيٌّ يَسرِي فِي نُفُوْس الجُنْد وَالأُمَرَاء وَالمُجَاهِدِيْنَ، فَترَاهم يَلتقُوْنَ العَدُوَّ، وَيَصْطَدِمُ الجمعَان وَفِي نُفُوْس المُجَاهِدِيْنَ مُخَبّآتُ (٢) وَكمَائِنُ مِنَ الاختيَالِ وَإِظهَار الشَّجَاعَةِ ليُقَالَ، وَالعجبِ (٣) ، وَلُبْسِ القرَاقل (٤) المُذَهَّبَة، وَالخُوذ المزخرفَة، وَالعُدد المُحلاَّة عَلَى نُفُوْس مُتكبّرَةٍ، وَفُرْسَان مُتجبِّرَة، وَيَنضَاف إِلَى ذَلِكَ إِخلاَلٌ بِالصَّلاَة، وَظُلم لِلرَّعيَّة (٥) ، وَشُرب لِلمسكر، فَأَنَّى يُنْصرُوْن؟ وَكَيْفَ لاَ يُخذلُوْن؟ اللَّهُمَّ: فَانصر دينَك، وَوَفِّق عِبَادك. فَمَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلعمل كَسره (٦) العِلْمُ، وَبَكَى عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْ طلب العِلْم لِلمدَارس وَالإِفتَاء وَالفخر وَالرِّيَاء، تحَامقَ، وَاختَال، وَازدرَى بِالنَّاسِ، وَأَهْلكه العُجْبُ، وَمَقَتَتْهُ الأَنْفُس* ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ... وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْس:٩ و١٠] أَي دسَّسَهَا بِالفجُور وَالمَعْصِيَة.

стр. 11272

قُلِبَتْ فِيْهِ السِّينُ أَلِفاً (١) . قَالَ الشَّيْخُ عزّ الدِّيْنِ بنُ عَبْدِ السَّلاَم - وَكَانَ أَحَدَ المُجْتَهِدين -:مَا رَأَيْتُ فِي كُتُبِ الإِسْلاَم فِي (٢) العِلْمِ مِثْل (المحلَّى (٣)) لابْنِ حَزْم، وَكِتَاب (المُغنِي) لِلشَّيْخِ مُوَفَّق الدِّيْنِ (٤) . قُلْتُ: لَقَدْ صَدَقَ الشَّيْخُ عزّ الدِّيْنِ. وَثَالِثهُمَا: (السُّنَن الكَبِيْر) لِلبيهقِي. وَرَابعهَا (٥) : (التّمهيد) لابْنِ عبدِ الْبر. فَمَنْ حصَّل هَذِهِ الدَّوَاوِيْن، وَكَانَ مِنْ أَذكيَاء الْمُفْتِينَ (٦) ، وَأَدمنَ المُطَالعَة فِيْهَا (٧) ، فَهُوَ العَالِم حَقّاً. وَلابْنِ حَزْم مُصَنّفَات جَلِيْلَة: أَكْبَرُهَا كِتَاب (الإِيصَال إِلَى فَهم كِتَاب الخِصَال) خَمْسَةَ عَشَرَ أَلف وَرقَة (٨) ، وَكِتَاب (الخِصَال (٩) الحَافِظ لِجمل

стр. 11273

شرَائِع الإِسْلاَم) مُجَلَّدَان، وَكِتَاب (المُجَلَّى (١)) فِي الفِقْه مُجَلَّد، وَكِتَاب (المُحَلَّى فِي شرح المُجَلَّى بِالحجج وَالآثَار) ثَمَانِي مُجَلَّدَات (٢) ، كِتَاب (حَجَّة الوَدَاعِ) (٣) مائَة وَعِشْرُوْنَ وَرقَة، كِتَاب (قسمَة الخَمْس فِي الرَّدِّ عَلَى إِسْمَاعِيْلَ القَاضِي) مُجَلَّد، كِتَاب (الآثَار الَّتِي ظَاهِرهَا التعَارض وَنفِي التنَاقض عَنْهَا) يَكُوْن عَشْرَة آلاَف وَرقَة، لَكِن لَمْ يُتِمَّه، كِتَاب (الجَامِع فِي صَحِيْح الحَدِيْث) بِلاَ أَسَانِيْد، كِتَاب (التَّلخيص وَالتَّخليص فِي المَسَائِل النّظرِيَّة (٤)) كِتَاب (مَا انْفَرد بِهِ مَالِك وَأَبُو حنِيفَة وَالشَّافِعِيّ (٥)) ، (مُخْتَصَر الْموضح) لأَبِي الحَسَن بن (٦) الْمُغلس الظَّاهِرِي، مُجَلد، كِتَاب (اخْتِلاَف الفُقَهَاء الخَمْسَة مَالِك، وَأَبِي حَنِيْفَةَ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَدَاوُد) كِتَاب (التَّصفح فِي الفِقْه) مُجَلَّد، كِتَاب (التَّبيين فِي هَلْ عَلِمَ المُصْطَفَى أَعيَان المُنَافِقين) ثَلاَثَة كَرَارِيْس، كِتَاب (الإِملاَء فِي شرح المُوَطَّأ) أَلف وَرقَة.

стр. 11274

كِتَاب (الإِملاَء فِي قوَاعد الفِقْه) أَلف وَرقَة أَيْضاً، كِتَاب (در القوَاعد فِي فَقه الظَّاهِرِيَّة) أَلف وَرقَة أَيْضاً (١) ، كِتَاب (الإِجْمَاع (٢)) مُجيليد، كِتَاب (الفَرَائِض) مُجَلَّد، كِتَاب (الرِّسَالَة البلقَاء فِي الرَّدِّ عَلَى عبد الحَقّ بن مُحَمَّدٍ الصَّقَلِي) مُجيليد، كِتَاب (الإِحكَام لأُصُوْل الأَحكَام (٣)) مُجَلَّدَان، كِتَاب (الفِصَل فِي الْملَل وَالنِّحل (٤)) مُجَلَّدَان كَبِيْرَان، كِتَاب (الرَّدّ عَلَى مَنِ اعْترض عَلَى الفَصْل) لَهُ، مُجَلَّد، كِتَاب (اليَقين فِي نَقض تَمويه المعتذرِيْنَ عَنْ إِبليس وَسَائِر المُشْرِكِيْنَ) مُجَلَّد كَبِيْر، كِتَاب (الرَّدّ عَلَى ابْنِ زَكَرِيَّا الرَّازِيّ) مائَة وَرقَة، كِتَاب (التَّرشيد فِي الرَّدّ عَلَى كِتَابِ الفرِيْد) لابْنِ الرَّاوندي فِي اعترَاضه عَلَى النّبوَات مُجَلَّد، كِتَاب (الرَّدّ عَلَى مَنْ كفر المتَأَوِّلين مِنَ المُسْلِمِيْنَ) مُجَلَّد، كِتَاب (مُخْتَصَر فِي علل الحَدِيْث) مُجَلَّد، كِتَاب (التَّقَرِيْب لَحْد الْمنطق بِالأَلْفَاظ العَامِيَّة) مُجَلَّد، كِتَاب (الاسْتجلاَب) مُجَلَّد، كِتَاب (نَسَب البَرْبَر) مُجَلَّد، كِتَاب (نَقْطُ الْعَرُوس (٥)) مُجيليد، وَغَيْر ذَلِكَ. وَمِمَّا لَهُ فِي جُزْء أَوْ كُرَّاس: (مُرَاقبَة أَحْوَال الإِمَام) ، (مِنْ ترك الصَّلاَة

стр. 11275

عمداً) ، (رِسَالَة المُعَارَضَة) ، (قصر الصَّلاَة) ، (رِسَالَة التَأكيد) ، (مَا وَقَعَ بَيْنَ الظَّاهِرِيَّة وَأَصْحَاب القيَاس) ، (فَضَائِل الأَنْدَلُس (١)) ، (العتَاب عَلَى أَبِي مَرْوَانَ الخَوْلاَنِيّ) ، (رِسَالَة فِي مَعْنَى الفِقْه وَالزُّهْد) ، (مَرَاتِب العُلَمَاء وَتوَالِيفهُم) ، (التَّلْخِيص فِي أَعْمَال العبَاد) ، (الإِظهَار لمَا شُنِّعَ بِهِ عَلَى الظَّاهِرِيَّة) ، (زجر الغَاوِي) جُزآن (النّبذ الكَافِيَة) ، (النّكت الموجزَة فِي نَفِي الرَّأْي وَالقيَاس وَالتَّعليل وَالتَّقليد) مُجَلَّد صَغِيْر (٢) ، (الرِّسَالَة اللاَزمَة لأَولِي الأَمْر) ، (مُخْتَصَر الْملَل وَالنِّحل) مُجَلَّد (الدّرَة فِي مَا يَلزم المُسْلِم) جُزآن (مَسْأَلَة فِي الرُّوح (٣)) ، (الرَّدّ عَلَى إِسْمَاعِيْلَ اليَهودي (٤) ، الَّذِي أَلَّف فِي تَنَاقض آيَات) ، (النَّصَائِح المنجيَة (٥)) ، (الرِّسَالَة الصُّمَادحية فِي الْوَعْد وَالوعيد) ، (مَسْأَلَة الإِيْمَان) ، (مَرَاتِب العلُوْم) ، (بيَان غلط عُثْمَان بن سَعِيْدٍ الأَعْوَر فِي المُسْنَد وَالمُرسل) . (تَرْتِيْب
следующие страницы →