← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 11271–11310 · переход к 11276.

стр. 11271

يُشَغِّب (١) عَلَيْهِ مِنَ الفُقَهَاء فَلْيَتَكَتَّم بِهَا وَلاَ يَترَاءى بِفعلهَا، فَرُبَّمَا أَعْجَبته نَفْسُهُ، وَأَحَبّ الظُهُوْر، فَيُعَاقب، وَيَدخل عَلَيْهِ الدَّاخلُ مِنْ نَفْسِهِ، فَكم مِنْ رَجُلٍ نَطَقَ بِالْحَقِّ، وَأَمر بِالمَعْرُوف، فَيُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِ مَنْ يُؤذِيْه لِسوء قَصدهِ، وَحُبِّهِ لِلرِّئَاسَة الدِّينِيَّة، فَهَذَا دَاءٌ خَفِيٌّ سَارٍ فِي نُفُوْسِ الفُقَهَاء، كَمَا أَنَّهُ دَاءٌ سَارٍ فِي نُفُوْسِ المُنْفِقِين مِنَ الأَغنِيَاء وَأَربَاب الوُقُوْف وَالتُّرب المُزَخْرَفَة، وَهُوَ دَاءٌ خفِيٌّ يَسرِي فِي نُفُوْس الجُنْد وَالأُمَرَاء وَالمُجَاهِدِيْنَ، فَترَاهم يَلتقُوْنَ العَدُوَّ، وَيَصْطَدِمُ الجمعَان وَفِي نُفُوْس المُجَاهِدِيْنَ مُخَبّآتُ (٢) وَكمَائِنُ مِنَ الاختيَالِ وَإِظهَار الشَّجَاعَةِ ليُقَالَ، وَالعجبِ (٣) ، وَلُبْسِ القرَاقل (٤) المُذَهَّبَة، وَالخُوذ المزخرفَة، وَالعُدد المُحلاَّة عَلَى نُفُوْس مُتكبّرَةٍ، وَفُرْسَان مُتجبِّرَة، وَيَنضَاف إِلَى ذَلِكَ إِخلاَلٌ بِالصَّلاَة، وَظُلم لِلرَّعيَّة (٥) ، وَشُرب لِلمسكر، فَأَنَّى يُنْصرُوْن؟ وَكَيْفَ لاَ يُخذلُوْن؟ اللَّهُمَّ: فَانصر دينَك، وَوَفِّق عِبَادك. فَمَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِلعمل كَسره (٦) العِلْمُ، وَبَكَى عَلَى نَفْسِهِ، وَمِنْ طلب العِلْم لِلمدَارس وَالإِفتَاء وَالفخر وَالرِّيَاء، تحَامقَ، وَاختَال، وَازدرَى بِالنَّاسِ، وَأَهْلكه العُجْبُ، وَمَقَتَتْهُ الأَنْفُس* ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ... وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْس:٩ و١٠] أَي دسَّسَهَا بِالفجُور وَالمَعْصِيَة.

стр. 11272

قُلِبَتْ فِيْهِ السِّينُ أَلِفاً (١) . قَالَ الشَّيْخُ عزّ الدِّيْنِ بنُ عَبْدِ السَّلاَم - وَكَانَ أَحَدَ المُجْتَهِدين -:مَا رَأَيْتُ فِي كُتُبِ الإِسْلاَم فِي (٢) العِلْمِ مِثْل (المحلَّى (٣)) لابْنِ حَزْم، وَكِتَاب (المُغنِي) لِلشَّيْخِ مُوَفَّق الدِّيْنِ (٤) . قُلْتُ: لَقَدْ صَدَقَ الشَّيْخُ عزّ الدِّيْنِ. وَثَالِثهُمَا: (السُّنَن الكَبِيْر) لِلبيهقِي. وَرَابعهَا (٥) : (التّمهيد) لابْنِ عبدِ الْبر. فَمَنْ حصَّل هَذِهِ الدَّوَاوِيْن، وَكَانَ مِنْ أَذكيَاء الْمُفْتِينَ (٦) ، وَأَدمنَ المُطَالعَة فِيْهَا (٧) ، فَهُوَ العَالِم حَقّاً. وَلابْنِ حَزْم مُصَنّفَات جَلِيْلَة: أَكْبَرُهَا كِتَاب (الإِيصَال إِلَى فَهم كِتَاب الخِصَال) خَمْسَةَ عَشَرَ أَلف وَرقَة (٨) ، وَكِتَاب (الخِصَال (٩) الحَافِظ لِجمل

стр. 11273

شرَائِع الإِسْلاَم) مُجَلَّدَان، وَكِتَاب (المُجَلَّى (١)) فِي الفِقْه مُجَلَّد، وَكِتَاب (المُحَلَّى فِي شرح المُجَلَّى بِالحجج وَالآثَار) ثَمَانِي مُجَلَّدَات (٢) ، كِتَاب (حَجَّة الوَدَاعِ) (٣) مائَة وَعِشْرُوْنَ وَرقَة، كِتَاب (قسمَة الخَمْس فِي الرَّدِّ عَلَى إِسْمَاعِيْلَ القَاضِي) مُجَلَّد، كِتَاب (الآثَار الَّتِي ظَاهِرهَا التعَارض وَنفِي التنَاقض عَنْهَا) يَكُوْن عَشْرَة آلاَف وَرقَة، لَكِن لَمْ يُتِمَّه، كِتَاب (الجَامِع فِي صَحِيْح الحَدِيْث) بِلاَ أَسَانِيْد، كِتَاب (التَّلخيص وَالتَّخليص فِي المَسَائِل النّظرِيَّة (٤)) كِتَاب (مَا انْفَرد بِهِ مَالِك وَأَبُو حنِيفَة وَالشَّافِعِيّ (٥)) ، (مُخْتَصَر الْموضح) لأَبِي الحَسَن بن (٦) الْمُغلس الظَّاهِرِي، مُجَلد، كِتَاب (اخْتِلاَف الفُقَهَاء الخَمْسَة مَالِك، وَأَبِي حَنِيْفَةَ، وَالشَّافِعِيّ، وَأَحْمَد، وَدَاوُد) كِتَاب (التَّصفح فِي الفِقْه) مُجَلَّد، كِتَاب (التَّبيين فِي هَلْ عَلِمَ المُصْطَفَى أَعيَان المُنَافِقين) ثَلاَثَة كَرَارِيْس، كِتَاب (الإِملاَء فِي شرح المُوَطَّأ) أَلف وَرقَة.

стр. 11274

كِتَاب (الإِملاَء فِي قوَاعد الفِقْه) أَلف وَرقَة أَيْضاً، كِتَاب (در القوَاعد فِي فَقه الظَّاهِرِيَّة) أَلف وَرقَة أَيْضاً (١) ، كِتَاب (الإِجْمَاع (٢)) مُجيليد، كِتَاب (الفَرَائِض) مُجَلَّد، كِتَاب (الرِّسَالَة البلقَاء فِي الرَّدِّ عَلَى عبد الحَقّ بن مُحَمَّدٍ الصَّقَلِي) مُجيليد، كِتَاب (الإِحكَام لأُصُوْل الأَحكَام (٣)) مُجَلَّدَان، كِتَاب (الفِصَل فِي الْملَل وَالنِّحل (٤)) مُجَلَّدَان كَبِيْرَان، كِتَاب (الرَّدّ عَلَى مَنِ اعْترض عَلَى الفَصْل) لَهُ، مُجَلَّد، كِتَاب (اليَقين فِي نَقض تَمويه المعتذرِيْنَ عَنْ إِبليس وَسَائِر المُشْرِكِيْنَ) مُجَلَّد كَبِيْر، كِتَاب (الرَّدّ عَلَى ابْنِ زَكَرِيَّا الرَّازِيّ) مائَة وَرقَة، كِتَاب (التَّرشيد فِي الرَّدّ عَلَى كِتَابِ الفرِيْد) لابْنِ الرَّاوندي فِي اعترَاضه عَلَى النّبوَات مُجَلَّد، كِتَاب (الرَّدّ عَلَى مَنْ كفر المتَأَوِّلين مِنَ المُسْلِمِيْنَ) مُجَلَّد، كِتَاب (مُخْتَصَر فِي علل الحَدِيْث) مُجَلَّد، كِتَاب (التَّقَرِيْب لَحْد الْمنطق بِالأَلْفَاظ العَامِيَّة) مُجَلَّد، كِتَاب (الاسْتجلاَب) مُجَلَّد، كِتَاب (نَسَب البَرْبَر) مُجَلَّد، كِتَاب (نَقْطُ الْعَرُوس (٥)) مُجيليد، وَغَيْر ذَلِكَ. وَمِمَّا لَهُ فِي جُزْء أَوْ كُرَّاس: (مُرَاقبَة أَحْوَال الإِمَام) ، (مِنْ ترك الصَّلاَة

стр. 11275

عمداً) ، (رِسَالَة المُعَارَضَة) ، (قصر الصَّلاَة) ، (رِسَالَة التَأكيد) ، (مَا وَقَعَ بَيْنَ الظَّاهِرِيَّة وَأَصْحَاب القيَاس) ، (فَضَائِل الأَنْدَلُس (١)) ، (العتَاب عَلَى أَبِي مَرْوَانَ الخَوْلاَنِيّ) ، (رِسَالَة فِي مَعْنَى الفِقْه وَالزُّهْد) ، (مَرَاتِب العُلَمَاء وَتوَالِيفهُم) ، (التَّلْخِيص فِي أَعْمَال العبَاد) ، (الإِظهَار لمَا شُنِّعَ بِهِ عَلَى الظَّاهِرِيَّة) ، (زجر الغَاوِي) جُزآن (النّبذ الكَافِيَة) ، (النّكت الموجزَة فِي نَفِي الرَّأْي وَالقيَاس وَالتَّعليل وَالتَّقليد) مُجَلَّد صَغِيْر (٢) ، (الرِّسَالَة اللاَزمَة لأَولِي الأَمْر) ، (مُخْتَصَر الْملَل وَالنِّحل) مُجَلَّد (الدّرَة فِي مَا يَلزم المُسْلِم) جُزآن (مَسْأَلَة فِي الرُّوح (٣)) ، (الرَّدّ عَلَى إِسْمَاعِيْلَ اليَهودي (٤) ، الَّذِي أَلَّف فِي تَنَاقض آيَات) ، (النَّصَائِح المنجيَة (٥)) ، (الرِّسَالَة الصُّمَادحية فِي الْوَعْد وَالوعيد) ، (مَسْأَلَة الإِيْمَان) ، (مَرَاتِب العلُوْم) ، (بيَان غلط عُثْمَان بن سَعِيْدٍ الأَعْوَر فِي المُسْنَد وَالمُرسل) . (تَرْتِيْب

стр. 11276

سُؤَالاَت عُثْمَان الدَّارِمِيّ لابْنِ مَعِيْنٍ) ، (عدد مَا لِكُلِّ صَاحِب فِي مُسند بَقِيّ) ، (تسمِيَة شُيُوْخ مَالِك) ، (السِّير وَالأَخلاَق) جُزآن (بيَان الفَصَاحَة وَالبلاغَة) رِسَالَة فِي ذَلِكَ إِلَى ابْنِ (١) حَفْصُوْنَ (مَسْأَلَة هَلِ السَّوَاد لُوْنٌ أَوْ لاَ) ، (الحدّ وَالرَّسم) ، (تسمِيَة الشُّعَرَاء الوَافدين عَلَى ابْنِ أَبِي عَامِرٍ) ، (شَيْء فِي الْعرُوض) ، (مُؤَلّف فِي الظَّاء وَالضَاد) ، (التَّعقب عَلَى الأَفليلِي (٢) فِي شَرحه لديوَان المتنبِّي) ، (غَزَوَات المَنْصُوْر بن أَبِي عَامِرٍ) ، (تَألِيف فِي الرَّدِّ عَلَى أَنَاجيل النَّصَارَى) . وَلابْنِ حَزْم: (رِسَالَة فِي الطِّبّ النّبوِي) وَذَكَرَ فِيْهَا أَسْمَاء كتب لَهُ فِي الطِّبّ مِنْهَا: (مَقَالَة العَادَة (٣)) ، وَ (مَقَالَة فِي شفَاء الضِّدّ بِالضِّدِّ) ، وَ (شَرْح فَصول بقرَاط) ، وَكِتَاب (بلغَة الحَكِيْم) ، وَكِتَاب (حدّ الطِّبّ) ، وَكِتَاب (اخْتصَار كَلاَم جَالينوس فِي الأَمرَاض الحَادَّة) ، وَكِتَاب فِي (الأَدويَة المفردَة) ، وَ (مَقَالَة فِي المحَاكمَة بَيْنَ التَّمْر وَالزَّبِيْب) ، وَ (مَقَالَة فِي النَّخْل (٤)) وَأَشيَاء سِوَى ذَلِكَ (٥) .

стр. 11277

وَقَدِ امتُحن لِتطويل لِسَانه فِي العُلَمَاء، وشُرِّد عَنْ وَطَنه، فَنَزَلَ بقَرْيَة لَهُ، وَجَرَتْ لَهُ أُمُوْرٌ، وَقَامَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ المَالِكِيَّة، وَجَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي الوَلِيْد البَاجِي مُنَاظرَاتٌ وَمُنَافُرَاتٌ، وَنَفَّرُوا مِنْهُ مُلُوْكَ النَّاحيَة، فَأَقْصَتْهُ الدَّوْلَة، وَأَحرقت مجلدَاتٌ مِنْ كتبِهِ، وَتَحَوَّل إِلَى بَادِيَة لَبْلَة (١) فِي قَرْيَة (٢) . قَالَ أَبُو الخَطَّاب ابْنُ دِحْيَة: كَانَ ابْنُ حَزْمٍ قَدْ بَرِصَ مِنْ أَكل اللُّبانَ (٣) ، وَأَصَابه زَمَانة، وَعَاشَ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً غَيْر شَهْر (٤) . قُلْتُ: وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّافِعِيّ ﵀ يَسْتَعْمَل اللُّبانَ لقُوَة الحِفْظ،

стр. 11278

فَولَّدَ لَهُ رَمْيَ الدَّم (١) . قَالَ أَبُو العَبَّاسِ ابْنُ العرِيف: كَانَ لِسَان ابْنِ حَزْمٍ وَسيفُ الحجَاجِ شَقِيقَيْنِ (٢) . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ طَرْخَان التركِي: قَالَ لِي الإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بن مُحَمَّد - يَعْنِي: وَالِد أَبِي بَكْرٍ بنِ العَرَبِي -: أَخْبَرَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ حَزْمٍ أَن سَبَبَ تَعَلُّمه الفِقْه أَنَّهُ شَهِدَ جِنَازَة، فَدَخَلَ المَسْجَدَ، فَجَلَسَ، وَلَمْ يَركع، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: قُمْ فَصلِّ تحيَّة المَسْجَد. وَكَانَ قَدْ بلغَ سِتّاً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً. قَالَ: فَقُمْتُ وَركعتُ، فَلَمَّا رَجَعنَا مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى الجِنَازَة، دَخَلْتُ المَسْجَد، فَبَادرتُ بِالرُّكُوْع، فَقِيْلَ لِي: اجْلِسْ اجْلِسْ، لَيْسَ ذَا وَقتَ صَلاَة - وَكَانَ بَعْد العَصْر - قَالَ: فَانْصَرَفت وَقَدْ حَزِنْتُ (٣) ، وَقُلْتُ لِلأسْتَاذ الَّذِي رَبَّانِي: دُلنِي عَلَى دَار الفَقِيْه أَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ دحُّوْنَ. قَالَ: فَقصدتُه، وَأَعْلَمتُه بِمَا جرَى، فَدلَّنِي عَلَى (مُوَطَّأ مَالِكٍ) ، فَبدَأَتُ بِهِ عَلَيْهِ، وَتتَابعت قِرَاءتِي عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ نَحْواً مِنْ ثَلاَثَة أَعْوَام، وَبدَأتُ بِالمنَاظرَة. ثُمَّ قَالَ ابْنُ العَرَبِي (٤) :صَحِبتُ ابْنَ حَزْمٍ سَبْعَةَ أَعْوَام، وَسَمِعْتُ مِنْهُ جمِيْع مُصَنّفَاته سِوَى المُجَلَّد الأَخِيْر مِنْ كِتَاب (الْفَصْل) ، وَهُوَ سِتُّ مُجَلَّدَات، وَقرَأَنَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَاب (الإِيصَال) أَرْبَع مُجَلَّدَات فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَع مائَة، وَهُوَ أَرْبَعَة وَعِشْرُوْنَ مجلداً، وَلِي مِنْهُ إِجَازَة غَيْرَ مَرَّةٍ (٥) .

стр. 11279

قَالَ أَبُو مَرْوَان بن حَيَّان: كَانَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ حَامِل فُنُوْن مِنْ حَدِيْثٍ وَفقهٍ وَجَدَلٍ وَنَسَبٍ، وَمَا يَتعلَّق بِأَذِيَال الأَدب، مَعَ المُشَارَكَة فِي أَنْوَاع التَّعَالِيم القَدِيْمَة مِنَ المَنطق وَالفلسفَة، وَلَهُ كُتب كَثِيْرَة لَمْ يَخلُ فِيْهَا مِنْ غَلَطٍ لِجرَاءته فِي التَّسوُّر عَلَى الفُنُوْن لاَ سِيَّمَا الْمنطق، فَإِنَّهم زَعَمُوا أَنَّهُ زَلَّ هنَالك، وَضَلَّ فِي سُلُوْك المسَالك، وَخَالف أَرسطَاطَاليس وَاضِعَ الْفَنّ مُخَالَفَةَ مِنْ لَمْ يَفهم غَرَضَه، وَلاَ ارْتَاض، وَمَال أَوَّلاً إِلَى النَّظَر عَلَى رَأْي الشَّافِعِيّ، وَنَاضل عَنْ مَذْهَبه حَتَّى وُسِمَ بِهِ، فَاسْتُهْدِفَ بِذَلِكَ لَكَثِيْر مِنَ الفُقَهَاء، وَعِيْبَ بِالشُّذوذ، ثُمَّ عَدَل (١) إِلَى قَوْل أَصْحَاب الظَّاهِر، فَنقَّحه، وَجَادَل عَنْهُ، وَثبتَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَكَانَ يحمل علمه هَذَا، وَيُجَادل عَنْهُ مَنْ خَالَفَهُ عَلَى اسْترسَالٍ فِي طِبَاعِهِ، وَمَذَلٍ (٢) بِأَسرَارِهِ، وَاسْتنَادٍ إِلَى العَهْد الَّذِي أَخَذَهُ الله عَلَى العُلَمَاءِ: ﴿لتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُوْنَهُ (٣) ﴾ فَلَمْ يَكُ يُلَطِّفُ صَدْعَهُ بِمَا عِنْدَهُ بِتعرِيض وَلاَ بتدرِيج (٤) ، بَلْ يَصكُّ بِهِ مَنْ عَارضَهُ صكَّ الجَنْدَل (٥) ، وَيُنْشِقه إِنشَاق (٦) الخَرْدَل، فَتنفِرُ عَنْهُ القُلُوْبُ، وَتُوقع بِهِ (٧) النّدوب، حَتَّى اسْتُهْدِفَ لفُقَهَاء وَقته، فَتمَالؤُوا عَلَيْهِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى تضليلِهِ، وَشَنَّعُوا عَلَيْهِ، وَحَذَّرُوا سلاَطينهم مِنْ فِتنتهِ، وَنهوا عَوَامَّهم عَنِ الدنوِّ مِنْهُ، فَطفق المُلُوْك

стр. 11280

يُقصونه عَنْ قُربهم، وَيُسَيِّرُوْنَهُ عَنْ بلادِهِم إِلَى أَنِ انْتَهوا بِهِ مُنْقَطع أَثرِه: بَلْدَة (١) مِنْ بَادِيَة لَبْلَة. وَهُوَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ مُرتدِع وَلاَ رَاجع، يَبُثُّ علمه فِيْمَنْ يَنْتَابه مِنْ بَادِيَة بلدِهِ، مِنْ عَامَّة المُقتبسينَ مِنْ أَصَاغِرِ الطَّلبَة، الَّذِيْنَ لاَ يَخشُوْنَ فِيْهِ المَلاَمَة، يُحَدِّثهُم، وَيُفَقِّههُم، وَيُدَارسهُم، حَتَّى كَمَلَ مِنْ (٢) مُصَنّفَاته وَقْرُ بعير، لَمْ يَعْدُ أَكْثَرُهَا بَادِيَتَه لزُهْد الفُقَهَاء فِيْهَا، حَتَّى لأُحْرِقَ بَعْضُهَا بِإِشبيلية، وَمُزِّقَتْ عَلاَنِيَةً، وَأَكْثَرُ معَايبه (٣) - زَعَمُوا عِنْد المنصَف - جَهلُه بسيَاسَة العِلْم الَّتِي هِيَ أَعوصُ (٤) ... ، وَتَخلُّفه عَنْ ذَلِكَ عَلَى قوَةِ سَبْحه فِي غِمَاره (٥) ، وَعَلَى ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ بِالسَّلِيم مِنِ اضطرَاب رَأيه، وَمغِيبِ شَاهد علمه عَنْهُ عِنْد لقَائِهِ، إِلَى أَنْ يُحَرَّكَ بِالسُّؤَال، فِيتفجَّر مِنْهُ بحرُ عِلْمٍ لاَ تُكَدِّرُهُ الدّلاَء، وَكَانَ مِمَّا يَزِيْدُ فِي شَنَآنه (٦) تَشيُّعه لأُمَرَاء بَنِي أُمَيَّةَ مَاضِيهم وَبَاقيهِم، وَاعْتِقَادُهُ لِصِحَّةِ إِمَامتهِم، حَتَّى لنُسب إِلَى النَّصْبِ (٧) . قُلْتُ: وَمِنْ تَوَالِيفه: كِتَاب (تَبديل اليَهُوْد وَالنَّصَارَى لِلتَّورَاة وَالإِنجيل (٨)) ، وَقَدْ أَخَذَ الْمنطق - أَبعدَهُ الله مِنْ عِلمٍ - عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ المَذْحِجِيّ، وَأَمعَنَ فِيْهِ، فَزلزله فِي أَشيَاء، وَلِي أَنَا مَيْلٌ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ

стр. 11281

لمَحَبَّته فِي الحَدِيْثِ الصَّحِيْح، وَمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَإِنْ كُنْتُ لاَ أُوَافِقُهُ فِي كَثِيْرٍ مِمَّا يَقولُهُ فِي الرِّجَالِ وَالعلل، وَالمَسَائِل البَشِعَةِ فِي الأُصُوْلِ وَالفروع، وَأَقطعُ بخطئِهِ فِي غَيْرِ مَا مَسْأَلَةٍ، وَلَكِن لاَ أُكَفِّره، وَلاَ أُضَلِّلُهُ، وَأَرْجُو لَهُ العفوَ وَالمُسَامحَة وَللمُسْلِمِيْنَ. وَأَخضعُ لِفَرْطِ ذكَائِهِ وَسَعَة علُوْمِهِ، وَرَأَيْتهُ قَدْ ذَكَرَ قَوْل مَنْ يَقُوْلُ: أَجَلُّ المُصَنَّفَاتِ (المُوَطَّأ) . فَقَالَ: بَلْ أَوْلَى الكُتُب بِالتَّعَظِيْم (صَحيحَا) البُخَارِيّ وَمُسْلِم، وَ (صَحِيْح ابْن السَّكَن) ، وَ (مُنتقَى ابْن الجَارُوْدِ) ، وَ (المنتقَى) لقَاسِم بن أَصْبَغ، ثُمَّ بَعْدَهَا كِتَاب أَبِي دَاوُدَ، وَكِتَاب النَّسَائِيّ، وَ (المصَنّف) لقَاسِم بن أَصْبَغ (١) ، (مصَنّف أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيّ) . قُلْتُ: مَا ذكر (سُنَن ابْنِ مَاجَه) ، وَلاَ (جَامِع أَبِي عِيْسَى) ؛فَإِنَّهُ مَا رَآهُمَا، وَلاَ أُدخِلا إِلَى الأَنْدَلُسِ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَ (مُسْنَد البَزَّار) ، وَ (مُسْنَد ابْنَي (٢) أَبِي شَيْبَةَ) ، وَ (مُسْنَد أَحْمَد بن حَنْبَلٍ) ، وَ (مُسْنَد إِسْحَاق) ، وَ (مُسْنَد) الطَّيَالِسِيّ، وَ (مُسْنَد) الحَسَن بن سُفْيَانَ، وَ (مُسْنَد ابْن سَنْجَر) ، وَ (مُسْنَد عَبْد اللهِ بن مُحَمَّدٍ) المُسْنَدِي، وَ (مُسْنَد يَعْقُوْب بن شَيْبَةَ) ، وَ (مُسْنَد عَلِيّ بن المَدِيْنِيِّ) ، وَ (مُسْنَد ابْن أَبِي غَرَزَةَ) (٣) . وَمَا جرَى مجرَى هَذِهِ الكُتُب الَّتِي أُفْرِدَتْ لِكَلاَمِ رَسُوْل اللهِ ﷺ صِرْفاً، ثُمَّ الكُتُب الَّتِي فِيْهَا كلامُهُ وَكَلاَمُ غَيْره

стр. 11282

مِثْل (مصَنّف عَبْد الرَّزَّاقِ) ، وَ (مُصَنَّف أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي شَيْبَةَ) ، وَ (مُصَنَّف بَقِيَ بن مَخْلَدٍ) ، وَكِتَاب مُحَمَّد بن نَصْرٍ المَرْوَزِيّ، وَكِتَاب ابْن المُنْذِرِ الأَكْبَر وَالأَصْغَر، ثُمَّ (مُصَنَّف حَمَّاد بن سَلَمَةَ) ، و (مُوَطَّأ مَالِك بن أَنَسٍ) ، وَ (موطَّأَ ابْن أَبِي ذِئْبٍ) ، وَ (مُوَطَّأَ ابْن وَهْبٍ) ، وَ (مُصَنَّف وَكِيْع) ، وَ (مُصَنَّف مُحَمَّد بن يُوْسُفَ الفِرْيَابِيّ) ، وَ (مُصَنَّف سَعِيْد بن مَنْصُوْرٍ) ، وَ (مَسَائِل أَحْمَد بن حَنْبَلٍ) ، وَفقه أَبِي عُبَيْدٍ، وَفقه أَبِي ثَوْرٍ. قُلْتُ: مَا أَنْصَفَ ابْنُ حَزْمٍ؛ بَلْ رُتْبَة (المُوَطَّأ) أَنْ يُذكر تِلْوَ (الصَّحِيْحَيْنِ) مَعَ (سُنَن أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ) ، لَكنَّه تَأَدَّبَ، وَقَدَّمَ المُسْنَدَات النّبويَّة الصِّرْف، وَإِنَّ (لِلموطَّأ) لَوَقْعاً (١) فِي النُّفُوْسِ، وَمَهَابَةً فِي القُلوب لاَ يُوَازِنهَا شَيْءٌ. كَتَبَ إِلَيْنَا المُعَمَّر العَالِم أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ هَارُوْنَ (٢) مِنْ مدينَة تُونس عَام سَبْعِ مائَة، عَنْ أَبِي القَاسِمِ أَحْمَدَ بنِ يَزِيْدَ القَاضِي، عَنْ شُرَيْح بن مُحَمَّدٍ الرُّعَيْنِيّ، أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ بن حَزْم كتب إِلَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مَسْعُوْدٍ، أَخْبَرَنَا قَاسِم بنُ أَصْبَغ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْمُ

стр. 11283

ابْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١) ، عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الأَشَجّ، عَنْ وَكِيْع. وَبِهِ: قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الجسورِي (٢) ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي دُلِيم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ وَضَّاح، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيْدُ بنُ هَارُوْنَ، أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ بَكْرِ بن عَبْدِ اللهِ المُزَنِيّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُوْل اللهِ ﷺ بِالحَجِّ، وَأَهْلَلْنَا بِهِ مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ) . فَأَحَلَّ النَّاسُ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، وَكَانَ مَعَ رَسُوْلِ اللهِ ﷺ هَدْي، وَلَمْ يَحِلَّ (٣) . وَبِهِ: قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بنُ عُمَرَ العُذْرِيّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن الحُسَيْنِ بنِ عقَالَ (٤) ، حَدَّثَنَا عبيدُ الله بنُ مُحَمَّدٍ السَّقَطِيّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ سَلْم، حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَثْرَم، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا حُمَيْد، حَدَّثَنَا بَكْرُ بنُ عَبْدِ اللهِ، سَمِعْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ يُلَبِّي بِالحَجِّ

стр. 11284

وَالعُمْرَةِ جَمِيْعاً. قَالَ بكر: فَحَدّثتُ بِذَلِكَ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: لَبَّى بِالحَجِّ وَحْدَهُ (١) . وَقَعَ لَنَا هَذَا فِي (مُسْنَد أَحْمَدَ) ، فَأَنَا وَابْنُ حَزْمٍ فِيْهِ سَوَاء. وَبِهِ: إِلَى (٢) ابْنِ حَزْم فِيمَا أَحرق لَهُ المُعْتَضِدُ بنُ عَبَّادٍ (٣) مِنَ الكُتُب يَقُوْلُ: فَإِنْ تَحْرِقُوا القِرْطَاسَ لاَ تَحْرِقُوا الَّذِي ... تَضَمَّنَهُ القِرْطَاسُ بَلْ هُوَ فِي صَدْرِي يَسِيْرُ مَعِي حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبِي ... وَيَنْزِلُ إِنْ أَنْزِلْ وَيُدْفَنُ فِي قَبْرِي دَعُوْنِيَ مِنْ إِحْرَاقِ رَقٍ وَكَاغَدٍ ... وَقُولُوا بِعِلْمٍ كِي يَرَى النَّاسُ مَنْ يَدْرِي وَإِلاَّ فَعُوْدُوا فِي المَكَاتِبِ بَدْأَةً ... فَكَمْ دُوْنَ مَا تَبْغُونَ للهِ مِنْ سِتْرِ كَذَاكَ النَّصَارَى يَحْرِقُوْنَ إِذَا عَلَتْ ... أَكفُّهم القُرْآنَ فِي مُدُنِ الثَّغْرِ (٤) وَبِهِ (٥) لابْنِ حَزْم: أُشْهِدُ اللهَ وَالمَلاَئِكَ أَنِّي ... لاَ أَرَى الرَّأْيَ وَالمَقَايِيْسَ دِيْناً

стр. 11285

حَاشَ للهِ أَنْ أَقُوْلَ سِوَى مَا ... جَاءَ فِي النَّصِّ وَالهُدَى مُسْتَبِيْنَا كَيْفَ يَخفَى عَلَى البَصَائِرِ هَذَا ... وَهُوَ كَالشَّمْسِ شُهْرَةً وَيَقينَا فَقُلْتُ مُجيباً لَهُ: لَوْ سَلِمْتُم مِنَ العُمُومِ الَّذِي ... نَعْلَمُ قَطْعاً تخصِيْصَهُ وَيَقِيْنَا وَتَرَطَّبْتُمُ فَكَمْ قَدْ يَبِسْتُمْ (١) ... لَرَأَينَا لَكُم شُفُوَفاً مُبِيْنَا وَلابْنِ حَزْم: مُنَايَ (٢) مِنَ الدُّنْيَا علُوْمٌ أَبُثُّهَا ... وَأَنْشُرُهَا فِي كُلِّ بَادٍ وَحَاضِرِ دُعَاءٌ إِلَى القُرْآنِ وَالسُّنَنِ الَّتِي ... تَنَاسَى رِجَالٌ ذِكْرُهَا فِي المحَاضِرِ (٣) وَأَلزمُ أَطرَافَ الثُّغُوْرِ مُجَاهِداً ... إِذَا هَيْعَةٌ ثَارَتْ فَأَوَّلُ نَافِرِ لأَلْقَى حِمَامِي مُقْبِلاً غَيْرَ مُدْبِرٍ ... بِسُمْرِ العَوَالِي وَالرِّقَاقِ البَوَاتِرِ كِفَاحاً مَعَ الكُفَّارِ فِي حَوْمَةِ الوَغَى ... وَأَكْرَمُ مَوْتٍ لِلْفتى قَتْلُ كَافِرِ فَيَا رَبِّ لاَ تَجْعَلْ (٤) حِمَامِي بِغَيْرِهَا ... وَلاَ تَجْعَلَنِّي مِنْ قَطِيْنِ المَقَابِرِ وَمِنْ شِعْرِهِ (٥) : هَلِ الدَّهْرُ إِلاَّ مَا عَرَفْنَا (٦) وَأَدْرَكْنَا ... فَجَائِعُهُ تَبقَى وَلَذَّاتُهُ تَفْنَى إِذَا أَمْكَنَتْ فِيْهِ مَسَرَّةُ سَاعَةٍ ... تَوَلَّتْ كَمَرِّ الطَّرْفِ وَاسْتَخْلَفَتْ حُزْنَا

стр. 11286

إِلَى تَبِعَاتٍ فِي المَعَادِ وَمَوْقِفٍ ... نَوَدُّ لَدِيْهِ أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ كُنَّا حَنِيْنٌ لِما وَلَّى وَشُغْلٌ بِمَا أَتَى ... وَهم لَمَّا نَخْشَى (١) فَعَيْشُكَ لاَ يَهْنَا حَصَلْنَا عَلَى هَمٍّ وَإِثْمٍ وَحَسْرَةٍ ... وَفَاتَ الَّذِي كُنَّا نَلَذُّ بِهِ عَنَّا (٢) كَأنَّ الَّذِي كُنَّا نُسَرُّ بِكَوْنِهِ ... إِذَا حَقَّقَتْهُ النَّفْسُ لَفْظٌ بِلاَ مَعْنَى وَلَهُ عَلَى سَبِيْل الدُّعَابَة - وَهُوَ يمَاشِي أَبَا عُمَر بن عبد الْبر - وَقَدْ رَأَى شَابّاً مَلِيحاً، فَأَعْجَب ابْنَ حَزْمٍ، فَقَالَ أَبُو عُمَرَ: لَعَلَّ مَا تَحْتَ الثِّيَاب لَيْسَ هُنَاكَ، فَقَالَ: وَذِي عَذَلٍ فِيْمَنْ سَبَانِي حُسْنُهُ (٣) ... يُطِيْلُ مَلاَمِي فِي الهَوَى وَيَقُوْلُ أَمِنْ (٤) حُسْنِ وَجْهٍ لاَحَ لَمْ تَرَ غَيْرَهُ (٥) ... وَلَمْ تَدْرِ كَيْفَ الجِسْمُ أَنْتَ قَتِيْلُ (٦) ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَسْرَفْتَ فِي اللَّوْمِ فَاتَّئِدْ (٧) ... فَعِنْدِيَ رَدٌّ (٨) لَوْ أَشَاءُ طَوِيْلُ (٩) أَلَمْ تَرَ أَنِّي ظَاهِرِيٌّ وَأَنَّنِي ... عَلَى مَا بَدَا حَتَّى يَقومَ دَلِيْلُ

стр. 11287

أَنشدنَا أَبُو الْفَهم بن أَحْمَدَ السُّلَمِيّ، أَنشدنَا ابْنُ قُدَامَةَ، أَنشدنَا ابْن البَطِّي، أَنشدنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيّ، أَنشدنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ لِنَفْسِهِ (١) : لاَ تَشْمَتَنْ (٢) حَاسِدِي إِنْ نَكْبَةً عَرَضَتْ ... فَالدَّهْرُ لَيْسَ عَلَى حَال بِمُتَّركِ ذُو الفَضْلِ كَالتِّبْرِ طَوْراً تَحْتَ مَيْفَعَةٍ (٣) ... وَتَارَةً فِي ذُرَى تَاجٍ عَلَى مَلِكِ (٤) وَشعره فَحلٌ كَمَا تَرَى، وَكَانَ يُنظِمُ عَلَى البَدِيه، وَمِنْ شِعْرِهِ: أَنَا الشَّمْسُ فِي جُوِّ العُلُوْمِ (٥) مُنِيْرَةً ... وَلَكِنَّ عَيْبِي أَنَّ مَطْلَعِي الغَرْبُ وَلَوْ أَنَّنِي مِنْ جَانِبِ الشَّرْقِ طَالِعٌ ... لَجَدَّ عَلَى مَا ضَاعَ مِنْ ذِكْرِيَ النَّهْبُ (٦) وَلِي نَحْوَ أَكْنَافِ (٧) العِرَاقِ صَبَابَةٌ ... وَلاَ غَرْوَ أَنْ يَسْتَوحِشَ الكَلِفُ الصُّبُّ فَإِنَّ يُنْزِلِ الرَّحْمَنُ رَحْلِيَ بَيْنَهُمْ ... فَحِيْنَئِذٍ يَبْدُو التَأَسُّفُ وَالكَرْبُ (٨)

стр. 11288

هُنَالِكَ يُدْرَى (١) أَنَّ لِلْبُعْدِ قِصَّةٌ (٢) ... وَأَنَّ كسَادَ العِلْمِ آفَتُهُ القُرْبُ (٣) وَلَهُ: أَنَائِمٌ أَنْتَ عَنْ كتبِ الحَدِيْثِ وَمَا ... أَتَى عَنِ المُصْطَفَى فِيْهَا مِنَ الدِّيْنِ كَمُسْلِمٍ وَالبُخَارِيّ الَّلذِيْنَ هُمَا ... شَدَّا عُرَى الدِّيْنِ فِي نَقْلٍ وَتَبْيِينِ أَوْلَى بِأَجْرٍ وَتعَظِيْمٍ وَمَحْمَدَةٍ ... مِنْ كُلِّ قَوْلٍ أَتَى مِنْ رَأْي سُحْنُوْنِ يَا مَنْ هَدَى بِهِمَا اجعَلْنِي كَمِثْلِهِمَا ... فِي نَصْرِ دِيْنِكَ مَحْضاً غَيْرَ مَفْتُوْنِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي ترَاجم أَبْوَاب (صَحِيْح البُخَارِيّ) :مِنْهَا مَا هُوَ مقصُوْرٌ عَلَى آيَة، إِذْ لاَ يَصِحُّ فِي البَابِ شَيْءٌ غَيْرهَا، وَمِنْهَا مَا يُنَبِّهُ بِتَبْوِيبِهِ عَلَى أَنَّ فِي البَابِ حَدِيْثاً يَجِبُ الوُقُوْفُ عَلَيْهِ، لَكنه لَيْسَ مِنْ شَرط مَا أَلَّف عَلَيْهِ كِتَابهُ، وَمِنْهَا مَا يُبَوِّبُ عَلَيْهِ، وَيذكر نُبذَة مِنْ حَدِيْثِ قَدْ سَطَرَه فِي مَوْضِعٍ آخر، وَمِنْهَا أَبْوَاب تَقعُ بِلَفْظ حَدِيْث لَيْسَ مِنْ شَرطه، وَيَذكر فِي البَابِ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ. وَقَالَ فِي أَوَّلِ (الإِحكَام (٤)) :أَمَّا بَعْدُ ... فَإِنَّ اللهَ رَكَّبَ فِي النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّة قُوَىً مختلفَة، فَمِنْهَا عَدْلٌ يُزَيِّنُ لَهَا الإِنصَاف، وَيُحَبِّبُ إِلَيْهَا مُوَافِقَةَ الحَقّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ [النَّحْل:٩٠] . وَقَالَ: ﴿

стр. 11289

كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ [النِّسَاء:١٣٥] وَمِنْهَا غضبٌ وَشَهْوَةٌ يُزَيِّنَان لَهَا الجُور وَيَعمِيَانهَا عَنْ طَرِيْق الرشد (١) ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيْلَ لَهُ اتَّقِ الله أَخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البَقَرَة:٢٠٦] . وَقَالَ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدِيْهِمْ فَرحُوْنَ﴾ [الرُّوْم:٣٢] فَالفَاضِل يُسَرُّ بِمَعْرِفَته، وَالجَاهِل يُسَرُّ بِمَا لاَ يَدْرِي حقيقَةَ وَجْهِهِ وَبِمَا فِيْهِ وَبَالُه، وَمِنْهَا فَهْمٌ يُليح لَهَا (٢) الحَقُّ مِنْ قَرِيْب، وَينِير لَهَا فِي (٣) ظلمَات المشكلاَت، فَترَى بِهِ (٤) الصَّوَابَ ظَاهِراً جَلِيّاً، وَمِنْهَا جَهْلٌ يَطْمِسُ عَلَيْهَا الطَّرِيْق، وَيُسَاوِي عِنْدَهَا بَيْنَ السُّبُل، فَتبقَى النَفْسُ فِي حَيْرَةٍ تَتردد، وَفِي رِيب تَتَلَدَّد (٥) ، وَيَهْجُمُ بِهَا عَلَى أَحَد الطّرق المُجَانبَة لِلحق تَهَوُّراً وَإِقدَاماً، قَالَ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِيْنَ يَعلمُوْنَ وَالَّذِيْنَ لاَ يَعلمُوْنَ﴾ [الزُّمَر:٩] وَمِنْهَا قُوَّةُ التّمِييز الَّتِي سمَّاهَا الأَوَائِلُ المنطقَ، فَجَعَلَ لَهَا خَالِقهَا بِهَذِهِ القُوَّة سَبيلاً إِلَى فَهم خِطَابِهِ، وَإِلَى مَعْرِفَة الأَشيَاء عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَإِلَى إِمَكَان التفهُم، فَبهَا تَكُوْن مَعْرِفَة الحَقّ مِنَ البَاطِل، وَمِنْهَا قُوَّةُ العَقْل الَّتِي تُعينُ النَفْس المُمَيِّزَة عَلَى نُصْرَة العَدْل، فَمَنِ اتَّبع مَا أَنَاره (٦) لَهُ العَقْلُ الصَّحِيْح، نَجَا وَفَاز، وَمِنْ عَاج عَنْهُ هَلَكَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيْدٌ﴾ [ق:٣٧] . فَأَرَادَ بِذَلِكَ العَقْلَ، أَمَا مُضغَةُ القَلْب، فَهِيَ لِكُلِّ أَحَد، فَغَيْرُ العَاقل كَمَنْ لاَ قَلْبَ لَهُ.

стр. 11290

وَكَلاَمُ ابْن حَزْمٍ كَثِيْرٌ، وَلَوْ أَخذتُ فِي إِيرَادِ طُرَفِهِ وَمَا شَذَّ بِهِ، لطَال الأَمْر. قَالَ أَبُو القَاسِمِ بنُ بَشْكُوَال الحَافِظ فِي (الصّلَة (١)) لَهُ: قَالَ القَاضِي صَاعِدُ بنُ أَحْمَدَ: كَتَبَ إِلَيَّ ابْنُ حَزْمٍ بخطِّهِ يَقُوْلُ: وُلِدْتُ بقُرْطُبَة فِي الجَانب الشَّرْقِيّ فِي رَبَضِ مُنية المُغِيْرَة، قَبْل طُلُوْع الشَّمْس آخِرَ لَيْلَة الأَرْبعَاء، آخرَ يَوْم مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة، بطَالع الْعَقْرَب، وَهُوَ اليَوْم السَّابِع مِنْ نُوَنْيِر (٢) . قَالَ صَاعِد: وَنقُلْتُ مِنْ خطّ ابْنِهِ أَبِي رَافِعٍ، أَنْ أَبَاهُ تُوُفِّيَ عَشِيَّة يَوْم الأَحَد لِليلتين بقيتَا مِنْ شَعْبَانَ، سَنَة سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، فَكَانَ عُمُره إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ سَنَةً وَأَشْهُراً (٣) ﵀. وَمِنْ نَظْمِ أَبِي مُحَمَّدٍ بن حَزْم: لَمْ أَشْكُ صَدّاً وَلَمْ أُذْعِنْ بِهِجْرَانِ ... وَلاَ شَعَرْتُ مَدَى دَهْرِي بِسُلْوَانِ أَسْمَاءُ لَمْ أَدْرِ مَعْنَاهَا وَلاَ خَطَرَتْ ... يَوْماً عَلِيَّ وَلاَ جَالَتْ بِمِيدَانِي لَكِنَّمَا دَائِي الأَدوا الَّذِي عَصَفَتْ ... عَلَيَّ أَرْوَاحُهُ قِدماً فَأَعْيَانِي تَفَرَّقَ لَمْ تَزَلْ تَسْرِي طَوَارِقُهُ ... إِلَى مَجَامِعَ أَحبَابِي وَخِلاَّنِي كَأَنمَا البَيْنُ بِي يَأْتَمُّ حَيْثُ رَأَى ... لِي مَذْهَباً فَهُوَ يَتْلُونِي وَيَغشَانِي وَكُنْتُ أَحسبُ عِنْدِي لِلنوَى جَلَداً ... دَاءٌ عَنَا (٤) فِي فؤَادِي شجوهَا العَانِي فَقَابَلَتْنِي بِأَلوَانٍ غَدَوْتُ بِهَا ... مقَابَلاً مِنْ صَبَابَاتِي بِأَلوَانِ

стр. 11291

وَمِمَّنْ مَاتَ مَعَ ابْنِ حَزْم فِي السَّنَةِ: الحَافِظُ أَبُو الوَلِيْدِ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدٍ الدَّرْبَنْدِي (١) ، وَالفَقِيْهُ أَبُو القَاسِمِ سِرَاجُ بنُ عَبْد اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ سِرَاج، قَاضِي الجَمَاعَة بقُرْطُبَة (٢) ، وَالحَافِظ عَبْدُ العَزِيْزِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَاصِمٍ النَّخْشَبِيّ (٣) ، وَشيخُ العَرَبِيَّة أَبُو القَاسِمِ عبدُ الوَاحِد بنُ عَلِيِّ بنِ بَرْهَان (٤) بِبَغْدَادَ، وَمُسْنِدُ الوَقْتِ أَبُو الحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَسْنُوْنَ النَّرْسِيُّ (٥) ، وَالمُحَدِّثُ أَبُو سَعِيْدٍ محمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الخَشَّاب النَّيْسَابُوْرِيُّ (٦) ، وَالوَزِيْرُ عَمِيْدُ المُلك مُحَمَّدُ بنُ مَنْصُوْرٍ الكُنْدُرِي (٧) . وَلابْنِ حَزْم: قَالُوا تَحَفَّظْ فَإِنَّ النَّاس قَدْ كَثُرَتْ ... أَقْوَالُهم وَأَقَاويلُ الوَرَى مِحَنُ فَقُلْتُ: هَلْ عَيْبُهم لِي غَيْر أَنِّي لاَ ... أَقُوْلُ بِالرَّأْي إِذْ فِي رَأَيهِم فِتَنُ وَأَنَّنِي مُوْلَعٌ بِالنَّصِّ لَسْتُ إِلَى ... سِوَاهُ أَنَحْو وَلاَ فِي نَصْرِهِ أَهِنُ لاَ أَنثنِي لمقَاييس يُقَالَ بِهَا ... فِي الدِّيْنِ بَلْ حَسْبِيَ القُرْآن وَالسُّنَنُ يَا بَرْدَ ذَا القَوْلِ فِي قَلْبِي وَفِي كَبِدِي ... وَيَا سرُوْرِي بِهِ لَوْ أَنَّهم فَطنُوا دَعْهُمْ يَعَضُّوا عَلَى صُمِّ الحَصَى كَمَداً ... مَنْ مَاتَ مِنْ قَوْله عِنْدِي لَهُ كَفَنُ ١٠٠ - القَاضِي أَبُو تَمَّامٍ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ * قَاضِي وَاسِطَ، المُعَمَّرُ، المُسْنِدُ، أَبُو تَمَّام عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ

стр. 11292

بنِ يَزدَادَ البَغْدَادِيُّ، الوَاسِطِيُّ، المُعْتَزِلِيُّ. حَدَّثَ عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ المُظَفَّر الحَافِظ، وَأَبِي الفَضْل الزُّهْرِيّ، وَغَيْرهُمَا. وَتَفَرَّد فِي وَقْتِهِ. وَمَاتَ: فِي شَوَّال سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَع مائَة. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ (١) :تَقَلَّدَ قَضَاء وَاسِط مُدَّة وَكَانَ مُعْتَزِلياً. قُلْتُ: آخرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَة أَبُو القَاسِمِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدِيّ، وَبَالسَّمَاع أَبُو الْكَرم نَصْرُ اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ الجَلَخْت الأَزْدِيّ. ١٠١ - السُّيُوْرِيُّ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ * شَيْخُ المَالِكِيَّةِ، وَخَاتَمُ الأَئِمَّةِ بِالقَيْرَوَان، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الخَالِقِ بنُ عَبْدِ الوَارِثِ المَغْرِبِيُّ، السُّيُورِيُّ، أَحَدُ مَنْ يُضْرَبُ بِحِفْظِهِ المَثَلُ فِي الفِقْهِ مَعَ الزُّهْدِ وَالتَّأَلُّهِ. لَهُ تَعليقَةٌ عَلَى (المُدَوَّنَة) وَتَخَرَّج بِهِ أَئِمَّة. مَاتَ: سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَع مائَة، عَنْ سِنٍّ عَالِيَة. ذَكَرَهُ عيَاض. ١٠٢ - ابْنُ المُسْلِمَةِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيُّ ** الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الثِّقَةُ، الجَلِيْلُ، الصَّالِحُ، مُسْنِدُ الوَقْتِ، أَبُو جَعْفَرٍ

стр. 11293

مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ بنِ حَسَنِ بنِ عُبَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ خَالِدِ بنِ الرُّفَيلِ السُّلَمِيُّ، البَغْدَادِيُّ، ابْنُ المُسْلِمَةِ. أَسْلَمَ الرُّفَيلُ المَذْكُوْر عَلَى يَد عُمَر ﵁ (١) -. وَمَوْلِدُ أَبِي جَعْفَرٍ: فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَة خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَسَمِعَ: أَبَا الفَضْلِ عُبَيْد اللهِ بنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزُّهْرِيَّ، فَكَانَ خَاتِمَةَ أَصْحَابِهِ، وَالقَاضِي أَبَا مُحَمَّدٍ بنَ مَعْرُوف، وَإِسْمَاعِيْلَ بنَ سُوَيْدٍ، وَمُحَمَّدَ بن أَخِي مِيمِي، وَعِيْسَى بنَ الوَزِيْر، وَأَبَا طَاهِرٍ المُخَلِّص. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ، وَأَبُو عَلِيٍّ البَرَدَانِي، وَتَمرتَاشُ بنُ بختِكِين، وَالقَاسِم بنُ طَاهِرٍ المَعْقِلِي، وَمُحَمَّدُ بنُ مَطَر العَبَّاسِيُّ، وَأَبُو سَعْدٍ المُبَارَكُ بنُ عَلِيٍّ المُخَرِّمِيُّ الفَقِيْه، وَأَبُو الحَسَنِ بنُ الزَّاغُوْنِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيّ، وَأَبُو الغَنَائِمِ النَّرْسِيّ، وَأَبُو بَكْرٍ قَاضِي المرستَان، وَأَبُو الفَتْحِ عَبْدُ اللهِ بنُ البيضَاوِيّ، وَمُحَمَّدُ بنُ الفَرَجِ المُعَلِّم، وَهِبَةُ اللهِ بن مُحَمَّدٍ الرُّفَيلِي، وَمُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدٍ السّلاَل، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن مُحَمَّدٍ القَزَّاز، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ بنِ خَيْرُوْنَ، وَأَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ الأُرْمَوِيّ، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الطَّرَائِفِيّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ الدَّايَةِ، وَأَبُو تَمَّام أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُخْتَار الهَاشِمِيّ؛ نَزِيل نَيْسَابُوْر، وَخَلْقٌ كَثِيْرٌ. وَكَانَ صَحِيْح الأُصُوْل، كَثِيْرَ السَّمَاع، جمِيْل الطّرِيقَة.

стр. 11294

قَالَ أَبُو الفَضْلِ بنُ خَيْرُوْنَ: كَانَ ثِقَةً صَالِحاً. وَقَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: سَمِعْتُ إِسْمَاعِيْلَ بن الفَضْلِ الحَافِظ يَقُوْلُ: أَبُو جَعْفَرٍ ثِقَة مُحتشِم. قُلْتُ: تُوُفِّيَ فِي تَاسع جُمَادَى الأُوْلَى سَنَة خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَأَبُوْهُ: ١٠٣ - ابْنُ المُسْلِمَةِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ المُعَدَّلُ * هُوَ: الإِمَامُ العَابِدُ، الصَّدُوْقُ، أَبُو الفَرَجِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُمَرَ المُعَدَّلُ. سَمِعَ: أَبَا بَكْرٍ النّجَاد، وَأَحْمَدَ بنَ كَامِل القَاضِي، وَابْن علم (١) ، وَدَعْلَجاً. قَالَ الخَطِيْبُ (٢) :كَانَ ثِقَةً يُمْلِي فِي السَّنَةِ مَجْلِساً وَاحِداً، وَكَانَ مَوْصُوَفاً بِالعَقل وَالفَضْلِ وَالبرِّ، وَدَارُهُ مَألَفٌ لأَهْل العِلْمِ، وَكَانَ صَوَّاماً، كَثِيْر التِّلاَوَة. مَاتَ: فِي ذِي القَعْدَةِ سَنَة خَمْسَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِ مائَة، عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. قُلْتُ: حَدَّثَ عَنْهُ: الخَطِيْب، وَطِرَاد الزَّيْنَبِيّ، وَغَيْرهُمَا. وَتَفَقَّهَ عَلَى شيَخِ الحَنَفِيَّة أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ. وَسَرَدَ الصَّوْمَ وَكَانَ يَتهجدُ بِسُبُع القُرْآن.

стр. 11295

قَالَ رَئِيْسُ الرُّؤَسَاء: كَانَ جَدِّي يَخْتَلِفُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ، وَرُئِي لَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. وَابْنُ أَخِيْهِ: ١٠٤ - رَئِيْسُ الرُّؤَسَاءِ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ أَبِي الفَرَجِ بنِ المُسْلِمَةِ * هُوَ وَزِيْرُ القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ (١) ، الصَّدْرُ المُعَظَّمُ، رَئِيْسُ الرُّؤَسَاءِ، أَبُو القَاسِمِ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ بنِ الشَّيْخِ أَبِي الفَرَجِ بنِ المُسْلِمَةِ. اسْتَكْتَبَهُ القَائِم، ثُمَّ اسْتَوْزَرَهُ، وَكَانَ عزِيزاً عَلَيْهِ جِدّاً، وَكَانَ مِنْ خيَار الوزرَاء العَادلين. وُلِدَ: سَنَةَ (٣٩٧) . وَسَمِعَ مِنْ: جدّه، وَابْن أَبِي مُسْلِم الفَرَضِي، وَإِسْمَاعِيْل الصَّرْصَرِي. حَدَّثَ عَنْهُ: الخَطِيْب، وَكَانَ خِصِّيْصاً بِهِ، وَوَثَّقَهُ، وَقَالَ (٢) :اجْتَمَع فِيْهِ مِنَ الآلاَت مَا لَمْ يَجتمع فِي أَحَد قَبْله، مَعَ سَدَادِ مَذْهَب، وَوُفور عَقْلٍ، وَأَصَالَة رَأْي. قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وَزر أَبُو القَاسِمِ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ، وَلُقِّبَ جَمَالُ

стр. 11296

الورَى، شرف الوزرَاء (١) . وَلَمْ يَبْقَ لَهُ ضِدٌ إِلاَّ البسَاسيرِي؛ الأَمِيْر المُظَفَّر أَبُو الحَارِثِ التُّرْكِيّ (٢) ، فَإِنَّ أَبَا الحَارِث عظُم جِدّاً، وَلَمْ يَبْقَ لِلملك الرَّحِيْم بن بُويه (٣) مَعَهُ سِوَى الاسْم، ثُمَّ إِنَّهُ خلع القَائِم، وَتَملَّك بَغْدَاد، وَخَطَبَ بِهَا لصَاحِب مِصْر المُسْتنصر، فَقَتَلَ رَئِيْس الرُّؤَسَاء أَبَا القَاسِمِ بن المُسلمَة (٤) . وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الهَمَذَانِيّ: أُخرج رَئِيْسُ الرُّؤَسَاء وَعَلَيْهِ عبَاءة وَطُرْطُور، وَفِي رَقبتِهِ مخْنَقَةُ جُلُود وَهُوَ يَقرَأَ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ ... ﴾ [آل عِمْرَان:٢٦] وَيُرَدِّدهَا، فَطِيْفَ بِهِ عَلَى جمل، ثُمَّ خِيط عَلَيْهِ جلد ثَوْر بقرنِيْنَ، وَعُلِّقَ وَفِي فَكَّيه كَلُّوبَان (٥) ، وَتَلِفَ فِي آخِر النَّهَار فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (٦) . قُلْتُ: كَانَ مِنْ عُلَمَاء الكُبَرَاء وَنُبَلاَئِهِم. أَخْبَرَنَا أَبُو المَعَالِي أَحْمَدُ بنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا الفَتْحُ بنُ عَبْدِ السَّلاَم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ، وَمُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الطَّرَائِفِيّ، وَمُحَمَّد بن عَلِيّ قَالُوا: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ المُعَدَّل، أَخْبَرَنَا عبيدُ الله بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَنَة ثَمَانِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بنُ مُحَمَّدٍ الفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي مُوْسَى الأَشْعَرِيِّ: أَنَّ

стр. 11297

رَسُوْل اللهِ ﷺ قَالَ: (مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقَرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّة؛ رِيحُهَا طَيِّب وَطَعْمُهَا طَيِّب) . وَبِهِ: إِلَى الفِرْيَابِيِّ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوْسَى: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقَرَأُ القُرْآنَ كَمثل الأُتْرُجَّة) . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١) . مَاتَ مَعَ ابْنِ المسلمَة (٢) :السُّلْطَانُ أَلب آرسلاَن السَّلْجُوْقِي (٣) ، وَعَائِشَةُ ابْنَة أَبِي عُمَرَ البِسْطَامِي (٤) ، وَأَبُو الغَنَائِمِ بنُ المَأْمُوْن (٥) ، وَأَبُو القَاسِمِ بنُ القُشَيْرِيّ (٦) ، وَصُردرّ شَاعِرُ وَقته أَبُو مَنْصُوْرٍ عَلِيُّ بنُ الحَسَنِ (٧) ، وَالحَافِظُ أَبُو سَعْدٍ السُّكَّرِيّ (٨) ، وَكَرِيْمَةُ المروزِيَّة (٩) ، وَأَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ وَرْقَاء، وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ الْمُهْتَدي بِاللهِ (١٠) ، وَأَبُو المُظَفَّرِ هنَّاد النسفِي.

стр. 11298

١٠٥ - الزَّهْرَاوِيُّ عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يُوْسُفَ بنِ حَامِدٍ * الإِمَامُ، العَالِمُ، الحَافِظُ، المُجَوِّدُ، مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ مَعَ ابْنِ عَبْدِ البِرِّ، أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يُوْسُفَ بنِ حَامِدٍ الذُّهْلِيُّ (١) ، القُرْطُبِيُّ، الزَّهْرَاوِيُّ. وَمدينَة الزّهرَاء: بَعْض نَهَار عَنْ قُرْطُبَة، أَنشَأَهَا النَّاصر الأُمَوِيّ (٢) . وُلِدَ: سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَحَدَّثَ عَنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ بن أَسَد، وَعبد الوَارِث بن سُفْيَانَ، وَالقَاضِي أَبِي المُطَرِّف بن فُطَيْس، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ أَبِي زَمَنِيْنَ، وَسَلَمَةَ بن سَعِيْدٍ، وَأَبِي المَطَرف القنَازِعِي، وَعبدِ السَّلاَّم بن سَمْح، وَأَبِي القَاسِمِ بن عُصْفُور، وَأَبِي الوَلِيْد بن الفَرَضِي، وَطَبَقَتهم مِنْ أَهْلِ قُرْطُبَة وَالزّهرَاء وَإِشبيلية. وَكَتَبَ إِلَيْهِ بِالإِجَازَة أَبُو الحَسَنِ القَابِسِي، وَطَائِفَة. وَكَانَ مُعتنِياً بِنَقْلِ الحَدِيْث وَجَمَعِهِ وَسَمَاعِه (٣) . حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ عَتَّاب، وَابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنه الآخر أَبُو القَاسِمِ، وَأَبُو مَرْوَان الطُّبْنِي (٤) ، وَأَبُو عُمَرَ بنُ مَهْدِيّ المُقْرِئ، وَقَالَ: وَكَانَ

стр. 11299

خَيِّراً ثِقَة، مُتصَاوناً، قَدِيْمَ الطَّلَب. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو عَلِيٍّ الغَسَّانِيّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ اخْتُلِطَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ (١) . قَالَ ابْنُ بَشْكُوَال (٢) :أَخْبَرَنَا عَنْهُ أَبُو مُحَمَّدٍ بنُ عتَّاب وَقَالَ لِي: لحق أَبَا حَفْصٍ فِي آخِرِ عُمُرِهِ خصَاصَةٌ، فَكَانَ يَتَكَفَّفُ النَّاس. قَالَ: وَقَرَأْتُ بخطِّ أَبِي مَرْوَانَ الطُّبْنِي: أَخْبَرَنِي أَبُو حَفْصٍ الزَّهْرَاوِيّ قَالَ: شَددت ثَمَانِيَة أَحمَال كُتبٍ لأَنقلهَا إِلَى مَكَان، فَمَا تَمَّ حَتَّى انتهبهَا البَرْبَر. تُوُفِّيَ: فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، عَنِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ سَنَةً. ١٠٦ - المَأْمُوْنُ يَحْيَى بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهَوَّارِيُّ * مَلِكُ طُلَيْطُلَةَ، أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى ابْنُ صَاحِبِ طُلَيْطُلَةَ الأَمِيْرِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَامِرِ بنِ ذِي النُّوْنِ الهَوَّارِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ. استولَى أَبُوْهُ عَلَى البَلَد بَعْد العِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَنزعُوا طَاعَة المَرْوَانِية، وَتَملَّك المَأْمُوْن بَعْد أَبِيْهِ سَنَة خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ (٣) ، فَامتدَّتْ أَيَّامُهُ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، عَاكفاً عَلَى اللَّذَات وَالخلاعَة، وَصَادر الرعيَّةَ، وَهَادن

стр. 11300

العَدُوّ، وَقَدِمَ الأَطرَاف، فَطمعت فِيْهِ الفِرَنْجُ، بَلْ فِي الأَنْدَلُس؛ وَأَخَذت عِدَّةَ حُصُوْنَ إِلَى أَنْ أَخذُوا مِنْهم طُلَيْطُلَة فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة، وَجَعَلوهَا دَار ملكهم - فَإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُوْنَ - وَكَانَ المَأْمُوْنُ أَرَادَ أَنْ يَسْتَنجد بِالفِرَنْج عَلَى تَمَلُّك مَدَائِن الأَنْدَلُس، فَكَاتِب طَاغِيتهُم: أَنْ تَعَال فِي مائَة فَارِس، وَالمُلتقَى فِي مَكَان كَذَا، فَسَارَ فِي مائَتَيْنِ، وَأَقْبَلَ الطَّاغِيَةُ فِي سِتَّة آلاَف، وَجَعَلهم كَمِيناً لَهُ، وَقَالَ: إِذَا رَأَيتمونَا قَدِ اجْتمَعَنَا، فَأَحيطُوا بِنَا. فَلَمَّا اجْتَمَع الملكَانَ، أَحَاط بِهِم الجَيْش، فَنَدِمَ المَأْمُوْن، وَحَار، فَقَالَ الفِرَنْجِي: يَا يَحْيَى! وَحقِّ الإِنجيل كُنْتُ أَظنك عَاقِلاً، وَأَنْت أَحْمَقُ! جِئْت إِلَيَّ، وَسَلَّمْتَ مُهْجَتَكَ بِلاَ عَهد وَلاَ عَقد، فَلاَ نَجوتَ مِنِّي حَتَّى تُعطيَنِي مَا أَطلب. قَالَ: فَاقتصِد. فَسَمَّى لَهُ حُصُوْناً، وَقرَّرَ عَلَيْهِ مَالاً فِي كُلِّ سَنَة، وَرجع ذَليلاً مخذولاً، وَذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاهُ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ سِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة (١) . ١٠٧ - ابْنُ المَأْمُوْنِ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدٍ الهَاشِمِيُّ * الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الثِّقَةُ، الجَلِيْلُ، المُعَمَّرُ، أَبُو الغَنَائِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بنُ عَلِيِّ بنِ مُحَمَّدِ بنِ الحَسَنِ بنِ الفَضْلِ بنِ المَأْمُوْنِ بنِ الرَّشِيْدِ الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ، البَغْدَادِيُّ، شَيْخُ المُحَدِّثِيْنَ بِبَغْدَادَ. قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: كَانَ ثِقَةً، صَدُوْقاً، نبيلاً، مَهِيْباً، كَثِيْرَ الصَّمْت، تَعلُوْهُ سَكِيْنَة وَوَقَار، وَكَانَ رَئِيْسَ آل المَأْمُوْن وَزَعِيْمَهُم. طَعن فِي السِّنّ، وَرَحَلَ إِلَيْهِ النَّاس، وَانتشرتْ رِوَايَتُهُ فِي الآفَاق.

стр. 11301

سَمِعَ: أَبَا الحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيّ، وَعَلِيَّ بنَ عُمَرَ السُّكَّرِيّ، وَأَبَا نَصْر المَلاَحِمِي، وَجَدَّه أَبَا الفَضْل بن المَأْمُوْن، وَعُبَيْد اللهِ بن حَبَابَةَ، وَطَائِفَة. رَوَى لَنَا عَنْهُ: يُوْسُفُ بنُ أَيُّوْبَ الهَمَذَانِيّ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ البَاقِي الفَرَضِي، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ القَزَّاز، وَغَيْرهُم. قَالَ الخَطِيْبُ (١) :كَانَ صَدُوْقاً، كَتَبْتُ عَنْهُ. قَالَ السَّمْعَانِيّ: سَأَلتُ إِسْمَاعِيْلَ بنَ مُحَمَّدٍ الحَافِظ عَنْ أَبِي الغنَائِم ابْن المَأْمُوْن، فَقَالَ: شَرِيْفٌ مُحتشمّ، ثِقَة، كَثِيْرُ السَّمَاع. وَقَالَ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ المَأْمُوْن: وُلد أَخِي أَبُو الغَنَائِمِ سَنَة سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة (٢) . وَقَالَ غَيْرُهُ: وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ. قُلْتُ: وَحَدَّثَ عَنْهُ: الحُمَيْدِيُّ، وَأُبَيّ النَّرْسِيّ، وَأَحْمَدُ بنُ ظَفَر، وَأَبُو الفَتْحِ عَبْدُ اللهِ بنُ البَيْضَاوِيّ، وَأَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ الأُرْمَوِيّ. وَرَوَى عَنْهُ بَعْدهم بِالإِجَازَة: مَسْعُوْدُ بنُ الحَسَنِ الثَّقَفِيّ، ثُمَّ ظهر أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بصَحِيْح، فَرَجَعَ عَنِ الرِّوَايَة. مَاتَ: فِي سَابع عشر شَوَّال سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. ١٠٨ - الدَّاوُوْدِيُّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُظَفَّرِ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الوَرِعُ، القُدْوَةُ، جَمَالُ الإِسْلاَمِ، مُسْنِدُ الوَقْتِ، أَبُو

стр. 11302

الحَسَنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ المُظَفَّرِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ دَاوُدَ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُعَاذٍ الدَّاوُوْدِيُّ، البُوْشَنْجِيُّ (١) . مَوْلِدُهُ: فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَسَمِعَ: (الصَّحِيْح) وَ (مُسْنَد) عَبْد بن حُمَيْدٍ وَتَفْسِيْره، وَ (مُسْنَد) أَبِي مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيّ مِنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بن حَمَّوَيْه السَّرْخَسِيّ بِبُوشَنْج، وَتَفَرَّد فِي الدُّنْيَا بِعُلُوِّ ذَلِكَ. وَسَمِعَ بهَرَاة مِنْ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي شُرَيْح. وَبِنَيْسَابُوْرَ مِنْ: أَبِي عَبْدِ اللهِ الحَاكِم، وَابْن يُوْسُفَ، وَابْنِ مَحْمِش. وَبِبَغْدَادَ مِنِ: ابْنِ الصَّلْت المُجْبِر، وَابْن مَهْدِيّ الفَارِسِيّ، وَعَلِيِّ بن عُمَرَ التَّمَّار. وَكَانَ مجيئهُ إِلَى بَغْدَادَ سَنَة تِسْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة، فَأَقَامَ بِهَا أَعْوَاماً، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي حَامِد، وَعَلَى أَبِي الطَّيِّبِ الصُّعلوكِيّ، وَأَبِي بَكْرٍ القَفَّال، وَابْن مَحْمِش. وَقِيْلَ: إِنَّهُ كَانَ يَتقوَّتُ بِمَا يُحمل إِلَيْهِ مِنْ مُلْكٍ لَهُ بِبُوشَنْج، وَيُبَالغ فِي الوَرَع، وَمَحَاسِنهُ جَمَّة. قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: كَانَ وَجهَ مَشَايِخِ خُرَاسَان فَضْلاً عَنْ نَاحِيَته، وَالمَعْرُوفَ فِي أَصلِهِ وَفضلهِ وَطرِيقتهِ، لَهُ قَدَم فِي التَّقْوَى رَاسخ، يَسْتَحق أَنْ يُطوَى لِلتبرك بِهِ فَرَاسخ، فَضلُه فِي الفُنُوْنِ مَشْهُوْر، وَذِكْرُه فِي الكُتُبِ مَسْطُور، وَأَيَّامه غُرر، وَكَلاَمه دُرَر، قرَأَ الأَدبَ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الفَنْجُكِرْدِي (٢) ، وَالفِقْهَ

стр. 11303

عَلَى عِدَّة، كَانَ مَا يَأْكُلهُ يُحمل مِنْ بُوشَنْج إِلَى بَغْدَادَ احتيَاطاً، صحب أَبَا عليّ الدَّقَّاق، وَأَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ بِنَيْسَابُوْرَ، وَصَحِبَ فَاخراً السِّجْزِيّ بِبُسْت (١) فِي رحلته إِلَى غَزْنَة (٢) ، وَلقِي يَحْيَى بن عَمَّارٍ الوَاعِظ ... ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَخذَ فِي مَجْلِس التَّذكير وَالفَتْوَى، وَالتَّدرِيس وَالتَّصنِيف، وَكَانَ ذَا حظٍّ مِنَ النَّظم وَالنَّثر. حَدَّثَنَا عَنْهُ مُسَافِرُ بنُ مُحَمَّدٍ وَأَخُوْهُ أَحْمَد، وَأَبُو المَحَاسِنِ أَسْعَدُ بنُ زِيَادٍ المَالِيْنِيّ، وَأَبُو الوَقْتِ عبدُ الأَوَّل السِّجْزِيّ، وَعَائِشَةُ بِنْت عَبْدِ اللهِ البُوْشَنْجِيَّة (٣) . وَسَمِعْتُ يُوْسُف بن مُحَمَّدِ بنِ فَارُوا الأَنْدَلُسِيّ، سَمِعْتُ عَلِيَّ بنَ سُلَيْمَانَ المُرَادِيّ يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو الحَسَنِ عبدُ الغَافِرِ بن إِسْمَاعِيْلَ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ (الصَّحِيْح) مِنْ أَبِي سَهْلٍ الحَفْصِي، وَأَجَازَهُ لِي الدَّاوُوْدِيّ، وَإِجَازَةُ الدَّاوُوْدِيّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ السَّمَاع مِنَ الحَفْصِي (٤) . وَسَمِعْتُ أَسَعْد بن زِيَادٍ يَقُوْلُ: كَانَ شَيْخُنَا الدَّاوُوْدِيّ بَقِيَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً لاَ يَأْكُل لحماً، وَقْتَ تَشْوِيْشِ التُّرُكْمَان، وَاختلاَطِ النَّهْبِ، فَأَضرَّ بِهِ، فَكَانَ يَأْكُلُ السَّمك، وَيُصطَادُ لَهُ مِنْ نَهْرٍ كَبِيْر، فَحُكِي لَهُ أَن بَعْض الأُمَرَاء أَكل عَلَى حَافَّة ذَلِكَ النَّهْر وَنُفِضَتْ سُفرتُه وَمَا فَضل فِي النَّهْرِ، فَمَا أَكل السَّمك بَعْد.

стр. 11304

وَسَمِعْتُ مَحْمُوْد بن زِيَادٍ الحَنَفِيّ، سَمِعْتُ المُخْتَار بن عبد الحمِيد البُوْشَنْجِيّ يَقُوْلُ: صَلَّى أَبُو الحَسَنِ الدَّاوُوْدِيّ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً وَيدُهُ خَارِجَة مِنْ كُمِّهِ اسْتَعمَالاً لِلسُّنَّة، وَاحتيَاطاً لأَحدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وَضَع اليَدين وَهُمَا مكشوفتَان حَالَةَ السُّجُود. قَالَ السِّلَفِيّ: سَأَلتُ المُؤتمن عَنِ الدَّاوُوْدِيّ، فَقَالَ: كَانَ مِنْ سَادَاتِ رِجَال خُرَاسَان، تركَ أَكل الحيوَانَات وَمَا يَخْرُج مِنْهَا مُنْذُ دَخَلَ التُّرُكْمَان ديَارهم. تَفَقَّهَ بِسَهل الصُّعلوكِي، وَبأَبِي حَامِدٍ الإِسفرَايينِي. قَالَ ابْنُ النَّجَّار: كَانَ مِنَ الأَئِمَّةِ الكِبَار فِي المَذْهَب، ثِقَة، عَابِداً، محققاً، دَرَّس وَأَفتَى، وَصَنَّفَ وَوَعظ. قَالَ أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بنُ عَلِيٍّ؛ أَخُو نَظَام الْملك: كَانَ أَبُو الحَسَنِ الدَّاوُوْدِيّ لاَ تَسكن شَفَتُهُ مِنْ ذِكْرِ الله، فَحُكِي أَن مُزَيِّناً أَرَادَ قصَّ شَارَبّه، فَقَالَ: سَكِّنْ شَفتيك. قَالَ: قُلْ لِلزَّمَان حَتَّى يَسكن. وَدَخَلَ أَخِي نِظَامُ المُلك عَلَيْهِ، فَقعد بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتوَاضع لَهُ، فَقَالَ لأَخِي: أَيُّهَا الرَّجُل! إِنَّك (١) سَلَّطك اللهُ عَلَى عِبَاده، فَانْظُرْ كَيْفَ تُجيبه إِذَا سَأَلَكَ عَنْهُم. وَمِنْ شِعْرِهِ: رَبِّ تَقَبَّلْ عَمَلِي ... وَلاَ تُخَيِّبْ أَمَلِي أَصْلِحْ أُمُورِي كُلَّهَا ... قَبْلَ حُلُوْلِ الأَجَلِ (٢) وَلَهُ: يَا شَارِبَ الخَمْرِ اغْتَنِمْ تَوبَةً ... قَبْلَ التِفَافِ السَّاقِ بِالسَّاقِ

стр. 11305

المَوْتُ سُلْطَانٌ لَهُ سَطْوَةٌ ... يَأْتِي عَلَى المَسْقِيِّ وَالسَّاقِي قَالَ عبدُ الغَافِرِ فِي (تَارِيْخِهِ) :وُلد الدَّاوُوْدِيّ فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَقَالَ الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ الكُتُبِيّ: تُوُفِّيَ بِبُوْشَنْج فِي شَوَّال، سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة. وَبُوشَنْج: بشين مُعْجَمَة - وَقِيْلَ: أَوله فَاء - بَلْدَة عَلَى سَبْعَة فَرَاسخ مِنْ هَرَاة، وَبَعْضُهم يَقُوْلُ: بِسِيْنٍ مُهْمَلَةٍ (١) . أَنشدنَا ابْنُ اليُونِينِي، أَخْبَرَنَا جَعْفَرٌ، أَخْبَرَنَا السِّلَفِيُّ، أَنشدنَا أَبُو السَّمْح الحَافِظ بِتُسْتَر، أَنشدنَا الدَّاوُوْدِيّ بِبُوشَنْج لِنَفْسِهِ: كَانَ اجْتمَاعُ النَّاسِ فِيمَا مَضَى ... يُورِثُ البَهْجَةَ وَالسَّلْوَهْ فَانقَلْبَ الأَمْرُ إِلَى ضِدِّهِ ... فَصَارَتِ السَّلْوَةُ فِي الخَلْوَهْ (٢) وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَطَاءٍ الإِبْرَاهِيْمِيّ: أَنشدنَا الدَّاوُوْدِيّ لِنَفْسِهِ: كَانَ فِي الاجْتِمَاعِ مِنْ قَبْلُ (٣) نُوْرٌ ... فَمَضَى النُّوْرُ وَادْلَهَمَّ الظَّلامُ فَسَدَ النَّاسُ وَالزَّمَانُ جَمِيْعاً ... فَعَلَى النَّاسِ وَالزَّمَانِ السَّلاَمُ

стр. 11306

١٠٩ - القُشَيْرِيُّ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ هَوَازِنَ بنِ عَبْدِ المَلِكِ * الإِمَامُ، الزَّاهِدُ، القُدْوَةُ، الأُسْتَاذُ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الكَرِيْمِ بنُ هَوَازِن بنِ عَبْدِ المَلِكِ بنِ طَلْحَةَ القُشَيْرِيُّ، الخُرَاسَانِيُّ، النَّيْسَابُوْرِيُّ، الشَّافِعِيُّ، الصُّوْفِيُّ، المُفَسِّرُ، صَاحِبُ (الرِّسَالَةِ (١)) . وُلِدَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. وَتعَانَى الفُروسيَّة وَالعَمَل بِالسِّلاَح حَتَّى بَرَعَ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ تَعَلَّم الكِتَابَة وَالعَرَبِيَّة، وَجَوَّد. ثُمَّ سَمِعَ الحَدِيْث مِنْ: أَبِي الحُسَيْنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الخَفَّاف؛ صَاحِب أَبِي العَبَّاسِ الثَّقَفِيّ، وَمِنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَبْدِ الْملك بن الحَسَنِ الإِسفرَايينِي، وَأَبِي

стр. 11307

الحَسَن العَلَوِيّ، وَعبدِ الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيْمَ المُزَكِّي، وَعَبْدِ اللهِ بن يُوْسُفَ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ فُورك، وَأَبِي نُعَيْمٍ أَحْمَدَ بن مُحَمَّدٍ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ عَبْدُوْس، وَالسُّلَمِيّ، وَابْن بَاكُويه، وَعِدَّة. وَتَفَقَّهَ عَلَى: أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بن أَبِي بَكْرٍ الطُّوْسِيّ، وَالأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الإِسفرَايينِي، وَابْن فُورك. وَتَقدم فِي الأُصُوْل وَالفروع، وَصَحِبَ العَارِف أَبَا عليّ الدَّقَّاق، وَتَزَوَّجَ بابْنته، وَجَاءهُ مِنْهَا أَوْلاَد نُجبَاء. قَالَ القَاضِي ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ أَبُو القَاسِمِ عَلاَّمَةً فِي الفِقْه وَالتَّفْسِيْر وَالحَدِيْث وَالأُصُوْل وَالأَدب وَالشّعر وَالكِتَابَة. صَنَّف (التَّفْسِيْر الكَبِيْر (١)) وَهُوَ مِنْ أَجْوَد التَّفَاسير، وَصَنَّفَ (الرِّسَالَة) فِي رِجَال الطّرِيقَة، وَحَجَّ مَعَ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيّ، وَالحَافِظ أَبِي بَكْرٍ البَيْهَقِيّ. وَسَمِعُوا بِبَغْدَادَ وَالحِجَاز (٢) . قُلْتُ: سَمِعُوا مِنْ هِلاَل الحَفَّار، وَأَبِي الحُسَيْنِ بنِ بِشْرَان، وَطَبَقَتِهمَا. قَالَ (٣) :وَذكره أَبُو الحَسَنِ البَاخَرْزِي (٤) فِي كِتَاب (دمِيَة الْقصر) وَقَالَ (٥) :لَوْ قَرَعَ الصَّخْرَ بِسَوْطِ (٦) تَحذِيرهِ، لذَاب، وَلَوْ رُبِطَ (٧) إِبليسُ فِي مَجْلِسِهِ، لِتَاب. قُلْتُ: حَدَّثَ عَنْهُ: أَوْلاَدُهُ؛ عَبْدُ اللهِ، وَعبدُ الوَاحِد، وَأَبُو نَصْرٍ عَبْدُ

стр. 11308

الرَّحِيْم، وَعبدُ الْمُنعم، وَزَاهِر الشَّحَّامِيّ، وَأَخُوْهُ وَجيه، وَمُحَمَّد بن الفَضْلِ الفَرَاوِي، وَعَبْدُ الوَهَّابِ بن شَاه، وَعبدُ الجَبَّار بن مُحَمَّدٍ الخُوَارِي، وَعبدُ الرَّحْمَن بن عَبْدِ اللهِ البَحيرِيّ، وَحَفِيْدُه أَبُو الأَسْعَد هِبَة الرَّحْمَن، وَآخَرُوْنَ. وَمَاتَ أَبُوْهُ وَهُوَ طِفْل، فَدُفِعَ إِلَى الأَدِيْب أَبِي القَاسِمِ اليَمنِي (١) ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الآدَاب، وَكَانَتْ لِلقُشيرِي ضَيْعَة مُثْقَلَة بِالخَرَاج بِأُسْتُوا (٢) ، فَتعلَّم طَرَفاً مِنَ الحسَاب، وَعَمِلَ قَلِيْلاً ديوَاناً، ثُمَّ دَخَلَ نَيْسَابُوْر مِنْ قرِيته، فَاتَّفَقَ حُضُوْره مَجْلِسَ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاق، فَوَقَعَ فِي شَبكَته، وَقَصُرَ أَملُه، وَطَلَبَ القَبا، فَوَجَد العَبَا، فَأَقْبَل عَلَيْهِ أَبُو عَلِيٍّ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ بِطَلَب العِلْم، فَمَضَى إِلَى حَلْقَة الطُّوْسِيّ، وَعَلَّق (التَّعليقَة) وَبَرَعَ، وَانْتَقَلَ إِلَى ابْنِ فُوْرَك، فَتَقَدَّم فِي الكَلاَم، وَلاَزَمَ أَيْضاً أَبَا إِسْحَاقَ، وَنظر فِي تَصَانِيْف ابْن البَلاَقِلاَّنِيّ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ حَمُوْهُ أَبُو عَلِيٍّ تردَّد إِلَى السُّلَمِيّ، وَعَاشره، وَكَتَبَ المَنْسُوْب، وَصَارَ شَيْخ خُرَاسَان فِي التَّصُوْف، وَلَزِمَ المُجَاهِدَات، وَتَخَرَّج بِهِ المرِيْدُوْنَ (٣) . وَكَانَ عَديم النّظير فِي السّلوك وَالتَّذكير، لطيفَ العبَارَة، طَيِّبَ الأَخلاَقِ، غوَّاصاً عَلَى المَعَانِي، صَنَّف كِتَاب (نَحْو القُلُوْب) ، وَكِتَاب (لطَائِف الإِشَارَات (٤)) ، وَكِتَاب (الجَوَاهِر) ، وَكِتَاب (أَحكَام السَّمَاع) ، وَكِتَاب (عُيُون الأَجوبَة فِي فُنُوْن الأَسولَة) ، وَكِتَاب (المنَاجَاة) ، وَكِتَاب

стр. 11309

(المُنْتَهَى فِي نَكت أُوْلِي النُّهَى (١)) . قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: لَمْ يَرَ الأُسْتَاذ أَبُو القَاسِمِ مِثْلَ نَفْسه فِي كَمَاله وَبرَاعته، جَمَعَ بَيْنَ الشَّرِيعَة وَالحقيقَة، أَصلُه مِنْ نَاحِيَة أُسْتُوَاءة، وَهُوَ قُشَيْرِيُّ الأَب، سُلَمِيُّ الأُمّ (٢) . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ (٣) : كتبْنَا عَنْهُ، وَكَانَ ثِقَةً، وَكَانَ حَسَنَ الْوَعْظ، مَليحَ الإِشَارَةِ، يَعرِف الأُصُوْلَ عَلَى مَذْهَب الأَشْعَرِيّ، وَالفروعَ عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ. قَالَ لِي: وُلِدَتُ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَة سِتٍّ وَسَبْعِيْنَ وَثَلاَثِ مائَة. أَخْبَرَنَا أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ هِبَة اللهِ بن تَاجِ الأُمَنَاءِ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ، عَن أُمّ المُؤَيَّد زَيْنَب بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفتُوح عَبْدُ الوَهَّابِ بن شَاه الشَّاذْيَاخِيّ، أَخْبَرَنَا زِينُ الإِسْلاَم أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الكَرِيْمِ بن هَوَازِن، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْملك، أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا يُوْنُسُ بنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أَخْبَرْنَا ابْنُ وَهْب، أَخْبَرَنِي يُوْنُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيْدُ بنُ المسيِّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (بَيْنَا رَجُلٌ يَسُوْق بقرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ: إِنِّيْ لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، إِنَّمَا خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ) . فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (آمَنْتُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) (٤) .

стр. 11310

وَبِهِ إِلَى عَبْد الكَرِيْمِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيَّ، سَمِعْتُ الحُسَيْن بن يَحْيَى، سَمِعْتُ جَعْفَر بن مُحَمَّدِ بنِ نُصَيْر، سَمِعْتُ الجُنَيْد يَقُوْلُ: قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الدَّارَانِي: رُبَّمَا تَقَعُ فِي قَلْبِي النُّكْتَةُ مِنْ نُكَتِ القَوْم أَيَّاماً، فَلاَ أَقْبَل مِنْهُ إِلاَّ شَاهِدين عَدْلَيْنِ مِنَ الكِتَاب وَالسُّنَّة (١) . قَالَ أَبُو الحَسَنِ البَاخَرْزِي (٢) : وَلأَبِي القَاسِمِ (فَضل النُّطْق المُسْتطَاب (٣)) مَاهرٌ (٤) فِي التَّكلّم عَلَى مَذْهَب أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيّ، خَارِجٌ فِي إِحَاطته بِالعلُوْم عَنِ الحَدِّ البشرِي، كَلِمَاتُهُ لِلمُسْتفِيدين فَرَائِد (٥) ، وَعَتبَات مِنْبَره لِلعَارِفِيْن وَسَائِد، وَلَهُ نَظْمٌ تُتَوَّجُ بِهِ رُؤُوْس معَاليه إِذَا خُتِمَتْ بِهِ أَذنَابُ أَمَاليه. قَالَ عبدُ الغَافِرِ بنُ إِسْمَاعِيْلَ: وَمِنْ جُمْلَةً أَحْوَال أَبِي القَاسِمِ مَا خُصَّ بِهِ مِنَ المِحنَة فِي الدِّين، وَظُهُوْرِ التعصُّب بَيْنَ الفَرِيْقَيْنِ فِي عَشْرِ سَنَةِ أَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَة إِلَى سَنَة خَمْسٍ وَخَمْسِيْنَ، وَمَيْلِ بَعْضِ الوُلاَة إِلَى الأَهوَاء، وَسَعِي بَعْض الرُّؤَسَاء إِلَيْهِ بِالتَّخليط، حَتَّى أَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَفْعِ المَجَالِس، وَتَفرُّقِ شَمْلِ الأَصْحَاب، وَكَانَ هُوَ المقصودَ مِنْ بَيْنهِم حَسَداً، حَتَّى اضْطر إِلَى مفَارقَةَ الْوَطَن، وَامتدّ فِي أَثْنَاء ذَلِكَ إِلَى بَغْدَادَ، فَوَرَدَ عَلَى القَائِمِ بِأَمْرِ اللهِ، وَلقِي
следующие страницы →