Полный текст (14 211 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.
стр. 12076
قُلْتُ: مَاتَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْس مائَة، عَنْ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ سَنَةً.
٢٢١ - ابْنُ بَدْرَانَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ بَدْرَانَ بنِ عَلِيٍّ *
الشَّيْخُ، الإِمَامُ، المُقْرِئُ، المُسْنِدُ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ عَلِيِّ بنِ بَدْرَانَ بنِ عَلِيٍّ الحُلْوَانِيّ، البَغْدَادِيّ، المُقْرِئ، عُرِفَ بِخَالَوْه، شَيْخٌ صَالِح، دَيِّنٌ، عَارِف بِالقِرَاءات، عَالِي الرِّوَايَة.
تَلاَ بِالسَّبْع عَلَى: أَبِي عَلِيٍّ الحَسَن بن غَالِبٍ، وَعَلِيّ بن فَارِس الخَيَّاط.
تَلاَ عَلَيْهِ جَمَاعَة، مِنْهُم: أَبُو الْكَرم الشَّهْرُزُورِي، وَقَدْ سَمِعَ مِنْ أَبِي الطَّيِّب الطَّبَرِيّ، وَالقَاضِي أَبِي الحَسَنِ المَاوردي، وَمُحَمَّدِ بن عَلِيِّ بنِ شبَانَة الدِّيْنَوَرِيّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيّ، وَانتقَى عَلَيْهِ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيّ.
وَحَدَّثَ عَنْهُ: إِسْمَاعِيْلُ بنُ السَّمَرْقَنْدي، وَابْنُ نَاصر، وَالسِّلَفِيّ، وَأَبُو طَالِبٍ بنُ خُضَيْرٍ، وَخطيب المَوْصِل أَبُو الفَضْلِ، وَعَبدُ المُنْعِمِ بنُ كُلَيْبٍ، وَآخَرُوْنَ.
قَالَ ابْنُ نَاصِرٍ: شَيْخٌ، صَالِح، ضَعِيْف، لاَ يُحْتَجُّ بِحَدِيْثِهِ، لَمْ تَكُنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِالحَدِيْثِ (١) . стр. 12077
وُلِدَ: فِي حُدُوْدِ سَنَةِ عِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَقَالَ السِّلَفِيّ: كَانَ ثِقَةً زَاهِداً.
قَالَ ابْنُ نَاصر: مَاتَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْس مائَة، وَأَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ إِلَى جَانب إِبْرَاهِيْم الحَرْبِيّ.
قُلْتُ: وَمِمَّنْ تَلاَ عَلَيْهِ: أَبُو مُحَمَّدٍ سِبْطُ الخَيَّاط، وَعَبْدُ الوَهَّابِ بن مُحَمَّدٍ الصَّابونِي.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: تلوتُ عَلَيْهِ بِكِتَابِ (الجَامِع) لأَبِي الحَسَن الخَيَّاط (١) ، وَتَلاَ بِهِ عَلَى المصَنّف.
٢٢٢ - ابْنُ مَلَّةَ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيْل بن مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ *
الشَّيْخُ، العَالِمُ، المُحَدِّثُ، الوَاعِظُ، أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيْلُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ جَعْفَرِ بنِ أَبِي سَعِيْدٍ بنِ مَلَّةَ الأَصْبَهَانِيّ، المُحْتَسِب، صَاحِبُ تِلْكَ المَجَالِسِ المَشْهُوْرَة.
سَمِعَ: أَبَا بَكْرٍ بنَ رِيْذَةَ صَاحِبَ الطَّبَرَانِيِّ، وَأَبَا طَاهِرٍ بنَ عَبْدِ الرَّحِيْمِ، стр. 12078
وَأَبَا مَنْصُوْرٍ عَبْدَ الرَّزَّاقِ بن أَحْمَدَ الخَطِيْب، وَأَبَا القَاسِمِ عَبْدَ العَزِيْزِ بن أَحْمَدَ، وَعَلِيَّ بنَ شُجَاعٍ المَصْقَلِي (١) ، وَأَبَا العَبَّاسِ أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ النُّعْمَانِ الصَّائِغ، وَأَملَى بِبَغْدَادَ.
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ نَاصر، وَظَاعِن بنُ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْرِيّ الخَيَّاط، وَأَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ، وَقَوْمٌ، آخِرهُم عبدُ المُنْعِم بن كُلَيْبٍ.
قَالَ ابْنُ نَاصر: وَضَع حَدِيْثاً (٢) ، وَأَملاَهُ، وَكَانَ يُخَلِّط.
قُلْتُ: ثُمَّ رِوَايَتُه عَنِ ابْنِ رِيْذَه حُضُوْر، فَإِنَّ مَوْلِده - فِيمَا ذكر - سَنَةَ سِتٍّ وَثَلاَثِيْنَ، فِي رَجَبِهَا، وَمَاتَ ابْنُ رِيذه سَنَة أَرْبَعِيْنَ.
وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ اليُونَارتِي فِي (مُعْجَمه) :كَانَ ابْنُ ملَّة مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَرضِيِّينَ، يَرْجِعُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنَ العِلْمِ إِلَى حظٍّ وَافِرٍ (٣) .
وَقَالَ السِّلَفِيّ: هُوَ مِنَ المُكْثِرِيْنَ، يَرْوِي عَنْ: عَبْدِ العَزِيْزِ بن فَادويه، وَأَبِي القَاسِمِ عَبْد الرَّحْمَنِ بن الذَّكوَانِي، وَكَانَ أَبُوْهُ يَرْوِي عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بنِ البَيِّع صَاحِبِ المَحَامِلِيّ.
مَاتَ أَبُو عُثْمَانَ: فِي ثَانِي رَبِيْع الأَوّلِ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْس مائَة، بِأَصْبَهَانَ. стр. 12079
٢٢٣ - أَحْمَديلُ صَاحِبُ مَرَاغَةَ *
أَحَدُ الأَبْطَال، كَانَ إِقطَاعُه يُغِلُّ فِي السَّنَةِ أَرْبَع مائَة أَلْفِ دِيْنَار، وَعَسْكَرُه خَمْسَةُ آلاَفِ فَارِسٍ، كَانَ فِي مَجْلِس السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه، فَأَتَاهُ مِسْكِيْن، فَتضرَّع إِلَيْهِ فِي قِصَّة يقدِّمُهَا، فَيَضْرِبُهُ بِسكِّين، فَبَرَكَ أَحْمَديل فَوْقه، فَوَثَبَ باطنِي آخر فَوْقَ أَحْمَديل، فَجرحه، فَأَضرتهُمَا السُّيوفُ، فَوَثَبَ ثَالِث، وَضرب أَحْمَديل أَثخنه، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ عَشْرٍ وَخَمْس مائَة، وَكَانَ أَحْمَديل إِلَى جَانب أَمِيْر دِمَشْق طُغْتِكِين قَدْ قَدِمَا بَغْدَاد إِلَى خدمَة مُحَمَّد.
٢٢٤ - أَبُو العِزِّ مُحَمَّدُ بنُ المُخْتَارِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ **
ابْنِ عَبْدِ اللهِ بن المُؤَيَّدِ بِاللهِ الهَاشِمِيّ، العَبَّاسِيّ، البَغْدَادِيّ، وَالِد المُعَمَّر أَبِي تَمَّام أَحْمَدَ بن مُحَمَّدٍ، وَيُعْرَفُ: بِابْنِ الخُص.
كَانَ ثِقَةً صَالِحاً ديناً، جَلِيْلاً محترماً، مِنْ أَهْلِ الْحرم الطَّاهرِي.
سَمِعَ الكَثِيْر مِنْ: عَبْدِ العَزِيْزِ بن عَلِيٍّ الأَزَجِي، وَأَبِي الحَسَنِ القَزْوِيْنِيّ، وَأَبِي إِسْحَاقَ البَرْمَكِيّ، وَأَبِي عَلِيٍّ بنِ المُذْهِب.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو عَلِيٍّ الرَّحَبِيّ، وَأَحْمَدُ بنُ السَّدنك، وَأَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ، وَنَصْرُ اللهِ القَزَّاز، وَعبدُ المُنْعِم بن كُلَيْبٍ، وَآخَرُوْنَ.
стр. 12080
تُوُفِّيَ: فِي يَوْم عَاشُورَاءَ، مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْس مائَة، وَعَاشَ ثَمَانِيْنَ عَاماً.
٢٢٥ - ابْنُ المُطَّلِبِ أَبُو المَعَالِي هِبَةُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيٍّ *
الوَزِيْرُ الكَبِيْر، أَبُو المَعَالِي هِبَة اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بن المُطَّلِبِ الكِرْمَانِيّ، الفَقِيْه، الشَّافِعِيّ.
كَانَ مِنْ كِبَارِ الأَعيَان، رَأْساً فِي حسَاب الدِّيْوَان، سَاد وَعظم، وَوَزَرَ لِلمُسْتظهِر بِاللهِ سنتَيْن وَنِصْفاً، ثُمَّ عُزِلَ.
رَوَى عَنْ: عَبْدِ الصَّمَدِ بن المَأْمُوْن وَطَبَقَته، وَكَانَ ذَا مَعْرُوف وَبِرٍّ، يُلَقَّبُ بِمُجيرِ الدِّين، لَهُ خِبْرَة وَفضِيْلَة وَذكَاء، صُرِفَ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَخَمْس مائَة، وَلَزِمَ بَيْتَه إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْس مائَة.
٢٢٦ - البَاقَرْحِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ **
الشَّيْخُ الجَلِيْلُ، المُسْنِدُ، أَبُو عَلِيٍّ الحَسَنُ بن مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ بن إِبْرَاهِيْمَ بنِ مَخْلَدٍ البَاقَرْحِي، ثُمَّ البَغْدَادِيّ، رَجُل مَسْتُوْرٌ، مِنْ بَيْت الرِّوَايَة (١) ، سَمِعَ الكَثِيْر.
مَوْلِده: سَنَة سَبْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
سَمِعَ: أَبَا الحَسَنِ بنَ القَزْوِيْنِيّ، وَأَبَا بَكْرٍ بنَ بِشْرَان، وَأَبَا الفَتْح بن стр. 12081
شِيطَا، وَأَبَا طَاهِر مُحَمَّد بن عَلِيِّ بنِ العَلاَّف، وَأَبَا إِسْحَاقَ البَرْمَكِيّ، وَأَبَا القَاسِمِ التَّنُوخِي.
حَدَّثَ عَنْهُ: السِّلَفِيّ، وَجَمَاعَة، وَآخر مَنْ رَوَى عَنْهُ: ذَاكرُ بن كَامِلٍ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُ أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيْمِ اليُوسفِي.
مَاتَ: فِي رَجَب، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة.
وَفِيْهَا تُوُفِّيَ: صَاحِبُ مَاردين، وَأَبُو مُلُوْكهَا، نَجْمُ الدِّيْنِ أَيل غَازِي بن أَرتُق التُّركمَانِي، وَمُحيِي السّنَة أَبُو مُحَمَّدٍ البَغَوِيّ (١) ، وَالحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بن أَحْمَدَ بنِ السَّمَرْقَنْدي أَخُو إِسْمَاعِيْل، وَشيخُ القُرَّاء أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي بَكْرٍ بنِ الفَحَّام الصَّقَلِّي (٢) ، مُصَنّف (التَّجرِيْدِ) ، وَصَاحِبُ (المقَامَات) أَبُو مُحَمَّدٍ القَاسِم بن عَلِيٍّ الحَرِيْرِيّ البَصْرِيُّ (٣) ، وَأَبُو عَدْنَانَ مُحَمَّدُ بن أَحْمَدَ بنِ المُطَهِّر بن أَبِي نِزَارٍ الرَّبعِي الأَصْبَهَانِيّ (٤) ، وَالحَافِظُ مُحَمَّد بن عبد الوَاحِد الدَّقَّاق (٥) ، وَأَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ هِبَةِ اللهِ بنِ مَمِيْل الشِّيرَازِي مُعِيد النّظَامِيَة.
٢٢٧ - الشَّقَّاقُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ أَحْمَدَ البَغْدَادِيُّ *
العَلاَّمَةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنُ بنُ أَحْمَدَ البَغْدَادِيّ، ابْن الشِّقَاق الفَرَضِيّ، стр. 12082
لِشق قُرُوْنِ القسِي (١) .
أَخَذَ الفَرَائِضَ وَالحسَابَ عَنِ الخَبْرِيِّ (٢) ، وَعَبْدِ المَلِكِ الهَمْدَانِيِّ، وَبَقِيَ بِلاَ نَظِيرٍ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيْفَ.
قَالَ السِّلَفِيّ: كَانَ آيَةً مِنْ آيَاتِ الزَّمَانِ فِي الفَرَائِضِ وَالحسَابِ، يُقرِئ ذَلِكَ.
وَحَدَّثَ عَنْ: أَبِي الحُسَيْنِ بن الْمُهْتَدي بِاللهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ ابْن نَاصر، وَالسِّلَفِيّ، وَخَطِيبُ المَوْصِل.
مَاتَ: فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة، وَلَهُ نَيِّفٌ وَسَبْعُوْنَ سَنَةً ﵀.
٢٢٨ - أَبُو طَالِبٍ اليُوسفِيُّ عَبْدُ القَادِر بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ *
الشَّيْخُ، الأَمِيْنُ، الثِّقَةُ، العَالِمُ، المُسْنِدُ، أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ القَادِر بن مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ بن مُحَمَّدِ بنِ يُوْسُفَ البَغْدَادِيّ، اليُوسفِي، ابْن أَبِي بَكْرٍ.
وُلِدَ: سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ. стр. 12083
وَسَمِعَ المُصَنَّفَات الكِبَارَ مِنْ: أَبِي عَلِيٍّ بنِ المُذْهِبِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ البَرْمَكِيّ، وَأَبِي بَكْرٍ بنِ بِشْرَان، وَأَبِي مُحَمَّدٍ الجَوْهَرِيّ، وَعِدَّة، وَتَفَرَّد فِي وَقته.
حَدَّثَ عَنْهُ: السِّلَفِيُّ، وَأَبُو العَلاَءِ العَطَّارُ، وَهِبَةُ اللهِ الصَّائِن، وَأَبُو بَكْرٍ ابْن النَّقُّوْرِ، وَالشَّيْخُ عبدُ القَادِر، وَعَبْدُ الحَقِّ اليُوسفِي، وَأَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ، وَيَحْيَى بن بَوْش، وَعَدَدٌ كَثِيْر.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: شَيْخٌ صَالِحٌ، ثِقَةٌ، ديِّنٌ، متحرٍّ فِي الرِّوَايَة، كَثِيْرُ السَّمَاع، انْتَشَرت عَنْهُ الرِّوَايَة فِي البُلْدَان، وَحُمِلَ عَنْهُ الكَثِيْر.
وَقَالَ السِّلَفِيّ: تربَى أَبُو طَالِبٍ عَلَى طرِيقَةِ وَالِدِهِ فِي الاحْتِيَاطِ التَّام فِي الدِّين فِي التَّدَيُّنِ مِنْ غَيْرِ تَكلف، وَكَانَ كَامِلَ الفَضْل، حسنَ الجُمْلَة، ثِقَةً متحرِياً، إِلَى غَايَةٍ مَا عَلَيْهَا مزِيدٌ، قَلَّ مَنْ رَأَيْتُ مِثْله، وَكَانَ أَبُوْهُ أَبُو بَكْرٍ أَزْهَدَ خلق الله.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَطَّافٍ: تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ فِي آخِرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ثَامنَ عشرَ ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة.
٢٢٩ - ابْنُ الفَحَّامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَتِيْقِ بنِ خَلَفٍ القُرَشِيُّ *
الإِمَامُ، شَيْخُ القُرَّاءِ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَبِي بَكْرٍ عَتِيْقِ بنِ خَلَفٍ
стр. 12084
القُرَشِيّ، الصَّقَلِّي، المُقْرِئ، النَّحْوِيّ، ابْن الفَحَّام، نَزِيْلُ الإِسْكَنْدَرِيَّة، وَمُؤلف (التَّجرِيْد فِي القِرَاءات (١)) .
تَلاَ بِالسَّبْعِ عَلَى: أَبِي العَبَّاسِ بن نَفِيْس، وَأَبِي الحُسَيْنِ نَصْر بن عَبْدِ العَزِيْزِ الفَارِسِيّ، وَعبد البَاقِي بن فَارِس، وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ إِسْمَاعِيْلَ المَالِكِيّ بِمِصْرَ، وَطَالَ عُمُرُهُ، وَتَفَرَّد، وَتزَاحم عَلَيْهِ القُرَّاء.
تَلاَ عَلَيْهِ: أَبُو العَبَّاسِ بنُ الحطيَة، وَابْنُ سَعدُوْنَ القُرْطُبِيّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن خَلَفِ الله، وَعِدَّة.
وَتلوتُ كِتَابَ اللهِ مِنْ طرِيقه بِعُلُوّ وَبِغَيْر عُلُوٍّ.
أَخَذَ النَّحْوَ عَنِ ابْنِ بَابْشَاذ، وَعَمِلَ (شرحاً) لِمُقَدِّمَتِهِ.
قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ العَزِيْزِ الأَنْدَلُسِيّ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَعْلَمَ بِالقِرَاءات مِنِ ابْنِ الفَحَّامِ، لاَ بِالمَشْرِقِ وَلاَ بِالمَغْرِبِ، وَرَوَى عَنْهُ: السِّلَفِيّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ العُثْمَانِيّ، وَغَيْرهُمَا، وَثَّقَهُ السِّلَفِيّ وَابْن المُفَضَّلِ.
وُلِدَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ - أَوْ خَمْسٍ - وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَهُوَ يَشُكُّ.
وَتُوُفِّيَ: فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة، بِالثَّغْرِ (٢) ، وَلَهُ نَيِّفٌ وَتِسْعُوْنَ سَنَةً، وَآخرُ أَصْحَابه فِي الدُّنْيَا بِالإِجَازَةِ أَبُو طَاهِرٍ الخُشُوْعِيّ.
وَقَدْ ذَكَرَهُ السِّلَفِيّ، فَقَالَ: هُوَ مِنْ خيَار القُرَّاء، رحلَ سَنَةَ ثَمَانٍ стр. 12085
وَثَلاَثِيْنَ، فَأَدْرَكَ ابْنَ هُشَيْم، وَابْن نَفِيْس، علَّقت عَنْهُ فَوَائِدَ، وَكَانَ حَافِظاً لِلْقِرَاءات، صَدُوْقاً، مُتْقِناً، عَالِماً، كَبِيْرَ السِّنّ، وَقِيْلَ: كَانَ يَحفظ القِرَاءات كَالفَاتِحَة (١) .
٢٣٠ - غَيْثُ بنُ عَلِيِّ بنِ عَبْدِ السَّلاَمِ أَبُو الفَرَجِ الأَرْمَنَازِيُّ *
المُحَدِّثُ، المُفِيْدُ، أَبُو الفَرَجِ الأَرْمَنَازِي، ثُمَّ الصُّوْرِيّ، خطيبُ صُوْر وَمُحَدِّثُهَا.
سَمِعَ: أَبَا بَكْرٍ الخَطِيْب، وَعَلِيَّ بن عُبَيْد اللهِ الهَاشِمِيّ، وَبِدِمَشْقَ أَبَا نَصْرٍ بن طَلاَّب، وَطَائِفَة، وَبِتِنِّيس مِنْ رَمَضَانَ بن عَلِيٍّ، وَبِمِصر، وَالثَّغْرِ، وَكَتَبَ الكَثِيْر، وَسَوَّد (تَارِيخاً) لصُوْر، وَكَانَ ثِقَةً، حسنَ الخطّ.
رَوَى عَنْهُ: شَيْخُهُ؛ الخَطِيْبُ، وَأَبُو القَاسِمِ ابنُ عَسَاكِرَ، وَذَلِكَ مِنْ نَمط (السَّابِق وَاللاَّحِق) ، فَبَيْنَ الحَافِظَيْن فِي المَوْت مائَة سَنَةٍ وَثَمَانُ سِنِيْنَ.
مَاتَ غَيْثٌ: بِدِمَشْقَ، فِي صَفَرٍ، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِ مائَة، عَنْ سِتٍّ وَسِتِّيْنَ سَنَةً.
٢٣١ - عِيْسَى بنُ شُعَيْبِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ السِّجْزِيُّ **
المُحَدِّثُ، العَالِمُ، الزَّاهِدُ، شَيْخُ المُعَمَّرِيْنَ، أَبُو عَبْدِ اللهِ السِّجْزِيّ، الصُّوْفِيّ، نَزِيْلُ هَرَاةَ، وَوَالِد الشَّيْخ أَبِي الوَقْت. стр. 12086
مَوْلِدُهُ: بسِجِسْتَان، فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَأَرْبَع مائَة.
فَسَمِعَ مِنْ: عَلِيِّ بنِ بُشرَى اللَّيْثِيّ الحَافِظ جُمْلَةً، وَسَمِعَ بِهَرَاةَ مِنْ عَبْدِ الوَهَّابِ بن مُحَمَّدٍ الخَطَّابِيّ، وَبِغَزْنَةَ مِنَ الخَلِيْلِ بنِ أَبِي يَعْلَى، وَطَائِفَة، وَحَمَلَ ابْنه عبدَ الأَوّل عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ هَرَاة إِلَى بُوشَنْج مَرْحَلَةً، فَسمِعَا (الصَّحِيحَ (١)) مِنْ جَمَالِ الإِسْلاَمِ الدَّاوُودِيّ.
قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: هُوَ صَحِيْح صَالِح، حرِيصٌ عَلَى السَّمَاعِ، أَجَازَ لِي مَرْوِيَّاته، ثُمَّ ذَكَرَ مَوْلِدَه، قَالَ: وَتُوُفِّيَ بِمَالِينَ مِنْ هَرَاة، فِي ثَانِي عَشَرَ شَوَّالٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة، وَلَهُ مائَة وَسَنتَانِ (٢) .
وَفِيْهَا مَاتَ: أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ المُسْتظهر بِاللهِ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابنُ الْمُقْتَدِي بِاللهِ عَبْد اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ القَائِم العَبَّاسِيّ (٣) ، وَلَهُ اثنتَانِ وَأَرْبَعُوْنَ سَنَةً، وَكَانَتْ دَوْلَتُه خَمْساً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَمُفْتِي بُخَارَى شَمْسُ الأَئِمَّة الجَابِرِي، وَنُورُ الهدَى الحُسَيْنُ بنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيّ (٤) ، وَالعَلاَّمَةُ أَبُو القَاسِمِ سَلْمَانُ بن نَاصر الأَنْصَارِيّ النَّيْسَابُوْرِيّ (٥) الأُصُوْلِي صَاحِبُ إِمَام الحَرَمَيْنِ، وَالمُعَمَّرُ أَبُو العَلاَءِ عُبَيْد بن مُحَمَّدٍ القُشَيْرِيّ (٦) ، وَشَيخُ الكَلاَم أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَتِيق بن أَبِي كُديَّة القَيْرَوَانِي الأَشْعَرِيّ (٧) بِبَغْدَادَ عَنْ سِنٍّ عَالِيَة، وَالحَافِظُ مَحْمُوْد بن نَصْرٍ الأَصْبَهَانِيّ الصَّبَّاغ بِبَغْدَادَ. стр. 12087
٢٣٢ - أَبُو الفَتْحِ الهَرَوِيُّ نَصْرُ بنُ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الحَنَفِيُّ *
الإِمَامُ، القُدْوَةُ، الزَّاهِدُ، العَابِدُ، المُعَمَّرُ، أَبُو الفَتْحِ نَصْرُ بنُ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الحَنَفِيّ، الهَرَوِيّ.
سَمِعَ مِنْ: جَدِّه لأُمِّهِ أَبِي المُظَفَّر مَنْصُوْر بن إِسْمَاعِيْلَ الهَرَوِيّ، الرَّاوِي عَنْ أَبِي الفَضْلِ بنِ خَمِيْرُوَيْه.
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي يَعْقُوْبَ القرَّاب الحَافِظ، وَأَبِي الحَسَنِ الدَّبَّاس، وَجَمَاعَة.
وَخَرَّج لَهُ شَيْخُ الإِسْلاَمِ أَبُو إِسْمَاعِيْلَ الأَنْصَارِيّ (فَوَائِدَ) فِي ثَلاَثِ مُجلَّدَاتٍ، وَكَانَ أَسندَ مَنْ بَقِيَ بِبلده وَأَزْهَدَهُم.
حَدَّثَ عَنْهُ: جَمَاعَةٌ بِهَرَاةَ وَمرو وَبُوشَنْج مِنْ مَشَايِخ السَّمْعَانِيّ.
تُوُفِّيَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِ مائَة، لاَ بَلْ تُوُفِّيَ فِي سَابع شَعْبَانَ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة.
قَالَ السَّمْعَانِيّ (١) :هُوَ نَصْرُ بنُ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ بن أَسَدِ بنِ أَحْمَدَ، مِنْ وَلد حنِيفَة بن لُجَيم بن صَعب بن عَلِيِّ بنِ بَكْر بن وَائِلٍ.
قَالَ: وَهُوَ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالسَّدَاد وَالصَّلاَح، أَفنَى عُمُرَه فِي كِتَابَةِ العِلْم، وَتَفَرَّد بِالرِّوَايَة الكَثِيْرَة.
سَمِعَ: أَبَاهُ، وَجدَّه، وَجدّه لأُمِّهِ، وَأَبَا عُثْمَانَ سَعِيْد بن العَبَّاسِ القُرَشِيّ، وَإِسْحَاقَ بنَ أَبِي إِسْحَاقَ القرَاب، وَعَبْدَ الوَهَّابِ بن مُحَمَّدِ بنِ عِيْسَى، وَمُحَمَّد بن الفُضَيْل.
وَمَوْلِدُهُ: سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَع مائَة.
قُلْتُ: عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ سَنَةً. стр. 12088
٢٣٣ - أَبُو يَعْلَى بنُ الهَبَّارِيَّةِ مُحَمَّدُ بنُ صَالِحٍ العَبَّاسِيُّ *
الشَّرِيْفُ، كَبِيْرُ الشُّعَرَاءِ، مُحَمَّدُ بن صَالِحِ بنِ حَمْزَةَ العَبَّاسِيّ، مِنْ ذُرِّيَّة وَلِي العَهْد عِيْسَى بنِ مُوْسَى، وَلقبُهُ نِظَام الدّين البَغْدَادِيّ، رَأْس فِي الهَجْو وَالخلاعَة، وَشِعْرُهُ فَائِق (١) ، خدم نِظَامَ المُلك، وَسُعِدَ بِهِ، وَقَدْ نَظم كِتَاب (كَلِيْلَةَ وَدِمْنَةَ (٢)) جَوَّده وَحرره.
قيل: مَاتَ بِكَرمَان، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْس مائَة. стр. 12089
٢٣٤ - الشَّاشِيُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ *
الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الشَّافعيَة، فَقِيْهُ الْعَصْر، فَخرُ الإِسْلاَم، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عُمَرَ الشَّاشِيّ (١) ، التُّركِي، مصَنّف (المُسْتظهرِي) فِي المَذْهَب، وَغَيْر ذَلِكَ.
مَوْلِدُهُ: بِمَيَّافَارقين، فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَتَفَقَّهَ بِهَا عَلَى قَاضِيهَا أَبِي مَنْصُوْرٍ الطُّوْسِيّ، وَالإِمَامِ مُحَمَّد بن بَيَانٍ الكَازْرُوْنِي، ثُمَّ قَدِمَ بَغْدَاد، وَلاَزَمَ أَبَا إِسْحَاقَ، وَصَارَ مُعيدَه، وَقرَأَ كِتَاب (الشَّامِلِ) عَلَى مُؤلفه (٢) .
وَرَوَى عَنِ الكَازْرُوْنِي - شَيْخِهِ - وَعَنْ ثَابِتِ بنِ أَبِي القَاسِمِ الخَيَّاطِ، وَأَبِي بَكْرٍ الخَطِيْب، وَهَيَّاجِ بنِ عُبيدٍ المُجَاورِ، وَعِدَّة. стр. 12090
وَانتهت إِلَيْهِ رِيَاسَةُ المَذْهَب، وَتَخَرَّج بِهِ الأَصْحَاب بِبَغْدَادَ، وَصَنَّفَ.
وَكِتَابه (الحليَة (١)) فِيْهِ اخْتِلاَف العُلَمَاء، وَهُوَ الكِتَابُ المُلَقَّب بِالمُسْتظهرِي، لأَنَّه صنفه لِلْخَلِيْفَة المُسْتظهِر بِاللهِ (٢) ، وَوَلِيَ تَدْرِيْسَ النّظَامِيَة بَعْد الغَزَّالِي (٣) ، وَصُرِفَ، ثُمَّ وَلِيَهَا بَعْدَ إِلْكِيَا الهَرَّاسِي سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْس مائَة، وَدرَّس أَيْضاً بِمَدرسَة تَاجِ الْملك وَزِيْر السُّلْطَان مَلِكْشَاه.
حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو المُعَمَّر الأَزَجِي، وَعَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ اليَزْدِي، وَأَبُو بَكْرٍ ابْن النَّقُّوْرِ، وَأَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ، وَفخرُ النِّسَاءِ شُهْدَة.
مَاتَ: فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْس مائَة، وَدُفِنَ إِلَى جَنْبِ شَيْخِهِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِي، وَقِيْلَ: دُفِنَ مَعَهُ.
وَقَعَ لِي مِنْ حَدِيْثِهِ.
قَالَ أَبُو القَاسِمِ يُوْسُفُ الزَّنْجَانِي: كَانَ أَبُو بَكْرٍ الشَّاشِيّ يَتَفَقَّه مَعَنَا، وَكَانَ يُسَمَّى الجُنَيْدَ لِدِينِهِ وَوَرَعِهِ وَزُهْدِهِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى -. стр. 12091
٢٣٥ - ابْنُ مَنْدَه أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بنِ مُحَمَّدٍ *
الشَّيْخُ، الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُحَدِّثُ، أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بنُ أَبِي عَمْرٍو عَبْدِ الوهَّابِ ابْنِ الحَافِظِ الكَبِيْرِ أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ ابْنِ الحَافِظِ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ مَنده العَبْدِيُّ، الأَصْبَهَانِيُّ.
وُلِدَ: فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَبَكَّر بِهِ وَالِدُهُ، فَسَمَّعَهُ الكَثِيْرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ رِيْذَه، وَأَبِي طَاهِرٍ بنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ، وَأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ الفضَاض.
وَطلب هَذَا الشَّأْن، فَسَمِعَ مِنْ أَحْمَد بن مَحْمُوْدٍ الثَّقَفِيّ، وَمُحَمَّد بن عَلِيٍّ الجَصَّاصِ، وَإِبْرَاهِيْمَ بنِ مَنْصُوْرٍ سِبْط بحرويه، وَأَبِي الفَضْلِ عَبْد الرَّحْمَنِ بن أَحْمَدَ الرَّازِيّ، وَأَبِي بَكْرٍ البَيْهَقِيِّ الحَافِظ، وَخَلْقٍ كَثِيْرٍ، وَأَكْثَرَ عَنْ أَبِيْهِ، وَعَمِّه أَبِي القَاسِمِ، وَأَجَازَ لَهُ مِنْ بَغْدَادَ أَبُو طَالِبٍ بنُ غَيْلاَنَ، وَطَائِفَةٌ، وَأَملَى، وَصَنَّفَ، وَجَمَعَ.
رَوَى عَنْهُ: عَبْدُ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيُّ، وَابْنُ نَاصر، وَعَلِيُّ بن أَبِي تُرَاب، وَأَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ، وَعَبْدُ الحَقِّ اليُوسفِي، وَأَبُو مُحَمَّدٍ بنُ الخَشَّاب النَّحْوِيّ، وَمُحَمَّدُ بن إِسْمَاعِيْلَ الطَّرَسُوسِيّ، وَأَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيّ، وَخَلْق.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: شَيْخٌ جَلِيْلُ الْقدر، وَافرُ الفَضْل، وَاسِعُ الرِّوَايَة، ثِقَة
стр. 12092
حَافظ، مُكْثِر صَدُوْقٌ، كَثِيْرُ التَّصَانِيْف، حَسْنُ السِّيْرَةِ، بَعِيدٌ مِنَ التَّكلف، أَوحد بَيْته فِي عصره، أَجَازَ لِي (١) .
وَسَأَلت إِسْمَاعِيْلَ الحَافِظَ عَنْهُ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَصَفَه بِالحِفْظِ وَالمَعْرِفَةِ وَالدِّرَايَة، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ أَبِي نَصْرٍ اللَّفْتُوَانِي الحَافِظ يَقُوْلُ: بَيْتُ بَنِي مَنده بُدِئَ بِيَحْيَى، وَخُتِمَ بِيَحْيَى (٢) .
مَاتَ: فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة (٣) .
٢٣٦ - المُسْتظهِرُ بِاللهِ أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ بنُ الْمُقْتَدِي بِأَمر الله *
الإِمَامُ، أَمِيْرُ المُؤْمِنِيْنَ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَدُ ابنُ الْمُقْتَدِي بِأَمر الله أَبِي القَاسِمِ عَبْدِ اللهِ ابْن الذّخيرَة مُحَمَّد ابنِ القَائِم بِأَمر الله عَبْد اللهِ بن القَادِر الهَاشِمِيّ، العَبَّاسِيّ، البَغْدَادِيّ.
مَوْلِدُهُ: فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ سَبْعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَاسْتُخْلِفَ عِنْد وَفَاة أَبِيْهِ فِي تَاسع عشر المُحَرَّم، وَلَهُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً وَثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِيْنَ. стр. 12093
قَالَ ابْنُ النَّجَّار: كَانَ مَوْصُوَفاً بِالسَّخَاء وَالجُود، وَمَحبَّةِ العُلَمَاء، وَأَهْلِ الدِّين، وَالتفقد لِلمسَاكينِ، مَعَ الفَضْل وَالنُّبلِ وَالبَلاغَةِ، وَعُلوِّ الهِمَّة، وَحُسْنِ السِّيْرَةِ، وَكَانَ رَضِيَّ الأَفعَالِ، سَدِيدَ الأَقْوَال.
وَحَكَى أَبُو طَالِبٍ بنُ عبد السَّمِيْع، عَنْ أَبِيْهِ: أَنَّ المُسْتظهرَ بِاللهِ طلب مَنْ يُصَلِّي بِهِ، وَيُلقِّن أَوْلاَدَه، وَأَنْ يَكُوْنَ ضرِيراً، فَوَقَعَ اخْتيَارُهُ عَلَى القَاضِي أَبِي الحَسَنِ المُبَارَك بن مُحَمَّدِ بنِ الدَّوَاس مُقْرِئ وَاسِط قَبْل القلاَنسِي، فَكَانَ مُكرِماً لَهُ، حَتَّى إِنَّهُ مِنْ كَثْرَةِ إِعجَابه بِهِ كَانَ أَوّل رَمَضَان قَدْ شَرَعَ فِي التَّرَاويح، فَقَرَأَ فِي الرَّكعتين الأُوليين آيَةً آيَةً، فَلَمَّا سلَّم، قَالَ لَهُ المُسْتظهر: زِدْنَا مِنَ التِّلاَوَةِ.
فَتَلاَ آيتينِ آيتينِ، فَقَالَ لَهُ: زِدْنَا.
فَلَمْ يَزَلْ حَتَّى كَانَ يَقومُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِجُزء، وَإِنَّهُ لَيْلَةً عَطِشَ، فَنَاوله الخَلِيْفَةُ الكُوزَ، فَقَالَ خَادم: ادْعُ لأَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ، فَإِنَّهُ شَرَّفَكَ بِمُنَاولته إِيَّاكَ.
فَقَالَ: جَزَى العَمَى عَنِّي خَيْراً.
ثُمَّ نَهَضَ إِلَى الصَّلاَةِ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ السِّلَفِيّ: قَالَ لِي أَبُو الخَطَّابِ ابْن الجَرَّاح: صَلَّيْتُ بِالمُسْتظهِرِ فِي رَمَضَانَ، فَقَرَأْتُ: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ (١) ﴾ [يُوْسُف:٨١] ، رِوَايَةً روينَاهَا عَنِ الكِسَائِيّ، فَلَمَّا سلمتُ، قَالَ: هَذِهِ قِرَاءة حَسَنَة، فِيْهِ تَنزِيه أَوْلاَد الأَنْبِيَاء عَنِ الْكَذِب.
قُلْتُ: كَيْفَ بِقَوْلِهِم: ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ، ﴿وَجَاؤُوا عَلَى قَمِيْصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ ؟!
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ:، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ شَاتيل المُقْرِئ، حَدَّثَنِي أَبُو стр. 12094
سَعْد بن أَبِي عِمَامَة، قَالَ:
كُنْتُ لَيْلَة جَالِساً فِي بَيْتِي، وَقَدْ نَامَ النَّاسُ، فَدُقَّ البَابُ، فَإِذَا بفَرَّاشٍ وَخَادمٍ مَعَهُ شَمعَة، فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، فَأُدْخِلْتُ عَلَى المُسْتظهر، وَعَلَيْهِ أَثَرُ غَمٍّ، فَأَخَذتُ فِي الحِكَايَات وَالموَاعِظِ وَتَصْغِيْرِ الدُّنْيَا، وَهُوَ لاَ يَتَغَيَّرُ، وَأَخَذتُ فِي حِكَايَات الكِرَام وَغَيْر ذَلِكَ، فَقُلْتُ: هَذَا لاَ يَنَامُ، وَلاَ يَدعُنِي أَنَامُ.
فَقُلْتُ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، لِي مَسْأَلَةٌ.
قَالَ: قُلْ.
قُلْتُ: وَلاَ تَكْتُمنِي؟
قَالَ: لاَ.
قُلْتُ: بِاللهِ حَلَّ عَلَيْك نَقدَةٌ لِلبَائِع، أَوِ انكسَرَ زورقُكَ، أَوْ وَقعُوا عَلَى قَافلَةٍ لَكَ، وَضَاق وَقْتُكَ؟ عِنْدِي طبقُ خِلاَفٍ أَنَا أُقرِضه لَكَ، وَتبقَى بَارزِياً فِي الدُّروب وَمَا يُخلِي الله مِنْ رِزق، فَهَذَا هَمٌّ عَظِيْم، وَقَدْ مرستَنِي اللَّيْلَة.
فَضَحِكَ حَتَّى اسْتلقَى، وَقَالَ: قُمْ، فَعلَ اللهُ بِكَ وَصنع.
فَقُمْتُ، وَتبعنِي الخَادِم بِدَنَانِيْرَ وَتَختِ ثِيَاب.
قِيْلَ: إِنَّ ابْنَ مُقَلد العَوَّاد غَنَّى المُسْتظهر، فَسَرَّه، فَأَعْطَاهُ مائَتَيْ دِيْنَار، وَقطعَةَ كَافُوْر زِنَةَ ثَلاَثَةِ أَرطَالٍ مُقَمَّعَة بِذَهَبٍ.
قَالَ أَبُو طَالِبٍ بنُ عبد السمِيْع: كَانَ مِنْ أَلْفَاظ المُسْتظهر:
خيرُ ذَخَائِرِ المَرْءِ لِدنِيَاهُ ذِكرٌ جَمِيْلٌ، وَلآخِرَتِهِ ثَوَابٌ جَزِيل.
شُحُّ المَرْءِ بِفَلْسِهِ مِنْ دَنَاءةِ نَفْسِهِ.
الصَّبْرُ عَلَى الشَّدَائِدِ يُنْتج الفَوَائِد.
أَدبُ السَّائِلِ أَنفعُ مِنَ الوَسَائِل.
بضَاعَة العَاقِلِ لاَ تَخْسَرُ، وَرِبْحُهَا يَظْهَرُ فِي المَحْشَرِ.
وَلَهُ نَظْمٌ حسن.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ المَلِكِ الهَمَذَانِيّ: تُوُفِّيَ المُسْتظهر بِاللهِ سحر لَيْلَة
стр. 12095
الخَمِيْس، سَادسَ (١) عِشْرِيْنَ رَبِيْعٍ الآخرِ، سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة، وَمَرِضَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْماً مِنْ تَرَاقِي (٢) ظَهَرَ بِهِ، وَبَلَغَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَيَّامٍ، وَكَانَ لَيِّنَ الجَانبِ، كَرِيْمَ الخَلاَئِقِ، مشكورَ المسَاعِي، إِذَا سُئِلَ مكرُمَةً، أَجَابَ إِلَيْهَا، وَإِذَا ذُكِّرَ بِمَثُوْبَةٍ تَشوَّف نَحْوهَا.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ أَنْشَدَ قَبْل مَوْته بِقَلِيْلٍ، وَبَكَى:
يَا كَوْكَباً مَا كَانَ أَقَصَرَ عُمْرَهُ! ... وَكَذَاكَ عُمْرُ كَوَاكِبِ الأَسْحَارِ (٣)
وَفِي أَوّل خِلاَفَته (٤) ، جهَّز السُّلْطَان بَرْكْيَا رُوْق بن مَلِكْشَاه جَيْشاً مَعَ قسيم الدَّوْلَة جدِّ نور الدّين وَبُوزبَان، فَالتقَاهُم تَاجُ الدَّوْلَة تُتُش بِظَاهِرِ حلبَ، فَأَسر قَسيمَ الدَّوْلَة، وَذَبَحَه تُتُش، وَأَخَذ حلب بَعْد حِصَار، وَذَبَحَ بُوزبَانَ، стр. 12096
وَسَجَن كَرْبوقَا، وَسَارَ، فَتملَّك الجَزِيْرَةَ، ثُمَّ خِلاَطَ (١) ، ثُمَّ أَذْرَبِيْجَانَ كُلَّهَا، وَاسْتفحل أَمره، وَكبس عَسْكَره بَرْكيَارُوْق، فَانْهَزَم، وَرَاحت خَزَائِنُهُ، وَذَهَبَ إِلَى أَصْبَهَانَ، فَفَتحُوا لَهُ خديعَةً، فَأَمسكوهُ، فَمَاتَ أَخُوْهُ صَاحِبُ أَصْبَهَان مَحْمُوْد، وَلَهُ سَبْعُ سِنِيْنَ بِالجُدَرِيّ، فَملَّكُوا بَرْكْيَارُوْق، وَوَزَرَ لَهُ المُؤَيَّدُ بنُ نِظَام الْملك، وَجَمَعَ وَحَشَدَ، وَمَاتَ صَاحِبُ مِصْر المُسْتَنْصِر، وَأَمِيْرُ الجُيُوْش بدرٌ، وَوَالِي مَكَّة مُحَمَّدُ بنُ أَبِي هَاشِمٍ الَّذِي نهب الوَفْدَ، ثُمَّ التَقَى بَرْكْيَارُوْق وَعَمُّه تُتُش، فَقُتِلَ فِي المعركَة تُتُش، وَتَملَّك بَعْدَهُ دِمَشْق ابْنُهُ دُقَاقُ شَمْسُ المُلُوْك، وَقُتِلَ صَاحِبُ سَمَرْقَنْد أَحْمَد خَان، وَكَانَ قَدْ حَسَّنُوا لَهُ الإِباحَة، وَتزندق، فَقَبَضَ عَلَيْهِ الأُمَرَاءُ، وَشَهِدُوا عَلَيْهِ، فَأَفتَى العُلَمَاءُ بِقَتْلِهِ، وَمَلَّكُوا ابْن عَمِّهِ.
وَقُتِلَ سَنَةَ تِسْعِيْنَ صَاحِبُ مَرْوَ أَرغون أَخُو السُّلْطَان مَلِكْشَاه، وَكَانَ ظَلُوْماً جَبَّاراً، قَتله مَمْلُوْكٌ لَهُ، وَكَانَ حَاكماً عَلَى نَيْسَابُوْر، وَبلخ أَيْضاً، تَمرَّدَ وَخَرَّبَ أَسوَارَ بِلاَدِهِ.
وَعصَى نَائِبُ العُبَيْدِيَّةِ بِصُوْرَ، فَجَاءَ عَسْكَرٌ، وَحَاصَرُوهَا وَافْتَتَحُوهَا، وَقَتَلُوا بِهَا خَلْقاً، مِنْهُم نَائِبُهَا.
وَجَهَّزَ السُّلْطَانُ بَرْكْيَا رُوْق جَيْشاً مَعَ أَخِيْهِ سَنْجَر، فَبَلَغَهُم قتل أَرغون، فَلحقهُم السُّلْطَانُ، فَتَمَلَّك جَمِيْعَ خُرَاسَانَ، وَخُطِبَ لَهُ بِسَمَرْقَنْدَ، وَدَانت لَهُ الأُمَمُ، فَاسْتنَابَ أَخَاهُ سَنْجرَ بِخُرَاسَانَ، وَكَانَ حَدَثاً، وَأَمَّر بَرْكْيَا رُوْق عَلَى خُوَارزم مُحَمَّد بن نُوشْتِكِين مَوْلَى السَّلجوقيَة، وَكَانَ فَاضِلاً أَدِيباً عَادِلاً، ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ خُوَارزم شَاه أَتسِز وَالِدُ خُوَارزم شَاهُ عَلاَء الدِّيْنِ. стр. 12097
وَفِي سَنَةِ تِسْع كَانَ أَوّل ظُهُوْرِ الفِرَنْج بِالشَّامِ قَدِمُوا فِي بَحرِ القُسْطَنْطِيْنِيَّة فِي جَمعٍ كَثِيْر، وَانزعجتِ المُلُوْكُ، وَعَظُمَ الخطبُ، لاَ سِيَّمَا ابْن قُتُلمش صَاحِبُ الرُّوْمِ، فَالتقَاهُم، فَطَحَنُوهُ.
وَأَمَّا ابْنُ الأَثِيْرِ (١) ، فَقَالَ: ابْتِدَاءُ دَوْلَتِهِم فِي سَنَةِ (٤٧٨) ، فَأَخذُوا طُلَيْطُلَة وَغَيْرهَا، ثُمَّ صَقِلِّيَّة، وَأَخَذُوا بَعْض أَفْرِيْقِيَة، وَجَمَعَ ملكهُم بَغْدَوِين جَمعاً، وَبَعَثَ يَقُوْلُ لرُجَّار صَاحِب صَقِلِّيَّة: أَنَا وَاصِلٌ إِلَيْك لِنَفتَحَ أَفْرِيْقِيَة، فَبَعَثَ يَقُوْلُ: الأَوْلَى فَتْحُ القُدْس، فَقَصَدُوا الشَّام.
وَقِيْلَ: إِنَّ صَاحِبَ مِصْر لَمَّا رَأَى قُوَّةَ آلِ سَلْجُوق وَاسْتيلاَءهُم عَلَى المَمَالِك، كَاتَبَ الفِرَنْجَ، فَمرُوا بَسِيس، وَنَازلُوا أَنطَاكيَة، فَخَافَ صَاحِبُهَا يَاغِي بَسَان (٢) ، فَأَخْرَجَ النَّصَارَى إِلَى الخَنْدَق وَحبسهُم بِهِ، فَدَام حصَارُهَا تِسْعَةَ أَشهر، وَفنِيَ الفِرَنْجُ قتلاً وَمَوتاً، ثُمَّ إِنَّهُم عَاملُوا الزَرَّاد المقدَّم، وَبَذلُوا لَهُ مَالاً، فَكَاشرَ لَهُم عَنْ بدنه (٣) ، فَفَتحُوا شُبَّاكاً، وَطلعُوا مِنْهُ خَمْس مائَة فِي اللَّيْلِ، فَفَتح يَاغِي بَسَان، وَهَرَبَ، وَاسْتُبيح الْبَلَد - فَإِنَّا للهِ - فِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ، وَسَقَطَت قوَة يَاغِي بَسَان أَسفاً، وَانْهَزَم غِلمَانه، فَذَبَحَه حَطَّاب أَرْمَنِيّ (٤) .
ثُمَّ أَخَذُوا المَعَرَّةَ، فَقَتَلُوا وَسَبَوْا، وَتَجَمَّعتْ عَسَاكِرُ المَوْصِلِ وَغَيْرُهَا، فَالتَقَوْا، فَانْهَزَم المُسْلِمُوْنَ، وَاسْتُشْهِدَ أُلوفٌ، стр. 12098
وَصَالَحَهُم صَاحِبُ حِمْصَ، وَأَقْبَلَ ابْنُ أَمِيْرِ الجُيُوْشِ، فَأَخَذَ القُدْسَ مِنِ ابْنِ أَرتُقَ، وَانتشرت البَاطِنِيَّةُ بِأَصْبَهَانَ، وَتَمَّتْ حُرُوْبٌ مُزعِجَة بَيْنَ مُلُوْكِ الْعَجم، وَأَخَذتِ الفِرَنْجُ بَيْتَ المَقْدِسِ، نَصَبُوا عَلَيْهِ أَرْبَعِيْنَ منجنِيقاً، وَهَدُّوا سُورَه، وَجَدُّوا فِي الحصَار شَهراً وَنِصْفاً، ثُمَّ مَلَكُوهُ مِنْ شَمَاليِّه فِي شَعْبَانَ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ، وَقتلُوا بِهِ نَحْواً مِنْ سَبْعِيْنَ أَلْفاً (١) .
قَالَ يُوْسُفُ ابنُ الجَوْزِيِّ وَالعهدَة عَلَيْهِ: سَارَتِ الفِرَنْجُ، وَمقدَّمهم كُندفرِي (٢) فِي أَلفِ أَلفٍ، مِنْهُم خَمْسُ مائَة أَلْفِ مقَاتل، وَعَمِلُوا بُرجاً مِنْ خشب أَلصقوهُ بِالسُّور، حكمُوا بِهِ عَلَى الْبَلَد، وَسَارَ الأَفْضَلُ أَمِيْرُ الجُيُوْش مِنْ مِصْرَ فِي عِشْرِيْنَ أَلْفاً نَجدَةً، فَقَدِمَ عَسْقَلاَن وَقَدِ اسْتُبيحت القُدْسُ، ثُمَّ كبست الفِرَنْجُ المِصْرِيّين، فَهَزموهُم، وَانحَاز الأَفْضَلُ إِلَى عَسْقَلاَن، وَتَمَزَّقَ جَيْشه، وَحُوْصِرَ، فَبذلَ لَهُم أَمْوَالاً، فَتَرَحَّلُوا عَنْهُ (٣) .
وَتَمَلَّكَ مُحَمَّدُ بنُ مَلِكْشَاه، فَهَزم أَخَاهُ بَرْكْيَارُوْق، ثُمَّ حَارب عَسْكَر المَوْصِل، وَجَرَتْ عَجَائِب، ثُمَّ فَرَّ بَرْكْيَارُوْقُ إِلَى خُرَاسَانَ، وَعَسَفَ، وَعَمِلَ مَصَافّاً مَعَ أَخِيْهِ سَنْجر، فَانْهَزَم كُلٌّ مِنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ بَرْكْيَارُوْق عَلَى جُرْجَانَ طَالباً أَصْبَهَان (٤) .
وَالْتَقَى ابْن الدَّانشهد (٥) جَيْشَ الفِرَنْج فَنقل ابْنُ الأَثِيْرِ أَنَّهُم كَانُوا ثَلاَثَ стр. 12099
مائَةِ أَلْف، فَلَمْ يُفْلِتْ أَحَدٌ مِنْهُم سِوَى ثَلاَثَة آلاَف.
وَكَانَتْ وَقْعَة بَيْنَ المِصْرِيِّينَ وَالفِرَنْج (١) عَلَى عَسْقَلاَنَ، فَقُتِلَ مُقَدَّم المِصْرِيّينَ سَعْدُ الدَّوْلَة، لَكِنِ انتَصَرَ المُسْلِمُوْنَ.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ: فَيُقَالُ: قُتِلَ مِنَ الفِرَنْجِ ثَلاَثُ مائَةِ أَلْفٍ.
قُلْتُ: هَذِهِ مُجَازفَة عَظِيْمَة.
وَالْتَقَى السُّلْطَان مُحَمَّدُ بنُ مَلِكْشَاه وَأَخُوْهُ بَرْكْيَارُوْق مَرَّات، وَغَلَتِ الأَقطَارُ بِالبَاطِنِيَّةِ، وَطَاغُوتُهُم الحَسَن بن الصَّبَّاحِ المَرْوَزِيّ الكَاتِب، كَانَ دَاعِيَةً لِبَنِي عُبَيْدٍ، وَتَعَانَوْا شُغْلَ السِّكِّين، وَقَتَلُوا غِيلَةً عِدَّةً مِنَ العُلَمَاءِ وَالأُمَرَاء، وَأَخَذُوا القِلاعَ، وَحَاربُوا، وَقَطعُوا الطُّرقَ، وَظهرُوا أَيْضاً بِالشَّامِ، وَالتفَّ عَلَيْهِم كُلُّ شَيطَانٍ وَمَارِق، وَكُلُّ مَاكِرٍ وَمُتَحَيِّل.
قَالَ الغَزَّالِي فِي (سِرِّ العَالمين) :شَاهَدتُ قِصَّة الحَسَن بنِ الصَّبَّاحِ لَمَّا تَزَهَّد تَحْتَ حِصن الأَلَموت، فَكَانَ أَهْلُ الْحصن يَتمنَّوْنَ صُعُوْدَه، وَيَتَمَنَّعُ وَيَقُوْلُ: أَمَا تَرَوْنَ المُنْكَرَ كَيْفَ فَشَا، وَفَسَدَ النَّاسُ، فَصَبَا إِلَيْهِ خلق، وَذَهَبَ أَمِيْرُ الحِصن يَتَصَيَّدُ، فَوَثَبَ عَلَى الْحصن فَتملَّكَه، وَبَعَثَ إِلَى الأَمِيْرِ مَنْ قَتَلَهُ، وَكثرت قِلاعُهُم، وَاشْتَغَل عَنْهُم أَوْلاَدُ مَلِكْشَاه بِاخْتِلاَفِهِم.
وَلابْنِ البَاقِلاَّنِي، وَالغزَالِي، وَعَبْدِ الجَبَّارِ المُعْتَزِلِي كُتُبٌ فِي فَضَائِح هَؤُلاَءِ (٢) .
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ: وَفِي سَنَةِ (٤٩٤) أَمر السُّلْطَانُ بَرْكْيَارُوْق بِقَتْلِ стр. 12100
البَاطِنِيَّة، وَهُمُ الإِسْمَاعِيْليَّةُ، وَهُمُ الَّذِيْنَ كَانُوا قديماً يُسَمَّوْنَ القرَامِطَةَ (١) .
قَالَ: وَتَجرد بِأَصْبَهَانَ لِلانتقَامِ مِنْهُم الخُجَنْدِيُّ (٢) ، وَجَمَعَ الجمَّ الغفِيرَ بِالأَسلحَة، وَأَمر بِحفرِ أَخَادِيدَ أُوقِدَتْ فِيْهَا النِّيرَانُ، وَجَعَلُوا يَأْتُوْنَ بِهِم، وَيُلقُونَهُم فِي النَّارِ، إِلَى أَنْ قتلُوا مِنْهُم خَلقاً كَثِيْراً.
قَالَ: وَكَانَ ابْنُ صَبَّاح شَهْماً، عَالِماً بِالهندسَة وَالنُّجُوْم وَالسّحر، مِنْ تلاَمذَة ابْنِ غَطَّاشٍ الطَّبِيْب الَّذِي تَملَّك قَلْعَة أَصْبَهَان، وَمِمَّنْ دَخَلَ بِمِصْرَ عَلَى المُسْتَنْصِر، فَأَعْطَاهُ مَالاً، وَأَمره بِالدعوَة لابْنِهِ نِزَار، وَهُوَ الَّذِي بَعَثَ مَنْ قتل نِظَام الْملك، وَقَدْ قتل صَاحِبُ كِرْمَان أَرْبَعَة آلاَف لِكَوْنِهِم سُنَّةً، وَاسْمُهُ تيرَانشَاه السَّلْجُوْقِي، حَسَّن لَهُ رَأْيَ البَاطِنِيَّة أَبُو زُرْعَةَ الكَاتِب، فَانسلخَ مِنَ الدِّينِ، وَقَتَلَ أَحْمَد بن الحُسَيْنِ البَلْخِيّ شَيْخُ الحَنَفِيَّة، فَقَامَ عَلَيْهِ جندُه وَحَاربوهُ، فَذلَّ، وَتَبِعَهُ عَسْكَر، فَقتلُوْهُ، وَقتلُوا أَبَا زُرْعَةَ، وَصَارَت الأُمَرَاءُ يُلاَزمُوْنَ لُبْس الدُّرُوْع تَحْتَ الثِّيَاب خوَفاً مِنْ فَتكِ هَؤُلاَءِ الملاَحدَةِ، وَركب السُّلْطَان بَرْكْيَارُوْق فِي تَطلُّبِهِم، وَدَوَّخهُم، حَتَّى قتلَ جَمَاعَةً بُرَآء، سَعَى بِهِم الأَعْدَاءُ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَهْل عَانَة، وَاتُّهم إِلكيَا الهَرَّاسِي بِأَنَّهُ مِنْهُم - وَحَاشَاهُ - فَأَمر السُّلْطَانُ مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه بِأَنْ يُؤْخَذَ، حَتَّى شَهِدُوا لَهُ بِالخَيْرِ، فَأُطلق (٣) .
وَفِيْهَا كَسَرَ دُقَاق صَاحِبُ دِمَشْق الفِرَنْجَ، وَحَاصَرَ صَاحِبُ القُدْس كندفرِي عكَّا، فَقُتِلَ بِسَهمٍ، وَتَملَّكَ أَخُوْهُ بغدوين، وَأَخَذتِ الفِرَنْجُ سَرُوجَ стр. 12101
بِالسَّيْف، وَأَرْسُوفَ وَحَيْفَا بِالأَمَان، وَقَيْسَارِيَّةَ عَنْوَةً (١) .
وَفِي سَنَةِ (٤٩٥) مَاتَ المُسْتعلِي صَاحِبُ مِصْر، وَوَلِيَ الآمِرُ، وَكَانَتْ حُرُوْبٌ بَيْنَ الأَخوينِ بَرْكْيَارُوْق وَمُحَمَّد، وَبلاَءٌ وَحصَار، وَنَازلت الفِرَنْجُ طَرَابُلُس، فَسَارَ لِلْكشف عَنْهَا جُنْدُ دِمَشْقَ وَحِمْصَ، فَانكسرُوا، ثُمَّ التَقَى العَسْكَر، وَبغدوين، فَهَزمُوْهُ، وَقَلَّ مَنْ نَجَا مِنْ أَبْطَاله، وَظَفِرَ ثَلاَثَةٌ مِنَ البَاطِنِيَّة عَلَى جَنَاحِ الدَّوْلَة صَاحِب حِمْص، فَقَتَلُوْهُ فِي الجَامِع، فَنَازلتهَا الفِرَنْجُ، فَصُولحُوا عَلَى مَال، وَتَسَلَّمهَا شَمْسُ المُلُوْك، وَقَتلَتْ البَاطِنِيَّة الأَعزَّ، وَزِيْر بَرْكْيَارُوْق، وَمَاتَ كُربوقَا صَاحِبُ المَوْصِلِ بِخَوَيّ، وَقَدِ اسْتولَى عَلَى أَكْثَر أَذْرَبِيْجَانَ.
وَخَطَبَ سَنْجَرُ بِخُرَاسَانَ لأَخِيه مُحَمَّد، وَحَارَبَ قدرْخَان صَاحِبَ مَا وَرَاء النَّهْر، فَأَسره سَنْجَر وَقتله، وَملَّكَ ابْنَ بغرَاجَان سَمَرْقَنْدَ، وَنَازل المُسْلِمُوْنَ بَلَنْسِيَةَ، وَاسْتَرجَعُوهَا مِنَ الفِرَنْجِ بَعْدَ أَنْ تَمَلَّكُوهَا ثَمَانِيَة أَعْوَامٍ، ثُمَّ رَاحت مِنَ المُسْلِمِينَ فِي سَنَةِ (٦٣٦) (٢) .
وَفِي سَنَة سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ سَارَ شَمْسُ المُلُوْك، فَحَاصَر الرَّحْبَة، وَأَخَذَهَا، وَجَاءَ عَسْكَرُ مِصْر، فَالتَقَوا الفِرَنْجَ بِيَافَا، وَخُذِلَتْ الفِرَنْجُ، وَتَصَالَحَ بَرْكْيَارُوْقُ وَأَخُوْهُ، وَملُّوا مِنَ الحَرْب، وَتَحَالفُوا، وَطَال حِصَارُ الفِرَنْج لِطَرَابُلُس، وَأَخَذُوا جُبيلَ، وَأَخَذُوا عكَّا، وَنَازلُوا حَرَّانَ، فَجَاءَ العَسْكَر، وَوَقَعَ المَصَافُّ، وَنَزَلَ النَّصْرُ، وَأُبيدتِ الملاعِينُ، وَبلغت стр. 12102
قَتْلاَهُم اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً (١) ، وَمَاتَ شَمْسُ المُلُوْك دُقَاقُ، وَتَملَّكَ وَلدُهُ بِدِمَشْقَ، وَأَتَابِكُهُ طُغْتِكِين (٢) .
وَفِي سَنَة ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ مَاتَ بَرْكْيَارُوْق، وَسلطنُوا ابْنه ملكشَاه وَهُوَ صَبِيّ (٣) ، وَالتقَى المُسْلِمُوْنَ وَالفِرَنْج، فَأُصِيْب المُسْلِمُوْنَ، ثُمَّ قَدِمَ عَسْكَر مِصْر، وَانضمَّ إِلَيْهِم عَسْكَر دِمَشْق، فَكَانَ المَصَافّ مَعَ بغدوين عِنْد عَسْقَلاَن، وَثبت الفَرِيقَان، وَقُتِلَ مِنَ الفِرَنْج فَوْقَ الأَلف، وَمِنَ المُسْلِمِين مِثْلُهُم، ثُمَّ تَحَاجزُوا، وَفِيْهَا تَمَكَّنَ السُّلْطَان مُحَمَّد وَبسط العَدْل.
وَفِي سَنَةِ (٤٩٦) كبس الأَتَابك طُغْتِكِين الفِرَنْج بِالأُرْدُنّ، فَقتل وَأَسَرَ، وَزُيِّنت دِمَشْق، وَأَخَذَ مِنَ الفِرَنْج حِصْنَيْنِ (٤) .
وَاستَولَتِ الإِسْمَاعِيْليَّة عَلَى فَامِيَة، وَقتلُوا صَاحِبَهَا ابْنَ مُلاَعِبٍ، وَكَانَ جَبَّاراً يَقطع الطَّرِيْق (٥) .
وَفِي سَنَةِ خَمْسِ مائَةٍ مَاتَ صَاحِبُ المَغْرِب وَالأَنْدَلُس يُوْسُفُ بن تَاشفِيْن، وَتَملَّكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَلِيّ، وَكَانَ يَخطُب لِبَنِي العَبَّاسِ، وَجَاءته خِلَع السَّلطنَة وَالأَلْويَةِ، وَكَانَ أَنشَأَ مَرَّاكُشَ (٦) .
وَقُتِلَ وَاحِدٌ مِنَ الإِسْمَاعِيْليَّة فَخرَ المُلك بنَ نِظَام الْملك، وَزَرَ لِبَرْكْيَارُوْق، ثُمَّ لِسَنْجَر (٧) . стр. 12103
وَقبض مُحَمَّد عَلَى وَزِيْرِهِ سَعْدِ المُلك، وَصَلَبَه بِأَصْبَهَانَ، وَاسْتَوْزَرَ أَحْمَد بن نظَامِ المُلك.
وَقُتِلَ مُقدَّم الإِسْمَاعِيْليَّة بِقَلْعَةِ أَصْبَهَان أَحْمَدُ بنُ غطَّاش، قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ: قَتَلَ أَتْبَاعُهُ خلقاً لاَ يُمْكِنُ إِحْصَاؤهُم ... ، إِلَى أَنْ قَالَ:
وَخرَّب السُّلْطَانُ مُحَمَّد القَلْعَةَ، وَكَانَ أَبُوْهُ مَلِكْشَاه أَنشَأَهَا عَلَى جبل، يُقَال: غَرِمَ عَلَيْهَا أَلفَيْ أَلف دِيْنَار وَزِيَادَة، فَتَحَيَّلَ ابْنُ غَطَّاش حَتَّى تَمَلَّكهَا، وَبَقِيَ بِهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً (١) .
وَعَزَلَ المُسْتظهرُ وَزِيْرَه أَبَا القَاسِمِ بن جَهير، وَوَزَرَ هِبَة اللهِ بن المُطَّلِبِ (٢) .
وَغَرِقَ ملكُ قُوْنِيَة قلج رسلاَن بن سُلَيْمَانَ بن قتلمش السَّلْجُوْقِي (٣) .
وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِ مائَة مَاتَ صَاحِبُ الحِلَّة سَيْفُ الدَّوْلَة صَدَقَةُ بنُ مَنْصُوْرِ بنِ دُبَيْسٍ الأَسَدِيّ مَلِك الْعَرَب الَّذِي أَنشَأَ الحِلَّة عَلَى الرَّفض، قُتِلَ فِي وَقْعَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلْطَانِ مُحَمَّد بنِ مَلِكْشَاه (٤) .
وَفِيْهَا سَارَ طُغْتِكِين فِي جُنْدِ دِمَشْقَ، فَهَزمَ الفِرَنْجَ، وَأَسَرَ صَاحِبَ طَبَرَيَّة جرمَاس، وَحَاصَرَ بغدوين الكلبُ صُوْرَ، وَبَنَى بِإِزَائِهَا حِصناً، ثُمَّ بَذَلَ لَهُ стр. 12104
أَهْلُهَا سَبْعَة آلاَف دِيْنَار، فَتَرحَّلَ عَنْهُم (١) .
وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ سَارَ طُغْتِكِين فِي أَلْفَيْنِ، فَالتَقَى الفِرَنْجَ، فَانْهَزَم جَمعُه، وَثبتَ هُوَ، ثُمَّ تَرَاجعُوا إِلَيْهِ، وَنُصِرُوا، وَأَسَرُوا قَوْمصاً، بَذَلَ فِي نَفْسِهِ جُمْلَةً، فَأَبَى طُغْتِكِين وَذَبحه، ثُمَّ هَادن بغدوين أَرْبَعَةَ أَعْوَام (٢) .
وَفِيْهَا تَزَوَّجَ المُسْتظهر بِأُختِ السُّلْطَان مُحَمَّد عَلَى مائَة أَلْف دِيْنَار (٣) .
وَفِيْهَا أَخذت الإِسْمَاعِيْليَّةُ شَيْزَر بِحيلَةٍ، فَرَجَعَ صَاحِبُهَا مِنْ مَوْكِبه، فَوَجَد بلدَه قَدْ رَاح مِنْهُ، فَيَعمد نِسَاؤُه مِنَ القُلَّة فَدَلَّوْا حِبالاً، وَاسْتقَوهُ وَأَجنَاده، فَوَقَعَ القِتَالُ، وَاسْتَحَرَّ القتلُ بِالملاَحدَةِ، وَكَانُوا مائَةً، قَدْ خدم أَكْثَرُهُم حَلاَّجِينَ فِي شَيْزَرَ، فَمَا نَجَا مِنْهُم أَحَدٌ، وَقُتِلَ مِنَ الأَجْنَادِ عِدَّة (٤) .
وَفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ أُخِذَتْ طَرَابُلُس فِي آخِر السّنَةِ بَعْد حِصَارِ سِتّ سِنِيْنَ أَخَذُوهَا بِأَبرَاجٍ خَشَبٍ صُنِعَتْ وَأُلْصِقَتْ بِسُورِهَا، وَأَخَذُوا بَانِيَاسَ وَجُبيلَ بِالأَمَان، ثُمَّ طَرَسُوْس، وَحِصنَ الأَكرَادِ (٥) .
وَفِي سَنَةِ خَمْسٍ تَنَاحَب (٦) عَسَاكِرُ العِرَاق وَالجَزِيْرَة، وَأَقْبَلُوا لِغزو الفِرَنْج، وَعدَّوا الفُرَات، فَقل مَا نَفعُوا، ثُمَّ رَجَعُوا وَالأَعْدَاءُ تَجولُ فِي الشَّام (٧) . стр. 12105
وَتَمَّت بِالأَنْدَلُسِ غَزْوَةٌ كُبْرَى - نَصْر اللهِ - وَانحطمتِ الفِرَنْج، وَقُتِلَ ابْنُ مَلِكِهِم (١) .
وَفِي سَنَةِ سِتٍّ مَاتَ بَسِيْلٌ مَلِكُ الأَرمَنِ، فَسَارَ صَاحِبُ أَنطَاكيَة تَنكرِي لِيَتَمَلَّك سِيسَ، فَمَرِضَ، وَمَاتَ (٢) .
وَمَاتَ قرَاجَا صَاحِبُ حِمْص، فَتَمَلَّكَ ابْنُه خَيْرخَان (٣) .
وَفِي أَوّل سَنَةِ سبعٍ أَقْبَلَ عَسْكَرُ الجَزِيْرَة نَجدَةً لِطُغتِكِين، فَالتَقَوُا الفِرَنْجَ بِالأُرْدُنّ، وَصبر الفرِيقَانِ، ثُمَّ اسْتَحَرَّ القتلُ بِالفِرَنْج، وَأُسِرَ طَاغِيتُهُم بغدوين، لَكِن أَسَاء الَّذِي أَسره، فَشلَّحه، وَأَطلقَه جَرِيحاً، ثُمَّ تَرَاجعَ العَدُوّ، وَجَاءتْهُم نَجدَةٌ، فَعملُوا المَصَافَّ مِنَ الغَدِ، وَحَمِي القِتَالُ، وَطَاب المَوْتُ، وَتَحَصَّنَ الكِلاَبُ بِجبلٍ، فَرَابط الجَيْشُ بِإِزَائِهِم يَترَامَوْنَ بِالنُّشَاب وَيَقْتتلُوْنَ، فَدَام ذَلِكَ كَذَلِكَ سِتَّةً وَعِشْرِيْنَ صَبَاحاً حَتَّى عُدِمَتِ الأَقْوَاتُ، وَتَحَاجَزَ الجَمْعَانِ (٤) .
وَفِيْهَا وَثَبَ بَاطِنِيٌّ بِجَامِعِ دِمَشْقَ عَلَى صَاحِبِ المَوْصِلِ مَوْدُوْدِ بنِ стр. 12106
أَلتونتِكِين فَقَتَلَهُ، وَهُوَ قَدْ صَلَّى الجُمُعَة مَعَ طُغْتِكِين، وَأُحْرِقَ البَاطِنِي (١) .
قَالَ ابْنُ الفُلاَنسِي فِي (تَارِيْخِهِ (٢)) :قَامَ هُوَ وَطُغْتِكِين حَوْلَهُمَا التُّركُ وَالأَحدَاثُ بِأَنْوَاع السِّلاَح مِنَ الصوَارم وَالصمصَامَات وَالخنَاجِر المُجَرَّدَة، كَالأَجمَة المشتبكَة، فَوَثَبَ رَجُل لاَ يُؤْبَهُ لَهُ، وَدَعَا لِمَوْدُوْد، وَشحذ مِنْهُ، وَقَبضَ بَنْدَ قَبَائِهِ، وَضَرَبَه تَحْتَ سُرَّتِه ضَربتَينِ، وَالسُّيوفُ تَنْزِلُ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ بِخَانقَاه الطّوَاويس، ثُمَّ نُقِلَ، وَكَانَ بِطَبَرِيَّةَ مُصحفٌ أَرْسَله عُثْمَانُ ﵁ إِلَيْهَا، فَنَقَلَهُ طُغْتِكِين إِلَى جَامِعِ دِمَشْقَ.
وَفِيْهَا تَملَّكَ حلبَ أَرْسَلاَنُ بنُ رِضوَان السَّلْجُوْقِي بَعْدَ أَبِيْهِ، وَقَتَلَ أَخويه، وَرَأْسَ الإِسْمَاعِيْليَّة أَبَا طَاهِر الصَّائِغ، وَعِدَّةً مِنْهُم (٣) .
وَفِي سَنَة ثَمَانٍ وَخَمْسِ مائَةٍ هَلَكَ بغدوين مِنْ جُرحه (٤) .
وَقَتَلَتِ البَاطِنِيَّةُ صَاحِبَ مَرَاغَة أَحْمَديل (٥) .
وَتَخَنْزَرتِ الفِرَنْجُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَعَاثُوا بِالشَّامِ، وَأَخَذُوا رَفَنِيَّةَ (٦) ، فَسَاق طُغْتِكِين، وَاسْتنقذهَا، وَكَانَ قَدْ عصَى عَلَى السُّلْطَان، وَحَارَبَ بَعْضَ عَسْكَره، فَنَدِمَ، وَسَارَ بِنَفْسِهِ إِلَى العِرَاقِ بِتُحَفٍ سَنِيَّةٍ، فَرَأَى مِنَ الاحْتِرَام стр. 12107
فَوْقَ آمَالِهِ، وَكَتبُوا لَهُ تَقليداً بِإِمْرَة الشَّام كُلِّه.
وَفِي سَنَةِ عَشْرٍ قَدِمَ البُرسُقِي صَاحِبُ المَوْصِل إِلَى الشَّامِ غَازِياً، وَسَارَ مَعَهُ طُغْتِكِين، فَكَبَسُوا الفِرَنْجَ، وَنَزَلَ النَّصْرُ، فَقُتِلَ أُلُوْفٌ مِنَ الفِرَنْج، وَاسْتحكمت المَوَدَّةُ بَيْنَ البُرسُقِي وَبَيْنَ صَاحِب دِمَشْق.
وَفِي سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ كَبَسَتِ الفِرَنْجُ حَمَاة، وَقتلُوا مائَة وَعِشْرِيْنَ رَجُلاً (١) ، وَبدَّعُوا، وَجَاءَ سَيْلٌ هدم سُورَ سِنجَار، وَغرَّق خَلاَئِقَ، وَأَخَذَ بَابَ المَدِيْنَة، ثُمَّ ظهر تَحْتَ الرملِ بَعْد سِنِيْنَ عَلَى مَسِيرَة بَرِيْد، وَسَلِمَ مَوْلُوْدٌ فِي سَرِيْرِهِ عَامَ بِهِ، وَتَعَلَّق فِي زَيْتونَةٍ.
وَفِيْهَا تَسَلَّطن السُّلْطَانُ مَحْمُوْدٌ بَعْدَ أَبِيْهِ مُحَمَّد، وَأُنفقت خَزَائِنُ أَبِيْهِ فِي العَسَاكِر، فَقِيْلَ: كَانَتْ أَحَدَ عشرَ أَلفَ أَلفِ دِيْنَارٍ (٢) .
وَتُوُفِّيَ المُسْتظهر بِاللهِ عَنْ سَبْعَة بَنِيْنَ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُه المُسْترشد بِاللهِ (٣) . стр. 12108
وَبعدَه مَاتَتْ جَدَّتُه لأَبِيْهِ أَرْجُوَانُ (١) الأَرمنِيَةُ، وَقَدْ رَأَتِ ابْنهَا خَلِيْفَةً، وَابْنَ ابْنِهَا، وَابْنَ ابْنِ ابْنِهَا، وَمَا اتَّفَقَ هَذَا لِسِوَاهَا.
٢٣٧ - أَبُو القَاسِمِ الأَنْصَارِيُّ سَلْمَانُ بنُ نَاصِرِ بنِ عِمْرَانَ *
إِمَامُ المُتَكَلِّمِين، سَيْفُ النَّظَر، سَلْمَانُ بنُ نَاصر بن عِمْرَانَ النَّيْسَابُوْرِيّ، الصُّوْفِيّ، الشَّافِعِيّ، تِلْمِيْذُ إِمَامِ الحَرَمَيْنِ.
رَوَى عَنْ: فَضلِ الله المِيهَنِي، وَعَبْدِ الغَافِرِ الفَارِسِيّ، وَكَانَ يَتوَقَّدُ ذكَاءً، لَهُ تَصَانِيْفُ وَشُهرَةٌ وَزُهْدٌ وَتعبُّدٌ، شرح كِتَاب (الإِرشَادِ (٢)) وَغَيْر ذَلِكَ.
مَاتَ: سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة.
٢٣٨ - صَاحِبُ إِفْرِيْقِيَةَ أَبُو طَاهِرٍ يَحْيَى بنُ تَمِيمِ بنِ المُعِزِّ الحِمْيَرِيُّ **
الملكُ، أَبُو طَاهِرٍ يَحْيَى ابنُ الْملك تَمِيمِ بن المُعزِّ بن بَادِيس الحِمْيَرِيّ، стр. 12109
قَامَ فِي المُلك بَعْد أَبِيْهِ، وَخلعَ عَلَى قُوَّاده وَعَدَلَ، وَافتَتَحَ حُصُوْناً مَا قَدَرَ أَبُوْهُ عَلَيْهَا، وَكَانَ عَالِماً، كَثِيْرَ المُطَالَعَةِ، جَوَاداً مُمَدَّحاً، مُقرِّباً لِلْعُلَمَاء، وَفِيْهِ يَقُوْلُ أَبُو الصَّلْتِ أُمَيَّةُ الشَّاعِر (١) :
فَارْغَبْ بِنَفْسِكَ إِلاَّ عَنْ نَدَى وَوَغَى ... فَالمَجْدُ أَجْمَعُ بَيْنَ البَأْسِ وَالجُودِ
كَدَأْبِ يَحْيَى الَّذِي أَحْيَتْ مَوَاهِبُهُ ... مَيْتَ الرَّجَاءِ بِإِنْجَازِ المَوَاعِيدِ
مُعْطِي الصَّوَارِمِ وَالهِيْفِ النَّوَاعمِ وَالـ ... ـجُرْدِ الصُّلاَدِمِ وَالبُزْلِ الجَلاَمِيدِ (٢)
إِذَا بَدَا بِسَرِيرِ المُلْكِ مُحْتَبِياً ... رَأَيْتَ يُوْسُفَ فِي مِحْرَابِ دَاوُدِ (٣)
مَاتَ يَحْيَى: يَوْم النَّحْر فَجْأَةً، فَكَانَ مَوْتُهُ وَسطَ النَّهَار، سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِ مائَة، فَكَانَتْ دَوْلَتُهُ ثَمَانِيَ سِنِيْنَ، وَخلَّف لِصُلبِه ثَلاَثِيْنَ ابْناً، فَتَمَلَّك مِنْهُم ابْنُهُ عليّ، فَقَامَ سِتَّةَ أَعْوَام، وَمَاتَ فَملَّكُوا وَلده الحَسَنَ بن عَلِيٍّ صَبِيّاً مُرَاهِقاً، стр. 12110
فَامتدَّتْ أَيَّامُه، إِلَى أَنْ أَخذت الفِرَنْج طَرَابُلُسَ المَغْرِب بِالسَّيْف، سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِيْنَ، فَهَرَبَ الحَسَنَ مِنَ المَهديَّةِ (١) هُوَ وَأَكْثَر أَهْلهَا، ثُمَّ انضمَّ إِلَى السُّلْطَان عبد المُؤْمِن.
وَقَدْ وَقَفَ ليَحْيَى ثَلاَثَةُ غربَاء، وَزعمُوا أَنَّهُم يَعملُوْنَ الكيمِيَاء، فَأَحضرَهُم لِيَتَفَرَّج وَأَخلاَهُم، وَعِنْدَهُ قَائِدُ عَسْكَره إِبْرَاهِيْم، وَالشَّرِيْف أَبُو الحَسَنِ، فَسلَّ أَحَدهُم سِكِّيناً، وَضرب المَلِكَ، فَمَا صَنَعَ شَيْئاً، وَرَفَسَه الْملك دَحرَجَهُ، وَدَخَلَ مَجْلِساً وَأَغلقه، وَقُتِلَ الآخِر الشَّرِيْف، وَشدَّ إِبْرَاهِيْم بِسَيفِهِ عَلَيْهِم، وَدَخَلَ المَمَالِيْكُ، وَقتلُوا الثَّلاَثَة، وَكَانُوا باطنِيَة، أَظُنُّ الآمْر العبُيدي نَدَبَهُم لِذَلِكَ.
٢٣٩ - الدَّرْزِيْجَانِيُّ أَبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بنُ الحَسَنِ *
الإِمَامُ، شَيْخُ الإِسْلاَمِ، أَبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بنُ الحَسَنِ الفَقِيْهُ، الحَنْبَلِيّ، المُقْرِئ، صَاحِبُ القَاضِي أَبِي يَعْلَى.
سَمِعَ: مِنْهُ، وَمِنْ: أَبِي عَلِيٍّ بنِ البَنَّاء، وَلَقَّن خلقاً كَثِيْراً، وَكَانَ قَوَّالاً بِالْحَقِّ، أَمَّاراً بِالعُرف، كَبِيْرَ الشَّأْنِ، عَظِيْمَ الهيبَة.
أَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ النَّجَّار، وَبَالَغَ فِي تَعْظِيْمِهِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْم فِي رَكْعَة وَاحِدَة، وَأَنَّهُ تَفَقَّهَ بِأَبِي يَعْلَى. стр. 12111
وَقَالَ أَحْمَدُ الجِيْلِيُّ: جَعْفَر ذُو المقَامَاتَ المَشْهُوْرَة، وَالمَهِيبُ بِنُوْرِ الإِيْمَان وَاليَقِينَ لَدَى المُلُوْك وَالمُتَصَرِّفِيْن.
مَاتَ: فِي الصَّلاَةِ سَاجِداً، فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، فَدُفِنَ بدَاره بِدَرْزِيْجَانَ (١) ﵀ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْس مائَة.
٢٤٠ - شَمْسُ الأَئِمَّةِ أَبُو الفَضْلِ بَكْرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بن الفَضْلِ *
الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الحَنَفِيَّةِ، مُفْتِي بُخَارَى، شَمْسُ الأَئِمَّةِ، أَبُو الفَضْلِ بَكْر بن مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بن الفَضْلِ الأَنْصَارِيّ، الخَزْرَجِيّ، السَّلَمِيّ، الجَابِرِي، البُخَارِيّ، الزَّرَنْجَرِي.
وَزَرَنْجَرُ: مِنْ قرَى بُخَارَى.
كَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي حِفْظِ المَذْهَبِ، قَالَ لِي الحَافِظُ أَبُو العَلاَءِ الفَرَضِيّ: كَانَ الإِمَامَ عَلَى الإِطلاَق، وَالمَوفُودَ إِلَيْهِ مِنَ الآفَاقِ، رَافَقَ فِي أَوّل أَمرِهِ برهَانَ الأَئِمَّة المَاضِي عَبْد العَزِيْزِ بن مَازه، وَتَفَقَّهَا مَعاً عَلَى شَمْس الأَئِمَّة مُحَمَّد بن أَبِي سَهْل السَّرْخَسيّ.
مَوْلِده: سَنَة سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَتَفَقَّهَ أَيْضاً عَلَى شَمْس الأَئِمَّة عَبْدِ стр. 12112
العَزِيْز بن أَحْمَدَ الحَلْوَائِيّ (١) .
وَسَمِعَ: أَبَاهُ، وَعُمَرَ بنَ مَنْصُوْرِ بنِ خنْب، وَالحَافِظ أَبَا مَسْعُوْد أَحْمَد بن مُحَمَّدٍ البَجَلِيّ، وَمَيْمُوْنَ بنَ عَلِيٍّ المَيْمُوْنِيّ، وَأَبَا سهل أَحْمَد بنَ عَلِيٍّ الأَبِيْوَرْديَّ، فَسَمِعَ مِنْهُ الصَّحِيح بِسمَاعِه مِنِ ابْنِ حَاجِبٍ الكُشَانِي.
وَسَمِعَ أَيْضاً مِنْ: إِبْرَاهِيْم بن عَلِيٍّ الطَّبَرِيّ، وَالحَافِظ يُوْسُفَ بنِ مَنْصُوْرٍ، وَمُحَمَّدِ بن سُلَيْمَانَ الكَاخُسْتُوَانِي (٢) .
وَتَفَرَّد، وَعَلاَ سَنَدُه (٣) ، وَعَظُمَ قَدرُه، حَتَّى كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَبُو حَنِيفَة الأَصْغَرُ، وَكَانَ يَدْرِي التَّارِيْخَ وَالأَنسَابَ، سَأَلُوْهُ مرَّة عَنْ مَسْأَلَة غَرِيبَةٍ، فَقَالَ: كَرَّرتُ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مائَةِ مَرَّة (٤) .
حَدَّثَ عَنْهُ: عُمَرُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طَاهِرٍ الفَرْغَانِي، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بنُ стр. 12113
مُحَمَّد الخُلْمِي (١) البَلْخِيّ، وَمُحَمَّد بن يَعْقُوْبَ نَزِيْلُ سَرْخَس، وَعبدُ الحَلِيْم بن مُحَمَّدٍ البُخَارِيّ، وَعِدَّة، وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ وَلَدُه عُمَرُ، وَشَيخُ الإِسْلاَم، برْهَان الدِّين عَلِيّ بن أَبِي بَكْرٍ الفَرْغَانِي، وَطَائِفَة.
مَاتَ: فِي تَاسِعَ عَشَرَ شَعْبَان، سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْس مائَة.
وَتُوُفِّيَ وَلَدُه العَلاَّمَة عمَادُ الدّين عُمَر: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
٢٤١ - القَيْرَوَانِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَتِيقِ بنِ مُحَمَّدٍ *
العَلاَّمَةُ، الأُصُوْلِي، شَيْخُ القُرَّاءِ، أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَتِيقِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ هِبَة اللهِ بنِ مَالِكٍ التَّمِيْمِيُّ، القَيْرَوَانِيُّ، المَعْرُوف بِابْنِ أَبِي كُديَّة.
درس الكَلاَمَ بِالقَيْرَوَان عَلَى الحُسَيْنِ بنِ حَاتِمٍ صَاحِبِ ابْنِ البَاقِلاَّنِيِّ.
وَسَمِعَ مِنِ: ابْنِ عَبْدِ البَرِّ، وَمِنَ القَاضِي مُحَمَّدِ بنِ سَلاَمَةَ القُضَاعِيِّ، وَتَلاَ بِالروَايَات عَلَى أَبِي العَبَّاسِ بنِ نَفِيْسٍ، وَسَمِعَ بِبَغْدَادَ مِنْ عَبدِ البَاقِي بنِ مُحَمَّدٍ العَطَّارِ.
وَحَدَّثَ بِصُوْرَ، فَسَمِعَ مِنْهُ الفَقِيْه نَصْرٌ المَقْدِسِيّ، وَرَوَى عَنْهُ: أَبُو عَامِرٍ العبدرِي، وَعبد الحَقّ اليُوسفِي، وَالسِّلَفِيُّ، وَآخَرُوْنَ، وَتَصدَّرَ لإِقْرَاء الأُصُوْلِ، وَكَانَ مُتَعَصِّباً لِمَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ.
تَلاَ عَلَيْهِ بِالرِّوَايَات أَبُو الْكَرم الشَّهْرُزُورِي. стр. 12114
قَالَ ابْنُ عَقِيْلٍ: هُوَ شَيْخ هَشٌّ، حَسَنُ العَارضَةِ، جَارِي العِبَارَةِ، حُفَظَةٌ مُتَدَيِّنٌ صَلِفٌ، تَذَاكرنَا، فَرَأَيْتُهُ مَمْلُوْءاً عِلْماً وَحِفظاً (١) .
قُلْتُ: تُوُفِّيَ فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، عَنْ نَحْوٍ مِنْ تِسْعِيْنَ سَنَةً.
وَقَالَ السِّلَفِيّ: كَانَ مُشَاراً إِلَيْهِ فِي الكَلاَمِ، قَالَ لِي: أَنَا أَدْرُسُ الكَلاَمَ مِنْ سَنَةِ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِيْنَ، جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الحنَابلَة فِتَنٌ، وَأُوذِيَ غَايَةَ الإِيذَاءِ، سَأَلتُهُ عَنْ مَسْأَلَةِ الاسْتِوَاءِ، فَقَالَ: أَحَدُ الوَجهَيْنِ لِلأَشعرِي أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا وَرد وَلاَ يُفَسَّر.
وَقَالَ أَحْمَدُ بنُ شَافعٍ: قَالَ ابْنُ نَاصرٍ وَجَمَاعَةٌ:
كَانَ أَصْحَابُ القَيْرَوَانِيِّ يَشهدُوْنَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي وَلاَ يَغْتَسِلُ مِنْ جنَابَة فِي أَكْثَرِ أَحْوَاله، وَيُرمَى بِالفِسْقِ مَعَ المُرْدِ، وَاشْتُهِرَ بِذَلِكَ، وَادَّعَى قِرَاءة القُرْآن عَلَى ابْنِ نَفِيْس.
قُلْتُ: هَذَا كَلاَم بِهوَىً. стр. 12115
٢٤٢ - خُوْروَسْتَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدٍ *
الشَّيْخُ، المُسْنِدُ، المُقْرِئُ الصَّالِحُ، بَقِيَّةُ المَشْيَخَة، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حُسَيْنِ بنِ الحَارِثِ الأَصْبَهَانِيّ، المُجَلّد، يُعرف بِخُوْروَسْتَ، وَيُكْنَى أَيْضاً أَبَا الفَتْح.
وُلِدَ: فِي حُدُوْدِ سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
سَمِعَ: أَبَا الحُسَيْنِ بنَ فَاذشَاه، وَأَبَا القَاسِمِ عَبْدَ اللهِ بن مُحَمَّدٍ العَطَّار المُقْرِئ، وَأَبَا بَكْرٍ بنَ رِيذه، وَأَحْمَدَ بنَ حَسَنِ بنِ فُوْرَكَ الأَدِيْب، وَهَارُوْن بن مُحَمَّدٍ النَّانِي، وَعَبْد الْملك بن الحُسَيْنِ بنِ عبد رَبّه، وَأَبَا طَاهِر بن عَبْدِ الرَّحِيْمِ، وَعِدَّةٍ، وَعِنْدَهُ (المُسْتخرجُ عَلَى صَحِيْح مُسْلِمٍ) لأَبِي الشَّيْخِ يَرْوِيْهِ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ القُرقُوبِي (١) عَنْهُ، وَعِنْدَهُ (مَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ) سَمِعَهُ مِنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحِيْمِ. следующие страницы →