Полный текст (14 211 стр.). Показаны 12181–12220 · переход к 12186.
стр. 12181
أَخْرَجَهُ: البُخَارِيّ وَمُسْلِمٌ بِطُرِقٍ (١) .
٢٨٢ - ابْنُ الدَّنِفِ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ البَغْدَادِيُّ *
الإِمَامُ، الفَقِيْهُ، العَابِدُ، المُقْرِئُ، بَقِيَّةُ السَّلَفِ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ عُبَيْدِ اللهِ بنِ الدَّنِف (٢) البَغْدَادِيّ، الحَنْبَلِيّ، الإِسكَافُ.
تَفقَّه بِأَبِي جَعْفَرٍ بن أَبِي مُوْسَى.
وَسَمِعَ مِنْ: عَبْدِ الصَّمَدِ بن المَأْمُوْن، وَأَبِي جَعْفَرٍ بن المُسْلِمَة، وَالصَّرِيفِيْنِي، وَعِدَّة.
أَخَذَ عَنْهُ: ابْنُ نَاصر، وَلاَحِق بن كَاره، وَذَاكرُ بنُ كَامِلٍ، وَابْن بَوش، وَكَانَ مِنْ جِلَّةِ مَشَايِخ العِلْم. стр. 12182
قرَأَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ، وَانتفعُوا بِهِ (١) .
مَاتَ: فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُوْنَ سَنَةً.
ذكره ابْنُ النَّجَّار (٢) .
٢٨٣ - ابْنُ الحَدَّاد عُبَيْد اللهِ بن الحَسَنِ بنِ أَحْمَدَ الأَصْبَهَانِيُّ *
الإِمَامُ، الحَافِظُ المُتْقِنُ، الثِّقَةُ، العَابِدُ، الخَيِّرُ، أَبُو نُعَيْمٍ عُبَيْد اللهِ ابْن الشَّيْخ أَبِي عَلِيٍّ الحَسَن بن أَحْمَدَ بنِ الحَسَنِ الأَصْبَهَانِيّ، الحَدَّاد، مفِيدُ أَصْبَهَان فِي زَمَانِهِ.
وُلِدَ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَسِتِّيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَسَمِعَ: أَبَا عَمْرٍو عَبْد الوَهَّابِ بن مَنده، وَحَمْدَ بنَ وَلْكِيز، وَأَبَا طَاهِر أَحْمَدَ بنَ مُحَمَّدٍ النقَاش، وَسُلَيْمَانَ بنَ إِبْرَاهِيْمَ، وَعِدَّةً بِأَصْبَهَانَ، وَأَبَا المُظَفَّر مُوْسَى بنَ عِمْرَانَ، وَأَبَا بَكْرٍ بنَ خَلَفٍ الشِّيرَازِي، وَخَلْقاً بِأَصْبَهَانَ، وَشيخَ الإِسْلاَمِ، وَأَبَا عَبْدِ اللهِ العُمَيْرِي، وَنَجيبَ بنَ مَيْمُوْنٍ، وَأَبَا عَامِرٍ الأَزْدِيّ بِهَرَاةَ، وَأَبَا الغنَائِم بنَ أَبِي عُثْمَانَ، وَالنِّعَالِيّ، وَطِرَادَ بنَ مُحَمَّد بِبَغْدَادَ. стр. 12183
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عبد الوَاحِد: هُوَ صَدِيْقٌ لِي، أَحَدُ العُلَمَاء فِي فُنُوْنٍ كَثِيْرَة، بلغَ مَبْلَغَ الإِمَامَة بِلاَ مُدَافَعَةٍ، وَلَهُ عِنْدِي أَيَادٍ كَثِيْرَة، سفراً وَحضراً، جمع مَا لَمْ يَجْمَعْه أَحَدٌ مِنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الكُتُب وَالسَّمَاعَات الغزِيْرَة، صَدُوْقٌ فِي جمعه وَكتبه، أَمِيْنٌ فِي قِرَاءته.
قُلْتُ: قَلَّ مَا رَوَى، وَقَدْ نسخ الكَثِيْرَ، وَصَنَّفَ، وَكَانَ يُكْرِمُ الغربَاء وَيُفِيدهُم، وَيهبُهُم الأَجزَاء، وَفِيْهِ دينٌ وَتَقوَى وَخَشْيَة، وَمَحَاسِنُهُ جَمَّة، جمع أَطرَافَ (الصَّحِيْحَيْنِ) ، وَانتشرت عَنْهُ، وَاسْتحسنهَا الفُضَلاَءُ، وَانتقَى عَلَيْهِ الشُّيُوْخُ، فَالثقفِيَّاتُ مِنْ تخرِيجه.
مَاتَ: فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة.
وَآخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ: عفِيفَة الفَارفَانِيَة.
أَنبؤونَا عَنْ مُحَمَّدِ بنِ مَكِّيّ الحَنْبَلِيّ، قَالَ: قِيْلَ: إِنَّ أَبَا نُعَيْمٍ بن الحَدَّاد نَاظر شهردَار بن شِيْرَوَيْه - وَكَانَ قَدْ تَأَخر عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الحَدَّاد لأَجْل سَمَاع (صَحِيْح مُسْلِم) عَلَى أَبِي الحَسَنِ النَّيْسَابُوْرِيّ - فَقَالَ لَهُ: سُبْحَانَ اللهِ، تركتَ العَوَالِي عِنْد أَبِي، وَاشْتَغَلتَ بِالنَّوازل؟!
فَقَالَ: لَيْسَ عِنْد أَبيك (صَحِيْح مُسْلِم) ، وَهُوَ عَالٍ.
قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِن عِنْدَهُ المخرَّج عَلَيْهِ لأَبِي نُعَيْمٍ الحَافِظ، وَفِيْهِ عَامَّةُ عَوَالِيه، فَإِذَا سَمِعْتَ تِلْكَ مِنْ أَبِي، فَكَأَنَّك سمِعتهَا مِنْ عَبْد الغَافِرِ الفَارِسِيّ، وَلَوْ شِئْتُ لقُلْتُ: كَأَنَّك سَمِعْتَ بعْضَهَا مِنَ الجُلُودي، وَإِنْ قُلْت: كَأَنَّك سَمِعتَهَا مِنِ ابْنِ سُفْيَان لَمْ أَكْذِبْ، وَإِنْ شِئْتُ قُلْتُ: كَأَنَّك سمِعتهَا مِنْ مُسْلِم.
ثُمَّ قَالَ: وَفِيْهِ أَحَادِيْثُ أَعْلَى مِنْ هَذَا، إِذا سَمِعتهَا مِنْ أَبِي،
стр. 12184
سَاويتَ البُخَارِيّ وَمسلماً، وَمِنْ جُملتهَا حَدِيْثُ المِسْوَر: (إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي (١)) .
أَخْبَرَنَا طَائِفَةٌ إِجَازَة أَن عفِيفَة أَنبأَتهُم عَنْ عُبيد الله بن الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ أَحْمَدَ الوَاحِدي، أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْد الرَّحْمَنِ السُّلَمِيّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ الأَصْبَهَانِيّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ:
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لاَ يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الكَشْرُ، وَلَكِن يَقْطَعُهَا القَرْقَرَةُ (٢)) .
هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَثَابِت وَاهٍ (٣) . стр. 12185
٢٨٤ - المَيْدَانِيُّ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ *
العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الأَدب، أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ المَيدَانِي (١) ، النَّيْسَابُوْرِيّ، الكَاتِبُ، اللُّغَوِيّ، تِلْمِيْذُ الوَاحِدي المُفَسِّرُ، لَهُ كِتَاب فِي (الأَمثَال) لَمْ يُعَمل مِثْلُهُ (٢) ، وَكِتَاب (السَّامِي فِي الأَسَامِي) .
تُوُفِّيَ: سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، فِي رَمَضَانَ (٣) . стр. 12186
وَمَاتَ ابْنُهُ العَلاَّمَة أَبُو سَعْدٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
٢٨٥ - الطُّرْطُوشِيُّ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيْدِ بنِ خَلَفٍ *
الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، القُدْوَةُ، الزَّاهِدُ، شَيْخُ المَالِكِيَّة، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الوَلِيْدِ بنِ خَلَفِ بن سُلَيْمَانَ بن أَيُّوْبَ الفِهْرِيّ، الأَنْدَلُسِيّ، الطُّرْطُوشِي، الفَقِيْه، عَالِمُ الإِسْكَنْدَرِيَّة.
وَطُرْطُوشَة: هِيَ آخِرُ حَدِّ المُسْلِمِين مِنْ شِمَالِي الأَنْدَلُس، ثُمَّ اسْتولَى العَدُوّ عَلَيْهَا مِنْ دَهْرٍ (١) ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُعْرَفُ فِي وَقتِهِ بِابْنِ أَبِي رَنْدَقَه (٢) .
لاَزَمَ القَاضِي أَبَا الوَلِيْدِ البَاجِي بِسَرقُسْطَةَ، وَأَخَذَ عَنْهُ مَسَائِلَ الخلاَفِ، ثُمَّ حَجَّ، وَدَخَلَ العِرَاق.
وَسَمِعَ بِالبَصْرَةِ (سُنَن أَبِي دَاوُدَ) مِنْ أَبِي عَلِيٍّ التُّسْتَرِيّ (٣) ، وَسَمِعَ стр. 12187
بِبَغْدَادَ مِنْ: قَاضِيهَا أَبِي عَبْدِ اللهِ الدَّامغَانِي، وَرزقِ الله التَّمِيْمِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ الحُمَيْدِيّ، وَعِدَّة.
وَتَفَقَّهَ أَيْضاً عِنْد أَبِي بَكْرٍ الشَّاشِيّ، وَنَزَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ مُدَّة، وَتَحَوَّل إِلَى الثَّغْر (١) ، وَتَخَرَّج بِهِ أَئِمَّة.
قَالَ ابْنُ بَشْكُوَال: كَانَ إِمَاماً عَالِماً، زَاهِداً وَرِعاً، ديناً مُتَوَاضِعاً، متقشِّفاً متقلِّلاً مِنَ الدُّنْيَا، رَاضياً بِاليسير، أَخْبَرَنَا عَنْهُ القَاضِي أَبُو بَكْرٍ بنُ العربِي، وَوصفه بِالعِلْمِ، وَالفَضْل، وَالزُّهْدِ، وَالإِقبالِ عَلَى مَا يَعْنِيْهِ، قَالَ لِي: إِذَا عَرَضَ لَكَ أمرُ دُنْيَا وَأَمرُ آخِرَة، فَبَادِرْ بِأَمرِ الآخِرَة، يَحْصُلْ لَكَ أَمرُ الدُّنْيَا وَالأُخْرَى (٢) . стр. 12188
وَقَالَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ مَهْدِيِّ بنِ قليُنَا: كَانَ شيخُنَا أَبُو بَكْرٍ زُهْدُهُ وَعبَادتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عِلْمه، وَحَكَى بَعْضُ العُلَمَاء أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الطُّرطُوشِي أَنجبَ عَلَيْهِ نَحْوٌ مِنْ مائَتَيْ فَقِيْهٍ مُفْتِي، وَكَانَ يَأْتِي إِلَى الفُقَهَاء وَهُم نِيَام، فَيَضع فِي أَفوَاهِهِم الدَّنَانِيْر، فَيَهُبُّوْن، فيرونهَا فِي أَفوَاهِهِم.
قَالَ القَاضِي شَمْسُ الدِّيْنِ ابْنُ خَلِّكَان: دَخَلَ الطُّرطُوشِي عَلَى الأَفْضَلِ ابْن أَمِيْر الجُيُوْش بِمِصْرَ، فَبسط تَحْته مِئْزَره، وَكَانَ إِلَى جَانبِ الأَفضل نَصْرَانِي، فَوَعَظ الأَفْضَلَ حَتَّى أَبكَاهُ (١) ، ثُمَّ أَنشده:
يَا ذَا الَّذِي طَاعَتُهُ قُرْبَةٌ ... وَحَقُّهُ مُفْتَرَضٌ وَاجِبُ
إِنَّ الَّذِي شُرِّفْتَ مِنْ أَجْلِهِ ... يَزْعُمُ هَذَا أَنَّهُ كَاذِبُ
وَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ النَّصْرَانِيّ، فَأَقَامَ الأَفْضَلُ النَّصْرَانِيَّ مِنْ مَوْضِعه.
وَقَدْ صَنَّفَ أَبُو بَكْرٍ كِتَاب (سرَاج المُلُوْك (٢)) لِلْمَأْمُوْنِ بنِ البطَائِحِي стр. 12189
الَّذِي وَزَرَ بِمِصْرَ بَعْدَ الأَفْضَلِ، وَلَهُ مُؤلَّف فِي طرِيقَة الخلاَفِ، وَكَانَ المَأْمُوْنُ قَدْ نَوَّه بِاسْمِهِ، وَبَالَغَ فِي إِكْرَامِهِ.
قِيْلَ: كَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَدَخَلَ بَغْدَاد فِي حَيَاة أَبِي نَصْرٍ الزَّيْنَبِيّ، وَأَظُنُّهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَقَالَ: رَأَيْتُ بِهَا آيَةً فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ بَعْدَ الْعَصْر، فَسمِعنَا دوياً عَظِيْماً، وَأَقْبَلَ ظلاَمٌ، فَإِذَا رِيحٌ لَمْ أَرَ مِثْلهَا، سَوْدَاءُ ثخينَةٌ، يَبينُ لَكَ جِسْمُهَا، فَاسوَدَّ النَّهَارُ، وَذَهَبت آثَارُهُ، وَذَهَبَ أَثَرُ الشَّمْس، وَبقينَا كَأَنَّنَا فِي أَشَدِّ ظُلْمَةٍ، لاَ يُبْصِرُ أَحَدٌ يَدَهُ، وَمَاجَ النَّاسُ، وَلَمْ نشكَّ أَنَّهَا القِيَامَة، أَوْ خسف، أَوْ عَذَاب قَدْ نَزل، وَبَقِيَ الأَمْرُ كَذَلِكَ قدر مَا يَنْضِجُ الْخبز، وَرجع السَّوَادُ حُمْرَةً كلهبِ النَّار، أَوْ جمراً يَتَوَقَّدُ، فَلَمْ نَشُك حِيْنَئِذٍ أَنَّهَا نَارٌ أَرْسَلهَا الله عَلَى العبَاد، وَأَيِسْنَا مِنَ النَّجَاة، ثُمَّ مَكَثتْ أَقلَّ مِنْ مُكْثِ الظَّلاَمِ، وَتَجَلَّتْ بِحَمْدِ اللهِ عَنْ سلاَمَة، وَنَهبَ النَّاسُ بعضَهُم بعضاً فِي الأَسواقِ، وَخطفُوا العَمَائِمَ وَالمَتَاع، ثُمَّ طَلَعتِ الشَّمْسُ، وَبقيت سَاعَةً إِلَى الغُروب.
قُلْتُ: حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو طَاهِرٍ السِّلَفِيُّ، وَالفَقِيْه سلاَّر بن الْمُقدم، وَجَوْهَرُ بن لُؤْلُؤ المُقْرِئ، وَالفَقِيْهُ صَالِحُ ابْن بِنْت مُعَافَى المَالِكِيّ، وَعَبْدُ اللهِ بن عَطَّافٍ الأَزْدِيّ، وَيُوْسُفُ بنُ مُحَمَّدٍ القروِي الفَرَضِيّ، وَعَلِيُّ بن مَهْدِيِّ بن قلينَا، وَأَبُو طَالِبٍ أَحْمَد المُسَلَّم اللَّخْمِيّ، وَظَافرُ بن عَطِيَّةَ، وَأَبُو الطَّاهِرِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ عَوْف، وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العُثْمَانِيّ، وَعَبْدُ المَجِيد بن دُليل، وَآخَرُوْنَ (١) . стр. 12190
وَبِالإِجَازَة: أَبُو طَاهِرٍ الخُشُوْعِيّ وَغَيْرهُ، وَلَهُ مُؤلَّف فِي تَحْرِيْم الغِنَاء، وَكِتَاب فِي الزُّهْد، وَتعليقَة فِي الخلاَف، وَمُؤلَّف فِي البِدَع وَالحوَادث، وَبرِّ الوَالِدّين (١) ، وَالرَّدّ عَلَى اليَهُوْد، وَالعمد فِي الأُصُوْل، وَأَشيَاء.
أَنْبَأَنَا ابْنُ عَلاَّن، عَنِ الخُشُوْعِيّ، عَنِ الطُّرطُوشِي:
أَنَّهُ كتب هَذِهِ الرِّسَالَة جَوَاباً عَنْ سَائِلٍ سَأَله مِنَ الأَنْدَلُس عَنْ حقيقَة أَمرِ مُؤلف (الإِحيَاء) ، فَكَتَبَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بنِ مُظَفَّر: سلاَمٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَبَا حَامِدٍ، وَكَلَّمتُهُ، فَوَجَدتُهُ امْرءاً وَافِرَ الفَهْمِ وَالعقل، وَمُمَارسَةً لِلْعلُوْم، وَكَانَ ذَلِكَ مُعْظَمَ زَمَانِهِ، ثُمَّ خَالَفَ عَنْ طَرِيْق العُلَمَاء، وَدَخَلَ فِي غِمَار العُمَّال، ثُمَّ تَصَوَّف، فَهَجَرَ العُلُوْمَ وَأَهْلَهَا، وَدَخَلَ فِي عُلُوْم الخوَاطِرِ، وَأَربَابِ الْقُلُوب، وَوسَاوسِ الشَّيْطَان، ثُمَّ سَابهَا، وَجَعَلَ يَطْعُنُ عَلَى الفُقَهَاء بِمَذَاهِبِ الفَلاَسِفَة، وَرموزِ الحلاَّج، وَجَعَلَ يَنْتحِي عَنِ الفُقَهَاء وَالمتكلمِين، وَلَقَدْ كَادَ أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الدّين.
قَالَ الحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ: إِن مُحَمَّدَ بنَ الوَلِيْدِ هَذَا ذكر فِي غَيْر هَذِهِ стр. 12191
الرِّسَالَة كِتَابَ (الإِحيَاء) .
قَالَ: وَهُوَ - لَعَمْرُو الله - أَشْبَهُ بِإِمَاتَةِ عُلُوْم الدّين، ثُمَّ رَجَعنَا إِلَى تَمَام الرِّسَالَة.
قَالَ: فَلَمَّا عَمِلَ كِتَابهُ (الإِحيَاء) عَمَدَ فَتكلَّم فِي عُلُوْم الأَحْوَال، وَمرَامزِ الصُّوْفِيَّة، وَكَانَ غَيْرَ أَنِيسٍ بِهَا، وَلاَ خبِيرٍ بِمَعْرِفَتهَا، فَسَقَطَ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَلاَ فِي عُلَمَاءِ المُسْلِمِين قَرَّ، وَلاَ فِي أَحْوَال الزَّاهِدينَ اسْتَقرَّ، ثُمَّ شَحَنَ كِتَابهُ بِالكَذِبِ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ ﷺ فَلاَ أَعْلَمُ كِتَاباً عَلَى وَجه بسيطِ الأَرْض أَكْثَر كذباً عَلَى الرَّسُول مِنْهُ، ثُمَّ شبَّكه بِمَذَاهِبِ الفَلاَسِفَة، وَرموزِ الْحَلَّاج، وَمعَانِي رَسَائِلِ إِخْوَان الصَّفَا، وَهُم يَرَوْنَ النُّبُوَّة اكتسَاباً، فَلَيْسَ النَّبِيُّ عِنْدَهُم أَكْثَرَ مِنْ شَخْص فَاضِل، تخلَّق بِمَحَاسِنِ الأَخلاَق، وَجَانَبَ سَفْسَافَهَا، وَسَاسَ نَفْسَه حَتَّى لاَ تغلِبه شَهْوَة، ثُمَّ سَاق الخَلْقَ بِتِلْكَ الأَخلاَقِ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُوْنَ اللهُ يَبعثُ إِلَى الْخلق رَسُوْلاً، وَزعمُوا أَنَّ المعجزَاتٍ حِيَلٌ وَمخَارِيق، وَلَقَدْ شرَّف اللهُ الإِسْلاَمَ، وَأَوضح حُجَجَه، وَقطعَ العُذْرَ بِالأَدلَّة، وَمَا مَثَلُ مَنْ نَصَرَ الإِسْلاَمَ بِمَذَاهِب الفَلاَسِفَةِ، وَالآرَاء المنطقيَةِ، إِلاَّ كَمَنْ يغسِلُ الثَّوْب بِالبول، ثُمَّ يَسُوْقُ الكَلاَم سوقاً يُرْعِدُ فِيْهِ وَيُبْرِقُ، وَيُمنِّي وَيُشَوِّقُ، حَتَّى إِذَا تَشوَّفت لَهُ النُّفُوْسُ، قَالَ: هَذَا مِنْ علم المعَامِلَة، وَمَا وَرَاءَهُ مِنْ علم المكَاشفَة لاَ يَجُوْزُ تسطيرُه فِي الكُتُبِ، وَيَقُوْلُ: هَذَا مِنْ سرِّ الصَّدْر الَّذِي نُهينَا عَنْ إِفشَائِهِ.
وَهَذَا فِعْلُ البَاطِنِيَّة وَأَهْلِ الدَّغَلِ وَالدَّخَلِ فِي الدّين يَسْتَقِلُّ المَوْجُوْدَ وَيُعلِّقُ النُّفُوْسَ بِالمفقود، وَهُوَ تَشويشٌ لعقَائِد الْقُلُوب، وَتوهينٌ لمَا عَلَيْهِ كلمَةُ الجَمَاعَة، فَلَئِنْ كَانَ الرَّجُلُ يَعتقد مَا سطَّره، لَمْ يَبْعُدْ تَكفِيرُهُ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَعتقِدُه، فَمَا أَقْرَبَ تضليلَه.
وَأَمَّا مَا ذكرتَ مِنْ إِحرَاق الكِتَابِ، فَلعمرِي إِذَا انْتَشَر بَيْنَ مَنْ لاَ
стр. 12192
مَعْرِفَةَ لَهُ بِسُمومه القَاتِلَةِ، خِيْفَ عَلَيْهِم أَنْ يَعتقدُوا إِذاً صِحَّة مَا فِيْهِ، فَكَانَ تَحْرِيْقُه فِي مَعْنَى مَا حرَّقته الصَّحَابَة مِنْ صُحف المَصَاحِفِ الَّتِي تُخَالِفُ المُصْحَفَ العُثْمَانِيّ ... ، وَذَكَرَ تَمَامَ الرِّسَالَة.
قَالَ ابْنُ المُفَضَّلِ: تُوُفِّيَ بِالإِسْكَنْدَرِيَّة، فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ ﵀.
وَفِيْهَا مَاتَ: أَبُو الوَلِيْدِ أَحْمَدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن طَرِيْفٍ القُرْطُبِيّ، وَأَبُو الفُتُوْح أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مُحَمَّدٍ الغزَالِي الوَاعِظ أَخُو الإِمَامِ أَبِي حَامِد، وَالأَمِيْرُ قسيمُ الدَّوْلَة آقسُنْقُر البرسُقِي (١) الَّذِي اسْتولَى عَلَى المَوْصِلِ وَعَلَى حلب، وَأَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بنُ العَاصِ الأَسَدِيّ (٢) بقُرْطُبَة، وَصَاعِدُ بن سَيَّار الهَرَوِيّ الحَافِظ (٣) ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ بنُ عتَاب القُرْطُبِيّ، وَقَاضِي الجَمَاعَة أَبُو الوَلِيْدِ بنِ رشد، وَمُحَمَّد بن بَرَكَات السَّعِيدِي (٤) رَاوِي (صَحِيْح البُخَارِيِّ) .
٢٨٦ - القَلاَنسِيُّ أَبُو العِزِّ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ بُنْدَارَ *
الإِمَامُ الكَبِيْرُ، شَيْخُ القُرَّاءِ، أَبُو العِزِّ مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ بُنْدَار الوَاسِطِيّ، القَلاَنسِي، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ فِي القِرَاءات. стр. 12193
وُلِدَ: سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَتَلا بِالعشر عَلَى أَبِي عَلِيٍّ غُلاَم الهرَّاس، وَأَخَذَ عَنْ أَبِي القَاسِمِ الهُذَلِيّ صَاحِبِ الكَامِل، وَارْتَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ سَنَة إِحْدَى وَسِتِّيْنَ، وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي جَعْفَرٍ بن المُسْلِمَة، وَعَبْدِ الصَّمَدِ بن المَأْمُوْن، وَأَبِي الحُسَيْنِ بن الْمُهْتَدي بِاللهِ، وَعِدَّةٍ.
وَقرَأَ ختمَةً لأَبِي عَمْرٍو عَلَى الأَوَانِي (١) صَاحِبِ أَبِي حَفْصٍ الكَتَّانِي.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: قرَأَ عَلَيْهِ عَالَمٌ مِنَ النَّاس، وَرُحِلَ إِلَيْهِ مِنَ الأَقطَار، وَسَمِعْتُ عَبْدَ الوَهَّابِ الأَنْمَاطِيّ يُسيءُ الثَّنَاء عَلَيْهِ، وَنسبَه إِلَى الرّفض (٢) ، ثُمَّ وَجَدْتُ لأَبِي الْعِزّ أَبيَاتاً فِي فَضِيْلَة الصَّحَابَة.
وَقَالَ ابْنُ نَاصر: أَلحق سَمَاعَه فِي جُزء مِنْ هَاءات الكِنَايَة لِعَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَبِي هَاشِمٍ مِنْ أَبِي عَلِيٍّ بنِ البَنَّاء (٣) . стр. 12194
قُلْتُ: كَانَ يَأْخُذُ الذّهبَ عَلَى إِقْرَاء العَشْرَة.
قَالَ ابْنُ النَّجَّار: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بنَ البَنْدَنِيجِي يَقُولُ: سَأَلتُ أَبَا جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بنَ القَاصّ: هَلْ قَرَأْتَ عَلَى أَبِي العزِّ؟
فَقَالَ: لَمَّا قَدِمَ بَغْدَاد، أَردتُ أَنْ أَقرَأَ عَلَيْهِ، فَطَلبَ مِنِّي ذهباً، فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنِّيْ قَادِر، وَلَكِن لاَ أُعْطيك عَلَى القُرْآن أَجراً، فَلَمْ أَقرَأْ عَلَيْهِ (١) .
قَالَ خَمِيْسٌ الحوزِي: هُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الأَعيَان فِي عُلُوْم القُرْآن، بَرَعَ فِي القِرَاءات.
قُلْتُ: تَلاَ عَلَيْهِ: سِبْطُ الخَيَّاط، وَأَبُو الفَتْحِ بنُ زُرَيْقٍ الحَدَّاد، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ البَاقلاَنِي، وَعَلِيُّ بنُ عَسَاكِرَ البطَائِحِي، وَعَدَد كَثِيْر، وَاشْتُهِرَ ذِكْرُهُ.
مَاتَ: فِي شَوَّالٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
٢٨٧ - المُتَوكِّلِي أَحْمَدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَحْمَدَ *
الشَّرِيْفُ، أَبُو السَّعَادَاتِ أَحْمَدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الوَاحِدِ بنِ أَحْمَدَ العَبَّاسِيّ.
رَوَى عَنِ: ابْنِ المُسْلِمَة، وَالخَطِيْب. стр. 12195
حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ عَسَاكِرَ، وَابْن الجَوْزِيّ (١) ، وَجَمَاعَة.
مَاتَ: شهيداً، بَعْدَ أَنْ صَلَّى التَّرَاويح، لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ، مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَقَعَ مِنَ السَّطح فَمَاتَ (٢) ﵀.
٢٨٨ - ابْنُ أَبِي رَوْحٍ أَبُو الفَضْلِ أَسَعْدُ بنُ أَحْمَدَ *
رَأْسُ الرّفض بِالشَّامِ، القَاضِي، أَبُو الفَضْلِ أَسَعْدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَبِي رَوْح الأَطَرَابُلُسِي، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ.
أَخَذَ عَنِ: ابْنِ البرَاج، وَسَكَنَ صيدَا إِلَى أَنْ أَخذتهَا الفِرَنْجُ، فَقُتِلَ بِهَا، وَكَانَ ذَا تَعبُّد وَتهجُّد وَصمتٍ، نَاظرَ مَغْرِبيّاً فِي تَحْرِيْم الفقَاع، فَقطعه، فَقَالَ المَغْرِبِيُّ المَالِكِيُّ: كُلْنِي؟!
قَالَ: مَا أَنَا عَلَى مَذْهَبك، أَي: جَوَازِ أَكلِ الْكَلْب.
قِيْلَ لَهُ: مَا الدَّلِيْل عَلَى حَدَثِ القُرْآن؟
قَالَ: النَّسخُ، فَالقَدِيْمُ لاَ يَتبدل (٣) .
قِيْلَ لَهُ: مَا الدَّلِيْل عَلَى أَنَّا مُخَيَّرَوْنَ فِي أَفعَالنَا، غَيْرُ مجبورِيْنَ؟
قَالَ: بِعْثَةُ الرُّسل. стр. 12196
وَلَهُ كِتَاب (عُيُون الأَدلَة) فِي مَعْرِفَةِ الله، وَكَتَبَ فِي الخلاَف (١) ، وَكِتَاب (حقيقَة الآدَمِيّ) ، وَأَشيَاء ذكرهَا ابْن أَبِي طيّ (٢) فِي (تَارِيخ الإِمَامِيَة) .
٢٨٩ - الفَرَّاءُ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عُمَرَ *
الشَّيْخُ، العَالِمُ، الثِّقَةُ، المُحَدِّثُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عُمَرَ بنِ الفَرَّاء المَوْصِلِيّ، ثُمَّ المِصْرِيّ.
سَمِعَ مِنْ: عَبْدِ العَزِيْزِ بن الحَسَنِ بنِ الضّرَاب كِتَاب (المُجَالَسَة) لِلدِّينَورِي.
وَسَمِعَ مِنْ: عبد البَاقِي بن فَارِس، وَالحَافِظ عَبْدِ الرَّحِيْمِ بن أَحْمَدَ البُخَارِيّ، وَعَبْدِ اللهِ بن المَحَامِلِيّ، وَأَبِي إِبْرَاهِيْمَ أَحْمَدَ بنِ القَاسِمِ بن مَيْمُوْنٍ، وَأَبِي الحُسَيْنِ مُحَمَّد بن مَكِّيّ الأَزْدِيّ، وَكَرِيْمَةَ المَرْوَزِيَّة؛ لقيهَا بِمَكَّةَ، وَابْن الغرَّاء بِالقُدْس، وَأَضعَافِهم.
حَدَّثَ عَنْهُ: السِّلَفِيّ، وَأَبُو القَاسِمِ البُوصِيْرِي، وَجَمَاعَة. стр. 12197
وَبِالإِجَازَة: أَبُو عَبْدِ اللهِ الأَرتَاحِي، وَسَمِعَ مِنْهُ البُخَارِيُّ.
قَالَ السِّلَفِيّ: هُوَ مِنْ ثِقَاتِ الرُّوَاة، وَأَكْثَرُ شُيُوْخِنَا بِمِصْرَ سَمَاعاً، أُصُوْلُه أُصُوْلُ أَهْلِ الصِّدْق، وَقَدِ انتخبتُ مِنْ أَجزَائِهِ مائَة جُزء، وَقَالَ لِي: إِنَّهُ وُلِدَ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، فِي أَوّل يَوْمٍ مِنْهَا.
تُوُفِّيَ: فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة.
وَفِيْهَا مَاتَ: لُغوِي زَمَانِهِ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عَبْد الجَبَّارِ بن عيذُوْنَ التُّوْنُسِيّ (١) ، وَوزِيْرُ مِصْرَ المَأْمُوْن أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ البطَائِحِي (٢) ، وَأَبُو البَرَكَات هِبَةُ اللهِ بن مُحَمَّدِ بنِ البُخَارِيّ المُعَدَّل (٣) .
٢٩٠ - ابْنُ رُشدٍ أَبُو الوَلِيْدِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَحْمَدَ *
الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، شَيْخُ المَالِكِيَّة، قَاضِي الجَمَاعَة بقُرْطُبَة، أَبُو الوَلِيْدِ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ أَحْمَدَ بنِ رشد القُرْطُبِيُّ، المَالِكِيُّ.
تَفقَّه بِأَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بنِ رزق.
وَحَدَّثَ: عَنْهُ، وَعَنْ: أَبِي مَرْوَانَ بن سرَاج، وَمُحَمَّد بن خَيْرَة، وَمُحَمَّدِ بنِ فَرج الطلاعِي، وَالحَافِظ أَبِي عليّ. стр. 12198
وَأَجَازَ لَهُ أَبُو العَبَّاسِ بنُ دِلهَاث.
قَالَ ابْنُ بَشْكُوَال: كَانَ فَقِيْهاً عَالِماً، حَافِظاً لِلْفقه، مقدَّماً فِيْهِ عَلَى جَمِيْع أَهْلِ عصره، عَارِفاً بِالفَتْوَى، بَصِيْراً بِأَقْوَال أَئِمَّة المَالِكيَة، نَافذاً فِي علم الفَرَائِض وَالأُصُوْل، مِنْ أَهْلِ الرِّيَاسَة فِي العِلْمِ، وَالبرَاعَة وَالفَهْمِ، مَعَ الدِّينِ وَالفَضْلِ، وَالوَقَار وَالحِلْم، وَالسَّمتِ الحَسَن، وَالهَدْي الصَّالِح، وَمِنْ تَصَانِيْفِهِ كِتَابُ (المُقَدِّمَاتِ) لأَوَائِل كتب المدوَّنَة، وَكِتَاب (البيَان وَالتحصيل لمَا فِي المُسْتخرجَة مِنَ التَّوجيه وَالتَّعليل (١)) ، وَاختصَار (المبسَوْطَة) ، وَاختصَار (مُشكل الآثَار) لِلطَّحَاوِي، سَمِعْنَا عَلَيْهِ بعضَهَا، وَسَارَ فِي القَضَاءِ بِأَحْسَنِ سِيرَة، وَأَقومِ طرِيقَة، ثُمَّ اسْتَعفَى مِنْهُ، فَأُعْفِيَ، وَنشر كتبَه، وَكَانَ النَّاسُ يُعَوِّلُوْنَ عَلَيْهِ وَيلجؤون إِلَيْهِ، وَكَانَ حَسَنَ الخُلُقِ، سَهْلَ اللِّقَاء، كَثِيْرَ النَّفع لِخَاصَّته، جَمِيْلَ العَشْرَة لَهُم، بارّاً بِهِم (٢) .
عَاشَ سَبْعِيْنَ سَنَةً.
وَمَاتَ: فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَصَلَّى عَلَيْهِ ابْنُه أَبُو القَاسِمِ.
وَرَوَى عَنْهُ أَبُو الوَلِيْدِ بنِ الدَّبَّاغ، فَقَالَ: كَانَ أَفْقَهَ أَهْلِ الأَنْدَلُس، صَنَّفَ (شرح العتبيَة) ، فَبَلَغَ فِيْهِ الغَايَة.
قُلْتُ: وَحَفِيْدُهُ هُوَ فَيْلَسُوْفُ زَمَانِهِ (٣) ، وَللقَاضِي عيَاض (سُؤَالاَت لابْنِ رشد) ، مُؤلَّف نَفِيْس. стр. 12199
٢٩١ - حَفِيْدُ البَيْهَقِيِّ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ *
الشَّيْخُ، المُسْنِدُ، أَبُو الحَسَنِ عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ ابنِ شَيْخِ الإِسْلاَمِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بنِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ البَيْهَقِيُّ، الخُسْرَوْجِرْدِي.
سَمِعَ الكُتُبَ مِنْ جَدِّهِ.
وَسَمِعَ مِنْ: أَبِي يَعْلَى بن الصَّابونِي، وَأَبِي سَعْدٍ أَحْمَد بن إِبْرَاهِيْمَ المُقْرِئ، وَعِدَّة.
وَحَجَّ، فَحَدَّثَ بِبَغْدَادَ.
رَوَى عَنْهُ: ابْنُ نَاصر، وَأَبُو المُعَمَّر الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ ابنُ عَسَاكِرَ، وَأَبُو الفَتْحِ المَنْدَائِيُّ، وَجَمَاعَةٌ.
وُلِدَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
قَالَ ابْنُ عَسَاكِر: مَا كَانَ يَعْرِفُ شَيْئاً، وَكَانَ يَتَغَالَى بِكِتَابَة الإِجَازَة، وَيَقُوْلُ: مَا أُجِيْزُ إِلاَّ بِطَسُّوج (١) .
قَالَ: وَسَمَّعَ لِنَفْسِهِ فِي جُزء، وَكَانَ سَمَاعُهُ فِيمَا عَدَاهُ صَحِيْحاً (٢) .
قُلْتُ: سَمِعَ مِنْهُ أَبُو الفَتْحِ المَنْدَائِيُّ كِتَاب جَدِّهِ فِي (الأَسْمَاء وَالصِّفَات) .
قَالَ ابْنُ نَاصر: مَاتَ بِبَغْدَادَ، بَعْد مرضِ ثَلاَثَةَ عَشَرَ يَوْماً، فِي ثَالِث стр. 12200
جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَفِيْهَا مَاتَ: جَعْفَرُ بنُ عبد الوَاحِد الثَّقَفِيّ (١) ، وَمَقْتَلُ وَزِيْر دِمَشْق كَمَال الدّين طَاهِر بن سَعْدٍ المردقَانِي فِي أُلُوْفٍ مِنَ البَاطِنِيَّة بِدِمَشْقَ، وَأَبُو الحجَاج يُوْسُفُ بن عَبْدِ العَزِيْزِ المَيُورْقِي، وَحَمْزَة بن هِبَةِ اللهِ العَلَوِيّ (٢) بِنَيْسَابُوْرَ عَنْ سِتٍّ وَتِسْعِيْنَ سَنَةً.
٢٩٢ - فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَحْمَدَ بنِ القَاسِمِ بنِ عَقِيْلٍ *
المعمَرَّة، الصَّالِحَةُ، مُسْنِدَةُ الوَقْت، أُمُّ إِبْرَاهِيْم، وَأُمُّ الغَيْث، وَأُمُّ الخَيْر الجُوْزْدَانِيَّة، الأَصْبَهَانِيَّة.
آخِر مَنْ رَوَى فِي الدُّنْيَا عَنِ ابْنِ رِيذه، وَهِيَ مُكْثِرَةٌ عَنْهُ (٣) .
حَدَّثَ عَنْهَا: أَبُو العَلاَءِ العَطَّار، وَأَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيّ، وَمَعْمَر بن стр. 12201
الفَاخر، وَأَبُو جَعْفَر الصَّيْدَلاَنِيّ، وَأَبُو الفَخْر أَسَعْدُ بنُ رَوْحٍ، وَعفِيفَةُ بِنْت أَحْمَد، وَأَبُو سَعِيْدٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدٍ الأَرَّجَانِي، وَدَاوُد بن نِظَام الْملك، وَشُعَيْبُ بن الحَسَنِ السَّمَرْقَنْدي، وَعبدُ الرَّحِيْم بن الإِخْوَة، وَعَائِشَةُ وَمُحَمَّدٌ وَلدا مَعْمرٍ، وَعَدَدٌ كَثِيْرٌ.
قَالَ أَبُو مُوْسَى المَدِيْنِيّ: قَدِمَتْ عَلَيْنَا مِنْ قَرْيَة جُوْزْدَان، وَمَوْلِدُهَا نَحْو سَنَة خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ، وَسَمِعَتْ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلاَثِيْنَ.
أَخْبَرَنَا الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَتْنَا كَرِيْمَةُ القُرَشِيَّة، أَنْبَأَنَا أَبُو مَسْعُوْدٍ عَبْدُ الرَّحِيْمِ الحَاجِي: أَنَّهَا تُوُفِّيَت فِي غُرَّة شَعْبَانَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ.
وَقَالَ الحَافِظُ ابْنُ نُقْطَةَ: تُوُفِّيَت فِي رَابِعَ عَشَرَ رَجَبٍ.
قُلْتُ: سَمِعَتْ المُعْجَمَيْن (الكَبِيْرَ) وَ (الصَّغِيْر) لِلطَّبَرَانِيِّ، وَكِتَاب (الْفِتَن) لِنُعيمٍ (١) مِنِ ابْنِ رِيذه. стр. 12202
٢٩٣ - السُّلْطَانُ مُحَمَّدُ بنُ مَلِكْشَاه بنِ أَلب أَرْسَلاَن التُّركِيُّ *
صَاحِبُ العِرَاق، الْملك، غِيَاثُ الدّين، أَبُو شُجَاعٍ مُحَمَّدُ ابنُ السُّلْطَان مَلِكْشَاه بنِ أَلب أَرْسَلاَن التُّركِي، السَّلْجُوْقِي.
لَمَّا مَاتَ أَبُوْهُ فِي سَنَةِ (٤٨٥) ، اقتسمُوا الأَقَالِيمَ، فَكَانَ بَرْكْيَارُوْق هُوَ المُشَارَ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمَ أَخوَاهُ مُحَمَّد وَسَنجر، فَجَلَسَ لَهُمَا المُسْتَظْهِرُ بِاللهِ، وَسَلَطَنَ مُحَمَّداً، وَأُلبس سَبْعَ خِلَع، وَتَاجاً، وَطوقاً، وَسوَارِيْنَ، وَعَقَدَ لَهُ لوَاءَ السّلطنَة بِيَدِهِ، وَقلَّده سَيْفَيْنِ، ثُمَّ خلع عَلَى سَنجر قَرِيْباً مِنْهُ، وَقَطَعَ خُطبَةَ أَخِيْهِمَا بَرْكْيَارُوْق فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ، فَتحرَّك بَرْكْيَارُوْقُ، وَحَشَدَ وَجَمَعَ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّد خَمْسُ مَصَافَّات، ثُمَّ عَظُمَ شَأْنُ مُحَمَّد، وَتَفَرَّد بِالسلطنَة، وَدَانت لَهُ البِلاَدُ، وَكَانَ أَخُوْهُ يَخطُبُ لَهُ بِخُرَاسَانَ، وَقَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فَحلَ آل سَلْجُوق، وَلَهُ بِرٌّ فِي الجُمْلَةِ، وَحُسْنُ سيرَة مشوبَة، فَمِنْ عدلِه أَنَّهُ أَبطل بِبَغْدَادَ المَكْسَ وَالضَّرَائِب (١) ، وَمَنَع مِنِ اسْتِخْدَام يَهُوْدي أَوْ نَصْرَانِي، وَكسَا فِي نَهَارٍ стр. 12203
أَرْبَعَ مائَة فَقير، وَكَانَ قَدْ كَفَّ مَمَاليكَه عَنِ الظُّلْمِ، وَدَخَلَ يَوْماً إِلَى قُبَّةِ أَبِي حَنِيْفَةَ، وَأَغلقَ عَلَى نَفْسِهِ يُصَلِّي وَيَدعُو.
وَقِيْلَ: إِنَّهُ خَلَّف مِنَ الذَّهَبِ العِينِ أَحَدَ عَشَرَ أَلفَ أَلفِ دِيْنَارٍ.
وَمَاتَ مَعَهُ فِي العَامِ: صَاحِبُ قُسْطَنْطِيْنِيَّة، وَصَاحِبُ القُدْس بغدوين - لعنهُمَا الله -.
وَقَدْ حَارب الإِسْمَاعِيْليَّة، وَأَبَادَ مِنْهُم، وَأَخَذَ مِنْهُم قَلْعَة أَصْبَهَان، وَقَتَلَ ابْنَ غطَّاش مَلِكَهُم (١) ، ثُمَّ تَعلل مُدَّة، وَمَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، بِأَصْبَهَانَ، وَدُفِنَ بِمدرسَة كَبِيْرَةٍ لَهُ، وَخَلَّفَ أَمْوَالاً لاَ تُحصَى، وَقَدْ تَزَوَّجَ المقتفِي بِابْنتِه فَاطِمَة (٢) ، وَعَاشَ ثَمَانِياً وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، وَتسلطن بَعْدَهُ ابْنُهُ مَحْمُوْد.
٢٩٤ - أَمِيْرُ الجُيُوْش الأَفْضَلُ شَاهنشَاه بنُ بَدْرٍ الجمَالِيُّ *
الملكُ الأَفْضَلُ، أَبُو القَاسِمِ شَاهِنشَاهُ ابْنُ الْملك أَمِيْر الجُيُوْش بَدْر الجمَالِي، الأَرمنِيُّ. стр. 12204
كَانَ أَبُوْهُ نَائِباً بِعَكَّا، فَسَارَ فِي البَحْر فِي تَرمِيمِ دَوْلَةِ المُسْتَنْصِرِ العُبيدي، فَاسْتولَى عَلَى الإِقْلِيْم، وَأَبَادَ عِدَّة أُمَرَاء، وَدَانت لَهُ المَمَالِك إِلَى أَنْ مَاتَ، فَقَامَ بَعْدَهُ ابْنُه هَذَا، وَعظم شَأْنُهُ، وَأَهْلك نِزَاراً وَلَدَ المُسْتَنْصِرِ صَاحِبِ دَعْوَة البَاطِنِيَّة وَأَتَابِكَه أَفتكين مُتَوَلِّي الثَّغْر، وَكَانَ بَطَلاً شُجَاعاً، وَافِرَ الهيبَة، عَظِيْمَ الرُّتبَة، فَلَمَّا هَلَكَ المُسْتعلِي، نصبَ فِي الإِمَامَة ابْنَه الآمِرَ، وَحَجَرَ عَلَيْهِ وَقَمَعَه، وَكَانَ الآمرُ طيَاشاً فَاسِقاً، فَعمِلَ عَلَى قتل الأَفْضَل، فَرتب عِدَّة وَثبُوا عَلَيْهِ، فَأَثخنوهُ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ الآمِرُ، تَوَجَّع لَهُ، فَلَمَّا قضَى، اسْتَأْصل أَمْوَالَه، وَبَقِيَ الْآمِر فِي دَارِهِ أَرْبَعِيْنَ صَبَاحاً وَالكَتَبَة تَضْبِطُ تِلْكَ الأَمْوَال وَالذَّخَائِر، وَحَبَسَ أَوْلاَدَه، وَكَانَتْ أَيَّامُه ثَمَانِياً وَعِشْرِيْنَ سَنَةً، وَكَانَتِ الأُمَرَاء تَكرهُهُ لِكَوْنِهِ سُنِّياً، فَكَانَ يُؤذِيْهِم، وَكَانَ فِيْهِ عدل، فَظَهَرَ بَعْدَهُ الظُّلمُ وَالبدعَةُ، وَوَلِيَ الوزَارَة بَعْدَهُ المَأْمُوْن البطَائِحِي.
قتلُوْهُ: فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، وَلَهُ ثَمَانٌ وَخَمْسُوْنَ سَنَةً.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ فِي (تَارِيْخِهِ) :قَالَ صَاحِبُ الدُّول المُنْقَطِعَة: خلَّف الأَفْضَلُ سِتَّ مائَةِ أَلْفِ أَلفِ دِيْنَار، وَمائتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ إِردَبّاً مِنَ الدَّرَاهِم، وَخَمْسِيْنَ أَلفَ ثَوْبِ دِيبَاج، وَعِشْرِيْنَ أَلْفَ ثَوْبِ حَرِيْر،
стр. 12205
وَثَلاَثِيْنَ رَاحِلَة كَذَا وَكَذَا، وَدوَاةً مُجَوْهَرَة بِاثْنَيْ عشرَ أَلفَ دِيْنَار، وَعَشْرَة مَجَالِس؛ فِي المَجْلِسِ مَضْرُوب عَشْرَة مسَامِيْر مِنَ الذّهب، عَلَى المسمَار منْدِيل مشدودٌ فِيْهِ بدلَة ثِيَاب، وَخَمْس مائَة صُنْدُوق، فِيْهَا كِسْوَة وَمَتَاع، سِوَى الدَّوَابّ وَالمَمَالِيْك وَالبقر وَالغنم، وَلبن موَاشيه يُبَاع فِي السَّنَةِ بِثَلاَثِيْنَ أَلف دِيْنَار (١) .
قُلْتُ: هَذِهِ الأَشيَاء مُمْكِنَة، سِوَى الدَّنَانِيْرِ وَالَدّرَاهِم، فَلاَ أُجَوِّز ذَلِكَ، بَلْ أَسْتبعد عُشره، وَلاَ رِيبَ أَنَّ جَمعه لهَذِهِ الأَمْوَال موجبٌ لضعف جَيْشِ مِصْر، فَفِي أَيَّامِهِ اسْتولت الفِرَنْجُ عَلَى القُدْس وَعكَّا، وَصُوْر وَطَرَابُلُس وَالسَّوَاحل، فَلَو أَنفق ربعَ مَاله، لَجَمع جَيْشاً يَملأُ الفضَاء، وَلأَبَاد الفِرَنْجَ، وَلَكِن ليقضِي الله أَمراً كَانَ مَفْعُوْلاً.
قَالَ أَبُو يَعْلَى بن القلاَنسِي (٢) :كَانَ الأَفْضَلُ حسنَ الاعتقَاد، سُنِّياً، حَمِيْد السِّيرَة، كَرِيْمَ الأَخلاَق، لَمْ يَأْت الزَّمَانُ بِمِثْلِهِ.
قُلْتُ: وصُلِبَ البطَائِحِي المُتولِّي بَعْدَهُ سَنَة تِسْعَ عَشْرَةَ.
وَوزر بَعْد هَلاَكِ الآمرِ أَمِيْرُ الجُيُوْش أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَد بن الأَفْضَل، وَكَانَ شَهْماً مُطَاعاً، وَبطلاً شُجَاعاً، سَائِساً سُنِّياً، كَأَبِيْهِ وَجدِّه، فَحجر عَلَى الحَافِظ، وَمَنَعه مِنْ أَعبَاءِ الأُمُوْر، فَشدَّ عَلَيْهِ مَمْلُوْكٌ لِلْحَافظ إِفرنجِي، فَطعنه قَتَلَه، وَوَزَرَ ياَنس الحَافِظِي (٣) ، وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَد قَدْ بَالغ فِي الاحْتِجَار عَلَى الحَافِظ، وَحَوَّل ذخَائِر القَصْر إِلَى دَارِهِ، وَادَّعَى أَنَّهَا أَمْوَال أَبِيْهِ. стр. 12206
وَقِيْلَ: إِنَّهُ ترك مِنَ الخُطبَة اسمَ الحَافِظ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ، وَقطع الأَذَان بِحَيَّ عَلَى خَيْرِ العَمَلِ، فَنفرتْ مِنْهُ الرَّعِيَّةُ، وَغَالِبُهُم شيعَة، فَقُتِلَ وَهُوَ يَلعب بِالكُرَة، سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ (١) ، وَجدَّدُوا البَيْعَة حِيْنَئِذٍ لِلْحَافظ، فَمَاتَ الوَزِيْر يانس بَعْد ثَلاَث سِنِيْنَ، فَوزر وَلِيُّ العَهْدِ حسنُ ابنُ الحَافِظ.
٢٩٥ - البُرْسُقِيُّ قَسِيمُ الدَّوْلَة أَبُو سَعِيْدٍ آقسُنْقُرُ *
الملكُ، قسيمُ الدَّوْلَة، أَبُو سَعِيْدٍ آقسُنْقُر مَمْلُوْك بُرْسُق، غُلاَمُ السُّلْطَان طُغْرُلْبَك.
وَلِي المَوْصِل وَالرَّحبَة، وَقَدْ وَلِيَ شِحنكيَة (٣) بَغْدَاد، وَكَانَ بَلَك (٤) стр. 12207
قَدْ قتل بِمَنْبِج، فَتملَّك ابْنُ عَمِّهِ تَمرتَاش بن إِيلغَازِي حلب (١) ، وَكَانَ بَلَك قَدْ أَسر بغدوين صَاحِبَ القُدْس، فَاشْتَرَى نَفْسَه، وَهَادَنَهُ، فَغَدَرَ بغدوين، وَحَاصَرَ حلبَ، هُوَ وَدُبَيس الأَسَدِيّ (٢) ، وَمَعَهُمَا إِبْرَاهِيْمُ بنُ صَاحِب حلب رضوَان بن تُتُش السَّلْجُوْقِي، فَهلك أَهْلُهَا جُوعاً وَموتاً، فَخَرَجَ فِي اللَّيْلِ قَاضيهَا أَبُو غَانم، وَالشَّرِيْفُ زُهْرَة، وَآخر إِلَى تَمرتَاش بِمَاردين، وَفَاتُوا الفِرَنْجَ، فَأَخَذَ يُمَاطِلُهُم تَمرتَاش، فَانْملسُوا مِنْهُ إِلَى المَوْصِل، فَوَجَدُوا البُرْسُقِي مَرِيضاً، فَقُلْنَا: عَاهدِ اللهَ إِن عَافَاك أَنْ تَنْصُرَنَا، فَقَالَ: إِي وَاللهِ، فَعُوفِي بَعْدَ ثَلاَثٍ، فَنَادَى الْغُزَاة، وَلَمَّا أَشْرَف عَلَى حلب، تَقهقرتِ الفِرَنْجُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ مُقَاتِلتُهَا، وَحَملُوا عَلَى العَدُوّ هزموهُم، وَرتَّبَ أُمُوْرَ الْبَلَد، وَأَمدَّهُم بِالغلاَّت، فَبَادرُوا، وَبذرُوا فِي آذَار، وَنقعُوا الْقَمْح وَالشَّعيرَ، فَرتب بِهَا ابْنَه وَرجع (٣) ، وَكَانَ قَدْ أَبَاد فِي الإِسْمَاعِيْليَّة، فَشدَّ عَلَيْهِ عَشْرَةٌ بِالجَامِع، فَقَتَلَ بِيَدِهِ مِنْهُم ثَلاَثَة، وَقُتِلَ ﵀ فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، كَانُوا بزِيِّ الصُّوْفِيَّة، نَجَا مِنْهُم وَاحِد (٤) . стр. 12208
وَكَانَ ﵀ ديناً عَادِلاً، حسنَ الأَخلاَق، وَصَّى قَاضِيَه بِالعَدْل، بِحَيْثُ إِنَّهُ أَمرَ زَوجته أَنْ تدَّعِي عَلَيْهِ بِصدَاقهَا، فَنَزَلَ إِلَى قَاضِيه، وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَتَأَدَّب كُلُّ أَحَد (١) . стр. 12209
الطَّبَقَةُ الثَّامِنَةُ وَالعِشْرُوْنَ
٢٩٦ - الأَبِيْوَرْدِيُّ الفَضْلُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ *
الشَّيْخُ الصَّالِحُ، المُعَمَّرُ، العَفِيْفُ، مُسْنِدُ خُرَاسَان، أَبُو القَاسِمِ الفَضْلُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ أَبِي مَنْصُوْرٍ الأَبِيْوَرْدِي، العَطَّار.
وُلِدَ: قَبْلَ العِشْرِيْنَ وَأَرْبَعِ مائَةٍ.
وَسَمِعَ مِنَ: العَارِف فَضلِ الله بن أَبِي الخَيْرِ المِيهَنِي، وَمُحَمَّدِ بن عَبْدِ العَزِيْزِ النِّيلِي، وَأَبِي حَفْصٍ بن مَسْرُوْر، وَأَبِي عُثْمَانَ الصَّابونِي، وَسَمِعَ: (مُعْجَم أَبِي القَاسِمِ البَغَوِيّ) مِنْ أَبِي نَصْرٍ الإِسْفَرَايينِي، رَحل إِلَيْهِ إِلَى إِسفرَايين، وَسَمِعَ (سُنَنَ الدَّارَقُطْنِيّ) مِنَ النَّوقَانِي، وَتَفَرَّد بِهِ مُدَّة.
حَدَّثَ عَنْهُ: عُمَرُ الفرغولِي، وَإِبْرَاهِيْمُ بن سَهْلٍ المَسْجِدِي، وَيُوْسُف بن شُعَيْب، وَآخَرُوْنَ، وَرَوَى عَنْه (سُنَنَ الدَّارَقُطْنِيّ) أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ الصَّفَّار، وَانْفَرَدَ بعُلُوِّه.
قَالَ عَبْدُ الغَافِرِ الفَارِسِيّ: شَيْخٌ مَسْتُوْرٌ، كَثِيْرُ العِبَادَة، مشتغلٌ
стр. 12210
بِنَفْسِهِ، سَمِعَ الكَثِيْر مِنْ جَدِّي، وَابْنِ مَسْرُوْر، وَجَمَاعَة، وَقَدْ نَيَّف عَلَى المائَة، مَاتَ فِي سَادسِ صفرٍ، سَنَة ثَمَانِ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، بِنَيْسَابُوْرَ.
وَفِيْهَا تُوُفِّيَ: العَلاَّمَةُ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ المَيْدَانِي (١) ، وَأَبُو إِبْرَاهِيْمَ إِسْحَاقُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ النُّوحِي (٢) خطيب سَمَرْقَنْد، وَأَبُو الفَتْحِ سُلْطَان بنُ إِبْرَاهِيْمَ المَقْدِسِيّ الشَّافِعِيّ، وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّشْتَجُ (٣) .
٢٩٧ - ابْنُ عَتَّابٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ مُحَمَّدٍ القُرْطُبِيُّ *
الشَّيْخُ، العَلاَّمَةُ، المُحَدِّثُ، الصَّدُوْقُ، مُسْنِدُ الأَنْدَلُسِ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِ المُحَدِّثِ مُحَمَّدِ بنِ عَتَّابِ بنِ محسن القُرْطُبِيّ.
سَمِعَ مِنْ: أَبِيْهِ فَأَكْثَر، وَحَاتِم بنِ مُحَمَّدٍ الطّرَابُلُسِي، وَطَائِفَة.
وَتَلاَ بِالسَّبْعِ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ شُعَيْبٍ المُقْرِئ، وَأَجَازَ لَهُ: مَكِّيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَمُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بن عَابِد، وَعَبْدُ اللهِ بن سَعِيْدٍ الشَّنْتَجَالِي، وَأَبُو عَمْرٍو السَّفَاقِسِي، وَأَبُو عُمَرَ بنُ عَبْدِ البَرّ، وَأَبُو عُمَرَ بنُ الحَذَّاء، وَأَبُو حَفْصٍ بنُ الزَّهرَاوِي.
قَالَ خَلَفُ بنُ بَشْكُوَالَ: هُوَ آخِرُ الشُّيُوْخ الجلَّة الأَكَابِر بِالأَنْدَلُسِ فِي стр. 12211
علوِّ الإِسْنَاد، وَسَعَةِ الرِّوَايَة، سَمِعَ مُعْظَمَ مَا عِنْد أَبِيْهِ، وَكَانَ عَارِفاً بِالطُّرُقِ، وَاقفاً عَلَى كَثِيْر مِنَ التَّفْسِيْر وَالغَرِيْب وَالمَعَانِي، مَعَ حظٍّ وَافِرٍ مِنَ اللُّغَة وَالعَرَبِيَّة، وَتَفَقَّهَ عِنْد أَبِيْهِ، وَشُووِرَ فِي الأَحكَام بَقِيَّة عُمُرِه، وَكَانَ صدراً فِيْمَنْ يُسْتَفتَى لِسنه وَتَقدُّمِهِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الفَضْل وَالحِلم، وَالوَقَار وَالتَّوَاضع، وَجَمَعَ كِتَاباً حَفِيلاً فِي الزُّهْد وَالرقَائِق، سَمَّاهُ (شفَاء الصُّدُوْر) ، وَكَانَتِ الرّحلَة إِلَيْهِ فِي وَقته، وَكَانَ صَابراً لِلطَّلبَة، مُوَاظباً عَلَى الإِسمَاعِ، يَجْلِسُ لَهُم النَّهَار كُلَّه، وَبَيْنَ العِشَاءيْنِ، سَمِعَ مِنْهُ الآبَاء وَالأَبْنَاءُ، وَسَمِعْتُ عَلَيْهِ مُعْظَمَ مَا عِنْدَهُ، وَقَالَ: مَوْلِدي سَنَة (٤٣٣) .
وَمَاتَ: فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ (١) .
قُلْتُ: وَرَوَى عَنْهُ: الحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ الْجد، وَعبد الحَقّ بن بُونُه، وَأَخُوْهُ مُحَمَّد، وَأَحْمَد بن عَبْدِ المَلِكِ بنِ عَمِيْرَةَ، وَأَحْمَد بن يُوْسُفَ بنِ رُشد، وَمُحَمَّد بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُبَادَةَ، وَمُحَمَّد بن يُوْسُفَ بنِ سعَادَة، وَمُحَمَّد بن عرَّاق، وَعَبْد اللهِ بن خَلَفٍ الفِهْرِيّ، وَخَلْق.
٢٩٨ - أَبُو بَحْرٍ بنُ العَاصِ سُفْيَانُ بنُ العَاصِ بنِ أَحْمَدَ الأَسَدِيُّ *
الإِمَامُ المُتْقِنُ، النَّحْوِيُّ، أَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بنُ العَاصِ بنِ أَحْمَدَ بنِ العَاصِ بنِ سُفْيَانَ بن عِيْسَى الأَسَدِيّ، المُرْبَيْطرِي (٢) ، نَزِيْلُ قُرْطُبَة. стр. 12212
رَوَى عَنْ أَبِي عُمَرَ بنِ عَبْد البَرِّ، فَقَالَ ابْنُ الدَّبَّاغ: سَمِعَ مِنْهُ (المُوَطَّأ) ، وَكِتَابه فِي الفَرَائِضِ، وَ (بَهجَة المَجَالِس) .
قُلْتُ: رَوَى الكَثِيْرَ عَنْ: أَبِي العَبَّاسِ بن دِلْهَاث، وَاختص بِهِشَام بن أَحْمَدَ الكِنَانِيّ، وَرَوَى أَيْضاً عَنْ: أَبِي الوَلِيْدِ البَاجِي، وَأَبِي الفَتْحِ اللَّيْث بن الحَسَنِ التُّركِي، وَمُحَمَّد بن سعدُوْنَ، وَأَبِي دَاوُدَ بن نَجَاح.
قَالَ ابْنُ بَشْكُوَال: كَانَ مِنْ جِلَّةِ العُلَمَاء، وَكِبَارِ الأُدبَاء، ضَابطاً لِكُتُبِهِ، صَدُوْقاً، سَمِعَ النَّاسُ مِنْهُ كَثِيْراً (١) .
قُلْتُ: رَوَى عَنْهُ: ابْنُ بَشْكُوَال، وَأَبُو الوَلِيْدِ بنُ الدَّبَّاغ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ الجدّ الفَقِيْه، وَعبد الحَقّ بن بُونُه العبدرِيُّ، وَآخَرُوْنَ.
تُوُفِّيَ: فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَقَدْ كَمَّلَ الثَّمَانِيْنَ ﵀.
٢٩٩ - ابْنُ أَبِي تليد مُوْسَى بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ خَلَفٍ
الشَّيْخُ، الصَّدُوْقُ، أَبُو عِمْرَانَ مُوْسَى بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ خَلَفِ بن مُوْسَى بن أَبِي تليد الشَّاطبِي.
مُكْثِر عَنْ: أَبِي عُمَرَ بن عَبْد البَرِّ، وَسَمَاعُهُ بِخُطُوط الثِّقَات.
أَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ الدَّبَّاغ، وَقَالَ: سَمِعَ كِتَاب (الاسْتذكَار) ، وَرَوَى стр. 12213
عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ زرقُوْنَ، وَطَائِفَة (١) .
تُوُفِّيَ: سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مائَة، وَكَانَ جَدُّهُم أَبُو تليد مِمَّنْ رَحَلَ، وَسَمِعَ مِنَ النَّسَائِيّ.
٣٠٠ - الحُلْوَانِيُّ أَبُو سَعْدٍ يَحْيَى بنُ عَلِيٍّ *
العَلاَّمَةُ، أَبُو سَعْدٍ يَحْيَى بن عَلِيٍّ الحُلْوَانِيّ، الشَّافِعِيّ، مُصَنّف كِتَاب (التَّلويح) فِي المَذْهَب (٢) .
كَانَ مِنْ كِبَارِ تَلاَمذَةِ الشَّيْخ أَبِي إِسْحَاقَ، لزمَه مُدَّةً، وَكَانَ مِنْ فُحُوْل المنَاظرِيْنَ.
حَدَّثَ عَنْ: أَبِي جَعْفَرٍ بن المُسْلِمَة، وَغَيْرهِ.
قَالَ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ: قَدِمَ مَرْو إِلَى خَاقَان (٣) صَاحِب مَا وَرَاء النَّهْر رَسُوْلاً، فَسَمِعْتُ مِنْهُ جُزْءاً، وَكَانَ سَيِّئَ الخُلُقِ، مُتَكَبِّراً عَسِراً، مَاتَ بِسَمَرْقَنْدَ، فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ. стр. 12214
٣٠١ - ابْنُ مَنْظُوْرٍ أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ *
قَاضِي إِشبيليَة، أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ ابنُ القَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَنْظُوْر القَيْسِيّ، المَالِكِيّ، الإِشبيلِي.
فَقيهٌ إِمَامٌ، مُحَدِّثٌ محتشِمٌ، مِنْ بَيْت علم وَجَلاَلَة.
رَوَى عَنْ أَبِيْهِ، وَعَن ابْنِ عَمّهِم أَبِي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بنِ أَحْمَدَ بنِ عِيْسَى بنِ مَنْظُوْر.
أَخَذَ عَنْهُ: ابْنُ بَشْكُوَال، وَغَلِطَ فِي نسبه، وَجَعَله ابْناً لأَبِي عَبْدِ اللهِ ابْن مَنْظُوْر الرَّاوِي (الصَّحِيحَ) عَنْ أَبِي ذَرٍّ (١) ، وَتلاَهُ فِي الوَهْمِ أَبُو جَعْفَرٍ ابْن عَمَيْرَة.
تُوُفِّيَ: سَنَةَ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُوْنَ سَنَةً، وَكَانَ مِنْ روَاة (الصَّحِيح) ، فَحَمَلَهُ عَنْهُ سَمَاعاً أَبُو بَكْرٍ بنُ الجدِّ الحَافِظ. стр. 12215
٣٠٢ - طُغْتِكِين أَبُو مَنْصُوْرٍ الأَتَابك *
صَاحِبُ دِمَشْق، الْملك، أَبُو مَنْصُوْرٍ طُغْتِكِين الأَتَابك، مِنْ أُمَرَاءِ السُّلْطَان تُتُش بن أَلب أَرْسَلاَن السَّلْجُوْقِي، فَزَوَّجَهُ بِأُمِّ وَلده دُقَاق، فَقتل السُّلْطَان، وَتَملَّكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ دُقَاق، وَصَارَ طُغْتِكِين مُقَدَّم عَسْكَره، ثُمَّ تَملَّكَ بَعْدَ دُقَاق.
وَكَانَ شَهْماً شُجَاعاً، مَهِيْباً مُجَاهِداً فِي الفِرَنْج، مُؤثراً لِلْعدل، يُلَقَّبُ ظهيرَ الدّين.
قَالَ أَبُو يَعْلَى بن القلاَنسِي (١) :مَرِضَ وَنَحُلَ، وَمَاتَ فِي صَفَرٍ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، فَأَبْكَى العُيُونَ، وَأَنكَأَ القُلُوْبَ، وَفَتَّ فِي الأَعضَادِ، وَفتت الأَكبَادَ، وَزَادَ فِي الأَسَفِ - فَرَحِمَهُ اللهُ، وَبرَّدَ مَضْجَعه - ثُمَّ مَاتَتْ زوجتُهُ الخَاتُوْنُ أُمُّ بُورِي بَعْدَهُ بِأَيَّام، فَدُفِنَتْ بِقُبَّتِهَا خَارِجَ بَابِ الفَرَادِيْس (٢) .
قُلْتُ: لَوْلاَ أَنَّ اللهَ أَقَامَ طُغْتِكِين لِلإِسْلاَم بِإِزَاء الفِرَنْج، وَإِلاَّ كَانُوا غلبُوا عَلَى دِمَشْقَ، فَقَدْ هزمهُم غَيْرَ مَرَّةٍ، وَأَنجده عَسْكَرُ المَوْصِلِ، مَعَ مَوْدُوْد، وَمَعَ البُرسُقِي، وَسَارَ إِلَى بَغْدَادَ هُوَ إِلَى خدمَة السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه، فَبَالغ فِي احترَامه وَإِجلاَله.
قَالَ ابْنُ الأَثِيْرِ: تَملَّك بَعْدَهُ ابْنُهُ الكَبِيْر تَاجُ المُلُوْك بُورِي بعهدٍ مِنْهُ. стр. 12216
وَقَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: كَانَ طُغْتِكِين شَهْماً عَادِلاً، حَزِنَ عَلَيْهِ أَهْلُ دِمَشْقَ، فَلَمْ تَبق محلَةٌ وَلاَ سُوْق إِلاَّ وَالمَأْتَمُ قَائِمٌ فِيْهِ عَلَيْهِ لِعَدله، وَحُسْنِ سيرَته، حكم عَلَى الشَّامِ خَمْساً وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً، وَسَارَ ابْنُهُ بِسِيرَتِهِ مُديدَة، ثُمَّ تَغَيَّرَ وَظَلَم.
قُلْتُ: قَدْ كَانَ طُغْتِكِين سَيْفاً مسلَوْلاً عَلَى الفِرَنْج، وَلَكِن لَهُ خَرْمَةٌ كَانَ قَدِ اسْتفحل البَلاَءُ بدَاعِي الإِسْمَاعِيْليَّة بَهْرَامَ بِالشَّامِ، وَكَانَ يَطُوْفُ المَدَائِن وَالقِلاع متخفِياً، وَيُغوِي الأَغتَام وَالشُّطَار، وَيَنْقَادُ لَهُ الجُهَّال، إِلَى أَنْ ظَهَرَ بِدِمَشْقَ بتقرِير قرَّره صَاحِبُ مَاردين إِيلغَازِي مَعَ طُغْتِكِين، فَأَخَذَ يُكرمه، وَيُبَالغ اتِّقَاءً لِشرِّه، فَتبعه الغَوْغَاءُ، وَالسُّفَهَاء، وَالفلاَحُوْنَ، وَكَثُرُوا، وَوَافقه الوَزِيْرُ طَاهِر المزدقَانِي، وَبثَّ إِلَيْهِ سِرَّه، ثُمَّ الْتمس مِنَ الْملك طُغْتِكِين قَلْعَةً يَحتمِي بِهَا، فَأَعْطَاهُ بَانِيَاس فِي سَنَةِ عِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ (١) ، فَعَظُمَ الخطبُ، وَتَوَجَّعَ أَهْلُ الخَيْر، وَتَسَتَّرُوا مِنْ سَبِّهِم، وَكَانُوا قَدْ قتلُوا عِدَّةً مِنَ الكِبَارِ، فَمَا قَصَّر تَاجُ المُلُوْك فَقتل الوَزِيْرَ كَمَالَ الدّين طَاهِر بن سَعْدٍ المَذْكُور فِي رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ بِالقَلْعَة، وَنصبَ رَأْسَه، وَركب جندُهُ، فَوضعُوا السَّيْفَ بِدِمَشْقَ فِي الملاَحدَة الإِسْمَاعِيْليَّة، فَسبَّكُوا مِنْهُم فِي الحَال نَحْواً مِنْ سِتَّة آلاَف نَفْسٍ فِي الطُّرقَات، وَكَانُوا قَدْ تَظَاهِرُوا، وَتَفَاقم أَمرُهُم، وَرَاح فِي هَذِهِ الكَائِنَة الصَّالِحُ بِالطَّالح.
وَأَمَّا بَهْرَامُ، فَتَمَرَّدَ وَعَتَا، وَقَتَلَ شَابّاً مِنْ أَهْلِ وَادِي التَّيْم اسْمه برْق، فَقَامَ عَشِيْرَتُهُ، وَتَحَالفُوا عَلَى أَخَذَ الثَّأْر، فَحَارَبَهُم بَهْرَامُ، فَكَبَسُوهُ стр. 12217
وَذَبَحوهُ إِلَى اللَّعْنَة، وَسلَّمت الملاَحدَةُ بَانِيَاس لِلْفرنج، وَذلُّوا.
وَقِيْلَ: إِنَّ المزدقَانِي كَاتِب الفِرَنْجَ ليُسلم إِلَيْهِم دِمَشْق، وَيُعطوهُ صُوْرَ، وَأَنَّ يهجمُوا البلدَ يَوْمَ جُمُعَة، وَوكَّل الملاَحدَةَ تُغْلِقُ أَبْوَابَ الجَامِع عَلَى النَّاسِ، فَقَتَلَهُ لِهَذَا تَاجُ المُلُوْك ﵀ وَقَدِ التَقَى الفِرَنْجَ وَهَزَمَهُم، وَكَانَتْ وَقْعَةٌ مَشْهُوْدَة (١) .
وَفِي سَنَةِ عِشْرِيْنَ أَقْبَلت جُمُوْعُ الفِرَنْج لأَخَذَ دِمَشْق، وَنَزَلُوا بِشَقْحَب (٢) ، فَجمعَ طُغْتِكِينُ التُّركمَانِيين (٣) وَشُطَّار دِمَشْق، وَالتقَاهُم فِي آخِرِ العَامِ، وَحَمِيَ القِتَالُ، ثُمَّ فَرَّ طُغْتِكِين وَفُرْسَانُهُ عجزاً، فَعطفت الرَّجَّالَةُ عَلَى خيَام العَدُوِّ، وَقَتَلُوا فِي الفِرَنْج، وَحَازُوا الأَمْوَالَ وَالغَنَائِمَ، فَوَقَعتِ الهَزِيْمَةُ عَلَى الفِرَنْجِ، وَنَزَلَ النَّصْرُ.
٣٠٣ - ابْنُ الفَاعوس أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ بنِ عَلِيٍّ *
الفَقِيْهُ، الزَّاهِدُ، العَابِدُ، القُدْوَةُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ المُبَارَكِ بنِ عَلِيٍّ стр. 12218
ابْن الفَاعوس البَغْدَادِيّ، الإِسكَاف، تِلْمِيْذُ الشَّرِيْف أَبِي جَعْفَرٍ بن أَبِي مُوْسَى الحَنْبَلِيّ.
رَوَى عَنِ: القَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَأَبِي مَنْصُوْرٍ العَطَّار.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو المُعَمَّر الأَنْصَارِيُّ، وَأَبُو القَاسِمِ ابنُ عَسَاكِرَ، وَكَانَ يَقرَأُ لِلنَّاسِ الحَدِيْثَ بِلاَ إِسْنَاد يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَلَهُ قبولٌ زَائِد لِصلاَحه وَإِخلاَصه.
قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: تُوُفِّيَ فِي تَاسع عشر شَوَّالٍ، سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَغُلِّقَت الأَسواقُ، وَضج العوَامُّ بذِكْرِ السُّنَّةِ وَلَعْنِ أَهْلِ البِدَعِ، وَدُفِنَ بِقُرْبِ الإِمَام أَحْمَد.
وَقِيْلَ: كَانَ يَتمنَّع مِنَ الرِّوَايَة إِزرَاءً عَلَى نَفْسِهِ ﵀.
مَاتَ: عَنْ نَيِّفٍ وَسَبْعِيْنَ سَنَةً.
قَالَ السَّمْعَانِيّ: سَمِعْتُ أَبَا القَاسِمِ بِدِمَشْقَ يَقُوْلُ:
أَهْلُ بَغْدَادَ يَعتقدُوْنَ فِيْهِ، وَكَانَ أَبُو القَاسِمِ بنُ السَّمَرْقَنْدي يَقُوْلُ: إِنَّ ابْنَ الخَاضبَة كَانَ يَقُوْلُ لابْنِ الفَاعوس: الحَجَرِيّ، لأَنَّه كَانَ يَقُوْلُ: الْحجر الأَسْوَدِ يَمِيْنُ الله حقيقَةً.
قَالَ كَاتِبه: هَذَا أَذَىً لاَ يَسوَغ فِي حقِّ رَجُلٍ صَالِحٍ، وَإِلاَّ فَهَذَا نَزَاع فِي إِطلاَق عبَارَةٍ مَا تَحْتهَا مَحْذُوْرٌ أَصلاً، وَهُوَ كقولنَا: بَيْتُ الله حقيقَة، وَنَاقَة الله حقيقَةً، وَروحُ الله ابْن مَرْيَم حقيقَةً، وَذَلِكَ مِنْ قبيل إِضَافَة التَّشرِيف، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَمَا يَقُوْلُ مَنْ لَهُ عَقْلٌ قَطُّ: إِنَّ ذَلِكَ إِضَافَةُ صفَة، وَفِي سِيَاقِ الخَبَر مَا يُوَضِّح أَنَّهُ إِضَافَةُ مُلْكٍ، لاَ إِضَافَةُ صفَة، وَهُوَ قَوْله: (فَمَنْ صَافَحَهُ، فَكَأَنَّمَا صَافح الله) يَعْنِي: أَنَّهُ بِمَنْزِلَة
стр. 12219
يَمِيْن البَارِئِ تَعَالَى فِي الأَرْضِ (١) .
رَوَى ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ عَبَّاد بن جَعْفَرٍ يَقُوْلُ:
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُوْلُ: هَذَا الرُّكْنُ الأَسْوَدُ يَمِيْنُ الله فِي الأَرْضِ يُصَافِحُ بِهِ عِبَادَه مُصَافَحَةَ الرَّجُلِ أَخَاهُ (٢) .
وَلَكِنَّ الأَوْلَى فِي هَذَا ترك الْخَوْض فِي حقيقَة أَوْ مَجَاز، فَلاَ حَاجَةَ بِنَا إِلَى تَقييدِ مَا أَطْلَقَهُ السَّلَفُ، بَلْ نُؤمِنُ وَنسكُتُ، وَقَولُنَا فِي ذَلِكَ: حَقِيقَة أَوْ مَجَازاً؛ ضَرْبٌ مِنَ العَيِّ وَاللَّكَنِ، فَنزجُرُ مَنْ بَحَثَ فِي ذَلِكَ - وَاللهُ الموفِّقُ -.
٣٠٤ - المَسْجِدِي أَبُو القَاسِمِ سَهْلُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ النَّيْسَابُوْرِيّ *
الشَّيْخُ الصَّالِحُ، المُسْنِدُ، أَبُو القَاسِمِ سَهْلُ بنُ إِبْرَاهِيْمَ النَّيْسَابُوْرِيّ، المَسْجِدِي، وَيُعْرَف أَيْضاً: بِالسُّبْعِي. стр. 12220
رَوَى عَنْ: أَبِي مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيّ الفَقِيْه، وَأَبِي حَفْصِ بن مَسْرُوْر، وَعَبْدِ الغَافِرِ بن مُحَمَّدٍ الفَارِسِيِّ، وَأَبِي عُثْمَانَ الصَّابونِي، وَأَبِي سَعْدٍ الطَّبِيْب، وَوجيه بن أَبِي الطّيب.
رَوَى عَنْهُ: أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ، وَحَفِيْدُهُ مُحَمَّد بن أَحْمَدَ المَسْجِدِي، وَعبدُ المُنْعِم بن الفُرَاوِي، وَعبد الرَّحْمَن بن أَبِي القَاسِمِ الشّعرِي، وَأَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللهِ بن عُمَرَ الصَّفَّار، وَابْنُ يَاسِر الجيَّانِي، وَغَيْرهُم.
وَقِيْلَ لَهُ: المَسْجِدِي، لأَنَّه كَانَ خَادِمَ مَسْجِدِ الْمُطَرز (١) ، وَكَانَ دَيِّناً خَيراً، عَالِيَ الإِسْنَاد، وَكَانَ وَالِدُهُ قَدْ عُرِفَ بتِلاَوَة سُبْعٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَكَانَ وَلدُهُ أَحْمَد بن سَهْل يَرْوِي عَنْ: يَعْقُوْب بن أَحْمَدَ الصَّيْرَفِيّ.
مَاتَ سهل: سَنَة بِضْع وَعِشْرِيْنَ وَخَمْسِ مائَةٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي (تَارِيخ الإِسْلاَم) تَقَرِيْباً فِي اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِيْنَ.
٣٠٥ - السُّلْطَان مَحْمُوْدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ مَلِكْشَاه السَّلْجُوْقِيُّ *
صَاحِبُ العِرَاق، مُغِيْثُ الدّين مَحْمُوْدُ ابنُ السُّلْطَان مُحَمَّد بن مَلِكْشَاه بنُ أَلب أَرْسَلاَن السَّلْجُوْقِي. следующие страницы →