← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

رَوَاهُ البَيْهَقِيّ بِلَفْظِهِ عَنِ الحَاكِم مُحَمَّد بن نعيم الضَّبِّيّ. قَالَ الحَاكِمُ: هُوَ إِسْحَاق بن مُوْسَى بن عِمْرَانَ، أَحَد أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة، وَالرَّحَّالَة فِي طَلَبِ الحَدِيْث، مِنْ رُسْتَاق إِسفرَايين، تَفَقَّهَ عِنْد أَبِي إِبْرَاهِيْم المُزَنِيّ، وَسَمِعَ (الْمَبْسُوط) مِن الرَّبِيْع، وَكتب الحَدِيْث بِخُرَاسَانَ وَالعِرَاقين وَالحِجَاز وَمِصْر وَالشَّام. قَالَ: وَلَهُ مصنفَات كَثِيْرَة. سَمِعَ بِخُرَاسَانَ: قُتَيْبَة بن سَعِيْدٍ، وَإِبْرَاهِيْم بن يُوْسُفَ، وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْه، وَعَلِيّ بن حُجْرٍ، وَأَقرَانهُم. وَبَالجِبَال: مُحَمَّد بن مقَاتل، وَابْن أَحْمَدَ، وَطَائِفَة. وبِبَغْدَاد: مَنْصُوْر بن أَبِي مُزَاحم، وَمُحَمَّد بن بَكَّارٍ، وَعُبَيْد اللهِ القَوَارِيْرِيّ، وَأَحْمَد بن عِمْرَانَ الأَخنسِي، وَأَبَا مُسْلِم الوَاقِدِيّ. وَبِالبَصْرَةِ: عبد الأَعْلَى بن حَمَّادٍ النَّرْسِيّ، وَعَبْد اللهِ بن مُعَاوِيَةَ، وَبندَاراً، وَأَبَا مُوْسَى. وبَالكُوْفَة: عُثْمَان بن أَبِي شَيْبَةَ، وَأَخَاهُ القَاسِم وَجُبارَة بن المُغَلِّس، وَأَبَا كُرَيْب، وَعَبْد اللهِ بن عُمَر بن أَبَانٍ. وَبَالحِجَاز: إِبْرَاهِيْم بن مُحَمَّدٍ الشَّافِعِيّ، وَإِبْرَاهِيْم بن المُنْذِرِ، وَأَبَا مُصْعَبٍ، وَيَعْقُوْب بن حُمَيْد، وَعِدَّة. وبَالشَّام: هِشَام بن عَمَّارٍ، وَدُحيماً، وَأَحْمَد بن أَبِي الحَوَارِيِّ، وَطَبَقَتهُم. وَبِمِصْرِ: مُحَمَّد بن رُمح، وَعِيْسَى بن حَمَّادٍ، وَحَرْمَلَة، وَأَبَا الطَّاهِر بن السَّرْحِ، وَطَبَقَتهُم. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو عَمْرٍو الحِيْرِيّ، وَأَبُو عَوَانَةَ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ، وَمُؤَمَّل بن الحَسَنِ، وَمُحَمَّد بن عَبدك وَغَيْرهُم، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوْب الشَّيْبَانِيّ. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَبدك الإِسْفَرَايِيْنِيّ: تُوُفِّيَ أَبُو يَعْقُوْب الإِسْفَرَايِيْنِيّ بِهَا، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ الحَاكِمُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يَعْقُوْب الحَافِظ، حَدَّثَنَا

стр. 8577

إِسْحَاقُ بن مُوْسَى الإِسْفَرَايِيْنِيّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا جَرِيْر، عَنْ مُغِيْرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَوَّل مَنْ خطبَ جَالِساً مُعَاوِيَة وَذَلِكَ حِيْنَ عَظُمَ بَطْنه، وَكَثُرَ شَحْمه. قُلْتُ: عَاشَ ابْن أَبِي عِمْرَانَ هَذَا نَحْواً مِنْ سَبْعِيْنَ سَنَةً، وَكَانَ مِنَ الأَئِمَّة الأَثبَات، وَتخيَّل إِلَى أَنَّهُ وَالد أَبِي عَوَانَةَ، لَكِن وَالد أَبِي عَوَانَةَ اسْمه: إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيْم بن يَزِيْد الإِسْفَرَايِيْنِيّ. يَرْوِي عَنْ: إِسْحَاقَ بنِ رَاهْوَيْه، وَابْن حجر، وَأَبِي مَرْوَان العُثْمَانِيّ. أَكْثَر عَنْهُ: وَلده أَبُو عَوَانَةَ فِي (صَحِيْحِهِ) ، ثُمَّ إِنِّيْ لَمْ أَظفر لأَبِي عَوَانَةَ برِوَايَة عَنْ إِسْحَاقَ بنِ أَبِي عِمْرَانَ، وَلاَ ذكَر الحَاكِم لوَالد أَبِي عَوَانَةَ تَرْجَمَة فِي (تَارِيْخِهِ) ، فلهَذَا جوَّزت فِي البَدِيْهَة أَنَّهُمَا وَاحِد، وَكِلاَهُمَا طبقَة وَاحِدَة. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ هِبَة الله (١) ، عَنِ القَاسِمِ بنِ أَبِي سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَسعد القُشَيْرِيّ، أَخْبَرَنَا عبد الحمِيد البَحِيْرِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْملك بن الحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي: حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَان مُحَمَّد بن عُثْمَان: حَدَّثَنَا عَبْد العَزِيْز بن مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ الهَاد، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِبْرَاهِيْمَ التَّيْمِيّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْل اللهِ ﷺ يَقُوْلُ: (قَالَتِ النَّارُ: يَا رَبِّ! أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْن ... ) (٢) ، الحَدِيْث.

стр. 8578

٢٢٧ - الخُشَنِيّ أَبُو الحَسَنِ مُحَمَّد بن عَبْدِ السَّلاَمِ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُتْقِنُ، اللُّغَوِيّ، العَلاَّمَةُ، أَبُو الحَسَنِ، مُحَمَّد بن عَبْدِ السَلاَّم بن ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيّ الأَنْدَلُسِيّ القُرْطُبِيّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. حَدَّثَ عَنْ: يَحْيَى بن يَحْيَى اللَّيْثِيّ، وَغَيْرِه. وَحَجَّ، وَلقي الكِبَار، وَحَمَلَ عَنْ مُحَمَّدِ بنِ يَحْيَى بنِ أَبِي عُمَرَ العَدَنِيّ، وَمُحَمَّد بن بَشَّارٍ، وَسَلَمَة بن شَبِيْب، وَطَبَقَتهم، فَأَكْثَر وَجَوَّد. حَدَّثَ عَنْهُ: أَسْلَم بن عَبْد العَزِيْز، وَمُحَمَّد بن قَاسم بن مُحَمَّدٍ، وَابْنُهُ مُحَمَّد الخُشَنِيّ، وَقَاسِمُ بنُ أَصْبَغَ، وَآخَرُوْنَ. وأُريد عَلَى قَضَاء الجَمَاعَة، فَامْتَنَعَ، وَتَصَدَّر لِنَشْرِ الحَدِيْث، وَكَانَ أَحَد الثِّقَاتِ الأَعْلاَم. أَنْبَأَنَا ابْن هَارُوْنَ الطَّائِيّ، عَنِ ابْنِ بَقِيٍّ، عَنْ شُريح بن مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ بن حَزْم، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ سَعِيْدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ عَوْن الله، حَدَّثَنَا قَاسم بن أَصْبَغ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عبد السَّلاَم، حَدَّثَنَا بُنْدَار، حَدَّثَنَا غُنْدَر، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي قَزَعَة، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: كُنْتُ رَدِيف أَبِي

стр. 8579

طَلْحَة، وَكَانَتْ ركبَة أَبِي طَلْحَة تَكَاد تَمَسُّ ركبَة النَّبِيّ ﷺ فَكَانَ يُهِلُّ بِهِمَا جَمِيْعاً (١) . تُوُفِّيَ الخُشَنِيّ: سَنَة سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّمَانِيْنَ ﵀. وجدُّه ثَعْلَبَة هُوَ: ابْن زَيْد بن حَسَن بن كَلْب ابْن صَاحِب النَّبِيّ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيّ قَالَهُ ابْن الفَرضي (٢) ، وَوَلَدُهُ مُحَمَّد بن مُحَمَّدٍ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. سَمِيُّه: الإِمَامُ المُحَدِّث: ٢٢٨ - أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ السَّلامِ بنِ بَشَّارٍ النَّيْسَابُوْرِيُّ * الوَرَّاقُ، الزَّاهِدُ. سَمِعَ الكُتُب مِنْ: يَحْيَى بنِ يَحْيَى التَّمِيْمِيِّ النَّيْسَابُوْرِيّ، وَالتَّفْسِيْر مِنْ: إِسْحَاق، وَكَانَ ينسخُ التَّفْسِيْر وَيَتَقَوَّتُ. وَسَمِعَ مِنَ: الحَسَن بن عِيْسَى، وَعَمْرو بن زُرَارَة، وَمُحَمَّد بن رَافِع. وَعَنْهُ: مُؤَمَّل بن الحَسَنِ، وَأَبُو حَامِدٍ بنُ الشَّرْقِيِّ. قَالَ وَلَدُهُ عَبْدَان: كَانَ يَقُوْلُ أَبِي: نَحْنُ فِي مَرْحَلَة. وَكَانَ يَصُوْم النَّهَار، وَيقومُ اللَّيْل، وَيَقُوْلُ: هَذَا مَا أَوْصَانَا بِهِ يَحْيَى بن يَحْيَى. قَالَ الحَاكِمُ: حَدَّثَنَا أَبُو زَكَرِيَّا العَنْبَرِيّ، سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بنَ يُوْنُس،

стр. 8580

سَمِعْتُ الحُسَيْن بن مُحَمَّدٍ القَبَّانِي يَقُوْلُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا يَحْيَى ... فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: أَتدرُوْنَ عَمَّنْ حَدَّثْتُكُم؟ قَالُوا: حَدَّثْتَنَا عَنْ بُنْدَار، عَنْ يَحْيَى القَطَّانِ. قَالَ: لاَ وَاللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ عبد السَّلام بن بَشَّار، حَدَّثَنَا يَحْيَى بنُ يَحْيَى. تُوُفِّيَ مُحَمَّد بن عَبْدِ السَّلاَمِ: فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتّ أَيْضاً وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ، فتوَافق هُوَ وَالَّذِي قَبْله فِي الِاسْم وَالأَب وَالحِفْظ وَعَامِ الوَفَاةِ، وَفِي اسْم شَيْخيهُمَا اللَّيْثِيّ، وَالتَّمِيْمِيّ - وَاللهُ أَعْلَمُ -. وَفِيْهَا مَاتَ: أَحْمَدُ بنُ سَلَمَةَ النَّيْسَابُوْرِيّ (١) ، وَأَحْمَد بن عَلِيٍّ الخَزَّاز (٢) ، وَشيخ الصُّوْفِيَّة أَبُو سَعِيْدٍ الخَزَّاز (٣) ، وَأَحْمَد بن المُعَلَّى الدِّمَشْقِيّ (٤) ، وَإِبْرَاهِيْم بن سُوَيْد الشَّامِيّ، وَرفيقُه إِبْرَاهِيْم بن بَرَّة الصَّنْعَانِيّ (٥) ، وَرفيقُهُمَا الحَسَن بن عبد الأَعْلَى البَوْسِي (٦) ، أَصْحَاب عَبْد الرَّزَّاقِ، وَعَبْد الرَّحِيْمِ بن البَرْقِيّ (٧) ، رَاوِي (السِّيرَة) ، وَعَلِيّ بن عَبْدِ العَزِيْزِ البَغَوِيّ (٨) بِمَكَّةَ، وَمُحَمَّد بن وَضَّاح القُرْطُبِيّ (٩) ، وَمُحَمَّد بن يُوْنُسَ الكُدَيْمِيّ (١٠) ، وَالزَّاهِد مُحَمَّد بن يُوْسُفَ البَنَّاء، وَأَبُو عُبَادَة

стр. 8581

البُحْتُرِي (١) الشَّاعِر، وَمُحَمَّد بن مُحَمَّدِ بنِ رَجَاءٍ الإِسْفَرَايِيْنِيّ (٢) . ٢٢٩ - يَحْيَى بن عُمَرَ بنِ يُوْسُفَ أَبُو زَكَرِيَّا الأَنْدَلُسِيّ * الإِمَامُ، شَيْخُ المَالِكِيَّة، أَبُو زَكَرِيَّا الكِنَانِيّ الأَنْدَلُسِيّ الفَقِيْه. قَالَ ابْنُ الفَرَضِيِّ: ارْتَحَلَ، وَسَمِعَ بِإِفْرِيْقِيَةَ مِنْ: سَحْنُوْن، وَأَبِي زَكَرِيَّا الحُفْرِيّ، وَعَوْن بن يُوْسُفَ صَاحِب الدَّرَاوَرْدِيّ. وَسَمِعَ بِمِصْرَ مِنْ: يَحْيَى بنِ بُكَيْرٍ، وَحَرْمَلَة، وَابْن رُمْح. وَبَالمَدِيْنَة مِنْ: أَبِي مُصْعب، وَطَائِفَةٍ. وَسَكَنَ القَيْرَوَان، وَكَانَ حَافِظاً للفُروع، ثِقَةً، ضَابطاً لِكُتُبِهِ (٣) . أَخَذَ عَنْهُ: أَحْمَد بن خَالِدٍ الحَافِظ، وَجَمَاعَةٌ، وَأَهْل القَيْرَوَان. وَكَانَتِ الرِّحلَة إِلَيْهِ فِي وَقته. سَكَنَ سُوْسَة فِي آخِرِ عُمُرِهِ، وَبِهَا مَاتَ. قَالَ الحُمَيْدِيّ: هُوَ مِنْ مَوَالِي بَنِي أُمَيَّةَ (٤) . رَوَى عَنْهُ: سَعِيْد بن عُثْمَانَ الأَعْنَاقِيّ (٥) ، وَإِبْرَاهِيْم بن نَصْرٍ، وَمُحَمَّد

стр. 8582

بن مَسْرور، وَقَمُّود بن مُسْلِمٍ القَابِسِي، وَعَبْد اللهِ بن مُحَمَّدٍ القِرْبَاط. وَتُوُفِّيَ: سَنَة خَمْسٍ وَثَمَانِيْنَ. وَقَالَ ابْنُ الفَرَضِيِّ: مَاتَ فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ (١) . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بنُ اللَّبَّاد: كَانَ أَهْل الصِّيَام وَالقِيَام، مجَابَ الدُّعَاء، كَانَتْ لَهُ بَرَاهين. وَقَالَ أَبُو العَبَّاسِ الأَبْيَانِي: مَا رَأَيْتُ مِثْل يَحْيَى بن عُمَرَ فِي عِلْمه وَزُهْده، وَدُعَائِه وَبُكَائِه، فَالوَصْفُ -وَاللهِ- يَقصُر عَنْ ذِكر فَضْله. وَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ حَارب: كَانَ مُتَقَدِّماً فِي الحِفْظِ، لَقِي يَحْيَى بن بُكَيْرٍ، وَكَانَ يَقُوْلُ: سأَلتُ سَحْنُوْن، فرَأَيْت بَحْراً لاَ تُكَدِّرُه الدِّلاَء، وَاللهِ مَا رَأَيْتُ مثلَه قَطُّ، كَأَنَّ العِلْمَ جُمِعَ بَيْنَ عَيْنَيه وَفِي صَدْره. قَالَ يَحْيَى الكَانشِي: أَنفق يَحْيَى بن عُمَر فِي طَلَبِ العِلْمِ سِتَّة آلاَف دِيْنَار. قُلْتُ: لَهُ شُهْرَة كَبِيْرَة بِإِفْرِيْقِيَةَ، وَحمل عَنْهُ عَدَدٌ كَثِيْرٌ ﵀. ٢٣٠ - المُعْتَضِدُ بِاللهِ أَحْمَد بن المُوَفَّق بِاللهِ الخَلِيْفَةُ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو العَبَّاسِ، أَحْمَد بن الموَفق بِاللهِ، وَلِي العَهد، أَبِي أَحْمَدَ

стр. 8583

طَلْحَة بن المُتَوَكِّل جَعْفَر بن المُعْتَصِم مُحَمَّد بن الرَّشِيْد الهَاشِمِيّ العَبَّاسِيّ. وُلِدَ فِي أَيَّام جَدِّهِ: سَنَة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَدَخَلَ دِمَشْق سنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِيْنَ لِحَرْب ابْنِ طُولُوْنَ، وَاسْتُخْلِفَ بَعْدَ عَمِّه المُعْتَمِد فِي رَجَبٍ سنَةَ تسعٍ. وَكَانَ مَلِكاً مَهِيْباً، شُجَاعاً، جَبَّاراً، شَدِيْدَ الوَطْأَة، مِنْ رِجَال العَالَم، يُقْدِم عَلَى الأَسَد وَحدَه. وَكَانَ أَسمَرَ، نَحِيْفاً، معتدلَ الْخلق، كَامِلَ العَقْل. قَالَ المَسْعُوْدِيُّ: كَانَ قَلِيْل الرَّحْمَة (١) ، إِذَا غَضِبَ عَلَى أَمِيْرٍ حَفَرَ لَهُ حَفيِرَةً، وَأَلقَاهُ حَيّاً، وَطَمَّ عَلَيْهِ (٢) . وَكَانَ ذَا سيَاسَةٍ عَظِيْمَةٍ، قِيْلَ: إِنَّهُ تصيَّد، فَنَزَلَ إِلَى جَانب مقثأَة، فصَاحَ النَّاطُور، فَطَلَبَهُ، فَقَالَ: إِنَّ ثَلاَثَة غِلمَان دَخَلُوا المقثأَة، وَأَخَذُوا (٣) ، فَجِيْءَ بِهِم، فَاعتقلُوا، وَمن الغَد ضُربت أَعنَاقهُم، فَقَالَ لابْن حَمدُوْنَ: اصدقنِي عَنِّي، فذكرتُ الثَّلاَثَة، فَقَالَ: وَاللهِ مَا سفكتُ دماً حرَاماً مُنْذُ وَليت الخِلاَفَة، وَإِنَّمَا قتلت حَرَامِيَّة قَدْ قَتَلُوا، أَوهمتُ أَنَّهُم الثَّلاَثَة. قُلْتُ: فَأَحْمَد بن الطَّيِّب (٤) ؟ قَالَ: دعَانِي إِلَى الإِلْحَاد (٥) .

стр. 8584

رَوَى أَبُو العَبَّاسِ بن سُرَيْج، عَنْ إِسْمَاعِيْلَ القَاضِي، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى المُعْتَضِد، وَعَلَى رأْسِه أَحْدَاثٌ رُوْمٌ مِلاَحٌ، فنظرتُ إِلَيْهِم، فرآنِي المُعْتَضِد أَتَأَمَّلُهُم، فَلَمَّا أَردتُ الاَنصرَافَ، أَشَارَ إِليَّ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا القَاضِي! وَاللهِ مَا حَلَلْتُ سَرَاويلِي عَلَى حَرَامٍ قَطُّ (١) . وَدَخَلْتُ مرَّةً، فَدَفَعَ إِليَّ كِتَاباً، فنظرتُ فِيْهِ، فَإِذَا قَدْ جَمَعَ لَهُ فِيْهِ الرُّخَص مِنْ زلل العُلَمَاء، فَقُلْتُ: مُصَنِّفُ هَذَا زِنْدِيْقٌ. فَقَالَ: أَلم تَصِحَّ هَذِهِ الأَحَادِيْث؟ قُلْتُ: بَلَى، وَلَكِنْ مَنْ أَبَاحَ المُسْكر لَمْ يُبح المُتْعَة، وَمَنْ أَبَاحَ المُتْعَة لَمْ يُبِحِ الغِنَاء، وَمَا مِنْ عَالِمٍ إِلاَّ وَلَهُ زَلَّة، وَمن أَخَذَ بِكُلِّ زَلَل العُلَمَاء ذهبَ دِينُه. فَأَمَرَ بِالكِتَابِ فَأُحْرِق (٢) . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ المُحسن التَّنُّوخِي: بَلَغَنِي عَنِ المُعْتَضِد أَنَّهُ كَانَ جَالِساً فِي بَيْتٍ يُبنَى لَهُ، فَرَأَى فِيهِم أَسْوَدَ مُنْكَر الخِلْقَة يَصعَد السَّلاَلِم دَرَجَتَيْن دَرَجَتَيْن، وَيحمِلُ ضِعْفَ مَا يحملُه غَيْرُه، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَطَلَبَه، وَسَأَلَهُ عَنْ سَبب ذَلِكَ، فَتَلَجْلَجَ، فَكلَّمه ابْن حَمْدُوْنَ فِيْهِ، وَقَالَ: منْ هَذَا حَتَّى صرفْتَ فِكْرَك إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ وَقَعَ فِي خَلَدِي أَمرٌ مَا أَحْسِبُه باطلاً، ثُمَّ أَمرَ بِهِ، فَضُرِبَ مائَة، وَتهدَّدَه بِالقتل، وَدَعَا بِالنَطْع (٣) وَالسَّيْف، فَقَالَ: الأَمَانَ، أَنَا أَعمل فِي أَتُوْنَ الآجُرِّ، فَدَخَلَ مِنْ شُهور رَجُل فِي وَسَطه هِمْيَان (٤) ، فَأَخْرَجَ دَنَانِيْر، فَوثبْتُ عَلَيْهِ، وَسدَدْتُ فَاهُ، وَكتَّفْتُه، وَأَلقيتُه فِي الأَتُوْنَ، وَالذَّهَب مَعِي يقوَى بِهِ قلبِي، فَاسْتحضرهَا، فَإِذَا عَلَى الهِمِيَان اسْم صَاحبه، فَنُوْدِيَ فِي

стр. 8585

البَلد، فجَاءت امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: هُوَ زَوْجِي وَلِي مِنْهُ طِفْل، فَسَلَّمَ الذَّهَب إِلَيْهَا، وَقَتَلَه. قَالَ التَّنُّوخِي: وَبَلغنِي أَنَّهُ قَامَ لَيْلَةً، فَرَأَى المَمَالِيْك المُرْد، وَاحِدٌ منهُم فَوْقَ آخر، ثُمَّ دبَّ عَلَى ثَلاَثَةٍ، وَاندَسَّ بَيْنَ الغِلْمَان، فَجَاءَ، فَوَضَع يَده عَلَى صَدْره، فَإِذَا بفؤَاده يخفِق، فَرَفَسَه برِجْله، فَجَلَسَ، فَذَبَحَه. وَأَنَّ خَادِماً أَتَاهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ صَيَّاداً أَخرج شبكتَه، فَثَقُلَت، فَجَذَبَهَا، فَإِذَا فِيْهَا جِرَاب، فَظَنَّه مَالاً، فَإِذَا فِيْهِ آجُرٌّ بَيْنَهُ كَفٌّ مَخْضُوبَة، فَهَالَ ذَاكَ المُعْتَضِدَ، وَأَمرَ الصَّيَّاد، فَعَاود طَرْح الشَّبَكَة، فَخَرَجَ جِرَاب آخَرْ فِيْهِ رِجْل، فَقَالَ: مَعِي فِي بَلَدي مَنْ يَفْعَلُ هَذَا؟ مَا هَذَا بِمُلْك! فلَمْ يفطرْ يَوْمَه، ثُمَّ أَحْضَرَ ثِقَةً لَهُ، وَأَعطَاهُ الجِرَاب، وَقَالَ: طُفْ بِهِ عَلَى مَنْ يعْمل الجُرُب: لِمَنْ بَاعَه؟ فَغَابَ الرَّجُل، وَجَاءَ وَقَدْ عَرَف بَائِعَه، وَأَنَّهُ اشترَى مِنْهُ عَطَّارٌ جِرَاباً، فَذَهَبَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: نَعَمْ، اشترَى مِنِّي فُلاَنٌ الهَاشِمِيّ عَشْرَة جُرُبٍ، وَهُوَ ظَالم ... ، إِلَى أَنْ قَالَ: يكفيكَ أَنَّهُ كَانَ يَعْشَقُ مُغَنِّيَةً، فَاكترَاهَا مِنْ مَوْلاَهَا، وَادَّعَى أَنَّهَا هَرَبت! فَلَمَّا سَمِعَ المُعْتَضِد ذَلِكَ سَجَدَ، وَأَحْضَرَ الهَاشِمِيَّ، فَأَخْرَجَ لَهُ اليَد وَالرَّجْلَ، فَاصْفَرَّ وَاعْتَرفَ، فَدَفَعَ إِلَى صَاحِبِ الجَارِيَة ثمنَهَا، وَسَجَنَ الهَاشِمِيّ، فيُقَالُ: قَتَلَه. وَرَوَى التَّنُّوخِي، عَنْ أَبِيْهِ، قَالَ: رَأَيْتُ المُعْتَضِد - وَكَانَ صَبِيّاً - عَلَيْهِ قُباء أَصْفَرُ، وَقَدْ خَرَجَ إِلَى قِتَالِ وَصِيْف بِطَرَسُوْس. وَعَنْ خَفِيف السَّمَرْقَنْدي، قَالَ: خَرَجتُ مَعَ المُعْتَضِد للصَّيْد، وَانْقَطَعَ عَنْهُ العَسْكَر فَخَرَجَ عَلَيْنَا الأَسَد، فَقَالَ: يَا خَفِيْف! أَمسِكْ فرسِي. وَنَزَلَ، فَتَحَزَّمَ، وَسَلَّ سَيْفَه، وَقَصَدَ الأَسَدَ، فَقَصَدَهُ الأَسَدُ، فَتَلَقَّاهُ المُعْتَضِدُ، فَقَطَعَ يَدَه، فتشَاغَل بِهَا الأَسَد، فضَرَبَهُ فَلَقَ هَامَتَه، وَمسح سَيْفه فِي

стр. 8586

صُوْفه، وَرَكِبَ، وَصحبْتُه إِلَى أَنْ مَاتَ، فَمَا سَمِعتُه يَذكُرُ الأَسد، لِقلَّة احتفَاله بِهِ (١) . قُلْتُ: وَكَانَ فِي المُعْتَضِدْ حِرْصٌ، وَجَمْعٌ للمَال. حَارَبَ الزِّنْج، وَلَهُ موَاقف مشهودَة، وَفِي دَوْلَته سَكَتَتِ الفِتَن، وَكَانَ فَتَاهُ بدر عَلَى شَرِطته، وَعُبَيْد اللهِ بن سُلَيْمَانَ عَلَى وَزَارَتِه، وَمُحَمَّد بن شَاه عَلَى حَرَسه، وَأَسقط المَكْسَ (٢) ، وَنَشَرَ العَدْلَ، وَقَلَّلَ مِنَ الظُّلم، وَكَانَ يُسَمَّى السَّفَّاح الثَّانِي، أَحْيَا رَمِيْمَ الخِلاَفَة الَّتِي ضَعُفَت مِن مَقْتَلِ المُتَوَكِّل، وَأَنْشَأَ قَصْراً غَرِمَ عَلَيْهِ أَرْبَع مائَة أَلْف دِيْنَار، وَكَانَ مِزَاجه قَدْ تَغَيَّر مِنْ فَرْط الجِمَاع وَعَدَمِ الحمِيَة، حَتَّى إِنَّهُ أَكَلَ فِي مَرَضِهِ زَيْتُوناً وَسَمَكاً. وَنقَلَ المَسْعُوْدِيّ (٣) : أَنَّهُم شَكُّوَا فِي مَوْته، فَتَقَدَّم الطَّبِيْب، فَجَسَّ نَبْضَه، فَفَتَح عَيْنَيْهِ، فَرَفَسَ الطَّبِيْب دَحْرَجَهُ أَذرعاً، فَمَاتَ الطَّبِيْب، ثُمَّ مَاتَ المُعْتَضِد مِنْ سَاعتِه - كَذَا قَالَ -. وَقَالَ الخُطَبِيّ فِي (تَارِيْخِهِ) : حَبَس المُوَفَّق ابْنه أَبَا العَبَّاسِ، فَلَمَّا اشتَدَّت عِلَّةُ المُوَفَّق عَمَدَ غِلْمَان أَبِي العَبَّاسِ، فَأَخرجُوهُ، وَأَدخلُوهُ إِلَى أَبِيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ، أَيقن بِالموت، فَقِيْلَ: إِنَّهُ قَالَ: لِهَذَا اليَوْم خَبَّأْتُكَ. ثُمَّ فَوَّضَ إِلَيْهِ، وَضمَّ الجَيْشَ إِلَيْهِ، وَخَلَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاَث. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ العَبَّاسِ شَهْماً، جلداً، رَجُلاً بازلاً، مَوْصُوَفاً بِالرُّجْلَة وَالجَزَالَة، قَدْ لَقي الحُرُوب، وَعُرِفَ فَضْله، فَقَامَ بِالأَمْرِ أَحسنَ قِيَامٍ، وَهَابَه

стр. 8587

النَّاس وَرهبُوهُ، ثُمَّ عَقَدَ لَهُ المُعْتَمِد مَكَان المُوَفَّق، وَجَعَلَ أَولاَدَهُ تَحْتَ يَدِه، ثُمَّ إِنَّ المعْتَمِد جلَس مَجْلِساً عَامّاً، أَشهدَ فِيْهِ عَلَى نَفْسه بِخَلْعِ وَلده المفوَّض إِلَى اللهِ جَعْفَر مِنْ وَلاَيَة عَهْدِهِ، وَإِفرَاد أَبِي العَبَّاسِ بِالعَهْدِ فِي المُحَرَّمِ، وَتُوُفِّيَ: فِي رَجَبٍ -يَعْنِي: المُعْتَمِد- فَقِيْلَ: إِنَّهُ غُمَّ فِي بِسَاط. وَكَانَ المُعْتَضِد أَسمرَ نَحِيْفاً، مُعْتَدِلَ الخَلْق، أَقنَى الأَنْفِ (١) ، فِي مقدم لِحْيتهِ طولٌ، وَفِي مقدم رأْسِه شَامَةٌ بَيْضَاء، تعلُوهُ هَيْبَةٌ شَدِيْدَةٌ، رَأَيْتُهُ فِي خلاَفته. قُلْتُ: لمَا بُوْيِع، قَدِمَتْ هدَايَا خُمَارَويه، وَخضع وَذَلِكَ عِشْرُوْنَ بَغْلاً تَحْمِلُ الذَّهَبْ، سِوَى الخَيْل وَالجَوَاهِر وَالنَّفَائِس، وَزُرَافَة، وَقَدِمَتْ هَدِيَّةُ الصَّفَّار، فولاَّهُ خُرَاسَان، وَتَزَوَّجَ المُعْتَضِد بِبِنْت خُمَارويه، فَقَدِمَتْ فِي تَجَمُّل لاَ يُعَبَّر عَنْهُ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْم النَّحْر، فَكَبَّرَ فِي الأُوْلَى سِتّاً وَفِي الثَّانِيَة نَسِي تكبيرهَا، وَلَمْ يكد يُسْمع صَوته (٢) . وفِي سَنَة ثَمَانٍ وَسَبْعِيْنَ: كَانَ أَوَّل شَأْن القرَامِطَة. وَلاَ رَيْبَ أَنَّ أَوَّلَ وَهْنٍ عَلَى الأُمَّة قَتْلُ خلِيفتِهَا عُثْمَان صَبْراً، فَهَاجت الفِتْنَة، وَجَرَت وَقعَة الجَمل بِسببهَا، ثُمَّ وَقعَة صِفِّين، وَجَرَت سُيُول الدِّمَاء فِي ذَلِكَ. ثمَّ خَرَجَتِ الخَوَارِج، وَكَفَّرَتْ عُثْمَان وَعَلِيّاً، وَحَارَبُوا، وَدَامتْ

стр. 8588

حُرُوبُ الخَوَارِج سِنِيْنَ عِدَّة. ثمَّ هَاجتِ المُسَوِّدَة بِخُرَاسَانَ، وَمَا زَالُوا حَتَّى قَلعُوا دَوْلَةَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقَامَتِ الدَّوْلَة الهَاشِمِيَّة بَعْد قَتْل أَممٍ لاَ يُحصيهم إِلاَّ الله. ثمَّ اقْتتلَ المَنْصُوْرُ وَعَمِّه عَبْد اللهِ. ثُمَّ خُذل عَبْد اللهِ، وَقُتِلَ أَبُو مُسْلِمٍ صَاحِب الدَّعْوَة. ثمَّ خَرَجَ ابْنا حَسَن (١) ، وَكَادَا أَنْ يَتَمَلَّكَا، فَقُتِلاَ. ثمَّ كَانَ حربٌ كَبِيْرٌ بَيْنَ الأَمِيْن وَالمَأْمُوْن (٢) ، إِلَى أَنْ قُتِلَ الأَمِيْن. وفِي أَثْنَاء ذَلِكَ قَامَ غَيْرُ وَاحِدٍ يطْلُب الإِمَامَةَ: فَظَهَرَ بَعْد المائَتَيْنِ بَابَك الخُرَّمِيّ زِنْدِيْق بِأَذْرَبِيْجَان، وَكَانَ يُضْرَبُ بِفَرْطِ شَجَاعَته الأَمثَال، فَأَخَذَ عِدَّة مدَائِن، وَهَزَم الجُيُوشَ إِلَى أَنْ أُسِرَ بحيلَةٍ، وَقُتِلَ (٣) .

стр. 8589

وَلَمَّا قُتل المُتَوَكِّل غِيلَة (١) ، ثُمَّ قُتل المُعْتَزّ (٢) ، ثُمَّ الْمُسْتَعِين (٣) وَالمهتدي (٤) ، وَضَعُف شَأْن الخِلاَفَة تَوَثَّب ابْنا الصَّفَّار إِلَى أَنْ أَخذَا خُرَاسَان، بَعْدَ أَنْ كَانَا يَعملاَن فِي النُّحَاس، وَأَقبلاَ لأَخذِ العِرَاق وَقَلْعِ المعْتَمِد. وَتوثّب طُرُقي دَاهِيَةٌ بِالزَّنج عَلَى البَصْرَةِ (٥) ، وَأَبَادَ العبَاد وَمَزَّق الجُيُوشَ، وَحَاربوهُ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً إِلَى أَنْ قُتل. وَكَانَ مَارقاً، بلغَ جُنْدُه مائَة أَلْف. فَبقي يتشَبَّه بِهَؤُلاَءِ كُلُّ مَنْ فِي رأْسِه رِئاسَةٌ، وَيَتَحَيَّلُ عَلَى الأُمَّة ليرديهُم فِي دينهُم وَدُنيَاهُم، فَتحرَّك بِقُوَى الكُوْفَة رَجُل أَظهر التَّعَبُّدَ وَالتَّزَهُّدَ، وَكَانَ يسف الْخوص وَيُؤثِر، وَيدْعُو إِلَى إِمَام أَهْلِ البَيْت، فتلفَّق لَهُ خَلق وَتَأَلهوه إِلَى سَنَةِ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ، فَظَهَرَ بِالبَحْرَيْن أَبُو سَعِيْدٍ الجنَابِي، وَكَانَ قَمَّاحاً، فَصَارَ مَعَهُ عَسْكَرٌ كَبِيْرٌ، وَنَهَبُوا، وَفَعَلُوا القبَائِح، وَتَزَنْدَقُوا، وَذَهَبَ الأَخوَان يدعُوَان إِلَى المَهْدِيّ بِالمَغْرِب، فثَار مَعَهُمَا البَرْبَر، إِلَى أَنْ مَلَكَ عَبْدُ اللهِ المُلَقَّب بِالمَهْدِيّ غَالِب المَغْرِب، وَأَظهرَ الرَّفْض، وَأَبطَنَ الزَّنْدَقَة، وَقَامَ

стр. 8590

بَعْدَهُ ابْنه، ثُمَّ ابْن ابْنه، ثُمَّ تملَّكَ المُعِزُّ وَأَوْلاَدُهُ مِصْر وَالمَغْرِبَ وَاليَمَنَ وَالشَّام دَهْراً طَوِيْلاً - فَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّة إِلاَّ بِاللهِ -. وَفِي سَنَةِ ثَمَانِيْنَ: أَخَذَ المُعْتَضِد مُحَمَّد بن سَهْل مِنْ قوَّاد الزَّنْج فَبَلَغَهُ أَنَّهُ يدعُو إِلَى هَاشِمِيّ، فَقرَّره، فَقَالَ: لَوْ كَانَ تَحْتَ قَدَمِي مَا رفعتُهَا عَنْهُ. فَقَتَلَهُ (١) . وعَاثَت بَنُو شَيْبَان، فَسَارَ المُعْتَضِد، فلحقهُم بِالسِّنّ، فَقَتَلَ وَغَرَّقَ، وَمَزَّقَهُم، وَغَنِمَ العَسْكَرُ مِن موَاشيهُم مَا لاَ يُوْصَف، حَتَّى أُبيع الجملُ بخمسَةِ دَرَاهُم، وَصَان نسَاءهُم وَذَرَاريهُم، وَدَخَلَ المَوْصِل، فجَاءته بَنو شَيْبَان، وَذلُّوا، فَأَخَذَ مِنْهُم رَهَائِن، وَأَعطَاهُم نسَاءهُم، وَمَاتَ فِي السجْن المفَوِّض إِلَى اللهِ، وَقِيْلَ: كَانَ الْمُعْتَضد يُنَادمه فِي السِّر. قِيْلَ: كَانَ لتَاجرٍ عَلَى أَمِيْرٍ مَالٌ، فَمَطَلَه، ثُمَّ جَحَدَه، فَقَالَ لَهُ صَاحبٌ لَهُ: قُمْ مَعِي، فَأَتَى بِي خَيَّاطاً فِي مَسْجِد. فَقَامَ مَعَنَا إِلَى الأَمِيْر، فَلَمَّا رَآهُ، هَابَه، وَوَفَّانِي المَالَ. فَقُلْتُ للخَيَّاط: خُذْ مِنِّي مَا تُرِيْد، فَغَضِبَ. فَقُلْتُ لَهُ: فَحَدِّثْنِي عَنْ سَبب خَوفه مِنْكَ. قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً، فَإِذَا بِتُرْكِي قَدْ صَادَ امْرَأَةً مليحَةً، وَهِيَ تَتَمَنَّعُ مِنْهُ وَتَسْتَغِيْث، فَأَنكرتُ عَلَيْهِ، فَضَرَبنِي، فَلَمَّا صَلَّيْت العشَاء جَمعتُ أَصْحَابِي، وَجِئْتُ بَابَه، فَخَرَجَ فِي غِلمَانه، وَعَرَفَنِي، فَضَرَبَنِي وَشَجَّنِي، وَحملتُ إِلَى بَيْتِي، فَلَمَّا تَنَصَّف اللَّيْلُ، قُمْتُ فَأَذَّنْتُ فِي المنَارَة، لكِي يُظَنَّ أَنَّ الفَجْر طَلع، فَيُخْلِي المرأَةَ، لأَنَّهَا قَالَتْ: زوجِي حَالفٌ عليّ بِالطَّلاَق أَنَّنِي لاَ أَبيتُ عَنْ بَيْتِي، فَمَا نزلتُ حَتَّى أَحَاطَ بِي بَدْرٌ وَأَعوَانُه، فَأُدْخِلْتُ عَلَى المُعْتَضِد، فَقَالَ: مَا هَذَا الأَذَان؟ فَحَدَّثْتُه

стр. 8591

بِالقِصَّة، فَطَلبَ التُّركِيّ، وَجَهَّزَ المرأَة إِلَى بيتهَا، وَضرب التُّركِي فِي جَوَالق حَتَّى مَاتَ. ثُمَّ قَالَ لِي: أَنْكِرِ المُنْكَر، وَمَا جرَى عَلَيْك فَأَذِّن كَمَا أَذَّنْتَ، فدعوتُ لَهُ، وَشَاعَ الخَبَر، فَمَا خَاطبتُ أَحَداً فِي خَصْمه إِلاَّ أَطَاعنِي وَخَافَ (١) . وَفِيْهَا وُلِدَ بِسَلمْيَة القَائِم مُحَمَّد بن المَهْدِيّ العُبيدي، الَّذِي تملَّك هُوَ وَأَبُوْهُ المَغْرِب. وَفِيْهَا غَزَا صَاحِب مَا وَرَاء النَّهْر إِسْمَاعِيْل بن أَحْمَدَ بنِ أَسَد بلاَدَ التُّرْك، وَأَسرَ مَلِكَهُم فِي نَحْو مِنْ عَشْرَة آلاَف نَفْسٍ، وَقُتِلَ مثلَهُم، وَزُلزلت دَيْبُل (٢) ، فَسقطَ أَكْثَرُ الْبَلَد، وَهَلك نَحْوٌ مِنْ ثَلاَثِيْنَ أَلْفاً، ثُمَّ زُلزلت مَرَّات، وَمَاتَ أَزيدُ مِنْ مائَة أَلْف. وَغزَا المُسْلِمُوْنَ أَرْض الرُّوْم، فَافتتحُوا مَلُوريَة (٣) . وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ: غَارت مِيَاهُ طَبَرِسْتَان، حَتَّى لأَبيع المَاء ثَلاَثَة أَرطَال بِدِرْهَم، وَجَاعُوا، وَأَكلُوا المَيْتَةَ. وَفِيْهَا سَارَ المُعْتَضِد إِلَى الدِّيْنَوَر وَرَجَعَ. ثُمَّ قَصَدَ المَوْصِل لِحَرْب حَمْدَان بن حَمدُوْنَ، جَدِّ بنِي حَمدَان، وَكَانَتِ الأَعرَابُ وَالأَكرَادُ قَدْ تحَالفُوا، وَخرجُوا، فَالتقَاهُم المُعْتَضِد، فَهَزَمَهُم، فَكَانَ مِنْ غَرِق أَكْثَر. ثُمَّ

стр. 8592

قَصَد مَاردين، فَهَرَبَ مِنْهُ حَمدَان، فَحَاصَر مَارْدين، وَتَسَلَّمَهَا، ثُمَّ ظَفِر بحَمْدَان، فَسَجَنَهُ، ثُمَّ حَاصر قلعَةً للأَكرَاد وَأَمِيْرهُم شَدَّاد، فَظَفِرَ بِهِ، وَهَدَمَهَا. وَهَدَمَ دَارَ النَّدْوَة بِمَكَّةَ، وَصَيَّرهَا مَسْجِداً. وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ: أَبطل الْمُعْتَضد، وَقِيد النِّيرَان، وَشعَار النَّيْروز. وقَدِمَتْ قَطْرُ النَّدَى (١) بِنْتُ صَاحِب مِصْر مَعَ عَمِّهَا - وَقِيْلَ: مَعَ عَمَّتِهَا العَبَّاسَة - فَدَخَلَ بِهَا الْمُعْتَضد، فَكَانَ جِهَازُهَا بِأَزيد مِنْ أَلف (٢) أَلف دِيْنَار، وَكَانَ صَدَاقُهَا خَمْسِيْنَ أَلف دِيْنَار، وَقِيْلَ: كَانَ فِي جِهَازهَا أَرْبَعَةُ آلاَف تِكَّة مُجَوْهَرَة، وَكَانَتْ بديعَةَ الحُسْن، جَيِّدَة العَقْل. قِيْلَ: خَلاَ بِهَا المُعْتَضِدُ يَوْماً، فَنَام عَلَى فَخِذِهَا، قَالَ: فَوَضَعَتْ رأْسَهُ عَلَى مِخَدَّةٍ، وَخَرَجتْ، فَاسْتيقَظَ، فَنَادَاهَا وَغَضِبَ، وَقَالَ: أَلَمْ أُحِلَّكِ إِكرَاماً لَكِ، فَتَفْعَلِينَ هَذَا؟ قَالَتْ: مَا جهلتُ إِكرَامكَ لِي، وَلَكِن فِيمَا أَدَّبنِي أَبِي أَنْ قَالَ: لاَ تنَامِي بَيْنَ جُلوس، وَلاَ تجلسِي مَعَ النَّائِم. وَيُقَالُ: كَانَ لَهَا أَلفُ هَاوُن ذَهب. وَفِيْهَا: قَتَل خُمَارَويه صَاحِبَ مِصْر وَالشَّام غِلمَانُه، لأَنَّهُ رَاوَدَهُم، ثُمَّ أُخِذُوا، وَصُلبُوا، وَتملَّك ابْنُهُ جَيْش، فَقتلُوهُ بَعْد يَسير، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ هَارُوْنَ، وَقَرَّر عَلَى نَفْسه أَنْ يَحْمِلَ إِلَى المُعْتَضِد فِي العَام أَلْفَ أَلفِ دِيْنَار، وَخَمْسَ مائَة أَلْف دِيْنَار.

стр. 8593

وَفِيْهَا: قَتل المعتضدُ عَمَّه مُحَمَّداً، لأَنَّهُ بَلَغَه أَنَّهُ يكَاتب خُمَارَويه. وفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ: سَارَ الْمُعْتَضد إِلَى المَوْصِل، لأَجل هَارُوْنَ الشَّارِي (١) ، وَكَانَ قَدْ عَاثَ وَأَفْسَدَ، وَامتَدَّت أَيَّامُه، فَقَالَ الحُسَيْنُ بنُ حَمْدَانَ للمُعْتَضِد: إِنْ جِئْتُكَ بِهِ فلِي ثَلاَثُ حوائِج. قَالَ: سَمِّهَا. قَالَ: تُطْلِقْ أَبِي، وَالحَاجتَان: أَذكرهُمَا إِذَا أَتيتُ بِهِ. قَالَ: لَكَ ذَلِكَ. قَالَ: وَأُريدُ أَنْ أَنتقي ثَلاَثَ مائَة بَطل. قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ خَرَجَ الحُسَيْن فِي طَلَبِ هَارُوْنَ، فضَايقه فِي مخَاضَة، وَالتَقَوا، فَانهزم أَصْحَابُ هَارُوْنَ، وَاخْتَفَى هُوَ، ثُمَّ دَلَّ عَلَيْهِ أَعرَابٌ، فَأَسَرَهُ الحُسَيْن وَقَدِمَ بِهِ، وَخَلَعَ المُعْتَضِد عَلَى الحُسَيْنِ وَطَوَّقَه وَسَوَّره، وَعُمِلَتِ الزِّينَة، وَأُرْكِبَ هَارُوْنَ فيلاً، وَازدَحَمَ الخَلْقُ، حَتَّى سَقَطَ كُرْسِيّ جِسر بَغْدَاد، وَغَرِق خلق وَوصلت تقَادم الصَّفَّار مِنْهَا مئتَا حمل مَال، وَكُتبت الْكتب إِلَى الأَمصَار بِتَوْرِيثِ ذوِي الأَرْحَام. وَفِيْهَا: غَلب رَافِع بن هَرْثمَة (٢) عَلَى نَيْسَابُوْر، وَخَطَب بِهَا لِمُحَمَّدِ بنِ زَيْد العَلَوِيّ، فَأَقبل الصَّفَّار، وَحَاصره، ثُمَّ التَقَوا، فَهَزمه الصَّفَّار، وَسَاقَ خَلْفه إِلَى خُوَارِزم، فَأَسَرَ رَافعاً، وَقتلَه، وَبَعَثَ بِرَأْسِهِ إِلَى المعتَضد، وَلَيْسَ هُوَ بولدٍ لِهَرْثَمَة بن أَعْيَن، بَلِ ابْن زَوجته. قَالَ ابْنُ جَرِيْرٍ: وَفِي سَنَةِ (٢٨٤) عَزَم المعتَضِد عَلَى لَعْنَة مُعَاوِيَة عَلَى المَنَابر، فَخوَّفه الوَزِيْرُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ، وَحَسم مَادَة اجتمَاع الشِّيْعَة وَأَهْل البَيْت، وَمَنَع القُصَّاص مِنَ الكَلاَم جُمْلَةً، وَتجمع الْخلق يَوْم الجُمُعَة لقرَاءة مَا كتب فِي ذَلِكَ، وَكَانَ مِنْ إِنشَاء الوَزِيْر، فَقَالَ يُوْسُفُ القَاضِي: رَاجع أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ. فَقَالَ: يَا أَمِيْر المُؤْمِنِيْنَ! تَخَافُ الفِتْنَة؟ فَقَالَ: إِنْ تَحَرَّكَتِ

стр. 8594

العَامَّة وَضَعْتُ السَّيْفَ فِيهِم. قَالَ: فَمَا تصنع بِالعَلَوِيَّة الَّذِيْنَ هُم فِي كُلِّ قُطْر قَدْ خرجُوا عَلَيْك؟ فَإِذَا سَمِعَ النَّاس هَذَا مِنْ منَاقِبهم كَانُوا إِلَيْهِم أَمِيلَ وَأَبسطَ أَلسنَةً. فَأَعْرَضَ الْمُعْتَضد عَنْ ذَلِكَ. وَعَقَد المُعْتَضِد لابْنهِ عليّ المكتفِي، فَصَلَّى بِالنَّاسِ يَوْم النَّحْر (١) . وَفِي سَنَةِ سِتّ: سَارَ المُعْتَضِد بِجُيُوشِهِ، فَنَازَل آمِد (٢) ، وَقَدْ عصَى بِهَا ابْن الشَّيْخ، فَطَلبَ الأَمَانَ، فآمَنَه، وَفِي وَسط العَام جَاءَ الْحمل مِنَ الصَّفَّار، فَمَنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ آلاَف أَلف دِرْهَم. وَفِيْهَا تحَارب الصَّفَّار وَابْن أَسَد صَاحِب سَمَرْقَنْد، وَجَرَتْ أُمُورٌ ثُمَّ ظَفِر ابْنُ أَسَد بِالصَّفَّار أَسِيْراً، فَرَفَقَ بِهِ، وَاحتَرَمَه، وَجَاءت رُسُل الْمُعْتَضد تحثُّ فِي إِنفَاذه، فَنفذ، وَأُدخل بَغْدَاد أَسِيْراً عَلَى جمل، وَسُجن بَعْد مَمْلكَة الْعَجم عِشْرِيْنَ سَنَةً. وَمبدؤُه: كَانَ هُوَ وَأَخُوْهُ يَعْقُوْب صَانِعَيْن فِي ضرب النُّحَاس، وَقِيْلَ: بَلْ كَانَ عَمْرو يكرِي الحَمِير، فَلَمْ يَزَلْ مُكَارياً حَتَّى عَظُم شَأْنُ أَخِيْهِ يَعْقُوْب، فتركَ الحَمِير، وَلحق بِهِ، وَكَانَ الصَّفَّار يَقُوْلُ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعمل عَلَى نَهْر جَيْحُون جِسْراً مِنْ ذَهب لفَعَلْت، وَكَانَ مطبخِي يُحمل عَلَى سِتِّ مائَة جمل، وَأَركب فِي مائَةِ أَلْفٍ، ثُمَّ صَيَّرنِي الدَّهْر إِلَى القَيْدِ وَالذُّل. فَيُقَالُ: إِنَّهُ خُنق عِنْد وَفَاة المعتَضِد. وَبَنَى المعتضدُ عَلَى البَصْرَةِ سُوراً وَحصَّنهَا. وَظهر بِالبحرين رَأْسُ القرَامطَة أَبُو سَعِيْدٍ الجنَابِي، وَكثرت جموعُه،

стр. 8595

وَانضَاف إِلَيْهِ بقَايَا الزَّنج، وَكَانَ كيَّالاً بِالبَصْرَةِ، فَقِيْراً يَرفو الأَعدَال، وَهُم يَسْتَخِفُّون بِهِ، وَيسخرُوْنَ مِنْهُ، فَآل أَمرُه إِلَى مَا آل، وَهَزَم عَسَاكِر المُعْتَضِد مَرَّاتٍ، وَفعل العَظَائِم، ثُمَّ ذُبِحَ فِي حَمَّام قصره. فَخَلَفَه ابْنُهُ سُلَيْمَان (١) الَّذِي أَخذ الحَجَر الأَسْوَد، وَقَتَلَ الحجِيج حَوْل الكَعْبَة، وَهُوَ جَدُّ أَبِي عَلِيٍّ الَّذِي غَلب علَى الشَّامِ، وَهَلك بالرَّملَة فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَفِي سَنَةِ سبعٍ: اسْتفحلَ شَأْنُ القرَامطَة، وَأَسرفُوا فِي القَتْل وَالسَّبِي، وَالتَقَى الجنَّابِي وَعَبَّاس الأَمِيْر، فَأَسَرَه الجَنَّابِي، وَأَسَرَ عَامَّة عسكرِه، ثُمَّ قَتَل الجَمِيْع سِوَى عَبَّاس، فَجَاءَ إِلَى المعتَضد وَحدَه فِي أَسوأ حَالٍ. وَوَقع الفَنَاء بِأَذْرَبِيْجَان، حَتَّى عُدِمت الأَكفَان جُمْلَةً، فكفنُوا فِي اللُّبُود. وَاعْتل المعتَضد فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، ثُمَّ تمَاثَل، وَانتَكَس، فَمَاتَ فِي الشَّهر (٢) ، وَقَامَ المكتفِي لثمَانٍ بَقِيْنَ مِنِ الشَّهر، وَكَانَ غَائِباً بِالرَّقَّةِ، فَنَهَضَ بِالبَيْعَة لَهُ الوَزِيْرُ القَاسِم بن عُبَيْدِ اللهِ. وَعَنْ وَصيف الخَادِم، قَالَ: سَمِعْتُ الْمُعْتَضد يَقُوْلُ عِنْد مَوْته:

стр. 8596

تَمَتَّعْ مِنَ الدُّنْيَا فَإِنَّكَ لاَ تَبْقَى ... وَخُذْ صَفْوَهَا مَا إِنْ صَفَتْ وَدَعِ الرَّنْقَا (١) وَلاَ تَأْمَنَنَّ الدَّهْرَ إِنِّيْ أَمِنْتُهُ ... فَلَمْ يُبْقِ لِي حَالاً وَلَمْ يَرْعَ لِي حَقَّا (٢) قَتَلْتُ صَنَادِيْدَ الرِّجَالِ فَلَمْ أَدَعْ ... عَدُوّاً، وَلَمْ أُمْهِلْ عَلَى ظِنَّةٍ خَلْقَا (٣) وَأَخْلَيْتُ دُوْرَ المُلْكِ مِنْ كُلِّ بَازِلٍ ... وَشَتَّتُّهُم غَرْباً وَمَزَّقْتُهُم شَرْقَا (٤) فَلَمَّا بَلَغْتُ النَّجْمَ عِزّاً وَرِفْعَةً ... وَدَانَتْ رِقَابُ الخَلْقِ أَجْمَع لِي رِقَّا (٥) رَمَانِي الرَّدَى سَهْماً فَأَخْمَدَ جَمْرَتِي ... فَهَا أَنَا ذَا فِي حُفْرَتِي عَاجِلاً مُلْقَى (٦) فَأَفْسَدْتُ دُنْيَايَ وَدِيْنِي سَفَاهَةً ... فَمَنْ ذَا الَّذِي مِنِّي بِمَصْرَعِهِ أَشْقَى (٧) فَيَالَيْتَ شِعْرِي بَعْدَ مَوْتِي مَا أَرَى ... إِلَى رَحْمَةٍ للهِ أَمْ نَارَهُ أَلقَى (٨) وَقَالَ الصُّوْلِيُّ: قَالَ المُعْتَضِد: يَا لاَ حِظِي بِالفُتُوْرِ وَالدَّعَجِ ... وَقَاتِلِي بِالدَّلاَلِ وَالغَنَجِ (٩)

стр. 8597

أَشْكُو إِلَيْكَ الَّذِي لَقِيْتُ مِنَ الـ ... ـوَجْدِ فَهَلْ لِي إِلَيْكَ مِنْ فَرَجِ؟ حَلَلْتَ بِالظَّرْفِ وَالجَمَالِ مِنَ النَّا ... سِ مَحَلَّ العُيُونِ وَالمُهَجِ (١) وَكَانَتْ خِلاَفَةُ المعتَضد تسعَ سِنِيْنَ، وَتسعَةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّاماً، وَدُفِنَ فِي دَارِ الرخَام. وَلعَبْدِ اللهِ بنِ المُعْتَزِّ يَرثيه: يَا سَاكِنَ القَبْرِ فِي غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ ... بِالظَّاهِرِيَّةِ مُقْصَى الدَّارِ مُنْفَرِدَا (٢) أَيْنَ الجُيُوشَ الَّتِي قَدْ كُنْتَ تَسْحَبُهَا؟ ... أَيْنَ الكُنُوزُ الَّتِي أَحْصَيْتَهَا عَدَداً (٣) ؟ أَيْنَ السَّرِيْرُ الَّذِي قَدْ كُنْتَ تَمْلَؤُهُ ... مَهَابَةً مَنْ رَأَتْهُ عَيْنُهُ ارْتَعَدَا؟ أَيْنَ الأَعَادِي الأُوْلَى ذَلَّلْتَ مَصْعَبَهُمْ؟ ... أَيْنَ اللُّيُوْثُ الَّتِي صَيَّرْتَهَا بُعَدَا (٤) ؟ أَيْنَ الجِيَادُ الَّتِي حَجَّلْتَهَا بِدَمٍ؟ ... وَكُنَّ يَحْمِلْنَ مِنْكَ الضَّيْغَمَ الأَسَدَا أَيْنَ الرِّمَاحُ الَّتِي غَذَّيْتَهَا مُهَجَا؟ ... مُذْ مِتَّ مَا وَرَدَتْ قَلْباً وَلاَ كَبِدَا أَيْنَ الجِنَان الَّتِي تَجْرِي جَدَاوِلُهَا ... وَتَسْتَجِيْبُ إِلَيْهَا الطَّائِرَ الغَرِدَا؟ أَيْنَ الوصَائِفُ كَالغِزْلاَنِ رَائِحَةً؟ ... يَسْحَبْنَ مِنْ حُلَلٍ مَوْشِيَةٍ جُددَا (٥) أَيْنَ الملاَهِي؟ وَأَيْنَ الرَّاحُ تَحْسَبُهَا ... يَاقُوْتَهً كُسِيَتْ مِنْ فِضَّةٍ زَرَدَا؟ أَيْنَ الوُثُوْبُ إِلَى الأَعْدَاءِ مُبْتَغِياً ... صَلاَحَ مُلْكِ بَنِي العَبَّاسِ إِذْ فَسَدَا؟ مَازِلْتَ تَقْسِرُ مِنْهُم كُلَّ قَسْوَرَةٍ ... وَتَخْبِطُ العَالِي الجَبَّارَ مُعْتَمِدَا (٦)

стр. 8598

ثُمَّ انْقَضَيْتَ فَلاَ عَيْنٌ وَلاَ أَثَرٌ ... حَتَّى كَأَنَّكَ يَوْماً لَمْ تَكُنْ أَحَدا (١) وَقَدْ وَلِيَ الخِلاَفَةَ مِنْ بَنيه: المكتفِي عَلِيّ، وَالمُقْتَدِر جَعْفَر، وَالقَاهِر مُحَمَّد، وَلَهُ عِدَّةُ بنَاتٍ، وَهَارُوْن. ٢٣١ - المُكْتَفِي بِاللهِ الخَلِيْفَةُ عَلِيُّ ابنُ المُعْتَضِد بِاللهِ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيٌّ ابنُ المُعْتَضِد بِاللهِ أَبِي العَبَّاسِ أَحْمَدَ ابنِ المُوَفَّقِ طَلْحَةَ ابنِ المُتَوَكِّلِ العَبَّاسِيُّ. مَوْلِدُهُ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَكَانَ يُضْرَبُ بحسْنه المَثَلُ فِي زَمَانِهِ. كَانَ مُعتدلَ القَامَة، دُرِّيَّ اللَّوْنَ، أَسْوَدَ الشَّعر، حَسَنَ اللِّحْيَة. بُوْيِع بِالخِلاَفَة عِنْد موت وَالده بِعَهْدٍ مِنْهُ، فِي جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَة تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ، فَاسْتَخلف سِتَّةَ أَعْوَامٍ وَنِصْفاً. وَتُوُفِّيَ أَبُوْهُ وَهَذَا غَائِبٌ، فَقَامَ لَهُ بِالبَيْعَة الوَزِيْر أَبُو الحُسَيْنِ القَاسِم بن عُبَيْدٍ الله، وَضَبَطَ لَهُ مَا خَلَّف أَبُوْهُ فِي بُيوت المَال، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الذَّهَب المِصْرِيّ عَشْرَة آلاَف أَلف دِيْنَار، وَمن الجَوَاهِر مَا قيمتُه مِثْلُ ذَلِكَ، وَمن الدَّرَاهِم وَالخيل وَالثِّيَاب نسبَةُ ذَلِكَ، وَقَسَّم القَاسِم فِي الجُنْد العَطَاء،

стр. 8599

فَسَكَنُوا، وَقَدِمَ المكتفِي بَغْدَادَ مُنْحدراً فِي سُمَيْرِيَّة (١) ، وَكَانَ يَوْماً مشهوداً، سَقَط طَائِفَةٌ مِنَ الجِسْر فِي دِجْلَة، مِنْهُم: أَبُو عُمَرَ القَاضِي، فَأُخْرِجَ سَالماً، وَنَزَلَ المُكْتَفِي بِقَصْر الخِلاَفَة، وَتَكَلَّمْتِ الشُّعَرَاء، فَخَلَع عَلَى القَاسِم سبعَ خِلع، وَقَلَّده سيفاً، وَهَدَمَ المَطَامِير الَّتِي عَمِلهَا أَبُوْهُ، وَصَيَّرهَا مَسَاجِد، وَرَدَّ أَملاَك النَّاس إِلَيْهِم، وَكَانَ أَبُوْهُ قَدْ أَخذهَا لعمل قَصْر، وَأَحُسْن السِّيْرَةِ، فَأَحَبَّه النَّاس (٢) . وَفِيْهَا: عَسْكَرَ مُحَمَّد بن هَارُوْنَ وَبيض، وَالتُّقَى مُتَوَلِّي الرَّيّ، فَهَزم جَيْشه وَقَتَله، وَقَتَلَ وَلَدَيْهِ وَقُوَّاده، وَتملك (٣) . وَدَامت الزَّلزلَة بِبَغْدَادَ أَيَّاماً. وهَبَّت بِالبَصْرَةِ رِيْحٌ قَلَعت أَكْثَر نخلهَا. وَظهر زَكْرَوَيْه القِرْمطي، وَاسْتَغْوَى عَرب السَّوَاد، وَأَخَاف السُّبُل، وَقَطَع الطُّرُق. وَأَمَّا ابْن هَارُونَ: فَاشتَدَّ بِأَسُه، وَبلغ عسكرُه مائَةَ أَلْف، فَسَارَ لِحَرْبِهِ عَسْكَرُ خُرَاسَان، فَهَزمُوهُ إِلَى الدَّيْلَم، وَتفلَّلَّ ذَلِكَ الْجمع، فَالتَجَأَ فِي نَحْوٍ مِنْ أَلفٍ إِلَى الدَّيْلَم (٤) . وَقَوي أَمر أَبِي عَبْدِ اللهِ الشِّيْعِيّ، دَاعِي العُبَيْدِيَّة بِالمَغْرِب. وَصَلَّى المكتفِي بِالنَّاسِ يَوْم الأَضحَى بِالمصَلَّى.

стр. 8600

وَقُتِلَ الأَمِيْر بدر (١) ، وَكَانَ المعتضدُ يُحِبُّه، وَكَانَ شُجَاعاً جَوَاداً، وَقَدْ كَانَ القَاسِمُ الوَزِيْر هَمَّ عِنْد موت الْمُعْتَضد بنقلِ الخِلاَفَة إِلَى غَيْر ابْنه، وَنَاظَرَ بَدْراً فِي ذَلِكَ، فَأَبَى عَلَيْهِ، ثُمَّ خَافَ مِنْهُ، وَمَاتَ الْمُعْتَضد، وَاتَّفَقَ غَيْبَة بَدْر بفَارِس، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المكتفِي شَيْء، فَأَشَار القَاسِم عَلَى المكْتَفِي أَنْ يَأْمر بِإِقَامَة بَدْرٍ هُنَاكَ، وَخَوَّف المكتفِي مِنْهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَعَ يَانس الموفقي، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِخِلَعٍ وَعَشْرَةِ آلاَف أَلف دِرْهَم، فَقَالَ: لاَ بُدَّ مِنَ القُدُوم لأُشَاهد مَوْلاَيَ. فَقَالَ الوَزِيْر للمكتفِي: قَدْ جَاهَرَك، وَلاَ نَأْمَنه. وَكَاتَبَ الوَزِيْر الأُمَرَاء الَّذِيْنَ مَعَ بَدْر بِالمجِيْء، فَأَرُوا بدراً الكُتُبَ، وَقَالُوا: قُمْ مَعَنَا حَتَّى نَجْمَعَ بَيْنَكُمَا، ثُمَّ فَارقوهُ وَقدمُوا، ثُمَّ جَاءَ بدرٌ، فَنَزَلَ وَاسطاً، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو خَازم القَاضِي، وَقَالَ: اذهبْ إِلَى بدرٍ بِالأَمَان وَالعُهُود. فَامْتَنَعَ أَبُو خَازم، وَقَالَ: لاَ أُؤَدِّي عَنِ الخَلِيْفَة إِلاَّ مَا أَسمَعُه مِنْهُ. فَنَدَب الوَزِيْر أَبَا عُمر القَاضِي، فسَارعَ وَاجتَمَعَ بِبَدْرٍ، وَأَعطَاهُ الأَمَان عَنِ المُكْتَفِي، فَنَزَلَ فِي طيَار ليَأْتِي، فَتَلَقَّاهُ لُؤْلُؤ غُلاَمُ الوَزِيْر فِي جَمَاعَةٍ، فَأَصعدُوهُ إِلَى جَزِيْرَة، فَلَمَّا عَايَنَ المَوْتَ، قَالَ: دعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَأَوصي، فَذَبحوهُ وَهُوَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، السَّابع وَالعِشْرِيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَذَمَّ النَّاسُ أَبَا عُمَر. وَفِيْهَا (٢) : دَخَلَ عُبَيْد اللهِ المَهْدِيّ إِلَى المَغْرِب مُتَنَكِّراً، فَقَبَض عَلَيْهِ مُتَوَلِّي سِجِلْمَاسَة. وَسَارَ يَحْيَى بن زَكْرَويه القِرْمِطي، وَحَاصَرَ دِمَشْق، وَبِهَا طُغج،

стр. 8601

فَضعف عَنِ القرَامطَة، فَقُتل يَحْيَى فِي الحِصَار، وَقَامَ بَعْدَهُ أَخُوْهُ الحُسَيْن، وَسَارَ المكتفِي بِجُيُوشِهِ إِلَى المَوْصِل، وَتقدَّمه إِلَى حلب أَبُو الأَغَر، فَبيَّتهُم القِرْمطي، فَقتل مِنَ المُسْلِمِيْنَ تسعَة آلاَف، وَوصل المكتفِي إِلَى الرَّقَّةِ، وَعظُم البلاَءُ بِالقَرَامطَة، ثُمَّ أَوقع بِهِم العَسْكَر، وَهَرَبُوا إِلَى البَادِيَة يَعيثُونَ وَيَنهبُون، وَتَبعهُم الحُسَيْن بن حَمدَان، وَعِدَّة أُمرَاء يطردونَهُم، وَكَانَ يَحْيَى المَقْتُول يَدَّعِي أَنَّهُ حُسَينِي. رمَاهُ بَرْبَرِيٌ بِحَرْبَةٍ، ثُمَّ قتل أَخُوْهُ الحُسَيْن صَاحِب الشَّامَة (١) . وَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ: زوَّج المكتفِي وَلدَه ببنتِ الوَزِيْر عَلَى مائَة أَلْف دِيْنَار، وَخَلَعَ الوَزِيْر يَوْمَئِذٍ عَلَى الأَعيَان أَرْبَعَ مائَة خِلْعَة. وَفِيْهَا: أَقبلت جُموع التُّرْكِ، فَبيتهُم وَالِي خُرَاسَان إِسْمَاعِيْل، وَقتلُوا مِنْهُم مَقْتَلَةً عَظِيْمَةً، وَأَقبلتِ الرُّوْم فِي مائَةِ أَلْفٍ، وَأَتُوا إِلَى الحَدَث (٢)

стр. 8602

فَأَحرقوهُ، وَقَتلُوا وَسَبوا. وَفِيْهَا: سَارَ عَسْكَرُ طَرَسُوْس، فَافتتحُوا أَنطَاكيَة، وَحَصَّل سَهْم الفَارِس أَلْفَ دِيْنَار، وَأُسِرَ صَاحِب الشَّامَة وَقرَابتُه الْمُدثر، وَعِدَّة، فَقُتلُوا وَأُحْرِقُوا (١) . وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِيْنَ: سَارَ مُحَمَّد بن سُلَيْمَانَ بجيوش المُكْتَفِي إِلَى مِصْرَ، فَالتَقَوا غَيْرَ مَرَّةٍ، ثُمَّ اخْتلف جَيْشُ مِصْر، فَخَرَجَ مَلِكهُم هَارُوْنَ بن خُمَارويه ليسكِّنهُم، فرمَاهُ مغربِي بِسَهْم قَتَلَه، وَاسْتَوْلَى مُحَمَّد بن سُلَيْمَانَ عَلَى مِصْرَ، وَأَسَرَ بَضْعَةَ عشرَ قَائِداً، وَدَانت البِلاَد للمكتفِي، وَزَادتْ دجلَة حَتَّى بلغتْ أَحَداً وَعِشْرِيْنَ ذرَاعاً، وَأَخرجت مَا لاَ يُعَبَّر عَنْهُ. وفِي آخرهَا: خَرَجَ بِمِصْرَ الخَلَنْجِي (٢) ، وَتَمَكَّنَ، فتَجَهَّز فَاتك لِحَرْبِهِ. وفِي سَنَةِ ثَلاَثٍ: التقَى الخَلَنْجِي وَجيش المكتفِي بِالعَرِيْش، فَهَزمَهُم أَقبحَ هَزيمَة، وَنَازَل دِمَشْقَ أَخُو القِرْمطي، وَاسْتبَاح طَبَرَيَّة، وَسَارُوا عَلَى السَّمَاوَة (٣) ، فنهبُوا هِيْتَ (٤) ، وَوثَبتِ القَرَامِطَة يَوْمَ النَّحْر عَلَى الكُوْفَةِ، فَحَارَبهُم أَهلُهَا، ثُمَّ حَاربُوا عَسْكَر المكْتَفِي أَيْضاً وَهَزَمُوهُ.

стр. 8603

وَالتَقَى فَاتك المُعْتَضِدي وَالخَلَنْجِي، فَانهزم عَسْكَرُ الخَلَنْجِي، وَاخْتَفَى هُوَ، ثُمَّ أُسِرَ هُوَ وَعِدَّة. وفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ: أَخذ زكْرَوَيْه القِرْمِطي رَكْبَ العِرَاق، وَكُنَّ نسَاء العَرب يُجْهِزْنَ عَلَى الجرحَى، فيُقَال: قَتلُوا عِشْرِيْنَ أَلْفاً، وَأَخَذُوا مَا قيمتُه أَلْفَا أَلفِ دِيْنَار، وَوقع النَّوح فِي الْمدن، وَجَهَّزَ المكتفِي جيشاً لِحَرْبِهِ، فَلاَ تسأَل مَا فَعَلَ هَذَا الكَلْبُ بِالوَفْد! ثُمَّ التَقَوا فَقُتل عَامَّةُ أَصْحَاب زَكْرَوَيْه، وَأُسِرَ هُوَ وَعِدَّة، ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحه، وَأُحْرِقَ هُوَ وَجَمَاعَة. وفِي سَنَة خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ: كَانَ الفِدَاء بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ وَالرُّوْم، فَافْتُكَّ نَحْو ثَلاَثَة آلاَف نَفَر. وَمَاتَ المكتفِي شَابّاً: فِي سَابع ذِي القَعْدَةِ مِنَ السَّنَة. ذَكَرَ أَبُو مَنْصُوْرَ الثعَالبِي، قَالَ: حَكَى إِبْرَاهِيْم بن نُوْح: أَنَّ المكتفِي خَلَّف مِنَ الذَّهب مائَة أَلْف أَلف دِيْنَار، - هَكَذَا قَالَ وَهُوَ بعيد جِدّاً -. قَالَ: وَخَلَّفَ ثَلاَثَة وَسِتِّيْنَ أَلْفَ ثَوْب، وَبُوْيِع بَعْدَهُ أَخُوْهُ الْمُقْتَدر. وَاسم أُمّ المكتفِي: جنجق (١) التُّرْكية. مَاتَ: فِي ثَالث عشر ذِي القَعْدَةِ، وَعَاشَ إِحْدَى وَثَلاَثِيْنَ سنَةً وَأَشهراً. وَخلَّف مِنَ الأَولاَد: مُحَمَّداً، وَجَعْفَراً، وَالفَضْل، وَعَبْد اللهِ، وَعَبْد المَلِكِ، وَعبدَ الصَّمَدِ، وَمُوْسَى، وَعِيْسَى. وَمَاتَ وَزيره القَاسِم بن عُبَيْدِ اللهِ بنِ سُلَيْمَانَ بنِ وَهْب: فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَة إِحْدَى وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، فَوَزَرَ لَهُ العَبَّاس بن الحَسَنِ.

стр. 8604

وَكَانَ عَلَى شُرْطَته مُؤْنس وَالوَاثقي ثُمَّ سُوسن مَوْلاَهُ وَحَاجِبه، وَعَلَى قَضَاء بَغْدَاد يُوْسُف بن يَعْقُوْبَ القَاضِي، وَابْنُهُ مُحَمَّد، وَأَبُو خَازم عبد الحمِيد، وَعَبْد اللهِ بن عَلِيِّ بنِ أَبِي الشَّوَارِبِ بَعْد أَبِي خَازم. ٢٣٢ - ثَابِتُ بنُ قُرَّةَ الصَّابِىء * الشَّقي، الحَرَّانِيّ، فيلسوفُ عصره. كَانَ صَيْرَفِياً، فصحِبَ ابْنَ شَاكِر، وَكَانَ يَتَوَقَّدُ ذكَاءً، فَبَرَعَ فِي عِلم الأَوَائِل، وَصَارَ مُنَجِّمَ المُعْتَضِد، فَكَانَ يَجلسُ مَعَ الخَلِيْفَةِ، وَوَزِيْرُه وَاقفٌ، وَنَال مِنَ الرِّئاسَة وَالأَمْوَال فُنوناً. قَالَ ابْنُ أَبِي أُصَيْبِعَة: لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مَنْ يمَاثلُه فِي الطِّبّ وَجَمِيْعِ الفلسفَة (١) . وَتَصَانِيْفُه فَائِقَةٌ، أَقطَعَه المعتضدُ ضِيَاعاً جَليلَة. وَمن تَلاَمِذته: عِيْسَى بن أَسِيد، النَّصْرَانِيّ المَشْهُوْر. قُلْتُ: كَانَ عجباً فِي الرِّيَاضي، إِلَيْهِ المُنْتَهَى فِي ذَلِكَ، وَكَانَ ابْنُهُ إِبْرَاهِيْم رَأْسَ الأَطباء، وَكَذَلِكَ حفيدُه ثَابِت بن سِنَانٍ الطَّبِيْب، صَاحِب (التَّارِيْخ) المَشْهُوْر. مَاتُوا عَلَى ضَلاَلهُم، وَلهُم عَقِب صَائِبَة، فَابْن قُرَّة هُوَ أَصل رِئاسَة الصَّابِئَة المتجددَة بِالعِرَاقِ فَتَنَبَّهِ الأَمْر.

стр. 8605

مَاتَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. ٢٣٣ - البُحْتُرِيُّ أَبُو عُبَادَةَ الوَلِيْدُ بنُ عُبَيْدٍ * شَاعرُ الوَقْت، وَصَاحب (الدِّيْوَان) المَشْهُوْر، أَبُو عُبَادَة الوَلِيْد بن عُبَيْدٍ بن يَحْيَى بنِ عُبَيْد الطَّائِيّ البُحْتُرِي المَنْبِجِي. مَدَحَ الخُلَفَاءَ وَالوزرَاءَ وَصَاحِبَ مِصْر خُمَارويه. حَكَى عَنْهُ: القَاضِي المَحَامِلِيّ، وَالصُّوْلِيّ، وَأَبُو المَيْمُوْنِ رَاشِد، وَعَبْد اللهِ بن جَعْفَرِ بنِ دُرُسْتُوَيْه النَّحْوِيّ. وَعَاشَ نَيِّفاً وَسَبْعِيْنَ سَنَةً. وَنَظْمُه فِي أَعْلَى الذُّرْوَة. وَقَدِ اجتَمَع بِأَبِي تَمَّام الطَّائِيّ، وَأَرَاهُ شِعْره، فَأُعْجِبَ بِهِ، وَقَالَ: أَنْتَ أَمِيْرُ الشّعر بَعْدِي. قَالَ: فَسُرِرتُ بِقَوله. وَقَالَ المُبَرِّدُ: أَنشدنَا شَاعر دَهْره، وَنسيجُ وَحدِه، أَبُو عُبَادَة البُحترِي. وَقِيْلَ: كَانَ فِي صِباهُ يَمدح أَصْحَابَ البَصَل وَالبَقْل (١) . وَقِيْلَ: أَنشد أَبَا تَمَّام قَصِيْدَةً لَهُ، فَقَالَ: نَعيتَ إِليَّ نَفْسِي (٢) .

стр. 8606

وَقِيْلَ: سُئِلَ أَبُو العَلاَء المَعَرِّي: مَن أَشعر الثَّلاَثَة: أَبُو تَمَّام، وَالبُحْتُرِي، وَالمُتَنَبِّي؟ فَقَالَ: حَكِيْمَان، وَالشَّاعِر: البُحْترِي. وَللبُحترِي (حمَاسَة) كـ (حمَاسَة) أَبِي تَمَّام، وَكِتَاب (معَانِي الشِّعر) . مَاتَ بِمَنْبِج (١) ، وَقِيْلَ: بِحَلَب، سَنَةَ ثَلاَثٍ، أَوْ أَرْبَعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ (٢) . وَلَهُ أَملاَك بِمنبج وَحَفيدَان، هُمَا: أَبُو عُبَادَة، وَعُبَيْد الله ابْنا يَحْيَى بن البُحترِي اللذَان مَدَحهُمَا المتنبِي، وَكَانَا رَئِيْسَيْن فِي زمَانِهِمَا. مَاتَ مَعَهُ: شَاعرُ زمَانه أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ أَبُو العَبَّاسِ بن الرُّوْمِيّ (٣) ، صَاحِب التَّشْبيهَاتِ البَدِيعَة. ٢٣٤ - ابْنُ الأَغْلَبِ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَحْمَدَ التَّمِيْمِيُّ * صَاحِبُ المَغْرِب، أَبُو إِسْحَاقَ، إِبْرَاهِيْم بن أَحْمَدَ بنِ الأَغلب بن إِبْرَاهِيْمَ بنِ الأَغلب بن تَمِيْم التَّمِيْمِيّ الأَغْلَبِيّ القَيْرَوَانِي، ابْن أُمَرَاء القَيْرَوَان. وَلِي سَنَة إِحْدَى وَسِتِّيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَكَانَ مَلكَا حَازماً صَارماً مَهِيْباً، كَانَتِ التُّجَّار تسير فِي الأَمن مِنْ مِصْرَ

стр. 8607

إِلَى سَبْتَة (١) ، لاَ تُعَارَض، وَلاَ تُرَوَّع. ابتنَى الحُصُون وَالمحَارس، بحيثُ كَانَتْ توَقَدِ النَّار، فَتَتَّصل فِي لَيْلَةٍ إِذَا حَدَث أَمر مِن سَبْتَة إِلَى الإِسْكَنْدَرِيَّة، بحيثُ إِنَّهُ يُقَال: قَدْ أُنشئ فِي البِلاَد مِنْ بنَائِه وَبنَاء آبَائِهِ ثَلاَثُوْنَ أَلْف مَعْقِل، وَهُوَ الَّذِي مَصَّر مَدِيْنَة سُوسَة. وَقَدْ دونت أَيَّامه وَعدله جوده، وَكَانَ سَدِيْدَ السِّيرَة، شَهْماً، ظفِر بِامْرَأَةٍ مُتَعَبِّدَةٍ قَادت قودَة، فَدَفَنَهَا حَيَّةً، وَشَنَقَ سَبْعَة أَجنَاد أَخذُوا لتَاجر ثَلاَثَة آلاَف دِيْنَار، بَعْدَ أَنْ قَرَّرهُم، وَأَخَذَ الذّهب لَمْ ينقُصْ سِوَى سَبْعَةِ دَنَانِيْر، فَوَزَنَهَا مِنْ عِنْدِهِ. وَقِيْلَ: جَاءهُ رَجُل، فَقَالَ: قَدْ عَشِقْتُ جَارِيَةً، وثمنُهَا خمسُوْنَ دِيْنَاراً، وَمَا مَعِي إِلاَّ ثَلاَثُوْنَ. فَوَهَبَه مائَة دِيْنَارٍ، فسَمِعَ بِهِ آخر، فَجَاءَ، وَقَالَ: إِنِّيْ عَاشق. قَالَ: فَمَا تَجِد؟ قَالَ: لَهيباً. قَالَ: اغمِسُوهُ فِي المَاءِ، فغمسوهُ مَرَّاتٍ، وَهُوَ يَصيح: ذَهَبَ العِشْق. فَضَحِكَ، وَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِيْنَ دِيْنَاراً. ثمَّ إِنَّهُ تَسَوْدن، وَقَتَلَ إِخوته، ثُمَّ عُوفِي، وَتَابَ، وَتَصَدَّق. ثمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الشِّيْعِيّ (٢) ، دَاعِي عُبَيْد اللهِ المَهْدِيّ، وَحَارَبَه، وَجَرَتْ أُمُورٌ طَوِيْلَةٌ، بَعْضُهَا فِي (تَارِيْخ الإِسْلاَم) . تُوُفِّيَ غَازياً بِصِقِلِّيَّة: فِي ذِي القَعْدَةِ، سَنَة تِسْعٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ.

стр. 8608

وَتملك ابْنُهُ عَبْد اللهِ (١) ، فَكَانَ دَيِّناً، عَالِماً، بَطَلاً، شُجَاعاً، شَاعِراً، فَقَتَلَهُ غِلمَانه غِيْلَة بَعْدَ عَام، وَتملَّك بَعْدَهُ ابْنُهُ زِيَادَة الله. ٢٣٥ - أَحْمَدُ بنُ خُلَيْدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ الكِنْدِيُّ الحَلَبِيُّ سَمِعَ: أَبَا نُعَيْمٍ، وَأَبَا اليَمَانِ، وَيَحْيَى الوُحَاظِيّ، وَالحُمَيْدِيّ، وَمُحَمَّد بن عِيْسَى بنِ الطَّبَّاع، وَزُهَيْر بن عَبَّادٍ، وَطَبَقَتهُم. وَكَانَ صَاحِبَ رِحلَة وَمَعْرِفَة. وَطَالَ عُمُرُهُ. رَوَى عَنْهُ: عَلِيّ بن أَحْمَدَ المِصِّيْصِيّ، وَأَحْمَد بن مَرْوَانَ الدِّيْنَوَرِيّ، وَأَبُو القَاسِمِ الطَّبَرَانِيّ، وَآخَرُوْنَ. مَا علمت بِهِ بَأْساً. ٢٣٦ - أَخُو السَّرَّاجِ إِبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ إِبْرَاهِيْمَ الثَّقَفِيُّ * السَّرَّاجُ، شَيْخٌ، إِمَامٌ، ثِقَةٌ، نيسَابورِي، سَكَنَ بَغْدَادَ. وَحَدَّثَ عَنْ: يَحْيَى بنِ يَحْيَى، وَيَزِيْد بن صَالِحٍ الفَرَّاء، وَأَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى الحِمَّانِيّ. وَعَنْهُ: أَخُوْهُ أَبُو العَبَّاسِ السَّرَّاج، وَأَحْمَد بن المُنَادِي، وَأَبُو سَهْلٍ بنُ زِيَادٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ. وَثَّقَهُ: الدَّارَقُطْنِيُّ.

стр. 8609

وَكَانَ الإِمَام أَحْمَد يَأْنَس بِهِ، وَينبسط فِي منزلَة، وَهُوَ مِنْ تَلاَمِذَة أَحْمَد. تُوُفِّيَ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. أَخُوْهُ: الإِمَامُ ٢٣٧ - أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيْلُ بنُ إِسْحَاقَ الثَّقَفِيُّ السَّرَّاجُ * سَكَنَ هُوَ وَأَخُوْهُ بَغْدَاد. فَحَدَّثَ عَنْ: يَحْيَى بنِ يَحْيَى، وَأَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاق، وَعِدَّة، وَلاَزم الإِمَام أَحْمَد. حَدَّثَ عَنْهُ: دَعْلَج، وَابْنُ قَانع، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّبْغِيُّ، وَجَمَاعَةٌ. وَثَّقَهُ: الدَّارَقُطْنِيُّ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَيُقَالُ: سَنَةَ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ. وَالأَوّل أَصحّ. ٢٣٨ - المغَازلِيُّ أَبُو بَكْرٍ بنُ المُنْذِرِ البَغْدَادِيُّ ** الإِمَامُ، الوَلِيّ، أَبُو بَكْرٍ بنُ المُنْذِر المغَازلِيُّ، البَغْدَادِيّ، العَابِد، صَاحِبُ الإِمَام أَحْمَد. اسْمه: بدر، وَقِيْلَ: أَحْمَدُ. حَدَّثَ عَنْ: مُعَاوِيَةَ بنِ عَمْرٍو الأَزْدِيّ، وَغَيْره.

стр. 8610

وَعَنْهُ: النَّجَّاد، وَأَحْمَد بن يُوْسُفَ العَطَّار، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ. وَكَانَ ثِقَةً، رَبَّانِيّاً، قَانعاً بِكِسْرَةٍ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الحَافِظُ: أَطبقتِ الأَلسنَةُ مِنَ الحنَابِلَةِ وَالمُحَدِّثِيْنَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ البُدَلاَء، لَهُ أَحْوَال عَجِيْبَة (١) . وَكَانَ الخَلاَّل يَقُوْلُ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللهِ يُقَدم بَدْراً وَيُكْرِمه، وَكُنْتَ إِذَا رَأَيْتهُ وَرَأَيْت منزلَه شَهدت لَهُ بِالصَّبْر وَالصَّلاَح. وَقِيْلَ: كَانَ أَحْمَدُ يتعجَّب مِنْهُ، وَيَقُوْلُ: مَنْ مِثْلُه؟!، قَدْ مَلَك لسَانه. وَيُقَالُ: بَاعت زَوْجَة بَدْرٍ بيتَهَا بِثَلاَثِيْنَ دِيْنَاراً، فَأَشَار عَلَيْهَا، فتَصَدَّقت بِهَا، وَصَبَراً عَلَى قوتِ يَوْمٍ بِيَوْمٍ. تُوُفِّيَ: سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. كَانَ يَتَقَوَّت مِنْ كَسْبِه. ٢٣٩ - أَبُو قَبِيْصَةَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الكُوْفِيُّ * الإِمَامُ، الخَيِّرُ، الصَّادِقُ، أَبُو قَبِيْصَة مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ عُمَارَة بن القَعْقَاع، الضَّبِّيّ الكُوْفِيّ، ثُمَّ البَغْدَادِيّ، المُقْرِئ. سَمِعَ مِنْ: سَعدويه الوَاسِطِيّ، وَعَاصِم بن عَلِيٍّ، وَسَعِيْد بن مُحَمَّدٍ الجَرْمِيّ، وَطَبَقَتِهِم. حَدَّثَ عَنْهُ: ابْنُ السَّمَّاكِ، وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، وَالخُطَبِي، وَآخَرُوْنَ.

стр. 8611

قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لاَ بَأْسَ بِهِ. وَرَوَى الخَطِيْبُ، عَنِ الحَسَنِ بنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ يُوْسُف الْقَوَّاس: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيْلُ الخُطَبِيّ: سَأَلْتُ أَبَا قَبِيْصَة الضَّبِّيّ - وَكَانَ مِنْ أَدْرَس مَن رَأَينَاهُ للقُرآن - عَنْ أَكْثَر مَا قرأَ فِي يَوْمِ - وَكَانَ يوصَف بِسُرعَة القِرَاءة - فَامْتَنَعَ أَنْ يُخبرنِي، فَلَمْ أَزَل بِهِ حَتَّى قَالَ: قَرَأْتُ فِي يَوْمٍ مِن أَيَّامِ الصَّيْف أَرْبَعَ ختم، وَبلغتُ فِي الخَامِسَة إِلَى* ﴿برَاءة﴾ ، وَأَذنت العَصْر (١) . قَالَ: وَكَانَ مِنْ أَهْل الصِّدْق (٢) . قَالَ: وَتُوُفِّيَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ. ٢٤٠ - مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ رَجَاءَ بنِ السِّنْدِيِّ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، أَبُو بَكْرٍ الإِسْفَرَايِيْنِيُّ، مُصَنِّفُ (الصَّحِيْحِ) المخرَّج عَلَى كِتَاب مُسْلِمٍ. سَمِعَ: أَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْه، وَعَلِيّ بن المَدِيْنِيِّ، وَأَبَا بَكْرٍ بنَ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّد بن عَبْدِ اللهِ بنِ نُمَيْرٍ، وَأَقرَانهُم. وَأَكْثَر التَّرْحَال، وَبَرَعَ فِي هَذَا الشَّأْن. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو عَوَانَةَ الحَافِظُ، وَابْنُ الشَّرْقِيّ، وَابْن الأَخْرَم، وَأَبُو النَّضْرِ مُحَمَّد بن مُحَمَّدٍ الفَقِيْه، وَمُحَمَّد بن صَالِحِ بن هَانِئ، وَآخَرُوْنَ. ذَكَرَهُ الحَاكِم، فَقَالَ: كَانَ دَيِّناً، ثَبْتاً، مقدَّماً فِي عصره، سَمِعَ مِنْ

стр. 8612

جَدِّهِ رَجَاء بن السِّنْدِيّ ... ، ثُمَّ سَمَّى طَائِفَةً. قَالَ بِشْر بن أَحْمَدَ الإِسْفَرَايِيْنِيّ: مَاتَ أَبُو بَكْرٍ: فِي سَنَةِ سِتّ ثَمَانِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الثَّمَانِيْنَ ﵀. ٢٤١ - إِبْرَاهِيْمُ بنُ مَعْقِلِ بنِ الحَجَّاجِ النَّسفِيُّ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، الفَقِيْهُ، القَاضِي، أَبُو إِسْحَاقَ النَّسفِي، قَاضِي مَدِيْنَة نَسَف الَّتِي يُقَال لَهَا أَيْضاً: نَخْشَب. سَمِعَ: قُتَيْبَة بن سَعِيْدٍ، وَجُبارَة بن المُغَلِّس، وَهِشَام بن عَمَّارٍ، وَأَبَا كُرَيْب، وَأَحْمَد بن مَنِيْعٍ، وَطَبَقَتهُم. وَلَهُ رِحلَةٌ وَاسِعَةٌ. حَدَّثَ عَنْهُ: عَلِيّ بن إِبْرَاهِيْمَ الطَّغَامِي (١) ، وَخَلَف بن مُحَمَّدٍ الخَيَّام، وَعَبْد المُؤْمِنِ بن خَلَفٍ، وَمُحَمَّد بن زَكَرِيَّا، وَوَلَده سَعِيْد بن إِبْرَاهِيْمَ. قَالَ أَبُو يَعْلَى الخَلِيْلِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ حَافظ. مَاتَ: فِي ذِي الحِجَّةِ، سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. قُلْتُ: لَهُ (المُسْنَد الكَبِيْر) ، وَ (التَّفْسِيْر) ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَحَدَّثَ (بصَحِيْح البُخَارِيّ) عَنْهُ، وَكَانَ فَقِيْهاً مُجْتَهِداً. ٢٤٢ - الغَسِيْلِيُّ إِبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْحَاقَ الأَنْصَارِيُّ ** الإِمَامُ، الحَافِظُ، المصَنِّفُ، أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ إِسْحَاقَ بنِ

стр. 8613

عِيْسَى بن سُلَيْمَانَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ حَنْظَلَة بن الغَسيل الأَنْصَارِيّ البَغْدَادِيّ، الغَسِيْلِيّ. سَمِعَ: أَبَا إِبْرَاهِيْم التَرْجُمَانِي، وَمُحَمَّد بن سُلَيْمَانَ لُوَيْناً، وَأَحْمَد بن مَنِيْعٍ، وَمُجَاهد بن مُوْسَى، وَطَبَقَتهُم. وَخَرَّجَ وَجَمَع. حَدَّثَ عَنْهُ: أَبُو حَامِدٍ بنُ الشَّرْقِيِّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ الأَخْرَمِ، وَحسَّان بن مُحَمَّدٍ الفَقِيْه، وَآخَرُوْنَ، وَمُحَمَّد بن يَحْيَى البُوْشَنْجِيّ. وَحَدَّثَ بهَرَاة، وَنيسَابور بتَصَانِيْفه. وَحَضَرَ أَجَلُه بِبُوْشَنْج (١) فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. ٢٤٣ - ابْنُ مَسْرُوْقٍ أَحْمَدُ بنُ مُحَمَّد البَغْدَادِيُّ * الشَّيْخُ، الزَّاهِدُ، الجَلِيْلُ، الإِمَامُ، أَبُو العَبَّاسِ أَحْمَد بن مُحَمَّدِ بنِ مَسْرُوْق (٢) البَغْدَادِيُّ، شَيْخُ الصُّوْفِيَّةِ. يَرْوِي عَنْ: عَلِيِّ بنِ الجَعْد، وَخَلَفِ بنِ هِشَامٍ، وَأَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَعَلِيّ بن المَدِيْنِيِّ، وَمن بَعْدهُم. وَعَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، وَجَعْفَر الخُلْدِيّ، وَحَبِيْب القَزَّاز، وَمَخْلَد

стр. 8614

البَاقَرْحِي (١) ، وَابْن عُبَيْد العَسْكرِي، وَأَبُو بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِي، وَآخَرُوْنَ. سمِعنَا (القنَاعَة) مِنْ تَأْلِيفه. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: صحب الحَارِث المُحَاسبِي، وَمُحَمَّد بن مَنْصُوْرٍ الطُّوْسِيّ، وَالسَّرِيّ السَّقَطِيّ (٢) . وَهُوَ القَائِلُ: التَّصوُّف: خُلُو الأَسرَار مِمَّا مِنْهُ بدٌّ، وَتعلُّقُهَا بِمَا لاَ بُدَّ مِنْهُ. وَقَدْ كَانَ الجُنَيْد يحترِمُ ابْن مَسْرُوْق، وَيعتقِد فِيْهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ. وَقِيْلَ: إِنَّهُ قَالَ لِضَيْف: الضِّيَافَة ثَلاَث، فَمَا زَادَ فَهُوَ صَدَقَة عليّ. تُوُفِّيَ: فِي صَفَرٍ، سَنَة ثَمَانٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ (٣) . وَعَاشَ أَربعَا وَثَمَانِيْنَ سَنَةً ﵀. ٢٤٤ - ابْنُ الرُّوْمِيِّ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ العَبَّاسِ * شَاعر زمَانه مَعَ البُحْتُرِيِّ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ العَبَّاسِ بنِ جُرَيْج، مَوْلَى آلِ المَنْصُوْر.

стр. 8615

لَهُ النَّظم العَجيب، وَالتَّوليد الغَريب. رتَّب شِعْرَه الصُّوْلِيّ. وَكَانَ رَأْساً فِي الهِجَاء، وَفِي الْمَدِيح، وَهُوَ القَائِلُ: آرَاؤُكُم، وَوُجُوْهُكُم، وَسُيُوُفُكُم ... فِي الحَادِثَاتِ إِذَا دَجَوْنَ نُجُوْمُ مِنْهَا مَعَالِمُ لِلْهُدَى وَمَصَابحٌ ... تَجْلُو الدُّجَى وَالأُخْرَيَاتُ رُجُومُ (١) مَوْلِدُهُ: سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَمَاتَ: لِليْلَتَيْنِ بقيتَا مِنْ جُمَادَى الأُوْلَى، سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَمَانِيْنَ. وَقِيْلَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ. قِيْلَ: إِنَّ القَاسِم بن عُبَيْدِ اللهِ الوَزِيْر كَانَ يخَافُ مِنْ هَجْو ابْن الرُّوْمِيّ، فَدَسَّ عَلَيْهِمِنْ أَطعمه خُشْكُنَاكَةً (٢) مَسْمُومَةً، فَأَحَسَّ بِالسُّمِّ، فَوَثَبَ، فَقَالَ الوَزِيْرُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى مَوْضِع بعثْتَنِي إِلَيْهِ. قَالَ: سَلِّم عَلَى أَبِي. قَالَ: مَا طَرِيْقي عَلَى النَّار. فَبقي أَيَّاماً، وَمَاتَ (٣) . ٢٤٥ - تَمِيْمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ طُمْغَاجَ الطُّوْسِيُّ * الحَافِظُ، الإِمَامُ، الجَوَّالُ، الثِّقَةُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّوْسِيّ، صَاحِبُ (المُسْنَدِ) الكَبِيْر عَلَى الرِّجَال. طَوَّف، وَسَمِعَ مِنْ: شَيْبَان بن فَرُّوْخٍ، وَهُدْبَة بن خَالِدٍ، وَأَحْمَد بن حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاق بن رَاهْوَيْه، وَعَلِيّ بن حُجْرٍ، وَإِبْرَاهِيْم بن الحَجَّاجِ
следующие страницы →