← Тараджим

Тараджим · id 10906

سير أعلام النبلاء - ط الرسالة

شمس الدين الذهبي

Полный текст (14 211 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

٤٢ - نِفْطَوَيْه أَبُو عَبْدِ اللهِ إِبْرَاهِيْمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَرَفَةَ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، النَّحْوِيُّ، العَلاَّمَةُ، الأَخْبَارِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللهِ إِبْرَاهِيْمُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَرَفَة بنِ سُلَيْمَانَ العَتَكِيُّ، الأَزْدِيُّ، الوَاسِطِيُّ، المَشْهُورُ بنِفْطَوَيْه (١) ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. سَكَنَ بَغْدَاد، وَحَدَّثَ عَنْ: إِسْحَاقَ بنِ وَهْبٍ العلاَّفِ، وَشُعَيْب بن أَيُّوْبَ الصَّرِيفينِيِّ، وَمُحَمَّد بن عَبْدِ المَلِكِ الدَّقِيْقِيِّ، وَأَحْمَد بن عَبْدِ الجَبَّارِ العُطَارِدِيِّ، وَدَاوُد بن عَلِيٍّ، وَعِدَّةٍ. وَأَخَذَ العَرَبِيَّةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ الجَهْم، وَثَعْلَب وَالمُبَرِّد، وَتفقَّه عَلَى دَاوُد (٢) . حَدَّثَ عَنْهُ: المُعَافَى بنُ زَكَرِيَّا، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ شَاذَانَ، وَأَبُو عُمَرَ بنُ حَيَّوَيْه، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ المُقْرِئِ، وَآخَرُوْنَ. وُلِدَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ.

стр. 9347

وَكَانَ متضلِّعاً مِنَ الْعُلُوم، يُنكر الاشتقَاق وَيُحيله (١) . وَمِنْ مَحْفُوْظه نقَائِض جَرِيْر وَالفَرَزْدَق، وَشعر ذِي الرُّمَّة (٢) . خَلَطَ نَحْو الكُوْفِيّين بِنَحْوِ البَصْرِيّين، وَصَارَ رَأْساً فِي رَأْي أَهْلِ الظَّاهِر. وَكَانَ ذَا سُنَّةٍ وَدينٍ وَفُتُوَّةٍ وَمُرُوءةٍ، وَحُسْنِ خُلُق، وَكَيْسٍ. وَلَهُ نَظْمٌ وَنثر (٣) . صَنّف: (غَرِيْب القُرْآن) ، وكتَاب (الْمقنع) فِي النَّحْوِ (٤) ، وكتَاب (البَارِع) ، و (تَارِيْخ الخُلَفَاء) فِي مُجَلَّدين وَأَشيَاء. مَاتَ: فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بنُ زَيْدٍ (٥) الوَاسِطِيُّ المُتَكَلِّم يُؤذيه، وَهجَاهُ، فَقَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ لاَ يَرَى فَاسِقاً ... فَلْيَجْتَنِبْ مِنْ أَنْ يَرَى نِفْطَوَيْه (٦) أَحْرقَهُ اللهُ بنِصْفِ اسْمِهِ ... وَصَيَّرَ البَاقِي صُرَاخاً عَلَيْهِ (٧) وَقَالَ أَيْضاً: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَنَاهَى فِي الجَهْلِ، فليَعرفِ الكَلاَمَ عَلَى مَذْهَب النَّاشئ (٨) ، وَالفِقَة عَلَى مَذْهَب دَاوُد، وَالنَّحْوَ عَلَى مَذْهَب

стр. 9348

سيبَوَيْه (١) . ثُمَّ يَقُوْلُ: وَقَدْ جَمَعَ هَذِهِ المذَاهب نِفْطَوَيْه، فَإِليه المُنْتَهَى (٢) . ٤٣ - ابْنُ المُغَلِّسِ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ مُحَمدٍ البَغْدَادِيُّ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، فَقِيْه العِرَاقِ، أَبُو الحَسَنِ عَبْدُ اللهِ ابنُ المُحَدِّثِ أَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدٍ المُغَلِّسِ البَغْدَادِيُّ، الدَّاوُوْدِيُّ، الظَّاهِرِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ. حَدَّثَ عَنْ: جَدِّهِ، وَجَعْفَر بنِ مُحَمَّدِ بنِ شَاكِر، وَأَبِي قِلاَبَةَ الرَّقَاشِيّ، وَإِسْمَاعِيْل القَاضِي، وَطَبَقَتهِم. وَتفقَّه عَلَى: أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بنِ دَاوُدَ، وَبَرَعَ وَتَقَدَّم. أَخَذَ عَنْهُ: أَبُو المُفَضَّل الشَّيْبَانِيُّ وَنَحْوهُ. وَعَنْهُ: انْتَشَر مَذْهَب الظَّاهِريَّة فِي البِلاَد (٣) ، وَكَانَ مِنْ بحور العِلْم، حَمَلَ عَنْهُ تلمِيذُهُ حَيْدَرَة بنُ عُمَرَ، وَالقَاضِي عَبْدُ اللهِ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أُخْت وَليد قَاضِي مِصْرَ، وَالفَقِيْه عَلِيّ بنُ خَالِدٍ البَصْرِيُّ، وَطَائِفَةٌ. وَله مِنَ التَّصَانِيْف: كتَاب (أَحْكَام القُرْآن) ، وكتَاب (المُوَضّح) فِي الفِقْه، وكتَاب (الْمُبْهِج) ، وكتَاب (الدَّامغ) فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ خَالفه وَغَيْرُ (٤) ذَلِكَ.

стр. 9349

مَاتَ: فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ عَنْ نَيِّفٍ وَسِتِّيْنَ سَنَةً. ٤٤ - ابْنُ مِرْدَاسٍ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ * المُحَدِّثُ، الثِّقَةُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ بنِ مِرْدَاسٍ التَّمِيْمِيُّ، الهَمَذَانِيُّ، ابْنُ أَبِي الحِتِّي. حَدَّثَ عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ عُبَيْد الهَمْدَانِيّ، وَالمَرَّار بن حَمُّوَيْه، وَأَحْمَد بن بُدَيل، وَأَبِي عَبْدِ اللهِ بنِ عِصَام، وَعِدَّةٍ. قَالَ صَالِح (١) :سَمِعْتُ مِنْهُ مَعَ أَبِي، وَهُوَ صَدُوْقٌ. مَاتَ: فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ٣٢٢. ٤٥ - القَمُّوْدِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ القَمُّوديُّ السُّوْسِيُّ ** الإِمَامُ، زَاهِد المَغْرِب، أَبُو جَعْفَرٍ القَمُّوديُّ (٢) السُّوْسِيُّ. كَانَ سَيِّداً عَابداً مُنْقَطِعَ القَرِين، عَبَدَ رَبّهُ حَتَّى صَارَ كَالشَّن البَالِي (٣) ، وَكَانَ يُضْرَبُ بِهِ المَثَل، وَكَانَ مِنْ أَحْلَمِ النَّاس، يدعُو لِمَنْ يُؤذيه. سَكَنَ سُوْسَة وَعُمِّر، وَعَاشَ أَربعاً وَتِسْعِيْنَ سَنَةً، وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ، لاَ بَلْ مَاتَا قبلَه. مَاتَ: بسُوسَة، فِي رَبِيْعٍ الآخِرِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ ﵀. وَله تَرْجَمَةٌ فِي وَرقَات فِي أَحْوَاله وَمَنَاقِبه.

стр. 9350

٤٦ - ابْنُ فُطَيْسٍ مُحَمَّدُ بنُ فُطَيْسِ بنِ وَاصِلٍ * الإِمَامُ، العَلاَّمَةُ، الحَافِظُ، النَّاقِدُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ، مُحَدِّثُ الأَنْدَلُسِ، مُحَمَّدُ بنُ فُطَيْسِ بنِ وَاصِل بنِ عَبْدِ اللهِ الغَافِقِيُّ، الأَنْدَلُسِيُّ، الإِلْبِيْرِيُّ (١) . مولدُهُ: سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَسَمِعَ: أَبَان بنَ عِيْسَى، وَمُحَمَّد بن أَحْمَدَ العُتْبِيَّ الفَقِيْه، وَابْنَ مُزَين مِنْ (٢) عُلَمَاء الأَنْدَلُس. قَالَ ابْنُ الفَرَضِي فِي (تَارِيْخِهِ) :ارْتَحَلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ. فسَمِعَ مَنْ: يُوْنُس بنِ عَبْدِ الأَعْلَى، وَأَحْمَدَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ وَهْبٍ، وَمُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ الحَكَمِ، وَأَخَذَ بِإِفْرِيْقِيَّةَ عَنْ أَحْمَدَ بنِ عَبْدِ اللهِ العِجْلِيِّ الحَافِظ، وَشجرَة بن عِيْسَى، وَيَحْيَى بنِ عَوْنٍ، وَأَكْثَرَ عَنْ أَهْل الْحرم، وَمِصْرَ، وَالقَيْرَوَان، وَتفقَّه بِالمُزَنِيّ، وَأَدخل الأَنْدَلُس عِلْماً غزيراً. وَكَانَ بَصِيْراً بِفقه مَالِك. وَكَانَ يَقُوْلُ: لقيتُ فِي رِحْلَتِي مَائَتَي شَيْخ مَا رَأَيْتُ فِيهِم مِثْل ابْن عَبْدِ الحَكَمِ (٣) . قَالَ ابْنُ الفَرَضِيّ وَغَيْرهُ: صَارت إِلَيْهِ الرِّحلَة مِنَ البِلاَد، وَعُمِّرَ دَهْراً. وَصَنَّفَ: كتَاب (الرَّوع وَالأَهوَال) ، وكتَاب (الدُّعَاء) . وَكَانَ ضَابطاً نَبِيْلاً صَدُوْقاً (٤) .

стр. 9351

حَدَّثَنَا عَنْهُ غَيْرُ وَاحِد. وَتُوُفِّيَ: فِي شَوَّالٍ، سنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. قُلْتُ: عُمِّر تِسْعِيْنَ عَاماً. ٤٧ - مُحَمَّدُ بنُ حَمْدَوَيْه بنُ سَهْلٍ أَبُو نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ * الإِمَامُ، الحَافِظُ المُتْقِنُ، أَبُو نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ الفَازِيُّ - بِالفَاء مِنْ أَهْلِ قريَة فَاز -، وَبَعْضُهُم يَقُوْلُ: الغَازِي. يَرْوِي عَنْ: سُلَيْمَانَ بنِ معْبَد السِّنْجِيِّ، وَمَحْمُوْد بن آدَمَ، وَسَعِيْد بن مَسْعُوْدٍ، وَأَبِي الموجَّه مُحَمَّد بن عَمْرٍو، وَعَبْد اللهِ بن عَبْدِ الوَهَّابِ، وَطَبَقَتهِم. حَدَّثَ بِمَرْو، وَبِبَغْدَادَ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو عَمْرٍو بنُ حَيّوَيْه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَيُوْسُفُ القَوَّاس، وَأَبُو إِسْحَاقَ المُزَكِّي، وَمُحَمَّد بن أَحْمَدَ السَّلِيْطِيُّ، وَمُحَمَّد بن الحُسَيْنِ العَلَوِيّ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ جَامِع الدَّهَّان، وَآخَرُوْنَ. قَالَ البَرْقَانِيّ: حَدَّثَنَا الدَّارَقُطْنِيّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ حَمْدُوَيْه المَرْوَزِيُّ، وَعَلِيُّ بنُ الفَضْلِ بنِ طَاهِر: ثِقَتَانِ نَبِيْلاَن حَافِظَان (١) . قُلْتُ: يُقَال: مَاتَ أَبُو نَصْرٍ الفَازِي الغَازِي المُطَّوِّعِيّ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ، وَالأَصحُّ وَفَاته عَلَى مَا نَقله الحَافِظ غُنْجَار، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بن

стр. 9352

مُحَمَّد بن حَمْدُوَيْه المَرْوَزِيَّ يَقُوْلُ: تُوُفِّيَ أَبِي بِمَرْوَ سَنَة تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بنُ هِبَةِ اللهِ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحِيْمِ بنُ السَّمْعَانِيّ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بنُ أَحْمَدَ الصَّفَّار، أَخْبَرَنَا مُوْسَى بنُ عِمْرَان الصُّوْفِيّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ الحُسَيْنِ العَلَوِيّ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّد بن حَمْدُوَيْه الغَازِي، حَدَّثَنَا مَحْمُوْدُ بنُ آدَمَ المَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِع بن أَبِي رَاشِد، عَنْ أَبِي وَائِل قَالَ: قَالَ حُذَيْفَةُ لعَبْدِ اللهِ: عكوَفاً بَيْنَ دَارك، وَدَار أَبِي مُوْسَى، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﷺ قَالَ: (لاَ اعتكَاف إِلاَّ فِي المَسَاجِدِ الثَّلاَثَة) . فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّك نسيتَ وَحَفِظُوا، وَأَخْطَأْت، وَأَصَابُوا (١) . صَحِيْحٌ غَرِيْبٌ عَالٍ. ٤٨ - بِرْدَاعِسُ مُحَمَّدُ بنُ بَرَكَةَ بنِ الحَكَمِ اليَحْصبِيُّ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، النَّاقِدُ، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ بَرَكَةَ بنِ الحَكَمِ بنِ إِبْرَاهِيْمٌ اليَحْصبِيُّ، القِنَّسْرِينِيُّ، الحَلَبِيُّ، وَلقبه بِرْدَاعِسُ (٢) . حَدَّثَ عَنْ: أَحْمَدَ بن شَيْبَان - صَاحِبِ ابْن عُيَيْنَةَ -، وَمُحَمَّد بن عَوْف

стр. 9353

الحِمْصِيّ، وَيُوْسُف بن سَعِيْدِ بنِ مُسَلَّمٍ، وَهلاَل بن العَلاَءِ، وَأَمثَالِهم. حَدَّثَ عَنْهُ: عُثْمَان بنُ خُرَّزَاذ - أَحَدُ شُيُوْخِهِ -، وَأَبُو سُلَيْمَانَ بنُ زَبْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الرَّبَعِيّ، وَأَبُو أَحْمَدَ بنُ عَدِيّ، والمَيَانَجِيّ، وَابْنُ المُقْرِئ، وَعَلِيُّ بنُ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ الحَلَبِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ أَحْمَدَ بنِ عُثْمَانَ بنِ أَبِي الْحَدِيد، وَخَلْقٌ سِوَاهُم. قَالَ ابْنُ مَاكُوْلاَ: كَانَ حَافِظاً (١) . وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الحَاكِمُ: رَأَيْتهُ حَسَنَ الحِفْظ (٢) . وَرَوَى حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ، عَنِ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: هُوَ ضَعِيْفٌ (٣) . تُوُفِّيَ بِرْدَاعس: سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. أَخْبَرَن?اجَمَاعَةٌ إِجَازَةً عَنِ المُؤَيَّد بن الأُخوَة، أَخْبَرَنَا سَعْد بن أَبِي الرَّجَاءِ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الثَّقَفِيُّ، وَمَنْصُوْرُ بنُ الحُسَيْنِ، قَالاَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ بنُ المُقْرِئِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ بَرَكَةَ أَبُو بَكْرٍ الحَافِظ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بنُ هَاشِم الأَنْطَاكِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوْسَى قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : (لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بَوَلِيٍّ) (٤) .

стр. 9354

وَفِيْهَا مَاتَ: أَبُو عَلِيٍّ الحُسَيْنُ بنُ القَاسِمِ الكَوْكَبِيُّ، وَالوَزِيْر أَبُو الفَتْحِ الفَضْل بن جَعْفَرِ بنِ حِنزَابَة، وَالحَافِظ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ الخَرَائِطِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ بنُ أَبِي حَاتِمٍ الإِمَام، وَأَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بنُ حَمْدُوَيْه المَرْوَزِيُّ الفَازِيُّ. ٤٩ - أَحْمَدُ بنُ بَقِيِّ بن مَخْلَدٍ أَبُو عُمَرَ القُرْطُبِيُّ * (١) كَبِيْرُ عُلَمَاءِ الأَنْدَلُسِ، وَقَاضِي قُرطبَةَ. قَالَ القَاضِي عِيَاض: سَمِعَ أَبَاهُ خَاصَّةً. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: كَانَ وَقُوْراً حليماً كَثِيْرَ التِّلاَوَة ليلاً وَنهَاراً، قويَّ المَعْرِفَة بِاخْتِلاَف العُلَمَاء، وَلِي القَضَاء عَشْرَة أَعْوَام مَا ضَرَبَ فِيْهَا - فِيْمَا قِيْلَ - سِوَى وَاحِدٍ مجمعٍ عَلَى فِسْقِهِ، وَكَانَ يتوقَّفُ وَيتثبَّتُ، وَيَقُوْلُ: التَّأَنِي

стр. 9355

أَخلصُ، إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَشكلَ عَلَيْهِ أَمرُ حَدِيْث حُويّصَة وَمُحَيِّصَة (١) ، وَدَى القَتِيلَ مِنْ عِنْدِهِ. وَكَانَ النَّاصرُ لِدِيْنِ اللهِ يحترمُه وَيبجِّلُه (٢) . تُوُفِّيَ عَلَى القَضَاءِ: سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. قُلْتُ: وَفِي ذُرِّيَّته أَئِمَّةٌ وَفضلاَء، آخرهُم أَبُو القَاسِمِ أَحْمَدُ بنُ بَقِيِّ، بَقِيَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَسِتّ مائَة. ٥٠ - أَبُو صَالِحٍ مُفْلِحٌ * هُوَ: الزَّاهِد، العَابِدُ، شَيْخُ الفُقَرَاء بِدِمَشْقَ، أَبُو صَالِحٍ مُفْلحُ (٣) ، صَاحِبُ المَسْجَدِ الَّذِي بِظَاهِرِ بَابِ شَرْقِي، وَبِهِ يُعرف، وَقَدْ صَارَ ديراً لِلْحَنَابِلَة.

стр. 9356

صحب أَبَا بَكْرٍ بنَ سَيِّد حَمْدُوَيْه. حكَى عَنْه: موحّد بن إِسْحَاقَ، وَعَلِيّ بن القُجّة، وَمُحَمَّدُ بنُ دَاوُدَ الدُّقِيّ. وَقَدْ سَاحَ بلُبْنَان فِي طَلَبِ العُبَّاد. وَحَكَى: أَنَّهُ رَأَى فِي جبل اللُّكَّام فَقِيْراً عَلَيْهِ مُرَقَّعَة، فَقَالَ: مَا تصنعُ هُنَا؟ قَالَ: أَنظر وَأَرعَى. قُلْتُ: مَا أَرَى بَيْنَ يَديك شَيْئاً؟ قَالَ: فتغيَّر (١) ، وَقَالَ: أَنظرُ خواطرِي، وَأَرعَى أَوَامر رَبِّي (٢) . مَاتَ: سنَةَ ثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. قَالَهُ ابْنُ زَبْرٍ فِي (الوفيَّات) . ٥١ - الأَشْعَرِيُّ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ إِسْحَاقَ * العَلاَّمَةُ، إِمَامُ المُتَكَلِّمِين، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ إِسْمَاعِيْلَ بنِ أَبِي بِشْرٍ إِسْحَاقَ بنِ سَالِمِ بنِ إِسْمَاعِيْلَ بنِ عَبْدِ اللهِ بنِ مُوْسَى ابنِ أَمِيْر البَصْرَةِ بِلاَلِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ ابنِ صَاحِب رَسُوْل اللهِ ﷺ أَبِي مُوْسَى عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْس بن حَضَّارٍ الأَشْعَرِيُّ، اليَمَانِيُّ، البَصْرِيُّ. مَوْلِدُهُ: سَنَةَ سِتِّيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَقِيْلَ: بَلْ وُلِدَ سَنَةَ سَبْعِيْنَ.

стр. 9357

وَأَخَذَ عَنْ: أَبِي خَلِيْفَة الجُمَحِيِّ، وَأَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائِيّ، وَزَكَرِيَّا السَّاجِيِّ، وَسَهْلِ بن نُوْح، وَطَبَقَتِهِم، يَرْوِي عَنْهُم بِالإِسْنَاد فِي تَفْسِيْره كَثِيْراً. وَكَانَ عجباً فِي الذَّكَاء، وَقوَة الفهمِ. وَلَمَّا بَرَعَ فِي مَعْرِفَةِ الاعتزَال، كرِهه وَتبرَّأَ مِنْهُ، وَصَعِدَ لِلنَّاسِ، فتَابَ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ، ثُمَّ أَخذ يُردُّ عَلَى المُعْتَزِلَة، وَيهتِك عِوَارَهُم. قَالَ الفَقِيْه أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ: كَانَتِ المُعْتَزِلَةُ قَدْ رفعُوا رُؤُوْسهُم، حَتَّى نشَأَ الأَشْعَرِيُّ فحجرهُم فِي أَقمَاع السِّمْسِم (١) . وَعَنِ ابْنِ البَاقلاَنِيِّ قَالَ: أَفْضَل أَحْوَالِي أَنْ أَفهَمَ كَلاَمَ الأَشْعَرِيّ (٢) . قُلْتُ: رَأَيْتُ لأَبِي الحَسَن أَرْبَعَة توَالِيف فِي الأُصُوْل يذكرُ فِيْهَا قوَاعدَ مَذْهَبِ السَّلَف فِي الصِّفَات، وَقَالَ فِيْهَا: تُمَرُّ كَمَا جَاءت. ثُمَّ قَالَ: وَبِذَلِكَ أَقُول، وَبِهِ أَدين، وَلاَ تُؤوَّل. قُلْتُ: مَاتَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، حطَّ (٤) عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الحَنَابِلَة وَالعُلَمَاء. وَكُلُّ أَحَد فيُؤخذ مِنْ قَوْله وَيترك، إِلاَّ مَنْ عصم اللهُ تَعَالَى اللَّهُمَّ اهدنَا، وَارحمنَا (٥) .

стр. 9358

وَلأَبِي الحَسَنِ ذكَاءٌ مُفْرِط، وَتبحُّر فِي العِلْمِ، وَلَهُ أَشيَاء حسنَة، وَتصَانيف جَمَّة تقضِي لَهُ بسَعَةِ العِلْم. أَخَذَ عَنْهُ: أَئِمَّةٌ مِنْهُم: أَبُو الحَسَنِ البَاهِلِيُّ (١) ، وَأَبُو الحَسَنِ الكِرْمَانِيُّ، وَأَبُو زَيْد المَرْوَزِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ مُجَاهِد البَصْرِيّ، وَبُنْدَار بن الحُسَيْنِ الشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو مُحَمَّدٍ العِرَاقِيُّ، وَزَاهِر بن أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ، وَأَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ، وَأَبُو نَصْرٍ الكَوَّاز (٢) الشِّيرَازِيُّ (٣) . قَالَ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيّ فِي كتَاب (العُمَد فِي الرُّؤْيَة) لَهُ: صَنَّفْتُ (الْفُصُول فِي الرَّدِّ عَلَى الملحدينَ) وَهُوَ اثْنَا عَشرَ كِتَاباً، وكتَاب (الْمُوجز) ، وكتَاب (خَلْق الأَعمَال) ، وكتَاب (الصِّفَات) ، وَهُوَ كَبِيْر، تكلَّمنَا فِيْهِ عَلَى أَصنَافِ المُعْتَزِلَة وَالجَهْمِيَّة، وكتَاب (الرُّؤْيَة بِالأَبصَار) ، وكتَاب (الخَاص وَالعَام) ، وكتَاب (الرَّدّ عَلَى المجسِّمَة) ، وكتَاب (إِيضَاح البرهَان) ، وكتَاب (اللُّمَع فِي الرّدِّ عَلَى أَهْلِ البِدَع) ، وكتَاب (الشَّرح وَالتَّفصيل) ، وكتَاب (النَّقض عَلَى الجُبَائِيّ (٤)) ، وكتَاب (النَّقْض عَلَى البَلْخِيّ (٥)) ، وكتَاب (جمل مقَالاَت الْمُلْحِدِينَ) ، وَكتَاباً (٦) فِي الصِّفَات هُوَ أَكْبَر كتبنَا، نقضنَا فِيْهِ مَا كُنَّا أَلَّفنَاهُ قَدِيْماً فِيْهَا عَلَى تَصْحِيْحِ مَذْهَب المُعْتَزِلَة،

стр. 9359

لَمْ يُؤلَّف لَهُم كِتَاب مثلُه، ثُمَّ أَبَان الله لَنَا الحَقَّ فَرَجَعْنَا. وكتَاباً فِي (الرّدّ عَلَى ابْنِ الرَّاوَنْدِيِّ) ، وكتَاب (القَامع فِي الردّ عَلَى الخَالديّ) ، وكتَاب (أَدب الجَدَل) ، وكتَاب (جَوَاب الخُرَاسَانيَّة) ، وكتَاب (جَوَاب السِّيْرَافيين) ، و (جَوَاب الجُرْجَانيين) ، وكتَاب (المَسَائِل المنثَوْرَة البَغْدَادِيَّة) ، وكتَاب (الفنُوْنَ فِي الرّدِّ عَلَى المُلْحدين) ، وكتَاب (النَّوَادر فِي دقَائِق الكَلاَم) وكتَاب (تَفْسِيْر القُرْآن) . وَسَمَّى كتباً كَثِيْرَةً سِوَى ذَلِكَ. ثُمَّ صَنَّفَ بَعْد (العُمَد) كتباً عِدَّةً سمَّاهَا ابْنُ فُورَك هِيَ فِي (تَبْيِين كذب المفترِي (١)) . رَأَيْتُ لِلأَشعرِيّ كلمَة أَعجبتَنِي وَهِيَ ثَابِتَة رَوَاهَا البَيْهَقِيّ، سَمِعْتُ أَبَا حَازِم العَبْدَوِيَّ، سَمِعْتُ زَاهِر بن أَحْمَدَ السَّرَخْسِيّ يَقُوْلُ: لَمَّا قَرُبَ حُضُوْرُ أَجل أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ فِي دَارِي بِبَغْدَادَ، دعَانِي فَأَتَيْتُه، فَقَالَ: اشهدْ عليَّ أَنِّي لاَ أَكفِّر أَحَداً مِنْ أَهْلِ القِبْلَة، لأَنَّ الكلَّ يُشيَرَوْنَ إِلَى معبودٍ وَاحِد، وَإِنَّمَا هَذَا كُلُّه اخْتِلاَف العِبَارَات. قُلْتُ: وَبنحو هَذَا أَدين، وَكَذَا كَانَ شَيْخُنَا ابْنُ تيمِيَّة فِي أَوَاخِرِ أَيَّامه يَقُوْلُ: أَنَا لاَ أَكفر أَحَداً (٢) مِنَ الأُمَّة، وَيَقُوْلُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لاَ يُحَافِظُ عَلى الْوضُوء إِلاَّ مُؤْمِنٌ (٣)) فَمَنْ لاَزَمَ الصَّلَوَاتِ بوضوءٍ فَهُوَ مُسْلِم.

стр. 9360

وَقَدْ أَلَّف الأهْوَازِيّ (١) جُزْءاً فِي مثَالب ابْنِ أَبِي بِشْر، فِيْهِ أَكَاذيب. وَجَمَعَ أَبُو القَاسِمِ فِي مَنَاقِبه فَوَائِد بَعْضهَا أَيْضاً غَيْرُ صَحِيْحٍ، وَلَهُ المُنَاظَرَةُ المَشْهُوْرَةُ مَعَ الجُبَّائِي فِي قَوْلِهِم: يَجِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يَفْعَل الأَصلحَ، فَقَالَ الأَشْعَرِيُّ: بَلْ يَفْعَلُ مَا يشَاء (٢) ، فَمَا تَقُولُ فِي ثَلاَثَةٍ صِغَار: مَاتَ أَحَدهُم وَكَبُرَ اثْنَانِ، فَآمن أَحَدُهُم، وَكَفَرَ الآخر، فَمَا العِلَّةُ فِي اخترَام الطِّفْلِ؟ قَال: لأَنَّه تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لكَفَر، فَكَانَ اخترَامُه أَصلح لَهُ. قَالَ الأَشْعَرِيُّ: فَقَدْ أَحيَا أَحَدهُمَا فكفَرَ. قَالَ: إِنَّمَا أَحيَاهُ لِيَعْرِضَهُ أَعْلَى المرَاتب. قَالَ الأَشْعَرِيُّ: فَلِمَ لاَ أَحيَا الطِّفْل لِيَعْرِضَهُ لأَعْلَى المرَاتب؟ قَالَ الجُبَّائِي: وَسوست. قَالَ: لاَ وَاللهِ، وَلَكِنْ وَقَفَ حِمَار الشَّيْخ. وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا الحَسَنِ تَابَ وَصَعِدَ مِنْبَر البَصْرَة، وَقَالَ: إِنِّيْ كُنْتُ أَقُول: بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَأَنَّ اللهَ لاَ يُرَى بِالأَبصَار (٣) ، وَأَنَّ الشَّرَّ فِعْلِي لَيْسَ بقدرٍ، وَإِنِّيْ تَائِبٌ مُعتقدٌ الرّدَّ عَلَى المُعْتَزِلَة (٤) . وَكَانَ فِيْهِ دُعَابَة وَمزح كَثِيْر. قَالَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ (٥) . وَأَلَّف كُتُباً كَثِيْرَةً، وَكَانَ يقنَع بِاليَسِيْر، وَلَهُ بَعْضُ قريَةٍ مِنْ وَقَفِ جَدِّهُم

стр. 9361

الأَمِيْرِ بلاَلِ بنِ أَبِي بُرْدَةَ (١) . وَيُقَالُ: بَقِيَ إِلَى سَنَةِ ثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. ٥٢ - البَرْبَهَارِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ خَلَفٍ * شَيْخُ الحَنَابِلَة، القُدْوَة، الإِمَامُ، أَبُو مُحَمَّدٍ الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ خَلَفٍ البَرْبهَارِيُّ (٢) ، الفَقِيْه. كَانَ قوَّالاً بِالْحَقِّ، دَاعِيَةً إِلَى الأَثر، لاَ يَخَافُ فِي الله لومَةَ لاَئِم. صَحِبَ المَرُّوْذِيَّ (٣) ، وَصَحِبَ سَهْل بن عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيَّ (٤) . فَقِيْلَ: إِنَّ الأَشْعَرِيَّ (٥) لَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ جَاءَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ البَرْبَهَارِيِّ، فجَعَلَ يَقُوْلُ: رددتُ عَلَى الجُبَّائِيّ، رددْتُ عَلَى المَجُوْس، وَعَلَى النَّصَارَى. فَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: لاَ أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَلاَ نعرِفُ إِلاَّ مَا قَالَه الإِمَامُ أَحْمَد. فَخَرَجَ (٦) وَصَنَّفَ (الإِبَانَة (٧)) فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ.

стр. 9362

وَمِنْ عبارَة الشَّيْخِ البَرْبَهَارِيِّ، قَالَ: احذرْ صِغَار المُحدَثَاتِ مِنَ الأُمُور، فَإِنَّ صِغَارَ البِدَع، تعُودُ كِباراً، فَالكَلاَمُ فِي الرَّبِّ مُحدَثٌ وَبِدْعَة وَضَلاَلَة، فَلاَ نتكلَّم فِيْهِ إِلاَّ بِمَا وَصفَ بِهِ نَفْسَه، وَلاَ نَقُوْلُ فِي صِفَاته: لِمَ؟ وَلاَ كَيْفَ؟ وَالقُرْآن كَلاَمُ اللهِ، وَتنَزِيْلُه وَنورُه لَيْسَ مخلوقاً، وَالمِرَاءُ فِيْهِ كُفْر (١) . قَالَ ابْنُ بَطَّة (٢) :سَمِعْتُ البَرْبَهَارِيَّ يَقُوْلُ: المُجَالَسَةُ لِلْمنَاصحَةِ فَتْحُ بَابِ الفَائِدَة، وَالمُجَالَسَةُ لِلْمُنَاظَرِة غَلْقُ بَابِ الفَائِدَة (٣) . وسَمِعْتُهُ يَقُوْلُ لَمَّا أَخذ الحُجَّاجُ (٤) :يَا قَوْمُ إِنْ كَانَ يحتَاجُ إِلَى مَعُونَة مائَةِ أَلْفِ دِيْنَار، وَمائَةِ أَلْف دِيْنَار، وَمائَةِ أَلْف دِيْنَار - خَمْس مَرَّات - عَاونتُه. ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّة: لَوْ أَرَادَهَا لحصَّلَهَا مِنَ النَّاس. قَالَ أَبُو الحُسَيْنِ بنُ الفَرَّاءِ: كَانَ لِلْبَرْبَهَارِيِّ مُجَاهِدَاتٌ وَمَقَامَات فِي الدِّين، وَكَانَ المخَالفون يُغلِظُون (٥) قلب السُّلْطَان عَلَيْهِ. فَفِي سَنَةِ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ أَرَادُوا حَبْسَه، فَاخْتَفَى. وَأُخِذَ كِبَارُ أَصْحَابِهِ،

стр. 9363

وَحُمِلُوا إِلَى البَصْرَةِ. فَعَاقب الله الوَزِيْر ابْنَ مُقْلَة (١) ، وَأَعَاد الله البَرْبَهَارِيَّ إِلَى حشمته، وَزَادت، وَكَثُرَ أَصْحَابُه. فَبَلغنَا أَنَّهُ اجتَازَ بِالجَانب الغربِي، فعَطَس فَشَمَّتَه (٢) أَصْحَابُه، فَارْتَفَعَتْ ضجَّتُهم، حَتَّى سَمِعَهَا الخَلِيْفَةُ، فَأُخبر بِالحَال، فَاسْتهولهَا، ثُمَّ لَمْ تزلِ المُبتدعَةُ تُوحِش قلبَ الرَّاضِي، حَتَّى نُوديَ فِي بَغْدَاد: لاَ يَجْتَمِع اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِ البَرْبَهَارِيّ، فَاخْتَفَى، وَتُوُفِّيَ مستتراً فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ (٣) ، فَدُفِنَ بِدَار أُخْت توزون (٤) فَقِيْلَ: إِنَّهُ لمَّا كُفَّن، وَعِنْدَهُ، الخَادِم، صَلَّى عَلَيْهِ وَحدَهُ، فَنَظَرتْ هِيَ مِنَ الرَّوْشَن (٥) ، فرأَت البَيْت ملآنَ رجَالاً فِي ثِيَاب بيض، يُصلُّوْنَ عَلَيْهِ، فَخَافتْ وَطلبت الخَادِم، فحلَفَ أَنَّ البَابَ لَمْ يُفتحْ (٦) . وَقِيْلَ: إِنَّهُ ترَكَ مِيرَاثَ أَبِيْهِ توَرُّعاً، وَكَانَ سَبْعِيْنَ أَلْفاً (٧) . قَالَ ابْنُ النَّجَّار (٨) :رَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عُثْمَانَ،

стр. 9364

وَابْن بَطَّة، وَأَبُو الحُسَيْنِ بنُ سَمعُوْنَ فروِيَ عَنِ ابْنِ سمعُوْنَ، أَنَّهُ سَمِعَ البَرْبَهَارِيَّ يَقُوْلُ: رَأَيْتُ بِالشَّامِ رَاهباً فِي صومَعَة حَوْلَهُ رهبَانٌ يتمسَّحُوْنَ بِالصَّوْمعَة، فَقُلْتُ لحدَثٍ مِنْهُم: بِأَيِّ شَيْءٍ أُعْطِيَ هَذَا؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ مَتَى رَأَيْتَ اللهَ يُعطِي شَيْئاً عَلَى شَيْءٍ؟ قُلْتُ: هَذَا يحتَاج إِلَى إِيضَاح، فَقَدْ يُعطِي اللهُ عبدَه بِلاَ شَيْء، وَقَدْ يُعْطِيه عَلَى شَيْءٍ، لَكِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يُعْطِيه الله عبدَه، ثُمَّ يثيبُه عَلَيْهِ هُوَ مِنْهُ أَيْضاً. قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَقَالُوا: الحَمْدُ للهِ الَّذِي هدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لنهتدِي لَوْلاَ أَنَّ هدَانَا الله﴾ (١) . وفِي (تَارِيْخ مُحَمَّدِ بنِ مَهْدِيّ) أَنَّ فِي سَنَةِ ثَلاَثٍ وَعِشْرِيْنَ أوقع بِأَصْحَاب البَرْبَهَارِي فَاسْتترَ، وَتُتُبِّع أَصْحَابُه وَنُهبتْ منَازِلهُم، وَعَاشَ سَبْعاً وَسَبْعِيْنَ سَنَةً (٢) ، وَكَانَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ قَدْ تَزَوَّجَ بِجَارِيَة. ٥٣ - عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ بنِ يُوْسُفَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ حَيَّانَ * الإِمَامُ، الحَافِظُ، البَارِعُ، أَبُو مُحَمَّدٍ الهَاشِمِيُّ، الجَعْفَرِيُّ مَوْلاَهُمُ، الهَمَذَانِيُّ، أَحَدُ الأَعلاَم، إِمَامُ جَامِعِ هَمَذَان. حَدَّثَ عَنْ: مُحَمَّدِ بنِ عِمْرَان بنِ حَبِيْب، وَإِبْرَاهِيْمَ بن دَيْزِيل، وَأَحْمَد بنِ عُبَيْدِ اللهِ النَّرْسِيِّ، وَعُبَيْد بن شَرِيْك البَزَّار، وَمُحَمَّد بن إِدْرِيْسَ بنِ الجُنَيْدِ الحَافِظ، وَعَلِيِّ بنِ عَبْدِ العَزِيْزِ البَغَوِيِّ، وَيَحْيَى بن عَبْدِ اللهِ الكَرَابِيْسِيّ، وَالحُسَيْن بن الحَكَمِ الكُوْفِيِّ، وَطَبَقَتِهم.

стр. 9365

رَوَى عَنْهُ: القَاسِمُ بنُ أَبِي صَالِحٍ، وَأَبُو عِمْرَانَ مُوْسَى بنُ سَعِيْدٍ، وَالقُدَمَاء. ذكره صَالِح بنُ أَحْمَدَ (١) فَقَالَ: رَوَى عَنْهُ الكِبَار، وَحضَرْتُ مَجْلِسَه، وَلَمْ أَعتدَّ بِذَلِكَ، وَكَانَ ثِقَةً صَدُوْقاً حَافِظاً فَاضِلاً وَرِعاً، يُحسِن هَذَا الشَّأْن. سَمِعْتُ القَاسِمَ بنَ أَبِي صَالِحٍ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ زَيْدَ بنَ نَشِيط يَقُوْلُ: مَا أُشْبِّه حفظَ هَذَا الصَّبيّ إِلاَّ بِحِفْظ المَشَايِخ القُدَمَاء. وَقَالَ أَبُو قطن: كَانَ عَبْدُ اللهِ الذَّهب المصفَّى، لَمْ يَكُنْ ببلدنَا فِي أَيَّامِه أَحفَظ مِنْهُ. قَالَ صَالِح: مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَصَلَّيْتُ عَلَيْهِ ﵀. قُلْتُ: تُوُفِّيَ قَبْل أَوَان الرِّوَايَة، فَلَمْ يُنشرْ لَهُ كَبِيْرُ شَيْء ﵀. ٥٤ - الخَاقَانِيُّ أَبُو مُزَاحمٍ مُوْسَى بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يَحْيَى * الإِمَامُ، المُقْرِئُ، المُحَدِّثُ، أَبُو مُزَاحمٍ مُوْسَى بنُ عُبَيْدِ اللهِ بنِ يَحْيَى بنِ خَاقَانَ الخَاقَانِيُّ، الحَافِظُ، البَغْدَادِيُّ، وَلدُ الوَزِيْر (٢) ، وَأَخُو الوَزِيْر (٣) .

стр. 9366

سَمِعَ: عَبَّاساً الدُّوْرِيّ، وَأَبَا قِلاَبَةَ الرَّقَاشِيَّ، وَأَبَا بَكْرٍ المَرُّوْذِيّ، وَطَبَقَتَهُم. وَكَانَ حَاذِقاً بحرْف الكِسَائِيّ، تَلاَ بِهِ عَلَى الحَسَنِ بنِ عَبْدِ الوَهَّابِ تِلْمِيْذ الدُّوْرِيّ. تَلاَ عَلَيْهِ: أَحْمَد بن نَصْرٍ الشَّذَائِيّ، وَأَبُو الفَرَجِ الشَّنَبُوذِيُّ، وَغيرُهُمَا. وَرَوَى عَنْهُ: أَبُو بَكْرٍ الآجُرِّيُّ، وَابْنُ أَبِي هَاشِم، وَأَبُو عُمَرَ بنُ حَيَّوَيْه، وَابْنُ شَاهِيْنٍ، وَالمُعَافَى الجَرِيْرِيُّ، وَآخَرُوْنَ. وجَمَعَ وَصَنَّفَ، وَجَمعَ فِي التَّجويد وَغَيْر ذَلِكَ (١) . قَالَ الخَطِيْبُ: كَانَ ثِقَةً مِنْ أَهْلِ السُّنَّة. مَاتَ: فِي ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ (٢) . وَقَدْ ذَكَرْتُهُ فِي (طَبَقَات القُرَّاءِ) (٣) . ٥٥ - تِكِيْنُ أَبُو مَنْصُوْرٍ التُّرْكِيُّ الخَزَرِيُّ * الملكُ، أَبُو مَنْصُوْرٍ تِكينُ الخَاصَّةِ التُّرْكِيُّ، الخَزَرِيُّ، المُعتضِديُّ.

стр. 9367

وَلِي مِصْر سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، فَأَقَامَ بِهَا خَمْسَ سِنِيْنَ فِي رفعَة وَارتقَاء. ثُمَّ وَلِي دِمَشْقَ خَمْس سِنِيْنَ أَيْضاً. ثُمَّ أُعيد إِلَى وَلاَيَة دِيَار مِصْر، ثُمَّ عُزِلَ، ثُمَّ أُعيد فولِيهَا لِلْقَاهر بِاللهِ (١) إِلَى أَنْ مَاتَ بِمِصْرَ فِي رَبِيْعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَكَانَ ذَا هيبَةٍ وَشجَاعَة. رَوَى عَنْ: يُوْسُفَ بنِ يَعْقُوْبَ القَاضِي. حَدَّثَ عَنْهُ: عَلِيُّ بنُ أَحْمَدَ المَادَرَائِيُّ الوَزِيْر، وَنُقِلَ فَدُفِنَ ببيتِ المَقْدِس (٢) . ٥٦ - ابْنُ دُرَيْدٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ دُرَيْدِ بن عَتَاهِيَةَ * العَلاَّمَةُ، شَيْخُ الأَدب، أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بنُ الحَسَنِ بنِ دُرَيْد بنِ عَتَاهِيَة الأَزْدِيُّ، البَصْرِيُّ، صَاحِبُ التَّصَانِيْفِ، تَنَقَّلَ فِي فَارس وَجزَائِرِ البَحْر يطلبُ الآدَابَ وَلسَانَ العَرَبِ، فَفَاقَ أَهْل زَمَانِهِ، ثُمَّ سَكَنَ بَغْدَاد. وَكَانَ أَبُوْهُ رَئِيْساً متموِّلاً. وَلأَبِي بَكْرٍ شعرٌ جَيِّد.

стр. 9368

حَدَّثَ عَنْ: أَبِي حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيِّ، وَأَبِي الفَضْل الرِّيَاشِيِّ، وَابْن أَخِي الأَصْمَعِيِّ، وَتَصَدَّرَ لِلإِفَادَة زمَاناً. أَخَذَ عَنْهُ: أَبُو سَعِيْدٍ السِّيْرَافيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ بنُ شَاذَان، وَأَبُو الفَرَجِ الأَصْبَهَانِيُّ، وَأَبُو عُبَيْد اللهِ المَرْزُبَانِيّ، وَإِسْمَاعِيْل بن مِيكَال (١) ، وَعِيْسَى بنُ الوَزِيْرِ، وَطَائِفَةٌ. قَالَ أَحْمَدُ بنُ يُوْسُفَ الأَزْرَق: مَا رَأَيْتُ أَحفَظَ مِنِ ابْنِ دُرَيْد، وَلاَ رَأَيْتُهُ قُرِئَ عَلَيْهِ دِيْوَانٌ قَطُّ إِلاَّ وَهُوَ يسَابق إِلَى رِوَايته، يَحْفَظ ذَلِكَ (٢) . قُلْتُ: كَانَ آيَةً مِنَ الآيَات فِي قوَة الحِفْظ. قَالَ ابْنُ شَاهِيْنٍ: كُنَّا ندخلُ عَلَيْهِ فَنَسْتَحْيِي مِمَّا نَرَى مِنَ العِيدَانِ وَالشَّرَاب، وَقَدْ شَاخَ (٣) . وَقَالَ أَبُو مَنْصُوْرٍ الأَزْهَرِيُّ: دَخَلتُ فرَأَيْتُهُ سكرَانَ فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ (٤) . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تكلّمُوا فِيْهِ (٥) :وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الأَسَدِيُّ: كَانَ يُقَالُ: ابْنُ دُرَيْد أَعْلَمُ الشُّعرَاء، وَأَشعرُ العُلَمَاء (٦) . قُلْتُ: تُوُفِّيَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَلَهُ ثَمَان وَتِسْعُوْنَ سَنَةً، عفَا الله عَنْهُ.

стр. 9369

ورثَاهُ جَحْظَة (١) فَقَالَ: فَقَدْتُ بِابْنِ دُرَيْدٍ كُلَّ فَائِدَةٍ (٢) ... لَمَّا غَدَا ثَالثَ الأَحجَارِ وَالتُّرَب وَكُنْتُ أَبكِي لفَقْدِ الجُودِ مُنْفَرِداً (٣) ... فَصِرْتُ أَبكِي لِفَقْدِ الجُودِ (٤) وَالأَدَبِ (٥) ٥٧ - القَاهِرُ بِاللهِ مُحَمَّدُ ابنُ المُعْتَضِد بِاللهِ أَحْمَدَ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّدُ ابنُ المُعْتَضدِ بِاللهِ أَحْمَدَ ابنِ المُوَفَّقِ طَلْحَةَ (٦) بنِ المُتَوَكِّلِ. استُخْلِفَ سنَة عِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ وَقت مَصْرع أَخِيْهِ المُقْتَدِر. وَكَانَ أَسمَرَ مربوعاً أَصْهبَ (٧) الشَّعر، طَوِيْلَ الأَنْفِ، فِيْهِ شرٌ وَجبروت وَطَيْشٌ. وَقَدْ كَانَ المُقْتَدِرُ خُلِعَ فِي سَنَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، فَبايعُوا القَاهرَ هَذَا،

стр. 9370

وَحَكَمَ ثُمَّ تعصَّبَ أَصْحَابُ المُقْتَدِر لَهُ، وَأُعيد بَعْد قتل جَمَاعَة، مِنْهُم: أَبُو الهيجَاءَ بنُ حَمْدَانَ، وَعفَا المُقْتَدِرُ عَنْ أَخِيْهِ، وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ بَاكياً. فَقَالَ: يَا أَخِي، أَنْتَ لاَ ذنبَ لَكَ، ثُمَّ بايعُوهُ بَعْدَ المُقْتَدِر، فصَادَرَ حَاشيَةَ أَخِيْهِ وَعذَّبهُم، وَضَرَبَ أُمَّ المُقْتَدِرِ بِيَدِهِ، وَهِيَ عَلِيْلَة. ثُمَّ مَاتَتْ مُعلَّقَةً بحبلٍ، وَعذَّب أُمّ مُوْسَى القَهْرَمَانَة، وَبَالَغَ فِي الإِسَاءة، فنَفَرَتْ مِنْهُ القُلُوْبُ، وَطَلَبَ ابْنَ مقلَة مِنَ الأَهْوَاز وَاسْتوزَرَه، وَكَانَ قَدْ نُفِي. وَلَمْ يَكُنِ القَاهر متمكِّناً مِنَ الأُمُور، وَحكَمَ عَلَيْهِ عَلِيُّ بنُ بُليق (١) الرَّافضِيّ الَّذِي عزَمَ عَلَى سبِّ مُعَاوِيَة ﵁ عَلَى المنَابِرِ. فَارتجَّتِ العِرَاق، وَقُبِضَ عَلَى شَيْخ الحنَابِلَة البَرْبَهَارِي، ثُمَّ قَويَ القَاهر وَنَهَبَ دُورَ مخَالفيه، وَطَيَّن عَلَى وَلد أَخِيْهِ المكْتَفِي بَيْنَ حَيْطَين، وَضَرَبَ ابْنَ بُلَيق وَسَجَنَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بذبْحِهِ، وَبذَبح أَبِيْهِ، وَذَبَحَ بعدَهُمَا مُؤنِساً الكَبِيْرَ وَيُمناً وَابْنَ زيرك. وَبَذَلَ لِلْجُنْدِ العَطَاء، وَعَظُمَ شَأْنُه، وَنَادَى بتحريمِ الغِنَاء وَالخَمْر، وَكَسْر المَلاَهِي (٢) ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشربُ المطبوخَ وَالسُّلاَفَ، وَيسكَر وَيسمعُ القينَات. وَاسْتَوْزَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ. وَقَتَلَ أَبَا السَّرَايَا بنَ حَمْدَان، وَإِسْحَاقَ النُّوْبَخْتِي أَلقَاهُمَا فِي بِئْرٍ، وَطُمَّتْ لكونِهِمَا زَايدَاهُ فِي جَارِيَةٍ قَبْل الخِلاَفَة (٣) . وَبَقِيَ ابْنُ مُقْلَةَ فِي اختفَائِهِ يُرَاسل الجُنْدَ وَيَشْغَبُهُم عَلَى القَاهر، وَيَخْرُجُ مُتَنَكِّراً فِي زيِّ عجمِيٍّ (٤) ، وَفِي زيٍّ شحَّاذ، وَأَعْطَى مُنَجِّماً ذَهباً ليَقُوْل لِلْقُوَّاد: عَلَيْكُم قطع مِنَ القَاهر، وَيُعْطِي دَنَانِيْرَ لمعبِّرِي الأَحلاَم، فَإِذَا قَصَّ

стр. 9371

سيمَا منَاماً (١) خَوَّفُوهُ مِنَ القَاهر جِدّاً. وَكَانَ (٢) رَأْسَ السَّاجيَّة فَأَضمر الشَّرّ، فَانتدَبَ طَائِفَةً لاغتيَاله وَبكَّرُوا، وَكَانَ نَائِماً بِهِ سُكْرٌ، وَهَرَبَ وَزِيْرُهُ وَحَاجِبُهُ، فَهجمُوا عَلَيْهِ بِالسُّيوفِ، فَهَرَبَ إِلَى سَطْحٍ، فَاسْتَتَرَ، ثُمَّ ظَفِرُوا بِهِ وَبِيَدِهِ سَيْفٌ مَسْلُول، فَقَالُوا: انزلْ، فَامْتَنَعَ فَقَالُوا: نَحْنُ عبيدُك، ثُمَّ فَوَّقَ (٣) وَاحِدٌ إِلَيْهِ سَهْماً وَقَالَ: انزلْ وَإِلاَّ قَتَلْتُكَ، فَنَزَلَ، فَأَمسكُوهُ (٤) فِي سَادِسِ جُمَادَى الآخِرَةِ. وَبَايعُوا الرَّاضِي بِاللهِ مُحَمَّدَ بنَ المُقْتَدِر (٥) ، ثُمَّ خُلِعَ وَأَكحل بِمِسْمَار لسُوء سيرَته وَسَفكِهِ الدِّمَاء. وَكَانَتْ خِلاَفَتُه سنَةً وَنِصْفاً وَأُسبوعاً. قَالَ الصُّوْلِيُّ (٦) :كَانَ أَهوجَ، سفَّاكاً لِلدِّمَاء، كَثِيْرَ التَّلُوُّنَ، قَبِيح السِّيرَة، مدمِنَ الخَمْر، وَلَوْلاَ جَودَة حَاجِبه سلاَمَة لأَهلَكَ الحَرْثَ وَالنَّسل. وَكَانَ قَدْ صَنَعَ حَرْبَةً يحمِلهَا فَلاَ يطرحُهَا حَتَّى يقتُلَ (٧) إِنْسَاناً. قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ: أَحضَرَنِي القَاهرُ يَوْماً وَبِيَدِهِ حَرْبَة، فَقُلْتُ: الأَمَانَ، قَالَ: عَلَى الصِّدْقِ، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَسأَلك عَنْ خلفَاء بَنِي العَبَّاسِ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ مِنْ أَحْوَالِهم، وَهُوَ يَسْأَل عَنْهُم وَاحِداً وَاحِداً فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَكَ، وَكَأَنِّيْ مشَاهدٌ القَوْمَ، وَقَامَ وَبِيَدِهِ الحَرْبَةُ، فَاسْتسلمتُ لِلْقَتْلِ، فَعَطَفَ إِلَى دُور الحُرَم (٨) . قَالَ المَسْعُوْدِيُّ: أَخذَ مِنْ مُؤْنِسٍ وَأَصْحَابِهِ أَمْوَالاً كَثِيْرَةً. فَلَمَّا خُلِعَ

стр. 9372

طُولِبَ بِهَا، فَأَنكَرَ، فَعُذِّبَ بِأَنْوَاع العَذَابِ، فَمَا أَقَرَّ بِشَيْءٍ، فَأَخَذَهُ الرَّاضِي بِاللهِ، فَقرَّبه وَأَدْنَاهُ، وَقَالَ: تَرَى مطَالبَةَ الجُنْدِ لَنَا، وَالَّذِي عِنْدَك لَيْسَ بنَافِعك، فَاعْتَرِفْ بِهِ، قَالَ: أَمَا إِذْ فعلت هَذَا (١) ، فَالمَالُ دفنتُهُ فِي البُسْتَانِ. وَكَانَ قَدْ أَنشَأ بُستَاناً فِيْهِ أَصنَافُ الثَّمَرِ، وَالقصر الَّذِي زخرفَه. فَقَالَ: وَفِي أَي مَكَان هُوَ؟ قَالَ: أَنَا مكفوفٌ وَلاَ أَهتدِي إِلَى البُقْعَةِ، فَاحفرِ البُسْتَان تجدْه فَحَفَرُوا البُسْتَانَ وَأَسَاس القصرِ، وَقلَعُوا الشَّجر فَلَمْ يُوجد شَيْء. فَقَالَ: وَأَيْنَ المَال؟ قَالَ: وَهَل عِنْدِي مَال؟!! إِنَّمَا كَانَ حسرتِي فِي جُلوسكَ فِي البُسْتَانِ وَتنعُّمك فَفَجعْتُكَ بِهِ (٢) . فَأَبعَدَه وَحَبَسَهُ، فَأَقَامَ إِلَى سَنَةِ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ، ثُمَّ أُخرج إِلَى دَار ابْن طَاهِر، فَكَانَ تَارَةً يحبس، وَتَارَةً يُهْمَلُ. فوقَفَ يَوْماً بِالجَامِعِ بَيْنَ الصُّفوف، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ بيضَاء وَقَالَ: تصدَّقُوا عليَّ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عرفتُمْ. وَأَرَادَ أَنْ يشنِّع عَلَى الخَلِيْفَة المُسْتَكْفِي، فَقَامَ إِلَيْهِ ابْنُ أَبِي مُوْسَى الهَاشِمِيُّ، فَأَعطَاهُ أَلف دِرْهَم، فمنعُوهُ مِنَ الخُرُوج (٣) . ثمَّ مَاتَ: فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلاَثِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَلَهُ ثَلاَثٌ وَخَمْسُوْنَ سنَةً، وَلَهُ مِنَ الأَوْلاَد: عَبْدُ الصَّمَدِ، وَأَبُو القَاسِمِ، وَأَبُو الفَضْلِ، وَعَبْدُ العَزِيْزِ (٤) . وَوَزَرَ لَهُ: أَبُو عَلِيٍّ بنُ مقلَةَ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بنُ القَاسِمِ، ثُمَّ الخَصيبِيّ. ونَفَّذَ عَلَى إِمْرَة مِصْرَ أَحْمَد بنُ كَيَغْلَغ، إِذْ تُوُفِّيَ أَمِيْرُهَا تِكِين الخَاصَّة (٥) .

стр. 9373

وَمَاتَتْ سَنَة إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ شغَب أَمُّ المُقْتَدِر. وَقُتِلَ الخَادِم (١) مُؤنِس المُلَقَّب (٢) بِالمُظَفَّر، وَكَانَ شَهْماً مَهِيْباً شُجَاعاً دَاهِيَةً، عُمِّرَ تِسْعِيْنَ سنَةً، وَقَادَ الجُيُوش سِتِّيْنَ سَنَةً. وَفِي سَنَةِ ٣٢٢ دَخَلَتِ الدَّيْلَمُ أَصْبَهَانَ، وَكَانَ مِنْ قُوَّادِهِم عَلِيُّ بنُ بُوَيه (٣) ، فَانفرَدَ عَنْ مَردَاوِيج (٤) ، ثُمَّ حَارب مُحَمَّدَ بنَ يَاقوت، فَهَزَمَ مُحَمَّداً، وَاسْتَوْلَى عَلَى فَارسَ، وَكَانَ أَبُوْهُ فَقِيْراً صَيَّاداً. قَالَ مَحْمُوْد الأَصْبَهَانِيُّ: كَانَ سبَبَ خَلْعِهِم لِلْقَاهر سُوء سيرتِهِ، وَسَفكُهُ الدِّمَاء، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِم مِنَ الخَلْع، فَسَملُوهُ حَتَّى سَالتْ عينَاهُ (٥) . وفِي أَيَّامه ظَهَرَ مُحَمَّدُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي العَزَاقر الشَّلْمَغَانِيُّ، وَادَّعَى الإِلهيَّة بِبَغْدَادَ، وَأَنَّهُ يُحْيي المَوْتَى، وَتعصَّبَ لَهُ ابْن مُقلَة، وَأَنكر مَا قِيْلَ عَنْهُ، ثُمَّ قُتِلَ، وَقُتِلَ بِسَبَبِهِ الحُسَيْنُ بنُ القَاسِمِ، وَأَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ أَبِي عَوْن الأَنْبَارِيُّ، مُصَنِّفُ (الأَجوبَة المسْكِتَة (٦)) ، كَانَا يَعْتَقِدَانِ فِي الشَّلْمَغَانِيِّ (٧) . وَللقَاهر مِنَ الأَوْلاَد: أَبُو القَاسِمِ، وَعَبْد الصَّمَدِ (٨) ، وَأَبُو الفَضْلِ مُحَمَّدٌ، وَفَاطِمَةُ، وَعَاتِكَة، وَأُمَامَة.

стр. 9374

فَصْلٌ: وَلنَذْكُرْ هُنَا جَمَاعَةً مِنْ خُلَفَاءِ الإِسْلاَمِ عَلَى التَّوَالِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - لِيتَأَمَّلَ تَرَاجِمَهُمُ الفَاضِلُ مُتَّصِلَةً مَجْمُوْعَةً ٥٨ - الرَّاضِي بِاللهِ مُحَمَّدُ ابنُ المُقْتَدِر بِاللهِ جَعْفَرٍ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو إِسْحَاقَ (١) مُحَمَّد - وَقِيْلَ: أَحْمَدُ - ابنُ المُقْتِدرِ بِاللهِ جَعْفَرِ ابنِ المُعْتَضِد بِاللهِ أَحْمَدَ بنِ الموفقِ بنِ المُتَوَكِّلِ الهَاشِمِيُّ، العَبَّاسِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِيْنَ وَمائَتَيْنِ. وَأُمُّه رومِيَّة. كَانَ أَسمَرَ قصيراً نَحِيْفاً فِي وَجْهِهِ طُولٌ اسْتُخْلِفَ بَعْد عَمِّه القَّاهر عِنْدَمَا سَمَلوا القَاهر سنَة اثْنَيْنِ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ الخَطِيْبُ: لَهُ فَضَائِل مِنْهَا: أَنَّهُ آخر خَلِيْفَةٍ خطَبَ يَوْمَ الجُمُعَة، وَآخر خَلِيْفَةٍ جَالسَ النُّدمَاء، وَآخر خَلِيْفَةٍ لَهُ شِعْر مدُوَّنَ، وَآخر خَلِيْفَة انفَرَدَ بتَدْبِيْر الجُيُوش. وَكَانَتْ جَوَائِزُهُ وَأَمُورُه عَلَى تَرْتِيْب المُتَقَدِّمِيْنَ مِنْهُم (٢) ، وَكَانَ سَمْحاً جَوَاداً أَدِيْباً فَصِيْحاً مُحِبّاً للعُلَمَاء (٣) . سَمِعَ: مِنَ البَغَوِيِّ.

стр. 9375

قَالَ الصُّوْلِيُّ: سُئِلَ الرَّاضِي أَنْ يخطُبَ يَوْم جُمُعَةٍ، فَارتقَى مِنْبَر سَامَرَّاء، وَحَضَرْتُه، فشنَّف الأَسْمَاعَ وَأَبلغَ، ثُمَّ صَلَّى (١) بنَا. قِيْلَ: إِنَّ الرَّاضِي سُقِي بطنُهُ، وَأَصَابَه ذَرَبٌ (٢) ، وَأَتلَفَه كَثْرَةُ الجِمَاع (٣) . فَتُوُفِّي فِي نِصْفِ ربيعٍ الآخر سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ، وَلَهُ اثنتَانِ وَثَلاَثُوْنَ سنَةً، سِوَى أَشْهُرٍ. وَله مِنَ الأَوْلاَد: عَبْدُ اللهِ، رُشِّحَ لولاَيَة العَهد، وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ، وَبنتٌ، وَهُم أَوْلاَدُ إِمَاء. وبُوْيِع المتَّقِي للهِ إِبْرَاهِيْمُ أَخُوْهُ. وَكَانَتِ الفِتَنُ وَالحُرُوبُ مُتَوَاتِرَةٌ بالعِرَاق فِي هَذِه السنين، وضعُفَ شَأْن الْخلَافَة، فَللَّه الأمرُ. وَجَرت فتنَةُ ابْنِ رَائق، وفتنَةُ ابْن البَرِيدِيّ، ومَرِجَ (٤) أَمر النَّاسِ، وعمَّ الْبلَاء، ومَات أَمِير الأمرَاء محمدُ بنُ يَاقُوت مسجوناً. وفِي أَيَّام الرَّاضِي عظُمَ محمدُ بنُ رَائق، وَلم يبقَ للرَّاضِي مَعَه حلٌّ وَلَا رَبْطٌ، وَله مِنَ الْوَلَد أَبُو الفَضْل عَبْدُ الله، وأَحْمَد، والسّتّ هَجْعَة. ٥٩ - المُتَّقِي للهِ إِبْرَاهِيْمُ بنُ المُقْتَدِر بنِ المُعْتَضِدِ العَبَّاسِيُّ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ المُقْتَدِر بنِ المُعْتَضِد العَبَّاسِيُّ.

стр. 9376

قَالَ الصُّوْلِيُّ: مَاتَ الرَّاضِي، فَبَعَثَ بُجْكم (١) مِنْ وَاسِط إِلَى كَاتِبه أَحْمَدَ بنِ عَلِيٍّ الكُوْفِيِّ أَنْ يَجْمَعَ القُضَاةَ وَالأَعيَانَ، وَوَزِيْرَ الرَّاضِي سُلَيْمَانَ بنَ الحَسَنِ، وَيشْتَورُوا فِي إِمَامٍ، فَبَعَثَ حُسَيْنُ بنُ الفَضْلِ بنِ المَأْمُوْن إِلَى الكُوْفِيِّ بِعَشْرَةِ آلاَف دِيْنَار ليشتَرِيه، وَنفَّذ إِلَيْهِ أَيْضاً بِأَرْبَعِيْنَ أَلف دِيْنَار لِيفرّقَهَا فِي الأُمَرَاءِ فَلَمْ يَنفع ذَلِكَ، وبَايَعُوا إِبْرَاهِيْمَ، وَسنُّه أَرْبَعٌ وَثَلاَثُوْنَ سنَةً، وَأُمُّه اسْمُهَا خَلُوب. وَكَانَ حَسَنَ الوَجْه، مُعْتَدِل الخَلْقِ بحمرَةٍ، أَشهلَ، كَثَّ اللِّحْيَة، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَصَعِدَ عَلَى السَّرِيْر، وَلَمْ يغيّرْ شَيْئاً، وَلاَ تسرَّى عَلَى جَاريته. وَكَانَ ذَا صومٍ وَتعبُّدٍ، وَلَمْ يشربْ نبيذاً، وَيَقُوْلُ: لاَ أُرِيْد نَدِيماً غَيْرَ المُصْحَفِ (٢) . وَأَقَرَّ فِي الوِزَارَة سُلَيْمَانَ بنَ الحَسَنِ فَكَانَ مقهوراً مَعَ كَاتِب بجْكم، ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ سَقَطَتِ القُبَّة الخَضْرَاء، وَكَانَتْ تَاجَ بَغْدَادَ وَمأْثرَة بَنِي العَبَّاسِ، بنَاهَا المَنْصُوْرُ علوّ ثَمَانِيْنَ ذرَاعاً، تَحْتهَا إِيوَان طولُه عِشْرُوْنَ ذِرَاعاً فِي عَرْضِهَا. فَسقَطَ رَأْسُهَا مِنْ مَطَرٍ ورَعْدٍ شَدِيد (٣) ، وَكَانَ القَحْطُ بِبَغْدَادَ، ثُمَّ عَزَل المُتَّقِي وَزِيْره بِأَحْمَدَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ مَيْمُوْنٍ. وَأَقبلَ أَبُو عَبْدِ اللهِ البَريديُّ مِنَ البَصْرَة، يطلُبُ الوِزَارَة فَولِيَها وَمَشَى إِلَيْهِ ابْنُ مَيْمُوْنٍ. فكَانَتْ وِزَارَةُ ابْن مَيْمُوْنٍ شَهْراً، لَكِنْ هَرَبَ البريدِي بَعْد أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِيْنَ يَوْماً لَمَّا شغَبَ الجُنْد بطلَب أَرزَاقِهِم. فَوِزْرُ القَرَاريطِيّ (٤) ، ثُمَّ عُزِلَ بَعْد شَهْرٍ

стр. 9377

وَأَيَّام، فولِيَهَا الكَرْخِيّ، وَعُزِلَ بَعْد أَيَّام، وَولَّى المُتَّقِي إِمرَةَ الأُمَرَاء كورتكين الدَّيْلَمِيّ. وَقُتِلَ بجكم، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْطنَ وَاسِطاً، وَالتزم بِأَنَّ يحُمِلَ إِلَى الرَّاضِي فِي السَّنَة ثَمَان مائَة أَلْف دِيْنَار. وَعَدَل وَكَانَ إِلَى كَثْرَة أَمْوَاله المُنْتَهَى فَكَانَ يُخْرِجُهَا فِي الصَّنَادِيقِ، وَيُخرِجُ رِجَالاً فِي صنَادِيقِ عَلَى جِمَالٍ إِلَى البَرّ ثُمَّ يَفتحُ عَلَيْهِم فيحفِرُوْنَ، وَيدفن المَالَ، وَيردُّهُم إِلَى الصَّنَادِيقِ فَلاَ يعرِفُون الكَنْزَ، وَيَقُوْلُ: إِنَّمَا أَفعلُ هَذَا خَوَفاً أَنْ يحَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ دَارِي، فَذَهَبَ ذَلِكَ بِموتِهِ (١) ، ثُمَّ حَاربَه أَبُو عَبْدِ اللهِ البَرِيديُّ، وَانتصرَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (٢) ، وَخَرَجَ بُجكم يَتَصَّيد، وَهنَاك أَكرَادٌ، فطَعَنه أَسودٌ برُمْح فَقَتَلَهُ فِي رَجَبٍ سنَةَ ٣٢٩ (٣) . وَذهبَ أَصْحَابُه: كورتكينُ وَتوزونُ وَغيرُهُمَا إِلَى الشَّامِ إِلَى مُحَمَّدِ بنِ رَائِق. وطَلَبَه المتقِي (٤) فَسَارَ مِنْ دِمَشْقَ، وَاسْتنَابَ عَلَى الشَّامِ. وَكَانَ قَدْ تغلَّب عَلَيْهَا، فَاسْتنَابَ أَحْمَدَ بنَ مقَاتل. وَجَاءَ فَقَدَّمه المتقِي وَطوَّقَه وَسوَّره. وَخضعَ لَهُ مُحَمَّد بنُ حَمْدَان (٥) ، وَنفَّذ إِلَيْهِ بِمائَة أَلف دِيْنَار، وَخطَبَ لَهُ بِوَاسِط وَبِالبَصْرَةَ البَريديُّ، وَكتب اسْمَه عَلَى أَعلاَمِهِ، ثُمَّ اخْتلف ابْنُ رَائِقٍ وَكورتكينُ وَتحَارَبا أَيَّاماً، وَقَهَرَه ابْنُ رَائِق، ثُمَّ ضعُف وَاخْتَفَى، وَتَمَكَّنَ ابْنُ رَائِق وَأَبَاد جَمَاعَةً، وَأَسر كورتكين فِي سَنَةِ ثَلاَثِيْنَ (٦) ، وَأبيع (٧) كُرُّ القَمحِ

стр. 9378

بِأَزيدَ مِنْ مَائَتَي دِيْنَار، وَأَكلُوا الجيَفَ، وَخَرَجتِ الرُّوْمُ، فَعَاثُوا بِأَعمَال حلَبَ (١) . وَفِيْهَا: اسْتوزر المتقِّي أَبَا عَبْدِ اللهِ البَريديَّ برَأْي ابْنِ رَائِق، ثُمَّ عُزِلَ بِالقرَاريطِيّ، فَذَهَبَ مُغَاضِباً، وَجَمَع العَسَاكر (٢) . وَفِي جُمَادَى الأُولَى ركِب المُتَّقِّي للهِ وَوَلَدُه أَبُو مَنْصُوْرٍ، وَابْنُ رُائِق، وَالوَزِيْر القَرَاريطِيُّ، وَبَيْنَ أَيديهُم القُرَّاء وَالمَصَاحِف لِحَرْب البَرِيْديِّ، ثُمَّ انْحَدَر مِنَ الشَّمَّاسِيَّة فِي دِجْلَةَ، وَثقُل كُرْسِيُّ الجِسْر، فَانْخَسف بخلْقٍ (٣) . وَأَمر ابْنُ رَائِق بلَعْنَة البَريدِيّ عَلَى المنَابرِ، ثُمَّ أَقبل أَبُو الحُسَيْنِ عَلِيُّ بنُ مُحَمَّدٍ البَريديُّ أَخُو أَبِي عَبْدِ اللهِ، فَهَزَمَ المُتَّقِّي، وَابْن رَائِق، وَكَانَ مَعَهُ خلقٌ مِنَ الدَّيْلَم وَالتُّرْك، وَالقَرَامطَة. وَوقَعَ النَّهبُ بِبَغْدَادَ، وَزَحَفَ ابْنُ البَرِيديّ عَلَى الدَّار، وَعظُم الخَطْبُ. وَقُتِلَ جَمَاعَة بِدَارِ الخِلاَفَة، وَهَرَبَ المُتَّقِّي وَابْنُه، وَابْن رَائِق إِلَى المَوْصِل، وَاخْتَفَى القَرَاريطِيّ الوَزِيْرُ. وَبَعَثَ ابْنُ البَريديّ بكورتكين مقيَّداً إِلَى أَخِيْهِ فَأَتْلَفَه، وَحكَم أَبُو الحُسَيْنِ بِبَغْدَادَ، وَتعثَّرتِ الرَّعيَّة، وَهجُّوا، وَبلَغَ الكُرُّ أَزيد مِنْ ثَلاَث مائَة دِيْنَارٍ، وَغَرِقَتْ (٤) بَغْدَادُ. ثُمَّ فَارَقَه توزون وَرَاحَ إِلَى المَوْصِل، فَقويَ قلبُ نَاصر الدَّوْلَة ابْنِ حَمْدَان، وَعَزَمَ أَنْ ينحدِرَ إِلَى بَغْدَادَ بِالمُتَّقِّي. فتَهَّيأَ أَبُو الحُسَيْنِ بنُ البَرِيديّ، وَتردَّدَت الرُّسل بَيْنَ ابْنِ رَائِق وَبَيْنَ ابْن حَمْدَانَ، فتحَالفَا، فَجَاءَ ابْن حَمْدَانَ وَاجْتَمَعَ بِهِ، وَحضر ابْن المتقِّي فَلَمَّا ركب ابْن المتقِّي، قُدِّمَ فَرَس ابْن رَائِق ليركَبَ، فتعلَّق بِهِ ابْنُ حَمْدَان. وَقَالَ: تقيمُ عِنْدنَا اليَوْمَ نتحدّث. فَقَالَ: كَيْفَ أَتخلَّف عَنْ وَلَدِ أَمِيْرِ المُؤْمِنِيْنَ؟ فَأَلَحَّ عَلَيْهِ حَتَّى ارْتَابَ وَجَذَبَ كُمَّه مِنْ

стр. 9379

يَده فَتخرَّق، هَذَا وَرِجْلُه فِي الرِّكَاب، فشبَّ بِهِ الفرسُ فَوَقَعَ. فصَاح ابْنُ حَمْدَانَ بغِلْمَان: اقتلُوهُ، فَاعْتَورَتْه السُّيوفُ فَاضطرب أَصْحَابُه خَارجَ المخيَّم. وَدُفِنَ وَعُفِي أَثرُه، وَنُهبَتْ أَمْوَالُه (١) . فَذكر رَجُلٌ أَنَّهُ وَجَد كِيساً فِيْهِ أَلف دِيْنَارٍ، وَخَافَ مِنَ الجُنْدِ. قَالَ: فرمَيْتُه فِي قِدْرِ سِكْبَاج (٢) ، وَحمَلْتُهَا عَلَى رَأْسِي فسَلِمْتُ، وَجَاءَ ابْنُ حمَدَان إِلَى المُتَّقِّي وَقَالَ: إِنَّ ابْنَ رَائِق هَمَّ بِقَتْلِي، فَقلَّدَه مَكَانَ ابْنِ رَائِق، وَلقَّبه يَوْمَئِذٍ نَاصر الدَّوْلَة وَلقَّب أَخَاهُ سَيْف الدَّوْلَة وَعَادَ بِهِمْ. فَهَرَبَ أَبُو الحُسَيْنِ بنُ البَريديّ مِنْ بَغْدَادَ (٣) ، وَسَارَ بَدْر الخَرْشَنِيٌّ فَولِيَ دِمَشْق. ثُمَّ بَعْد شَهْر أُرجفَ بِمجِيْء ابْن البَرْيديّ، فَانْجَفَلَ النَّاسُ، وَخَرَجَ المُتَّقِّي ليَكُوْنَ مَعَ نَاصرِ الدَّوْلَةِ، وَتوجَّه سَيْفُ الدَّوْلَة لمحَاربَةِ ابْنِ البَريديّ، فَكَانَتْ بينهُمَا مَلْحَمَةٌ بقُرْبِ المَدَائِن. فَاقْتَتَلُوا يَوْمَيْنِ، فَانكسرَ سَيْفُ الدَّوْلَة أَوَّلاً، فردَّ نَاصرُ الدَّوْلَة الفلَّ، ثُمَّ كَانَتِ الهَزِيْمَةُ عَلَى ابْنِ البَريدِيّ وَرُدَّ فِي وَيْل إِلَى وَاسِطٍ. وَتَبِعَهُ سَيْفُ الدَّوْلَة فَانهزمَ إِلَى البَصْرَةِ (٤) ، وَمِنْ ثُمَّ تَزَوَّجَ أَبُو مَنْصُوْرٍ إِسْحَاقُ بنُ المُتَّقِّي ببنتِ نَاصرِ الدَّوْلَة عَلَى مَائَتَي أَلف دِيْنَار، وَتَمَكَّنَ نَاصر الدَّوْلَة، وَأَخَذَ ضِيَاعَ المُتَّقِّي، وَصَادَرَ الدَّوَاوِيْن، وَظَلَمَ. ثُمَّ بلَغَه هُرُوب أَخِيْهِ سَيْفِ الدَّوْلَة مِنْ وَاسِطٍ، فَخَافَ نَاصرُ الدَّوْلَة، وَرُدَّ إِلَى المَوْصِل وَنُهِبَتْ دَارُه (٥) ، وَاستَوْزَرَ عَلِيَّ بنَ أَبِي عَلِيّ بنِ مُقلَة، وَأَقبلَ تَوزُون مِنْ وَاسِطٍ فَخَلَعَ عَلَيْهِ المُتَّقِّي، وَلقَّبَه أَمِيْرَ الأُمَرَاءِ، وَلَكِنْ مَا تَمَّ

стр. 9380

الوُدّ (١) . فَعَاد تَوزون إِلَى وَاسِطٍ وَصَادَرَ المُتَّقِّي وَزِيْرَهُ، وَبَعَثَ بخِلَعٍ إِلَى أَحْمَدَ بنِ بُوَيه، وَاسْتَوْزَرَ غَيْرَ وَاحِدٍ، وَيَعْزِلُهُمْ. وَصَغُرَ أَمرُ الوِزَارَة، وَوَهَنَتِ الخِلاَفَةُ العَبَّاسِيَّةُ. وَبَلَغَ ذَلِكَ النَّاصر لِدِيْنِ اللهِ المَرْوَانِيَّ، صَاحِبَ الأَنْدَلُس (٢) فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِإِمرَةِ الْمُؤمنِينَ، فتلقَّبَ بِذَلِكَ. وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، يُقَال لَهُ: الأَمِيْر، كآبَائِهِ. وَسَارَ المُتَّقِّي للهِ إِلَى تِكْرِيت، وَتَفَلَّل أَصْحَابُه وَقَدِمَ تَوزُون فَاسْتوْلَى عَلَى بَغْدَادَ، فَأَقبل نَاصرُ الدَّوْلَة فِي جَمْع كَبِيْر مِنَ الأَعرَابِ وَالأَكْرَاد، فَالتَقَى توزون بعُكْبَرَا وَاقْتَتَلُوا أَيَّاماً، ثُمَّ انهزمَ بَنو حَمْدَان، وَالمتقِّي إِلَى المَوْصِل، ثُمَّ التَقَوا ثَانياً عَلَى حَربه (٣) فَانهزم سَيْف الدولَة وَالخَلِيْفَة إِلَى نَصِيبين وَتبعهُم تَوزون (٤) . وَأَمَّا أَحْمَد بن بُوَيه (٥) ، فَإِنَّهُ أَقبل وَنَزَلَ بِوَاسِط يُرِيْد بَغْدَاد (٦) . وَرَغِبَ تَوزون فِي الصُّلح. وَفِي سَنَةِ ٣٣٢ قَتَل أَبُو عَبْدِ اللهِ بنُ البَريدِيّ أَخَاهُ أَبَا يُوْسُفَ. وَمَاتَ بَعْدَهُ بِيَسِيْرٍ (٧) . وَكَتَبَ المُتَّقِّي إِلَى صَاحِبِ مِصْر الإِخْشِيد ليحضُرَ إِلَيْهِ، فَأَقبل

стр. 9381

إِلَيْهِ فَوَجَدَه بِالرَّقَّةِ. وَبَانَ لِلْمُتَّقِّي مِنْ بَنِي حَمْدَان الضَّجر، فرَاسل تَوْزون، وَاسْتوثَقَ مِنْهُ (١) ، فَعَلِمَ بِذَلِكَ الإِخْشِيد، فَقَالَ لِلْمُتَّقِّي: أَنَا عبدُك، وَقَدْ عرفتَ غدْر الأَترَاكِ، فَاللهَ اللهَ فِي نَفْسِك، سِرْ مَعِي إِلَى الشَّامِ وَمِصْرَ، لتَأَمنَ. فَلَمْ يُطْعه، فرُدَّ إِلَى بلاَده (٢) . وَقُتِلَ بِبَغْدَادَ حَمْدِي اللِّصُّ الَّذِي ضَمِنَ (٣) اللُّصُوصِيَّة فِي الشَهْر بخَمْسَةٍ وَعِشْرِيْنَ أَلْف دِيْنَارٍ. فَكَانَ ينزِل عَلَى الدُّور وَالأَسوَاق بِالشَّمْعِ وَالمَشْعَل جِهَاراً. ظَفِرَ بِهِ شِحْنَةُ بَغْدَاد فوسَّطه (٤) . وَكَانَ توزون بِبَغْدَادَ وَإِليه الأُمُور فَاعْتَرَاهُ صَرْع (٥) . وَهلك أَبُو عَبْدِ اللهِ البَريديُّ، وَخَلَّفَ أَلفَ أَلفِ دِيْنَارٍ، وَبِضْعَةَ عشر أَلف أَلفِ دِرْهَم، وَمِنَ الآلاَت وَالقُمَاشِ مَا قيمتُهُ أَلفُ أَلفِ دِيْنَارٍ (٦) . وَتوجَّه المُتَّقِّي مِنَ الرَّقَّة إِلَى بَغْدَادَ، فَأَقَامَ بِهِيْتَ، وَحَلَفَ لَهُ تَوْزون، فَلَمَّا الْتَقَاهُ، ترجَّل لَهُ وَقَبَّلَ الأَرْضَ، وَمَشَى بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى مخيَّمٍ ضَرَبَه لِلْمُتَّقِّي، فَلَمَّا نَزَلَ قَبَضَ توزون عَلَيْهِ وَسَمَله، وَأُدْخِلَ بَغْدَادَ أَعْمَى (٧) ، فَللَّه الأَمْرُ، وَأَخَذَ مِنْهُ البُردَ وَالقَضِيْبَ وَالخَاتَمَ. وَأَحْضَرَ عَبْدَ اللهِ المستكفِي بِاللهِ بن المُكْتَفِي فَبايَعَهُ بِالخِلاَفَة.

стр. 9382

خُلِعَ المُتَّقِّي فِي العِشْرِيْنَ مِنَ الُحَرَّم سَنَةَ ثَلاَثٍ وَثَلاَثِيْنَ. وَقِيْلَ: فِي صَفَرٍ وَلَمْ يُمْهل توزون وَلاَ حَال عَلَيْهِ الحَوْلُ. تُوُفِّيَ المُتَّقِي فِي السِّجن بَعْد كَحْلِهِ بِدَهْرٍ وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِيْنَ وَثَلاَثِ مائَةٍ. وَلَهُ مِنَ الأَوْلاَد: أَبُو مَنْصُوْرٍ مُحَمَّد فَقط. ٦٠ - المُسْتَكْفِي بِاللهِ عَبْدُ اللهِ بنُ المُكْتَفِي بنِ المُعْتضدِ * الخَلِيْفَةُ، المُسْتكفِي بِاللهِ، أَبُو القَاسِمِ عَبْدُ اللهِ ابنُ المُكْتَفِي عَلِيِّ بنِ المُعْتضد العَبَّاسِيُّ. كَانَ ربْعَ القَامَة مَلِيحاً، معتدلَ البَدَن، أَبيضَ بحمرَة، خَفِيْفَ العَارضين. وَأُمُّه أُمّ وَلد. بُوْيِع وَقت خَلْع المُتَّقِّي للهِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ إِحْدَى وَأَرْبَعُوْنَ سنَةً. قَامَ ببيعتِهِ توزونُ، فَأَقبلَ أَحْمَدُ بنُ بُويه، وَاسْتَوْلَى عَلَى الأَهْوَاز وَالبَصْرَة وَوَاسط، فَبَرَزَ لمحَاربته جَيْشُ بَغْدَاد مَعَ توزون، فَدَام الحَرْب بينهُمَا أَشهُراً، وَينهزمُ فِيْهَا توزون وَلاَزَمه الصَّرْع، وَضَاق بِأَحْمَدَ الحَالُ وَالقَحطُ، فردَّ إِلَى الأَهْوَاز، وَقَطَعَ توزونُ الجِسْر وَرَاءهُ، وَعَادَ إِلَى بَغْدَادَ مشغولاً بنَفْسِهِ (١) . وَوَزَرَ أَبُو الفَرَجِ السَّامَرِّيُّ، ثُمَّ عَزَلَهُ توزون بَعْد أَرْبَعِيْنَ يَوْماً، وَأَغرمَهُ ثَلاَث مائَة أَلْفِ

стр. 9383

دِيْنَار (١) . وَرَدَّ إِلَى الوِزَارَة أَبَا جَعْفَرٍ بنَ شيرزَاد (٢) ، وَاشْتَدَّ بِالعِرَاقِ القَحط، وَمَاتَ النَّاس جُوعاً، وَهَلَكَ ملك الأُمَرَاءِ توزون فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ، فَطَمِعَ فِي مَنْصِبِهِ ابْنُ شيرزَاد، وَحلَّفَ العَسَاكِر، وَنَزَلَ بِظَاهِر بَغْدَاد، وَبَعَثَ المستكفِي إِلَيْهِ بِالخِلعَ وَالإِقَامَات، فصَادر التُّجَّارَ وَالكُتَّاب، وَسلَّط جندَه عَلَى العوَامّ. فَهَرَبَ النَّاس، وَانْقَطَع الجَلبُ، وَوَهَن أَمن بَغْدَاد (٣) . وَأَمَّا أَحْمَدُ بنُ بُوَيه فَقَصَد بَغْدَاد، وَنَزَلَ بَاجِسْرَاي (٤) ، وَهَرَبَ الأَترَاكُ إِلَى المَوْصِلِ، وَاسْتتر المُسْتَكْفِي، وَابْنُ شيرزَاد، فَنَزَلَ مُعزُّ الدَّوْلَة أَحْمَد بن بُوَيْه بِالشَّمَّاسيَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ الخَلِيْفَة التُّحَفَ وَالخِلَعَ، ثُمَّ حَضَرَ وَبَايَعَ، فلقَّبه الخَلِيْفَة بِمعزّ الدَّوْلَة، وَلقَّب أَخَاهُ عَلِيّاً عمَادَ الدَّوْلَة، وَأَخَاهُ الآخِر الحَسَنَ رُكْنَ الدَّوْلَة. وضُرِبَت أَسمَاؤُهُم عَلَى السِّكَّةِ، ثُمَّ ظَهَرَ ابْنُ شيرزَاد، وَقَرَّر مَعَ معزِّ الدَّوْلَة أُمُوراً، مِنْهَا: فِي الشَّهْرِ لِلْخَلِيْفَة مائَةٌ وَخَمْسُوْنَ أَلفَ دِرْهَم لَيْسَ إِلاَّ (٥) ، وَكَانَتْ عَلمَ القَهْرمَانَة معظَّمَة عِنْد المُسْتكفِي تَأمر وَتنَهَى فعَمِلَتْ دَعْوَةً لِلأُمرَاء فَاتَّهَمهَا معزُّ الدَّوْلَة (٦) وَكَانَ أَصفَبذ (٧) قَدْ شَفَعَ إِلَى الخَلِيْفَة فِي شيعِيّ مَغْبِن فَرَدَّهُ فَحَقَدَ. وَقَالَ لمعزِّ الدَّوْلَة: الخَلِيْفَة يُرَاسلنِي فيكَ، فتَخَيَّل

стр. 9384

مِنْهُ (١) ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الخَلِيْفَة اثْنَانِ مِنَ الدَّيْلَمِ، فَطَلبَا مِنْهُ الرِّزْقَ، فمدَّ يدَهُ لِلتَّقْبِيل، فجبذَاهُ (٢) مِنْ سريرِ الخِلاَفَة، وَجَرَّاهُ بعِمَامَته، وَنُهِبتْ دَارهُ، وَأَمسكُوا القَهْرَمَانَة وَجَمَاعَةً، وسَاقُوا المُسْتَكْفِي مَاشياً إِلَى منزِلِ مُعزِّ الدَّوْلَة، فَخَلَعَ المستكفِي وَسَمَلَه. فَكَانَتْ خِلاَفَتُهُ ستّةَ عشرَ شَهْراً، وَبَايعُوا فِي الحَال الفَضْلَ بنَ المُقْتَدر، وَلقَّبُوهُ المُطِيع للهِ. وَبَقِيَ المستكفِي مسجوناً إِلَى أَنْ مَاتَ: فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلاَثِيْنَ وَثلاث مائَة، وَلَهُ سِتٌّ وَأَرْبَعُوْنَ سنَةً، وَاسْتقلَّ بِملك العِرَاق معزُّ الدَّوْلَة. وضعُفَ دَسْت الخِلاَفَة جِدّاً، وَظَهَرَ الرَّفض وَالاعتزَالُ ببنِي بُويه، نَسْأَل اللهَ العفوَ. وَكَانَ إِكحَالُ المُسْتَكْفِي بَعْدَ أَنْ خَلَعَ نَفْسه ذليلاً مقهوراً فِي جُمَادَى الآخِرَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلاَثِيْنَ، فَعَاشَ بَعْد العَزْل وَالكَحْل أَرْبَعَة أَعْوَامٍ (٣) . ٦١ - المُطِيعُ للهِ الفَضْلُ ابنُ المُقْتَدِرِ جَعْفَرِ بنِ المُعْتَضِدِ * الخَلِيْفَةُ، أَبُو القَاسِمِ الفَضْلُ ابنُ المُقْتَدِرِ جَعْفَرِ ابنِ المُعْتضدِ أَحْمَدَ بنِ المُوَفَّقِ العَبَّاسِيُّ. وُلِدَ: سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاَثِ مائَةٍ. وبُوْيِعَ بحكمِ خَلْعِ المستكفِي نَفْسه سنَةَ ٣٣٤، وَأُمُّه اسْمُهَا: مشغلَة (٤) أُمُّ وَلدٍ.

стр. 9385

حَدَّثَ عَنْ: أَبِي القَاسِمِ البَغَوِيِّ. رَوَى عَنْهُ: أَبُو الفَضْلِ التَّمِيْمِيَّ (١) . وَكَانَ كَالمقهورِ مَعَ نَائِب (٢) العِرَاقِ ابْن بُوَيْه، قرَّرَ لَهُ فِي اليَوْمِ مائَةَ دِيْنَارٍ فَقط (٣) . وَاشْتَدَّ الغلاَءُ المُفْرِط بِبَغْدَادَ، فَذَكَرَ ابْنُ الجَوْزِيّ أَنَّهُ اشتُرِيَ لمعزِّ الدَّوْلَة كُرُّ دَقِيق بِعِشْرِيْنَ أَلْف دِرْهَم (٤) . قُلْتُ: ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ قِنطَاراً بِالدِّمَشْقِيّ، لأَنَّ الكُرَّ أَرْبَعَة وَثَلاَثُوْنَ كَارَة (٥) ، وَالكَارَة خَمْسُوْنَ رِطلاً. وَاقتتل صَاحِبُ المَوْصِل نَاصرُ الدَّوْلَة، وَمعِزُّ الدَّوْلَة، فَالتَقَوا بعُكْبَرَا، فَانتصرَ نَاصرُ الدَّوْلَة، وَنَزَلَ بِالجَانبِ الشَّرْقِيّ، ثُمَّ تلاشَى أَمرُهُ، وَفَرَّ، فَوَضَعتِ الدَّيْلَم السَّيْفَ وَالنهبَ فِي البَلدِ، وَسُبيتِ النِّسَاء. ثُمَّ تَمَكَّنَ المُطِيعُ قَلِيْلاً ثُمَّ اصطلحَ ابْنُ بُويه، وَصَاحِبُ المَوْصِل، فعزَّ ذَلِكَ عَلَى الأَترَاكِ الَّذِيْنَ قويَ بِهِم صَاحِبُ المَوْصِل، وَهمُّوا بِقَتْلِهِ، فَحَاربَهُم فمزَّقهُم (٦) ، وَهَرَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ بنُ شيرزَاد، فسمله وَسَجَنَهُ (٧) . وَفِيْهَا -، أَعنِي: سنَةَ ٣٣٦ - خَرَجَ معزُّ الدَّوْلَةِ، وَالمُطِيعُ إِلَى البَصْرَةِ
следующие страницы →